كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي، مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ الْيَسُوعِيَّةِ
(Prooemium et Encomium Sacrae Scripturae)
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ
فِي أَصْلِهِ وَكَرَامَتِهِ وَمَوْضُوعِهِ وَضَرُورَتِهِ وَثَمَرَتِهِ وَسَعَتِهِ وَصُعُوبَتِهِ وَأَمْثِلَتِهِ وَمَنْهَجِهِ وَتَرْتِيبِهِ.
إِنَّ ذَلِكَ اللَّاهُوتِيَّ الْمِصْرِيَّ الشَّهِيرَ، الَّذِي كَانَ شِبْهَ مُعَاصِرٍ لِمُوسَى، أَعْنِي هِرْمِسَ الَّذِي سَمَّاهُ الْوَثَنِيُّونَ «الْمُثَلَّثَ الْعَظَمَةِ»، وَقَدْ أَطَالَ التَّأَمُّلَ فِي نَفْسِهِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ يَصِفُ الْكَوْنَ أَكْمَلَ وَصْفٍ، انْفَجَرَ أَخِيرًا قَائِلًا: «إِنَّ الْكَوْنَ — قَالَ — كِتَابُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهَذَا الدَّهْرُ الْخَافِتُ النُّورِ مِرْآةُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ». وَبِالْفِعْلِ، مِنْ هَذَا الْكِتَابِ تَعَلَّمَ لَاهُوتَهُ بِتَأَمُّلٍ طَوِيلٍ. «لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكَ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ»؛ وَ: «لِأَنَّ مِنْ عَظَمَةِ جَمَالِ الْمَخْلُوقَاتِ يُرَى خَالِقُهَا، وَقُدْرَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَأُلُوهِيَّتُهُ»؛ حَتَّى إِنَّهُ فِي أَلْوَاحِ السَّمَاوَاتِ الْعَظِيمَةِ هَذِهِ، وَفِي صَفَحَاتِ الْعَنَاصِرِ وَمُجَلَّدَاتِ الزَّمَانِ، يُمْكِنُ لِلْعَيْنِ الثَّاقِبَةِ أَنْ تَقْرَأَ عَلَانِيَةً — كَمَا يَقُولُونَ — عَقِيدَةَ التَّعْلِيمِ الْإِلَهِيِّ: فَهَكَذَا مِنْ بَدَايَاتِ الْعَالَمِ ذَاتِهَا وَمِنْ مَشْرُوعِ خَلْقِهِ مِنَ الْعَدَمِ، نَقِيسُ قُدْرَةَ صَانِعِهِ الْكُلِّيَّةَ وَطَاقَتَهُ؛ وَمِنَ الِانْسِجَامِ الْمُتَنَوِّعِ الْمُتَعَدِّدِ وَالْمُتَنَافِرِ لِلْمَخْلُوقَاتِ، هُوَّتَهُ الْمُحْسِنَةَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ الشُّمُولِ الْفَسِيحِ لِجَمِيعِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ وَالْحَرَكَاتِ وَالْأَزْمِنَةِ الْأُخْرَى، نُدْرِكُ أَزَلِيَّةَ الْخَالِقِ وَلَا مَحْدُودِيَّتَهُ إِلَى حَدٍّ مَا. وَهَكَذَا مِنْ وَزْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَفْسِهَا وَعَدَدِهَا وَقِيَاسِهَا، يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُعْجَبَ بِالْعِنَايَةِ الْحَكِيمَةِ لِهَذَا الْمُهَنْدِسِ الْعَظِيمِ وَيَنْظُرَ إِلَيْهَا بِإِجْلَالٍ، وَبِالِانْسِجَامِ الْكَثِيرِ الْعَجِيبِ التَّوَافُقِ وَنِظَامِ كُلِّ طَبِيعَةٍ فِيهِ، ذَلِكَ الَّذِي رَبَطَ فِي الْأَصْلِ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الْكَوْنِ بِمَقَادِيرَ ثَابِتَةٍ لَا تَتَزَعْزَعُ مُطْلَقًا — بِنَفْسِهِ وَبِكُلِّ جُزْءٍ آخَرَ مُمَاثِلٍ لَهُ عَلَى أَوْدِّ حَالٍ — وَيَحْفَظُ هَذَا الرَّابِطَ الْوُدِّيَّ بِلَا انْقِطَاعٍ بِتَأْثِيرِهِ الْمُسْتَمِرِّ، حَتَّى تَتَنَاغَمَ مَسِيرَاتُهَا فِي تَبَايُنِهَا بِوَفَاءٍ ثَابِتٍ. وَالْحِكْمَةُ الْأَزَلِيَّةُ نَفْسُهَا، إِذْ تُعْلِنُ هَذَا عَنْ نَفْسِهَا عَلَانِيَةً، تَقُولُ فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ ٨: ٢٢: «لَمَّا أَعَدَّ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ؛ لَمَّا أَحَاطَ الْأَعْمَاقَ بِنَامُوسٍ ثَابِتٍ وَدَائِرَةٍ؛ لَمَّا ثَبَّتَ الْجَوَّ مِنْ فَوْقُ وَوَزَنَ يَنَابِيعَ الْمِيَاهِ؛ لَمَّا أَحَاطَ الْبَحْرَ بِحُدُودِهِ وَوَضَعَ لِلْمِيَاهِ شَرِيعَةً أَلَّا تَتَجَاوَزَ تُخُومَهَا؛ لَمَّا وَضَعَ أَسَاسَاتِ الْأَرْضِ، كُنْتُ عِنْدَهُ أُنَظِّمُ الْجَمِيعَ»، كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا نَقَشَتْ عَلَامَاتٍ مُعَيَّنَةً مِنْ ذَاتِهَا فِي هَذَا التَّكْوِينِ.
٢. لَكِنَّ هَذَا الْعَالَمَ الصَّغِيرَ الْجَمِيلَ، وَإِنْ كَانَ يَكْشِفُ عَنِ النَّمُوذَجِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي صِيغَ عَنْهُ مِنْ صَانِعِهِ — أَعْنِي الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُقَدَّسَةَ وَالْكُرَةَ غَيْرَ الْمَخْلُوقَةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ الْعُلْيَا — وَيَضَعُهُ أَمَامَ أَعْيُنِنَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ نَاقِصٌ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنَاصِرَ أَوَّلِيَّةً خَامًا — آثَارًا أَقُولُ — يُسْتَدَلُّ مِنْهَا عَلَى الْأَسَدِ مِنْ مِخْلَبِهِ، لَا وَصْفًا وَاضِحًا كَامِلًا لِكَاتِبِهِ. فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِحُرُوفِ الطَّبِيعَةِ وَحْدَهَا، فَلَا يُمْلِي شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الطَّبِيعَةِ، وَالَّتِي بِهَا نَتَقَدَّمُ نَحْوَ سَمَاءِ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ وَخَيْرِنَا الْأَبَدِيِّ الَّذِي نَسْعَى إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا فِي قُلُوبِنَا فِي الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ.
٣. لِذَلِكَ اسْتَحْسَنَ الْجُودُ الْإِلَهِيُّ اللَّامَحْدُودُ — أَيْ ذَلِكَ الْكَاتِبُ الْحَكِيمُ الَّذِي يَكْتُبُ بِسُرْعَةٍ وَتَنَازُلٍ عَجِيبٍ — أَنْ يَسْتَخْدِمَ قَلَمًا آخَرَ، وَأَنْ يَضَعَ أَمَامَنَا أَلْوَاحًا أُخْرَى، وَأَنْ يَرْسُمَ حُرُوفًا مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَنْ ذَاتِهِ: لَا تُدْرِجُ شَبَهًا أَخْرَسَ، بَلْ أَصْوَاتًا وَاضِحَةً لِلْعُيُونِ، وَأَنْغَامًا لِلْآذَانِ، وَمَعَانِيَ لِلْعُقُولِ، وَصُوَرًا حَيَّةً لِلْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ، يَصِفُ بِهَا نَفْسَهُ وَالْعُقُولَ السَّمَاوِيَّةَ وَجَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكُلَّ مَا يَقُودُنَا بِالْيَدِ إِلَى الْحَيَاةِ الصَّالِحَةِ وَالسَّعِيدَةِ، بِوُضُوحٍ وَإِحْسَانٍ وَحِكْمَةٍ. وَهَذَا مَا تَعَجَّبَ مِنْهُ مُوسَى وَهُوَ يُوشِكُ أَنْ يُمْلِيَ شَرِيعَةَ اللهِ عَلَى إِسْرَائِيلَ، تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ ٤: ٧: «هُوَذَا — يَصِيحُ — شَعْبٌ حَكِيمٌ فَهِيمٌ، أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ وَلَيْسَتْ أُمَّةٌ أُخْرَى عَظِيمَةٌ هَكَذَا لَهَا آلِهَةٌ تَقْتَرِبُ إِلَيْهَا: فَأَيُّ أُمَّةٍ أُخْرَى هِيَ مَشْهُورَةٌ هَكَذَا بِأَنَّ لَهَا طُقُوسًا وَأَحْكَامًا عَادِلَةً وَشَرِيعَةً كَامِلَةً، كَالَّتِي سَأَعْرِضُهَا الْيَوْمَ أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ؟»
وَحَقًّا، كَمْ هُوَ عَجِيبٌ أَنْ نَمْلِكَ دَائِمًا فِي مُتَنَاوَلِ أَيْدِينَا أَسْفَارَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ — أَيْ تِلْكَ الرَّسَائِلَ الَّتِي كَتَبَهَا اللهُ إِلَيْنَا بِنَفْسِهِ وَالشُّهُودَ الَّذِينَ لَا يُشَكُّ فِيهِمْ لِلْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ — نَقْرَؤُهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، نُقَلِّبُهَا وَنُعِيدُ تَقْلِيبَهَا؟ كَمْ هُوَ عَذْبٌ وَتَقِيٌّ وَمُخَلِّصٌ أَنْ يُعْطَى لَنَا مَحْكَمَةٌ إِلَهِيَّةٌ دَاخِلِيَّةٌ نَسْتَشِيرُهَا، فَنَسْمَعَ فِيهَا لَا أَبُولُّو مِنْ عَلَى مِنَصَّتِهِ، بَلِ اللهَ نَفْسَهُ يَتَكَلَّمُ بِوُضُوحٍ وَيَقِينٍ أَعْظَمَ مِمَّا كَانَ مِنَ التَّابُوتِ الْقَدِيمِ وَالْكَرُوبِيمِ؟
هَذَا مَا كَانَ يُفَكِّرُ فِيهِ الْقِدِّيسُ كَارُولُوسْ بُورُومِيُوسْ حِينَ كَانَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِاعْتِبَارِهِ أَقْوَالَ اللهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَؤُهُ إِلَّا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، حَانِيَ الرُّكْبَةِ، بِخُشُوعٍ.
وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ فِي الْكَنَائِسِ قَدِيمًا خِزَانَتَانِ مُقَدَّسَتَانِ مَوْضُوعَتَانِ عَلَى يَمِينِ الْحَنِيَّةِ وَشِمَالِهَا: فِي إِحْدَاهُمَا كَانَتْ تُحْفَظُ الْقُرْبَانَةُ الْمُقَدَّسَةُ، وَفِي الْأُخْرَى أَسْفَارُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَمِنْ هُنَا أَمَرَ الْقِدِّيسُ بُولِينُوسْ (كَمَا يَشْهَدُ هُوَ نَفْسُهُ فِي رِسَالَتِهِ ٤٢ إِلَى سِيفِيرُوسْ) فِي كَنِيسَةِ نُولَا الَّتِي بَنَاهَا، أَنْ تُنْقَشَ عَلَى الْيَمِينِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ:
هُنَا الْمَكَانُ، الْمَخْزَنُ الْمُقَدَّسُ حَيْثُ يُحْفَظُ،
وَحَيْثُ يُوضَعُ مَوْكِبُ الْخِدْمَةِ الْمُقَدَّسَةِ الْمُغَذِّي؛
وَعَلَى الشِّمَالِ هَذِهِ:
إِنْ كَانَ أَحَدٌ تَأْخُذُهُ رَغْبَةٌ مُقَدَّسَةٌ فِي التَّأَمُّلِ فِي الشَّرِيعَةِ،
فَهُنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَنْكَبَّ عَلَى الْأَسْفَارِ الْمُقَدَّسَةِ.
وَهَكَذَا حَتَّى الْآنَ يَحْفَظُ الْيَهُودُ فِي مَجَامِعِهِمْ شَرِيعَةَ مُوسَى بِاعْتِبَارِهَا قَوْلًا إِلَهِيًّا، بِعَظَمَةٍ فِي خَيْمَةٍ، كَمَا نَحْفَظُ نَحْنُ الْقُرْبَانَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَيَعْرِضُونَهَا عَلَى الْمَلَإِ؛ وَيَحْرِصُونَ عَلَى أَلَّا يَمَسُّوا الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ؛ وَيُقَبِّلُونَهُ كُلَّمَا فَتَحُوهُ وَأَغْلَقُوهُ؛ وَلَا يَجْلِسُونَ عَلَى الْمَقْعَدِ الَّذِي يَرْقُدُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ؛ وَإِنْ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ صَامُوا يَوْمًا كَامِلًا، مِمَّا يَجْعَلُ الْأَمْرَ أَشَدَّ عَجَبًا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يُعَامِلُهَا بَعْضُ الْمَسِيحِيِّينَ بِإِهْمَالٍ أَكْبَرَ.
وَالْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسْ، فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ، الرِّسَالَةِ ٨٤، يُوَبِّخُ ثِيُودُورُسْ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ طَبِيبًا، لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِإِهْمَالٍ: «إِنَّ إِمْبَرَاطُورَ السَّمَاءِ، رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ، قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْكَ رَسَائِلَهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاتِكَ، وَأَنْتَ تُهْمِلُ أَنْ تَقْرَأَهَا بِحَرَارَةٍ! فَمَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِلَّا ضَرْبٌ مِنَ الرِّسَالَةِ مِنَ اللهِ الْقَدِيرِ إِلَى مَخْلُوقِهِ؟» وَلِذَلِكَ سَأَتَحَدَّثُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ عَنِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ: أَوَّلًا، عَنْ شَرَفِهَا وَضَرُورَتِهَا وَثَمَرَتِهَا؛ ثَانِيًا، عَنْ مَوْضُوعِهَا وَسَعَتِهَا؛ ثَالِثًا، عَنْ صُعُوبَتِهَا؛ رَابِعًا، سَأُورِدُ أَحْكَامَ الْآبَاءِ وَأَمْثِلَتَهُمْ فِي هَذَا الشَّأْنِ؛ خَامِسًا، سَأُبَيِّنُ بِأَيِّ اسْتِعْدَادٍ لِلنَّفْسِ وَبِأَيِّ جَهْدٍ يَنْبَغِي أَنْ تُتَنَاوَلَ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي شَرَفِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَضَرُورَتِهِ وَثَمَرَتِهِ
١. يُعَلِّمُ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ مَبَادِئَ الْبَرَاهِينِ وَالْعُلُومِ يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا قَبْلَ تِلْكَ الْعُلُومِ وَالْبَرَاهِينِ ذَاتِهَا. فَإِنَّ لِلْعُلُومِ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ، نِظَامًا؛ وَكُلُّ حَقِيقَةٍ هِيَ إِمَّا أَوَّلِيَّةٌ بَدِيهِيَّةٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِمَّا مُتَفَرِّعَةٌ مِنْ حَقِيقَةٍ أَوَّلِيَّةٍ بِقَنَوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنْ قَطَعْتَهَا، كَمَنْ يَقْطَعُ قَنَوَاتِ يَنْبُوعٍ، تَكُونُ قَدْ أَبَدْتَ جَمِيعَ جَدَاوِلِ الْحَقِيقَةِ الْمُتَدَفِّقَةِ مِنْهَا. وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يَحْتَوِي عَلَى جَمِيعِ مَبَادِئِ عِلْمِ اللَّاهُوتِ. فَإِنَّ اللَّاهُوتَ لَيْسَ إِلَّا عِلْمَ نَتَائِجَ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ مَبَادِئَ يَقِينِيَّةٍ بِالْإِيمَانِ، وَلِذَلِكَ هُوَ أَجَلُّ الْعُلُومِ جَمِيعًا وَأَوْثَقُهَا: أَمَّا مَبَادِئُ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانُ نَفْسُهُ فَمُتَضَمَّنَةٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: وَمِنْ ثَمَّ يَتَّضِحُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَضَعُ أُسُسَ اللَّاهُوتِ الَّتِي يُوَلِّدُ مِنْهَا اللَّاهُوتِيُّ، بِتَعَقُّلِ الذِّهْنِ، كَمَا تَلِدُ الْأُمُّ أَبْنَاءَهَا، بَرَاهِينَ جَدِيدَةً وَيُخْرِجُهَا. فَمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْصِلَ اللَّاهُوتَ الْمَدْرَسِيَّ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِدِرَاسَةٍ جَادَّةٍ، إِنَّمَا يَتَخَيَّلُ وَلَدًا بِلَا أُمٍّ، وَبَيْتًا بِلَا أَسَاسَاتٍ، وَكَأَرْضٍ مُعَلَّقَةٍ فِي الْهَوَاءِ.
وَقَدْ أَدْرَكَ هَذَا ذَلِكَ الْإِلَهِيُّ دِيُونِيسِيُوسْ، الَّذِي عَدَّتْهُ كُلُّ الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ ذُرْوَةَ اللَّاهُوتِيِّينَ وَ«طَائِرَ السَّمَاءِ»، وَالَّذِي فِي كُلِّ مَكَانٍ حِينَ يُنَاقِشُ عَنِ اللهِ وَالْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ يُعْلِنُ أَنَّهُ يَسِيرُ مُسْتَنِدًا إِلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كَمَبْدَإٍ وَمِشْعَلٍ سَاطِعٍ. وَلْيَكُنْ مِثَالًا وَاحِدًا يُغْنِي عَنِ الْجَمِيعِ، مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ «فِي الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ»، الْبَابِ ١، حَيْثُ يُقَدِّمُ تَقْرِيبًا هَكَذَا: «لَا يَنْبَغِي — يَقُولُ — بِأَيِّ مُسَوِّغٍ أَنْ يُجْتَرَأَ عَلَى قَوْلِ شَيْءٍ أَوِ التَّفْكِيرِ فِي شَيْءٍ عَنِ الْأُلُوهِيَّةِ الْفَائِقَةِ الْجَوْهَرِ وَالْأَشَدِّ سِرِّيَّةً، غَيْرَ مَا سَلَّمَتْنَا إِيَّاهُ الْأَقْوَالُ الْمُقَدَّسَةُ: فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ الْعُلْيَا الْإِلَهِيَّةَ لِذَلِكَ الْجَهْلِ (أَيْ جَهْلِ السِّرِّ الْإِلَهِيِّ) يَنْبَغِي أَنْ تُنْسَبَ إِلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ التَّطَلُّعُ إِلَى أَعْلَى إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَتَنَازَلُ شُعَاعُ الْأَقْوَالِ الْإِلَهِيَّةِ فَيُدْخِلُ نَفْسَهُ، وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ يَنْبَغِي تَكْرِيمُهَا بِالصَّمْتِ الطَّاهِرِ بِاعْتِبَارِهَا لَا يُنْطَقُ بِهَا: كَمَثَلِ أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ الْأُولَى الْيَنْبُوعِيَّةَ هِيَ الْآبُ، وَأَنَّ الِابْنَ وَالرُّوحَ الْقُدُسَ هُمَا كَأَنَّهُمَا أَغْرَاسٌ مَغْرُوسَةٌ إِلَهِيًّا مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ الْوَلُودِ، وَكَأَنَّهُمَا أَزْهَارٌ وَأَنْوَارٌ فَائِقَةُ الْجَوْهَرِ — هَذَا قَدْ تَسَلَّمْنَاهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَقْلَ لَا تَبْلُغُهُ أَيُّ جَوَاهِرَ، لَكِنَّنَا مِنْهُ، بِقَدْرِ مَا يَشَاءُ وَبِيَدٍ مَمْدُودَةٍ، نُرْفَعُ بِالْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ لِنَغْتَرِفَ تِلْكَ الْأَنْوَارَ الْعُلْيَا، وَمِنْهَا نُوَجَّهُ إِلَى التَّرَانِيمِ الْإِلَهِيَّةِ وَنُصَاغُ لِلتَّسَابِيحِ الْمُقَدَّسَةِ.» وَفِي كِتَابِهِ «فِي اللَّاهُوتِ السِّرِّيِّ» أَيْضًا، يُعَلِّمُ أَنَّ اللَّاهُوتَ الرُّوحِيَّ وَالسِّرِّيَّ، الَّذِي يَبْلُغُ السِّرَّ الْخَفِيَّ الْفَائِقَ الْجَوْهَرِ وَظَلَامَ اللهِ بِتَجَاوُزِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالنَّفْيِ، بِلَا رُمُوزٍ، ضَيِّقٌ وَمُخْتَصَرٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِالصَّمْتِ: أَمَّا اللَّاهُوتُ الرَّمْزِيُّ، الَّذِي يُقَدِّمُ لَنَا صُوَرَ اللهِ الْمَحْسُوسَةَ كَمَا يَتَنَازَلُ اللهُ إِلَى كَلِمَاتِنَا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، فَيَمْتَدُّ إِلَى سَعَةٍ لَائِقَةٍ. وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ الْقِدِّيسُ بَرْثُولُومَاوُسْ يَقُولُ إِنَّ اللَّاهُوتَ عَظِيمٌ جِدًّا وَصَغِيرٌ جِدًّا فِي آنٍ مَعًا، وَالْإِنْجِيلَ وَاسِعٌ وَكَبِيرٌ ثُمَّ مُوجَزٌ: أَيْ سِرِّيًّا وَبِالصُّعُودِ يَكُونُ صَغِيرًا مُوجَزًا؛ وَرَمْزِيًّا وَبِالنُّزُولِ يَكُونُ عَظِيمًا فَسِيحًا.
وَبِالْفِعْلِ، لَوْ حُرِمْنَا مِنَ الرَّمْزِيِّ، لَوْ لَمْ يُعْطِنَا اللهُ فِي الْأَسْفَارِ الْمُقَدَّسَةِ أَيَّ صُوَرٍ عَنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، فَكَمْ كَانَ سَيَكُونُ لَاهُوتُنَا كُلُّهُ أَبْكَمَ وَصَامِتًا! لَوْ سَكَتَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَنِ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ — ذَلِكَ الْوَحْدَانِيِّ عَيْنِهِ فِي الْجَوْهَرِ وَالذَّاتِ — أَمَا كَانَ سَيَعُمُّ صَمْتٌ عَمِيقٌ دَائِمٌ بَيْنَ الْمَدْرَسِيِّينَ فِي مَوْضُوعٍ بِهَذِهِ السَّعَةِ عَنِ الْعَلَاقَاتِ وَالْأَصْلِ وَالْوِلَادَةِ وَالِانْبِثَاقِ وَالْمُمَيِّزَاتِ وَالْأَقَانِيمِ وَالْكَلِمَةِ وَالصُّورَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعَطِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ الْأُقْنُومِيِّ وَسَائِرِ ذَلِكَ؟ لَوْ لَمْ تَضَعِ الْأَقْوَالُ الْإِلَهِيَّةُ سَعَادَتَنَا فِي رُؤْيَةِ اللهِ، فَأَيُّ لَاهُوتِيٍّ كَانَ يَسْتَطِيعُ — لَنْ أَقُولَ أَنْ يَرْجُوَهَا — بَلْ حَتَّى أَنْ يَشَمَّهَا مِنْ بَعِيدٍ؟ لَوْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الْمُقَدَّسِينَ وَكُتَّابَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ سَكَتُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالدِّينِ وَالِاسْتِشْهَادِ وَالْبَتُولِيَّةِ وَكُلِّ سِلْسِلَةِ الْفَضَائِلِ الْفَائِقَةِ الطَّبِيعَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ — فَمَنْ كَانَ سَيَتَّبِعُهَا بِالذَّكَاءِ، وَمَنْ بِالرَّغَبَاتِ وَالْإِرَادَةِ؟ حَقًّا، لَقَدْ خَفِيَتْ هَذِهِ عَلَى الْحُكَمَاءِ الْأَقْدَمِينَ وَإِنْ كَانُوا مَوْهُوبِينَ بِقُوَّةِ فَهْمٍ تَكَادُ تَكُونُ خَارِقَةً؛ فَأَكَادِيمِيَّةُ أَفْلَاطُونَ لَمْ تَعْرِفْ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَهُنَا تَصْمُتُ مَدْرَسَةُ فِيثَاغُورَسَ كُلُّهَا، وَهُنَا سُقْرَاطُ وَبِيمَانْدِرُ وَأَنَكْسَاغُورَسُ وَطَالِيسُ وَأَرِسْطُو أَطْفَالٌ. وَأَتَجَاوَزُ كَيْفَ أَنَّ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ تَتَنَاوَلُ بِأَوْضَحَ وَأَوْثَقَ مِنْ أَيِّ عِلْمِ أَخْلَاقٍ الْفَضَائِلَ الْقَرِيبَةَ مِنَ الطَّبِيعَةِ وَالشَّرِيعَةَ وَالْوَاجِبَاتِ اللَّائِقَةَ بِالْإِنْسَانِ بِمَا هُوَ ذُو عَقْلٍ وَالرَّذَائِلَ الْمُقَابِلَةَ لَهَا وَحَقْلَ الْفَلْسَفَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ بِأَسْرِهِ — حَتَّى إِنَّ مَدَائِحَ شِيشَرُونَ لِلْفَلْسَفَةِ، أَوِ الْأَخْلَاقِ، تَنْطَبِقُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا أَتَمَّ انْطِبَاقٍ، وَتُسَمَّى بِحَقٍّ «نُورَ الْحَيَاةِ، وَمُعَلِّمَةَ الْأَخْلَاقِ، وَدَوَاءَ النَّفْسِ، وَقَاعِدَةَ الْعَيْشِ الصَّالِحِ، وَمُرَبِّيَةَ الْعَدَالَةِ، وَمِشْعَلَ الدِّينِ.»
تَعَلَّمَ هَذَا وَاخْتَبَرَهُ لِعَظِيمِ نَفْعِهِ الْقِدِّيسُ يُوسْتِينُوسْ الْفَيْلَسُوفُ وَالشَّهِيدُ. فَكَمَا يَشْهَدُ هُوَ نَفْسُهُ فِي مُسْتَهَلِّ حِوَارِهِ ضِدَّ تْرِيفُونَ، إِذْ كَانَ تَوَّاقًا إِلَى الْفَلْسَفَةِ وَتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَقُودُ إِلَى اللهِ، تَجَوَّلَ عَبَثًا فِي دَوْرَةٍ عَجِيبَةٍ بَيْنَ أَشْهَرِ مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ، كَأُودِيسَّا مِنَ الضَّلَالَاتِ، حَتَّى وَجَدَ أَخِيرًا رَاحَتَهُ فِي أَخْلَاقِيَّاتِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ بِاعْتِبَارِهَا الْأَرْضَ الصُّلْبَةَ الْوَحِيدَةَ. فَأَوَّلًا الْتَحَقَ تِلْمِيذًا عِنْدَ رِوَاقِيٍّ مَا، لَكِنَّهُ إِذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا عَنِ اللهِ، اخْتَارَ أُسْتَاذًا مَشَّائِيًّا فَاحْتَقَرَهُ لِأَنَّهُ يُتَاجِرُ بِالْحِكْمَةِ لِقَاءَ ثَمَنٍ؛ ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ فِيثَاغُورِيٍّ، لَكِنَّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ فَلَكِيًّا وَلَا مُهَنْدِسًا حِسَابِيًّا (وَهُمَا فَنَّانِ كَانَ ذَلِكَ الْمُعَلِّمُ يَشْتَرِطُهُمَا كَمُقَدِّمَتَيْنِ لِلْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ)، انْزَلَقَ مِنْهُ إِلَى أَفْلَاطُونِيٍّ، وَقَدْ خُدِعَ مِنَ الْجَمِيعِ بِرَجَاءِ حِكْمَةٍ بَاطِلٍ زَائِلٍ؛ حَتَّى الْتَقَى فَجْأَةً بِفَيْلَسُوفٍ إِلَهِيٍّ مَا — سَوَاءٌ أَكَانَ إِنْسَانًا أَمْ مَلَاكًا — أَقْنَعَهُ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ ذَلِكَ التَّعَلُّمِ الدَّائِرِيِّ وَيَقْرَأَ كُتُبَ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي سُلْطَتُهَا أَعْظَمُ مِنْ أَيِّ بُرْهَانٍ وَحِكْمَتُهَا أَنْفَعُ الْحِكَمِ، وَأَنْ يُسَنِّنَ عَلَيْهَا كُلَّ شَوْقِهِ لِلْمَعْرِفَةِ. وَذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَرَهُ بَعْدَهَا قَطُّ، لَكِنَّ شَوْقًا مُتَّقِدًا لِهَذِهِ الدِّرَاسَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَقِرَاءَةِ الْأَسْفَارِ الْإِلَهِيَّةِ أُلْقِيَ فِي نَفْسِهِ، حَتَّى إِنَّهُ فِي الْحَالِ وَدَّعَ كُلَّ تَعَلُّمٍ آخَرَ وَسَعَى وَرَاءَ هَذَا وَحْدَهُ بِأَشَدِّ الشَّوْقِ وَتَبِعَهُ بِأَعْظَمِ الثَّبَاتِ، بِثَمَرَةٍ وَفِيرَةٍ حَتَّى أَنْتَجَتْ لَنَا يُوسْتِينُوسَ مَسِيحِيًّا وَفَيْلَسُوفًا وَشَهِيدًا فِي آنٍ مَعًا. وَحَرِيٌّ بِنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَّبِعَ نَصِيحَةَ ذَلِكَ الْفَيْلَسُوفِ الْإِلَهِيِّ نَفْسَهَا، إِنْ كُنَّا نَرْغَبُ فِي أَنْ نَتَشَرَّبَ الْإِحْسَاسَ الْحَقِيقِيَّ بِاللهِ وَالتَّقْوَى وَالْأَخْلَاقَ الْمَسِيحِيَّةَ وَرُوحَ الْحَيَاةِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ الرَّأْيَ خَادِعٌ الَّذِي يَخْلِبُ بَصِيرَةَ كَثِيرِينَ، وَهُوَ أَنَّ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ إِنَّمَا تُتَعَلَّمُ لَا لِلنَّفْسِ بَلْ لِلْآخَرِينَ فَحَسْبُ، لِتَلْعَبَ دَوْرَ الْمُعَلِّمِ أَوِ الْوَاعِظِ — أَيْ لِتَحْرِمَ نَفْسَكَ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي تَطْلُبُهُ لِغَيْرِكَ، وَكَالْأَجِيرِ تَحْفُرُ أَوْ تَسْتَخْرِجُ كَنْزًا بِهَذَا النُّبْلِ لَا لِنَفْسِكَ بَلْ لِلْآخَرِينَ. لَيْسَ هَذَا مَا تَرَاهُ الْأَقْوَالُ الْإِلَهِيَّةُ ذَاتُهَا: «عِنْدَنَا — يَقُولُ الطُّوبَاوِيُّ بُطْرُسُ فِي رِسَالَتِهِ الْأُولَى، الْبَابِ ١، الْآيَةِ ١٩ — الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ الْأَوْثَقُ، الَّتِي تُحْسِنُونَ صُنْعًا إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا كَسِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يُنِيرَ النَّهَارُ وَيَطْلُعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ.» فَيَنْبَغِي لَكَ إِذَنْ أَنْ تَتَوَجَّهَ أَوَّلًا أَنْتَ إِلَى هَذَا الْمِشْعَلِ وَتَتْبَعَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قَلْبِكَ يُشْرِقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْآخَرِينَ.
وَالْمُرَتِّلُ الْمَلَكِيُّ يُطَوِّبُ لَا مَنْ يَصُبُّ كَلِمَاتِ اللهِ عَلَى الْآخَرِينَ، بَلْ مَنْ يَتَأَمَّلُ فِي شَرِيعَتِهِ نَهَارًا وَلَيْلًا؛ وَيَقُولُ إِنَّ مِثْلَ هَذَا كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ. فَلِهَذَا الْغَرَضِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَرَادَ اللهُ أَنْ تُكْتَبَ لَنَا الْأَسْفَارُ الْمُقَدَّسَةُ وَعَرَضَ كَلِمَتَهُ لِتَكُونَ سِرَاجًا لِأَقْدَامِنَا وَنُورًا لِسُبُلِنَا، حَتَّى إِذْ نَتَمَشَّى فِي هَذِهِ الْبَسَاتِينِ الْبَهِيَّةِ الْمُشْرِقَةِ — الَّتِي تَفُوقُ بَسَاتِينَ أَلْكِينُوسْ — نَتَغَذَّى بِأَلَذِّ مَنْظَرِ الثِّمَارِ السَّمَاوِيَّةِ وَنَتَمَتَّعَ بِطَعْمِهَا. وَبِالْفِعْلِ، كَمَا أَنَّهُ فِي فِرْدَوْسٍ، بَيْنَ أَغْصَانِ الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ النَّاضِرَةِ أَوْ وُجُوهِ التُّفَّاحِ الْمُتَلَأْلِئَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَعِشَ الْمَارُّ وَلَوْ بِالْعَطْرِ وَاللَّوْنِ فَقَطْ؛ وَكَمَا نَرَى أَنَّ مَنْ يَمْشِي فِي الشَّمْسِ، وَلَوْ لِلتَّنَزُّهِ، يَسْخُنُ وَيَكْتَسِبُ حُمْرَةً: فَكَذَلِكَ عُقُولُ وَحَوَاسُّ وَمَشُورَاتُ وَرَغَبَاتُ وَأَخْلَاقُ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ بِتَقْوَى وَمُوَاظَبَةٍ لَا بُدَّ أَنْ تَتَلَوَّنَ بِلَوْنٍ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ — إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ — وَتَتَّقِدَ بِعَوَاطِفَ مُقَدَّسَةٍ.
فَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يَتَّشِحُ بِطَهَارَةِ النَّفْسِ الْعَفِيفَةِ حِينَ يَسْمَعُ أَقْوَالَ الرَّبِّ الطَّاهِرَةَ، كَالْفِضَّةِ الْمُمْتَحَنَةِ بِالنَّارِ، تُعَظِّمُهَا بِمَدَائِحَ كَثِيرَةٍ وَتَحُثُّ عَلَيْهَا بِمُكَافَآتٍ عَظِيمَةٍ؟ أَيُّ قَلْبٍ بَارِدٌ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ لَا يَتَّقِدُ مَحَبَّةً حِينَ يَسْمَعُ بُولُسَ مُتَّقِدًا بِالْحُبِّ يُلْقِي فِي كُلِّ مَكَانٍ لَهِيبَ الْحُبِّ الْإِلَهِيِّ الْمُشْتَعِلَ؟ أَيُّ عَقْلٍ لَا يَقْفِزُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْخَيْرَاتِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ فَيَزْدَرِي هَذِهِ الْخَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَيَحْتَقِرُهَا؟ مَنْ ذَا الَّذِي بِهَذَا الرَّجَاءِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ لَا يَشْتَاقُ إِلَى مُحَاكَاةِ حَيَاتِهِمْ فِي جَسَدٍ بَشَرِيٍّ وَأَنْ يَعِيشَ كَإِنْسَانٍ مَلَائِكِيٍّ؟ مَنْ ذَا الَّذِي لَا يُقَوِّي صَدْرَهُ الرِّجَالِيَّ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى ضِدَّ أَعْتَى أَمْوَاجِ الشُّرُورِ وَيَطْلُبُ مَوْتًا جَمِيلًا عَبْرَ الْجِرَاحِ، حِينَ يَغْتَرِفُ بِآذَانٍ مُرْهَفَةٍ وَقُلُوبٍ مُنْتَبِهَةٍ هَذِهِ الْأَبْوَاقَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي تُنَادِي بِالشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ بِعُذُوبَةٍ وَقُوَّةٍ بَالِغَتَيْنِ؟ هَكَذَا بِالْفِعْلِ، الْمَكَّابِيُّونَ فِي سِفْرِ الْمَكَّابِيِّينَ الْأَوَّلِ ١٢: ٩، إِذْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ تَعْزِيَةٍ سِوَى الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، يَفْتَخِرُونَ بِأَنَّهُمْ يَثْبُتُونَ بِفَضِيلَةٍ لَا تُقْهَرُ وَلَا يَخْتَرِقُهُمْ أَعْدَاءٌ. وَالرَّسُولُ، إِذْ يُسَلِّحُ الْمُؤْمِنِينَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وَتَجْرِبَةٍ، رُومِيَةَ ١٥: ٤: «كُلُّ مَا — يَقُولُ — كُتِبَ إِنَّمَا كُتِبَ لِتَعْلِيمِنَا، حَتَّى بِالصَّبْرِ وَتَعْزِيَةِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ.» وَبِالْحَقِيقَةِ، لَا أَعْلَمُ أَيَّ رُوحٍ حَيَاتِيٍّ تَنْفُثُهُ الْكَلِمَاتُ الْإِلَهِيَّةُ فِي الْقُرَّاءِ بِتَأْثِيرٍ خَفِيٍّ، حَتَّى إِنَّكَ لَوْ قَارَنْتَهَا بِكِتَابَاتِ أَعْلَمِ الرِّجَالِ وَأَقْدَسِهِمْ، مَهْمَا كَانَتْ مُتَّقِدَةً، لَحَكَمْتَ عَلَى هَذِهِ بِأَنَّهَا جَامِدَةٌ وَعَلَى تِلْكَ بِأَنَّهَا حَيَّةٌ تَنْفُخُ حَيَاةً.
اسْتَطَاعَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ الْإِنْجِيلِ — «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ كُلَّ مَا تَمْلِكُ وَأَعْطِهِ لِلْفُقَرَاءِ» — أَنْ يُشْعِلَ أَنْطُونِيُوسَ الْعَظِيمَ، وَكَانَ شَابًّا مَشْهُورًا بِنُبْلِهِ وَغِنَاهُ، بِحُبِّ الْفَقْرِ الْإِنْجِيلِيِّ حَتَّى إِنَّهُ فِي الْحَالِ تَجَرَّدَ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَفَتَّحُ عَلَيْهَا الْبَشَرُ الْعُمْيُ بِنَهَمٍ، وَاعْتَنَقَ حَيَاةً سَمَاوِيَّةً عَلَى الْأَرْضِ بِالنَّذْرِ الرَّهْبَانِيِّ. هَكَذَا يَكْتُبُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسْ فِي سِيرَتِهِ. وَاسْتَطَاعَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنْ يَحْرِفَ فِيكْتُورِينُوسَ، وَكَانَ حِينَئِذٍ خَطِيبًا مُتَكَبِّرًا فِي الْمَدِينَةِ، مِنَ الْخُرَافَةِ الْوَثَنِيَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيِّ وَالتَّوَاضُعِ. وَاسْتَطَاعَتْ قِرَاءَةُ بُولُسَ لَا أَنْ تَضُمَّ أُوغُسْطِينُوسَ الْهَرْطُوقِيَّ إِلَى الْأُرْثُوذُكْسِيِّينَ فَحَسْبُ، بَلْ بَعْدَ أَنِ انْتَشَلَتْهُ مِنْ أَقْذَرِ هُوَّةِ الشَّهْوَةِ الْيَوْمِيَّةِ، دَفَعَتْهُ وَرَقَّتْهُ إِلَى الْعِفَّةِ وَالطَّهَارَةِ — لَا الزَّوْجِيَّةِ أَقُولُ — بَلِ الرَّهْبَانِيَّةِ الْعَزَبَاءِ الْبَتُولِيَّةِ تَمَامًا. اُنْظُرِ الِاعْتِرَافَاتِ ٨: ١١؛ ٧: ٢١. وَاسْتَطَاعَتْ قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْإِنْجِيلِ — «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ لِأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ؛ طُوبَى لِلْحَزَانَى لِأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ!» — أَنْ تُحَوِّلَ سِمْعَانَ الْعَمُودِيَّ فِي الْحَالِ وَتُرَقِّيَهُ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ فَوْقَ عَمُودٍ ثَمَانِينَ سَنَةً مُتَوَالِيَةً، وَتَفَرَّغَ لِلصَّلَاةِ نَهَارًا وَلَيْلًا، يَعِيشُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا نَوْمٍ تَقْرِيبًا، حَتَّى بَدَا أُعْجُوبَةَ الْعَالَمِ لَا إِنْسَانًا بِقَدْرِ مَا هُوَ مَلَاكٌ سَقَطَ فِي جَسَدٍ. فَلِمَاذَا إِذَنْ — تَسْأَلُ — نَحْنُ الَّذِينَ نَقْرَأُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ كَثِيرًا لَا نَشْعُرُ بِهَذِهِ الْحَرَارَاتِ وَهَذِهِ التَّحَوُّلَاتِ فِي الْحَيَاةِ؟ لِأَنَّنَا نَقْرَؤُهُ بِلَا اكْتِرَاثٍ وَتَثَاؤُبٍ، حَتَّى إِنَّنَا نَسْتَعْمِلُ بِحَقٍّ ذَلِكَ الْقَوْلَ لِلْقِدِّيسِ مَرْقِيَانُوسَ عِنْدَ ثِيُودُورِيطُسَ فِي «فِيلُوثِيُوسْ»، الَّذِي لَمَّا سَأَلَهُ الْأَسَاقِفَةُ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةَ خَلَاصٍ، قَالَ: إِنَّ اللهَ يُكَلِّمُنَا كُلَّ يَوْمٍ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَبِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَجْنِي مِنْهَا إِلَّا نَفْعًا قَلِيلًا: فَكَيْفَ أَنَا إِذْ أُكَلِّمُكُمْ أَنْفَعُكُمْ، أَنَا الَّذِي أُضَيِّعُ هَذَا النَّفْعَ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ؟
رَأَى فِيمَا مَضَى ذَلِكَ الْأَشَدُّ سِرِّيَّةً بَيْنَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، حِزْقِيَالُ، نَهْرًا عَظِيمًا يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ عَتَبَةِ بَيْتِ الرَّبِّ لَا يَسْتَطِيعُ عُبُورَهُ، «لِأَنَّ مِيَاهَ السَّيْلِ الْعَمِيقِ قَدْ طَغَتْ — يَقُولُ — وَلَا يُمْكِنُ خَوْضُهُ: وَلَمَّا الْتَفَتُّ إِذَا عَلَى ضَفَّتَيِ السَّيْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا.» لَكِنْ مَا هِيَ هَذِهِ؟ بِالتَّأْكِيدِ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ، الْقُدَامَى وَالْجُدُدُ، قِدِّيسِي الشَّرِيعَةِ وَقِدِّيسِي الْإِنْجِيلِ، الَّذِينَ إِذْ يَجْلِسُونَ عِنْدَ جَدَاوِلِ الْإِنْجِيلِيِّينَ وَالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، كَأَشْجَارٍ فِي مُنْتَهَى الْجَمَالِ يُخْضِرُّونَ دَائِمًا وَيَزْخَرُونَ بِوَفْرَةٍ لَذِيذَةٍ عَذْبَةٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الثِّمَارِ. فَالنَّهْرُ نَفْسُهُ يُغَذِّي الضَّفَّتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا؛ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ نَفْسُهُ — أَقُولُ — مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، نَسَجَ كِتَابًا مُقَدَّسًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ يَمْتَدُّ عَبْرَ أَدْهُرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَغَرَسَ نُسْغَ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَتْقِيَاءِ بِالْعَهْدِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، إِنْ شِئْنَا نَحْنُ أَنْ نَغْتَرِفَهُ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَوْضُوعِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَسَعَتِهِ
٢. وَالْآنَ، لِنَسْتَعِدَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ مَبْدَإٍ أَعْلَى، فَلْنَنْظُرْ مَا هُوَ مَوْضُوعُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَمَا عَظَمَتُهُ، وَمَا مَادَّتُهُ. أَتُرِيدُ أَنْ أَقُولَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مَوْضُوعُهُ كُلُّ مَعْلُومٍ، وَيَحْتَضِنُ جَمِيعَ الْعُلُومِ وَكُلَّ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ فِي حِضْنِهِ: وَلِذَلِكَ هُوَ ضَرْبٌ مِنْ جَامِعَةِ الْعُلُومِ، يَحْتَوِي عَلَى جَمِيعِ الْعُلُومِ إِمَّا بِالْفِعْلِ وَإِمَّا بِالتَّفَوُّقِ. يَقُولُ أُورِيجَانُوسُ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ إِنْجِيلِ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا: الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَالَمٌ مَعْقُولٌ، مُؤَلَّفٌ مِنْ أَجْزَائِهِ الْأَرْبَعَةِ كَأَنَّهَا أَرْبَعَةُ عَنَاصِرَ؛ أَرْضُهُ كَأَنَّهَا فِي الْوَسَطِ كَمَرْكَزٍ، وَهِيَ التَّارِيخُ؛ وَحَوْلَهَا تَنْسَكِبُ كَشَبَهِ الْمِيَاهِ هُوَّةُ الْفَهْمِ الْأَخْلَاقِيِّ؛ وَحَوْلَ التَّارِيخِ وَالْأَخْلَاقِ كَحَوْلَ جُزْأَيْنِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ يَدُورُ هَوَاءُ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ؛ لَكِنْ فَوْقَ الْكُلِّ وَأَبْعَدَ مِنْهُ ذَلِكَ التَّوَهُّجُ الْأَثِيرِيُّ النَّارِيُّ لِلسَّمَاءِ الْعُلْوِيَّةِ، أَيِ التَّأَمُّلُ الْأَعْلَى فِي الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ عِلْمَ اللَّاهُوتِ: هَكَذَا أُورِيجَانُوسُ. وَمِنْهُ بِدَوْرِكَ، كَمَا تُطَابِقُ الْمَعْنَى التَّارِيخِيَّ بِالْأَرْضِ وَالْمَعْنَى الِاسْتِعَارِيَّ بِالْمَاءِ، كَذَلِكَ تُطَابِقُ بِحَقٍّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ بِالْهَوَاءِ وَالْمَعْنَى الصُّعُودِيَّ بِالنَّارِ وَالْأَثِيرِ.
