كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْفَصْلِ
يُقَامُ إِسْحَاقُ هُنَا مِنْ جَدِيدٍ وَارِثًا لِمَوَاعِيدِ الْإِيمَانِ، أَيْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَكَذَلِكَ لِمِحَنِ إِبْرَاهِيمَ وَتَغَرُّبِهِ. فَأَوَّلًا، يَظْهَرُ اللهُ وَيُبَارِكُ إِسْحَاقَ وَيُغْنِيهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٤، يَحْسُدُهُ الْجِرَارِيُّونَ وَيَسُدُّونَ آبَارَهُ. وَثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٤، يُعِيدُ اللهُ مُجَدَّدًا فِي بِئْرِ سَبْعٍ عَلَى إِسْحَاقَ الْمَوَاعِيدَ الَّتِي قَطَعَهَا لِأَبِيهِ، وَهُنَاكَ يَعْقِدُ إِسْحَاقُ عَهْدًا مَعَ الْجِرَارِيِّينَ. وَرَابِعًا، فِي الْآيَةِ ٣٤، يَتَّخِذُ عِيسُو زَوْجَاتٍ حِثِّيَّاتٍ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٦: ١-٣٥
١. وَحَدَثَتْ مَجَاعَةٌ فِي الْأَرْضِ، بَعْدَ الْقَحْطِ الَّذِي وَقَعَ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ، فَذَهَبَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِيمَالِكَ مَلِكِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ فِي جَرَارَ. ٢. فَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَقَالَ: لَا تَنْزِلْ إِلَى مِصْرَ، بَلِ اسْكُنْ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَقُولُ لَكَ. ٣. وَتَغَرَّبْ فِيهَا، وَأَكُونُ مَعَكَ وَأُبَارِكُكَ: فَإِنِّي لَكَ وَلِنَسْلِكَ أُعْطِي جَمِيعَ هَذِهِ الْأَرَاضِي، مُتَمِّمًا الْقَسَمَ الَّذِي أَقْسَمْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. ٤. وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَأُعْطِي ذُرِّيَّتَكَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَرَاضِي، وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ، ٥. لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَطَاعَ صَوْتِي وَحَفِظَ وَصَايَايَ وَأَوَامِرِي، وَرَاعَى طُقُوسِي وَشَرَائِعِي. ٦. فَأَقَامَ إِسْحَاقُ فِي جَرَارَ. ٧. وَلَمَّا سَأَلَهُ رِجَالُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ زَوْجَتِهِ، أَجَابَ: هِيَ أُخْتِي؛ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِأَنَّهَا مُقْتَرِنَةٌ بِهِ بِالزَّوَاجِ، ظَانًّا أَنَّهُمْ رُبَّمَا يَقْتُلُونَهُ بِسَبَبِ جَمَالِهَا. ٨. وَلَمَّا مَضَتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ وَهُوَ مُقِيمٌ هُنَاكَ، نَظَرَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنَ النَّافِذَةِ فَرَآهُ يُدَاعِبُ رِفْقَةَ امْرَأَتَهُ. ٩. فَاسْتَدْعَاهُ وَقَالَ: وَاضِحٌ أَنَّهَا زَوْجَتُكَ. لِمَاذَا كَذَبْتَ أَنَّهَا أُخْتُكَ؟ أَجَابَ: خِفْتُ أَنْ أَمُوتَ بِسَبَبِهَا. ١٠. فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: لِمَاذَا خَدَعْتَنَا؟ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَضْطَجِعَ أَحَدٌ مِنَ الشَّعْبِ مَعَ امْرَأَتِكَ، وَلَكُنْتَ جَلَبْتَ عَلَيْنَا خَطِيئَةً عَظِيمَةً. وَأَمَرَ جَمِيعَ الشَّعْبِ قَائِلًا: ١١. مَنْ يَمَسُّ امْرَأَةَ هَذَا الرَّجُلِ مَوْتًا يَمُوتُ. ١٢. وَزَرَعَ إِسْحَاقُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ، فَوَجَدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ نَفْسِهَا مِئَةَ ضِعْفٍ، وَبَارَكَهُ الرَّبُّ. ١٣. فَاغْتَنَى الرَّجُلُ، وَمَا زَالَ يَتَقَدَّمُ وَيَنْمُو حَتَّى صَارَ عَظِيمًا جِدًّا. ١٤. وَكَانَتْ لَهُ أَيْضًا مَوَاشٍ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، وَحَشَمٌ كَثِيرٌ. فَحَسَدَهُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ عَلَى ذَلِكَ، ١٥. وَسَدُّوا جَمِيعَ الْآبَارِ الَّتِي حَفَرَهَا عَبِيدُ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ، فَمَلَأُوهَا تُرَابًا. ١٦. حَتَّى إِنَّ أَبِيمَالِكَ نَفْسَهُ قَالَ لِإِسْحَاقَ: ارْحَلْ عَنَّا، لِأَنَّكَ صِرْتَ أَقْوَى مِنَّا كَثِيرًا. ١٧. فَارْتَحَلَ لِيَأْتِيَ إِلَى وَادِي جَرَارَ وَيُقِيمَ هُنَاكَ. ١٨. فَحَفَرَ ثَانِيَةً آبَارًا أُخْرَى كَانَ عَبِيدُ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ قَدْ حَفَرُوهَا، وَكَانَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ قَدْ سَدُّوهَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَدَعَاهَا بِنَفْسِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ قَدْ سَمَّاهَا بِهَا مِنْ قَبْلُ. ١٩. وَحَفَرُوا فِي الْوَادِي فَوَجَدُوا مَاءً حَيًّا. ٢٠. وَلَكِنْ هُنَاكَ أَيْضًا تَخَاصَمَ رُعَاةُ جَرَارَ مَعَ رُعَاةِ إِسْحَاقَ قَائِلِينَ: الْمَاءُ لَنَا. فَلِهَذَا السَّبَبِ، بِحَسَبِ مَا وَقَعَ، دَعَا اسْمَ الْبِئْرِ بُهْتَانًا. ٢١. وَحَفَرُوا بِئْرًا أُخْرَى أَيْضًا، فَتَخَاصَمُوا عَلَيْهَا أَيْضًا، فَدَعَاهَا عَدَاوَاتٍ. ٢٢. فَارْتَحَلَ مِنْ هُنَاكَ وَحَفَرَ بِئْرًا أُخْرَى لَمْ يَتَنَازَعُوا عَلَيْهَا؛ فَدَعَا اسْمَهَا الرَّحَابَةَ قَائِلًا: الْآنَ أَرْحَبَنَا الرَّبُّ وَجَعَلَنَا نَنْمُو عَلَى الْأَرْضِ. ٢٣. وَصَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. ٢٤. فَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَيْنِهَا قَائِلًا: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ؛ لَا تَخَفْ فَإِنِّي مَعَكَ: أُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ مِنْ أَجْلِ عَبْدِي إِبْرَاهِيمَ. ٢٥. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا، وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ؛ وَأَمَرَ عَبِيدَهُ أَنْ يَحْفِرُوا بِئْرًا. ٢٦. وَلَمَّا جَاءَ مِنْ جَرَارَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَبِيمَالِكُ وَأَحُزَّاتُ صَدِيقُهُ وَفِيكُولُ قَائِدُ جَيْشِهِ، ٢٧. قَالَ لَهُمْ إِسْحَاقُ: لِمَاذَا جِئْتُمْ إِلَيَّ، وَأَنْتُمْ تُبْغِضُونَنِي وَقَدْ طَرَدْتُمُونِي مِنْ بَيْنِكُمْ؟ ٢٨. فَأَجَابُوا: رَأَيْنَا أَنَّ الرَّبَّ مَعَكَ، فَقُلْنَا: لِيَكُنْ بَيْنَنَا قَسَمٌ، وَلْنَعْقِدْ عَهْدًا، ٢٩. أَنْ لَا تَصْنَعَ بِنَا شَرًّا، كَمَا أَنَّنَا لَمْ نَمَسَّ شَيْئًا مِنْ أَمْلَاكِكَ، وَلَمْ نَفْعَلْ بِكَ مَا يُؤْذِيكَ، بَلْ أَطْلَقْنَاكَ بِسَلَامٍ مُتَزَايِدًا بِبَرَكَةِ الرَّبِّ. ٣٠. فَصَنَعَ لَهُمْ وَلِيمَةً، وَبَعْدَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، ٣١. قَامُوا صَبَاحًا وَأَقْسَمُوا لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَأَطْلَقَهُمْ إِسْحَاقُ بِسَلَامٍ إِلَى مَوْضِعِهِمْ. ٣٢. وَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ جَاءَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الْبِئْرِ الَّتِي حَفَرُوهَا قَائِلِينَ: وَجَدْنَا مَاءً. ٣٣. فَدَعَاهَا الْوَفْرَةَ؛ وَسُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ بِئْرَ سَبْعٍ إِلَى الْيَوْمِ الْحَاضِرِ. ٣٤. وَلَمَّا كَانَ عِيسُو ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ زَوْجَاتٍ: يَهُودِيتَ بِنْتَ بِئِيرِي الْحِثِّيِّ، وَبَاسْمَةَ بِنْتَ أَيْلُونَ مِنْ نَفْسِ الْمَوْضِعِ. ٣٥. وَكَانَتَا كِلْتَاهُمَا قَدْ أَسَاءَتَا إِلَى قَلْبَيْ إِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ.
الْآيَةُ ١: أَبِيمَالِكُ
أَبِيمَالِكُ — لَيْسَ ذَاكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَيُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ؛ بَلْ هُوَ آخَرُ، رُبَّمَا ابْنُهُ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ عَاشَ قَبْلَ هَذَا بِمِئَةِ سَنَةٍ: إِذْ مَلَكَ قَبْلَ وِلَادَةِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ إِسْحَاقُ الْآنَ يَقْرُبُ مِنَ الْمِئَةِ عَامًا، كَمَا يُسْتَنْتَجُ مِنَ الْآيَةِ ٣٤. هَكَذَا يَرَى الْأَبُولِنْسِيُّ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ. يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ أَبِيمَالِكَ كَانَ اسْمًا مُشْتَرَكًا لِمُلُوكِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ، ثُمَّ بَطْلَيْمُوسُ لَاحِقًا، الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ لِمُلُوكِ مِصْرَ، وَقَيْصَرُ لِأَبَاطِرَةِ الرُّومَانِ. هَكَذَا يَقُولُ بُرُوكُوبِيُوسُ وَدِيُودُورُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ عَلَى حِزْقِيَالَ. وَكَمَا يَشْهَدُ بُرُوكُوبِيُوسُ وَدِيُودُورُوسُ، فَإِنَّ أَبِيمَالِكَ بِالْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي «أَبٌ مَلِكٌ»، كَأَنَّكَ تَقُولُ: «أَبُو الْوَطَنِ». فَإِنَّ الْمَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَبًا لِرَعَايَاهُ، وَمِنْ هُنَا أَيْضًا دَعَا الرُّومَانُ أَبَاطِرَتَهُمْ «آبَاءَ الْوَطَنِ».