لَكِنَّنِي أَزِيدُ فَأُؤَكِّدُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فِي مَعْنَاهُ — لَا الْمَعْنَى السِّرِّيِّ فَحَسْبُ بَلْ حَتَّى فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ وَحْدَهُ الَّذِي يَحْتَلُّ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى وَالَّذِي يَنْبَغِي السَّعْيُ إِلَيْهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ — يَحْتَضِنُ كُلَّ مَعْرِفَةٍ وَكُلَّ مَعْلُومٍ.
وَلِبَيَانِ هَذَا أَفْتَرِضُ ثَلَاثَةَ مَرَاتِبَ لِلْأَشْيَاءِ يُرْجِعُ إِلَيْهَا الْفَلَاسِفَةُ وَاللَّاهُوتِيُّونَ كُلَّ شَيْءٍ: الْأُولَى مَرْتَبَةُ الطَّبِيعَةِ أَوِ الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وَالثَّانِيَةُ مَرْتَبَةُ مَا فَوْقَ الطَّبِيعَةِ وَالنِّعْمَةِ؛ وَالثَّالِثَةُ مَرْتَبَةُ الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ مَعَ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْأُقْنُومِيَّةِ. مَرْتَبَةَ الطَّبِيعَةِ الْأُولَى يَبْحَثُهَا عِلْمُ الطَّبِيعِيَّاتِ وَسَائِرُ فُنُونِ الْفَلْسَفَةِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، التَّعْلِيمُ الْمُوحَى بِهِ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِيمَانِ وَاللَّاهُوتِ؛ وَفِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى، رُؤْيَةُ اللهِ الَّتِي تُسْعِدُ الْقِدِّيسِينَ وَالْمَلَائِكَةَ. وَيُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ تُومَا أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَتَنَاوَلُ حَتَّى مَرْتَبَةَ الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ الْأُولَى، فِي عَتَبَةِ الْخُلَاصَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ ذَاتِهَا: فَفِي الْمَقَالِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَيْثُ يَسْأَلُ عَمَّا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ حَاجَةٌ إِلَى تَعْلِيمٍ آخَرَ سِوَى الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ، يُجِيبُ بِنَتِيجَتَيْنِ. الْأُولَى: «يَلْزَمُ لِخَلَاصِ الْبَشَرِ تَعْلِيمٌ مَا مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ فَوْقَ الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ»، أَيْ لِمَعْرِفَةِ مَا يَتَجَاوَزُ الْعَقْلَ وَالْقُوَى الطَّبِيعِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ؛ وَالثَّانِيَةُ: «التَّعْلِيمُ الْمُوحَى بِهِ نَفْسُهُ ضَرُورِيٌّ أَيْضًا فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلنُّورِ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَبْحَثَهَا عَنْ طَرِيقِ الْفَلْسَفَةِ.» وَيُضِيفُ السَّبَبَ: لِأَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ لَا يَحْصُلُ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْفَلْسَفَةِ إِلَّا قَلِيلُونَ، وَبَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَمَعَ شَوَائِبِ أَخْطَاءٍ كَثِيرَةٍ؛ فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ التَّعْلِيمِ الْمُوحَى بِهِ الَّذِي يُرْشِدُ الْفَلْسَفَةَ وَيُصَحِّحُهَا وَيَنْقُلُهَا بِسُهُولَةٍ وَيَقِينٍ لِلْجَمِيعِ.
وَالْمَثَلُ اللَّامِعُ عَلَى ذَلِكَ رَئِيسَا الْفَلَاسِفَةِ أَفْلَاطُونُ وَأَرِسْطُو، اللَّذَانِ بِذَكَاءٍ فَائِقٍ بَلَغَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِعْلًا، لَكِنَّهُمَا تَرَكَا أَيْضًا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً بِذَلِكَ الْغُمُوضِ وَالْإِبْهَامِ حَتَّى إِنَّ جُهُودَ الشُّرَّاحِ الْيُونَانِيِّينَ وَاللَّاتِينِ وَالْعَرَبِ كَدَحَتْ عُصُورًا كَثِيرَةً فِي شَرْحِهَا. وَأَتَجَاوَزُ الْأَخْطَاءَ وَالْخُرَافَاتِ، «وَلَكِنْ لَيْسَ كَشَرِيعَتِكَ.» فَهَذِهِ الْحِكْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الرَّاسِخَةُ «لَمْ تُسْمَعْ فِي كَنْعَانَ وَلَمْ تُرَ فِي تَيْمَانَ»، يَقُولُ بَارُوخُ ٣: ٢٢؛ «وَأَبْنَاءُ هَاجَرَ أَيْضًا الَّذِينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةَ الْأَرْضِ، تُجَّارُ مِرَّا وَتَيْمَانَ، وَرُوَاةُ الْقَصَصِ، وَطَالِبُو الْحِكْمَةِ وَالْفِطْنَةِ، لَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقَ الْحِكْمَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا سُبُلَهَا؛ لَكِنَّ الَّذِي يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ يَعْرِفُهَا، الَّذِي أَعَدَّ الْأَرْضَ لِلزَّمَنِ الْأَبَدِيِّ، الَّذِي يُرْسِلُ النُّورَ فَيَسِيرُ، هَذَا هُوَ إِلَهُنَا، وَجَدَ كُلَّ طَرِيقِ الْمَعْرِفَةِ وَسَلَّمَهَا لِيَعْقُوبَ عَبْدِهِ وَلِإِسْرَائِيلَ حَبِيبِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ:» أَيْ لِكَيْ يُعَلِّمَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ تَعْلِيمًا شَامِلًا، «ظَهَرَ عَلَى الْأَرْضِ وَعَاشَرَ الْبَشَرَ.»
فَتَسْأَلُ إِذَنْ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ تُعَلَّمُ الطَّبِيعِيَّاتُ وَالْأَخْلَاقُ وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ أَقُولُ إِنَّ الطَّبِيعِيَّاتِ، حَتَّى فِي شَكْلِهَا الْبِدَائِيِّ وَمِنْ أَصْلِهَا ذَاتِهِ، تُعَلَّمُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ وَفِي سِفْرِ الْجَامِعَةِ وَفِي سِفْرِ أَيُّوبَ؛ وَالْأَخْلَاقَ بِأَمْثَالٍ وَحِكَمٍ بَالِغَةِ الْإِيجَازِ فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ وَالْحِكْمَةِ وَيَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ؛ وَمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ خُصُوصًا فِي سِفْرِ أَيُّوبَ وَالْمَزَامِيرِ، حَيْثُ تُمَجَّدُ بِالتَّسَابِيحِ قُدْرَةُ اللهِ وَحِكْمَتُهُ وَلَا مَحْدُودِيَّتُهُ مَعَ أَعْمَالِهِ — أَيِ الْمَلَائِكَةِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَالتَّارِيخَ وَعِلْمَ الْأَزْمِنَةِ مِنْ بِدَايَةِ الْعَالَمِ ذَاتِهَا إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ أَزْمِنَةِ الْمَسِيحِ لَا تَطْلُبُهُمَا مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ أَوْثَقَ وَلَا أَمْتَعَ وَلَا أَكْثَرَ تَنَوُّعًا مِمَّا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ وَالْخُرُوجِ وَأَسْفَارِ يَشُوعَ وَالْقُضَاةِ وَالْمُلُوكِ وَعِزْرَا وَالْمَكَّابِيِّينَ. وَأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُدِينُ السَّفْسَطَةَ وَيَسْتَخْدِمُ الْحُجَجَ الرَّصِينَةَ وَالْمَنْطِقَ، يُعَلِّمُهُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ»، الْبَابِ ٣١. وَعَنِ الْمَعْرِفَةِ الرِّيَاضِيَّةِ الْمُسْتَقَاةِ مِنَ الْأَعْدَادِ، يُعَلِّمُ ذَلِكَ نَفْسُهُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنَ التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ، الْبَابِ ٣٥. وَالْهَنْدَسَةُ ظَاهِرَةٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْكَنِ وَالْهَيْكَلِ — هَيْكَلِ سُلَيْمَانَ وَذَلِكَ الْمَقِيسِ بِعَجَبٍ فِي سِفْرِ حِزْقِيَالَ. فَبِحَقٍّ قَالَ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي نِهَايَةِ الْكِتَابِ الثَّانِي مِنَ التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ: «كَمَا أَنَّ مِقْدَارَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالثِّيَابِ الَّتِي حَمَلَهَا الشَّعْبُ الْعِبْرَانِيُّ مَعَهُ مِنْ مِصْرَ أَقَلُّ مِنَ الثَّرَوَاتِ الَّتِي حَصَّلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَخُصُوصًا فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ: فَكَذَلِكَ كُلُّ مَعْرِفَةٍ، وَلَوْ نَافِعَةً، مَجْمُوعَةً مِنْ كُتُبِ الْأُمَمِ، إِنْ قُورِنَتْ بِمَعْرِفَةِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ: فَإِنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ الْإِنْسَانُ خَارِجَهَا، إِنْ كَانَ ضَارًّا فَهُوَ مُدَانٌ هُنَاكَ؛ وَحِينَ يَجِدُ فِيهَا كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ مِنْ نَفْعٍ فِي مَكَانٍ آخَرَ، سَيَجِدُ بِوَفْرَةٍ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ أَشْيَاءَ لَا تُوجَدُ فِي أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ الْبَتَّةَ، بَلْ لَا تُتَعَلَّمُ إِلَّا فِي عُلُوِّ تِلْكَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ الْعَجِيبِ وَتَوَاضُعِهَا الْعَجِيبِ.»
فَإِنَّ جَمِيعَ الْفُنُونِ الْحُرَّةِ وَجَمِيعَ اللُّغَاتِ وَجَمِيعَ الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ — وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَحْصُورٌ فِي حُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ — تَخْدُمُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ كَخَادِمَاتٍ لِسَيِّدَتِهِنَّ وَمَلِكَتِهِنَّ. أَمَّا هَذَا الْعِلْمُ الْمُقَدَّسُ فَيَحْتَوِي كُلَّ شَيْءٍ وَيَحْتَضِنُ الْوَاقِعَ كُلَّهُ وَيَدَّعِي لِنَفْسِهِ بِحَقٍّ اسْتِعْمَالَ الْجَمِيعِ: فَهُوَ بِذَلِكَ، بِاعْتِبَارِهِ أَكْمَلَ الْجَمِيعِ وَغَايَةَ الْجَمِيعِ وَمَقْصِدَهُمْ، يَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ التَّعَلُّمِ.
هَكَذَا إِذَنْ يَتَنَاوَلُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى لِلْأَشْيَاءِ — أَيْ مَرْتَبَةَ الطَّبِيعَةِ — وَخُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ وَصِفَاتِهِ وَخُلُودِ النَّفْسِ وَحُرِّيَّتِهَا وَالْعُقُوبَاتِ وَالْمُكَافَآتِ وَجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، بِأَوْثَقَ وَأَرْسَخَ مِمَّا تَبْحَثُهُ الْعُلُومُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَيُرْشِدُ تِلْكَ الْعُلُومَ إِلَى الطَّرِيقِ الصَّوَابِ أَيْنَمَا ضَلَّتْ.
وَبِالْفِعْلِ، إِنَّ أَفْدَحَ أَخْطَاءِ أَفْلَاطُونَ ثَمَانِيَةٌ: مِنْهَا مَثَلًا أَنَّ أَفْلَاطُونَ يُعَلِّمُ أَنَّ اللهَ جِسْمَانِيٌّ؛ وَأَنَّ اللهَ نَفْسُ الْعَالَمِ الَّتِي تَمْتَزِجُ بِجَسَدِهِ الْعَظِيمِ؛ وَأَنَّ ثَمَّةَ آلِهَةً أَصْغَرَ وَأَحْدَثَ؛ وَأَنَّ الْأَنْفُسَ وُجِدَتْ قَبْلَ الْجَسَدِ، وَفِي الْجَسَدِ كَمَا فِي سِجْنٍ تُكَفِّرُ عَنْ جَرَائِمِ حَيَاةٍ سَابِقَةٍ؛ وَأَنَّ مَعْرِفَتَنَا لَيْسَتْ إِلَّا تَذَكُّرًا؛ وَأَنَّ الزَّوْجَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُنَّ مُشْتَرَكَاتٍ فِي الْجُمْهُورِيَّةِ؛ وَأَنَّ الْكَذِبَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ أَحْيَانًا كَدَوَاءٍ كَالْخَرْبَقِ؛ وَأَنَّهُ سَتَكُونُ دَوْرَةٌ لِلْبَشَرِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالْأَدْهُرِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، بِحَيْثُ بَعْدَ عَشَرَةِ آلَافِ سَنَةٍ يَجْلِسُ هُنَا نَفْسُ النَّاسِ كَطُلَّابٍ وَمُعَلِّمِينَ وَمُسْتَمِعِينَ: وَهَكَذَا يَكُونُ عَوْدٌ وَتَوَالُدٌ جَدِيدٌ لِلْأَنْفُسِ، كَمَا يَقُولُ:
«إِذَا أَدَارُوا الدُّولَابَ أَلْفَ سَنَةٍ،
يَبْدَؤُونَ مِنْ جَدِيدٍ فِي التَّوْقِ لِلْعَوْدَةِ إِلَى الْأَجْسَادِ.»
بَلْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا ذَهَبَ فِيثَاغُورَسُ مِنَ الْمَنْبَعِ نَفْسِهِ، تَنْتَقِلُ الْأَنْفُسُ مِنْ جَسَدٍ إِلَى جَسَدٍ، مَرَّةً لِإِنْسَانٍ وَمَرَّةً لِحَيَوَانٍ؛ وَمِنْ هُنَا كَانَ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: أَنَا نَفْسِي أَتَذَكَّرُ — وَمَنْ لَا يُصَدِّقُ؟ فَقَدْ قَالَهَا بِنَفْسِهِ! — مِنَ الْمَقْبُولِينَ كَمُتَفَرِّجِينَ، هَلْ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَكْتُمُوا ضَحِكَكُمْ؟ —
«أَنَا نَفْسِي أَتَذَكَّرُ، زَمَنَ حَرْبِ طُرْوَادَةَ،
كُنْتُ إِفُورْبُوسَ بْنَ بَانْثُوسَ، الَّذِي فِي صَدْرِهِ يَوْمًا
اسْتَقَرَّ رُمْحُ ابْنِ أَتْرِيوسَ الْأَصْغَرِ الثَّقِيلُ.»
أَلَيْسَ الْمَثَلُ الْعِبْرَانِيُّ الْمَعْرُوفُ أَصْدَقَ مَا يَكُونُ هُنَا: أَشِرْ رِيكْ كُورِي لِمُورِي لَا أُومِنْ لِبُورِي، أَيْ «مَنْ يَثِقُ بِالْمُعَلِّمِ بِسُهُولَةٍ وَتَسَرُّعٍ يَعْصِي الْخَالِقَ»؟
أَمَّا أَرِسْطُو — الَّذِي أَظْهَرَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ أَقْصَى مَا فِي قُدْرَتِهَا مِنْ ذَكَاءٍ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ — فَإِنَّهُ يُلْصِقُ الْمُحَرِّكَ الْأَوَّلَ بِالشَّرْقِ؛ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِالْقَدَرِ وَالضَّرُورَةِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وَأَنَّ هَذَا الْعَالَمَ أَزَلِيٌّ؛ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَقْبَلَاتِ الِاحْتِمَالِيَّةِ حَقِيقَةٌ مُحَدَّدَةٌ؛ وَأَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُهَا عِلْمًا مُحَدَّدًا؛ أَمَّا خُلُودُ النَّفْسِ وَعِنَايَةُ اللهِ بِالْبَشَرِ وَالْأُمُورِ مَا دُونَ الْقَمَرِ وَالْعُقُوبَاتُ وَالْمُكَافَآتُ الْمُسْتَقْبَلِيَّةُ، فَهُوَ إِمَّا يُنْكِرُهَا صَرَاحَةً وَإِمَّا يُعْتِمُهَا حَتَّى إِنَّهَا كَحَبَّارٍ مُلْتَفٍّ بِحِبَالِهِ لَا يُمْكِنُ التَّعَرُّفُ عَلَيْهَا أَوْ فَكُّهَا — وَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَ وَاعْتُبِرَ مِنْ كَثِيرِينَ جَلَّادَ الْعُقُولِ بِسَبَبِ غُمُوضِهِ الْمُتَكَلَّفِ.
وَإِذْ رَأَوْا خِلَالَ هَذِهِ الظِّلَالِ مِنْ نُورِ الطَّبِيعَةِ، اعْتَرَفَ دِيمُقْرِيطُسُ وَأَمْبَادُقْلِيسُ صَرَاحَةً بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لَنَا مَعْرِفَةُ شَيْءٍ حَقًّا. وَكَانَ سُقْرَاطُ يَقُولُ إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ إِلَّا هَذَا: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا؛ وَأَرْسِيلَاسُ إِنَّ حَتَّى هَذَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ؛ وَأَنَكْسَاغُورَسُ مَعَ أَتْبَاعِهِ رَأَوْا أَنَّ كُلَّ مَعْرِفَتِنَا مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَأَنَّ الْأَشْيَاءَ تَبْدُو لَنَا كَذَلِكَ فَحَسْبُ — بَلْ إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ يَقِينًا هَلِ الثَّلْجُ أَبْيَضُ، بَلْ يَبْدُو لَنَا كَذَلِكَ فَقَطْ — لِأَنَّ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ يُمْكِنُ أَنْ تَنْخَدِعَ، كَمَا يَنْخَدِعُ الْبَصَرُ — وَهُوَ أَوْثَقُهَا — حِينَ يَرَى عُنُقَ الْحَمَامَةِ بِسَبَبِ أَشِعَّةِ النُّورِ الْمُنْكَسِرَةِ مُزَرْكَشًا بِأَلْوَانٍ سَمَاوِيَّةٍ بَيْنَمَا لَا وُجُودَ لِتِلْكَ الْأَلْوَانِ فِي الْحَمَامَةِ فِي الْحَقِيقَةِ.
فَفِي هَذَا اللَّيْلِ إِذَنْ مِنْ بَصِيرَتِنَا الْمُعْتِمَةِ، فِي هَذَا الْبَحْرِ وَالْهَاوِيَةِ، نَحْتَاجُ إِلَى سِرَاجِ التَّعْلِيمِ الْمُوحَى بِهِ كَمَنَارَةٍ. «كَلِمَتُكَ سِرَاجٌ لِرِجْلَيَّ»، يَقُولُ الْمُرَتِّلُ الْمَلَكِيُّ، الْمَزْمُورُ ١١٨: ١٠٥، «وَنُورٌ لِسَبِيلِي: حَدَّثَنِي الْأَشْرَارُ بِأَسَاطِيرَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَشَرِيعَتِكَ.»
٨. أَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ — مَرْتَبَةِ النِّعْمَةِ — وَالثَّالِثَةِ — مَرْتَبَةِ الْأُلُوهِيَّةِ — فَكُلُّ أَحَدٍ يَرَى مَعَ الْقِدِّيسِ تُومَا أَنَّهَا كَانَتْ مَجْهُولَةً عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ (لِأَنَّهَا تَتَجَاوَزُ نُورَ الطَّبِيعَةِ)، وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِدُونِ وَحْيِ اللهِ وَبِدُونِ كَلِمَةِ اللهِ. أَفَتَرَى إِذَنْ كَيْفَ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَغَلْغَلُ فِيهَا كُلِّهَا، وَكَشَمْسِ الْحِكْمَةِ يَبُثُّ مِنْ ذَاتِهِ أَشِعَّةَ كُلِّ حَقِيقَةٍ.
وَأَرِسْطُو — أَوْ أَيًّا كَانَ مُؤَلِّفُهُ — فِي كِتَابِهِ «عَنِ الْعَالَمِ»، حِينَ يَسْأَلُ مَا اللهُ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ فِي الْعَالَمِ كَالرُّبَّانِ فِي السَّفِينَةِ، وَكَالسَّائِقِ فِي الْمَرْكَبَةِ، وَكَرَئِيسِ الْجَوْقَةِ فِي الْجَوْقَةِ، وَكَالْقَانُونِ فِي الدَّوْلَةِ، وَكَالْقَائِدِ فِي الْجَيْشِ» — إِلَّا أَنَّ السُّلْطَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ شَاقَّةٌ وَمُضْطَرِبَةٌ وَقَلِقَةٌ؛ أَمَّا فِي اللهِ فَهِيَ أَيْسَرُ مَا يَكُونُ وَأَحَرُّ مَا يَكُونُ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ نِظَامًا.
وَتَقُولُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي هُوَ الدَّلِيلُ وَالْقَانُونُ وَالْحَاكِمُ وَالْمُنَظِّمُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ الْأُخْرَى. وَبِالْفِعْلِ، أَمْبَادُقْلِيسُ لَمَّا سُئِلَ مَا اللهُ أَجَابَ: اللهُ كُرَةٌ لَا تُدْرَكُ مَرْكَزُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمُحِيطُهَا فِي لَا مَكَانٍ. وَكَذَلِكَ لِمَنْ يَسْأَلُ مَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ تُجِيبُ بِصَوَابٍ: هُوَ كُرَةُ مَعْرِفَةٍ لَا تُدْرَكُ مَرْكَزُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمُحِيطُهَا فِي لَا مَكَانٍ — لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. فَكَمَا أَنَّ كَلِمَةَ عَقْلِنَا تَعْكِسُ الْعَقْلَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ أَفْكَارِهِ، كَذَلِكَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ — إِذْ هُوَ كَلِمَةُ الْعَقْلِ الْإِلَهِيِّ، الْوَاحِدَةُ فِي ذَاتِهَا وَكَأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِلْعَقْلِ الْإِلَهِيِّ وَالْمَعْرِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ (الَّتِي بِهَا يَرَى اللهُ ذَاتَهُ وَجَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةَ وَمَا فَوْقَ الطَّبِيعِيَّةَ بِلَمْحَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عَقْلِهِ) — يُعَبِّرُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ يُدْخِلَ تَدْرِيجِيًّا فِي ضِيقِ عُقُولِنَا — الَّتِي لَا تَسْتَوْعِبُ ذَلِكَ الْوَاحِدَ الْفَسِيحَ الْعِمْلَاقَ — الْكُلَّ، لَكِنْ قِطْعَةً قِطْعَةً كَمَا لِلْأَطْفَالِ، بِجُمَلٍ وَأَمْثِلَةٍ وَتَشْبِيهَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ.
ثُمَّ مِنْ هَذَا كَمَا مِنْ بَحْرٍ يَسْتَخْرِجُ الْمَدْرَسِيُّونَ جَدَاوِلَ النَّتَائِجِ اللَّاهُوتِيَّةِ. فَانْزِعِ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مِنَ اللَّاهُوتِ الْمَدْرَسِيِّ، وَسَتُنْتِجُ لَا لَاهُوتًا بَلْ فَلْسَفَةً؛ وَسَتَكُونُ فَيْلَسُوفًا لَا لَاهُوتِيًّا. اجْمَعْ بَيْنَهُمَا مُتَشَابِكَيْنِ، وَسَتَحُوزُ كُلَّ سِمَةٍ لِلَّاهُوتِيِّ وَالْفَيْلَسُوفِ مَعًا.
٩. وَهَكَذَا فَإِنَّ مَا يُبْحَثُ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ عَنْ ذَاتِ اللهِ وَصِفَاتِهِ وَالتَّقْدِيرِ الْأَزَلِيِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْإِنْسَانِ وَعَمَلِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ (الَّذِي يَتَّضِحُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ كُلُّهُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْبَابِ ١) عِنْدَ الْقِدِّيسِ تُومَا وَالْمَدْرَسِيِّينَ، قَدِ اسْتُقِيَ وَاسْتُنْبِطَ مِمَّا تَعَلَّمْنَاهُ بِوَحْيِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لِذَلِكَ فَالْقِدِّيسُ دِيُونِيسِيُوسْ، مُشِيرًا بِإِصْبَعِهِ إِلَى الْمَنَابِعِ، يَفْتَتِحُ سُلَّمَهُ السَّمَاوِيَّ هَكَذَا: «لِنَمْضِ بِكُلِّ قُوَّتِنَا لِنَفْهَمَ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ كَمَا تَسَلَّمْنَاهَا مِنَ الْآبَاءِ لِنَتَأَمَّلَهَا، وَلِنَتَفَكَّرَ بِقَدْرِ مَا نَسْتَطِيعُ فِي تَمَايُزَاتِ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ وَمَرَاتِبِهَا الَّتِي سَلَّمُوهَا لَنَا إِمَّا بِالرُّمُوزِ وَإِمَّا بِأَسْرَارِ فَهْمٍ أَقْدَسَ.» فَلَوْ لَمْ تَرْسُمْ لَنَا الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ الْمَلَائِكَةَ، فَأَيُّ أَبِلِّيسَ مِنَ الرَّسَّامِينَ، أَيُّ عَيْنٍ، أَيُّ حِدَّةِ بَحْثٍ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْسُمَ مَلَامِحَهُمْ؟
وَهَذَا أَيْضًا رَأْيُ الْقِدِّيسِ إِكْلِيمَنْضُسَ، رَفِيقِ الطُّوبَاوِيِّ بُطْرُسَ وَتِلْمِيذِهِ، فِي رِسَالَتِهِ الْخَامِسَةِ.
وَمَا يُبْحَثُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ عَنِ التَّجَسُّدِ قَدِ اسْتُقِيَ كُلُّهُ مِنَ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تَرْوِي حَيَاةَ الْمَسِيحِ؛ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَسْرَارِ الْقَدِيمَةِ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ؛ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْجَدِيدَةِ مِنَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ. وَمَا يُبْحَثُ فِي «الْأُولَى مِنَ الثَّانِيَةِ» عَنِ السَّعَادَةِ وَالْأَفْعَالِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِرَادِيِّ وَالْأَهْوَاءِ وَالْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَالْمُمِيتَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالِاسْتِحْقَاقَاتِ وَالْمَآثِمِ — فَمِنْ أَيْنَ أَسْأَلُ تَنْبُعُ هَذِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَحْيِ اللهِ؟ وَمَا يُنَاقَشُ فِي «الثَّانِيَةِ مِنَ الثَّانِيَةِ» عَنِ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ يَرْتَكِزُ عَلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ ارْتِكَازًا تَامًّا حَتَّى إِنَّ فَهْمَهَا كُلَّهُ يُرَدُّ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنَ التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ، الْبَابِ ٤٠. «فَإِنَّ غَايَةَ الْوَصِيَّةِ — يَقُولُ الرَّسُولُ — هِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ وَضَمِيرٍ صَالِحٍ وَإِيمَانٍ بِلَا رِيَاءٍ.» «إِيمَانٌ بِلَا رِيَاءٍ» — فَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الصَّادِقُ؛ «ضَمِيرٌ صَالِحٌ» — فَهَذَا هُوَ الرَّجَاءُ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ الصَّالِحَ يَرْجُو وَالسَّيِّئَ يَيْأَسُ؛ «الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ» — فَهَذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ.
وَمَا يُعَلِّمُهُ اللَّاهُوتِيُّونَ عَنِ الْعَدَالَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْفَضَائِلِ الْمُتَّصِلَةِ بِهَا، يُغَطِّيهِ أَيْضًا مُوسَى فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ وَتَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ بِأَحْكَامِهِ الْقَضَائِيَّةِ الَّتِي يُعْطِي بِهَا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وَكَذَلِكَ سُلَيْمَانُ فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ وَالْجَامِعَةِ وَالْحِكْمَةِ؛ وَيَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ يَشْمَلُ هَذِهِ الْمَوَاضِيعَ أَيْضًا — وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ بَانَارِيتُوسْ، أَيْ كَأَنَّكَ تَقُولُ «كُلُّ فَضِيلَةٍ».
فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ قَدْ نَسَجَهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ نَسْجًا مُتَنَاسِقًا حَتَّى إِنَّهُ يَتَكَيَّفُ مَعَ جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَالصُّعُوبَاتِ وَالْأَخْطَارِ وَالْأَمْرَاضِ، لِطَرْدِ الشُّرُورِ وَجَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَحْضِ الضَّلَالَاتِ وَتَثْبِيتِ الْعَقَائِدِ وَغَرْسِ الْفَضَائِلِ وَدَفْعِ الرَّذَائِلِ؛ حَتَّى إِنَّ الْقِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ يُشَبِّهُهُ بِحَقٍّ بِوَرْشَةٍ مُجَهَّزَةٍ أَتَمَّ التَّجْهِيزِ تُوَفِّرُ أَدْوِيَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ لِكُلِّ دَاءٍ: فَهَكَذَا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ اسْتَمَدَّتِ الْكَنِيسَةُ ثَبَاتَهَا وَشَجَاعَتَهَا حِينَ كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ الشُّهَدَاءِ؛ وَأَنْوَارَ الْحِكْمَةِ وَأَنْهَارَ الْبَلَاغَةِ حِينَ كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ الْمُعَلِّمِينَ؛ وَحُصُونَ الْإِيمَانِ وَهَدْمَ الضَّلَالَاتِ حِينَ كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ الْهَرَاطِقَةِ؛ وَفِي الرَّخَاءِ تَعَلَّمَتْ مِنْهُ التَّوَاضُعَ وَالتَّوَقُّرَ؛ وَفِي الشِّدَّةِ عُلُوَّ الْهِمَّةِ؛ وَفِي الْفُتُورِ الْحَرَارَةَ وَالِاجْتِهَادَ؛ وَأَخِيرًا كُلَّمَا تَشَوَّهَتْ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ الطَّوِيلَةِ بِالشَّيْخُوخَةِ وَالْأَدْرَانِ وَالْعُيُوبِ، اسْتَمَدَّتْ مِنْ هَذَا الْمَصْدَرِ إِصْلَاحَ أَخْلَاقِهَا الضَّائِعَةِ وَالرُّجُوعَ إِلَى كَرَامَتِهَا وَحَالَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ.
وَهَكَذَا الْقِدِّيسُ بِرْنَرْدُوسْ، فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ لِلْمَسِيحِ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَاذْهَبْ وَبِعْ كُلَّ مَا تَمْلِكُ وَأَعْطِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَيَكُونُ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ»، يَقُولُ: «هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَقْنَعَتِ الْعَالَمَ كُلَّهُ بِاحْتِقَارِ الدُّنْيَا وَالْفَقْرِ الطَّوْعِيِّ؛ هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأَدْيِرَةَ لِلرُّهْبَانِ وَالْبَرَارِيَّ لِلنُّسَّاكِ.»
وَكَذَلِكَ الْمَجْمَعُ التِّرِيدَنْتِينِيُّ الْمُقَدَّسُ يَبْدَأُ إِصْلَاحَ الْكَنِيسَةِ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَفِي مَرْسُومِهِ الْأَوَّلِ كُلِّهِ «فِي الْإِصْلَاحِ» يَأْمُرُ بِعِنَايَةٍ وَإِسْهَابٍ بِأَنْ تُؤَسَّسَ قِرَاءَةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَوْ تُسْتَعَادَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
١٠. كَمْ هُوَ نَافِعٌ بَلْ ضَرُورِيٌّ عِلْمُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هَذَا لِلَّذِينَ لَا يَعِيشُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فَحَسْبُ بَلْ يُشَارِكُونَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِمْ لِنَفْعِ الْآخَرِينَ — وَخُصُوصًا لِلَّذِينَ يَحْتَلُّونَ كَرَاسِيَّ التَّعْلِيمِ الْمُقَدَّسِ — فَالْأَمْرُ يَنْطِقُ بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ أَقُولَهُ، وَالْعُرْفُ الشَّامِلُ لِجَمِيعِ رِجَالِ الْكَنِيسَةِ يُؤَكِّدُهُ. وَهَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ حَدِيثٍ: فَمَنْ يَتَفَحَّصُ الْقُدَامَى سَيَلْحَظُ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الْأُولَى مَعْرِفَةً أَوْفَى بِكَثِيرٍ بِالْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَبِغَزَارَةٍ حَتَّى إِنَّ كَلَامَهُمْ كُلَّهُ كَثِيرًا مَا بَدَا لَا مَحْشُوًّا بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فَحَسْبُ بَلْ مَنْسُوجًا بِهِ كَسِلْسِلَةٍ أَنِيقَةٍ؛ وَلَنْ يَعْجَبَ إِنْ قَرَأَ أَنَّ أُورِيجَانُوسَ وَأَنْطُونِيُوسَ وَفِيكَنْتِيُوسَ سُمُّوا أَوْرَاكِلَ وَهَيَاكِلَ وَأَتَابِيتَ لِلْعَهْدِ.
وَيَشْرَحُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ شَرْحًا رَائِعًا، فِي الْكِتَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنَ «الْأَخْلَاقِيَّاتِ»، الْبَابِ ١٤، ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ: «لِلْفِضَّةِ عُرُوقٌ تَكُونُ مِنْهَا بَدَايَاتُهَا»: «الْفِضَّةُ — يَقُولُ — هِيَ إِشْرَاقُ الْكَلَامِ أَوِ الْحِكْمَةِ؛ وَالْعُرُوقُ هِيَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ صَرَاحَةً: مَنْ يُهَيِّئُ نَفْسَهُ لِكَلِمَاتِ الْوَعْظِ الْحَقِيقِيِّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ أُصُولَ حُجَجِهِ مِنَ الصَّفَحَاتِ الْمُقَدَّسَةِ؛ حَتَّى يُرْجِعَ كُلَّ مَا يَقُولُهُ إِلَى أَسَاسِ السُّلْطَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَيُثَبِّتَ عَلَيْهِ بُنْيَانَ كَلَامِهِ.»
وَالْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى فُولُوسِيَانُسَ: «هُنَا تُصَحَّحُ الْعُقُولُ الْمُنْحَرِفَةُ تَصْحِيحًا مُعَافًى، وَتُغَذَّى الْعُقُولُ الصَّغِيرَةُ، وَتُمَتَّعُ الْعُقُولُ الْعَظِيمَةُ؛ وَتِلْكَ النَّفْسُ عَدُوَّةُ هَذَا التَّعْلِيمِ الَّتِي إِمَّا أَنْ لَا تَعْلَمَ بِسَبَبِ الضَّلَالِ أَنَّهُ أَنْفَعُ مَا يَكُونُ، وَإِمَّا أَنْ تَكْرَهَ الدَّوَاءَ لِمَرَضِهَا.»
لِذَلِكَ يَحِقُّ الرِّثَاءُ عَلَى أَنَّنَا حَتَّى فِي عَصْرِنَا هَذَا نَرَى مَا عَابَهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي «الْمُقَدِّمَةِ الْمُدَرَّعَةِ» عَلَى أَبْنَاءِ عَصْرِهِ: أَنَّهُ بَيْنَمَا فِي سَائِرِ الْفُنُونِ اعْتَادَ النَّاسُ أَنْ يَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُعَلِّمُوا، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يُرِيدُونَ أَنْ يُعَلِّمُوا مَا لَمْ يَتَعَلَّمُوهُ قَطُّ. «فَنُّ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ وَحْدَهُ — يَقُولُ — هُوَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْجَمِيعُ لِأَنْفُسِهِمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَحِينَ يُلَطِّفُونَ آذَانَ الشَّعْبِ بِكَلَامٍ مُنَمَّقٍ، فَكُلُّ مَا قَالُوهُ يَعْتَبِرُونَهُ شَرِيعَةَ اللهِ؛ وَلَا يَتَنَازَلُونَ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا قَصَدَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، بَلْ يُلَفِّقُونَ شَهَادَاتٍ غَيْرَ مُلَائِمَةٍ عَلَى مَقَاسِ مُرَادِهِمْ — كَأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِنْ أَسْوَإِ أَنْوَاعِ التَّعْلِيمِ، أَنْ تُحَرِّفَ الْمَعَانِيَ وَتَجُرَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ مُقَاوِمًا لِيُوَافِقَ هَوَاهُمْ.»
وَبِالْفِعْلِ، كَثِيرُونَ يَسْتَبِدُّ بِهِمْ دَاءُ التَّعْلِيمِ الَّذِي لَا يُشْفَى وَقَلِيلُونَ يَسْتَبِدُّ بِهِمْ حُبُّ التَّعَلُّمِ، وَذَلِكَ الْحُبُّ ضَئِيلٌ: فَمِنْ هُنَا يَأْتِي أَنَّهُمْ يَلْوُونَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ كَالشَّمْعِ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، وَيُحَوِّلُونَهُ إِلَى كُلِّ شَكْلٍ بِمَسْخٍ عَجِيبٍ، وَكَمُقَامِرِينَ بِالْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ يَلْعَبُونَ بِهِ كَمَا تَقَعُ الْقُرْعَةُ، كَثِيرًا مَا يُعَنِّفُونَهُ وَيَحْرِفُونَ إِلَى مَعَانٍ غَرِيبَةٍ — خِلَافًا لِأَشَدِّ مَرَاسِيمِ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ وَالْقَوَانِينِ وَالْمَجَامِعِ وَخُصُوصًا الْمَجْمَعِ التِّرِيدَنْتِينِيِّ وَقَارًا — مَا لَمْ يَكُنِ الشُّعَرَاءُ لِيَحْتَمِلُوهُ فِي حَالَةِ فِيرْجِيلِيُوسَ. لَكِنْ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي كُلُّ هَذَا؟ أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ كَسَلٍ مُتَثَائِبٍ شَائِعٍ: فَقَدْ تَعَلَّمُوا حُرُوفَهُمْ خَطَأً، وَيَكْرَهُونَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا بِجِدٍّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمُوهُ، وَكَسَلُهُمْ ذَاتُهُ يَنْشُرُ الظَّلَامَ عَلَى عُقُولِهِمْ حَتَّى يَحْسِبُوا الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ سَهْلًا وَفِي مُتَنَاوَلِ أَيِّ أَحَدٍ بِذَكَائِهِ وَحْدَهُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. هَذَا هُوَ جَذْرُ كُلِّ الشَّرِّ الَّذِي يَجِبُ اقْتِلَاعُهُ — وَبَاءٌ زَاحِفٌ بَعِيدَ الْمَدَى أَصَابَ كَثِيرِينَ وَانْتَشَرَ أَوْسَعَ انْتِشَارٍ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صُعُوبَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ
٢١. ثَالِثًا. لِنَتَأَمَّلِ الْآنَ، كَمَا اقْتُرِحَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ، مَدَى سُهُولَةِ الْأَسْفَارِ الْإِلَهِيَّةِ. وَلِأُقَدِّمَ بِإِيجَازٍ فِي الْبِدَايَةِ مَا أَرَاهُ وَمَا أَسْعَى إِلَى إِثْبَاتِهِ: أَزْعُمُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ أَصْعَبُ فَهْمًا بِكَثِيرٍ مِنْ جَمِيعِ الْكُتُبِ الدُّنْيَوِيَّةِ — الْيُونَانِيَّةِ وَالَّلَاتِينِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ وَسِوَاهَا. فَهَلْ هَذَا كَذَلِكَ؟ لِنَنْظُرْ.
إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَفُوقُ سَائِرَ الْكُتُبِ بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، لَكِنْ بِخَاصَّةٍ فِي هَذِهِ: أَنَّ سَائِرَ الْكُتُبِ لَا تُعَبِّرُ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، بَيْنَمَا هَذَا الْكِتَابُ يُعَبِّرُ عَنْ أَرْبَعَةِ مَعَانٍ عَلَى الْأَقَلِّ. فَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ وَحْدَهَا، بَلْ دَلَالَةُ الْأَشْيَاءِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِهَا أَيْضًا؛ وَمِنْ هُنَا يَنْتُجُ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَرْفِيَّ يُقَدِّمُ فَهْمَ الْوَاقِعَةِ التَّارِيخِيَّةِ أَوِ الْأَمْرِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ مُبَاشَرَةً بِالْكَلِمَاتِ الْمُقَدَّسَةِ؛ لَكِنَّ هَذَا التَّارِيخَ ذَاتَهُ أَوْ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ ذَاتَهَا، بِحَسَبِ الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، تُنْبِئُ بِشَيْءٍ نُبُوِّيٍّ عَنِ الْمَسِيحِ الرَّبِّ؛ وَبِحَسَبِ الْمَعْنَى الْأَدَبِيِّ، تُوصِي بِمَا يُنَاسِبُ تَهْذِيبَ الْأَخْلَاقِ؛ وَإِذِ ارْتَفَعَتْ أَعْلَى بَعْدُ بِطَرِيقَةٍ ثَالِثَةٍ، تَعْرِضُ بِالْمَعْنَى الْأَنَاغُوجِيِّ أَسْرَارَ السَّمَاءِ لِلتَّأَمُّلِ فِي لُغْزٍ.
وَمِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي بِالْكَادِ تَنَالُ مَعْنًى وَاحِدًا حَقِيقِيًّا؛ فَكَيْفَ إِذَنْ تَعِدُ بِالثَّلَاثَةِ الْأُخْرَى بِهَذِهِ السُّهُولَةِ وَالتَّهَوُّرِ؟
لَكِنَّكَ سَتَقُولُ: الْمَعْنَى التَّارِيخِيُّ هُوَ الْغَالِبُ؛ وَأَنَا لَا أَطْلُبُ سِوَى هَذَا الْوَاحِدِ، وَأَسْتَنْبِطُهُ وَأَقِيسُهُ بِالْقَدْرِ الْكَافِي مِنَ الْمَبَادِئِ الْمَدْرَسِيَّةِ؛ أَمَّا الْمَعْنَى الرَّمْزِيُّ — وَهُوَ غَيْرُ يَقِينِيٍّ وَيَسْهُلُ عَلَى أَيِّ أَحَدٍ اخْتِلَاقُهُ — فَلَا أَشْغَلُ نَفْسِي بِهِ قَلَقًا. لَكِنِ احْذَرْ أَلَّا تَكُونَ كَذَلِكَ النِّيُوبْتُولِيمُوسَ عِنْدَ إِينِيُوسَ، الَّذِي «قَالَ إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَلْسَفَ، لَكِنْ قَلِيلًا فَحَسْبُ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يَكُنْ يُعْجِبُهُ»، فَتُمَارِسَ اللَّاهُوتَ بِالِاسْمِ أَوْ مِنَ السَّطْحِ فَقَطْ.
فَأَوَّلًا، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى السِّرِّيِّ — أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الرَّئِيسِيُّ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، فَالْعَهْدُ الْقَدِيمُ كُلُّهُ يَنْطِقُ بِذَلِكَ، إِذْ يَرْوِي مُبَاشَرَةً أَعْمَالَ ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوِ الْأُمُورَ الْوَاجِبَ فِعْلُهَا، لَكِنَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ رَمْزِيًّا. وَالْحُكْمُ ذَاتُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى سَائِرِ الْمَعَانِي.
وَكَمَا أَنَّ يُونَاثَانَ فِي سِفْرِ الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ، الْبَابِ ٢٠، لِنَنْظُرْ فِي هَذَا الْأَمْرِ بِمَثَلٍ مَأْلُوفٍ، كَانَ عَلَى وَشَكِ أَنْ يُعْطِيَ دَاوُدَ سِرًّا إِشَارَةً لِلْهَرَبِ: فَبِإِطْلَاقِهِ سَهْمًا بِمُقْتَضَى اتِّفَاقِهِمَا وَأَمْرِهِ الْغُلَامَ الَّذِي كَانَ سَيَلْتَقِطُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى الْأَمَامِ أَبْعَدَ، كَانَ يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ — الْأَوَّلُ مُبَاشَرَةً، أَنْ يَلْتَقِطَ الْغُلَامُ السَّهْمَ؛ وَالثَّانِي أَبْعَدَ مِنْهُ، لَكِنَّهُ أَرَادَ إِيصَالَهُ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ، أَيْ أَنَّ دَاوُدَ، بَعْدَ تَنْبِيهِهِ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ، يَجِبُ أَنْ يَفِرَّ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ هَاهُنَا تَمَامًا: فَالْمَعْنَى التَّارِيخِيُّ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ الْأَسْبَقُ، لَكِنَّ الْمَعْنَى السِّرِّيَّ هُوَ الْأَهَمُّ؛ وَمِنْ هَذَا الْأَخِيرِ، كَمَا مِنَ الْأَوَّلِ، يَسْتَطِيعُ اللَّاهُوتِيُّ أَنْ يَسْتَخْرِجَ أَقْوَى الْحُجَجِ لِتَثْبِيتِ عَقِيدَتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْيَقِينِ أَنَّهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ الرَّبَّ وَالرُّسُلَ كَثِيرًا مَا يَسْتَنْتِجُونَ مِنْهُ اسْتِنْتَاجَاتٍ فِي مُنْتَهَى الْفَعَالِيَّةِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ يَقِينِيًّا بَلْ مُلْتَبِسًا — هَلِ الْمَعْنَى السِّرِّيُّ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ هُوَ الْحَقِيقِيُّ — فَأَيُّ عَجَبٍ إِنِ اسْتُنْتِجَتْ مِنْ مُقَدِّمَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا نَتِيجَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا؟ فَحَتَّى مِنَ الْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ الْمُلْتَصِقِ بِالْحَرْفِ، إِنْ كَانَ غَيْرَ يَقِينِيٍّ وَمَشْكُوكًا فِيهِ، لَنْ تُنْتِجَ شَيْئًا يَقِينِيًّا قَطُّ.
٢٢. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ بِأَنَّ الْمَعَانِيَ الرُّوحِيَّةَ مُجَرَّدُ اخْتِلَاقَاتٍ، وَأَنَّ أَيَّ شَخْصٍ يَسْتَطِيعُ بِابْتِكَارِهِ الْخَاصِّ أَنْ يُطَبِّقَهَا عَلَى أَيِّ نَصٍّ — كَمَنْ يُقَلِّدُ بْرُوبَا فَالْكُونِيَا (الَّتِي كَانَتْ سَافُو الَّلَاتِينِيَّةَ) فِي تَطْبِيقِ إِينِيَادَةِ فِيرْجِيلِيُوسَ، أَوِ الْإِمْبِرَاطُورَةَ أُودُوكِيَا فِي تَطْبِيقِ إِلِيَاذَةِ هُومِيرُوسَ، عَلَى الْمَسِيحِ، وَيُلَائِمُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ عَلَى ابْتِكَارِهِ التَّقَوِيِّ الْخَاصِّ — هَذَا رَأْيٌ مُهْلِكٌ أَنْ يُعْتَقَدَ، وَأَخْطَرُ مِنْهُ أَنْ يُمَارَسَ.
فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى السِّرِّيُّ مَعْنًى حَقِيقِيًّا مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَإِذَا كَانَ الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدْ أَرَادَ بِالْأَخَصِّ أَنْ يُمْلِيَهُ، فَبِأَيِّ حَقٍّ يَكُونُ لِأَيِّ أَحَدٍ حُرِّيَّةُ تَفْسِيرِهِ كَمَا يَشَاءُ؟ وَبِأَيِّ وَقَاحَةٍ يُسَمِّي أَحَدٌ نِتَاجَ عَقْلِهِ هُوَ مَقْصِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَيُرَوِّجُ نَفْسَهُ وَبِضَاعَتَهُ كَأَنَّهُ مُتَحَمِّسٌ مَجْنُونُ الرُّوحِ الْقُدُسِ؟
لَقَدْ رَأَى ذَلِكَ وَاحْتَرَزَ مِنْهُ بِعِنَايَةٍ أُولَئِكَ مِنَ الْآبَاءِ الَّذِينَ كَانُوا أَكْثَرَ اشْتِغَالًا بِالرَّمْزِ؛ فَهُمْ إِذْ كَانُوا مَمْلُوئِينَ بِالرُّوحِ ذَاتِهِ، لَمْ يَفْرِضُوهُ بِتَهَوُّرٍ أَيْنَمَا بَدَا لَهُمْ مُبْتَسِمًا، أَوْ لِتَدْعِيمِ أَفْكَارِهِمْ، وَلَمْ يَضَعُوا — كَمَا يُقَالُ — سَاقَ الدِّرْعِ عَلَى الْجَبِينِ أَوِ الْخُوذَةَ عَلَى السَّاقِ بِلَا إِتْقَانٍ؛ بَلْ رَبَطُوهُ بِالْوَاقِعِ رَبْطًا مُحْكَمًا حَتَّى اتَّفَقَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ اتِّفَاقًا لَائِقًا.
فَكَمَا أَنَّ الْأَلْفَاظَ فِي الْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ تَدُلُّ عَلَى الْوَقَائِعِ الَّتِي جَرَتْ، كَذَلِكَ فِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ تَدُلُّ الْوَقَائِعُ عَلَى حَقَائِقَ أُخْرَى أَكْثَرَ خَفَاءً: بِحَيْثُ إِنَّهُ مَا لَمْ يُطَابِقِ الرَّمْزُ التَّارِيخَ، فَهُوَ بَاطِلٌ كُلِّيًّا وَخَاوٍ. وَلِهَذَا السَّبَبِ، يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى سِفْرِ هُوشَعَ الْبَابِ ١٠، أَنَّ تَطْبِيقَ مَا يُقَالُ عَادَةً عَنْ مَلِكِ أَشُّورَ عَلَى الْمَسِيحِ تَطْبِيقًا أَدَبِيًّا — وَهُوَ مَا فَعَلَهُ هُوَ نَفْسُهُ ذَاتَ مَرَّةٍ بِغَيْرِ تَبَصُّرٍ — أَمْرٌ كُفْرِيٌّ؛ وَفِي مُقَدِّمَتِهِ لِسِفْرِ عُوبَدْيَا يُوَبِّخُ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ فَسَّرَ ذَاتَ مَرَّةٍ ذَلِكَ النَّبِيَّ تَفْسِيرًا رَمْزِيًّا دُونَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدْرَكَ بَعْدُ مَعْنَاهُ التَّارِيخِيَّ.
٢٣. أَمَّا الْمَعْنَى التَّارِيخِيُّ، فَحَتَّى لَوْ كَانَ وَحْدَهُ كَافِيًا لَكَ، فَكَمْ مِنَ الْمَعُونَاتِ وَكَمْ مِنْ عَظِيمِهَا يَلْزَمُكَ! كَمْ هُوَ خَفِيٌّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ! كَمْ هُوَ مَسْتُورٌ فِي عُمْقِ أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ الْعِبْرِيِّ أَوِ الْيُونَانِيِّ، فِي ضَرْبٍ مِنَ الْكَلَامِ جَدِيدٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ كُلِّ الْأَسَالِيبِ الْأُخْرَى! وَكَمْ يُحَلِّقُ سَامِيًا فِي أَعْلَى الذُّرَى فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ!
وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ. فَإِنْ كَانَتْ كَلِمَاتُ الْحُكَمَاءِ تُعَبِّرُ عَنْ أَفْكَارِ عَقْلٍ حَكِيمٍ، وَكَانَ الْكَلَامُ يُطَابِقُ تَصَوُّرَ الذِّهْنِ، فَحَيْثُ يَكُونُ هَذَا التَّصَوُّرُ سَمَاوِيًّا وَإِلَهِيًّا، كَمْ يَلْزَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ أَيْضًا سَمَاوِيًّا وَإِلَهِيًّا؟ وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ الْأَسْفَارَ الْمُقَدَّسَةَ تَحْتَضِنُ فِي كَلِمَاتِهَا أَفْكَارَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةَ الْكَلِمَةِ الْأَزَلِيِّ: بِحَيْثُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَزْحَفَ عَلَى الْأَرْضِ بَلْ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ إِلَى الْأَعَالِي، إِنْ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّقَ عَبْرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَى الْأَفْكَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ الْأُولَى.
وَأَعْتَرِفُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ بِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ الْمَدْرَسِيِّينَ يَسْتَخْرِجُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً بِدِقَّةٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ وَيُنَاقِشُونَهَا فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لَكِنَّهُمْ يَضَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حُدُودَهُمُ الْخَاصَّةَ فِي الْمَسَائِلِ اللَّاهُوتِيَّةِ الَّتِي تُوَفِّرُ لَهُمْ بِوَفْرَةٍ الْمَادَّةَ وَالْعَمَلَ الْأَنْفَعَ وَالْأَكْثَرَ ضَرُورَةً لِلَّاهُوتِيِّ، بِحَيْثُ لَا تُتَاحُ لَهُمْ فُرْصَةُ مُتَابَعَةِ شَيْءٍ آخَرَ بِصُورَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ — تَمَامًا كَمَا أَنَّ مَنْ يَشْرَحُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُوضِحُ أَحْيَانًا بِمَزِيدٍ مِنَ الْعِنَايَةِ النَّتَائِجَ اللَّاهُوتِيَّةَ الْمُنْطَوِيَةَ فِي النُّصُوصِ الْمُقَدَّسَةِ، لَكِنَّهُ لِكَيْلَا يَتَجَاوَزَ حُدُودَهُ يَرْتَدُّ حَالًا إِلَى مِيدَانِهِ الْخَاصِّ.
لَكِنَّ شَيْئًا أَنْ تَتَذَوَّقَ شَيْئًا مَا، وَشَيْئًا آخَرَ أَنْ تَنْسُجَ الْمَادَّةَ ذَاتَهَا نَسْجًا مُتَّصِلًا بِتَرْتِيبٍ ثَابِتٍ وَمُتَوَاصِلٍ؛ شَيْءٌ أَنْ تَفْحَصَ جُمْلَةً مُعَيَّنَةً، وَآخَرُ أَنْ تَنْشُرَ سِفْرًا كَامِلًا وَجَمِيعَ نُصُوصِهِ بِتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ وَمُحْكَمٍ لِمَا يَسْبِقُ وَمَا يَلْحَقُ، وَبِتَتَبُّعِ الْمَصَادِرِ الْعِبْرِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ، وَبِقِرَاءَةِ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ، لِتَتَشَرَّبَ أُسْلُوبَهُ وَتَتَحَرَّكَ فِيهِ كَأَنَّكَ فِي دَارِكَ. وَمَنْ يُهْمِلُ ذَلِكَ مُكْتَفِيًا بِبَعْضِ النُّصُوصِ الصَّعْبَةِ الْمُخْتَارَةِ وَالْمُفَسَّرَةِ هُنَا وَهُنَاكَ، لَنْ يَنْفُذَ أَبَدًا إِلَى قُدْسِ الْأَقْدَاسِ — أَعْنِي إِلَى الْمَعْنَى الْخَفِيِّ لِلْكَلِمَاتِ الْمُقَدَّسَةِ — بَلْ سَيَضِلُّ بِسُهُولَةٍ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَعَنْ مَقْصِدِ الْمُؤَلِّفِ.
وَهَذَا مَا يُرَى عِنْدَ بَعْضِ الْكُتَّابِ الْأَقْدَمِينَ — وَهُمْ رِجَالٌ لَيْسُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ جِهَاتٍ أُخْرَى — الَّذِينَ فِي الْمَسَائِلِ اللَّاهُوتِيَّةِ يَتَنَاوَلُونَ أَحْيَانًا قَاعِدَةً مُقَدَّسَةً وَيَسْتَخْدِمُونَهَا بِهَذِهِ الِاسْتِخْفَافِ حَتَّى يُثِيرُونَ ضَحِكَ الْهَرَاطِقَةِ وَغَضَبَ الْكَاثُولِيكِيِّينَ.
٢٤. يَنْصَحُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ نَصِيحَةً رَائِعَةً فِي مُقَدِّمَتِهِ لِأَسْفَارِ الْمُلُوكِ لِلْقَارِئِ بِأَنَّهُ يُفَسِّرُ التَّارِيخَ أَحْيَانًا بِخِلَافِ مَا فَعَلَ الْآبَاءُ: لِأَنَّهُمْ لَوْ شَرَحُوا بِالتَّسَلْسُلِ كُلَّ مَا مَسُّوهُ جُزْئِيًّا — كَمَا يَقُولُ — لَمَا اسْتَطَاعُوا بِأَيِّ حَالٍ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى تَسَلْسُلِ التَّعْبِيرِ الَّذِي بَدَا أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَهُ. فَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ بِالطَّبْعِ مُدْرَجَةٌ أَوْ سَابِقَةٌ أَوْ لَاحِقَةٌ يَجِبُ مُقَارَنَتُهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تُعَالِجُهُ؛ وَطَرِيقَةُ التَّعْبِيرِ الْمُقَدَّسِ يَجِبُ تَتَبُّعُهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى أَيْضًا، وَالْأُسْلُوبُ يَجِبُ فَحْصُهُ. فَإِنْ لَمْ تَتَّسِقْ هَذِهِ مَعَ التَّفْسِيرِ، فَلَيْسَ ذَاكَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلنَّصِّ بِتَاتًا، وَلَيْسَ تِلْكَ بِقُوَّةِ الْخِطَابِ وَطَاقَتِهِ وَدَلَالَتِهِ: حَتَّى إِنَّكَ كَثِيرًا مَا تَشُكُّ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ — غُمُوضُ الْأَمْرِ ذَاتِهِ أَمْ غُمُوضُ التَّعْبِيرِ.
وَأَعْبُرُ بِصَمْتٍ عَلَى اتِّسَاعِ الْمَوْضُوعِ الْمُتَنَوِّعِ الشَّامِلِ كَأَنَّهُ يَحْتَوِي كُلَّ شَيْءٍ: فَمَاذَا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ كُلِّهِ لَا يُبْحَثُ فِيهِ أَوْ يُتَطَرَّقُ إِلَيْهِ؟
٢٥. وَعَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، لِفَهْمِ أَسْفَارِ الْمُلُوكِ وَالْمَكَّابِيِّينَ وَعُزْرَا وَدَانِيَالَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمْ مِنَ التَّوَارِيخِ الْوَثَنِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا! وَكَمْ مِنَ الْمَمَالِكِ — مَمَالِكِ الْأَشُّورِيِّينَ وَالْمَادِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْيُونَانِ وَالرُّومَانِ — يَجِبُ تَعَلُّمُهَا تَعَلُّمًا تَامًّا! وَكَمْ مِنْ عَادَاتِ الْأُمَمِ وَطُقُوسِ الْمُعَاهَدَاتِ وَالْحُرُوبِ وَالذَّبَائِحِ وَالزِّيجَاتِ يَجِبُ اسْتِقْصَاؤُهَا! وَكَمْ مِنْ مَوَاقِعِ الْمُدُنِ وَالْأَنْهَارِ وَالْجِبَالِ وَالْأَقَالِيمِ يَجِبُ اسْتِكْشَافُهَا مِنَ الْكُورُوغْرَافْيَا وَالْكُوزْمُوغْرَافْيَا الْعَامَّةِ الْأَقْدَمِ!
الْبَابُ الرَّابِعُ: أَحْكَامُ الْآبَاءِ وَأَمْثِلَتُهُمْ فِي دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ
رَابِعًا. وَلِئَلَّا يَبْقَى أَيُّ شَكٍّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَلُمَّ بِنَا نَتَتَبَّعِ الْأَمْرَ مِنْ أَصْلِهِ الْأَوَّلِ، وَنَنْظُرْ كَيْفَ أَنَّ صُعُوبَةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لَا أَقَلَّ مِنْ شَرَفِهِ، فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ، قَدْ شَحَذَتِ الْإِجْلَالَ لَهُ وَأَوْقَدَتْ غَيْرَةَ الْقِدِّيسِينَ.
عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ تَقْلِيدٌ مُتَوَاتِرٌ — يُؤَيِّدُهُ مِنْ كُتَّابِنَا الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ عَلَى الْمَزْمُورِ الثَّانِي، وَأُورِيجَانِسُ فِي الْعِظَةِ الْخَامِسَةِ عَلَى سِفْرِ الْعَدَدِ — أَنَّ مُوسَى تَلَقَّى عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ مِنَ اللهِ لَا الشَّرِيعَةَ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا شَرْحَ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُ أُمِرَ بِأَنْ يَكْتُبَ الشَّرِيعَةَ، لَكِنْ أَنْ يَكْشِفَ أَسْرَارَهَا الْخَفِيَّةَ وَمَعَانِيَهَا لِيَشُوعَ، وَيَشُوعُ لِلْكَهَنَةِ، وَهُمْ بِدَوْرِهِمْ لِخُلَفَائِهِمْ فِي الْمَنْصِبِ، بِخَتْمِ السِّرِّيَّةِ الصَّارِمِ.
وَمِنْ هُنَا يَرْوِي أَنَاطُولِيُوسُ، الَّذِي يُورِدُهُ أُوسَابِيُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ مِنْ تَارِيخِهِ، الْفَصْلِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ، أَنَّ الْمُتَرْجِمِينَ السَّبْعِينَ أَجَابُوا عَنْ أَسْئِلَةِ بَطْلَيْمُوسَ فِيلَادِلْفُوسَ، مَلِكِ مِصْرَ، الْكَثِيرَةِ مِنْ تَقَالِيدِ مُوسَى. وَعَزْرَا، أَوْ أَيًّا كَانَ مُؤَلِّفُ سِفْرِ عَزْرَا الرَّابِعِ (الَّذِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَانُونِيًّا، فَإِنَّ سُلْطَتَهُ تَتَأَكَّدُ بِإِلْحَاقِهِ بِالْأَسْفَارِ الْقَانُونِيَّةِ)، يَرْوِي فِي الْفَصْلِ الرَّابِعَ عَشَرَ الْأَمْرَ الَّذِي أُعْطِيَ لِمُوسَى: «هَذِهِ الْكَلِمَاتُ تَنْشُرُهَا عَلَانِيَةً، وَهَذِهِ تَحْفَظُهَا سِرًّا.» وَلَهُ هُوَ أَيْضًا — أَيْ لِعَزْرَا — بَعْدَ أَنْ أَمْلَى بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ مِئَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ، أُعْطِيَ أَمْرٌ مُمَاثِلٌ: «مَا كَتَبْتَهُ أَوَّلًا،» يَقُولُ، «ضَعْهُ فِي الْعَلَنِ، وَلْيَقْرَأْهُ الْمُسْتَحِقُّونَ وَغَيْرُ الْمُسْتَحِقِّينَ؛ أَمَّا السَّبْعُونَ الْأَخِيرَةُ فَاحْفَظْهَا لِتُسَلِّمَهَا إِلَى حُكَمَاءِ شَعْبِكَ؛ فَإِنَّ فِيهَا يَنْبُوعَ الْفَهْمِ، وَعَيْنَ الْحِكْمَةِ، وَنَهْرَ الْمَعْرِفَةِ — وَهَكَذَا فَعَلْتُ.»
لِهَذَا السَّبَبِ أَمَرَ مُوسَى مِرَارًا — وَلَا سِيَّمَا فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ — بِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا وَصَعْبَةٍ لِلشَّعْبِ فِي الشَّرِيعَةِ يَجِبُ أَنْ تُحَالَ إِلَى الْكَهَنَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَقُولُ مَلَاخِي ٢: ٧: «شِفَاهُ الْكَاهِنِ تَحْفَظُ الْمَعْرِفَةَ، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ (أَيِ الْمَوَاطِنَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي فِيهَا سُؤَالٌ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُسُ).» وَلِهَذَا السَّبَبِ أَيْضًا، حِينَ أَوْجَبَ الرَّبُّ فِي سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ الدِّرَاسَةَ عَلَى الْكَهَنَةِ، خَاطَبَهُمْ فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «لِكَيْ يَكُونَ لَكُمُ الْعِلْمُ لِتُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالدَّنِيوِيِّ، وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ، وَلِتُعَلِّمُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ فَرَائِضِي الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى.» وَلِكَيْ يُذَكِّرَ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَرَادَ اللهُ أَنْ يَلْبَسَ عَلَى صُدْرَةِ ثِيَابِهِ الْحَبْرِيَّةِ «الْعَقِيدَةَ وَالْحَقَّ»، أَوْ كَمَا هُوَ بِالْعِبْرِيَّةِ urim vetummim — «الْإِنَارَةَ وَالْكَمَالَ» — وَهُمَا مَجْدَا الْحَيَاةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ، مَنْقُوشَيْنِ بِرُمُوزٍ مُعَيَّنَةٍ، لِيَحْمِلَهَا وَيُبْقِيَهَا أَمَامَ عَيْنَيْهِ دَائِمًا. وَلَكِنْ لِنُتَابِعِ الْمَسِيرَةَ.
٢٦. إِنَّ النَّبِيَّ الْمَلَكِيَّ، الَّذِي هُوَ جُزْءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْكُتَّابِ الْمُقَدَّسِينَ — تِلْكَ الْآلَةُ الْإِلَهِيَّةُ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ، أَقُولُ — إِذْ أَدْرَكَ تِلْكَ الظِّلَالَ السَّامِيَةَ وَالْخَفِيَّةَ حَتَّى فِي تِلْكَ الْكِتَابَاتِ ذَاتِهَا، يُصَلِّي بِكَلِمَاتٍ مُتَجَدِّدَةٍ دَائِمًا فِي الْمَزْمُورِ ١١٨: «اكْشِفْ عَيْنَيَّ فَأَتَأَمَّلَ عَجَائِبَ شَرِيعَتِكَ،» حَيْثُ يَقْرَأُ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ gal enai veabbita — «أَزِلْ عَنْ عَيْنَيَّ (حِجَابَ الظَّلَامِ)، فَأُبْصِرَ بِوُضُوحٍ عَجَائِبَ شَرِيعَتِكَ.» «إِنْ كَانَ نَبِيٌّ بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ لِبُولِينُوسَ، «يَعْتَرِفُ بِظُلُمَاتِ جَهْلِهِ، فَبِأَيِّ لَيْلٍ مِنَ الْجَهْلِ تَظُنُّ أَنَّنَا نَحْنُ، الصِّغَارَ وَالَّذِينَ هُمْ عَمَلِيًّا لَا يَزَالُونَ رُضَّعًا، مُحَاطُونَ؟ وَهَذَا الْحِجَابُ مَوْضُوعٌ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ مُوسَى فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا عَلَى الْإِنْجِيلِيِّينَ وَالرُّسُلِ؛ وَمَا لَمْ يَفْتَحْ جَمِيعَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ ذَاكَ الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلَا أَحَدَ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلَا أَحَدَ يَفْتَحُ، فَلَنْ يَكْشِفَهَا أَحَدٌ آخَرُ.»
يَسْمَعُ إِرْمِيَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: «قَبْلَ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ، وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأُمَمِ؛» وَمَعَ ذَلِكَ يَصْرُخُ: «آهِ آهِ آهِ، أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، هَا أَنَا لَا أَعْرِفُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، لِأَنِّي وَلَدٌ.»
وَإِشَعْيَاءُ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ أَبْصَرَ سِرَافِيمًا طَائِرًا نَحْوَهُ، وَبِجَمْرَةٍ مُتَّقِدَةٍ يَفْتَحُ فَمَهُ لِلتَّنَبُّؤِ.
وَحِزْقِيَالُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي، بَعْدَ أَنْ أَبْصَرَ هَيْئَةَ الْحَيَوَانِ ذِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ وَمَجْدَ الرَّبِّ، سَقَطَ سَاجِدًا عَلَى وَجْهِهِ، وَبَعْدَ أَنْ أَقَامَهُ الرُّوحُ، ظَلَّ صَامِتًا حَتَّى فُتِحَ فَمُهُ كَذَلِكَ.
وَدَانِيَالُ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ، الْآيَةِ الثَّامِنَةِ، يَحْفَظُ كَلِمَةَ اللهِ فِي قَلْبِهِ، لَكِنَّهُ مُضْطَرِبُ الْأَفْكَارِ، وَوَجْهُهُ مُتَغَيِّرٌ، وَهُوَ مَذْهُولٌ مِنَ الرُّؤْيَا لِأَنَّهُ لَا مُفَسِّرَ لَهَا. أَفَنَعِدُ أَنْفُسَنَا بِفَهْمٍ أَسْهَلَ لِتِلْكَ النُّبُوَّاتِ وَالْأَمْثَالِ وَالْأَلْغَازِ وَالرُّمُوزِ ذَاتِهَا مِمَّا امْتَلَكَهُ مُؤَلِّفُوهَا أَنْفُسُهُمْ، أَوْ بِقُدْرَةٍ أَبْلَغَ عَلَى شَرْحِهَا، كَأَنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ وَفِطْرِيَّةٌ فِينَا؟
٢٧. بِرُوحٍ مُغَايِرَةٍ تَمَامًا، يُصَوِّرُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ الْحَكِيمَ وَيَشْتَرِطُ لَهُ دِرَاسَةً لَا تَكِلُّ مَقْرُونَةً بِالصَّلَاةِ التَّقِيَّةِ: «الْحَكِيمُ يَبْحَثُ عَنْ حِكْمَةِ جَمِيعِ الْقُدَمَاءِ، وَيَتَفَرَّغُ لِلْأَنْبِيَاءِ (أَوْ كَمَا فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ: «لِلنُّبُوَّاتِ»)؛ وَيَحْفَظُ خِطَابَ (بِالْيُونَانِيَّةِ diegesis — سَرْدَ، شَرْحَ) الرِّجَالِ الْمَشْهُورِينَ، وَيَدْخُلُ فِي دَقَائِقِ الْأَمْثَالِ وَحِدَّتِهَا؛ وَيَبْحَثُ عَنِ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ لِلْحِكَمِ، وَيَعِيشُ بَيْنَ أَسْرَارِ الْأَمْثَالِ؛ يَفْتَحُ فَاهُ بِالصَّلَاةِ، وَيَبْتَهِلُ مِنْ أَجْلِ خَطَايَاهُ. فَإِنْ شَاءَ الرَّبُّ الْعَظِيمُ مَلَأَهُ بِرُوحِ الْفَهْمِ، وَيُفِيضُ كَلِمَاتِ حِكْمَتِهِ كَوَابِلِ الْمَطَرِ، وَيُعْلِنُ تَعْلِيمَ عِلْمِهِ، وَيَفْتَخِرُ بِشَرِيعَةِ عَهْدِ الرَّبِّ.»
كَانَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ الْقُدَمَاءُ مُنْكَبِّينَ كُلِّيًّا عَلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ وَمِنْ هُنَا سُمُّوا sopherim، grammateis، وَكَتَبَةً. وَبَعْدَ الْمَسِيحِ، لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ أَحْبَارَ الْعِبْرَانِيِّينَ لَا يَشْتَغِلُونَ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَيَجْهَلُونَ كُلَّ مَا سِوَاهُ.
مَشْهُورَةٌ قِصَّةُ الْحَبْرِ الَّذِي، حِينَ سَأَلَهُ حَفِيدُهُ الْمُتَشَوِّقُ لِلْمَعْرِفَةِ عَمَّا إِذَا كَانَ يَنْصَحُهُ بِأَنْ يُكَرِّسَ نَفْسَهُ أَيْضًا لِلْمُؤَلِّفِينَ الْيُونَانِيِّينَ، أَجَابَ بِسُخْرِيَةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ — بِشَرْطِ أَلَّا يَفْعَلَهُ لَا نَهَارًا وَلَا لَيْلًا: فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ يَجِبُ التَّأَمُّلُ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ نَهَارًا وَلَيْلًا.
٢٨. لِنَنْتَقِلْ إِلَى الْوَثِيقَةِ الْجَدِيدَةِ لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ: الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رَسَائِلَ الْقِدِّيسِ بُولُسَ، يُضِيفُ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا «عَسِرَةَ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا الْجُهَّالُ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ كَمَا يُحَرِّفُونَ سَائِرَ الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ» (٢ بُطْرُسَ ٣)؛ وَقَبْلَ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: «كُلُّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ لَمْ تَأْتِ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ رِجَالُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.»
أَخُوهُ فِي الْمَنْصِبِ وَفِي إِكْلِيلِ الشَّهَادَةِ، الْقِدِّيسُ بُولُسُ، يَنْسُبُ الْقُدْرَةَ لَا إِلَى قُوَى الْعَقْلِ الطَّبِيعِيَّةِ بَلْ إِلَى تَوْزِيعَاتِ نِعَمِ الرُّوحِ عَيْنِهِ، فَإِنَّهُ «لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلَامُ حِكْمَةٍ، وَلِآخَرَ كَلَامُ عِلْمٍ، وَلِآخَرَ إِيمَانٌ، وَلِآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ، وَلِآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلِآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلِآخَرَ تَمْيِيزُ الْأَرْوَاحِ، وَلِآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلِآخَرَ أَخِيرًا تَرْجَمَةُ الْأَلْسِنَةِ» (١ كُورِنْثُوسَ ١٢)، وَأَنَّ اللهَ وَضَعَ فِي الْكَنِيسَةِ بَعْضَهُمْ رُسُلًا، وَآخَرِينَ أَنْبِيَاءَ، وَآخَرِينَ مُعَلِّمِينَ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَفْتَخِرُ بِأَنَّهُ تَعَلَّمَ الشَّرِيعَةَ عِنْدَ قَدَمَيْ غَمَالَائِيلَ؛ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَعِظُ الرُّعَاةَ وَالْأَسَاقِفَةَ بِأَنْ يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ عُمَّالًا لَا يُخْزَوْنَ، يُفَصِّلُونَ كَلِمَةَ الْحَقِّ بِاسْتِقَامَةٍ، لِكَيْ يَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى الْوَعْظِ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَتَوْبِيخِ الْمُنَاقِضِينَ. وَلَكِنْ لِمَاذَا نَتَأَخَّرُ؟
٢٩. لِنَسْمَعِ الْمَسِيحَ: «فَتِّشُوا الْكُتُبَ،» يَقُولُ. بَلْ إِنَّ الْمَسِيحَ خَتَمَ هَذِهِ الْمَوْهِبَةَ، مَعَ قُوَّةِ صُنْعِ الْعَجَائِبِ وَالْمُعْجِزَاتِ بِأَنْوَاعِهَا كَافَّةً، فِي وَصِيَّتِهِ لِكَنِيسَتِهِ، حِينَ كَانَ عَلَى وَشْكِ الصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ وَيُوَدِّعُ الرُّسُلَ، فَتَحَ أَذْهَانَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.
بِهَذَا الْمَقْصِدِ، فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ عَيْنِهِ، أَسَّسَ الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ الْمَسِيحِيَّةَ لِلْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ. يُمْكِنُ أَنْ يُرَى عِنْدَ فِيلُونَ الْيَهُودِيِّ، الشَّاهِدِ الْعِيَانِيِّ، فِي كِتَابِهِ عَنِ الْحَيَاةِ التَّأَمُّلِيَّةِ، وَعِنْدَ أُوسَابِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ تَارِيخِهِ عَنِ الْأَسِّينِيِّينَ، كَيْفَ أَنَّ الْأَسِّينِيِّينَ — وَهُمُ الْأَوَائِلُ، أَقُولُ، مِنْ أُولَئِكَ الْمَسِيحِيِّينَ الْإِسْكَنْدَرِيِّينَ — مِنَ الْفَجْرِ إِلَى اللَّيْلِ كَانُوا يَقْضُونَ الْيَوْمَ كُلَّهُ فِي قِرَاءَةِ الْمُجَلَّدَاتِ الْمُقَدَّسَةِ وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا وَالْبَحْثِ عَنِ الْمَعَانِي الرَّمْزِيَّةِ الْأَسْمَى مِنْ شُرُوحِ آبَائِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أُرْسِيَتْ أُسُسُ مَدْرَسَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، الَّتِي نَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَعَاظَمَتْ بِصُورَةٍ عَجِيبَةٍ تَدْرِيجِيًّا، وَفِي الْقُرُونِ التَّالِيَةِ أَنْجَبَتْ جُيُوشًا مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَجَوْقَةً مُمَيَّزَةً مِنَ الْمُعَلِّمِينَ وَالْأَحْبَارِ، وَأَنْوَارَ الْعَالَمِ؛ وَلِكَيْ نَقِيسَ الْبَقِيَّةَ بِمِثَالٍ وَاحِدٍ وَنَرَى كَمْ كَانُوا يَجْرُونَ بِشَغَفٍ وَبِلَا كَلَلٍ فِي مَيْدَانِ الْبَلَاغَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَعَنْ أُورِيجَانِسَ يَشْهَدُ أُوسَابِيُوسُ أَنَّهُ مُنْذُ صِبَاهُ بَدَأَ هَذِهِ الْمُمَارَسَةَ، وَكَانَ يُلْقِي عَلَى أَبِيهِ وَيَتْلُو لَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِدَّةَ أَقْوَالٍ مُقَدَّسَةٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ كَدَرْسٍ يَوْمِيٍّ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا بَلْ بَدَأَ يَبْحَثُ وَيَتَحَرَّى أَعْمَقَ الْمَعَانِي وَالدَّلَالَاتِ فِيهَا. وَلَمَّا كَبِرَ وَنَالَ كُرْسِيَّ التَّعْلِيمِ، مُتَابِعًا مَشْرُوعَهُ لَيْلَ نَهَارَ، مِنْ أَجْلِ هَذَا السَّبَبِ وَحْدَهُ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعِبْرِيَّةَ إِتْقَانًا، وَجَمَعَ مِنْ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ كُلِّهِ نُسَخَ مُتَرْجِمِينَ مُخْتَلِفِينَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ بِمِثَالٍ جَدِيدٍ وَبِجُهْدٍ هَائِلٍ الْهِكْسَبْلَا وَالْأُوكْتَبْلَا وَأَنَارَهُمَا بِالْحَوَاشِي.
وَتَبِعَهُمْ فِي الشَّرْقِ أَيْضًا ذَلِكَ الثُّنَائِيُّ الذَّهَبِيُّ مِنْ مُعَلِّمِي الْيُونَانِ: بَاسِيلِيُوسُ وَغَرِيغُورِيُوسُ اللَّاهُوتِيُّ، اللَّذَانِ فَرَّا إِلَى عُزْلَةِ الدَّيْرِ وَهُدُوئِهِ وَفَرَاغِهِ، وَلِمُدَّةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً كَامِلَةً، إِذْ نَحَّيَا جَمِيعَ كُتُبِ الْيُونَانِيِّينَ الدُّنْيَوِيِّينَ، انْكَبَّا عَلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَحْدَهُ، وَ«الْمُجَلَّدَاتُ الْإِلَهِيَّةُ،» يَقُولُ رُوفِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ تَارِيخِهِ، الْفَصْلِ التَّاسِعِ، «دَرَسَاهَا بِالتَّفْسِيرِ لَا مِنِ اجْتِهَادِهِمَا الشَّخْصِيِّ، بَلْ مِنْ كِتَابَاتِ الْأَقْدَمِينَ وَسُلْطَتِهِمْ، الَّذِينَ عَلِمَا أَنَّهُمْ أَيْضًا تَلَقَّوْا مِنَ التَّوَاتُرِ الرَّسُولِيِّ قَاعِدَةَ التَّفْسِيرِ.» أَفَكَانَ يَلِيقُ بِرَجُلَيْنِ بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ، مَوْهُوبَيْنِ بِتِلْكَ الْحِكْمَةِ وَالْعَبْقَرِيَّةِ وَالْبَلَاغَةِ، أَنْ يَقْضِيَا سِنِينَ كَثِيرَةً فِي أُصُولِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ نَحْنُ نَعُدُّ الْآدَابَ الْمُقَدَّسَةَ سَهْلَةً إِلَى حَدِّ أَنَّنَا نَمَلُّ مِنْ تَكْرِيسِ ثَلَاثِ أَوْ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ لَهَا، أَوْ إِنِ احْتَجْنَا إِلَى أَكْثَرَ، ظَنَنَّا أَنَّنَا أَضَعْنَا زَيْتَنَا وَجُهْدَنَا كُلَّهُ سُدًى؟
وَكَانَ مُعَاصِرًا لِلْقِدِّيسِ بَاسِيلِيُوسَ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ السُّرْيَانِيُّ، وَمَدَى اجْتِهَادِهِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَشْهَدُ عَلَيْهِ كِتَابَاتُهُ.
أَمَّا عَنْ مَدَارِسِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الَّتِي أُنْشِئَتْ فِي نَصِيبِينَ فِي زَمَنِ الْإِمْبِرَاطُورِ يُوسْتِنْيَانُوسَ، فَالشَّاهِدُ هُوَ يُونِيلِيُوسُ الْأَفْرِيقِيُّ، الْأُسْقُفُ، فِي كِتَابِهِ إِلَى بْرِيمَاسِيُوسَ. وَتِلْكَ الْمَدَارِسُ نَفْسُهَا فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ ذَاتِهِ سَعَى الْبَابَا أَغَابِيتُوسُ إِلَى إِدْخَالِهَا فِي رُومَا، كَمَا يَرْوِي كَاسِيُودُورُوسُ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ عَنِ الْقِرَاءَاتِ الْإِلَهِيَّةِ: «سَعَيْتُ،» يَقُولُ، «مَعَ الْمُبَارَكِ أَغَابِيتُوسَ أُسْقُفِ مَدِينَةِ رُومَا، إِلَى أَنَّهُ كَمَا يُرْوَى أَنَّ الْمُؤَسَّسَةَ قَائِمَةٌ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَمَا يُقَالُ إِنَّهَا تُمَارَسُ بِاجْتِهَادٍ الْآنَ فِي مَدِينَةِ نَصِيبِينَ عِنْدَ عِبْرَانِيِّي سُورِيَا، فَبِتَجْمِيعِ الْمَوَارِدِ فِي مَدِينَةِ رُومَا، يُسْتَقْبَلُ مُعَلِّمُونَ مُعْتَمَدُونَ فِي مَدْرَسَةٍ مَسِيحِيَّةٍ، حَيْثُ تَنَالُ النَّفْسُ الْخَلَاصَ الْأَبَدِيَّ، وَيُغَذَّى لِسَانُ الْمُؤْمِنِينَ بِبَلَاغَةٍ عَفِيفَةٍ وَنَقِيَّةٍ جِدًّا.»
هَكَذَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ دِيُونِيسِيُوسُ، تِلْمِيذُ الرَّسُولِ بُولُسَ، وَإِكْلِيمَنْضُسُ، تِلْمِيذُ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ، أَنَّ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ سُلِّمَتْ إِلَيْهِمْ، لِيُعَلِّمَاهَا بِدَوْرِهِمَا لِتَلَامِيذِهِمَا، وَيَنْقُلَاهَا إِلَى الْأَجْيَالِ اللَّاحِقَةِ فِي تَوَاتُرٍ مُتَّصِلٍ مُتَلَقًّى يَدًا بِيَدٍ.
وَمِنْ بَيْنِ اللَّاتِينِ، أَوَّلُ مَنْ يُحْسَبُ بِحَقٍّ هُوَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، عَنْقَاءُ عَصْرِهِ، الَّذِي انْكَبَّ كُلِّيًّا هُنَا حَتَّى شَاخَ فِي هَذِهِ الْآدَابِ إِلَى أَقْصَى الشَّيْخُوخَةِ، وَأَوْرَثَ الْكَنِيسَةَ تَرْجَمَةً لَاتِينِيَّةً لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ، مِمَّا جَعَلَهَا تُلَقِّبُهُ بِالْمُعَلِّمِ الْأَعْظَمِ فِي شَرْحِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ. وَمَشْهُورَةٌ أَيْضًا تِلْكَ الْمَقُولَةُ لِلْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ: «لِنَتَعَلَّمْ فِي الْأَرْضِ تِلْكَ الْأُمُورَ الَّتِي يَبْقَى عِلْمُهَا مَعَنَا فِي السَّمَاءِ؛» وَ: «اُدْرُسْ كَأَنَّكَ سَتَعِيشُ إِلَى الْأَبَدِ؛ وَعِشْ كَأَنَّكَ سَتَمُوتُ إِلَى الْأَبَدِ.» لِهَذَا السَّبَبِ تَعَلَّمَ الْعِبْرِيَّةَ إِتْقَانًا، كَمَا تَعَلَّمَ كَاتُو الْحُرُوفَ الْيُونَانِيَّةَ فِي شَيْخُوخَتِهِ؛ لِهَذَا السَّبَبِ ذَهَبَ إِلَى بَيْتَ لَحْمَ وَالْأَمَاكِنِ الْمُقَدَّسَةِ؛ لِهَذَا السَّبَبِ كَانَ قَدْ قَرَأَ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ الْيُونَانِيِّينَ وَاللَّاتِينِيِّينَ الْقُدَمَاءِ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، وَهُوَ يُبَيِّنُ فِي مُقَدِّمَاتِ جَمِيعِ تَفَاسِيرِهِ تَقْرِيبًا أَيَّهُمْ يَنْوِي اتِّبَاعَهُ؛ وَكَانَ يُوَبِّخُ بِشِدَّةٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ، بِدُونِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْلِيمِ الْأَقْدَمِينَ، يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عِلْمَ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ.
فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ، الَّذِي كَانَ لَهُ ذَلِكَ النَّفَاذُ الذِّهْنِيُّ الَّذِي أَتْقَنَ بِهِ مَقُولَاتِ أَرِسْطُو بِنَفْسِهِ، وَكَانَ مُعْتَادًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ كُلَّ مَا يَقْرَأُهُ فَوْرَ قِرَاءَتِهِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ، بُعَيْدَ اهْتِدَائِهِ، بِتَحْرِيضِ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ، فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ، الْفَصْلِ الْخَامِسِ، إِذْ أَخَذَ إِشَعْيَاءَ النَّبِيَّ بِيَدِهِ، ارْتَاعَ فَوْرًا مِنْ عُمْقِ أَقْوَالِهِ، وَإِذْ لَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ الْأُولَى لَهُ، تَرَاجَعَ وَأَرْجَأَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مَرَاسًا فِي كَلِمَةِ الرَّبِّ. بَلْ وَبَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، إِذْ كَتَبَ إِلَى فُولُوسِيَانُوسَ، الرِّسَالَةَ الْأُولَى: «إِنَّ عُمْقَ الْآدَابِ الْمَسِيحِيَّةِ» يَقُولُ، «لَبَالِغٌ حَدًّا أَنَّنِي كُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِيهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لَوْ حَاوَلْتُ أَنْ أَتَعَلَّمَهَا وَحْدَهَا مُنْذُ بِدَايَةِ الْعُمُرِ (لَاحِظْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ) إِلَى الشَّيْخُوخَةِ الْهَرِمَةِ، بِأَعْظَمِ الْفَرَاغِ، وَأَعْلَى الِاجْتِهَادِ، وَعَقْلٍ أَفْضَلَ. فَإِنَّ أُمُورًا كَثِيرَةً، فَوْقَ الْإِيمَانِ، مَحْجُوبَةً بِظِلَالِ أَسْرَارٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تَبْقَى لِتُفْهَمَ مِنْ قِبَلِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعُمْقُ حِكْمَةٍ بَالِغٌ يَكْمُنُ لَا فِي الْأَلْفَاظِ فَحَسْبُ بَلْ فِي الْأَشْيَاءِ ذَاتِهَا أَيْضًا، بِحَيْثُ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَقَدُّمًا فِي السِّنِّ، وَأَحَدَّهُمْ ذِهْنًا، وَأَشَدَّهُمُ اشْتِعَالًا بِالرَّغْبَةِ فِي التَّعَلُّمِ، يَقَعُ لَهُمْ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ ذَاتِهِ فِي مَوْضِعٍ مَا: إِذَا فَرَغَ الْإِنْسَانُ، حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُ.»