الْآيَةُ ٥: صَوْتِي
صَوْتِي — أَيْ أَمْرِي بِذَبْحِ ابْنِهِ. يَحُثُّ اللهُ إِسْحَاقَ بِذِكْرِ طَاعَةِ أَبِيهِ، لِكَيْ يَسْعَى، إِذْ يَرَى كَيْفَ كُوفِئَتْ فِيهِ هُوَ نَفْسُهُ، إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَا، بَلْ إِلَى التَّفَوُّقِ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ يَنَالُ مِنَ اللهِ ثَوَابًا أَعْظَمَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ٥: الطُّقُوسُ
الطُّقُوسُ — سَوَاءٌ الطَّقْسُ الْخَاصُّ بِالْخِتَانِ، أَوْ غَيْرُهَا مِنَ الطُّقُوسِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْجَمِيعِ، الَّتِي أَسَّسَهَا اللهُ فِي شَرِيعَةِ الطَّبِيعَةِ وَأَرَادَ أَنْ يُعْبَدَ بِهَا. فَإِنَّ شَرِيعَةَ الطَّبِيعَةِ كَانَتْ لَهَا، كَشَرِيعَةِ مُوسَى وَشَرِيعَةِ الْمَسِيحِ، طُقُوسُهَا الْخَاصَّةُ وَمُقَدَّسَاتُهَا وَأَسْرَارُهَا.
الْآيَةُ ٧: هِيَ أُخْتِي
هِيَ أُخْتِي (قَرِيبَتِي). — اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْفَصْلِ ٢٠: ١٢.
الْآيَةُ ٨: رَآهُ يُدَاعِبُ رِفْقَةَ
رَآهُ يُدَاعِبُ رِفْقَةَ. — الْمُفَسِّرُونَ الْيَهُودُ الْأَنْجَاسُ يَفْهَمُونَ هَذِهِ الْمُدَاعَبَةَ عَلَى أَنَّهَا الِاتِّحَادُ الزَّوْجِيُّ. وَلَكِنْ بَعِيدًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلْبِيِّينَ! مَنْ يُصَدِّقُ أَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْوَقَاحَةِ وَالْفُجُورِ وَالسَّفَاهَةِ عَلَانِيَةً وَالْمَلِكُ يُرَاقِبُ؟ أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ الْعِبْرِيَّةَ تَسْتَعْمِلُ لِقَوْلِهِ «يُدَاعِبُ» كَلِمَةَ مِتْصَاحِيقْ، أَيْ «يَضْحَكُ» أَوْ «يَلْعَبُ» مَعَ رِفْقَةَ، بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُمَازِحُ بِهَا الزَّوْجُ الْعَفِيفُ الْجَادُّ زَوْجَتَهُ أَحْيَانًا مُمَازَحَةً شَرِيفَةً وَيَضْحَكُ وَيَلْعَبُ مَعَهَا — وَهُوَ مَا لَا يَجْرُؤُ عَلَيْهِ مَعَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلِيقُ.
الْآيَةُ ١٠: لَكُنْتَ جَلَبْتَ عَلَيْنَا خَطِيئَةً عَظِيمَةً
لَكُنْتَ جَلَبْتَ عَلَيْنَا خَطِيئَةً عَظِيمَةً — أَيْ لَكُنْتَ أَعْطَيْتَ سَبَبًا لِخَطِيئَةٍ عَظِيمَةٍ. وَلِكَلِمَةِ «خَطِيئَةٍ» فِي الْعِبْرِيَّةِ أَشَمْ، الَّتِي تَعْنِي أَوَّلًا خَطِيئَةً ارْتُكِبَتْ عَنْ جَهْلٍ — وَمِنْ ثَمَّ تَرْجَمَهَا السَّبْعِينِيُّونَ أَغْنُويَان، أَيْ «جَهْلًا»؛ وَثَانِيًا، الْعِقَابَ وَالْخَرَابَ الَّذِي يُنْزَلُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَطِيئَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ هُنَا بِكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ.
الْآيَةُ ١١: مَوْتًا يَمُوتُ
مَوْتًا يَمُوتُ. — لَاحِظْ هُنَا الشَّرِيعَةَ الْقَدِيمَةَ وَالْأُولَى وَعُقُوبَةَ الْمَوْتِ ضِدَّ الزُّنَاةِ؛ وَهِيَ لَا يَبْدُو أَنَّهَا سُنَّتْ هُنَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَلِ الْأَرْجَحُ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ وُضِعَتْ سَابِقًا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَإِنَّمَا طُبِّقَتْ وَهُدِّدَ بِهَا هُنَا ضِدَّ مَنْ قَدْ يَنْتَهِكُ حُرْمَةَ رِفْقَةَ. وَبِنَفْسِ عُقُوبَةِ الْمَوْتِ عَاقَبَ اللهُ لَاحِقًا الزُّنَاةَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى.