وَتَزْدَادُ الصُّعُوبَةُ بِالتَّعْبِيرَاتِ الْعِبْرِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، الَّتِي يَلْزَمُ لِفَهْمِهَا مَعْرِفَةُ كِلْتَا اللُّغَتَيْنِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي التَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ»، الْفَصْلِ الْعَاشِرِ. فَإِنَّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ لَا يُفْهَمُ لِسَبَبَيْنِ: إِذَا كَانَ مُحْتَجِبًا بِعَلَامَاتٍ أَوْ أَلْفَاظٍ مَجْهُولَةٍ أَوْ مُلْتَبِسَةٍ. وَكِلَاهُمَا لَيْسَ نَادِرًا فِي أَيِّ تَرْجَمَةٍ يُنْقَلُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى. وَ«ضِدَّ الْعَلَامَاتِ الْمَجْهُولَةِ،» يَقُولُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْفَصْلَيْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ، «دَوَاءٌ عَظِيمٌ هُوَ مَعْرِفَةُ اللُّغَاتِ.» فَإِنَّ ثَمَّةَ كَلِمَاتٍ مُعَيَّنَةً لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى اسْتِعْمَالِ لُغَةٍ أُخْرَى بِالتَّرْجَمَةِ؛ وَمَهْمَا بَلَغَتْ عِلْمِيَّةُ الْمُتَرْجِمِ، وَلِئَلَّا يَبْتَعِدَ كَثِيرًا عَنْ مَقْصِدِ الْمُؤَلِّفِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَظْهَرُ مَا لَمْ يُفْحَصِ النَّصُّ فِي اللُّغَةِ الَّتِي تُرْجِمَ مِنْهَا. وَمِنْ بَيْنِ أَمْثِلَتِهِ يَذْكُرُ هَذَا: «الْفُرُوعُ الدَّخِيلَةُ لَا تَضْرِبُ جُذُورًا عَمِيقَةً» (الْحِكْمَةُ ٤: ٣)؛ فَإِنَّ الْمُتَرْجِمَ يَسْتَخْدِمُ تَرْكِيبًا يُونَانِيًّا، وَيَشْتَقُّ كَمَا لَوْ مِنْ moschos (عِجْلٌ) كَلِمَةَ moschevmata، أَيْ مِنْ «عِجْلٍ» كَلِمَةَ «فُرُوعِ الْعِجْلِ»؛ لَكِنَّ mischevmata هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَغْصَانٌ أَوْ فُسُولٌ، فُرُوعٌ جَدِيدَةٌ تُقْطَعُ مِنْ شَجَرَةٍ وَتُغْرَسُ فِي الْأَرْضِ. وَبِالْفِعْلِ، إِنَّ مِقْدَارَ مَا تَزْخَرُ بِهِ الْمُدَوَّنَاتُ اللَّاتِينِيَّةُ الْمُقَدَّسَةُ مِنَ التَّعْبِيرَاتِ الْعِبْرِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ أَوْضَحُ مِنَ النُّورِ، حَتَّى إِنَّ أُغُسْطِينُوسَ نَفْسَهُ، فِي «الرُّجُوعَاتِ» الثَّانِيَةِ ٥، ٥٤، يَذْكُرُ أَنَّهُ جَمَعَ فِي سَبْعِ كُرَّاسَاتٍ، لَا تَزَالُ بَاقِيَةً، صِيَغَ عِبَارَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَقَدِ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أُوخَارِيُوسُ اللِّيُونِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الصِّيَغِ الرُّوحِيَّةِ، وَبَعْدَهُ آخَرُونَ كَثِيرُونَ فِي هَذَا الْقَرْنِ أَيْضًا.
يُوَافِقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ، إِذْ فِي كِتَابَتِهِ عَلَى سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْعِظَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، لَا يَتَرَدَّدُ فِي أَنْ يُؤَكِّدَ أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ مَقْطَعٌ، بَلْ وَلَا نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ، لَا يَكْمُنُ فِي أَعْمَاقِهَا كَنْزٌ عَظِيمٌ؛ وَلِذَلِكَ نَحْتَاجُ إِلَى النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِلَى أَنْ نَقْتَرِبَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْإِلَهِيَّةِ مُسْتَنِيرِينَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ.
وَيَتَقَدَّمُ أَكْثَرَ غَرِيغُورِيُوسُ الْكَبِيرُ، الْبَابَا وَالْمُعَلِّمُ مَعًا: فَفِي تَفْسِيرِهِ لِحِزْقِيَالَ يَعْتَرِفُ بِأَسْرَارٍ كَثِيرَةٍ وَخَفِيَّةٍ فِي الْمُجَلَّدَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، حَتَّى يُقَرِّرُ أَنَّ أُمُورًا مُعَيَّنَةً لَمْ تُكْشَفْ بَعْدُ لِلْبَشَرِ، وَلَا تَنْفَتِحُ إِلَّا لِلْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ وَحْدَهَا.
أَفَنَعْجَبُ إِذَنْ أَنَّ غَرِيغُورِيُوسَ وَأُغُسْطِينُوسَ وَأَمْبْرُوسِيُوسَ وَأُوسَابِيُوسَ وَأُورِيجَانِسَ وَإِيرُونِيمُوسَ وَكِيرِلُّسَ وَجَوْقَةَ الآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ بِأَسْرِهِمْ قَدْ كَدُّوا بِهَذِهِ الشِّدَّةِ فِي الْأَسْفَارِ الْمُقَدَّسَةِ لَيْلَ نَهَارَ؟ أَفَنَعْجَبُ أَنَّهُمْ شَاخُوا قَادَةً وَأَبْطَالًا فِي هَذَا الْعِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نِهَايَةٌ أُخْرَى لِهَذِهِ الدِّرَاسَاتِ غَيْرَ نِهَايَةِ حَيَاتِهِمْ؟ أَفَنَعْجَبُ أَنَّ إِيرُونِيمُوسَ تَتَلْمَذَ عَلَى يَدِ غَرِيغُورِيُوسَ النَّزْيَنْزِيِّ وَدِيدِيمُوسَ، وَأَمْبْرُوسِيُوسَ عَلَى يَدِ بَاسِيلِيُوسَ، وَأُغُسْطِينُوسَ عَلَى يَدِ أَمْبْرُوسِيُوسَ، وَالذَّهَبِيَّ الْفَمِ عَلَى يَدِ أُوسَابِيُوسَ، وَآخَرُونَ عَلَى يَدِ مُعَلِّمِيهِمْ؟ أَفَنَعْجَبُ أَنَّهُ مُنْذُ مَوْلِدِ الْكَنِيسَةِ ذَاتِهِ أُنْشِئَتْ مَدَارِسُ لِلْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ؟ فَأَمَّا عَنْ مَدْرَسَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، أُمِّ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعَلِّمِينَ وَالْأَحْبَارِ، فَلَا يَشُكُّ فِيهَا أَحَدٌ؛ وَأَمَّا عَنِ الْبَقِيَّةِ، فَتَكْفِي لِإِثْبَاتِهَا كِتَابَاتُ الآبَاءِ، الَّتِي أُلِّفَتْ عَبْرَ قُرُونٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يُدَرَّسَ عِلْمُ اللَّاهُوتِ بِالْمَنْهَجِ الْمَدْرَسِيِّ، وَهِيَ تَنْشَغِلُ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ تَقْرِيبًا بِأَكْمَلِهِ، بِهَذَا الْأَمْرِ الْوَاحِدِ.
كَانَ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِيمَا مَضَى دَيْرٌ شَهِيرٌ اتَّخَذَ اسْمَ «سْتُودِيُوسَ» مِنْ مُؤَسِّسِهِ وَمِنْ دِرَاسَةِ الْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ وَالْحَيَاةِ الْأَكْمَلِ. تَرَأَّسَهُ الْقِدِّيسُ بِلَاطُونُ؛ وَبَعْدَهُ ثِيُودُورُوسُ الِسْتُودِيتِيُّ، حَوَالَيْ سَنَةِ الرَّبِّ ٨٠٠، تَرَكَ كَثِيرًا مِنْ شَوَاهِدِ عَبْقَرِيَّتِهِ وَتَقْوَاهُ مِنَ الْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ، إِذْ أَشْغَلَ تَلَامِيذَهُ بِنَسْخِهَا عَلَى طَرِيقَةِ الرُّهْبَانِ الْقُدَمَاءِ؛ وَسَوَاءٌ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، إِذْ تَصَارَعَ فِي صِرَاعٍ شَدِيدٍ وَمُبَارَزَةٍ مَعَ الْأَبَاطِرَةِ مُحَطِّمِي الْأَيْقُونَاتِ قُسْطَنْطِينَ كُوبْرُونِيمُوسَ وَلَاوُونَ الْأَيْسَوْرِيِّ، ذَبَحَ الْهَرْطَقَةَ وَكَرَّسَ غَنَائِمَ النَّصْرِ الْمُتَوَّجَةَ بِالنَّخْلِ لِلْإِيمَانِ الْمُقَدَّسِ تَخْلِيدًا أَبَدِيًّا.
مِنْ إِنْكِلْتَرَّا، اسْمَعِ الْمُبَجَّلَ بِيدَا فِي تَارِيخِهِ الْإِنْكِلِيزِيِّ: «أَنَا،» يَقُولُ، «دَخَلْتُ الدَّيْرَ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمْرِي، وَهُنَاكَ كَرَّسْتُ كُلَّ جُهْدِي لِلتَّأَمُّلِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ طَوَالَ حَيَاتِي، وَبَيْنَ مُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الرُّهْبَانِيِّ وَالْعِنَايَةِ الْيَوْمِيَّةِ بِالتَّرْتِيلِ فِي الْكَنِيسَةِ، وَجَدْتُ دَائِمًا عُذُوبَةً إِمَّا فِي التَّعَلُّمِ، أَوِ التَّعْلِيمِ، أَوِ الْكِتَابَةِ.» وَمِنْ هُنَا بَقِيَتْ تَفَاسِيرُ بِيدَا عَلَى جَمِيعِ أَسْفَارِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَقْرِيبًا، بَلْ لَمْ يُوقِفْهُ حَتَّى الْمَرَضُ؛ بَلْ بِالْعَكْسِ، فِي مَرَضِهِ الْأَخِيرِ اشْتَغَلَ بِإِنْجِيلِ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا، وَهُوَ عَلَى مَشَارِفِ الْمَوْتِ تَقْرِيبًا، لِيُتِمَّهُ اسْتَدْعَى كَاتِبًا: «خُذِ»، قَالَ، «الْقَلَمَ، وَاكْتُبْ سَرِيعًا»، وَأَخِيرًا: «أَحْسَنْتَ، لَقَدْ تَمَّ»، قَالَ؛ وَمُرَتِّلًا أُنْشُودَتَهُ الْأَخِيرَةَ: «الْمَجْدُ لِلْآبِ، وَالِابْنِ، وَالرُّوحِ الْقُدُسِ،» أَسْلَمَ رُوحَهُ بِسَلَامٍ عَمِيقٍ، لِيُبَارَكَ بِرُؤْيَةِ اللهِ جَزَاءً لِكَدِّهِ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ، فِي سَنَةِ ٧٣١ مِنْ وِلَادَةِ الْعَذْرَاءِ.
وَكَانَ مُعَاصِرًا لِلْمُبَجَّلِ بِيدَا أَلْبِينُوسُ، أَوْ أَلْكْوِينُ فْلَاكُّوسُ، الَّذِي كَانَ إِمَّا مُعَلِّمَ شَارْلَمَانَ أَوْ بِالْأَحْرَى رَفِيقَهُ الْمُقَرَّبَ. وَقَدْ عَلَّمَ الْآدَابَ الْمُقَدَّسَةَ عَلَنًا فِي يُورْكَ بِإِنْكِلْتَرَّا؛ وَمِنْ هُنَاكَ جَاءَ الْقِدِّيسُ لُودْغِرُ مِنْ فْرِيزِيَا إِلَى يُورْكَ لِيَسْمَعَهُ، وَاسْتَفَادَ كَثِيرًا حَتَّى إِنَّهُ عِنْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى قَوْمِهِ اسْتَحَقَّ لَقَبَ رَسُولِ الْفْرِيزِيِّينَ. وَالشَّاهِدَانِ عَلَى ذَلِكَ حَوْلِيَّاتُ فْرِيزِيَا وَمُؤَلِّفُ سِيرَةِ الْقِدِّيسِ لُودْغِرَ.
وَعِنْدَ الْبَلْجِيكِيِّينَ، كَانَ الْقِدِّيسُ بُونِيفَاتِيُوسُ مَعَ رِفَاقِهِ، إِذْ نَشَرَ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ، يَحْمِلُ مَعَهُ بِاسْتِمْرَارٍ مُصْحَفَ الْإِنْجِيلِ الْمُقَدَّسِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى فِي الِاسْتِشْهَادِ؛ بَلْ حِينَ هَوَى الْفْرِيزِيُّونَ بِسَيْفٍ عَلَى رَأْسِهِ فِي سَنَةِ الرَّبِّ ٧٥٥، رَفَعَ هَذَا الْمُصْحَفَ كَدِرْعٍ رُوحِيٍّ، وَبِمُعْجِزَةٍ بَاهِرَةٍ، مَعَ أَنَّ السَّيْفَ الْحَادَّ شَقَّ الْكِتَابَ مِنَ الْوَسَطِ، لَمْ يُمْحَ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الشَّقَّةِ.
وَعِنْدَ الْفِرِنْجَةِ، الْمَلِكُ وَالْإِمْبِرَاطُورُ شَارْلَمَانُ، بَلْ بِالْأَحْرَى الْأَعْظَمُ ثَلَاثًا — فِي الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى وَالْمَجْدِ الْحَرْبِيِّ — أَسَّسَ مَدَارِسَ لِلْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ فِي أَمَاكِنَ عِدَّةٍ وَفِي بَارِيسَ (فَمَا أَعْرَقَ هَذِهِ الْأَكَادِيمِيَّةَ الَّتِي هِيَ أُمُّ كُولُونِيَا وَجَدَّةُ لُوفَانَ). بَلْ إِنَّ شَارْلَمَانَ نَفْسَهُ، كَمَا يَقُولُ أَيْنْهَارْدُ فِي سِيرَتِهِ، صَحَّحَ نِظَامَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّرْتِيلِ بِأَعْظَمِ الْعِنَايَةِ. وَكَانَ مُنْكَبًّا عَلَى الْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ مَاتَ عَلَيْهَا. يَشْهَدُ تِيغَانُوسُ فِي سِيرَةِ لُودْفِيكُوسَ أَنَّ شَارْلَمَانَ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، بَعْدَ أَنْ تَوَّجَ ابْنَهُ لُودْفِيكُوسَ فِي آخِنَ، أَعْطَى نَفْسَهُ كُلِّيًّا لِلصَّلَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ — أَيْ إِنَّهُ صَحَّحَ الْأَنَاجِيلَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى النُّصُوصِ الْيُونَانِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ تَصْحِيحًا بَدِيعًا وَهُوَ عَلَى مَشَارِفِ الْمَوْتِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ مُصْحَفَ شَارْلَمَانَ يُحْفَظُ بِتَبْجِيلٍ فِي آخِنَ، كَمَا رَأَيْتُ بِنَفْسِي.
لِذَلِكَ فَإِنَّ مَا صَدَرَ فِي مَجْمَعِ لَاتِرَانَ تَحْتَ إِنُّوسَنْتِيُوسَ الثَّالِثِ بِشَأْنِ كُرْسِيِّ الْآدَابِ الْمُقَدَّسَةِ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ لَا مَرْسُومًا جَدِيدًا، بَلْ مَرْسُومًا يُجَدِّدُ عَادَةً قَدِيمَةً وَيُثَبِّتُهَا. وَبِالْمِثْلِ اعْتَنَى مَجْمَعُ تْرِيَنْتَ، لِئَلَّا تَتَزَعْزَعَ تِلْكَ الْعَادَةُ فِي أَيِّ مَكَانٍ، فَأَصْدَرَ فِي الْجَلْسَةِ الْخَامِسَةِ مَرَاسِيمَ مُفَصَّلَةً بِشَأْنِ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَأَمَرَ بِأَنْ تُؤَسَّسَ وَتُمَوَّلَ وَتُرَوَّجَ فِي جَمِيعِ مَجَامِعِ الشَّمَامِسَةِ وَالرُّهْبَانِ وَالنِّظَامِيِّينَ أَيْضًا وَفِي جَمِيعِ الْأَكَادِيمِيَّاتِ الْعَامَّةِ؛ وَأَنْ يَتَمَتَّعَ الْمُعَلِّمُونَ وَالطُّلَّابُ، الْمُزَيَّنُونَ بِالْمَنَافِعِ الْكَنَسِيَّةِ، بِتَحْصِيلِ الْإِيرَادَاتِ الْمَمْنُوحَةِ بِالْقَانُونِ الْعَامِّ فِي الْغِيَابِ. وَبِالْفِعْلِ، لَمَّا كَانَ كُلُّ اجْتِهَادِ أَعْدَائِنَا الطَّائِفِيِّينَ يَنْصَبُّ عَلَى أَنْ لَا يُنَادُوا إِلَّا بِالْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، فَلْيَسْتَحِ اللَّاهُوتِيُّ الْمَسِيحِيُّ الْأُرْثُوذُكْسِيُّ أَنْ يَتَنَازَلَ لَهُمْ عَنْ أَقَلِّ شَيْءٍ، وَلْيَسْتَحِ أَنْ يُهْزَمَ وَيُتَفَوَّقَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ؛ بَلْ لِيُنَادُوا لَا بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فَحَسْبُ، بَلْ لِيَبْحَثُوا أَيْضًا عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ. وَهَكَذَا يَرُدُّونَ أَسْلِحَةَ الْهَرَاطِقَةِ عَلَيْهِمْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يَدْحَضُونَ جَمِيعَ الْهَرْطَقَاتِ وَيَقْضُونَ عَلَيْهَا. هَذَا مَا فَعَلَهُ بِإِحْكَامٍ وَدِقَّةٍ الْأَلْمَعِيُّ بِلَّارْمِينُوسُ، بَطَلُ الْإِيمَانِ وَقَاهِرُ الْهَرْطَقَاتِ، فِي «مُنَاظَرَاتِهِ» — وَهُوَ عَمَلٌ لِذَلِكَ مَنِيعٌ وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَمْ تَرَ الْكَنِيسَةُ مُنْذُ زَمَنِ الْمَسِيحِ إِلَى الْيَوْمِ مَثِيلًا لَهُ فِي هَذَا الْجِنْسِ، حَتَّى يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى بِحَقٍّ سُورَ الْحَقِّ الْكَاثُولِيكِيِّ وَحِصْنَهُ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الِاسْتِعْدَادَاتِ الْمَطْلُوبَةِ لِهَذِهِ الدِّرَاسَةِ
خَامِسًا. وَمِنْ هَذَا كُلِّهِ يَسْهُلُ أَنْ يُدْرِكَ الْمَرْءُ بِأَيِّ اجْتِهَادٍ مُتَّقِدٍ وَثَابِتٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكِبَّ عَلَى الدَّرْسِ، وَبِأَيِّ أَسَانِيدَ يَجِبُ أَنْ يَتَسَلَّحَ. فَأَوَّلُ مَا يَحْتَاجُهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْنِيَ ثَمَرَةً مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَالسَّمَاعُ الْمُتَكَرِّرُ، وَصَوْتُ الْمُعَلِّمِ الْحَيُّ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ: لِأَنَّ الْعِرَافَةَ عَلَى شَفَتَيِ الْمُعَلِّمِ، وَفِي التَّعْلِيمِ لَا يَضِلُّ فَمُهُ. يُعَلِّمُ بْلُوتَارْخُوسُ فِي كِتَابِهِ «فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ» أَنَّ الذَّاكِرَةَ مُسْتَوْدَعُ الْمَعَارِفِ. وَيُؤَكِّدُ أَفْلَاطُونُ فِي «ثِيئَاتِيتُوسَ» أَنَّ الذَّاكِرَةَ أُمُّ رَبَّاتِ الْفُنُونِ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ ابْنَةُ الذَّاكِرَةِ وَالتَّجْرِبَةِ. وَهَذَا يَصِحُّ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي الْعَقِيدَةِ الْمَسِيحِيَّةِ»، الْبَابِ التَّاسِعِ، الَّذِي يَتَأَلَّفُ مِنْ تَنَوُّعٍ عَظِيمٍ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَمِنْ كُتُبٍ وَحِكَمٍ كَثِيرَةٍ. وَلِهَذَا السَّبَبِ وَزَّعَتِ الْكَنِيسَةُ، لِمُعَاوَنَةِ ذَاكِرَتِنَا فِي ذَلِكَ، أَقْسَامَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي صَلَوَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ، سَوَاءٌ فِي ذَبِيحَةِ الْقُدَّاسِ أَوِ السَّاعَاتِ الْقَانُونِيَّةِ، بِحَيْثُ نُتِمُّهَا كُلَّهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَفِي الِاتِّجَاهِ ذَاتِهِ تَخْدِمُ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى، تِلْكَ الْعَادَةُ التَّقَوِيَّةُ لَدَى الْإِكْلِيرُوسِ وَالرُّهْبَانِ، وَهِيَ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْمَائِدَةِ فِي الْعَشَاءِ وَالْغَدَاءِ إِصْحَاحٌ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَأَنْ يُتَبَّلَ الطَّعَامُ بِالْحُرُوفِ الْمُقَدَّسَةِ عَلَى عَادَةِ الْآبَاءِ الْقَدِيمَةِ. وَهَكَذَا يَأْمُرُ الْمَجْمَعُ التِّرِيدَنْتِينِيُّ فِي مُسْتَهَلِّ الْجَلْسَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ تُمْزَجَ قِرَاءَةُ الْأَسْفَارِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى مَوَائِدِ الْأَسَاقِفَةِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَحْرِصِ اللَّاهُوتِيُّونَ عَلَى مَا تَأْمُرُ بِهِ قَوَانِينُ أَعْلَمِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يُؤَالِفُوا الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِالْقِرَاءَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي الْعَقِيدَةِ الْمَسِيحِيَّةِ»، الْبَابِ التَّاسِعِ: «فِي هَذِهِ الْكُتُبِ كُلِّهَا،» يَقُولُ، «يَطْلُبُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللهَ وَيَتَحَلَّوْنَ بِالتَّقْوَى وَالْوَدَاعَةِ مَشِيئَةَ اللهِ؛ وَأَوَّلُ مَا يُرَاعَى فِي هَذَا الْعَمَلِ أَوِ الْجَهْدِ هُوَ، كَمَا قُلْنَا، مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْكُتُبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدُ لِلْفَهْمِ، فَبِالْقِرَاءَةِ إِمَّا أَنْ تُحْفَظَ فِي الذَّاكِرَةِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ أَلَّا تَكُونَ مَجْهُولَةً بِالْكُلِّيَّةِ؛ ثُمَّ التَّحْقِيقُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْحِذْقِ وَالِاجْتِهَادِ فِي مَعَانِي كُلٍّ مِنْهَا.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ فِي مُقَدِّمَتِهِ لِسِفْرِ إِشَعِيَاءَ: «الْمَطْلُوبُ،» يَقُولُ، «هُوَ الْمُمَارَسَةُ الدَّائِمَةُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، حَتَّى تَنْطَبِعَ جَلَالَةُ الْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَسِرُّهَا فِي الذِّهْنِ بِالتَّأَمُّلِ الدَّائِمِ.»
ثَانِيًا، إِنَّ اسْتِعْدَادًا بَارِزًا لِهَذَا الْغَرَضِ ذَاتِهِ هُوَ التَّوَاضُعُ الْوَدِيعُ فِي النَّفْسِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ٥٦ إِلَى دِيُوسْكُورُوسَ: «لَا تَسْلُكْ طَرِيقًا أُخْرَى،» يَقُولُ، «لِبُلُوغِ الْحَقِيقَةِ وَنَيْلِ الْحِكْمَةِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرَ تِلْكَ الَّتِي مَهَّدَهَا مَنْ يَرَى، بِوَصْفِهِ إِلَهًا، ضَعْفَ خُطُوَاتِنَا. فَأَوَّلُ شَيْءٍ هُوَ التَّوَاضُعُ، وَالثَّانِي التَّوَاضُعُ، وَالثَّالِثُ التَّوَاضُعُ؛ وَكُلَّمَا سَأَلْتَنِي أُجِيبُكَ بِالْأَمْرِ ذَاتِهِ. وَكَمَا أَعْطَى دِيمُوسْثِينِيسُ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي الْبَلَاغَةِ لِلْإِلْقَاءِ، كَذَلِكَ أَنَا فِي حِكْمَةِ الْمَسِيحِ أُعْطِي الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ لِلتَّوَاضُعِ، ذَلِكَ التَّوَاضُعِ الَّذِي لِكَيْ يُعَلِّمَهُ رَبُّنَا تَوَاضَعَ هُوَ نَفْسُهُ» — فِي مِيلَادِهِ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ.
وَيَقُولُ أَغُسْطِينُوسُ نَفْسُهُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي الْعَقِيدَةِ الْمَسِيحِيَّةِ»، الْبَابِ ٤١: «لِيَتَأَمَّلْ دَارِسُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ،» يَقُولُ، «ذَلِكَ الْقَوْلَ الرَّسُولِيَّ: الْمَعْرِفَةُ تَنْفُخُ، أَمَّا الْمَحَبَّةُ فَتَبْنِي، وَذَلِكَ الْقَوْلَ لِلْمَسِيحِ: تَعَلَّمُوا مِنِّي لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، حَتَّى إِذْ نَكُونُ مُتَأَصِّلِينَ وَمُتَأَسِّسِينَ فِي الْمَحَبَّةِ الْمُتَوَاضِعَةِ نَسْتَطِيعَ أَنْ نُدْرِكَ مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُلُوُّ وَالْعُمْقُ — أَيْ صَلِيبُ الرَّبِّ — الَّذِي بِعَلَامَتِهِ يُوصَفُ كُلُّ عَمَلٍ مَسِيحِيٍّ: أَنْ نَعْمَلَ الصَّالِحَ فِي الْمَسِيحِ، وَأَنْ نَتَمَسَّكَ بِهِ بِثَبَاتٍ وَنَرْجُوَ السَّمَاوِيَّاتِ. وَبِهَذَا الْعَمَلِ نُطَهَّرُ فَنَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ أَيْضًا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، الَّتِي بِهَا هُوَ مُسَاوٍ لِلآبِ الَّذِي بِهِ صُنِعَ كُلُّ شَيْءٍ، لِكَيْ نَمْتَلِئَ إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ.» فَإِنَّهُ «حَيْثُ التَّوَاضُعُ هُنَاكَ الْحِكْمَةُ،» يَقُولُ سُلَيْمَانُ فِي أَمْثَالٍ ١١؛ وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ: «أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هَذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلصِّغَارِ: نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لِأَنَّ هَكَذَا كَانَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ.»
وَفِي الْحَقِّ، لَوْ عَرَفْتَ نَفْسَكَ لَعَرَفْتَ هَاوِيَةً مِنَ الْجَهْلِ. وَمَاذَا — أَسْأَلُكَ — بِالْقِيَاسِ إِلَى حِكْمَةِ اللهِ، بِالْقِيَاسِ إِلَى حِكْمَةِ مَلَاكٍ، عِلْمُ الْإِنْسَانِ الَّذِي تَعَلَّمَ قَلِيلًا مِنَ اللهِ وَيَجْهَلُ مَا لَا يُحْصَى؟ كَانَ أَرِسْطُو، وَمِنْ بَعْدِهِ سِينِيكَا، يَقُولُ إِنَّهُ مَا وُجِدَ عَبْقَرِيٌّ عَظِيمٌ بِلَا شَائِبَةٍ مِنَ الْجُنُونِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ، كَمَا يَقُولُ، أَنْ يَنْطِقَ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ يَفُوقُ الْآخَرِينَ مَا لَمْ يَهْتَزَّ عَقْلُهُ؛ وَلِذَلِكَ يَمْدَحُ السُّكْرَ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا. فَهَا لَكَ الْعَقْلُ الْمَجْنُونُ، سَوَاءٌ عِنْدَ أَرِسْطُو أَوْ أَيِّ عَبْقَرِيٍّ بَارِزٍ، لِكَيْ يَتَفَلْسَفَ أَعْمَقَ التَّفَلْسُفِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَرْنَرْدُوسُ بِجَمَالٍ فِي الْعِظَةِ ٣٧ عَلَى نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ: «يَنْبَغِي،» يَقُولُ، «أَنْ تَسْبِقَ مَعْرِفَةُ اللهِ وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ عِلْمَنَا؛ ازْرَعُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِالْبِرِّ وَاحْصُدُوا رَجَاءَ الْحَيَاةِ، وَحِينَئِذٍ سَيُنِيرُكُمْ نُورُ الْعِلْمِ؛ لِذَلِكَ لَا يَخْرُجُ هَذَا خُرُوجًا صَحِيحًا مَا لَمْ يَسْبِقْ بَذْرُ الْبِرِّ إِلَى النَّفْسِ، فَتَتَكَوَّنَ مِنْهُ حَبَّةُ الْحَيَاةِ لَا تِبْنُ الْمَجْدِ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ «الْأَخْلَاقِيَّاتُ»، الْبَابِ ٤١: «الْكَلَامُ الْإِلَهِيُّ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ،» يَقُولُ، «نَهْرٌ ضَحْلٌ وَعَمِيقٌ مَعًا، يَمْشِي فِيهِ الْحَمَلُ وَيَسْبَحُ فِيهِ الْفِيلُ.»
وَمِنْ هَذَا التَّوَاضُعِ تَتَوَلَّدُ وَدَاعَةُ النَّفْسِ وَسَلَامُهَا، الْأَكْثَرُ اسْتِيعَابًا لِكُلِّ حِكْمَةٍ؛ فَكَمَا أَنَّ الْمِيَاهَ، إِنْ لَمْ تُحَرِّكْهَا هَبَّةُ رِيحٍ أَوْ هَوَاءٍ بَلْ بَقِيَتْ سَاكِنَةً، تَكُونُ فِي مُنْتَهَى الصَّفَاءِ، وَتَسْتَقْبِلُ بِوُضُوحٍ أَيَّ صُورَةٍ تُعْرَضُ عَلَيْهَا، وَتُقَدِّمُ لِلنَّاظِرِ مِرْآةً كَامِلَةً: كَذَلِكَ الذِّهْنُ الْخَالِي مِنَ الْعَوَاصِفِ وَالْأَهْوَاءِ، فِي هَذَا السُّكُونِ الْهَادِئِ لِلسَّلَامِ، يَرَى بِصَفَاءٍ وَحِدَّةٍ، وَيُدْرِكُ كُلَّ حَقِيقَةٍ بِأَوْضَحِ بَيَانٍ، وَيَتَبَيَّنُ الْأُمُورَ بِحُكْمٍ ثَاقِبٍ دُونَ اضْطِرَابٍ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ فِي «عِظَةِ الرَّبِّ عَلَى الْجَبَلِ»، عِنْدَ قَوْلِهِ: طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ: «الْحِكْمَةُ،» يَقُولُ، «تَلِيقُ بِصَانِعِي السَّلَامِ الَّذِينَ انْتَظَمَ لَدَيْهِمْ كُلُّ شَيْءٍ، وَلَا حَرَكَةَ مُتَمَرِّدَةً عَلَى الْعَقْلِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ يُطِيعُ رُوحَ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ يُطِيعُ اللهَ.»
وَرَفِيقُ السَّلَامِ هُوَ طَهَارَةُ الذِّهْنِ، وَهِيَ الِاسْتِعْدَادُ الثَّالِثُ الْأَنْسَبُ لِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ. «طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ!» فَإِنْ كَانُوا يُعَايِنُونَ اللهَ، فَلِمَاذَا لَا يُعَايِنُونَ كَلَامَ اللهِ أَيْضًا؟ وَبِالْعَكْسِ، «فِي النَّفْسِ الشِّرِّيرَةِ لَا تَدْخُلُ الْحِكْمَةُ، وَلَا تَسْكُنُ فِي جَسَدٍ خَاضِعٍ لِلْخَطَايَا. لِأَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ الْمُؤَدِّبَ يَهْرُبُ مِنَ الْمُخَاتِلِ، وَيَبْتَعِدُ عَنِ الْأَفْكَارِ الَّتِي بِلَا فَهْمٍ، وَيُوَبَّخُ بِمَجِيءِ الْإِثْمِ» (الْحِكْمَةُ ١: ٤). كَانَ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ قَدْ قَالَ فِي «الْمُنَاجَاةِ»: اللهُ الَّذِي أَرَادَ أَلَّا يَعْرِفَ الْحَقِيقَةَ إِلَّا أَنْقِيَاءُ الْقَلْبِ؛ ثُمَّ تَرَاجَعَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُرَاجَعَاتِ الْأُولَى، الْبَابِ الرَّابِعِ. فَكَثِيرُونَ، كَمَا يَقُولُ، مِنْ غَيْرِ أَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ يَعْرِفُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً حَقًّا؛ لَكِنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَنْقِيَاءَ الْقَلْبِ لَعَرَفُوهَا مَعْرِفَةً أَوْفَى وَأَوْضَحَ وَأَيْسَرَ؛ وَلَا يَبْلُغُ الْحِكْمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ إِلَّا أَنْقِيَاءُ الْقَلْبِ — تِلْكَ الْحِكْمَةَ الَّتِي تَنْبُعُ مِنْ مَعْرِفَةٍ ذَوْقِيَّةٍ تَسْرِي فِي الْوِجْدَانِ وَالْمُمَارَسَةِ، وَهِيَ عِلْمُ الْقِدِّيسِينَ.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ، كَمَا يَرْوِي أَثَنَاسِيُوسُ: مَنْ كَانَتْ تَأْخُذُهُ رَغْبَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّاتِ أَيْضًا، فَلْيَكُنْ قَلْبُهُ نَقِيًّا؛ لِأَنِّي أُومِنُ أَنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَخْدِمُ اللهَ، إِنْ ثَبَتَتْ فِي تِلْكَ السَّلَامَةِ الَّتِي وُلِدَتْ بِهَا ثَانِيَةً، تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْلَمَ أَكْثَرَ مِنَ الشَّيَاطِينِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ أَنْطُونِيُوسُ نَفْسُهُ يَنْكَشِفُ لَهُ مِنَ اللهِ سَرِيعًا كُلُّ مَا أَرَادَ مَعْرِفَتَهُ.
وَالشَّيْءُ ذَاتُهُ عَلَّمَهُ بِقَوْلِهِ وَمِثَالِهِ ذَلِكَ الْعَظِيمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا النَّاسِكُ، كَمَا يَرْوِي بَالَادِيُوسُ فِي التَّارِيخِ اللَّوْزِيَاكِيِّ، الْبَابِ ٤٠.
يَرْوِي رُوفِينُوسُ أَنَّ الْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ النَّزْيَنْزِيَّ، وَهُوَ مُنْكَبٌّ عَلَى الدِّرَاسَةِ فِي أَثِينَا، رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ جَمِيلَتَيْنِ جَلَسَتَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ؛ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا بِعَيْنٍ صَارِمَةٍ بِدَافِعِ الْعِفَّةِ، وَسَأَلَهُمَا مَنْ هُمَا وَمَاذَا تُرِيدَانِ؛ فَاحْتَضَنَتَاهُ بِأُلْفَةٍ وَحَمَاسَةٍ أَكْثَرَ وَقَالَتَا: لَا تَتَضَايَقْ يَا فَتَى؛ نَحْنُ مَعْرُوفَتَانِ لَكَ وَمَأْلُوفَتَانِ: فَإِحْدَانَا تُسَمَّى الْحِكْمَةَ، وَالْأُخْرَى الْعِفَّةَ؛ وَقَدْ أَرْسَلَنَا الرَّبُّ لِنَسْكُنَ مَعَكَ، لِأَنَّكَ هَيَّأْتَ لَنَا فِي قَلْبِكَ مَسْكَنًا لَطِيفًا وَنَظِيفًا. فَهَا لَكَ أُخْتَانِ تَوْأَمَانِ: الْعِفَّةُ وَالْحِكْمَةُ.
هَذِهِ الطَّهَارَةُ كَرَّسَتِ الْقِدِّيسَ تُومَا الْمُعَلِّمَ الْمَلَائِكِيَّ؛ وَقَدْ أَشَارَ هُوَ نَفْسُهُ إِلَى ذَلِكَ حِينَ قَالَ وَهُوَ يُفَارِقُ الْحَيَاةَ لِتِلْمِيذِهِ رِيجِينَالْدُو: «أَمُوتُ مَمْلُوءًا تَعْزِيَةً، لِأَنَّ كُلَّ مَا سَأَلْتُهُ مِنَ الرَّبِّ نِلْتُهُ: أَوَّلًا، أَلَّا تُلَوِّثَ أَيُّ عَلَاقَةٍ بِالْجَسَدِيَّاتِ أَوِ الزَّمَنِيَّاتِ طَهَارَةَ ذِهْنِي، أَوْ تُلَيِّنَ صَلَابَتَهُ؛ ثَانِيًا، أَلَّا أُرْفَعَ مِنْ حَالِ التَّوَاضُعِ إِلَى الرِّئَاسَاتِ وَالْمِتَرَاتِ؛ ثَالِثًا، أَنْ أَعْرِفَ حَالَ أَخِي رِيجِينَالْدُو الَّذِي قُتِلَ بِتِلْكَ الْقَسْوَةِ: فَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَجْدِ، وَقَالَ لِي: يَا أَخِي، أُمُورُكَ فِي مَكَانٍ حَسَنٍ؛ سَتَأْتِي إِلَيْنَا، لَكِنَّ مَجْدًا أَعْظَمَ يُعَدُّ لَكَ.»
يَرْوِي الْقِدِّيسُ بُونَافَنْتُورَا أَنَّ الْقِدِّيسَ فِرَنْسِيسَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا، لَكِنَّهُ كَانَ ذَا ذِهْنٍ فِي مُنْتَهَى الصَّفَاءِ، فَكَانَ حِينَ يَسْأَلُهُ الْكَرَادِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ عَنْ أَعْمَقِ صُعُوبَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَاللَّاهُوتِ، يُجِيبُ بِدِقَّةٍ وَسُمُوٍّ يَفُوقُ بِهِ الْعُلَمَاءَ اللَّاهُوتِيِّينَ بِمَرَاحِلَ.
فَإِنَّ مَا قِيلَ فِي سِيرَةِ الْقِدِّيسِ زِينُوبِيُوسَ صَحِيحٌ كُلَّ الصِّحَّةِ: «إِنَّ عُقُولَ الْقِدِّيسِينَ تَفُوقُ الْجَمِيعَ قُوَّةً، وَطَهَارَةُ النَّفْسِ ذَاتُهَا تَسْتَدِلُّ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِيَّاتِ مِنْ أَدْنَى الْإِشَارَاتِ.» فَكَمَا يَقُولُ فِيلُونُ بِحَقٍّ — وَإِنْ كَانَ يَهُودِيًّا: «إِنَّ عُبَّادَ اللهِ الشَّرْعِيِّينَ يَتَمَيَّزُونَ بِالْعَقْلِ؛ فَكَاهِنُ اللهِ الْحَقِيقِيُّ هُوَ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ رَائٍ أَيْضًا: لِذَلِكَ لَا يَجْهَلُ شَيْئًا؛ فَإِنَّ فِيهِ شَمْسًا مَعْقُولَةً» — أَيْ كَمَا يَقُولُ بُوئِيثِيُوسُ بِحَقٍّ: «ذَلِكَ الْإِشْرَاقُ الَّذِي بِهِ تُدَبَّرُ السَّمَاءُ وَتَزْدَهِرُ، يَتَجَنَّبُ خَرَائِبَ النَّفْسِ الْمُظْلِمَةَ، وَيَتْبَعُ الْعَقْلَ الْمُتَأَلِّقَ.»
وَكَذَلِكَ الْكَرْدِينَالُ هُوسِيُوسُ، رَئِيسُ الْمَجْمَعِ التِّرِيدَنْتِينِيِّ، وَهُوَ رَجُلٌ فِي مُنْتَهَى الِاسْتِقَامَةِ وَسَوْطٌ بَارِزٌ لِلُوثَرَ، مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى: حِينَ كَانَ أَنْدْرِيَاسُ دُودِيتْشِيُوسُ، أُسْقُفُ تِينِّينَ، يُمَثِّلُ إِكْلِيرُوسَ الْمَجَرِ لَدَى الْمَجْمَعِ التِّرِيدَنْتِينِيِّ، وَكَانَ مَوْضِعَ إِجْلَالٍ وَإِعْجَابٍ عِنْدَ الْآخَرِينَ بِفَصَاحَتِهِ، كَانَ وَحْدَهُ مَحَلَّ شَكٍّ عِنْدَ هُوسِيُوسَ؛ إِذْ كَانَ يَقُولُ دَوْمًا إِنَّ خَطَرَ الرِّدَّةِ عَنِ الْإِيمَانِ يَتَهَدَّدُهُ، وَإِنَّهُ سَيَصِيرُ هَرْطُوقِيًّا. وَهَكَذَا وَقَعَ: فَفَرَّ ذَلِكَ الْمُرْتَدُّ إِلَى مُعَسْكَرِ كَالْفِينَ. وَحِينَ سُئِلَ هُوسِيُوسُ مِنْ أَيْنَ تَنَبَّأَ بِذَلِكَ، أَجَابَ: مِنْ كِبْرِيَاءِ الرَّجُلِ وَحْدِهِ؛ فَقَدْ أَحَسَّ عَقْلُهُ أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِرَأْيِهِ، فَتَوَقَّعَ أَنَّهُ سَيَقَعُ فِي هَذِهِ الْحُفْرَةِ.
رَابِعًا، الصَّلَاةُ ضَرُورِيَّةٌ هَاهُنَا، بِوَصْفِهَا قَنَاةً سَمَاوِيَّةً وَآلَةً نَسْتَمِدُّ بِهَا مَعْنَى كَلِمَةِ اللهِ مِنَ اللهِ ذَاتِهِ. كَتَبَ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ كِتَابًا «فِي الْمُعَلِّمِ» يُعَلِّمُ فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الْمَسِيحِ هَذَا صَحِيحٌ كُلَّ الصِّحَّةِ: «مُعَلِّمُكُمْ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَسِيحُ،» وَفِي الْمُرَاجَعَاتِ الْأُولَى، الْبَابِ الرَّابِعِ، يَتَرَاجَعُ عَمَّا كَانَ قَدْ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَنَّ هُنَاكَ طُرُقًا كَثِيرَةً إِلَى الْحَقِيقَةِ، إِذْ لَيْسَ ثَمَّةَ إِلَّا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْمَسِيحُ: الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. فَعِلْمُ الْأَنْبِيَاءِ وَتَنَبُّؤُهُمْ كَانَ إِلَهِيًّا؛ وَلِأَنَّهُ إِلَهِيٌّ، فَهُوَ فِي مُنْتَهَى الْيَقِينِ وَالسُّمُوِّ وَالشُّمُولِ وَالتَّدْبِيرِ.
يَرْوِي الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْحِوَارَاتِ، الْكِتَابِ الثَّانِي، الْبَابِ ٣٥، أَنَّ الطُّوبَاوِيَّ بِنِدِكْتُوسَ، وَهُوَ يُصَلِّي ذَاتَ مَسَاءٍ عِنْدَ نَافِذَةٍ، رَأَى نُورًا عَظِيمًا فَاقَ النَّهَارَ وَطَرَدَ كُلَّ ظُلْمَةٍ، وَفِي هَذَا النُّورِ — كَمَا يَقُولُ — بَدَا الْعَالَمُ كُلُّهُ وَكَأَنَّهُ جُمِعَ تَحْتَ شُعَاعٍ وَاحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ فَأُحْضِرَ أَمَامَ عَيْنَيْهِ؛ وَمِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى، فِي سَنَا ذَلِكَ النُّورِ الْبَرَّاقِ، رَأَى نَفْسَ جِرْمَانُوسَ أُسْقُفِ كَابُوَا تُحْمَلُ إِلَى السَّمَاءِ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ فِي كُرَةٍ نَارِيَّةٍ. ثُمَّ يَسْأَلُ بُطْرُسُ كَيْفَ أَمْكَنَ أَنْ يُشَاهَدَ الْعَالَمُ كُلُّهُ بِعَيْنَيْهِ.
وَأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ جَلَسَ عَلَى الْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ الْكَبِيرِ فِي هَيْئَةِ حَمَامَةٍ — وَأَوَّلُ مَا يُثْنَى عَلَيْهِ بِهِ هُوَ فِي التَّرُوبُولُوجْيَا — وَهُوَ يُعَلِّقُ وَيَكْتُبُ، فَشَاهِدُ الْعِيَانِ بُطْرُسُ الشَّمَّاسُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مُعَلِّمَ التَّعَالِيمِ الْإِلَهِيَّ لِيُوسْتِينُوسَ الشَّهِيدِ، إِذْ أَوْصَاهُ بِقِرَاءَةِ الْأَنْبِيَاءِ، أَعْطَاهُ أَيْضًا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ: «أَمَّا أَنْتَ فَبِالصَّلَوَاتِ وَالتَّضَرُّعَاتِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ اطْلُبْ أَنْ تُفْتَحَ لَكَ أَبْوَابُ النُّورِ: فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يُدْرِكُهَا أَحَدٌ وَلَا يَفْهَمُهَا، مَا لَمْ يَمْنَحْهُ اللهُ وَالْمَسِيحُ الْفَهْمَ.» فَلَيْسَ بِلَا سَبَبٍ إِذَنْ أَنَّ الْقِدِّيسَ تُومَا، أَمِيرَ اللَّاهُوتِ الْمَدْرَسِيِّ وَأَكْثَرَ النَّاسِ تَضَلُّعًا فِي الْأَسْفَارِ الْمُقَدَّسَةِ، كَانَ حِينَ يُفَسِّرُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ يَضَعُ رَجَاءً عَظِيمًا فِي اسْتِرْضَاءِ الرَّبِّ، حَتَّى إِنَّهُ لِفَهْمِ أَيِّ مَوْضِعٍ أَصْعَبَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَانَ — بِالْإِضَافَةِ إِلَى الصَّلَاةِ — يَسْتَعْمِلُ الصَّوْمَ أَيْضًا كَمَا يُرْوَى. لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَّكِلَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَعَلَى اللهِ، لِكَيْ يُدْخِلَنَا هُوَ نَفْسُهُ إِلَى قُدْسِ أَقْدَاسِهِ، وَيَتَكَرَّمَ بِفَتْحِ الْأَقْوَالِ الْمُقَدَّسَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ يَعْقُبُ أَخِيرًا مَا هُوَ أَنْفَعُ شَيْءٍ لِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ: أَنَّ ذِهْنَنَا، بَعْدَ تَطْهِيرِهِ مِنْ أَوْضَارِ الْأَرْضِ وَتَبْدِيدِ سُحُبِ الْأَهْوَاءِ، إِذْ يَصِيرُ مُقَدَّسًا وَسَامِيًا، يُصْبِحُ مُهَيَّأً وَصَالِحًا لِاسْتِقَاءِ هَذِهِ التَّعَالِيمِ السَّمَاوِيَّةِ. فَكَمَا يَقُولُ النِّيصِّيُّ بِجَمَالٍ: لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَايِنَ مَا هُوَ إِلَهِيٌّ وَذَلِكَ النُّورَ الْقَرِيبَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الذِّهْنُ ذَاتُهُ بِحِسٍّ حُرٍّ طَلِيقٍ، حِينَ يُوَجِّهُ الْمَرْءُ نَظَرَهُ — بِسَبَبِ حُكْمٍ فَاسِدٍ وَجَاهِلٍ — إِلَى الْأُمُورِ الدَّنِيئَةِ وَالْوَحِلَةِ. لِذَلِكَ، لِكَيْ يَنْفُذَ الْمَرْءُ إِلَى عُرُوقِ الْأَقْوَالِ السَّمَاوِيَّةِ وَنُخَاعِهَا، وَيَتَأَمَّلَ بِصَفَاءٍ أَسْرَارَهَا الْعَمِيقَةَ وَالْخَفِيَّةَ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَيْنُ الْقَلْبِ سَامِيَةً وَمُقَدَّسَةً.
لَا يَتَرَدَّدُ الْقِدِّيسُ بَرْنَرْدُوسُ فِي أَنْ يُؤَكِّدَ (فِي رِسَالَتِهِ إِلَى إِخْوَةِ جَبَلِ الرَّبِّ) أَنَّهُ لَنْ يَلِجَ أَحَدٌ فِي مَعْنَى بُولُسَ مَا لَمْ يَتَشَرَّبْ أَوَّلًا رُوحَهُ، وَلَنْ يَفْهَمَ أَحَدٌ أَنَاشِيدَ دَاوُدَ مَا لَمْ يَلْبَسْ أَوَّلًا عَوَاطِفَ الْمَزَامِيرِ الْمُقَدَّسَةَ؛ وَأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُقَدَّسَةَ يَجِبُ أَنْ تُفْهَمَ بِالرُّوحِ ذَاتِهِ الَّذِي كُتِبَتْ بِهِ. وَبِجَمَالٍ رَائِعٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ: «هَذِهِ الْحِكْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالْأَصِيلَةُ،» يَقُولُ، «لَا تُعَلَّمُ بِالْقِرَاءَةِ بَلْ بِالْمَسْحَةِ؛ لَا بِالْحَرْفِ بَلْ بِالرُّوحِ؛ لَا بِالتَّعَلُّمِ بَلْ بِالْمُمَارَسَةِ فِي وَصَايَا الرَّبِّ. أَنْتُمْ مُخْطِئُونَ، مُخْطِئُونَ، إِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ تَجِدُونَ عِنْدَ مُعَلِّمِي الْعَالَمِ مَا لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا تَلَامِيذُ الْمَسِيحِ — أَيْ مُحْتَقِرُو الْعَالَمِ — بِعَطِيَّةِ اللهِ.»
يَرْوِي كَاسِّيَانُوسُ أَنَّ ثِيُودُورُوسَ، وَهُوَ رَاهِبٌ قِدِّيسٌ بَلَغَ مِنَ الْأُمِّيَّةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَتَّى الْحُرُوفَ الْأَبْجَدِيَّةَ، لَكِنَّهُ كَانَ بَارِعًا فِي الْأَسْفَارِ الْإِلَهِيَّةِ حَتَّى إِنَّ أَعْلَمَ الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَسْتَشِيرُونَهُ، كَانَ يَقُولُ دَائِمًا: يَجِبُ بَذْلُ الْجُهْدِ فِي اقْتِلَاعِ الرَّذَائِلِ أَكْثَرَ مِنْ تَصَفُّحِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ طَرْدِهَا تَبْدَأُ عُيُونُ الْقَلْبِ، إِذْ تَسْتَقْبِلُ النُّورَ السَّمَاوِيَّ وَقَدْ أُزِيلَ حِجَابُ الْأَهْوَاءِ، تَتَأَمَّلُ أَسْرَارَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَأَمُّلًا طَبِيعِيًّا. بَلْ إِنَّ قَدَاسَةَ الْحَيَاةِ هَذِهِ هِيَ الَّتِي عَلَّمَتِ الْفِرَنْسِيسِيِّينَ وَالْأَنْطُونِيِّينَ وَالْبُولُسِيِّينَ — وَهُمْ رِجَالٌ أُمِّيُّونَ — أَسْمَى أَسْرَارِ كَلِمَاتِ اللهِ وَأَخْفَاهَا فَوْقَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَبِالْمِثْلِ بَلَغَ الْقِدِّيسُ بَرْنَرْدُوسُ بِالتَّأَمُّلِ فَهْمَ الْحُرُوفِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تِلْكَ الْحِكْمَةَ وَالْبَلَاغَةَ الْعَسَلِيَّةَ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ مِرَارًا إِنَّهُ فِي دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَلِّمُونَ آخَرُونَ سِوَى أَشْجَارِ الزَّانِ وَالْبَلُّوطِ، الَّتِي كَانَ بَيْنَهَا — بِالصَّلَاةِ وَالتَّأَمُّلِ — يَرَى الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ كُلَّهُ مَعْرُوضًا وَمُفَسَّرًا أَمَامَهُ، كَمَا يَقُولُ مُؤَلِّفُ سِيرَتِهِ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْبَابِ ٣، وَالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الْبَابِ ٤.
وَالشَّيْءُ ذَاتُهُ حَدَثَ بِوُضُوحٍ لِلْأَنْبِيَاءِ. وَهُنَاكَ ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ لِيَامْبْلِيخُوسَ: إِنَّ تَعَالِيمَ فِيثَاغُورَسَ، لِأَنَّهَا نُقِلَتْ بِطَرِيقَةٍ إِلَهِيَّةٍ (كَمَا كَانَ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ أَقْنَعَ تَلَامِيذَهُ مَكْرًا)، لَا يُمْكِنُ فَهْمُهَا إِلَّا بِتَفْسِيرٍ إِلَهِيٍّ؛ وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى التِّلْمِيذِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِعَوْنِ اللهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَشَدَّ الِاحْتِيَاجِ.
الْيَهُودُ، الْمَنْفِيُّونَ عَنِ اللهِ، يَزْحَفُونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَتَشَبَّثُونَ بِلِحَاءِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ الْجَافِّ تَشَبُّثًا وَثِيقًا حَتَّى لَا يَتَذَوَّقُونَ شَيْئًا مِنْ حَلَاوَةِ اللُّبِّ — بَائِعُو تَوَافِهَ وَمُلَفِّقُو خُرَافَاتٍ وَحَسْبُ. وَالْهَرَاطِقَةُ، لِأَنَّهُمْ يَعْبُرُونَ بَحْرًا شَاسِعًا غَيْرَ مَأْمُونٍ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَجَادِيفِ ذَكَائِهِمْ وَأَشْرِعَتِهِ، دُونَ أَنْ يُثَبِّتُوا نَظَرَهُمْ عَلَى بَنَاتِ نَعْشِ أَوْ أَيِّ نَجْمٍ سَمَاوِيٍّ، لَا يَصِلُونَ أَبَدًا إِلَى الْمِينَاءِ، بَلْ يَظَلُّونَ مُتَقَلِّبِينَ فِي وَسَطِ الْأَمْوَاجِ؛ وَمَا يَقْرَؤُونَهُ حَتَّى الْغَثَيَانِ لَا يَفْهَمُونَهُ، إِلَّا مَا يَنْتَزِعُونَهُ — وَهُمْ عَبِيدُ الْبَطْنِ — مِنْ حُرِّيَّةِ الْمَعِدَةِ وَلَذَّاتِ مَا تَحْتَ الْبَطْنِ انْتِزَاعًا. فَلَيْسَ هَاهُنَا مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ سَبَّاحُ دِيلُوسَ، بَلْ هِدَايَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْجُنُودِ السَّمَاوِيَّةِ، وَيَجِبُ أَنْ نَخُوضَ هَذَا الْإِبْحَارَ وَأَعْيُنُنَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى مَرْيَمَ نَجْمَةِ الْبَحْرِ الَّتِي تُنِيرُهُ: هِيَ سَتَحْمِلُ الْمَشْعَلَ أَمَامَنَا.
دَانِيَالُ، رَجُلُ الرَّغَائِبِ، أَدْرَكَ حُلْمَ مَلِكِ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَعَدَدَ السَّبْعِينَ سَنَةً لِنَفْيِ إِسْرَائِيلَ الْمُدَوَّنِ عِنْدَ إِرْمِيَا، بِالصَّلَاةِ، وَعَلَّمَهُ جِبْرَائِيلُ.
وَحِزْقِيَالُ، بِفَمٍ مَفْتُوحٍ (مُوَجَّهٍ إِلَى اللهِ بِالطَّبْعِ)، أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ سِفْرٍ كُتِبَتْ فِيهِ مَرَاثٍ وَنَشِيدٌ وَوَيْلٌ مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ.
غْرِيغُورِيُوسُ الْمُلَقَّبُ بِصَانِعِ الْعَجَائِبِ، تَقِيُّ الْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ، بِإِنْذَارِهَا وَأَمْرِهَا فِي الْمَنَامِ، تَلَقَّى مِنَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا تَفْسِيرَ مُقَدِّمَةِ إِنْجِيلِهِ، فِي قَانُونِ إِيمَانٍ صَدَرَ بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ يُقَابِلُ بِهِ الْأُورِيجَانِيِّينَ؛ وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ هُوَ النِّيصِّيُّ فِي سِيرَتِهِ، الَّذِي يُورِدُ أَيْضًا قَانُونَ الْإِيمَانِ هَذَا.
وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الَّذِي بَلَغَ تَعَلُّقُهُ بِالْقِدِّيسِ بُولُسَ مَبْلَغًا عَظِيمًا، حِينَ كَانَ يُمْلِي تَعَالِيقَهُ عَلَى رَسَائِلِهِ، شُوهِدَ شَخْصٌ فِي هَيْئَةِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ وَاقِفًا بِجَانِبِهِ يَهْمِسُ فِي أُذُنِهِ بِمَا يَكْتُبُهُ.
وَأَمْبْرُوسِيُوسُ، إِنْ صَدَّقْنَا الْقِدِّيسَ بَوْلِينُوسَ فِي رِوَايَةِ أَعْمَالِهِ، كَانَ حِينَ يُعَالِجُ الْأَسْفَارَ الْمُقَدَّسَةَ فِي عِظَتِهِ يُرَى وَمَلَاكٌ يُسَاعِدُهُ.
لِذَلِكَ إِنْ أَقْبَلْتَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ بِنَفْسٍ مُقَدَّسَةٍ، مُتَّكِلًا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَوَاثِقًا بِاللهِ، وَإِنِ اسْتَعْمَلْتَ الِاجْتِهَادَ الدَّؤُوبَ بِحَيْثُ لَا يَمُرُّ يَوْمٌ لَا تَقُولُ فِيهِ (كَمَا يَرْوِي الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ عَنْ كِبْرِيَانُوسَ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُ تِرْتُولِّيَانُوسَ يَوْمِيًّا): «أَعْطِنِي الْمُعَلِّمَ!» — فَسَوْفَ تَتَغَلَّبُ بِسُهُولَةٍ سَرِيعَةٍ عَلَى كُلِّ صُعُوبَةٍ هَاهُنَا، وَمَا يَلْمَعُ عَلَى لِحَاءِ الْحِكْمَةِ سَيُنْعِشُكَ، وَمَا فِي نُخَاعِ الْغِنَى السَّمَاوِيِّ سَيُغَذِّيكَ بِأَعْذَبِ غِذَاءٍ. وَلَنْ تَخَافَ أَخِيرًا حَتَّى مِنْ أَكْسَلِ هَرْطُوقِيٍّ، وَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ الْعَمَلَ الْكِتَابِيَّ كُلَّهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ: فَهَذِهِ تَكَادُ تَكُونُ دِرَاسَتَهُمُ الْوَحِيدَةَ الَّتِي يُهَاجِمُونَنَا بِهَا. فَمِنَ اللَّائِقِ أَنْ نُوَاجِهَهُمْ بِالْأَسْلِحَةِ ذَاتِهَا، وَنَسْتَرِدَّ مُمْتَلَكَاتِنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْحَائِزِينَ الظَّالِمِينَ؛ حَتَّى إِذَا الْتَحَمْنَا مَعَهُمْ بِجُرْأَةٍ يَدًا بِيَدٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، نَقْضِيَ عَلَيْهِمْ بِأَسْلِحَتِهِمْ هُمْ. وَلَنْ تَهَابَ مَجْلِسَ التَّدْرِيسِ مَهْمَا كَانَ عَالِمًا وَشَهِيرًا، بَلْ آمِنًا وَاثِقًا، مُزَوَّدًا بِوَفْرَةٍ بِالْأَفْكَارِ الْعَالِمَةِ وَمُسَلَّحًا بِصَلَابَةٍ وَأَصَالَةٍ بِالتَّعَالِيمِ الْمُقَدَّسَةِ، تَقُومُ مَقَامَ الْوَاعِظِ. بَلْ إِنَّ اللَّاهُوتَ الْمَدْرَسِيَّ لَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهِ أَبَدًا، بَلْ سَيَمُدُّ طَوْعًا يَمِينَهُ — كَمَنْ يَسْتَقْبِلُ مُعِينَةً لِأُخْتِهِ — وَيُقَسِّمُ الْأَعْمَالَ لِمَنْفَعَةِ الِاثْنَتَيْنِ.
٤٨. أَمَّا فِيمَا يَخُصُّنِي أَنَا، فَأَعْلَمُ وَأُحِسُّ بِثِقَلِ الْحِمْلِ الَّذِي أَحْمِلُهُ، وَبِمَدَى وُعُورَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ أَسْلُكَهُ: فَشَيْءٌ — وَبَعِيدٌ جِدًّا — أَنْ تَنْشُرَ تَفَاسِيرَ مُطَوَّلَةً بِثَمَرَةٍ غَيْرِ يَقِينِيَّةٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ؛ وَشَيْءٌ آخَرُ أَنْ تُؤَدِّيَ الْمَعْنَى بِإِيجَازٍ مِنَ الْآبَاءِ، وَتَجْمَعَ الْمَعْنَى التَّارِيخِيَّ بِالرَّمْزِيِّ، وَتُمَيِّزَ أَحَدَهُمَا مِنَ الْآخَرِ. أَعْلَمُ — بِقِيَادَةِ النَّزْيَنْزِيِّ (الْخُطْبَةُ ٢، «فِي الْفِصْحِ») — أَنَّهُ يَجِبُ سُلُوكُ طَرِيقٍ وَسَطٍ بَيْنَ مَنْ يَلْتَصِقُونَ بِالْحَرْفِ بِعَقْلٍ أَغْلَظَ، وَمَنْ يَسْتَلِذُّونَ بِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ وَحْدَهُ اسْتِلْذَاذًا مُفْرِطًا: فَالْأَوَّلُ يَهُودِيٌّ وَوَضِيعٌ، وَالثَّانِي سَخِيفٌ وَيَلِيقُ بِمُفَسِّرِ الْأَحْلَامِ، وَكِلَاهُمَا يَسْتَحِقُّ التَّوْبِيخَ بِالسَّوَاءِ. وَكَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ (مَدِينَةُ اللهِ، الْكِتَابُ ١٧، الْبَابُ ٣)، يَبْدُو لِي أَنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ هُمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْأَسْفَارِ مَلْفُوفٌ بِالْمَعَانِي الرَّمْزِيَّةِ، كَمَا أَفْرَطَ أُورِيجَانُوسُ فِي ذَلِكَ، إِذْ كَانَ يَفِرُّ مِنَ الْحَقِيقَةِ التَّارِيخِيَّةِ — بَلْ يُدَمِّرُهَا — وَيُحِلُّ مَحَلَّهَا شَيْئًا رَمْزِيًّا فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ: حِينَ يُرِيدُ أَنْ يُفْهَمَ تَكْوِينُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ رُوحِيًّا؛ وَأَشْجَارُ الْفِرْدَوْسِ عَلَى أَنَّهَا الْقُوَّةُ الْمَلَائِكِيَّةُ؛ وَأَقْمِصَةُ الْجِلْدِ عَلَى أَنَّهَا الْأَجْسَادُ الْبَشَرِيَّةُ؛ وَيُفَسِّرُ أُمُورًا كَثِيرَةً مُمَاثِلَةً تَفْسِيرًا سِرِّيًّا، وَ«يَجْعَلُ عَبْقَرِيَّتَهُ هُوَ» — بَلْ عَبْقَرِيَّتَهُ الْمُفْرِطَةَ فِي التَّفَوُّقِ — «أَسْرَارَ الْكَنِيسَةِ،» كَمَا يَقُولُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ عَلَى إِشَعِيَاءَ. وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ التَّوْبِيخَ: «حَيْثُ يُحْسِنُ أُورِيجَانُوسُ لَا أَحَدَ أَحْسَنُ مِنْهُ؛ وَحَيْثُ يُسِيءُ لَا أَحَدَ أَسْوَأُ مِنْهُ.» هَكَذَا قَالَ كَاسِّيُودُورُوسُ. لَكِنْ مَنْ سَيَكُونُ أُودِيبُوسَنَا لِيُمَيِّزَ هَذِهِ الْأُمُورَ وَيُحَدِّدَهَا؟ مَا قَالَهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ عَنِ الْكَهَنَةِ — «كَثِيرُونَ الْكَهَنَةُ، قَلِيلُونَ الْكَهَنَةُ الْحَقِيقِيُّونَ» — أَقُولُهُ أَنَا حَقًّا هَاهُنَا عَنِ الْمُفَسِّرِينَ: كَثِيرُونَ الْمُفَسِّرُونَ، قَلِيلُونَ الْمُفَسِّرُونَ الْحَقِيقِيُّونَ. فَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَغْرِيغُورِيُوسُ يُقَدِّمَانِ الْمَعْنَى السِّرِّيَّ وَحْدَهُ تَقْرِيبًا؛ وَأَغُسْطِينُوسُ وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَإِيرُونِيمُوسُ وَسَائِرُ الْآبَاءِ يَنْسُجُونَ تَارَةً التَّارِيخِيَّ وَتَارَةً السِّرِّيَّ فِي مَسَارِ الْخِطَابِ ذَاتِهِ، بِحَيْثُ يَحْتَاجُ الْمَرْءُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مِحَكِّ لِيدِيَا لِاقْتِفَاءِ الْمَعْنَى التَّارِيخِيِّ — الَّذِي هُوَ الْأَسَاسُ — عِنْدَ الْآبَاءِ. وَكَمْ هُوَ نَادِرٌ الْمُفَسِّرُ الَّذِي، وَقَدْ تَشَرَّبَ الْمَصَادِرَ الْيُونَانِيَّةَ وَالْعِبْرِيَّةَ، أَدَّى عِبَارَتَهَا الْأَصِيلَةَ وَوَفَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَبْعَتِنَا تَمَامَ التَّوْفِيقِ؟ فَمَاذَا إِذَنْ؟ أَرَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَكِدَّ وَأَجْتَهِدَ هَاهُنَا، حَتَّى بِكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ الْبَحْثِ أُقَلِّدَ النَّحْلَاتِ الصَّغِيرَاتِ، وَأُنْتِجَ مِنْ فَحْصٍ مُنْتَقًى جَنْيَ عَسَلٍ مِنْ أَزْهَارِ أَنْسَبِ لِلْغَرَضِ: فَأَتَتَبَّعَ الْمَعْنَى التَّارِيخِيَّ أَوَّلًا بِتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ؛ وَحَيْثُمَا يَخْتَلِفُ عِنْدَ مُؤَلِّفِينَ مُخْتَلِفِينَ أُشِيرَ إِلَيْهِ؛ وَفِي هَذَا الْكَمِّ الْعَظِيمِ مِنَ الْآرَاءِ الَّذِي كَثِيرًا مَا يَحِيرُ السَّامِعِينَ الْقَلِقِينَ الْمُتَذَبْذِبِينَ وَيُرْبِكُهُمْ، أُقَدِّمُ وَأَخْتَارُ الْأَكْثَرَ انْسِجَامًا مَعَ النَّصِّ. وَفِي هَذَا الْأَمْرِ تَمَسَّكْتُ دَائِمًا بِأَنَّ الطَّبْعَةَ اللَّاتِينِيَّةَ الشَّائِعَةَ يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْهَا بِمَرْسُومِ الْمَجْمَعِ التِّرِيدَنْتِينِيِّ. لَكِنْ حَيْثُ يَبْدُو الْعِبْرِيُّ مُخَالِفًا، سَأَسْعَى إِلَى إِظْهَارِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ مَعَ الطَّبْعَةِ اللَّاتِينِيَّةِ الشَّائِعَةِ، حَتَّى نُجِيبَ الْهَرَاطِقَةَ؛ وَإِنْ اقْتَرَحُوا تَفْسِيرًا آخَرَ تَقَوِيًّا أَوْ عَالِمًا لَا يُعَارِضُ تَفْسِيرَنَا، أُقَدِّمُهُ — لَكِنْ بِحَيْثُ أُؤَدِّيَ الْعِبْرِيَّ بِكَلِمَاتٍ لَاتِينِيَّةٍ، حَتَّى يُدْرِكَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعِبْرِيَّةَ، وَمَنْ يَعْرِفُهَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَصَادِرِ؛ لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِاقْتِصَادٍ وَحَيْثُمَا اقْتَضَى الْأَمْرُ فَقَطْ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاخَامَاتِ، فَلَنْ أَتَعَامَلَ مَعَهُمْ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَتَّفِقُونَ مَعَ الْمُعَلِّمِينَ الْكَاثُولِيكِيِّينَ، أَوْ يَتَّبِعُونَ الْمَسِيحِيِّينَ — وَبِخَاصَّةٍ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ — سِرًّا تَحْتَ اسْمٍ خَفِيٍّ، كَمَا اكْتُشِفَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ مِنَ النَّاسِ عَامِّيَّةٌ وَضِيعَةٌ خَامِلَةٌ وَعَارِيَةٌ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ مُنْذُ خَرَابِ أُورُشَلِيمَ الَّذِي بِهِ تَرْقُدُ الْأُمَّةُ كُلُّهَا مَسْلُوبَةً وَمَهْجُورَةً مِنَ الْمَمْلَكَةِ وَالْمَدِينَةِ وَالْحُكْمِ وَالْهَيْكَلِ وَالْآدَابِ، وَفْقَ نُبُوءَةِ هُوشَعَ: بِلَا مَلِكٍ، بِلَا أَمِيرٍ، بِلَا ذَبِيحَةٍ، بِلَا مَذْبَحٍ، بِلَا أَفُودٍ، بِلَا تَرَافِيمَ. أَمَّا الْمَعْنَى السِّرِّيُّ، فَلَنْ أَخْتَلِقَهُ مِنْ عِنْدِي أَبَدًا، بَلْ أَنْسُبُهُ دَائِمًا إِلَى أَصْحَابِهِ، وَحَيْثُمَا كَانَ أَكْثَرَ إِشْرَاقًا أَحْتَضِنُهُ بِإِيجَازٍ؛ وَإِلَّا أُشِيرُ بِإِصْبِعٍ مُوَجَّهَةٍ إِلَى الْمَصَادِرِ حَيْثُ يَنْبَغِي طَلَبُهُ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، سَأُنْجِزُ هَذَا كُلَّهُ بِإِيجَازٍ أَكْبَرَ مِمَّا اسْتَعْمَلْتُ فِي الرَّسَائِلِ الْبُولُسِيَّةِ، حَتَّى أُنْهِيَ الْمَسِيرَةَ الْكِتَابِيَّةَ كُلَّهَا فِي سَنَوَاتٍ وَمُجَلَّدَاتٍ قَلِيلَةٍ (إِنْ مَنَحَ اللهُ الْقُوَّةَ وَالنِّعْمَةَ). أَمَّا كَمْ هُوَ لَا يَكِلُّ الْجُهْدُ وَالدَّرْسُ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا، بِحُكْمٍ ثَاقِبٍ، لِمُرَاجَعَةِ النُّصُوصِ الْيُونَانِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ فِي الْمَخْطُوطَاتِ؛ وَلِنَشْرِ كُتُبِ الْآبَاءِ الْيُونَانِيِّينَ وَاللَّاتِينِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ الْمُحْدَثِينَ الَّذِينَ يَذْهَبُونَ فِي أَشَدِّ الِاتِّجَاهَاتِ تَبَايُنًا وَإِسْهَابًا عَظِيمًا؛ وَلِإِصْدَارِ الْحُكْمِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ: مَا هُوَ خَطَأٌ، وَمَا هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَمَا هُوَ يَقِينِيٌّ، وَمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَمَا هُوَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ، وَمَا هُوَ حَرْفِيٌّ، وَمَا هُوَ أَصْدَقُ مَعْنًى، وَمَا هُوَ رَمْزِيٌّ وَأَدَبِيٌّ وَأَنَاغُوجِيٌّ؛ وَلِتَقْطِيرِ كُلِّ شَيْءٍ وَضَغْطِهِ فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ؛ وَأَنْ تَكْتَشِفَ بِنَفْسِكَ الْمَعْنَى الْحَرْفِيَّ الْأَصِيلَ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ وَتَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَكْسِرُ الْجَلِيدَ — فَلَا يُصَدِّقْ ذَلِكَ أَحَدٌ إِلَّا مَنْ جَرَّبَهُ.
الْخَاتِمَةُ وَخِتَامُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ
طُوبَى لِلسَّامِعِ وَالْقَارِئِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهَذَا الْجُهْدِ كُلِّهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُعَلِّمِ. عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ، وَأَنْ يُكَرِّسَ وَيَسْكُبَ لِلَّهِ — بَدَلَ الدَّمِ — أَشْرَفَ مَلَكَاتِهِ، وَمَعَهَا عَيْنَيْهِ وَدِمَاغَهُ وَفَمَهُ وَعِظَامَهُ وَأَصَابِعَهُ وَيَدَيْهِ وَدَمَهُ وَكُلَّ قَطْرَةٍ مِنْ حَيَوِيَّتِهِ وَالْحَيَاةَ ذَاتَهَا، وَبِاسْتِشْهَادٍ بَطِيءٍ يَرُدُّهَا لِمَنْ أَعْطَى أَوَّلًا مَا لَهُ، اللهُ، مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ الْبَشَرَ الْمَسَاكِينَ. «قُوَّتِي أَحْفَظُهَا لَكَ»: لَنْ أَسْعَى وَرَاءَ الرِّبْحِ، وَلَا وَرَاءَ التَّصْفِيقِ، وَلَا وَرَاءَ دُخَانِ الْمَجْدِ؛ فَلْيَذُمُّوا أَوْ يَمْدَحُوا أَوْ يُصَفِّقُوا أَوْ يَصْفِرُوا — لَنْ أَتَوَقَّفَ. لَسْتُ بِهَذِهِ الْحَمَاقَةِ وَلَا بِهَذَا صِغَرِ الْهِمَّةِ حَتَّى أَبِيعَ أَعْمَالِي وَحَيَاتِي بِبَاطِلٍ رَخِيصٍ كَهَذَا. مَنْ ذَا الَّذِي — إِنْ وَدَّعَ الْعَالَمَ كَمَا فَعَلَ الْقِدِّيسُ تُومَا، وَسَمِعَ مِنَ الْمَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ: «أَحْسَنْتَ الْكِتَابَةَ عَنِّي يَا تُومَا؛ فَمَاذَا يَكُونُ جَزَاؤُكَ؟» — لَا يُجِيبُ فَوْرًا مَعَهُ: «لَا شَيْءَ سِوَاكَ يَا رَبُّ» — أَجْرِي الْعَظِيمُ جِدًّا؟ الْعَالَمُ مَصْلُوبٌ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ؛ أَعْمَالِي لَيْسَتْ لِي بَلْ هِيَ عَطَايَاكَ؛ أَرُدُّ إِلَيْكَ مَا هُوَ لَكَ؛ أَنْتَ عَلَّمْتَ طُفُولَتِي، وَأَرَيْتَنِي الطَّرِيقَ حَيْثُ لَا طَرِيقَ، وَقَوَّيْتَ ضَعْفَ الذِّهْنِ وَالْجَسَدِ مَعًا، وَبَدَّدْتَ الظُّلُمَاتِ بِنُورِكَ: لِأَنَّ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ اخْتَرْتَ لِتُخْزِيَ الْأَقْوِيَاءَ؛ وَأَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُحْتَقَرِينَ وَغَيْرَ الْمَوْجُودِينَ لِتُبْطِلَ الْمَوْجُودِينَ، لِكَيْلَا يَفْتَخِرَ كُلُّ بَشَرٍ أَمَامَكَ، بَلْ مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِكَ وَحْدَكَ. فَمَاذَا إِذَنْ؟ كُلَّ الثِّمَارِ الْجَدِيدَةَ وَالْقَدِيمَةَ — يَا حَبِيبِي — ذَخَرْتُهَا لَكَ: أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي، الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ؛ اجْعَلْنِي كَخَاتَمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتَمٍ عَلَى ذِرَاعِكَ، لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ، وَالْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالْهَاوِيَةِ؛ صُرَّةُ مُرٍّ حَبِيبِي لِي، بَيْنَ ثَدْيَيَّ يَبِيتُ؛ وَبَعْدَ هَذَا الْمُرِّ، عُنْقُودُ حِنَّاءٍ حَبِيبِي لِي فِي كُرُومِ عَيْنِ جَدْيٍ. وَلِكَيْ يَمْنَحَ ذَلِكَ بِوَفْرَةٍ، سَأَتَضَرَّعُ بِلَا انْقِطَاعٍ إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، وَبِخَاصَّةٍ شُفَعَائِي: الْعَذْرَاءَ أُمَّ الْحِكْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ، وَالْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ، وَمُوسَى الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، لِكَيْ كَمَا سَاعَدَ الْقِدِّيسُ بُولُسُ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ، كَذَلِكَ يَقِفَ هُوَ بِجَانِبِي مُعَلِّمًا مَلَائِكِيًّا، وَيَكُونَ لِي فِي الْكِتَابَةِ، وَلِغَيْرِي فِي الْقِرَاءَةِ، وَلِلْجَمِيعِ فِي الْفَهْمِ، وَفِي امْتِلَاكِ الْحِكْمَةِ ذَاتِهَا وَإِرَادَتِهَا وَإِنْجَازِهَا وَتَعْلِيمِهَا لِلْآخَرِينَ وَإِقْنَاعِهِمْ بِهَا، دَلِيلًا وَمُعَلِّمًا، لِأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، حَتَّى نَنْمُوَ فِيهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الْإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ، إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ، إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ — الَّذِي هُوَ حُبُّنَا، وَغَايَتُنَا، وَهَدَفُنَا، وَمُنْتَهَى كُلِّ مَسِيرَتِنَا وَدِرَاسَتِنَا وَحَيَاتِنَا وَأَبَدِيَّتِنَا.
آمِينَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي نَفْعِ أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ وَالْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَثَمَرَتِهِمَا
ثَمَّةَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ خَاصٌّ بِالْيَهُودِ كَمَا لَوْ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِنَفْسِ الْقَدْرِ نَافِعًا أَوْ ضَرُورِيًّا لِلْمَسِيحِيِّينَ؛ وَأَنَّهُ يَكْفِي اللَّاهُوتِيَّ أَنْ يَعْرِفَ الْأَنَاجِيلَ، وَأَنْ يَقْرَأَ الرَّسَائِلَ وَيَفْهَمَهَا. هَذَا الِاقْتِنَاعُ، لِأَنَّهُ عَمَلِيٌّ، فَهُوَ ضَلَالٌ عَمَلِيٌّ؛ فَلَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لَكَانَ هَرْطَقَةً؛ وَكِلَاهُمَا مُضِرٌّ، وَكِلَاهُمَا يَجِبُ اسْتِئْصَالُهُ.
الْهَرْطَقَاتُ الَّتِي حَظَرَتِ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ
٥١. كَانَتْ هَذِهِ هَرْطَقَةَ سِيمُونَ السَّاحِرِ وَأَتْبَاعِهِ، ثُمَّ مَرْقِيُونَ، وَكُورْبِيكُوسَ الْفَارِسِيِّ (الَّذِي سَمَّاهُ أَهْلُهُ مَانِي وَمَانِيكِيُوسْ، أَيْ سَاكِبَ الْمَنِّ، تَكْرِيمًا لَهُ)، وَالْأَلْبِيجِنْسِيِّينَ، وَمُؤَخَّرًا اللِّيبِرْتِينِيِّينَ، وَبَعْضِ قَائِلِي الْمَعْمُودِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا، الَّذِينَ حَظَرُوا الْعَهْدَ الْقَدِيمَ مَعَ مُوسَى — لَكِنْ لِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَسِيمُونُ وَالْمَانَوِيُّونَ وَالْمَرْقِيُونِيُّونَ عَلَّمُوا أَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ صَنَعَتْهُ قُوَّةٌ شِرِّيرَةٌ وَمَلَائِكَةُ سُوءٍ: فَهَذَا الْعَهْدُ، كَمَا يَقُولُونَ، يَصِفُ إِلَهًا سَكَنَ فِي الظُّلُمَاتِ مُنْذُ الْأَزَلِ قَبْلَ النُّورِ، وَنَهَى الْإِنْسَانَ عَنِ الْأَكْلِ مِنْ شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَاخْتَبَأَ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، وَاحْتَاجَ إِلَى مَلَائِكَةٍ حُرَّاسٍ لِلْفِرْدَوْسِ، وَاضْطَرَبَ بِالْغَضَبِ وَالْغَيْرَةِ بَلْ بِالْحَسَدِ — غَضُوبٌ، مُنْتَقِمٌ، جَاهِلٌ، يَسْأَلُ: «آدَمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟» أَمَّا اللِّيبِرْتِينِيُّونَ فَقَدْ جَعَلُوا لَا النَّصَّ، بَلْ عَقْلَهُمْ وَمَيْلَهُمْ، دَلِيلَ الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ. وَأَمَّا قَائِلُو الْمَعْمُودِيَّةِ الثَّانِيَةِ فَيَتَفَاخَرُونَ بِأَنَّهُمْ يَتَحَرَّكُونَ وَيُعَلَّمُونَ بِحَمَاسَةِ الرُّوحِ. إِنَّ عَصْرَنَا هَذَا — الَّذِي شَهِدَ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ الْفَظَائِعِ — قَدْ شَهِدَ مُهَوِّسًا أَخْرَجَ إِلَى النُّورِ ثُلَاثِيًّا مِنَ التَّجْدِيفِ عَنِ الْمُحْتَالِينَ الثَّلَاثَةِ فِي الْعَالَمِ: مُوسَى وَالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ (أَقْشَعِرُّ مِنَ الْمُتَابَعَةِ).
وَالِاقْتِنَاعُ الْأَكْثَرُ احْتِمَالًا هُوَ اقْتِنَاعُ مَنْ بَيْنَ أَهْلِنَا يَتَعَلَّلُونَ إِمَّا بِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوِ الْمَشَقَّةِ، أَوْ عَدَمِ الْجَدْوَى، عُذْرًا لِإِهْمَالِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ؛ لَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يُخْطِئُونَ، وَضَلَالُ الْجَمِيعِ يَؤُولُ إِلَى الشَّيْءِ ذَاتِهِ فِي النِّهَايَةِ — ضَلَالٌ، أَقُولُ، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ مُوسَى، وَالْأَنْبِيَاءَ، وَالرُّسُلَ، وَحِسَّ الْكَنِيسَةِ، وَالآبَاءَ، وَالْعَقْلَ، وَالْمَسِيحَ، وَاللهَ الآبَ وَالرُّوحَ الْقُدُسَ.
حُجَجٌ لِصَالِحِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ
مَعَ مُوسَى، سِفْرُ التَّثْنِيَةِ ١٧: ٨: «إِذَا قَالَ، رَأَيْتَ أَنَّ حُكْمًا صَعْبًا وَمُلْتَبِسًا قَدْ نَشَأَ بَيْنَكُمْ، إِلَخْ، فَافْعَلُوا مَا يَقُولُهُ الَّذِينَ يَتَرَأَّسُونَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّبُّ، وَمَا يُعَلِّمُونَكُمْ إِيَّاهُ بِحَسَبِ شَرِيعَتِهِ.» مَنْ لَا يَرَى هُنَا أَنَّ الْخِلَافَاتِ حَوْلَ الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ وَالطُّقُوسِ، الْجَدِيدَةَ مِنْهَا وَالْقَدِيمَةَ، يَجِبُ أَنْ تُحْكَمَ بِشَرِيعَةِ اللهِ، وَأَنَّ الْكَهَنَةَ وَاللَّاهُوتِيِّينَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَخْدِمُوا الشَّرِيعَةَ مِحَكًّا لِيدِيًّا لِحَسْمِهَا؟ إِذَنْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِانْكِبَابُ عَلَى الشَّرِيعَةِ، الْقَدِيمَةِ مِنْهَا وَالْجَدِيدَةِ.
مَعَ الْأَنْبِيَاءِ. فَإِشَعْيَاءُ، الْإِصْحَاحُ ٨، الْآيَةُ ٢٠، يَصْرُخُ: «إِلَى الشَّرِيعَةِ بِالْأَحْرَى وَإِلَى الشَّهَادَةِ.» وَمَلَاخِي، الْإِصْحَاحُ ٢، الْآيَةُ ٧: «شَفَتَا الْكَاهِنِ تَحْفَظَانِ الْمَعْرِفَةَ، وَمِنْ فَمِهِ يَطْلُبُونَ الشَّرِيعَةَ.» وَدَاوُدُ، الْمَزْمُورُ ١١٨: ٢: «طُوبَى لِلَّذِينَ يَبْحَثُونَ فِي شَهَادَاتِهِ.» وَالْآيَةُ ١٨: «اكْشِفْ عَيْنَيَّ فَأُعَايِنَ عَجَائِبَ شَرِيعَتِكَ.»
مَعَ الرُّسُلِ. «عِنْدَنَا،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ، الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ، الْإِصْحَاحُ ١، الْآيَةُ ١٩، «الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ الْأَوْثَقُ، الَّتِي تُحْسِنُونَ إِذْ تَنْتَبِهُونَ إِلَيْهَا كَسِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ.» وَبُولُسُ يُثْنِي عَلَى تِيمُوثَاوُسَ، الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ، الْإِصْحَاحُ ٣، الْآيَةُ ١٤، لِأَنَّهُ مُنْذُ طُفُولَتِهِ تَعَلَّمَ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ (الْقَدِيمَةَ طَبْعًا، إِذْ لَمْ تَكُنْ سِوَاهَا مَوْجُودَةً آنَذَاكَ)، «الَّتِي تَقْدِرُ،» يَقُولُ، «أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ، بِالْإِيمَانِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ وَالتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ.»
مَعَ الْمَسِيحِ. «فَتِّشُوا الْكُتُبَ،» يَقُولُ، يُوحَنَّا ٥: ٣٩. لَمْ يَقُلْ، كَمَا يُعَلِّقُ الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، «اقْرَؤُوا الْكُتُبَ،» بَلْ «فَتِّشُوا» — أَيْ بِالْجُهْدِ وَالِاجْتِهَادِ اسْتَخْرِجُوا كُنُوزَ الْكُتُبِ الْمَخْفِيَّةَ، كَمَنْ يُفَتِّشُونَ بِاجْتِهَادٍ عَنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي عُرُوقِ الْمَعَادِنِ.
٥٣. مَعَ حِسِّ الْكَنِيسَةِ. فَإِنَّهَا فِي الطُّقُوسِ الْمُقَدَّسَةِ، وَعَلَى الْمَوَائِدِ، وَفِي الْمَكْتَبَاتِ، وَعَلَى الْكَرَاسِيِّ الْأُسْتَاذِيَّةِ، تَعْرِضُ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَتُقَدِّمُهُ بِالتَّسَاوِي مَعَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، بِوَصْفِهَا حَارِسَتَهُمَا الْأَمِينَةَ. وَهِيَ، فِي مَجْمَعِ تْرِنْتُ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ بِأَكْمَلِهِ عَنِ الْإِصْلَاحِ، تَأْمُرُ بِأَنْ تُسْتَعَادَ الْقِرَاءَةُ الدَّائِمَةُ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَتُؤَسَّسَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَهِيَ تُلْزِمُ الْأَسَاقِفَةَ، بِوَصْفِهِمْ أَسَاقِفَةَ الْكَنِيسَةِ الْمُسْتَقْبَلِيِّينَ، قَبْلَ الرِّسَامَةِ، بِأَنْ يَتَعَهَّدُوا بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ — وَهَذَا الْجَوَابُ وَالتَّعَهُّدُ، وَإِنْ خَفَّفَ مِنْهُ سِيلْفِسْتِرُ وَآخَرُونَ بِتَفْسِيرٍ أَلْطَفَ، إِلَّا أَنَّ وَرَعًا قَدْ حَقَنَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَكْثَرِ حِكْمَةً، مِمَّنْ وَزَنُوا الْأَلْفَاظَ ذَاتَهَا بِدِقَّةٍ، فَرَفَضُوا لِهَذَا السَّبَبِ الْأُسْقُفِيَّةَ لِئَلَّا يُلْزِمُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَعَهُّدٍ كَاذِبٍ.