فَإِنَّ الزِّنَا جَرِيمَةٌ خَطِيرَةٌ، يَنْتَقِمُ لَهَا اللهُ بِمُعَاقَبَةِ لَا الْأُمَرَاءِ فَحَسْبُ بَلْ وَالرَّعَايَا أَيْضًا. فَبِسَبَبِ زِنَا بَارِيسَ مَعَ هِيلَانَةَ هَلَكَتْ طَرْوَادَةُ وَمَمْلَكَةُ طَرْوَادَةَ. وَبِسَبَبِ زِنَا تَارْكْوِينِيُوسَ مَعَ لُوكْرِيتِيَا طُرِدَ الْمُلُوكُ مِنْ رُومَا إِلَى الْأَبَدِ عَلَى يَدِ الرُّومَانِ. وَهَكَذَا عُوقِبَ دَاوُدُ الَّذِي أَخْطَأَ مَعَ بَتْشَبَعَ عِقَابًا شَدِيدًا جِدًّا، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي الْمُلُوكِ الثَّانِي ١٢: ١٠؛ وَلِلْمَزِيدِ فِي هَذَا الشَّأْنِ اُنْظُرِ الْفَصْلَ ٣٨: ٢٤.
الْآيَةُ ١٢: زَرَعَ
زَرَعَ — فِي حَقْلٍ لَيْسَ مُلْكًا لَهُ، بَلْ مُسْتَأْجَرٍ مِنَ الْجِرَارِيِّينَ: فَلَمْ يَمْلِكْ إِبْرَاهِيمُ وَلَا إِسْحَاقُ وَلَا يَعْقُوبُ حُقُولًا أَوْ بُيُوتًا فِي كَنْعَانَ، بَلْ ظَلُّوا يَتَغَرَّبُونَ فِيهَا كَحُجَّاجٍ. نَرَى هُنَا أَنَّ إِسْحَاقَ وَالْقِدِّيسِينَ لَمْ يَكْسَلُوا، رَغْمَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ سَيُبَارَكُونَ بِهَذَا الْقَدْرِ وَأَنَّ اللهَ وَعَدَ بِذَلِكَ؛ بَلْ يَجْتَهِدُونَ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ لِئَلَّا يُجَرِّبُوا اللهَ. فَهَكَذَا يَزْرَعُ إِسْحَاقُ، وَاللهُ يُبَارِكُ الزَّرْعَ.
الْآيَةُ ١٢: وَجَدَ مِئَةَ ضِعْفٍ
وَجَدَ (لَا غَيْرُهُ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ) فِي تِلْكَ السَّنَةِ نَفْسِهَا (سَنَةِ الْقَحْطِ) مِئَةَ ضِعْفٍ. — فَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذَا الْحِصَادَ الْعَظِيمَ لَمْ يَأْتِ إِسْحَاقَ بِالزِّرَاعَةِ وَلَا بِخِصْبِ الْحُقُولِ، بَلْ بِمُعْجِزَةٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ؛ بِحَيْثُ أَنَّهُ مِنْ صَاعٍ وَاحِدٍ زَرَعَهُ حَصَدَ مِئَةَ صَاعٍ. وَهَكَذَا يُسَمِّي بْلِينِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ، الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ، أَخْصَبَ الْقَمْحِ سِنْتِيغْرَانُومْ (أَيْ «حَبَّةُ الْمِئَةِ»). وَفِي الْعِبْرِيَّةِ حَرْفِيًّا: «وَوَجَدَ مِئَةَ مِكْيَالٍ». هَكَذَا يَقُولُ بَانْيِينُوسُ وَفَاتَابْلُوسُ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنَّ شْعُورِيمْ بِحَرْفِ الشِّينِ تَعْنِي «مَكَايِيلَ»؛ أَمَّا السَّبْعِينِيُّونَ وَالتَّرْجَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ فَقَرَأُوهَا سْعُورِيمْ بِحَرْفِ السِّينِ فَتَرْجَمُوهَا: وَجَدَ مِئَةَ ضِعْفٍ مِنَ الشَّعِيرِ.
وَثَالِثًا، يَتَرْجِمُهَا آخَرُونَ: وَجَدَ مِئَةَ تَقْدِيرٍ، أَيْ مِئَةَ ضِعْفِ مَا كَانَ قَدَّرَهُ؛ لِأَنَّ الْجِذْرَ شَعَرَ يَعْنِي يُفَكِّرُ، يُقَدِّرُ. وَمِنْ ثَمَّ يَتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: وَجَدَ مِئَةَ ضِعْفِ مَا قَدَّرَهُ.
الْآيَةُ ١٢: الْمَعْنَى التَّرُوبُولُوجِيُّ
تَرُوبُولُوجِيًّا، إِنَّ أَخْصَبَ أَرْضٍ هِيَ الْفَقْرُ، الَّذِي إِنْ زَرَعْتَ فِيهِ تَنَلْ مِئَةَ ضِعْفٍ؛ فَهَذَا مَا يَقُولُهُ الْمَسِيحُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى ١٩: ٢٩: «كُلُّ مَنْ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً، إِلَى آخِرِهِ، أَوْ حُقُولًا مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَنَالُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ.» وَإِشَارَةً إِلَى هَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ٢٦ إِلَى بَمَّاكِيُوسَ هَكَذَا: «إِنَّ مَوَاعِيدَ الْمَسِيحِ تُرَدُّ بِفَائِدَةٍ مِئَوِيَّةٍ: فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَقْلِ زَرَعَ إِسْحَاقُ يَوْمًا.» وَبِحَقٍّ يُنْشِدُ الطُّوبَاوِيُّ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ:
طُوبَى لِمَنْ يَشْتَرِي الْمَسِيحَ بِجَمِيعِ ثَرَوَاتِهِ.
وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي عِظَتِهِ الْأَخِيرَةِ «فِي مَوْضُوعَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ»: «مَا أَمْجَدَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يَبِيعَ مُمْتَلَكَاتِهِ وَيَشْتَرِيَ الْمَسِيحَ؟»
الْآيَةُ ١٢: وَبَارَكَهُ
وَبَارَكَهُ — أَيْ لِأَنَّ اللهَ كَانَ قَدْ بَارَكَهُ، أَيْ بِأَنْ جَعَلَهُ غَنِيًّا. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ. فَإِنَّ وَاوَ الْعَطْفِ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً؛ وَالْمَاضِي التَّامُّ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ كَثِيرًا مَا يُؤْخَذُ بِمَعْنَى الْمَاضِي الْأَسْبَقِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ تَمْنَحْ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ لِإِسْحَاقَ السَّمَاءُ وَلَا الْأَرْضُ وَلَا الْحُقُولُ، بَلْ بَرَكَةُ الرَّبِّ وَحْدَهَا الَّتِي تُغْنِي النَّاسَ.
الْآيَةُ ١٢: اللهُ يُبَارِكُ عَمَلَ الْمُزَارِعِينَ
أَضِفْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ اللهَ بَارَكَ إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِجِدٍّ وَحَرَثَ الْحَقْلَ: فَإِنَّ اللهَ يَتَدَخَّلُ فِي عَمَلِ الْمُزَارِعِينَ وَيُبَارِكُهُ. فَلَمَّا كَانَ الدِّيكْتَاتُورُونَ وَأَعْضَاءُ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ الْقُدَامَى عِنْدَ الرُّومَانِ يَحْرُثُونَ حَقْلًا مِنْ خَمْسَةِ أَجْرِبَةٍ، كَانَ الْمَحْصُولُ يَكْفِي بِوَفْرَةٍ لِإِطْعَامِ الْعَائِلَةِ كُلِّهَا؛ وَبَعْدَمَا اسْتَعَانُوا بِالْخَدَمِ وَحَرَثُوا الْحُقُولَ بِوَاسِطَتِهِمْ، لَمْ تَعُدِ الضِّيَاعُ الْكُبْرَى تَكْفِي: فَالْأَوَّلُونَ عَمِلُوا طَوْعًا وَبِجِدٍّ، وَالْآخَرُونَ بِفُتُورٍ وَشِبْهِ إِكْرَاهٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَرُدَّ الْأَرْضُ فَضْلَهَا عَلَى مَنْ يَعْمَلُ هَكَذَا، كَأَنَّهَا سَاخِطَةٌ. وَمَشْهُورٌ مَا يَكْتُبُونَهُ عَنْ غَايُوسَ فُورِيُوسَ كْرِيسِينُوسَ الَّذِي، إِذْ كَانَ يَحْصُدُ مِنْ حَقْلٍ صَغِيرٍ ثَمَرًا أَوْفَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَحْصُدُهُ جِيرَانُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْحُقُولِ، صَارَ مَوْضِعَ حَسَدٍ عَظِيمٍ، وَكَأَنَّهُ يَجْتَذِبُ مَحَاصِيلَ الْآخَرِينَ بِالسِّحْرِ. فَلَمَّا اسْتُدْعِيَ إِلَى الْمُحَاكَمَةِ أَمَامَ الْقُرُولِيِّ سْبُورِيُوسَ أَلْبِينُوسَ، وَخَافَ مِنَ الْإِدَانَةِ، إِذْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْثُلَ أَمَامَ تَصْوِيتِ الْقَبَائِلِ، أَحْضَرَ جَمِيعَ أَدَوَاتِ الزِّرَاعَةِ إِلَى السَّاحَةِ، وَأَحْضَرَ ابْنَتَهُ الْقَوِيَّةَ، وَالْمَعَاوِلَ الثَّقِيلَةَ، وَالْمَحَارِيثَ الرَّزِينَةَ، وَالثِّيرَانَ السَّمِينَةَ؛ ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ هِيَ سُحُورِي أَيُّهَا الْمُوَاطِنُونَ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُرِيَكُمْ أَوْ أُحْضِرَ إِلَى السَّاحَةِ سَهَرَاتِي وَأَرِقِي وَعَرَقِي.» فَبُرِّئَ بِأَصْوَاتِ الْجَمِيعِ. وَهَكَذَا هُوَ الْأَمْرُ حَقًّا: ثَمَرُ الْحَقْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النَّفَقَةِ بَلْ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا إِنَّ أَخْصَبَ شَيْءٍ فِي الْحَقْلِ هُوَ عَيْنُ صَاحِبِهِ وَقَدَمُهُ؛ فَعَيْنُ صَاحِبِهِ تُسَمِّنُ الْفَرَسَ، وَقَدَمُ صَاحِبِهِ تُسَمِّنُ الْحَقْلَ.
الْآيَةُ ١٢: الدَّرْسُ الْأَخْلَاقِيُّ
أَخْلَاقِيًّا، لَاحِظْ أَنَّ إِسْحَاقَ، لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي جَرَارَ بِأَمْرِ اللهِ، أُغْنِيَ هُنَاكَ مِنَ اللهِ: فَحَيْثُمَا يَبْقَى الْمَرْءُ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، هُنَاكَ يُبَارَكُ وَيُوَفَّقُ مِنَ اللهِ. فَلْيُلَاحِظْ ذَلِكَ الرُّهْبَانُ، وَلَا يَرْغَبُوا فِي تَغْيِيرِ الْمَوَاقِعِ الْمُحَدَّدَةِ لَهُمْ.
الْآيَةُ ١٥: سَدُّوا الْآبَارَ
سَدُّوا الْآبَارَ. — هَكَذَا رَمْزِيًّا، يَسُدُّ الْهَرَاطِقَةُ الْحَاسِدُونَ لِلْكَاثُولِيكِيِّينَ آبَارَ الْعَقِيدَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، أَيِ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ وَالتَّقَالِيدَ، وَالْأَسْرَارَ وَالْمُقَدَّسَاتِ نَفْسَهَا بِبِدَعِهِمْ وَأَدْرَانِهِمْ، كَمَا يَقُولُ أُورِيجَنُوسُ.
الْآيَةُ ١٦: ارْحَلْ عَنَّا
ارْحَلْ عَنَّا. — اُنْظُرْ هُنَا كَيْفَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ الثِّقَةُ فِي عَطْفِ الْمُلُوكِ أَوِ الشَّعْبِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْحَسَدَ خَائِفٌ وَمُرْتَابٌ: فَبِسَبَبِهِ يُطْرَدُ إِسْحَاقُ هُنَا. غَيْرَ أَنَّ اللهَ أَرَادَ لَهُ التَّغَرُّبَ لِأَسْبَابٍ أُخْرَى: أَوَّلًا، لِامْتِحَانِ إِيمَانِهِ وَفَضِيلَتِهِ؛ ثَانِيًا، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اللهُ بِتَقْوَاهُ وَسِيرَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى أَيْضًا؛ ثَالِثًا، لِيُعَلِّمَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَعَلَّقُوا بِأَيِّ مَكَانٍ، بَلْ لَا بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْضِيٍّ، وَأَنْ يَكُونُوا دَائِمًا مُسْتَعِدِّينَ لِتَرْكِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ اللهِ إِذَا اقْتَضَتِ الظُّرُوفُ ذَلِكَ.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٥٢: «يَقُولُ الْمَلِكُ لِلْغَرِيبِ: ارْحَلْ عَنَّا، لِأَنَّكَ صِرْتَ أَقْوَى مِنَّا. وَحَقًّا كَانَ أَقْوَى، إِذْ كَانَتْ لَهُ الْحِمَايَةُ السَّمَاوِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَمُحَصَّنًا بِيَمِينِ اللهِ. فَأَيْنَ تَطْرُدُ الْبَارَّ؟ أَلَا تَعْلَمُ أَنَّهُ حَيْثُمَا أَجْبَرْتَهُ أَنْ يَذْهَبَ سَيَكُونُ دَائِمًا فِي شُؤُونِ رَبِّهِ؟ أَلَمْ تُعَلِّمْكَ تَجْرِبَةُ الْأَحْدَاثِ أَنَّ يَدَ اللهِ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْبَارَّ عَزِيزًا وَتَحْفَظُهُ؟ فَلِمَاذَا إِذَنْ بِطَرْدِكَ الْبَارَّ تُظْهِرُ جُحُودَكَ لِلرَّبِّ؟ وَلَمْ تَسْتَطِعْ حِلْمُ الرَّجُلِ الْعَظِيمُ أَنْ يُرَوِّضَ حَسَدَكَ، بَلْ مَغْلُوبًا بِالْحَسَدِ تُحَقِّقُهُ فِعْلًا، وَتُجْبِرُهُ مُجَدَّدًا عَلَى الرَّحِيلِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُؤْذِكَ فِي شَيْءٍ. أَلَا تَعْلَمُ أَنَّكَ حَتَّى لَوْ طَرَدْتَهُ إِلَى أَشَدِّ الْبَرَارِيِّ وَحْشَةً، فَسَيَكُونُ لَهُ رَبٌّ قَدِيرٌ يَعْرِفُ كَيْفَ يُعِينُهُ وَيَجْعَلُهُ أَشَدَّ مَجْدًا؟ فَلَا شَيْءَ أَقْوَى مِنَ التَّمَتُّعِ بِالْحِمَايَةِ السَّمَاوِيَّةِ، كَمَا لَا شَيْءَ أَضْعَفُ مِنَ الْحِرْمَانِ مِنْهَا.»
الْآيَةُ ١٨: حَفَرَ آبَارًا أُخْرَى
حَفَرَ آبَارًا أُخْرَى. — «حَفَرَ» أَيْ نَظَّفَهَا وَطَهَّرَهَا. فَقَدْ كَانَتْ قَدْ حُفِرَتْ مِنْ قَبْلُ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّ الْجِرَارِيِّينَ الْحَاسِدِينَ مَلَأُوهَا بِالتُّرَابِ. وَقَدْ فَضَّلَ إِسْحَاقُ تَنْظِيفَ آبَارِ أَبِيهِ الْقَدِيمَةِ عَلَى حَفْرِ آبَارٍ جَدِيدَةٍ: أَوَّلًا، لِأَنَّهُ كَانَ وَاثِقًا مِنْ وُجُودِ عِرْقِ مَاءٍ هُنَاكَ؛ ثَانِيًا، لِتَقْلِيلِ حَسَدِ الْجِرَارِيِّينَ، إِذْ كَانَ يَسْتَرِدُّ وَيُجَدِّدُ آبَارًا سَبَقَ أَنْ مَنَحُوهَا لِأَبِيهِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ؛ ثَالِثًا، لِكَيْ يَسْتَعِيدَ بِذَلِكَ ذِكْرَى أَبِيهِ الشَّاكِرَةَ وَأَعْمَالَهُ وَجُهُودَهُ وَيُكَرِّمَهَا؛ وَلِذَلِكَ أَعَادَ إِسْحَاقُ أَيْضًا وَجَدَّدَ الْأَسْمَاءَ السَّابِقَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا أَبُوهُ عَلَى الْآبَارِ. هَكَذَا يَقُولُ دِلْرِيُو.