مَعَ الآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. فَلِأَيِّ غَرَضٍ حَفِظَ الثَّالُوثُ الْأَقْدَسُ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ طَوَالَ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، سَلِيمًا وَتَامًّا، عَبْرَ عَوَاصِفِ حُرُوبٍ وَمَمَالِكَ لَا تُحْصَى — إِلَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ نَقْرَأَهُ، كَمَا فِي يَشُوعَ الْإِصْحَاحُ ١، الْآيَةُ ٨: «لَا يَبْرَحْ سِفْرُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ،» يَقُولُ، «بَلْ تَتَأَمَّلُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلًا.» لِأَيِّ غَرَضٍ عَاقَبَ مَنْ دَنَّسُوهُ بِانْتِقَامٍ صَارِمٍ؟
يَرْوِي يُوسِيفُوسُ وَأَرِيسْتَاسُ، فِي كِتَابِ عَنِ السَّبْعِينَ مُتَرْجِمًا، أَنَّ ثِيُوبُومْبُوسَ الشَّهِيرَ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُزَيِّنَ شَيْئًا مِنَ الْمُجَلَّدَاتِ الْعِبْرِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْكَلَامِ الْيُونَانِيِّ، ضُرِبَ بِاضْطِرَابِ الْعَقْلِ وَتَشَوُّشِهِ، وَأُرْغِمَ عَلَى التَّرَاجُعِ عَنْ مَسْعَاهُ. وَحِينَ سَأَلَ اللهَ فِي صَلَاتِهِ لِمَاذَا حَدَثَ لَهُ ذَلِكَ، تَلَقَّى جَوَابًا إِلَهِيًّا: لِأَنَّهُ دَنَّسَ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ. وَأَنَّ ثِيُودِيكْتِيسَ، كَاتِبَ الْمَآسِي، حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ بَعْضَ مَا فِي أَسْفَارِ الْيَهُودِ إِلَى عَمَلٍ مَسْرَحِيٍّ، دَفَعَ ثَمَنَ هَذِهِ الْجُرْأَةِ بِالْعَمَى: إِذْ ضُرِبَ فِي الْحَالِ، وَحُرِمَ وَسُلِبَ بَصَرَهُ — حَتَّى أَدْرَكَ كِلَاهُمَا ذَنْبَ جُرْأَتِهِمَا، فَتَابَا عَمَّا فَعَلَاهُ وَنَالَا الْغُفْرَانَ مِنَ اللهِ، فَرُدَّ لِأَحَدِهِمَا بَصَرُهُ وَلِلآخَرِ عَقْلُهُ.
تَرْجَمَةُ السَّبْعِينَ وَالْمُتَرْجِمُونَ الْيُونَانِيُّونَ
لِأَيِّ غَرَضٍ، قَبْلَ الْمَسِيحِ بِمِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، أَلْهَمَ بَطْلَيْمُوسَ فِيلَادِلْفُوسَ، ابْنَ بَطْلَيْمُوسَ لَاغُوسَ (الَّذِي خَلَفَ أَخَاهُ الْإِسْكَنْدَرَ الْأَكْبَرَ فِي مُلْكِ مِصْرَ)، أَنْ يَخْتَارَ، بِوَاسِطَةِ أَلِعَازَارَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، سِتَّةً مِنْ أَعْلَمِ رِجَالِ كُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِ الْعِبْرَانِيِّينَ — أَيْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مُتَرْجِمًا — لِيَنْقُلُوا الْعَهْدَ الْقَدِيمَ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى الْيُونَانِيَّةِ، وَأَعَانَهُمْ فَأَتَمُّوا الْعَمَلَ فِي سَبْعِينَ يَوْمًا بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ التَّامِّ، وَاتَّفَقُوا لَا فِي الْمَعَانِي ذَاتِهَا فَحَسْبُ بَلْ فِي الْأَلْفَاظِ ذَاتِهَا أَيْضًا — وَهَذَا، إِنْ صَدَّقْنَا يُوسْتِينُوسَ وَكِيرِلُّسَ وَإِكْلِيمَنْضَ الْإِسْكَنْدَرِيَّ وَأُغُسْطِينُوسَ، حِينَ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَصُوغُ تَرْجَمَتَهُ عَلَى حِدَةٍ فِي حُجْرَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؟ لِأَيِّ غَرَضٍ رَتَّبَ فِيلَادِلْفُوسُ أَنْ تُودَعَ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ، بِوَاسِطَةِ دِيمِتْرِيُوسَ رَئِيسِ مَكْتَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مَعَ الْمَخْطُوطَاتِ الْعِبْرِيَّةِ فِي مَكْتَبَتِهِ، وَأَنْ تُحْفَظَ بِعِنَايَةٍ؟ بَلْ يَشْهَدُ تَرْتُلِيَانُوسُ فِي كِتَابِهِ الدِّفَاعِيِّ أَنَّهَا حُفِظَتْ هُنَاكَ حَتَّى عَصْرِهِ هُوَ. وَاضِحٌ أَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ تُعْهَدَ هَذِهِ الْأُمُورُ إِلَى الْأُمَمِ الْيُونَانِيَّةِ، وَمِنْ خِلَالِهِمْ إِلَى اللَّاتِينِيِّينَ — إِلَيْنَا، أَقُولُ، وَإِلَى لَاهُوتِيِّينَا — وَأَنْ تُوَزَّعَ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، فِي الْجَامِعَاتِ وَالْمُدُنِ.
٥٤. لِأَيِّ غَرَضٍ، بَعْدَ الْمَسِيحِ، أَعْطَى أَوْ أَعَدَّ الْعَدِيدَ مِنَ الْمُتَرْجِمِينَ الآخَرِينَ وَالشُّهُودِ وَالْحُرَّاسِ لِنَفْسِ الْكِتَابِ الْقَدِيمِ؟ الْمُتَرْجِمُ الثَّانِي لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ بَعْدَ السَّبْعِينَ، بِحَسَبِ أَبِيفَانِيُوسَ، كَانَ أَكِيلَا الْبُنْطِيَّ، الَّذِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ هَادْرِيَانُوسَ تَرْجَمَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ الْعِبْرِيَّ إِلَى الْيُونَانِيَّةِ؛ لَكِنْ لِأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الْمَسِيحِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ، فَإِنَّ أَمَانَتَهُ لَيْسَتْ جَدِيرَةً بِالثِّقَةِ الْكَافِيَةِ.
وَبَعْدَهُ جَاءَ ثِيُودُوتِيُونُ بِأَمَانَةٍ أَكْبَرَ، وَهُوَ يَهُودِيٌّ مُهْتَدٍ كَانَ سَابِقًا مَرْقِيُونِيًّا، فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ كُومُودُوسَ، وَقَدْ تَبَنَّتِ الْكَنِيسَةُ تَرْجَمَتَهُ فِي سِفْرِ دَانِيَالَ وَتَتْبَعُهَا. وَالرَّابِعُ، فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ سِيفِيرُوسَ، كَانَ سِيمَاخُوسَ، أَبْيُونِيًّا أَوَّلًا ثُمَّ يَهُودِيًّا. وَالْخَامِسُ كَانَ مُتَرْجِمًا مَجْهُولًا وُجِدَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي جِرَارٍ مُعَيَّنَةٍ فِي مَدِينَةِ أَرِيحَا، فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ عَهْدِ كَارَاكَلَّا، الَّذِي خَلَفَ أَبَاهُ سِيفِيرُوسَ. وَالسَّادِسُ كَانَ كَذَلِكَ مُتَرْجِمًا مَجْهُولًا، وُجِدَ بِالْمِثْلِ فِي جِرَارٍ فِي نِيكُوبُولِيسَ، فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ الْإِسْكَنْدَرِ ابْنِ مَامِيَا. وَهَذَانِ يُعْرَفَانِ عَادَةً بِالطَّبْعَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ.
جَمَعَ أُورِيجَانُوسُ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا وَرَتَّبَ مِنْهُمْ أَعْمَالَهُ الرُّبَاعِيَّةَ وَالسُّدَاسِيَّةَ وَالثُّمَانِيَّةَ؛ وَصَحَّحَ أَيْضًا تَرْجَمَةَ السَّبْعِينَ الْمُحَرَّفَةَ، وَأَحْسَنَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قُبِلَتْ طَبْعَتُهُ مِنَ الْجَمِيعِ وَاعْتُبِرَتْ وَسُمِّيَتْ «الْعَامَّةَ». وَالسَّابِعُ كَانَ الْقِدِّيسَ لُوقِيَانُوسَ، الْكَاهِنَ وَالشَّهِيدَ، فِي عَهْدِ دِيُوقْلِتْيَانُوسَ، الَّذِي تَوَلَّى طَبْعَةً جَدِيدَةً مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى الْيُونَانِيَّةِ.
وَأَخِيرًا، الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، شَمْسُ الْكَنِيسَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، بِأَمْرِ الطُّوبَاوِيِّ دَامَاسُوسَ، تَرْجَمَ الْكِتَابَ الْقَدِيمَ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ، وَتَرْجَمَتُهُ الْمُسَمَّاةُ الآنَ الْفُولْغَاتَا مُنْذُ أَلْفِ سَنَةٍ، تَتْبَعُهَا الْكَنِيسَةُ عَلَنًا وَتُقِرُّهَا، مَعَ اسْتِثْنَاءَاتٍ قَلِيلَةٍ. لِأَيِّ غَرَضٍ، أَسْأَلُ، دَبَّرَ اللهُ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بِكُلِّ هَذَا الْجُهْدِ وَالْعِنَايَةِ، إِلَّا لِيُسَلِّمَنَا هَذَا الْكَنْزَ الْمُقَدَّسَ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، صَافِيًا، لِلْقِرَاءَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالدِّرَاسَةِ؟
دِفَاعُ الْآبَاءِ عَنِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ
٥٥. يُنَاقِضُ هَذَا الِاقْتِنَاعُ الآبَاءَ؛ فَقَدْ كَتَبَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، دِفَاعًا عَنْ حَقِيقَةِ أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ وَالْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَفَائِدَتِهِمَا، مَا لَا يَقِلُّ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ كِتَابًا ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ، وَكِتَابَيْنِ آخَرَيْنِ ضِدَّ خَصْمِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ. وَكَتَبَ تَرْتُلِيَانُوسُ لِنَفْسِ الْقَضِيَّةِ أَرْبَعَةَ كُتُبٍ ضِدَّ مَرْقِيُونَ. وَقَدِ اجْتَهَدَ الْجَمِيعُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ فِي نَشْرِ كُتُبِهِ وَتَفْسِيرِهَا. وَكَتَبَ بَاسِيلِيُوسُ وَتَابِعُهُ أَوْ مُفَسِّرُهُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ كُتُبَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ عَنِ التَّكْوِينِ وَالْمَزَامِيرِ وَإِشَعْيَاءَ. وَكَتَبَ أُورِيجَانُوسُ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ كِتَابًا عَنِ التَّكْوِينِ، وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عِظَةً.
وَعَنْ أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ كَتَبَ كِيرِلُّسُ سَبْعَةَ عَشَرَ كِتَابًا فِي السُّجُودِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ؛ وَمِنْهَا نَشَرَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَبِيدَا وَبْرُوكُوبِيُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ مَسَائِلَ وَعِبَارَاتٍ. وَعَنْ حَقٍّ: فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ٤٤، إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بَحْرٌ، يَحْوِي فِي ذَاتِهِ مَعَانِيَ عَمِيقَةً وَعُمْقَ الْأَلْغَازِ النَّبَوِيَّةِ، أَيْ أَلْغَازَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي مُقَدِّمَةِ الرِّسَالَةِ إِلَى أَفَسُسَ، عَنْ دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: «لَمْ أَكُفَّ قَطُّ،» يَقُولُ، «مُنْذُ حَدَاثَتِي عَنِ الْقِرَاءَةِ، أَوْ عَنِ اسْتِفْسَارِ الْعُلَمَاءِ عَمَّا أَجْهَلُهُ؛ وَلَمْ أَجْعَلْ نَفْسِي قَطُّ (كَمَا يَفْعَلُ أَكْثَرُهُمْ) أُسْتَاذَ ذَاتِي. وَأَخِيرًا، مُؤَخَّرًا جِدًّا، لِهَذَا السَّبَبِ فَوْقَ كُلِّ سَبَبٍ، ذَهَبْتُ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِأَرَى دِيدِيمُوسَ وَأَسْتَشِيرَهُ فِي جَمِيعِ الشُّكُوكِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدِي فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ.» وَيُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ عِلْمِ الْمَسِيحِيِّ، الْفَصْلُ السَّادِسُ، أَنَّ الْعِنَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ قَضَتْ بِأَنَّ دِرَاسَةَ هَذَا الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْمُعَقَّدِ وَالصَّعْبِ تَرُدُّ الْإِنْسَانَ عَنِ الْكِبْرِيَاءِ وَعَنِ السَّأَمِ مَعًا. «عَجِيبٌ،» يَقُولُ ذَاتُهُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ، الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ، «هُوَ عُمْقُ أَقْوَالِكَ يَا رَبُّ، الَّتِي هَا سَطْحُهَا أَمَامَنَا يَتَمَلَّقُ الصِّغَارَ؛ لَكِنَّ عُمْقَهَا عَجِيبٌ، يَا إِلَهِي، عُمْقٌ عَجِيبٌ؛ رَهْبَةٌ هِيَ التَّحْدِيقُ فِيهِ: رَهْبَةُ إِكْرَامٍ، وَارْتِعَادُ مَحَبَّةٍ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا فِي الرِّسَالَةِ ١١٩: «أَنَا،» يَقُولُ، «فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ ذَاتِهَا، أَعْرِفُ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا أَعْرِفُهُ.»
وَخِتَامًا لِهَذَا الْمَوْضُوعِ، قَدَّمَ لَنَا الْقِدِّيسُ تُومَا، أَمِيرُ الْمَدْرَسِيِّينَ، مَثَلًا بَاهِرًا عَلَى أَنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَقْرِنَ اللَّاهُوتَ الْمَدْرَسِيَّ بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قِرَانًا لَا يَنْفَصِلُ، كَأَنَّهُمَا أُخْتَانِ. فَكُلُّكُمْ تَعْرِفُونَ مَا كَانَ حُبُّهُ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَمَا كَانَ اجْتِهَادُهُ، وَمَا كَانَتْ صَلَوَاتُهُ، وَمَا كَانَ صَوْمُهُ، وَمَا كَانَتْ تَفَاسِيرُهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَنَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ وَأَيُّوبَ وَسَائِرِ كُتُبِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ: وَمِنْ بَيْنِهَا تَفَاسِيرُهُ عَلَى سِفْرِ التَّكْوِينِ هَذَا (إِنْ كَانَتْ لَهُ حَقًّا، وَعَنْ ذَلِكَ سَأَتَحَدَّثُ لَاحِقًا) بَارِزَةٌ وَعَالِمَةٌ.
أَمْثِلَةٌ مِنَ الْقِدِّيسِينَ فِي دِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ
وَأَوَّلُ مَنْ فِي عَائِلَتِهِ، الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ الْبَادُوِيُّ، بَيْنَمَا كَانَ الْقِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ نَفْسُهُ لَا يَزَالُ حَيًّا وَنَاظِرًا، عَلَّمَ هَذِهِ الْكُتُبَ، رَجُلٌ ضَلِيعٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قَدِيمِهِ وَجَدِيدِهِ حَتَّى أَنَّهُ حِينَ وَعَظَ أَمَامَ الْحَبْرِ الْأَعْظَمِ، حَيَّاهُ بِلَقَبِ تَابُوتِ الْعَهْدِ. وَأَتَجَاوَزُ الْقِدِّيسَ بَرْنَارْدُوسَ، الَّذِي مَهْمَا قَالَ، يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ وَأَتَجَاوَزُ الطُّوبَاوِيَّ أَلْفُونْسُو تُوسْتَادُو، أُسْقُفَ أَبِلَةَ، الَّذِي فِي هَذَا الْعَشْرِيَّاتِ الْأَسْفَارِ وَفِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ تَارِيخِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، أَلَّفَ مُجَلَّدَاتٍ ضَخْمَةً حَقًّا، بِحُكْمٍ ثَاقِبٍ وَاجْتِهَادٍ، بِحَيْثُ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِي، أَنَا الَّذِي تَصَفَّحْتُهُ سَابِقًا وَالآنَ أُعِيدُ قِرَاءَتَهُ بِتَمَعُّنٍ أَكْبَرَ، لَا يَجْلِبُ مَشَقَّةً أَقَلَّ مِنَ الْفَائِدَةِ.
الْقِدِّيسُ إِدْمُونْدُ، رَئِيسُ أَسَاقِفَةِ كَانْتِرْبَرِي، فِي سَنَةِ الْخَلَاصِ ١٢٤٧، أَمْضَى أَيَّامَهُ وَلَيَالِيَهُ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، يَسْهَرُ اللَّيَالِيَ ذَاتَهَا، بِتَقْوًى بَالِغَةٍ حَتَّى أَنَّهُ كُلَّمَا فَتَحَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ، كَرَّمَهُ أَوَّلًا بِقُبْلَةٍ. وَمِنْ أَخْبَارِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْجَدِيرَةُ بِالذِّكْرِ: بَيْنَمَا كَانَ فِي سَفَارَةٍ، يَقْرَأُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَيْلًا كَعَادَتِهِ، غَلَبَهُ النَّوْمُ؛ فَسَقَطَتِ الشَّمْعَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَالْتَهَمَتْهُ النَّارُ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ تَنَهَّدَ ظَانًّا أَنَّ الْكِتَابَ قَدِ احْتَرَقَ، وَنَفَضَ الرَّمَادَ الْمُلْتَصِقَ بِالْكِتَابِ، فَإِذَا بِهِ يَعْجَبُ مِنَ الْمُصْحَفِ سَالِمًا تَمَامًا وَغَيْرَ مُتَضَرِّرٍ.
الْقِدِّيسُ كَارْلُوسْ بُورُومِيُوسْ كَانَ يُقِيمُ دَائِمًا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كَأَنَّهُ فِي فِرْدَوْسِ الْمَسَرَّاتِ، وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ الْأُسْقُفَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَدِيقَةٍ، بَلْ حَدِيقَتُهُ هِيَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ.
٥٦. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا رَأْيَ عَصْرِ الآبَاءِ الْقَدِيمِ وَحْدَهُ، بَلْ أَيْضًا هَذِهِ الْقُرُونِ، حِينَ كَانَ اللَّاهُوتُ الْمَدْرَسِيُّ قَدْ ازْدَهَرَ وَنَمَا بَالْفِعْلِ. الْقِدِّيسُ دُومِينِيكُوسُ، مُعَلِّمُ اللَّاهُوتِ الْمُقَدَّسِ، دَرَسَ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ بِتَكْرَارٍ: فِي رُومَا وَغَيْرِهَا عَلَّمَ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِهِ عَلَنًا: وَمِنْ هُنَا صَارَ أَوَّلَ أُسْتَاذٍ لِلْقَصْرِ الْمُقَدَّسِ؛ وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ لَازَمَ هَذَا الْمَنْصِبُ رَهْبَانِيَّةَ الْوُعَّاظِ. اسْتَمِعْ إِلَى مُؤَلِّفِ سِيرَتِهِ، الْكِتَابُ الرَّابِعُ، الْفَصْلُ الرَّابِعُ، بِأُسْلُوبٍ بَسِيطٍ لَكِنَّهُ جَادٌّ: «لِأَنَّهُ،» يَقُولُ، «بِدُونِ مَعْرِفَةِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ وَاعِظًا كَامِلًا، حَثَّ الْإِخْوَةَ عَلَى أَنْ يَدْرُسُوا دَائِمًا الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ: فَقَدْ كَانَ يَسْتَخِفُّ بِخُرَافَاتِ الْفَلَاسِفَةِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الْإِخْوَةُ الْمُرْسَلُونَ لِلْوَعْظِ يَحْمِلُونَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فَقَطْ، وَقَدْ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى التَّوْبَةِ.»
وَالْقِدِّيسُ فِنْسِنْتُ فِرِّيرُ، الَّذِي فِي ذَاكِرَةِ أَجْدَادِنَا الْأَكْبَرِينَ، مُتَجَوِّلًا فِي إِيطَالِيَا وَفَرَنْسَا وَأَلْمَانِيَا وَإِنْكِلْتِرَا وَإِسْبَانِيَا، رَدَّ مِئَةَ أَلْفِ شَخْصٍ عَلَى الْأَقَلِّ، كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ لِلْوَعْظِ بَرِيفِيَارِيًّا وَاحِدًا وَالْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فَقَطْ.
الْقِدِّيسُ يُورْدَانُوسُ، الْعَالِمُ حَقًّا، ثَانِي رَئِيسٍ عَامٍّ لِرَهْبَانِيَّتِهِ بَعْدَ الْقِدِّيسِ دُومِينِيكُوسَ، حِينَ سَأَلَهُ وُعَّاظُهُ «هَلِ الْأَفْضَلُ التَّفَرُّغُ لِلصَّلَاةِ أَمْ لِدِرَاسَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ،» أَجَابَ بِظَرَافَتِهِ الْمَعْهُودَةِ: «أَالْأَفْضَلُ أَنْ تَشْرَبَ دَائِمًا، أَمْ أَنْ تَأْكُلَ دَائِمًا؟ بِالتَّأْكِيدِ، كَمَا يُحْتَاجُ إِلَى كِلَيْهِمَا بِالتَّنَاوُبِ، كَذَلِكَ يَلِيقُ أَنْ تُصَلِّيَ وَتَدْرُسَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِالتَّنَاوُبِ؛» وَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ: «لِتَتْبَعِ الْقِرَاءَةُ الصَّلَاةَ، وَلِتَتْبَعِ الصَّلَاةُ الْقِرَاءَةَ.»
٥٧. وَبِالْمِثْلِ الْقِدِّيسُ فَرَنْسِيسُ، حِينَ سَأَلَهُ أَتْبَاعُهُ، أَذِنَ لَهُمْ بِدِرَاسَةِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، بِشَرْطِ أَلَّا يُطْفِئُوا رُوحَ الصَّلَاةِ وَالتَّقْوَى.
الْكُتَّابُ الْمُقَدَّسُونَ أَقْلَامُ الرُّوحِ الْقُدُسِ
٥٨. وَأَخِيرًا، يُقْنِعُنَا الْعَقْلُ بِفَائِدَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَضَرُورَتِهِ. فَمُوسَى وَدَاوُدُ وَإِشَعْيَاءُ، كَبُطْرُسَ وَبُولُسَ وَيُوحَنَّا، قَدْ أُدْخِلُوا كَأَنَّهُمْ فِي مَجْمَعِ الْمَلَائِكَةِ، وَاسْتَقَوُا الْحِكْمَةَ مِنْ يَنْبُوعِ الْحَقِّ ذَاتِهِ؛ وَكَمَا يَقُولُ بِحَقٍّ الطُّوبَاوِيُّ غْرِيغُورِيُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ، إِنَّ أَلْسِنَةَ هَؤُلَاءِ الْكُتَّابِ الْمُقَدَّسِينَ وَأَيْدِيَهُمْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا آخَرَ سِوَى أَقْلَامِ الرُّوحِ الْقُدُسِ ذَاتِهِ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَا يَبْدُونَ كُتَّابًا مُخْتَلِفِينَ بِقَدْرِ مَا يَبْدُونَ أَقْلَامًا مُخْتَلِفَةً لِكَاتِبٍ وَاحِدٍ: فَيَجِبُ إِذَنْ أَنْ تُنْسَبَ لِمُوسَى نَفْسُ الْحَقِّ وَالسُّلْطَةِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْغَيْرَةِ وَالِاجْتِهَادِ الَّتِي تُنْسَبُ لِبُولُسَ، أَوْ بِالْأَحْرَى لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُتَكَلِّمِ بِمُوسَى وَبِبُولُسَ؛ فَكُلُّ مَا كُتِبَ مِنْهُ، إِنَّمَا كُتِبَ لِتَعْلِيمِنَا. بَلْ قَدْ ضَمَّنَ كُلَّ حِكْمَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ أَوِ النَّافِعَةِ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُبَلِّغَنَا إِيَّاهَا مِنْ هَاوِيَةِ أُلُوهِيَّتِهِ، فِي الْعَهْدَيْنِ مَعًا، الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ. هَذَا الْكِتَابُ كِتَابُ اللهِ، كِتَابُ الْكَلِمَةِ، كِتَابُ الرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ وَلَا فَائِضٌ، بَلْ كَمَا فِي تَنَوُّعِ الْكُتَّابِ، كَذَلِكَ فِي تَنَوُّعِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَفِي أَجْمَلِ انْسِجَامٍ بَيْنَ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، تَتَّفِقُ كُلُّ الْأُمُورِ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، وَتُكْمِلُ وَتُتِمُّ هَذَا الْعَمَلَ الْإِلَهِيَّ كُلَّهُ؛ بِحَيْثُ أَنَّكَ لَوْ أَزَلْتَ جُزْءًا وَاحِدًا، لَبَتَرْتَ الْكُلَّ. فَكَمَا يَجِبُ عَلَى الْفَيْلَسُوفِ أَنْ يُقَلِّبَ كُلَّ أَرِسْطُو، وَعَلَى الطَّبِيبِ جَالِينُوسَ، وَعَلَى الْخَطِيبِ شِيشَرُونَ، وَعَلَى الْفَقِيهِ كُلَّ يُوسْتِنْيَانُوسَ، فَبِالْأَوْلَى كَثِيرًا يَجِبُ عَلَى اللَّاهُوتِيِّ أَنْ يُقَلِّبَ وَيَفْحَصَ وَيُبْلِيَ هَذَا الْكِتَابَ الْإِلَهِيَّ كُلَّهُ؛ وَكَمَا أَنَّ مَنْ يَبْتُرُ الْمِيتَافِيزِيقَا يَبْتُرُ الْفَلْسَفَةَ: كَذَلِكَ مَنْ يَبْتُرُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَبْتُرُ اللَّاهُوتَ: فَكَمَا أَنَّ الْمِيتَافِيزِيقَا تُعْطِي الْفَلْسَفَةَ مَبَادِئَهَا، كَذَلِكَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يُعْطِي اللَّاهُوتَ مَبَادِئَهُ. وَهَذَا هُوَ بِالتَّحْدِيدِ مَا عَنَاهُ الْمَسِيحُ حِينَ قَالَ: «كُلُّ كَاتِبٍ،» أَيْ كُلُّ مُعَلِّمٍ، كُلُّ لَاهُوتِيٍّ، «مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ.»
الْفَوَائِدُ السِّتُّ لِلْعَهْدِ الْقَدِيمِ
الْأُولَى: الْعَهْدُ الْقَدِيمُ يُثَبِّتُ الْإِيمَانَ
٥٩. لَكِنْ لِكَيْ نَضَعَ الْأَمْرَ وَاضِحًا أَمَامَ أَعْيُنِكُمْ، وَنَعُدَّ بَعْضَ أَبْرَزِ ثِمَارِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ: أَوَّلًا، الْعَهْدُ الْقَدِيمُ، كَالْجَدِيدِ، يُثَبِّتُ الْإِيمَانَ. فَمِنْ أَيْنَ، أَسْأَلُكُمْ، نَعْرِفُ بِدَايَةَ الْعَالَمِ وَخَلْقَهُ وَخَالِقَهُ، إِلَّا لِأَنَّنَا بِالْإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعُصُورَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ؟ بِأَيِّ كَلِمَةٍ؟ بِتِلْكَ الَّتِي فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ الْإِصْحَاحُ الْأَوَّلُ: «لِيَكُنْ نُورٌ، لِتَكُنْ أَنْوَارٌ، لِنَصْنَعِ الْإِنْسَانَ،» إِلَخْ. مِنْ أَيْنَ تَعَلَّمْنَا عَنِ النَّفْسِ الْخَالِدَةِ، وَسُقُوطِ الْإِنْسَانِ، وَالْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْكَارُوبِيمِ، وَالْفِرْدَوْسِ، إِلَّا مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ ذَاتِهِ الَّذِي يَرْوِي هَذِهِ الْأُمُورَ؟ يُعَلِّمُ أُوسَابِيُوسُ فِي كِتَابِهِ الْحَادِيَ عَشَرَ بِأَكْمَلِهِ مِنَ التَّهْيِئَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ أَنَّ أَفْلَاطُونَ، الَّذِي اتَّبَعَهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَجَمِيعُ الآبَاءِ قَبْلَهُ بِوَصْفِهِ إِلَهِيًّا فَوْقَ أَرِسْطُو وَسَائِرِ الْفَلَاسِفَةِ — أَفْلَاطُونَ، أَقُولُ، اسْتَقَى تَعَالِيمَهُ عَنِ اللهِ، وَعَنْ كَلِمَةِ اللهِ، وَعَنْ بِدَايَةِ الْعَالَمِ، وَخُلُودِ النَّفْسِ، وَالْقِيَامَةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ وَالدَّيْنُونَةِ، وَالْعُقُوبَاتِ وَالْمُكَافَآتِ، مِنْ مُوسَى. مِنْ أَيْنَ اعْتَرَفْنَا بِعِنَايَةِ اللهِ، إِلَّا مِنْ تَعَاقُبِ هَذِهِ الْعُصُورِ الْكَثِيرَةِ؟ مِنْ أَيْنَ اسْتَخْلَصْنَا تَكَاثُرَ الشُّعُوبِ وَالْمُلُوكِ وَالْمَمَالِكِ، وَالطُّوفَانَ الْعَامَّ لِلْعَالَمِ، وَالْقِيَامَةَ وَرَجَاءَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، إِلَّا مِنَ التَّارِيخِ الْقَدِيمِ، وَمِنْ صَبْرِ أَيُّوبَ وَالْقُدَمَاءِ، وَمِنِ ارْتِحَالِ الآبَاءِ الدَّائِمِ؟ «بِالْإِيمَانِ،» يَقُولُ الرَّسُولُ، «نَزَلَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، شَرِيكَيِ الْمِيعَادِ عَيْنِهِ: لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ ذَاتَ الْأُسُسِ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ.» وَمِنْ هُنَا يُشْحَذُ رَجَاؤُنَا، وَتَرْتَفِعُ هِمَمُنَا، فَيَتَذَكَّرُ الْمَرْءُ أَنَّهُ هُنَا ضَيْفٌ وَغَرِيبٌ، فَيَتَطَلَّعُ إِلَى الْوَطَنِ السَّمَاوِيِّ، وَلَا يَشْتَهِي شَيْئًا فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا يَتَعَجَّبُ مِنْ شَيْءٍ، بَلْ يَطَأُ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَمَيْهِ، وَيَحْسَبُهُ كَالنُّفَايَاتِ، وَمَعَ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ يُرَدِّدُ دَائِمًا لِنَفْسِهِ تِلْكَ الْمَقُولَةَ السُّقْرَاطِيَّةَ: «أَمْشِي فِي الْهَوَاءِ وَأَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ مِنْ فَوْقُ.» أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ؛ أَحْتَقِرُ هَذِهِ الْأَرْضَ، بَلِ السَّمَاءَ ذَاتَهَا وَالشَّمْسَ. إِنَّنِي مَكْتُوبٌ وَارِثًا وَسَيِّدًا لَا لِلْأَرْضِ بَلْ لِلسَّمَاءِ؛ إِلَى هُنَاكَ أَتَّجِهُ بِالْعَقْلِ، وَبِالرَّجَاءِ، وَبِكُلِّ فِكْرٍ، وَأُحَلِّقُ فَوْقَ النُّجُومِ؛ أَنَا مُوَاطِنُ الْقِدِّيسِينَ، وَأَهْلُ بَيْتِ اللهِ، وَسَاكِنُ الْفِرْدَوْسِ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ، بِوَصْفِهِ حَقِيرًا لَا يَلِيقُ بِي، وَضِيعًا وَدَنِيئًا، أَطَؤُهُ بِقَدَمَيَّ.
مَنْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كُلِّهِ يُثَبِّتُ طَبِيعَةَ الْمَلَائِكَةِ وَوَظِيفَتَهُمْ وَحِرَاسَتَهُمْ وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِمْ أَوْضَحَ مِنْ سِفْرِ طُوبِيَّا؟ مَنْ يُثَبِّتُ الْمَطْهَرَ وَالصَّلَوَاتِ مِنْ أَجْلِ الْمَوْتَى أَصْرَحَ مِنْ سِفْرَيِ الْمَكَّابِيِّينَ؟ حَتَّى أَنَّ مُبْتَدِعِينَا، إِذْ لَمْ يَجِدُوا مَفَرًّا آخَرَ، وَقَدْ يَئِسُوا مِنَ الْغَلَبَةِ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ لَا غَالِبُونَ، اسْتَشَاطُوا غَضَبًا فَحَذَفُوهُمَا مِنَ الْقَائِمَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
لَكِنْ بِالْعَكْسِ، كَمْ مِنَ الْهَرْطَقَاتِ تَلْتَمِسُ لِنَفْسِهَا مَلْجَأً فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ؟ فَالْيَهُودُ، مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ٢٣: ١٩، «لَا تُقْرِضْ أَخَاكَ بِرِبًا، بَلِ الْغَرِيبَ،» يَزْعُمُونَ بِعِنَادٍ أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُمَارِسُوا الرِّبَا عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ مَشْرُوعًا. وَالسَّحَرَةُ، فِي الدِّفَاعِ عَنِ السِّحْرِ، يَسْتَشْهِدُونَ وَيَمْدَحُونَ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ شُهُودًا، الَّذِينَ بِقُوَّةِ السِّحْرِ الْمُفَاجِئَةِ حَوَّلُوا الْحَيَّاتِ إِلَى عِصِيٍّ وَالْعِصِيَّ إِلَى حَيَّاتٍ، كَمَا فَعَلَ مُوسَى. وَفِي الدِّفَاعِ عَنِ اسْتِحْضَارِ الْأَرْوَاحِ يَسْتَشْهِدُونَ بِالسَّاحِرَةِ الَّتِي أَقَامَتْ صَمُوئِيلَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، الَّذِي ضَرَبَ شَاوُلَ بِنُبُوءَةٍ صَادِقَةٍ عَنِ الْمَوْتِ وَالْكَارِثَةِ الْوَشِيكَيْنِ. وَفِي الدِّفَاعِ عَنْ قِرَاءَةِ الْكَفِّ يُورِدُونَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ أَيُّوبَ ٣٧: «يَخْتِمُ عَلَى يَدِ كُلِّ إِنْسَانٍ، لِيَعْرِفَ جَمِيعُ النَّاسِ أَعْمَالَهُ.»
كَالْفِينُوسُ، مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَمَرَهُ (شِمْعِي) أَنْ يَلْعَنَ دَاوُدَ،» ٢ مُلُوكٍ ١٦: ١٠، يُثْبِتُ (كَمَا يَظُنُّ) أَنَّ اللهَ هُوَ صَانِعُ الْأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ بَلِ الآمِرُ بِهَا؛ وَمِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ: «أَنَا أُقَسِّي قَلْبَ فِرْعَوْنَ، وَ: لِهَذَا بِعَيْنِهِ أَقَمْتُكَ، لِأُظْهِرَ فِيكَ قُدْرَتِي،» يَبْنِي قَدَرَ الرَّفْضِ الْمُحَتَّمَ؛ وَيُقِيمُ عُبُودِيَّةَ الْإِرَادَةِ مِنْ أَنَّ إِرْمِيَا يَضَعُنَا كَالطِّينِ فِي يَدِ اللهِ كَأَنَّهُ فَخَّارِيٌّ (إِرْمِيَا ١٨: ٦).
وَقَبْلَ سَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَضَعَ اللُّوثَرِيُّونَ السَّاكْسُونِيُّونَ الثَّرْثَارُونَ، فِي مُنَاظَرَةِ رَاتِيسْبُونَ، ثِقَلَ قَضِيَّتِهِمْ كُلَّهُ — لِحَظْرِ التَّقَالِيدِ وَإِقَامَةِ كَلِمَةِ اللهِ وَحْدَهَا حَكَمًا أَخِيرًا فِي خِلَافَاتِ الْإِيمَانِ — عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ٤: ٢: «لَا تَزِيدُوا عَلَى الْكَلَامِ الَّذِي أَنَا أُكَلِّمُكُمْ بِهِ، وَلَا تُنَقِّصُوا مِنْهُ؛» وَالْإِصْحَاحِ ١٢: ٣٢: «مَا أُوصِيكَ بِهِ، إِيَّاهُ فَقَطِ اعْمَلْ لِلرَّبِّ؛ لَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَا تُنَقِّصْ.»
مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي بَيْتِكَ هُنَا؟ كَيْفَ تَجْعَلُ نَفْسَكَ أُضْحُوكَةً لَهُمْ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَضِيحَةٍ لِلْكَنِيسَةِ، إِنْ تَعَثَّرْتَ هُنَا، إِنْ لَمْ تَقْرَأْ هَذِهِ الْأُمُورَ وَتَسْمَعْهَا وَتَتَعَلَّمْهَا، إِنْ لَمْ تَرْجِعْ كَثِيرًا إِلَى الْمَنَابِعِ ذَاتِهَا؟ فَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ يُعَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ ضَرُورِيٌّ. بَلْ إِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا تَعْنِي الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «تْسَافَا»، أَيْ «اللهُ أَمَرَ شِمْعِي»، إِلَخْ، لَنْ يُفْلِتَ مِنْ شِرَاكِ كَالْفِينُوسَ؛ لَكِنَّ مَنْ يَعْرِفُ الِاصْطِلَاحَ الْعِبْرِيَّ، أَيْ أَنَّ «تْسَافَا» تَعْنِي رَتَّبَ وَدَبَّرَ وَهَيَّأَ، وَتَدُلُّ عَلَى كُلِّ عِنَايَةِ اللهِ، الْإِيجَابِيَّةِ مِنْهَا وَالسَّلْبِيَّةِ وَالسَّمَاحِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَنْفُخُ هَذَا السِّلَاحَ كَنَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ. وَسَأُشِيرُ إِلَى اصْطِلَاحَاتٍ عِبْرِيَّةٍ مُمَاثِلَةٍ كَثِيرًا فِي كُلِّ إِصْحَاحٍ، لَنْ تَفْهَمَهَا أَبَدًا إِلَّا مِنَ اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ.
الثَّانِيَةُ: غِنَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ
٦٠. هَذِهِ الْفَائِدَةُ الْأُولَى لِلْكِتَابِ الْقَدِيمِ مُزْدَوِجَةٌ: وَالثَّانِيَةُ لَا تَقِلُّ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ أَغْنَى بِكَثِيرٍ مِنَ الْجَدِيدِ. تَرَى أَخْلَاقِيَّاتٍ غَنِيَّةً فِي سِفْرِ الْأَمْثَالِ وَالْجَامِعَةِ وَابْنِ سِيرَاخَ: وَسِيَاسَةً بَدِيعَةً فِي أَعْمَالِ مُوسَى وَقَوَانِينِهِ الْقَضَائِيَّةِ وَالطَّقْسِيَّةِ، الَّتِي اقْتَبَسَتْ مِنْهَا الْكَنِيسَةُ الْكَثِيرَ، وَكَذَلِكَ مُؤَلِّفُو الْقَانُونِ الْكَنَسِيِّ؛ وَبَعْضَ مَسَائِلِ الْقَانُونِ الْمَدَنِيِّ أَيْضًا: وَنُبُوءَاتٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ؛ وَعِظَاتٍ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ؛ وَمَا يَهُمُّنَا الآنَ، تَارِيخًا مِنْ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ حَتَّى أَزْمِنَةِ الْقُضَاةِ وَالْمُلُوكِ وَالْمَسِيحِ — يَقِينِيًّا جِدًّا، مُنَظَّمًا جِدًّا، مُتَنَوِّعًا جِدًّا، وَمُمْتِعًا جِدًّا — تَرَاهُ فِي عَشْرِيَّاتِ الْأَسْفَارِ.
هُنَاكَ شَرِيعَةٌ رُبَاعِيَّةٌ: شَرِيعَةُ الْبَرَاءَةِ، وَشَرِيعَةُ الطَّبِيعَةِ، وَالْمُوسَوِيَّةُ، وَالْإِنْجِيلِيَّةُ: الثَّلَاثُ الْأُولَى وَتَارِيخُهَا تَشْمَلُهَا أَسْفَارُ مُوسَى الْخَمْسَةُ. «التَّكْوِينُ،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْمُدَرَّعَةِ، «هُوَ السِّفْرُ الَّذِي فِيهِ نَقْرَأُ خَلْقَ الْعَالَمِ، وَأَصْلَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، وَتَقْسِيمَ الْأَرْضِ، وَبَلْبَلَةَ الْأَلْسُنِ وَالشُّعُوبِ، حَتَّى خُرُوجِ الْعِبْرَانِيِّينَ.»
الْمُؤَرِّخُونَ اللَّاتِينِيُّونَ وَالْيُونَانِيُّونَ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ يُلَفِّقُونَ حِكَايَاتٍ عَنْ طُوفَانِ دِيُوكَالِيُونَ، وَعَنْ بْرُومِيثِيُوسَ، وَعَنْ هِرَقْلَ؛ وَفِي كُلِّ التَّارِيخِ الدُّنْيَوِيِّ، كُلُّ مَا قَبْلَ الْأُولِمْبِيَاذَاتِ مُفْعَمٌ بِظُلْمَةِ الْجَهْلِ وَالْأَسَاطِيرِ. لَكِنَّ الْأُولِمْبِيَاذَاتِ بَدَأَتْ إِمَّا فِي بِدَايَةِ مُلْكِ يُوثَامَ، أَوْ فِي نِهَايَةِ مُلْكِ عُزِّيَّا، أَيْ بَعْدَ الْأَلْفِ الثَّالِثِ مِنْ خَلْقِ الْعَالَمِ وَأَكْثَرَ: بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ لَكَ خِلَالَ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ تَارِيخٌ مُؤَكَّدٌ لِلْعَالَمِ إِلَّا هَذَا التَّارِيخُ الْوَحِيدُ لِمُوسَى وَالْعِبْرَانِيِّينَ. وَالتَّارِيخُ حَقًّا هُوَ مُعَلِّمُ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ وَدَلِيلُهَا وَنُورُهَا، تَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ تَتَبَيَّنَ كَمَا فِي مِرْآةٍ صُعُودَ الْمَمَالِكِ وَالدُّوَلِ وَالْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ وَسُقُوطَهَا وَانْحِدَارَهَا، وَالْفَضَائِلَ وَالرَّذَائِلَ، وَتَتَعَلَّمَ كُلَّ حِكْمَةٍ وَطَرِيقَ السَّعَادَةِ بِمَثَلِ غَيْرِكَ، سَوَاءٌ فِي الْحَظِّ السَّعِيدِ أَوِ الْعَسِيرِ.
وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَيِّ تَارِيخٍ، بَلْ وَلَا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ وَبُطُولِيَّةٌ لِكُلِّ فَضِيلَةٍ كَمَا فِي أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ وَالْعَهْدِ الْقَدِيمِ.