الْآيَةُ ١٨: الْمَعْنَى التَّرُوبُولُوجِيُّ
تَرُوبُولُوجِيًّا، كَيْفَ يَسُدُّ الشَّيْطَانُ بِئْرَ النَّفْسِ بِأَفْكَارِ التَّجَارِبِ، وَكَيْفَ يَجِبُ تَفْرِيغُهَا وَتَنْظِيفُهَا، اُنْظُرْ فِي الْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ، الْكِتَابِ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنَ «الْأَخْلَاقِيَّاتِ»، الْفَصْلِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ.
الْآيَةُ ١٩: فِي الْوَادِي
فِي الْوَادِي. — الْوَادِي بِالْمَجَازِ الْمُرْسَلِ يُشِيرُ إِلَى الْمَجْرَى الْجَافِّ نَفْسِهِ، الَّذِي يَمْتَلِئُ فِي الشِّتَاءِ بِمَاءِ الْمَطَرِ وَيَفِيضُ فَيَصِيرُ سَيْلًا، لَكِنَّهُ يَجِفُّ فِي الصَّيْفِ مِنَ الْقَحْطِ: فَفِي هَذَا الْمَجْرَى إِذَنْ حَفَرَ إِسْحَاقُ بِئْرًا فَوَجَدَ مَاءً حَيًّا، أَيْ نَابِعًا مِنَ الْيَنْبُوعِ وَدَائِمًا؛ فَإِنَّهُ فِي الْمَجَارِي وَالْأَوْدِيَةِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ يُوجَدُ الْمَاءُ الْحَيُّ النَّابِعُ أَسْهَلَ وَأَسْرَعَ مِمَّا فِي الْجِبَالِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ؛ فَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ فِي الْأَوْدِيَةِ، بِحَفْرِ ثَلَاثَةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَقْدَامٍ، يَنْبُعُ الْمَاءُ وَتَتَكَوَّنُ الْآبَارُ، بَيْنَمَا فِي الْجِبَالِ يَجِبُ الْحَفْرُ إِلَى مِئَةٍ بَلْ مِئَتَيْ قَدَمٍ (فَهَذَا عُمْقُهَا).
الْآيَةُ ٢٠: هِيَ لَنَا
هِيَ لَنَا — لِأَنَّكَ حَفَرْتَهَا فِي حَقْلِنَا وَأَرْضِنَا. لَكِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَذَا ظُلْمًا، لِأَنَّ إِسْحَاقَ حَفَرَ هَذِهِ الْبِئْرَ بِإِرَادَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ وَتَسَامُحِهِمْ وَمُوَافَقَتِهِمْ: وَلِذَلِكَ دَعَا هَذِهِ الْبِئْرَ «بُهْتَانًا»، لِأَنَّ الْجِرَارِيِّينَ أَلْحَقُوا بِهِ هَذَا الِافْتِرَاءَ فِي حَفْرِ هَذِهِ الْبِئْرِ. وَكَلِمَةُ «بُهْتَانٍ» بِالْعِبْرِيَّةِ هِيَ عِيسِقْ، الَّتِي بِحَرْفِ الشِّينِ تَعْنِي بُهْتَانًا، وَأَيْضًا ظُلْمًا وَغِشًّا وَجَوْرًا، كَمَا يَتَرْجِمُ السَّبْعِينِيُّونَ. وَبِحَرْفِ السِّينِ تَعْنِي خِصَامًا وَمُنَازَعَةً، كَمَا يَتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ وَالْكَلْدَانِيُّ. اُنْظُرْ هُنَا حِلْمَ إِسْحَاقَ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْبُهْتَانَ وَيَتَجَاهَلُ وَيَرْحَلُ وَيُجِيبُ مُنَافِسِيهِ بِلُطْفٍ وَهُدُوءٍ. وَاُنْظُرْ أَيْضًا كَيْفَ يَمْزِجُ اللهُ الْحُلْوَ بِالْمُرِّ لِإِسْحَاقَ وَأَحِبَّائِهِ، وَيَسْقِيهِمُ الْعَذْبَ الْمَمْزُوجَ بِالْمُرِّ. «لَا يُنَازِعُ الْبَارُّ هُنَا فِي شَيْءٍ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٥٢، «وَلَا يُقَاوِمُهُمْ، بَلْ يَتَنَازَلُ حَتَّى لِلرُّعَاةِ. فَهَذِهِ هِيَ الْوَدَاعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ — لَيْسَ حِينَ يَتَحَمَّلُ الْمَرْءُ أَذَى الْأَقْوِيَاءِ بِصَبْرٍ، بَلْ حِينَ يَتَنَازَلُ حَتَّى لِمَنْ يُعْتَبَرُونَ أَدْنَى مِنْهُ إِذَا آذَوْهُ.»