٦١. يُمَجِّدُ الرُّومَانُ أُولَئِكَ التُّجَّارَ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَجْدِ، الَّذِينَ تَلْتَفُّ حَوْلَ ظِلَالِهِمُ الشَّمْعِيَّةِ — أَيْ أَقْنِعَتِهِمْ — أَغْصَانُ اللَّبْلَابِ، بَيْنَمَا أَجْسَادُهُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ تَلْحَسُهَا وَتُفْنِيهَا النَّارُ الْأَبَدِيَّةُ. يُمَجِّدُونَ آلَ مَانْلِيُوسْ تُورْكُوَاتُوسْ، الَّذِينَ ضَرَبُوا بِالسَّيْفِ أَبْنَاءَهُمْ حِينَ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ خِلَافًا لِأَوَامِرِ الْقَائِدِ وَالْأَبِ، رَغْمَ أَنَّهُمْ أَحْرَزُوا النَّصْرَ، حِفَاظًا عَلَى الِانْضِبَاطِ الْعَسْكَرِيِّ. لَكِنْ مَنْ يُحِبُّ أَوَامِرَ مَانْلِيُوسَ؟ يُمَجِّدُونَ يُونِيُوسَ بْرُوتُوسَ، مُنْتَقِمَ الْحُرِّيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، أَوَّلَ قُنْصُلٍ، الَّذِي جَلَدَ أَبْنَاءَهُ وَأَبْنَاءَ أَخِيهِ بِالسِّيَاطِ ثُمَّ قَطَعَ رُؤُوسَهُمْ بِالْفَأْسِ، لِأَنَّهُمْ تَآمَرُوا مَعَ آلِ أَكِيلِيُوسَ وَآلِ فِيتِيلِيُوسَ لِإِعَادَةِ آلِ تَارْكِينِيُوسَ إِلَى الْمَدِينَةِ: أَبٌ شَقِيٌّ وَمَخْزِيٌّ بِمِثْلِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ. مَنْ لَا يُفَضِّلُ الثَّنَاءَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، ذَيْنِكَ الْبَرِيئَيْنِ، اللَّذَيْنِ عَزَمَا عَلَى خَتْمِ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ للهِ بِذَبْحِ الْأَبِ وَقُرْبَانِهِ، وَالْأُمِّ الْمَكَّابِيَّةِ الَّتِي قَدَّمَتْ نَفْسَهَا مَعَ أَبْنَائِهَا السَّبْعَةِ للهِ مِنْ أَجْلِ شَرَائِعِ وَطَنِهَا؟
يُمَجِّدُونَ الْإِخْوَةَ الثَّلَاثَةَ، هُورَاتِيِّي، الَّذِينَ غَلَبُوا كُورِيَاتِيِّي أَلْبَا الثَّلَاثَةَ فِي مُبَارَزَةٍ فَرْدِيَّةٍ، بِالْحِيلَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْقُوَّةِ، وَنَقَلُوا سُلْطَانَ أَلْبَا إِلَى رُومَا. مَنْ لَا يُفَضِّلُ الثَّنَاءَ عَلَى شَجَاعَةِ دَاوُدَ وَقُوَّتِهِ، الَّذِي فِي مُبَارَزَةٍ فَرْدِيَّةٍ صَرَعَ بِالْمِقْلَاعِ ذَلِكَ الْبُرْجَ مِنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، جُلْيَاتَ، وَثَبَّتَ سُلْطَانَ إِسْرَائِيلَ عَلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ؟
يُمَجِّدُونَ عِفَّةَ الْإِسْكَنْدَرِ، الَّذِي بَعْدَ هَزِيمَةِ دَارِيُوسَ، رَفَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى زَوْجَتِهِ الْأَسِيرَةِ وَبَنَاتِهِ الْفَاتِنَاتِ، مُرَدِّدًا دَائِمًا أَنَّ النِّسَاءَ الْفَارِسِيَّاتِ أَلَمٌ لِلْعُيُونِ. مَنْ لَا يُفَضِّلُ الثَّنَاءَ عَلَى يُوسُفَ، الَّذِي أَمْسَكَتْ بِهِ السَّيِّدَةُ الْمُغْوِيَةُ فِي الْخَلْوَةِ، فَفَرَّ تَارِكًا رِدَاءَهُ وَرَاءَهُ، وَأَلْقَى بِنَفْسِهِ طَوْعًا فِي كُلِّ خَطَرِ السِّجْنِ وَالسُّمْعَةِ وَالْحَيَاةِ، لِيَصُونَ عِفَّتَهُ؟
٦٢. يُمَجِّدُونَ لُوكْرِيتِيَا، الْعَفِيفَةَ بَعْدَ الِاغْتِصَابِ، لَكِنَّهَا مُنْتَقِمَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ لِلْجَرِيمَةِ — وَقَاتِلَةُ نَفْسِهَا: أَمَّا نَحْنُ فَنَحْتَفِي بِسُوسَنَّةَ، الْبَطَلَةِ الْأَشْجَعِ بِكَثِيرٍ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْعِفَّةِ وَالْحَيَاةِ وَالسُّمْعَةِ مَعًا.
يَتَعَجَّبُونَ مِنْ فِيرْجِينِيُوسَ الْقَائِدِ الْمِئَوِيِّ، الَّذِي لَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْقَاذَ ابْنَتِهِ كْلَاوْدِيَا فِيرْجِينِيَا مِنْ سُلْطَانِ أَبِّيُوسَ كْلَاوْدِيُوسَ الْحَاكِمِ الْعَشْرِيِّ وَشَهْوَتِهِ، طَلَبَ كَلِمَةً أَخِيرَةً مَعَهَا فَقَتَلَهَا سِرًّا، مُفَضِّلًا ابْنَةً مَيِّتَةً عَلَى ابْنَةٍ مُنْتَهَكَةٍ. وَيَتَعَجَّبُونَ مِنَ الدِّيكِيُّونَ، الْأَبِ وَالِابْنِ، اللَّذَيْنِ مِنْ أَجْلِ الْجَيْشِ الرُّومَانِيِّ، بِصَلَاةٍ رَسْمِيَّةٍ عَبْرَ الْحَبْرَيْنِ فَالِيرِيُوسَ وَلِيبِيرِيُوسَ، نَذَرَا الْأَعْدَاءَ اللَّاتِينِيِّينَ وَالسَّامْنِيِّينَ مَعَ نَفْسَيْهِمَا لِآلِهَةِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَخَتَمَا النَّصْرَ بِمَوْتِهِمَا. مَنْ لَا يُفَضِّلُ التَّعَجُّبَ مِنْ يَفْتَاحَ الْقَائِدِ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ نَصْرِ شَعْبِهِ، نَذَرَ ابْنَتَهُ الْوَحِيدَةَ الْعَذْرَاءَ وَبَتُولِيَّتَهَا للهِ الْحَقِّ، وَذَبَحَ مَنْ نَذَرَهَا؟ مَنْ لَا يَتَعَجَّبُ مِنْ مُوسَى الَّذِي نَذَرَ نَفْسَهُ لَا لِلْهَلَاكِ الزَّمَنِيِّ بَلِ الْأَبَدِيِّ مِنْ أَجْلِ الشَّعْبِ؟
٦٣. يُمَجِّدُونَ الشَّجَاعَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ وَالنَّجَاحَ لِيُولِيُوسَ قَيْصَرَ وَبُومْبِيُوسَ وَبُوبْلِيُوسَ كُورْنِيلِيُوسَ سْكِيبِيُو وَهَنِّيبَالَ وَالْإِسْكَنْدَرِ. لَكِنْ كَمْ كَانَ أَعْظَمَ شَمْشُونُ وَجِدْعُونُ وَدَاوُدُ وَشَاوُلُ وَالْمَكَّابِيُّونَ وَيَشُوعُ، الَّذِينَ مُزَوَّدِينَ لَا بِقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ بَلْ سَمَاوِيَّةٍ، وَبِنَجَاحٍ إِلَهِيٍّ، هَزَمُوا بِالْقَلِيلِ ضِدَّ الْكَثِيرِ، حَتَّى الْأَقْوِيَاءَ مِنْهُمْ؛ وَالَّذِينَ أَطَاعَتْهُمُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ كَجُنُودٍ، وَحَارَبَتِ الْعَدُوَّ؟ لِمَنْ، أَسْأَلُ، إِلَّا رُبَّمَا لِثِيُودُوسِيُوسَ، بَلْ بِالْأَحْرَى لِيَهُوذَا الْمَكَّابِيِّ وَيَشُوعَ، تُغَنِّي ذَلِكَ الْبَيْتَ؟
«يَا مَحْبُوبَ اللهِ الْمُفْرَطَ، الَّذِي لِأَجْلِهِ يُطْلِقُ أَيُولُوسُ مِنْ كُهُوفِهِ عَوَاصِفَهُ الْمُسَلَّحَةَ، وَلِأَجْلِهِ تُقَاتِلُ السَّمَاءُ، وَتَأْتِي الرِّيَاحُ الْمُتَآمِرَةُ عِنْدَ نَفْخِ الْبُوقِ.»
٦٤. وَهَذِهِ لَنَا حَوَافِزُ دَائِمَةٌ إِلَى كُلِّ ذُرْوَةِ فَضِيلَةٍ، وَإِلَى كُلِّ قَدَاسَةٍ وَبَرَاءَةٍ، لِكَيْ نَسِيرَ مُنَافِسِينَ لَهُمْ، كَمَلَائِكَةٍ أَرْضِيِّينَ وَبَشَرٍ سَمَاوِيِّينَ، فِي نُورِ الْإِنْجِيلِ أَمَامَ عَيْنَيِ الْجَلَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُرَاقِبُنَا بِاسْتِمْرَارٍ، وَنَخْدِمَهُ بِالْقَدَاسَةِ وَالْبِرِّ. ثُمَّ لِكَيْ فِي مَصَائِبِنَا الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فِي هَذِهِ الْعَوَاصِفِ الْبَلْجِيكِيَّةِ وَالْأُورُوبِيَّةِ، إِذْ تَكُونُ لَنَا الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ عَزَاءً مَعَ الْمَكَّابِيِّينَ، بِصَبْرِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ وَتَعْزِيَتِهَا يَكُونُ لَنَا رَجَاءٌ، وَنَرْفَعُ هِمَمَنَا، عَالِمِينَ أَنَّ اللهَ يَعْتَنِي بِنَا، وَمُتَقَوِّينَ بِمَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ، لَا نَخَافُ شَيْئًا، وَنَحْتَقِرُ حَتَّى الْمَوْتَ وَالْعَذَابَاتِ، وَلَوِ انْهَارَ الْعَالَمُ وَتَهَاوَى، لَضَرَبَتْنَا الْأَنْقَاضُ وَنَحْنُ لَا نَخَافُ.
هَكَذَا الرَّسُولُ فِي الْإِصْحَاحِ الْحَادِيَ عَشَرَ بِأَكْمَلِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، بِمَثَلِ الآبَاءِ، يُلْهِبُهُمْ بِعِظَةٍ رَائِعَةٍ إِلَى الِاحْتِمَالِ وَالِاسْتِشْهَادِ، لِكَيْ بِنُقْطَةِ دَمٍ يَشْتَرُوا الْأَبَدِيَّةَ السَّعِيدَةَ: «رُجِمُوا،» يَقُولُ — مُوسَى بِالتَّأْكِيدِ، وَإِرْمِيَا، وَقِدِّيسُونَ آخَرُونَ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ — «نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا بِحَدِّ السَّيْفِ؛ طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مَعْزٍ، مُعْوَزِينَ مُضَايَقِينَ مُعَذَّبِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ أَهْلًا لَهُمْ، تَائِهِينَ فِي بَرَارٍ وَجِبَالٍ وَمَغَاوِرَ وَشُقُوقِ الْأَرْضِ؛» وَهَذَا، «لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ؛ فَلِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الشُّهُودِ، لِنَسْعَ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا.»
الثَّالِثَةُ: لَا يُمْكِنُ فَهْمُ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ بِدُونِ الْقَدِيمِ
٦٥. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ أَنَّهُ بِدُونِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لَا يُمْكِنُ فَهْمُ الْجَدِيدِ: فَالرُّسُلُ وَالْمَسِيحُ يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ كَثِيرًا، وَيُلَمِّحُونَ إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى عِنْدَ تَوْدِيعِهِ الْأَخِيرِ لِأَتْبَاعِهِ. «هَذَا هُوَ،» يَقُولُ، لُوقَا الْإِصْحَاحُ الْأَخِيرُ، الْآيَةُ ٤٤، «الْكَلَامُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي شَرِيعَةِ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ؛ حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ.»
بَلْ إِنَّ الرِّسَالَةَ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ هِيَ لِهَذَا السَّبَبِ الْوَاحِدِ أَثْقَلُ الرَّسَائِلِ وَأَغْمَضُهَا، لِأَنَّهَا مَنْسُوجَةٌ بِالْكَامِلِ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَرُمُوزِهِ.
الرَّابِعَةُ: الْعَهْدُ الْقَدِيمُ يَفُوقُ الْجَدِيدَ فِي الْغِنَى الرَّمْزِيِّ
٦٦. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ هِيَ هَذِهِ: بِمَا أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ غَايَةُ الشَّرِيعَةِ، فَكُلُّ مَا قِيلَ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسِيحِ وَالْمَسِيحِيِّينَ، إِمَّا بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ أَوِ الرَّمْزِيِّ؛ وَفِي هَذَا يَفُوقُ الْعَهْدُ الْقَدِيمُ الْجَدِيدَ، لِأَنَّ الْقَدِيمَ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَهُ، إِلَى جَانِبِ الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، مَعْنًى رَمْزِيٌّ، وَكَثِيرًا أَيْضًا مَعْنًى أَنَاغُوجِيٌّ وَأَخْلَاقِيٌّ: أَمَّا الْجَدِيدُ فَيَكَادُ يَخْلُو مِنَ الْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ. «آبَاؤُنَا،» يَقُولُ الرَّسُولُ، ١ كُورِنْثُوسَ ١٠: ١، «جَمِيعُهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعُهُمْ جَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعُهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعُهُمْ أَكَلُوا الطَّعَامَ الرُّوحِيَّ عَيْنَهُ، إِلَخْ. وَهَذِهِ الْأُمُورُ حَصَلَتْ لَنَا كَرُمُوزٍ: وَكُتِبَتْ لِأَجْلِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُعَلِّمُ الرَّسُولُ ذَاتُهُ أَنَّ فَهْمَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ نُزِعَ مِنَ الْيَهُودِ وَانْتَقَلَ إِلَيْنَا. «حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ،» يَقُولُ، «ذَاتُ الْبُرْقُعِ يَبْقَى غَيْرَ مَكْشُوفٍ فِي قِرَاءَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَهُوَ الْبُرْقُعُ الَّذِي يُزَالُ فِي الْمَسِيحِ؛ لَكِنْ حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، يُوضَعُ الْبُرْقُعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ،» ٢ كُورِنْثُوسَ ٣: ١٤.
فَالرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي هُوَ عَلِيمٌ بِكُلِّ الْعُصُورِ وَمُسْتَشْرِفٌ لَهَا، رَتَّبَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِحَيْثُ يَخْدِمُ لَا الْيَهُودَ وَحْدَهُمْ، بَلْ مَسِيحِيِّي كُلِّ عَصْرٍ. بَلْ إِنَّ تَرْتُلِيَانُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ زِينَةِ النِّسَاءِ، الْفَصْلُ ٢٢، يَرَى أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ إِعْلَانٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ وَيُتَلَقَّى لِلْمَوْضُوعِ الْحَاضِرِ فَقَطْ، وَلَا لِكُلِّ مُنَاسَبَةِ نَفْعٍ.
حَقًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ، الْكِتَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ، فِي آخِرِهِ: «نَحْنُ،» يَقُولُ، «نَقْرَأُ الْكُتُبَ النَّبَوِيَّةَ وَالرَّسُولِيَّةَ لِتَذْكِيرِ إِيمَانِنَا، وَتَعْزِيَةِ رَجَائِنَا، وَتَحْرِيضِ مَحَبَّتِنَا، بِأَصْوَاتٍ مُتَنَاغِمَةٍ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ؛ وَبِذَلِكَ التَّنَاغُمِ، كَبُوقٍ سَمَاوِيٍّ، نَنْتَبِهُ مِنْ سُبَاتِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ وَنَمْتَدُّ نَحْوَ جَائِزَةِ الدَّعْوَةِ الْعُلْوِيَّةِ.»
لِهَذَا السَّبَبِ تَخْتَارُ الْكَنِيسَةُ فِي الْقُدَّاسِ الْمُقَدَّسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ قِرَاءَاتٍ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَفِي زَمَنِ الصَّوْمِ الْمُقَدَّسِ تَجْمَعُ دَائِمًا رِسَالَةً مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ مَعَ الْإِنْجِيلِ بِمَا يُنَاسِبُ، كَالظِّلِّ مَعَ الْجَسَدِ، وَالصُّورَةِ مَعَ الْأَصْلِ. وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا مَرَّةً وُعَّاظًا مَشْهُورِينَ، فِي عِظَاتِهِمْ، يَشْرَحُونَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قِصَّةً أَوْ مَا شَابَهَهَا مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي شَيْئًا مِنَ الْجَدِيدِ، بِحُضُورٍ كَبِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَتَصْفِيقٍ وَثَمَرٍ.
وَأَخِيرًا، لَيْسَ الْمُبْتَدِعُونَ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا الْمُسْتَقِيمُونَ الْأَجِلَّاءُ، الَّذِينَ يَنْشَغِلُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَالْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ، يُقَلِّبُونَ وَيُبْلُونَ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، قَدِيمَهَا وَجَدِيدَهَا، عَلَى الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ.
يَرْوِي فَرَنْشِيسْكُو بِتْرَارْكَا أَنَّهُ قَبْلَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، كَانَ رُوبِرْتُو، مَلِكُ صِقِلِّيَةَ، مُولَعًا بِالْعُلُومِ، وَخَاصَّةً الْمُقَدَّسَةَ مِنْهَا، حَتَّى أَنَّهُ قَالَ لَهُ تَحْتَ الْقَسَمِ: «أُقْسِمُ لَكَ، يَا بِتْرَارْكَا، إِنَّ الْعُلُومَ أَحَبُّ إِلَيَّ بِكَثِيرٍ مِنْ مُلْكِي، وَلَوْ لَزِمَ أَنْ أُحْرَمَ مِنْ أَحَدِهِمَا، لَفَارَقْتُ التَّاجَ بِأَهْوَنَ مِمَّا أُفَارِقُ الْعُلُومَ.»
يَرْوِي بَانُورْمِيتَانُوسُ أَنَّ أَلْفُونْسُو، مَلِكَ أَرَاغُونَ، كَانَ يَتَفَاخَرُ بِأَنَّهُ، حَتَّى فِي خِضَمِّ شُؤُونِ مَمْلَكَتِهِ، قَرَأَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِأَكْمَلِهِ مَعَ الْحَوَاشِي وَالتَّفَاسِيرِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرَّةً. فَلَيْسَ جَدِيدًا إِذَنْ أَنَّ الْأُمَرَاءَ وَالْمُسْتَشَارِينَ وَسَائِرَ الْأَعْيَانِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ عَلَى الْمَائِدَةِ وَفِي الْوَلَائِمِ وَفِي الْمُحَادَثَاتِ، يُثِيرُونَ مَسَائِلَ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ؛ وَعِنْدَهَا اللَّاهُوتِيُّ، إِنْ سَكَتَ، يُعْتَبَرُ طِفْلًا: وَإِنْ أَجَابَ بِسَخَافَةٍ، يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْجَهْلِ أَوِ الْغَبَاءِ.
الْخَامِسَةُ: الرُّمُوزُ وَالْأَمْثِلَةُ وَالْحِكَمُ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ
٦٧. خَامِسًا، مِنْ أَجْلِ وَفْرَةِ الْقِرَاءَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ وَالْعِظَاتِ، دَبَّرَ اللهُ أَنْ يُسْتَخْلَصَ مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ تَنَوُّعٌ عَظِيمٌ مِنَ الرُّمُوزِ وَالْأَمْثِلَةِ وَالْحِكَمِ وَالنُّبُوءَاتِ، لَا لِلْإِيمَانِ فَحَسْبُ بَلْ لِكُلِّ تَعْلِيمٍ فِي الْحَيَاةِ الشَّرِيفَةِ. هَكَذَا الْمَسِيحُ يُنَبِّهُ الْمُتَكَاسِلِينَ إِلَى السَّهَرِ بِمَثَلِ نُوحٍ وَامْرَأَةِ لُوطٍ، لُوقَا ١٧: ٣٢: «اذْكُرُوا،» يَقُولُ، «امْرَأَةَ لُوطٍ؛» وَيُرْعِبُ وَيَضْرِبُ عُقُولَ الْيَهُودِ الْمُتَعَنِّتَةَ بِذِكْرِ سَدُومَ وَأَهْلِ نِينَوَى وَمَلِكَةِ الْجَنُوبِ. هَكَذَا يَرُدُّ إِلَى التَّوْبَةِ مُقَلِّدِي ذَلِكَ الْغَنِيِّ الْمَدْفُونِ فِي الْجَحِيمِ، بِكَلَامِ إِبْرَاهِيمَ الْقَائِلِ، لُوقَا ١٦: ٢٧: «عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ.» وَيَقُولُ بُولُسُ، ١ كُورِنْثُوسَ ١٠: ٦ وَ١١: «كُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ حَصَلَتْ لَهُمْ كَرُمُوزٍ، أَيْ أَمْثِلَةٍ لَنَا؛ لِكَيْ لَا نَكُونَ مُشْتَهِينَ شُرُورًا، وَلَا عَبَدَةَ أَصْنَامٍ،» وَلَا زُنَاةً، وَلَا شَرِهِينَ، وَلَا مُتَذَمِّرِينَ، وَلَا مُجَرِّبِينَ للهِ، لِئَلَّا نَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ أُولَئِكَ تَحْتَ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ بِسَبَبِ مِثْلِ هَذِهِ الْجَرَائِمِ.
السَّادِسَةُ: الْعَهْدُ الْقَدِيمُ مُمَهِّدٌ لِلْجَدِيدِ
٦٨. وَمِنْ هَذَا تَنْشَأُ الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فَالْعَهْدُ الْقَدِيمُ كَانَ تَمْهِيدًا لِلْجَدِيدِ، وَشَهِدَ لَهُ، كَمَا شَهِدَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ لِلسَّيِّدِ الْمَسِيحِ: فَهُوَ، كَمُوسَى وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، «سَبَقَ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِيُعِدَّ طُرُقَهُ، لِيُعْطِيَ مَعْرِفَةَ الْخَلَاصِ لِشَعْبِهِ؛ لِيُنِيرَ الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلَالِ الْمَوْتِ، لِيَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي سَبِيلِ السَّلَامِ.» رَمْزًا لِهَذَا، فِي تَجَلِّي الْمَسِيحِ، ظَهَرَ مُوسَى وَإِيلِيَّا، لِيَشْهَدَا لَهُ، وَلِيَتَكَلَّمَا عَنِ الرَّحِيلِ الَّذِي كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُتِمَّهُ فِي أُورُشَلِيمَ. فَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالْمَسِيحِ، مَنْ بِالْإِنْجِيلِ، لَوْلَا أَنَّهُ تَأَكَّدَ وَتُنُبِّئَ بِهِ وَمُثِّلَ بِرَمْزٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَاتِ الْكَثِيرَةِ مِنَ الآبَاءِ، وَهَذِهِ النُّبُوءَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَهَذِهِ الرُّمُوزِ الْكَثِيرَةِ؟ كَيْفَ تُقْنِعُ الْيَهُودَ، كَيْفَ تَقُودُهُمْ إِلَى الْمَسِيحِ، إِلَّا مِنْ نُبُوءَاتِ مُوسَى وَالْأَنْبِيَاءِ؟ عِنْدَ السَّاسَةِ وَالْوَثَنِيِّينَ وَالسَّرَاسِنَةِ وَجَمِيعِ النَّاسِ، بُرْهَانٌ عَظِيمٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِنْجِيلِ هُوَ، كَمَا يَقُولُ أُوسَابِيُوسُ، أَنَّهُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ كُلِّهِ، عَبْرَ عُصُورٍ كَثِيرَةٍ، وُعِدَ بِهِ وَمُثِّلَ بِرَمْزٍ.
لِهَذَا السَّبَبِ يَسْتَشْهِدُ الْمَسِيحُ كَثِيرًا بِمُوسَى، يُوحَنَّا ١: ١٧: «الشَّرِيعَةُ بِمُوسَى أُعْطِيَتْ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا.» يُوحَنَّا ٥: ٤٦: «يُوجَدُ مَنْ يَشْكُوكُمْ، وَهُوَ مُوسَى: لِأَنَّكُمْ لَوْ آمَنْتُمْ بِمُوسَى لَكُنْتُمْ رُبَّمَا آمَنْتُمْ بِي أَيْضًا: لِأَنَّهُ عَنِّي كَتَبَ؛ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِكِتَابَاتِهِ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِكَلَامِي؟» لُوقَا ٢٤: ٢٧: «ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ الْأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا فِيلُبُّسُ لِنَثَنَائِيلَ، يُوحَنَّا ١: ٤٥: «الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي الشَّرِيعَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ وَجَدْنَاهُ — يَسُوعَ.» فَاتِّفَاقُ الْعَهْدَيْنِ — أَيِ اتِّفَاقُ مُوسَى وَالْمَسِيحِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَالْمَجْمَعِ وَالْكَنِيسَةِ — يَشْهَدُ شَهَادَةً عَظِيمَةً لِلْمَسِيحِ وَلِلْحَقِّ، كَمَا يُعَلِّمُ تَرْتُلِيَانُوسُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدَّ مَرْقِيُونَ. وَخِتَامًا، تَعَلَّمْ مِنْ مُوسَى نَفْسِهِ كَمْ هِيَ عَظِيمَةٌ وَمُتَعَدِّدَةُ الْأَوْجُهِ الْحِكْمَةُ الْمَوْجُودَةُ هُنَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ هُوَ مُوسَى، وَمَا مِقْدَارُ عَظَمَتِهِ؟
فَتَرَاتُ مُوسَى الثَّلَاثُ ذَاتُ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً
٧١. أَقُولُ حَقًّا، إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَنْظُرْ عَلَى مَدَى آلَافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السِّنِينَ إِلَى رَجُلٍ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ فَقَدْ تَرَبَّى مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ فِي الْبَلَاطِ الْمَلَكِيِّ، بِوَصْفِهِ ابْنَ الْمَلِكِ وَوَرِيثَهُ الْمُعَيَّنَ، وَتَعَلَّمَ جَمِيعَ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ طِوَالَ أَرْبَعِينَ سَنَةً كَامِلَةً. ثُمَّ أَنْكَرَ أَنَّهُ ابْنُ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلًا أَنْ يُعَانِيَ الضِّيقَ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَتَمَتَّعَ بِلَذَّةِ مَمْلَكَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَلَذَّةِ الْخَطِيئَةِ، فَفَرَّ إِلَى مِدْيَانَ؛ وَهُنَاكَ، وَهُوَ يَرْعَى الْغَنَمَ وَقَدْ كَلَّمَ اللهَ فِي الْعُلَّيْقَةِ الْمُشْتَعِلَةِ، اسْتَقَى بِالتَّأَمُّلِ جَمِيعَ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ طِوَالَ أَرْبَعِينَ سَنَةً كَامِلَةً؛ وَأَخِيرًا، إِذِ اخْتِيرَ قَائِدًا لِلشَّعْبِ، تَرَأَّسَهُمْ فِي فَتْرَةٍ ثَالِثَةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِوَصْفِهِ الْحَبْرَ الْأَعْظَمَ وَالْقَائِدَ الْأَعْلَى وَالْمُشَرِّعَ وَالْمُعَلِّمَ وَالنَّبِيَّ، الْأَشْبَهَ بِالْمَسِيحِ وَرَمْزَهُ الْمُسْبَقَ. «نَبِيًّا،» يَقُولُ الرَّبُّ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ١٨: ١٥، «أُقِيمُ لَهُمْ مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ؛» وَ«نَبِيًّا مِنْ أُمَّتِكَ وَمِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي يُقِيمُ لَكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ: لَهُ تَسْمَعُونَ،» أَيِ الْمَسِيحَ.
وَهُنَا أَظْهَرَ الْمَنْصِبُ الرَّجُلَ، حِينَ قَادَ ثَلَاثَةَ مَلَايِينَ نَفْسٍ — أَيْ ثَلَاثِينَ ضِعْفَ مِئَةِ أَلْفٍ — مِنْ ذَوِي الرِّقَابِ الْقَاسِيَةِ، عَبْرَ صَحَارٍ قَاحِلَةٍ مُدَّةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَطْعَمَهُمْ بِطَعَامٍ سَمَاوِيٍّ، وَعَلَّمَهُمْ مَخَافَةَ اللهِ وَعِبَادَتَهُ، وَحَفِظَهُمْ فِي السَّلَامِ وَالْعَدَالَةِ، وَكَانَ حَكَمًا وَوَسِيطًا فِي جَمِيعِ الْخُصُومَاتِ، وَحَمَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ.
فَضَائِلُ مُوسَى
٧٢. لَتَعْجَبَنَّ مِنْ فَضَائِلِ مُوسَى الَّتِي لَا تُحْصَى؛ فَقَدْ كَانَ مُوسِيقِيًّا وَمُرَتِّلًا: يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ، الرِّسَالَةِ إِلَى كِبْرِيَانُوسَ، أَنَّ مُوسَى أَلَّفَ أَحَدَ عَشَرَ مَزْمُورًا، وَهِيَ مِنَ الْمَزْمُورِ ٨٩، الَّذِي عُنْوَانُهُ «صَلَاةُ مُوسَى عَبْدِ اللهِ»، حَتَّى الْمَزْمُورِ ١٠٠، الْمُعَنْوَنِ «فِي الِاعْتِرَافِ».
اسْتَحَقَّ مُوسَى أَنْ يَتَلَقَّى مِنَ اللهِ أَلْوَاحَ الشَّرِيعَةِ. وَكَانَ لِمُوسَى دَلِيلُهُ فِي الطَّرِيقِ عَمُودُ سَحَابٍ، بَلْ رَئِيسُ مَلَائِكَةٍ يَتَرَأَّسُ الْعَمُودَ. وَفِي الصَّلَاةِ بَدَا مُوسَى وَكَأَنَّهُ يَتَغَذَّى وَيَحْيَا كَمَلَاكٍ. وَحِينَ هَمَّ بِتَلَقِّي أَلْوَاحِ الشَّرِيعَةِ عَلَى سِينَاءَ، وَقَفَ مَرَّتَيْنِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً صَائِمًا وَمُتَحَدِّثًا مَعَ اللهِ، حَيْثُ أُلْصِقَتْ بِهِ أَيْضًا قُرُونُ نُورٍ؛ وَعِنْدَ بَابِ خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ كَانَ يُنَاقِشُ يَوْمِيًّا جَمِيعَ شُؤُونِ الشَّعْبِ مَعَ اللهِ بِأُلْفَةٍ. «عَبْدِي مُوسَى،» يَقُولُ الرَّبُّ فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ١٢: ٧، «هُوَ الْأَمِينُ فِي كُلِّ بَيْتِي: فَمًا إِلَى فَمٍ أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، وَعِيَانًا لَا بِأَلْغَازٍ وَرُمُوزٍ يَرَى الرَّبَّ.» فَقَدْ أَرَاهُ الرَّبُّ كُلَّ خَيْرٍ، سِفْرُ الْخُرُوجِ الْإِصْحَاحُ ٣٣، الْآيَةُ ١٧. لَقَدْ كَانَ مُوسَى أَمِينَ أَسْرَارِ اللهِ، أَمِينَ — أَقُولُ — أَسْرَارِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَمَا الْعَجَبُ إِنْ هُزِمَ عَمَالِيقُ لَا بِسِلَاحِ يَشُوعَ بَلْ بِصَلَوَاتِ مُوسَى؟ وَمَا الْعَجَبُ «إِنْ لَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ؟» سِفْرُ التَّثْنِيَةِ ٣٤: ١٠. وَمَا الْعَجَبُ إِنْ كَانَ، بِعَوْنِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ، صَانِعَ عَجَائِبَ، كَادَ يَقْلِبُ مِصْرَ بِالضَّرَبَاتِ وَالْآيَاتِ، وَالْبَحْرَ الْأَحْمَرَ كَذَلِكَ، وَاسْتَنْزَلَ اللَّحْمَ وَالْمَنَّ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَسْقَطَ قُورَحَ وَدَاثَانَ وَأَبِيرَامَ أَحْيَاءً فِي الْهَاوِيَةِ، وَفَاقَ بِأَعْمَالِهِ الْعَظِيمَةِ كُلَّ صَانِعِ عَجَائِبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؟
٧٣. مَنْ لَا يَرَى الْحِكْمَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالتَّدْبِيرِيَّةَ الْبَارِزَةَ لِهَذَا الْأَمِيرِ الْأَفْضَلِ، فِي تِلْكَ الْمَهَارَةِ الْعَظِيمَةِ فِي حُكْمِ شَعْبٍ بِهَذَا الْحَجْمِ، ذِي الْجَبِينِ النُّحَاسِيِّ بَلِ الصَّلْدِ؟ لَقَدْ تَجَلَّتْ مَحَبَّتُهُ الْبَارِزَةُ لِلشَّعْبِ وَعِنَايَتُهُ بِهِمْ، سَوَاءٌ فِي الْغَيْرَةِ الَّتِي كَرَّسَ بِهَا نَفْسَهُ حَرَمًا وَكَفَّارَةً وَذَبِيحَةَ تَكْفِيرٍ عَنْ إِسْرَائِيلِهِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ الْحَمَاسِيَّةِ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ كُلِّهِ، الَّتِي اسْتَشْهَدَ فِيهَا بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْقُوَى الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى، لِيَدْفَعَ الشَّعْبَ إِلَى حِفْظِ شَرِيعَةِ اللهِ؛ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ بِحَقٍّ: «لِمَاذَا يَا رَبُّ أَلْقَيْتَ ثِقَلَ هَذَا الشَّعْبِ كُلِّهِ عَلَيَّ؟ هَلْ أَنَا حَبِلْتُ بِهَذَا الْجُمْهُورِ كُلِّهِ أَوْ وَلَدْتُهُمْ حَتَّى تَقُولَ لِي: احْمِلْهُمْ فِي حِضْنِكَ كَمَا تَحْمِلُ الْمُرْضِعَةُ الرَّضِيعَ، وَأَوْصِلْهُمْ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي حَلَفْتَ لِآبَائِهِمْ؟» سِفْرُ الْعَدَدِ الْإِصْحَاحُ ١١، الْآيَةُ ١١. حَقًّا قَالَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٤٠ عَلَى الرِّسَالَةِ الْأُولَى إِلَى تِيمُوثَاوُسَ: «يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأُسْقُفُ مَلَاكًا، لَا يَخْضَعُ لِأَيِّ اضْطِرَابٍ أَوْ رَذِيلَةٍ بَشَرِيَّةٍ؛» وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَوَلَّى حُكْمَ الْآخَرِينَ أَنْ يَتَفَوَّقَ بِبَهَاءِ الْفَضِيلَةِ إِلَى حَدٍّ يُخْفِي فِيهِ سَائِرَ النَّاسِ كَالشَّمْسِ الَّتِي تُخْفِي شَرَرَ النُّجُومِ فِي سَنَاهَا.» فَإِنْ كَانَ الْأُسْقُفُ وَالرَّئِيسُ الدِّينِيُّ وَالْأَمِيرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّعْبِ كَالْإِنْسَانِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ، وَكَالْمَلَاكِ بَيْنَ الْبَشَرِ، وَكَالشَّمْسِ بَيْنَ النُّجُومِ: فَتَأَمَّلْ أَيَّ رَجُلٍ كَانَ مُوسَى وَمَا مِقْدَارُ عَظَمَتِهِ، الَّذِي أَدَّى هَذَا الدَّوْرَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الْكَثِيرِينَ وَزَادَ عَلَيْهِ — الَّذِي وُجِدَ مُسْتَحِقًّا بِحُكْمِ اللهِ، بَلْ جُعِلَ مُسْتَحِقًّا بِدَعْوَةِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ، لِيُوضَعَ لَا عَلَى مَسِيحِيِّينَ، بَلْ عَلَى يَهُودٍ عُنَيِّدِينَ قُسَاةِ الرِّقَابِ، لَا كَأُسْقُفٍ فَحَسْبُ، بَلْ كَحَبْرٍ وَأَمِيرٍ مَعًا.
تَوَاضُعُ مُوسَى وَوَدَاعَتُهُ
وَلِأُسْكِتَ عَنْ سَائِرِ الْأُمُورِ، فَعِنْدَ هَذِهِ الذُّرْوَةِ الْعَظِيمَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ السُّلْطَانِ، أَعْجَبُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ تَوَاضُعِهِ الْعَمِيقِ وَوَدَاعَتِهِ: فَقَدْ تَعَرَّضَ مِرَارًا لِتَذَمُّرِ الشَّعْبِ وَافْتِرَاءَاتِهِمْ وَإِهَانَاتِهِمْ وَارْتِدَادِهِمْ وَأَحْجَارِهِمْ، وَظَلَّ بِوَجْهٍ ثَابِتٍ وَدِيعٍ، لَا يَنْتَقِمُ بِالتَّهْدِيدَاتِ بَلْ بِالصَّلَوَاتِ الْمَرْفُوعَةِ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْبِ. وَلِذَلِكَ يُمَجِّدُهُ اللهُ بِحَقٍّ بِهَذَا الثَّنَاءِ فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ١٢: ٣: «وَكَانَ مُوسَى أَوْدَعَ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.» مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْوَدَاعَةُ الْقُصْوَى؟ لِأَنَّهُ، إِذْ كَانَ يَسْكُنُ بِعَظَمَةِ نَفْسٍ فِي السَّمَاءِ، كَانَ يَحْتَقِرُ جَمِيعَ عَيْبِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ بِاعْتِبَارِهَا أُمُورًا أَرْضِيَّةً تَافِهَةً. «الْحَكِيمُ،» يَقُولُ سِينِيكَا فِي كِتَابِهِ «عَنِ الْحَكِيمِ»، «قَدْ أُبْعِدَ بِمَسَافَةٍ أَعْظَمَ مِنَ التَّمَاسِّ مَعَ مَنْ هُمْ دُونَهُ، بِحَيْثُ لَا تَبْلُغُ إِلَيْهِ أَيَّةُ قُوَّةٍ ضَارَّةٍ: كَمَا أَنَّ سِلَاحًا يُقْذَفُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَالشَّمْسِ مِنْ أَحْمَقٍ يَسْقُطُ قَبْلَ بُلُوغِ الشَّمْسِ. أَتَظُنُّ أَنَّ نِبْتُونَ يُمْكِنُ أَنْ تَمَسَّهُ سَلَاسِلُ مُدَلَّاةٌ فِي الْعُمْقِ؟ كَمَا أَنَّ الْأُمُورَ السَّمَاوِيَّةَ تُفْلِتُ مِنَ الْأَيْدِي الْبَشَرِيَّةِ، وَمِنَ الَّذِينَ يَصْهَرُونَ الْمَعَابِدَ أَوِ التَّمَاثِيلَ لَا يَلْحَقُ بِالْأُلُوهِيَّةِ أَيُّ أَذًى: كَذَلِكَ كُلُّ مَا يُفْعَلُ ضِدَّ الْحَكِيمِ بِوَقَاحَةٍ وَصَفَاقَةٍ وَكِبْرِيَاءَ يُحَاوَلُ عَبَثًا.»
مُوسَى وَالرُّؤْيَا الطُّوبَاوِيَّةُ
٧٤. بِسَبَبِ هَذِهِ الْوَدَاعَةِ، يَرَى كَثِيرُونَ أَنَّ مُوسَى مُنِحَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ رُؤْيَةَ الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ؛ وَفِي هَذَا الْمَوْضُوعِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمُوسَى، سَيُقَالُ الْمَزِيدُ عِنْدَ تَفْسِيرِ سِفْرِ الْخُرُوجِ الْإِصْحَاحَيْنِ ٢ وَ٣٢ وَمَا يَلِيهِمَا.
مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ مُوسَى، بَعْدَ مَوْتِهِ، دُفِنَ مِنْ قِبَلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَبَلِ عَبَارِيمَ؛ وَمِنْ هُنَا «لَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ،» سِفْرُ التَّثْنِيَةِ ٣٤: ٦. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ تَخَاصَمَ مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ إِبْلِيسَ عَلَى جَسَدِ مُوسَى، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يَهُوذَا فِي رِسَالَتِهِ.
مَدَائِحُ مُوسَى مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْآبَاءِ
وَأَخِيرًا، هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ مُوسَى؟ اسْمَعِ ابْنَ سِيرَاخَ فِي سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ الْإِصْحَاحِ ٤٥: «مَحْبُوبُ اللهِ وَالنَّاسِ مُوسَى، الَّذِي ذِكْرُهُ فِي بَرَكَةٍ. جَعَلَهُ شَبِيهًا بِمَجْدِ الْقِدِّيسِينَ؛ عَظَّمَهُ فِي خَوْفِ أَعْدَائِهِ، وَبِكَلِمَاتِهِ أَسْكَتَ الْآيَاتِ؛ مَجَّدَهُ أَمَامَ الْمُلُوكِ،» أَيِ الْمَلِكِ فِرْعَوْنَ (الَّذِي قَالَ لَهُ الرَّبُّ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ الْإِصْحَاحِ ٧، الْآيَةِ ١: «هَا أَنَا قَدْ جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ»)، «وَأَمَرَهُ أَمَامَ شَعْبِهِ، وَأَرَاهُ مَجْدَهُ؛ فِي أَمَانَتِهِ وَوَدَاعَتِهِ قَدَّسَهُ وَاخْتَارَهُ مِنْ كُلِّ بَشَرٍ. فَإِنَّهُ سَمِعَ صَوْتَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي السَّحَابَةِ، وَأَعْطَاهُ الْوَصَايَا وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَشَرِيعَةَ الْحَيَاةِ وَالْمَعْرِفَةِ، لِيُعَلِّمَ يَعْقُوبَ عَهْدَهُ وَإِسْرَائِيلَ أَحْكَامَهُ.»
٧٥. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ إِسْتِفَانُوسَ فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ الْإِصْحَاحِ ٧، الْآيَتَيْنِ ٢٢ وَ٣٠: «كَانَ مُوسَى مُقْتَدِرًا فِي كَلَامِهِ وَأَعْمَالِهِ؛ وَظَهَرَ لَهُ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ مَلَاكٌ فِي لَهِيبِ نَارٍ فِي عُلَّيْقَةٍ؛ هَذَا أَرْسَلَهُ اللهُ رَئِيسًا وَفَادِيًا بِيَدِ الْمَلَاكِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ؛ هَذَا أَخْرَجَهُمْ صَانِعًا عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ؛ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْمَلَاكِ الَّذِي كَلَّمَهُ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ، وَالَّذِي تَلَقَّى كَلِمَاتِ الْحَيَاةِ لِيُعْطِيَهَا لَنَا.»
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ «عَنْ قَايِنَ وَهَابِيلَ»، الْفَصْلِ ١١: «فِي مُوسَى،» يَقُولُ، «كَانَ صُورَةُ الْمُعَلِّمِ الْآتِي الَّذِي سَيَكْرِزُ بِالْإِنْجِيلِ وَيُتَمِّمُ الْعَهْدَ الْقَدِيمَ وَيُؤَسِّسُ الْجَدِيدَ وَيُعْطِي الشُّعُوبَ غِذَاءً سَمَاوِيًّا: وَمِنْ هُنَا تَجَاوَزَ مُوسَى كَرَامَةَ الْحَالَةِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى حَدٍّ أَنْ دُعِيَ بِاسْمِ اللهِ: «جَعَلْتُكَ»، يَقُولُ، «إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ.» فَقَدْ كَانَ غَالِبَ جَمِيعِ الْأَهْوَاءِ، وَلَمْ تَأْسِرْهُ أَيَّةُ مُغْرِيَاتِ الْعَالَمِ، إِذْ كَانَ قَدْ غَطَّى كُلَّ هَذَا الْمَسْكَنِ الْجَسَدِيِّ بِنَقَاوَةِ سِيرَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، مُتَحَكِّمًا فِي عَقْلِهِ وَمُخْضِعًا جَسَدَهُ وَمُؤَدِّبًا لَهُ بِسُلْطَانٍ مَلَكِيٍّ؛ فَدُعِيَ بِاسْمِ اللهِ الَّذِي شَكَّلَ نَفْسَهُ عَلَى مِثَالِهِ بِوَفْرَةِ الْفَضِيلَةِ الْكَامِلَةِ؛ وَلِذَلِكَ لَا نَقْرَأُ عَنْهُ كَمَا عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَعْفٍ، بَلْ مَاتَ بِكَلِمَةِ اللهِ: فَإِنَّ اللهَ لَا يَعْرِفُ ضَعْفًا وَلَا نَقْصًا؛ وَلِذَلِكَ يُضَافُ أَيْضًا: «لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَعْرِفْ قَبْرَهُ»، وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ بِالْأَحْرَى وَلَمْ يُتْرَكْ، فَنَالَ جَسَدُهُ رَاحَةً لَا مَحْرَقَةً.» يَبْدُو أَنَّ أَمْبْرُوسِيُوسَ يُلَمِّحُ هُنَا إِلَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَمُتْ بَلْ نُقِلَ كَإِيلِيَّا وَأَخْنُوخَ؛ وَفِي هَذَا الْأَمْرِ سَأَتَكَلَّمُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ الْأَخِيرِ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ.
اسْمَعِ الرَّسُولَ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ ١١: ٢٤: «بِالْإِيمَانِ مُوسَى لَمَّا كَبُرَ أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُخْتَارًا بِالْأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَتُّعٌ وَقْتِيٌّ بِالْخَطِيئَةِ، حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ كُنُوزِ مِصْرَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمُجَازَاةِ. بِالْإِيمَانِ تَرَكَ مِصْرَ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ، لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ كَأَنَّهُ يَرَى مَنْ لَا يُرَى؛ بِالْإِيمَانِ صَنَعَ الْفِصْحَ وَرَشَّ الدَّمَ لِئَلَّا يَمَسَّهُمُ الَّذِي أَهْلَكَ الْأَبْكَارَ؛ بِالْإِيمَانِ عَبَرُوا الْبَحْرَ الْأَحْمَرَ كَمَا فِي الْيَابِسَةِ، الَّذِي لَمَّا شَرَعَ فِيهِ الْمِصْرِيُّونَ ابْتُلِعُوا.»
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ يُوسْتِينُوسَ فِي «تَحْرِيضِهِ» أَوْ «خُطْبَتِهِ التَّحْرِيضِيَّةِ إِلَى الْيُونَانِيِّينَ»، الَّتِي يُعَلِّمُ فِيهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنَّ الْيُونَانِيِّينَ اسْتَقَوْا حِكْمَتَهُمْ وَمَعْرِفَتَهُمْ بِاللهِ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ مُوسَى. وَبِخَاصَّةٍ: «حِينَ اسْتَشَارَ رَجُلٌ مَا،» يَقُولُ، «كَمَا تَعْتَرِفُونَ أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ، وَحْيَ الْآلِهَةِ، أَيُّ رِجَالٍ مُكَرَّسِينَ لِلدِّينِ وُجِدُوا يَوْمًا، تَقُولُونَ إِنَّ هَذَا كَانَ الْجَوَابَ: «الْحِكْمَةُ لَمْ تَخْضَعْ إِلَّا لِلْكَلْدَانِيِّينَ: وَالْعِبْرَانِيُّونَ يَعْبُدُونَ بِعُقُولِهِمُ الْمَلِكَ وَالْإِلَهَ غَيْرَ الْمَخْلُوقِ.»»
وَيُضِيفُ: «كَتَبَ مُوسَى تَارِيخَهُ بِالْعِبْرِيَّةِ، حِينَ لَمْ تَكُنْ حُرُوفُ الْيُونَانِيِّينَ قَدِ اخْتُرِعَتْ بَعْدُ. فَإِنَّ قَادْمُوسَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَلَبَهَا فِيمَا بَعْدُ مِنْ فِينِيقِيَةَ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْيُونَانِيِّينَ. وَمِنْ هُنَا كَتَبَ أَفْلَاطُونُ أَيْضًا فِي «طِيمَاوُسَ» أَنَّ صُولُونَ، أَحْكَمَ الْحُكَمَاءِ، حِينَ عَادَ مِنْ مِصْرَ قَالَ لِكْرِيتْيَاسَ إِنَّهُ سَمِعَ كَاهِنًا مِصْرِيًّا قَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْيُونَانِيُّونَ يَا صُولُونُ، إِنَّكُمْ دَائِمًا أَطْفَالٌ؛ وَلَيْسَ بَيْنَ الْيُونَانِيِّينَ شَيْخٌ.» وَأَيْضًا: «إِنَّكُمْ جَمِيعًا شُبَّانٌ فِي عُقُولِكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَحْمِلُونَ فِيهَا رَأْيًا قَدِيمًا نُقِلَ بِتَقْلِيدٍ قَدِيمٍ، وَلَا عِلْمًا شَابَ مِنَ الزَّمَنِ.»» وَبَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، نَقْلًا عَنْ دِيُودُورُسَ، يُعَلِّمُ أَنَّ أُورْفِيُوسَ وَهُومِيرُوسَ وَصُولُونَ وَفِيثَاغُورَسَ وَأَفْلَاطُونَ وَالسِّيبِيلَّةَ وَغَيْرَهُمْ، حِينَ كَانُوا فِي مِصْرَ، غَيَّرُوا رَأْيَهُمْ فِي تَعَدُّدِ الْآلِهَةِ، لِأَنَّهُمْ فِعْلًا تَعَلَّمُوا مِنْ مُوسَى عَنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ فِي الْبَدْءِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ. وَمِنْ هُنَا أَنْشَدَ أُورْفِيُوسُ:
يُوبِيتِرُ وَاحِدٌ، بْلُوتُو وَالشَّمْسُ وَبَاخُوسُ وَاحِدٌ،
إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ: لِمَاذَا أَقُولُ لَكَ هَذَا مَرَّتَيْنِ؟
أُشْهِدُكَ يَا سَمَاءُ، يَا أَصْلَ الْحَكِيمِ الْعَظِيمِ،
وَأَنْتَ يَا كَلِمَةَ الْآبِ، أَوَّلَ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ فَمِهِ،
حِينَ خَلَقَ بِتَدْبِيرِهِ الْخَاصِّ صَرْحَ الْعَالَمِ.
وَأَخِيرًا يُضِيفُ أَنَّ أَفْلَاطُونَ تَعَلَّمَ عَنِ اللهِ مِنْ مُوسَى، وَمِنْ هُنَا أَيْضًا سَمَّاهُ «تُو أُونْ»، أَيْ «ذَاكَ الَّذِي هُوَ كَائِنٌ»، كَمَا يُسَمِّيهِ مُوسَى «إِهْيِهْ»، أَيْ «الَّذِي هُوَ» أَوْ «أَنَا هُوَ الَّذِي أَنَا هُوَ». وَمِنَ الْمَصْدَرِ ذَاتِهِ أَيْضًا تَعَلَّمَ عَنْ خَلْقِ الْأَشْيَاءِ، وَالْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقِيَامَةِ الْأَجْسَادِ، وَالدَّيْنُونَةِ، وَعُقُوبَاتِ الْأَشْرَارِ، وَمُكَافَآتِ الصِّدِّيقِينَ، وَالرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي ظَنَّ أَفْلَاطُونُ أَنَّهُ نَفْسُ الْعَالَمِ؛ إِذْ لَمْ يَفْهَمْ مُوسَى فَهْمًا كَافِيًا، بَلْ حَرَّفَهُ لِيُوَافِقَ أَوْهَامَهُ الْخَاصَّةَ؛ وَمِنْ هُنَا وَقَعَ فِي أَخْطَاءٍ.
وَبِالْمِثْلِ يُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ «ضِدَّ يُولْيَانُوسَ» أَنَّ مُوسَى كَانَ أَقْدَمَ مِنْ أَقْدَمِ أَبْطَالِ الْأُمَمِ الَّذِينَ اعْتَبَرُوهُمْ هُمْ أَنْفُسُهُمُ الْأَكْثَرَ قِدَمًا.
اسْمَعْ سِجِلَّهُ الزَّمَنِيَّ الْعَالِمَ لِمُوسَى وَالْأُمَمِ: «فَلْنَنْزِلْ إِذَنْ مِنْ أَزْمَانِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى، وَلْنَبْدَأْ مِنْ جَدِيدٍ بِنُقَاطِ بِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ لِلسِّنِينَ، وَاضِعِينَ مِيلَادَ مُوسَى أَوَّلًا فِي الْحِسَابِ. فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ مُوسَى يَقُولُونَ إِنَّ بْرُومِيثِيُوسَ وَإِبِيمِيثِيُوسَ وُلِدَا، وَأَطْلَسَ أَخُو بْرُومِيثِيُوسَ، وَأَيْضًا أَرْغُوسَ الَّذِي يَرَى كُلَّ شَيْءٍ. وَفِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ مُوسَى مَلَكَ كِيكْرُوبْسُ أَوَّلًا فِي أَثِينَا، الْمُلَقَّبُ بِذِي الطَّبِيعَتَيْنِ: يَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَحَّى بِثَوْرٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَسَمَّى يُوبِيتِرَ الْإِلَهَ الْأَعْلَى عِنْدَ الْيُونَانِيِّينَ. وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ مِنْ مُوسَى يَقُولُونَ إِنَّ طُوفَانَ دِيوقَلِيُونَ كَانَ فِي ثِيسَالِيَةَ؛ وَأَيْضًا فِي إِثْيُوبِيَا ابْنُ الشَّمْسِ، كَمَا يَقُولُونَ، فَاثُونُ، احْتَرَقَ بِالنَّارِ. وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ مُوسَى أَعْطَى رَجُلٌ يُدْعَى هِيلِّينَ، ابْنُ دِيوقَلِيُونَ وَبِيرَّا، الْيُونَانِيِّينَ لَقَبَ اسْمِهِ الْخَاصِّ، بَيْنَمَا كَانُوا يُدْعَوْنَ قَبْلَ ذَلِكَ يُونَانِيِّينَ. وَفِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِئَةِ مِنْ مُوسَى أَسَّسَ دَارْدَانُوسُ مَدِينَةَ دَارْدَانِيَّةَ، حِينَ كَانَ يَحْكُمُ أَمِينْتَاسُ عِنْدَ الْآشُورِيِّينَ، وَسِثِينِيلُوسُ عِنْدَ الْأَرْغِيفِيِّينَ، وَرَعَمْسِيسُ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ؛ وَكَانَ هُوَ نَفْسُهُ يُدْعَى أَيْضًا مِصْرَ، أَخَا دَانَاوُسَ. وَفِي السَّنَةِ السِّتِّينَ بَعْدَ الْمِئَةِ بَعْدَ مُوسَى مَلَكَ قَادْمُوسُ فِي طِيبَةَ، الَّتِي كَانَتِ ابْنَتُهُ سِيمِيلِي، الَّتِي مِنْهَا وُلِدَ بَاخُوسُ كَمَا يَقُولُونَ مِنْ يُوبِيتِرَ. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْضًا لِينُوسُ الطِّيبِيُّ وَأَمْفِيُونُ الْمُوسِيقِيَّانِ. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْضًا تَوَلَّى فِينْحَاسُ بْنُ أَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَهَنُوتَ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ، بَعْدَ مَوْتِ هَارُونَ. وَفِي السَّنَةِ ١٩٥ بَعْدَ مُوسَى يَقُولُونَ إِنَّ الْعَذْرَاءَ بْرُوسِرْبِينَا اخْتُطِفَتْ مِنْ قِبَلِ آيْدُونِيُوسَ، أَيْ أُورْكُوسَ، مَلِكِ الْمُولُوسِيِّينَ؛ يُقَالُ إِنَّهُ رَبَّى كَلْبًا ضَخْمًا جِدًّا يُدْعَى كِيرْبِيرُوسَ، اخْتَطَفَ بِيرِيثُوسَ وَثِيسِيُوسَ حِينَ جَاءَا لِخَطْفِ زَوْجَتِهِ: وَلَمَّا هَلَكَ بِيرِيثُوسُ، وَصَلَ هِرَقْلُ وَأَنْقَذَ ثِيسِيُوسَ مِنْ خَطَرِ الْمَوْتِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، كَمَا يَزْعُمُونَ فِي أَسَاطِيرِهِمْ. وَفِي السَّنَةِ ٢٩٠ قَتَلَ بِيرْسِيُوسُ دِيُونِيسِيُوسَ، أَيْ لِيبِرَ، الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّ قَبْرَهُ فِي دِلْفِي بِجَانِبِ أَبُولُّو الذَّهَبِيِّ. وَفِي السَّنَةِ ٤١٠ بَعْدَ مُوسَى فُتِحَتْ إِيلِيُونُ (طْرُوَادَةُ)، حِينَ كَانَ إِيسِبُونُ قَاضِيًا عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَأَغَامِمْنُونُ عِنْدَ الْأَرْغِيفِيِّينَ، وَوَافْرِيسُ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ، وَتِيوتَامُوسُ عِنْدَ الْآشُورِيِّينَ.»
«فَيُجْمَعُ إِذَنْ مِنْ مِيلَادِ مُوسَى إِلَى خَرَابِ طْرُوَادَةَ ٤١٠ سَنَوَاتٍ.»
٧٦. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أُوغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ «ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ»، الْفَصْلِ ٦٩: «مُوسَى،» يَقُولُ، «الْعَبْدُ الْأَمِينُ لِلَّهِ، الْمُتَوَاضِعُ فِي رَفْضِ خِدْمَةٍ بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ، الْمُطِيعُ فِي قَبُولِهَا، الْوَفِيُّ فِي حِفْظِهَا، النَّشِيطُ فِي تَنْفِيذِهَا، السَّاهِرُ فِي حُكْمِ الشَّعْبِ، الشَّدِيدُ فِي التَّقْوِيمِ، الْمُلْتَهِبُ فِي الْمَحَبَّةِ، الصَّابِرُ فِي الِاحْتِمَالِ؛ الَّذِي مِنْ أَجْلِ مَنْ وُضِعَ عَلَيْهِمْ تَوَسَّطَ عِنْدَ اللهِ حِينَ اسْتَشَارَ، وَوَقَفَ ضِدَّهُ حِينَ غَضِبَ: حَاشَا لَنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ بِلِسَانِ فَاوُسْتُوسَ الْمُفْتَرِي، بَلْ بِفَمِ اللهِ الصَّادِقِ حَقًّا.»
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ «الْقَاعِدَةِ الرَّعَوِيَّةِ»، الْفَصْلِ ٥: «وَمِنْ هُنَا يَدْخُلُ مُوسَى خَيْمَةَ الِاجْتِمَاعِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَثِيرًا، وَالَّذِي فِي الدَّاخِلِ يُخْتَطَفُ فِي التَّأَمُّلِ، يَضْغَطُ عَلَيْهِ فِي الْخَارِجِ شُؤُونُ الضُّعَفَاءِ؛ فِي الدَّاخِلِ يَتَأَمَّلُ أَسْرَارَ اللهِ، وَفِي الْخَارِجِ يَحْمِلُ أَثْقَالَ الْجَسَدِيِّينَ، مُقَدِّمًا مِثَالًا لِلرُّعَاةِ بِأَنَّهُمْ حِينَ يَشُكُّونَ فِي الْخَارِجِ فِيمَا يُدَبِّرُونَ، يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشِيرُوا الرَّبَّ بِالصَّلَاةِ.»
وَيَقُولُ الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ عَلَى سِفْرِ الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ الْإِصْحَاحِ ٣، إِنَّ مُوسَى كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ إِلَى حَدٍّ أَنَّ الرَّبَّ أَخَذَ مِنْ رُوحِهِ وَأَشْرَكَ فِيهِ سَبْعِينَ شَيْخًا مِنْ شُيُوخِ الشَّعْبِ. وَالْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي الْعِظَةِ ١٦ عَلَى حِزْقِيَالَ يُقَدِّمُ مُوسَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ. وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ. فَلِمُوسَى يَقُولُ اللهُ: «أَنَا ظَهَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَاسْمِي أَدُونَايْ (يَهْوَهْ) لَمْ أُعْلِنْهُ لَهُمْ،» وَالَّذِي لَكَ يَا مُوسَى أُعْلِنُهُ وَأَكْشِفُهُ.
مُوسَى وَالْمَسِيحُ: تِسْعَةَ عَشَرَ تَوَازِيًا
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ مُوسَى عَلَامَةً صَرِيحَةً وَرَمْزًا لِلْمَسِيحِ؛ وَلِذَلِكَ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ تُنِيرُ النَّهَارَ وَالْقَمَرَ اللَّيْلَ، كَذَلِكَ أَنَارَ الْمَسِيحُ الْمَسِيحِيِّينَ فِي الشَّرِيعَةِ الْجَدِيدَةِ، وَأَنَارَ مُوسَى الْيَهُودَ فِي الْقَدِيمَةِ. وَلِهَذَا يُشَبِّهُ أَسْكَانِيُوسُ بِجَمَالٍ الْمَسِيحَ بِالشَّمْسِ وَمُوسَى بِالْقَمَرِ (مَارْتِينِنْغُوسُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥). فَأَوَّلًا، كَانَ مُوسَى مُشَرِّعَ أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ وَالْمَسِيحُ مُشَرِّعَ الْإِنْجِيلِ؛ ثَانِيًا، كَانَ لِمُوسَى لِقَاءَانِ فَرِيدَانِ مَعَ اللهِ: الْأَوَّلُ حِينَ تَلَقَّى أَلْوَاحَ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى مِنَ اللهِ عَلَى سِينَاءَ، وَالثَّانِي حِينَ تَلَقَّى الْأَلْوَاحَ الثَّانِيَةَ، وَعَادَ حِينَئِذٍ بِوَجْهٍ مُشِعٍّ وَكَأَنَّهُ ذُو قُرُونٍ. هَذِهِ الشَّهَادَاتُ أَعْطَاهَا اللهُ لَهُ. وَأَعْطَى لِلْمَسِيحِ شَهَادَتَيْنِ مُمَاثِلَتَيْنِ: الْأُولَى فِي مَعْمُودِيَّتِهِ، حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةِ حَمَامَةٍ، وَسُمِعَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ وَالثَّانِيَةُ حِينَ تَجَلَّى عَلَى طَابُورَ، وَشَهِدَ لَهُ مُوسَى وَإِيلِيَّا، أَيِ الشَّرِيعَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ. ثَالِثًا، صَنَعَ مُوسَى ضَرَبَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ مُذْهِلَةً فِي مِصْرَ، وَصَنَعَ الْمَسِيحُ مَا هُوَ أَعْظَمُ. رَابِعًا، كَلَّمَ مُوسَى اللهَ لَكِنْ فِي الظُّلْمَةِ، وَرَآهُ مِنَ الْخَلْفِ؛ أَمَّا الْمَسِيحُ فَوَجْهًا لِوَجْهٍ. خَامِسًا، سَمِعَ مُوسَى مِنَ اللهِ: «وَجَدْتَ نِعْمَةً عِنْدِي، وَعَرَفْتُكَ بِالِاسْمِ؛» وَسَمِعَ الْمَسِيحُ مِنَ الْآبِ: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ، لَهُ اسْمَعُوا.»
٧٨. اسْمَعْ أُوسَابِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ «بُرْهَانِ الْإِنْجِيلِ»، الَّذِي يَبْنِي مِنْ أَعْمَالِ مُوسَى وَالْمَسِيحِ مُقَابَلَةً عَجِيبَةً، سَأَخْتَصِرُ كَلِمَاتِهَا الْمُطَوَّلَةَ فِي قَلِيلٍ:
١. كَانَ مُوسَى مُشَرِّعَ الْأُمَّةِ الْيَهُودِيَّةِ، وَالْمَسِيحُ مُشَرِّعَ الْكَوْنِ بِأَسْرِهِ. ٢. أَزَالَ مُوسَى الْأَصْنَامَ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَطَرَدَهَا الْمَسِيحُ مِنْ كُلِّ أَقْطَارِ الْعَالَمِ تَقْرِيبًا. ٣. أَسَّسَ مُوسَى الشَّرِيعَةَ بِآيَاتٍ عَجِيبَةٍ، وَأَسَّسَ الْمَسِيحُ الْإِنْجِيلَ بِآيَاتٍ أَعْظَمَ. ٤. حَرَّرَ مُوسَى شَعْبَهُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَخَلَّصَ الْمَسِيحُ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ مِنْ نِيرِهِ. ٥. فَتَحَ مُوسَى أَرْضًا تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا، وَفَتَحَ الْمَسِيحُ أَرْضَ الْأَحْيَاءِ الْفُضْلَى. ٦. كَمَا أَنَّ مُوسَى طِفْلًا صَغِيرًا بِالْكَادِ وُلِدَ تَعَرَّضَ لِخَطَرٍ مُمِيتٍ مِنْ قَسْوَةِ فِرْعَوْنَ الَّذِي حَكَمَ عَلَى ذُكُورِ الشَّعْبِ الْيَهُودِيِّ بِالْمَوْتِ، كَذَلِكَ الْمَسِيحُ طِفْلًا سَجَدَ لَهُ الْمَجُوسُ، ثُمَّ اضْطُرَّ لِلِانْسِحَابِ إِلَى مِصْرَ بِسَبَبِ وَحْشِيَّةِ هِيرُودُسَ الَّذِي كَانَ يَذْبَحُ الْأَطْفَالَ. ٧. اشْتُهِرَ مُوسَى شَابًّا بِعِلْمِهِ فِي جَمِيعِ الْفُنُونِ؛ وَالْمَسِيحُ فِي الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ أَدْهَشَ أَعْلَمَ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ. ٨. صَامَ مُوسَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا مُتَغَذِّيًا بِالْكَلِمَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ، مُنْصَرِفًا إِلَى التَّأَمُّلِ الْإِلَهِيِّ. ٩. قَدَّمَ مُوسَى الْمَنَّ وَالسَّلْوَى لِلْجِيَاعِ فِي الْبَرِّيَّةِ؛ وَأَشْبَعَ الْمَسِيحُ فِي الْبَرِّيَّةِ خَمْسَةَ آلَافِ رَجُلٍ بِخَمْسَةِ أَرْغِفَةٍ. ١٠. عَبَرَ مُوسَى سَالِمًا مِيَاهَ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ؛ وَمَشَى الْمَسِيحُ عَلَى أَمْوَاجِ الْبَحْرِ. ١١. شَقَّ مُوسَى الْبَحْرَ بِعَصَاهُ الْمَمْدُودَةِ؛ وَانْتَهَرَ الْمَسِيحُ الرِّيحَ وَالْبَحْرَ فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. ١٢. ظَهَرَ مُوسَى عَلَى الْجَبَلِ بِوَجْهٍ مُتَأَلِّقٍ مُشِعٍّ؛ وَتَجَلَّى الْمَسِيحُ عَلَى الْجَبَلِ بِهَيْئَةٍ شَدِيدَةِ اللَّمَعَانِ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ.
١٣. لَمْ يَسْتَطِعْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يُثَبِّتُوا أَنْظَارَهُمْ عَلَى مُوسَى؛ وَأَمَامَ الْمَسِيحِ سَقَطَ التَّلَامِيذُ عَلَى وُجُوهِهِمْ مُرْتَعِبِينَ. ١٤. أَعَادَ مُوسَى مَرْيَمَ الْبَرْصَاءَ إِلَى صِحَّتِهَا السَّابِقَةِ؛ وَغَسَلَ الْمَسِيحُ مَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةَ الْمَغْمُورَةَ بِبُقَعِ الْخَطَايَا بِالنِّعْمَةِ السَّمَاوِيَّةِ. ١٥. دَعَا الْمِصْرِيُّونَ مُوسَى إِصْبَعَ اللهِ؛ وَقَالَ الْمَسِيحُ عَنْ نَفْسِهِ: «وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ بِإِصْبَعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ،» إِلَخْ.
١٦. اخْتَارَ مُوسَى ١٢ جَاسُوسًا؛ وَاخْتَارَ الْمَسِيحُ أَيْضًا ١٢ رَسُولًا. ١٧. عَيَّنَ مُوسَى ٧٠ شَيْخًا؛ وَالْمَسِيحُ ٧٠ تِلْمِيذًا. ١٨. عَيَّنَ مُوسَى يَشُوعَ بْنَ نُونَ خَلِيفَةً لَهُ؛ وَرَفَعَ الْمَسِيحُ بُطْرُسَ إِلَى الْحَبْرِيَّةِ الْعُظْمَى بَعْدَهُ. ١٩. كُتِبَ عَنْ مُوسَى: «لَمْ يَعْرِفْ إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ؛» وَعَنِ الْمَسِيحِ شَهِدَ الْمَلَائِكَةُ: «أَتَطْلُبُونَ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ؟ قَدْ قَامَ، لَيْسَ هُوَ هَاهُنَا.»
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ فِي الْعِظَةِ الْأُولَى عَلَى الْهِكْسَايِمِرُونِ: «مُوسَى حَتَّى وَهُوَ رَضِيعٌ مُعَلَّقٌ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ كَانَ مَحْبُوبًا وَمَرْضِيًّا عِنْدَ اللهِ؛ هُوَ نَفْسُهُ اخْتَارَ أَنْ يَخْتَبِرَ الْبَلَايَا وَالْمَشَقَّاتِ مَعَ شَعْبِ اللهِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِلَذَّةٍ مُؤَقَّتَةٍ مَعَ الْخَطِيئَةِ. كَانَ أَشَدَّ مُحِبٍّ وَحَافِظٍ لِلْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَشَرَسَ عَدُوٍّ لِلشَّرِّ وَالظُّلْمِ؛ فِي إِثْيُوبِيَا (فِي مِدْيَانَ) كَرَّسَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِلتَّأَمُّلِ؛ وَفِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ رَأَى اللهَ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَرَاهُ؛ وَمِنْ هُنَا يَقُولُ اللهُ عَنْهُ: «فَمًا إِلَى فَمٍ أُكَلِّمُهُ فِي رُؤْيَا، وَلَيْسَ بِأَلْغَازٍ.»»
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ النَّزْيَنْزِيَّ فِي الْخُطْبَةِ ٢٢، الَّتِي يُقَارِنُ فِيهَا الْقِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ وَأَخَاهُ غْرِيغُورِيُوسَ النِّيصِّيَّ بِمُوسَى وَهَارُونَ: «مَنْ كَانَ أَشْهَرَ الْمُشَرِّعِينَ؟ مُوسَى. مَنْ كَانَ أَقْدَسَ الْكَهَنَةِ؟ هَارُونُ. أَخَوَانِ لَا فِي الْجَسَدِ أَقَلَّ مِنَ التَّقْوَى: أَوْ بِالْأَحْرَى، ذَاكَ كَانَ إِلَهَ فِرْعَوْنَ، وَرَئِيسَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ وَمُشَرِّعَهُمْ، وَالدَّاخِلَ فِي السَّحَابَةِ، وَمُعَايِنَ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَحَكَمَهَا، وَبَانِيَ تِلْكَ الْخَيْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بَنَاهَا اللهُ لَا الْإِنْسَانُ؛ وَكَانَ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ وَكَاهِنَ الْكَهَنَةِ، مُسْتَخْدِمًا هَارُونَ لِسَانًا لَهُ، إِلَخْ. كِلَاهُمَا يُضَيِّقُ عَلَى مِصْرَ، وَيَشُقُّ الْبَحْرَ، وَيَحْكُمُ إِسْرَائِيلَ، وَيُغْرِقُ الْأَعْدَاءَ، وَيَسْتَنْزِلُ الْخُبْزَ مِنْ فَوْقُ، وَيَطَأُ الْمِيَاهَ، وَيَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى الْأَرْضِ الْمَوْعُودَةِ. فَكَانَ مُوسَى إِذَنْ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ وَكَاهِنَ الْكَهَنَةِ،» إِلَخْ.
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ، الَّذِي فِي بِدَايَةِ تَفْسِيرِهِ لِلرِّسَالَةِ إِلَى الْغَلَاطِيِّينَ يُعَلِّمُ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا فَحَسْبُ بَلْ رَسُولًا أَيْضًا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الرَّأْيِ الْمُشْتَرَكِ لِلْعِبْرَانِيِّينَ.
اسْمَعْ فِيلُونَ، أَعْلَمَ الْعِبْرَانِيِّينَ: «هَذِهِ هِيَ حَيَاةُ مُوسَى وَهَذَا هُوَ مَوْتُهُ: الْمَلِكِ، الْمُشَرِّعِ، الْحَبْرِ، النَّبِيِّ،» فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ «حَيَاةِ مُوسَى»، فِي الْخَاتِمَةِ.
اسْمَعِ الْأُمَمَ. نُومِينِيُوسُ كَمَا يَسْتَشْهِدُ بِهِ أُوسَابِيُوسُ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنَ «التَّهْيِئَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ»، الْفَصْلِ ٣، يُؤَكِّدُ أَنَّ أَفْلَاطُونَ وَفِيثَاغُورَسَ اتَّبَعَا تَعَالِيمَ مُوسَى، وَلِذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَفْلَاطُونُ إِلَّا مُوسَى يَتَكَلَّمُ بِاللُّغَةِ الْأَثِّيكِيَّةِ؟
مُوسَى بِوَصْفِهِ أَقْدَمَ لَاهُوتِيٍّ وَفَيْلَسُوفٍ وَشَاعِرٍ وَمُؤَرِّخٍ
أَضِفْ إِلَى هَؤُلَاءِ أُوبُولِيمُوسَ وَأَرْتَابَانُوسَ، اللَّذَيْنِ (كَمَا يَسْتَشْهِدُ بِهِمَا أُوسَابِيُوسُ فِي الْمَوْضِعِ ذَاتِهِ، الْفَصْلِ ٤) يَقُولَانِ إِنَّ مُوسَى نَقَلَ الْحُرُوفَ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ، وَأَسَّسَ أُمُورًا كَثِيرَةً أُخْرَى لِلْخَيْرِ الْعَامِّ، وَبِسَبَبِ تَفْسِيرِهِ لِلْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ دُعِيَ مِرْكُورِيُوسَ (هِرْمِسَ)، وَمِنْ هُنَا صَارُوا يَعْبُدُونَهُ كَإِلَهٍ.
بَطْلِيمُوسُ فِيلَادِلْفُوسُ (كَمَا يَشْهَدُ أَرِسْتِيَاسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْمُتَرْجِمِينَ الِاثْنَيْنِ وَالسَّبْعِينَ)، بَعْدَ أَنْ سَمِعَ شَرِيعَةَ مُوسَى، قَالَ لِدِيمِيتْرِيُوسَ: «لِمَاذَا لَمْ يَذْكُرْ أَيُّ مُؤَرِّخٍ أَوْ شَاعِرٍ عَمَلًا بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ؟» فَأَجَابَ دِيمِيتْرِيُوسُ: «لِأَنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ هِيَ شَرِيعَةُ أُمُورٍ مُقَدَّسَةٍ مُنْزَلَةٌ مِنَ اللهِ؛ وَلِأَنَّ بَعْضَ مَنْ حَاوَلُوا ذَلِكَ، مُرْتَعِبِينَ بِضَرْبَةٍ إِلَهِيَّةٍ، كَفُّوا عَنْ مَسْعَاهُمْ.» وَأَضَافَ فِي الْحَالِ أَمْثِلَةَ ثِيُوبُومْبُوسَ الْمُؤَرِّخِ وَثِيُودِكْتِيسَ الشَّاعِرِ الْمَأْسَاوِيِّ، الَّتِي ذَكَرْتُهَا آنِفًا.
دِيُودُورُسُ، أَفْضَلُ الْمُؤَرِّخِينَ جَمِيعًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوسْتِينُوسُ فِي «تَحْرِيضِهِ إِلَى الْيُونَانِيِّينَ»، يَذْكُرُ سِتَّةَ مُشَرِّعِينَ قُدَامَى، وَأَوَّلَهُمْ جَمِيعًا مُوسَى، الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا عَظِيمَ النَّفْسِ وَمَشْهُورًا بِأَقْوَمِ سِيرَةٍ، وَيُضِيفُ عَنْهُ أَيْضًا: «عِنْدَ الْيَهُودِ حَقًّا مُوسَى، الَّذِي يُسَمُّونَهُ إِلَهًا، إِمَّا بِسَبَبِ مَعْرِفَتِهِ الْعَجِيبَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَرَى أَنَّهَا سَتَنْفَعُ جُمْهُورَ النَّاسِ، وَإِمَّا بِسَبَبِ التَّفَوُّقِ وَالسُّلْطَانِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يُطِيعُ الْعَامَّةُ الشَّرِيعَةَ الَّتِي تَلَقَّوْهَا بِأَكْثَرِ رَغْبَةٍ. يَذْكُرُونَ أَنَّ الثَّانِيَ بَيْنَ الْمُشَرِّعِينَ كَانَ مِصْرِيًّا يُدْعَى سَاوْخِنِيسَ، رَجُلًا بَارِزَ الْحِكْمَةِ. وَيَقُولُونَ إِنَّ الثَّالِثَ كَانَ الْمَلِكَ سِيسُونْخِيسَ، الَّذِي لَمْ يَتَفَوَّقْ بَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ فِي الشُّؤُونِ الْحَرْبِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَبَحَ أَيْضًا شَعْبًا مُحَارِبًا بِسَنِّ الشَّرَائِعِ. وَيُعَيِّنُونَ الرَّابِعَ بَاخُورِيسَ، وَهُوَ أَيْضًا مَلِكٌ، يَذْكُرُونَ أَنَّهُ أَعْطَى الْمِصْرِيِّينَ أَحْكَامًا فِي أَسَالِيبِ الْحُكْمِ وَالتَّدْبِيرِ الْمَنْزِلِيِّ. وَالْخَامِسُ كَانَ الْمَلِكُ أَمَاسِيسُ. وَيُقَالُ إِنَّ السَّادِسَ هُوَ دَارِيُوسُ أَبُو أَحْشُوِيرُوشَ (خَشَايَارْشَا)، الَّذِي أَضَافَ إِلَى شَرَائِعِ الْمِصْرِيِّينَ.»
وَأَخِيرًا، يُخْبِرُنَا يُوسِيفُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ مُوسَى كَانَ أَوَّلَ مَنْ بَقِيَتْ كِتَابَاتُهُمْ أَوْ ذُكِرَ اسْمُهُمْ فِي كِتَابَاتِ الْأُمَمِ لَاهُوتِيًّا وَفَيْلَسُوفًا وَشَاعِرًا وَمُؤَرِّخًا. وَلِذَلِكَ كَانَ إِجْلَالُ مُوسَى عَظِيمًا لَيْسَ عِنْدَ الْيَهُودِ فَحَسْبُ بَلْ عِنْدَ الْأُمَمِ أَيْضًا. يَرْوِي يُوسِيفُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَشَرَ، الْفَصْلِ ٤، أَنَّ جُنْدِيًّا رُومَانِيًّا مَزَّقَ كُتُبَ مُوسَى، فَفِي الْحَالِ هَرَعَ الْيَهُودُ إِلَى الْوَالِي الرُّومَانِيِّ كُومَانُوسَ، مُطَالِبِينَ بِأَنْ يَنْتَقِمَ لَا لِإِهَانَتِهِمْ هُمْ، بَلْ لِلْإِهَانَةِ الْمُوَجَّهَةِ إِلَى الْأُلُوهِيَّةِ الْمُهَانَةِ. فَضَرَبَ كُومَانُوسُ الْجُنْدِيَّ الَّذِي انْتَهَكَ الشَّرِيعَةَ بِالْفَأْسِ.
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ مُوسَى أَقْدَمَ وَسَبَقَ بِزَمَنٍ بَعِيدٍ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْيُونَانِ وَالْأُمَمِ، أَيْ هُومِيرُوسَ وَهِيسِيُودُوسَ وَطَالِيسَ وَفِيثَاغُورَسَ وَسُقْرَاطَ، وَمَنْ هُمْ أَقْدَمُ مِنْهُمْ — أُورْفِيُوسَ وَلِينُوسَ وَمُوسَايُوسَ وَهِرَقْلَ وَأَسْقْلِيبْيُوسَ وَأَبُولُّو، بَلْ وَحَتَّى مِرْكُورِيُوسَ الْمُثَلَّثَ الْعَظَمَةِ (هِرْمِسُ تْرِيسْمِيجِيسْتُوسُ) نَفْسِهِ، الَّذِي كَانَ أَقْدَمَهُمْ جَمِيعًا. فَهَذَا مِرْكُورِيُوسُ الْمُثَلَّثُ الْعَظَمَةِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ ٣٩، كَانَ حَفِيدَ مِرْكُورِيُوسَ الْأَكْبَرِ، الَّذِي جَدُّهُ لِأُمِّهِ أَطْلَسُ الْفَلَكِيُّ وَمُعَاصِرُ بْرُومِيثِيُوسَ، وَقَدِ ازْدَهَرَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ مُوسَى. وَلَاحِظْ هُنَا أَنَّ مُوسَى كَتَبَ أَسْفَارَهُ الْخَمْسَةَ بِبَسَاطَةٍ، عَلَى نَحْوِ الْيَوْمِيَّاتِ أَوِ الْحَوْلِيَّاتِ؛ إِلَّا أَنَّ يَشُوعَ أَوْ مَنْ يُشْبِهُهُ رَتَّبَ هَذِهِ الْحَوْلِيَّاتَ ذَاتَهَا لِمُوسَى فِي نِظَامٍ، وَنَظَّمَهَا، وَأَضَافَ وَنَسَجَ فِيهَا عِبَارَاتٍ مُعَيَّنَةً. فَهَكَذَا فِي نِهَايَةِ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ أُضِيفَ مَوْتُ مُوسَى وَوُصِفَ مِنْ قِبَلِ يَشُوعَ أَوْ شَخْصٍ آخَرَ، إِذْ كَانَ مُوسَى قَدْ مَاتَ بِالتَّأْكِيدِ. وَكَذَلِكَ، لَيْسَ مِنْ مُوسَى بَلْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ كَمَا يَبْدُو، نُسِجَ مَدِيحُ وَدَاعَةِ مُوسَى فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ١٢: ٣. وَكَذَلِكَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ ١٤: ١٥ تُسَمَّى مَدِينَةُ لَايِشَ دَانًا، مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُسَمَّ دَانًا إِلَّا بَعْدَ زَمَنِ مُوسَى بِكَثِيرٍ، وَلِذَلِكَ اسْتُبْدِلَ اسْمُ دَانَ بِلَايِشَ هُنَاكَ لَا مِنْ قِبَلِ يَشُوعَ بَلْ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ عَاشَ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ٢١، أَضَافَ شَخْصٌ آخَرُ بِالْمِثْلِ الْآيَاتِ ١٤ وَ١٥ وَ٢٧. وَبِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا أُضِيفَ مَوْتُ يَشُوعَ مِنْ قِبَلِ شَخْصٍ آخَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَخِيرِ مِنْ سِفْرِ يَشُوعَ، الْآيَةِ ٢٩. وَبِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا رَتَّبَ بَارُوخُ نُبُوَّةَ إِرْمِيَا وَنَظَّمَهَا، كَمَا سَأُبَيِّنُ فِي مُقَدِّمَةِ إِرْمِيَا. وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ سُلَيْمَانَ لَمْ يَجْمَعْهَا وَيُرَتِّبْهَا هُوَ نَفْسُهُ بَلْ آخَرُونَ مِنْ كِتَابَاتِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ الْأَمْثَالِ ٢٥: ١.
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، تَعَلَّمَ مُوسَى هَذِهِ الْأُمُورَ وَتَلَقَّاهَا جُزْئِيًّا بِالتَّقْلِيدِ، وَجُزْئِيًّا بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، وَجُزْئِيًّا بِالْمُعَايَنَةِ الشَّخْصِيَّةِ: فَمَا يَرْوِيهِ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ وَاللَّاوِيِّينَ وَالْعَدَدِ وَالتَّثْنِيَةِ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ حَاضِرًا فِيهِ وَرَآهُ وَقَامَ بِهِ.
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، تَجَلَّى هَذَا الْإِجْلَالُ بِالشَّهَادَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ مَعًا. فَحِينَ أَمَرَ مَكْسِيمْيَانُوسُ وَدِيُوقْلِيتْيَانُوسُ بِمَرْسُومٍ بِتَسْلِيمِ كُتُبِ مُوسَى وَسَائِرِ كُتُبِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِلَيْهِمَا لِإِحْرَاقِهَا، قَاوَمَ الْمُؤْمِنُونَ مُفَضِّلِينَ الْمَوْتَ عَلَى تَسْلِيمِهَا. وَلِذَلِكَ خَاضَ كَثِيرُونَ صِرَاعًا مَجِيدًا مِنْ أَجْلِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَنَالُوا إِكْلِيلَ الشَّهَادَةِ الظَّافِرَ.
لَكِنْ حِينَ سَلَّمَ فُونْدَانُوسُ، أُسْقُفُ أَلُوتِينَا سَابِقًا، الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ الْمُدَنَّسُ يُلْقِيهَا فِي النَّارِ، فَجْأَةً انْهَمَرَ مَطَرٌ مِنْ سَمَاءٍ صَافِيَةٍ، وَانْطَفَأَتِ النَّارُ الَّتِي أُضْرِمَتْ لِلْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَعْقَبَهَا بَرَدٌ، وَدُمِّرَتِ الْمِنْطَقَةُ كُلُّهَا بِالْعَنَاصِرِ الْهَائِجَةِ دِفَاعًا عَنِ الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ، كَمَا تَذْكُرُ أَعْمَالُ الْقِدِّيسِ سَاتُورْنِينُوسَ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ سُورِيُوسَ تَحْتَ تَارِيخِ ١١ فِبْرَايِرَ.
صَلَاةٌ إِلَى مُوسَى
اُنْظُرْ إِلَيْنَا، نَسْأَلُكَ، أَيُّهَا الْقِدِّيسُ مُوسَى، يَا مَنْ كُنْتَ يَوْمًا مِنْ بَعِيدٍ عَلَى سِينَاءَ مُشَاهِدًا لِمَجْدِ اللهِ، وَمِنْ قَرِيبٍ عَلَى طَابُورَ لِمَجْدِ الْمَسِيحِ، وَالْآنَ تَتَمَتَّعُ بِكِلَيْهِمَا وَجْهًا لِوَجْهٍ. مُدَّ يَدَكَ مِنَ الْعَلَاءِ، وَأَجْرِ أَنْهَارَ حِكْمَتِكَ عَلَيْنَا، وَبِعَوْنِكَ وَصَلَوَاتِكَ وَاسْتِحْقَاقَاتِكَ اِمْنَحْنَا وَلَوْ شَرَارَةً مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الْأَزَلِيِّ. اِسْتَمِدَّ لَنَا مِنْ أَبِي الْأَنْوَارِ أَنْ يَقُودَنَا نَحْنُ دُوَيْدِبَاتِهِ الصَّغِيرَةَ إِلَى هَذِهِ الْحَرَمَاتِ الْمُقَدَّسَةِ لِأَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ؛ اِمْنَحْ أَنْ نَعْرِفَهُ فِي أَسْفَارِهِ الْمُقَدَّسَةِ؛ اِمْنَحْ أَنْ نُحِبَّهُ بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُهُ: فَإِنَّنَا لَا نَشْتَاقُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا لِنُحِبَّهُ، وَأَنْ نَشْتَعِلَ بِمَحَبَّتِهِ كَالْمَشَاعِلِ فَنُضْرِمَ الْآخَرِينَ وَالْعَالَمَ بِأَسْرِهِ. فَهَذَا هُوَ عِلْمُ الْقِدِّيسِينَ؛ فَهُوَ نَفْسُهُ حُبُّنَا وَخَوْفُنَا، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ تَتَّجِهُ جَمِيعُ هُمُومِنَا، وَلَهُ نُكَرِّسُ أَنْفُسَنَا وَكُلَّ مَا لَنَا. وَأَخِيرًا، قُدْنَا إِلَى الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ شَرِيعَتِكَ؛ لِيُرْشِدَ هُوَ بِنَفْسِهِ دِرَاسَاتِنَا وَمَسَاعِيَنَا كُلَّهَا وَيُوَفِّقَهَا وَيُبَلِّغَهَا إِلَى تَمَامِهَا، لِمَجْدِ مَنْ يُسَبِّحُهُ كُلُّ خَلِيقَةٍ — ذَلِكَ الْمَجْدُ الَّذِي يُنَادَى بِهِ فِي مَمْلَكَةِ كَنِيسَتِهِ الْمُجَاهِدَةِ الْآنَ، وَالَّذِي سَيُرَنَّمُ يَوْمًا مَا بِأَعْذَبِ تَرْنِيمٍ وَأَسْعَدِهِ فِي جَوْقِ الطُّوبَاوِيِّينَ الظَّافِرِينَ فِي السَّمَاءِ، مِنَّا جَمِيعًا نَحْنُ الْمُتَعَبِّدِينَ لَكَ، مَعَكَ، إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ كَمَا أَرْجُو. هُنَالِكَ سَنَقِفُ عَلَى بَحْرِ الزُّجَاجِ، كُلُّنَا نَحْنُ الَّذِينَ غَلَبْنَا الْوَحْشَ، «مُرَنِّمِينَ تَرْنِيمَةَ مُوسَى وَتَرْنِيمَةَ الْحَمَلِ قَائِلِينَ: عَظِيمَةٌ وَعَجِيبَةٌ هِيَ أَعْمَالُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الْإِلَهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ عَادِلَةٌ وَحَقٌّ هِيَ طُرُقُكَ يَا مَلِكَ الدُّهُورِ؛ مَنْ لَا يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لِأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ،» رُؤْيَا ١٥: ٣؛ لِأَنَّكَ اخْتَرْتَنَا، لِأَنَّكَ جَعَلْتَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، وَسَنَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ.
آمِينَ.