الْآيَةُ ٢٢: الرَّحَابَةُ
الرَّحَابَةُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ رَحُوبُوتْ، أَيْ «رِحَابٌ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الْبِئْرُ سَتُعْطِينَا وَلِمَوَاشِينَا سَقْيًا وَاسِعًا حُرًّا، بِمَنْأًى عَنْ حَسَدِ الْجِرَارِيِّينَ وَوَافِرًا رَغْمَهُ، وَلِذَلِكَ فَلْتُسَمَّ «الرَّحَابَةُ». يَقْرَأُهَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ «مُلْكًا وَاسِعًا». «وَلِهَذَا»، يَقُولُ، «أُسَمِّيهِ مُلْكًا وَاسِعًا، لِأَنَّ الرَّبَّ أَرْحَبَنَا وَأَنْمَانَا عَلَى الْأَرْضِ. لَقَدْ رَأَيْتَ ذِهْنًا تَقِيًّا، كَيْفَ أَنَّهُ دُونَ أَنْ يَذْكُرَ تِلْكَ الصُّعُوبَاتِ الْمُرَوِّعَةِ الَّتِي اعْتَرَضَتْهُ، يَتَذَكَّرُ الْخَيْرَاتِ فَقَطْ، وَيَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا. فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ نَفْسٍ شَاكِرَةٍ تُقَدِّمُ الشُّكْرَ. فَمَعَ أَنَّهُ يُسْبِغُ عَلَيْنَا جَمِيعًا كُلَّ يَوْمٍ نِعَمًا لَا تُحْصَى، فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ مِنَّا شَيْئًا آخَرَ سِوَى الشُّكْرِ، لِكَيْ يُسْتَثَارَ إِلَى عَطَاءِ مَا هُوَ أَعْظَمُ»، كَمَا هُنَا حَيْثُ اسْتُثِيرَ لِلظُّهُورِ لِإِسْحَاقَ وَلِمُبَارَكَتِهِ. فَأَضَافَ: «لَا تَخَفْ فَإِنِّي مَعَكَ؛ لِذَلِكَ سَتَكُونُ لَا يُقْهَرُ، وَأَقْوَى مِنَ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكَ، وَأَشَدَّ مِنَ الَّذِينَ يَهْجُمُونَ عَلَيْكَ، وَسَأَعْتَنِي بِكَ حَتَّى تَكُونَ مَوْضِعَ حَسَدٍ لَهُمْ.» وَمِنْ هُنَا قَدَّمَ أَيْضًا: «أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ، مُبَيِّنًا كَيْفَ ادَّعَى لِنَفْسِهِ الْبَطْرِيَرْكَ وَجَعَلَهُ خَاصًّا بِهِ، حَتَّى تَنَازَلَ أَنْ يُسَمِّيَ نَفْسَهُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ. وَرَبُّ الْعَالَمِ وَخَالِقُهُ، إِذْ يُسَمِّي نَفْسَهُ إِلَهَ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ، لَا يُحَدِّدُ وَلَا يُقَلِّصُ سُلْطَانَهُ، بَلْ يُظْهِرُ مَحَبَّتَهُ الْعَظِيمَةَ لَهُ»
الْآيَةُ ٢٤: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ
أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ لِي حَقًّا، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ يُسَاوِي عِنْدِي أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الْآخَرِينَ: فَاُنْظُرْ إِذَنْ يَا إِسْحَاقُ أَنْ تَقْتَدِيَ بِأَبِيكَ.
«هَكَذَا»، يَقُولُ، «جَعَلْتُهُ خَاصًّا بِي، حَتَّى إِنَّهُ يُحْسَبُ عِنْدِي بِقَدْرِ جَمِيعِ الْآخَرِينَ مُجْتَمِعِينَ. لِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَبِيكَ سَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ.» هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ٢٤: دُرُوسٌ أَخْلَاقِيَّةٌ
تَعَلَّمْ هُنَا كَمْ هُوَ حَسَنٌ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ صَدِيقًا لِلَّهِ؛ ثَانِيًا، أَنَّ الْقِدِّيسِينَ فِي ذِكْرٍ دَائِمٍ عِنْدَ اللهِ؛ ثَالِثًا، أَنَّ اللهَ يُبَارِكُ الْأَبْنَاءَ مِنْ أَجْلِ الْوَالِدِينَ الْقِدِّيسِينَ؛ رَابِعًا، أَيَّ إِكْرَامٍ نَدِينُ بِهِ لِلْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ يُكْرِمُهُمُ اللهُ هَكَذَا.
الْآيَةُ ٢٥: نَصَبَ خَيْمَتَهُ
نَصَبَ خَيْمَتَهُ — لِيُقِيمَ هُنَاكَ مَسْكَنَهُ وَمَنْزِلَهُ.
الْآيَةُ ٢٥: لِيَحْفِرُوا
لِيَحْفِرُوا — أَيْ لِيُعِيدُوا حَفْرَ وَتَنْظِيفَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ قَدْ حَفَرَهَا هُنَاكَ قَدِيمًا، أَيْ بِئْرَ بِئْرِ سَبْعٍ، كَمَا سَيَأْتِي. لَاحِظْ هُنَا ثَبَاتَ إِسْحَاقَ وَعَظَمَةَ نَفْسِهِ، إِذْ يَتَحَمَّلُ بِشَجَاعَةٍ إِهَانَاتِ الْحَاسِدِينَ وَيَتَنَازَلُ لَهُمْ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ لَا يَتَكَاسَلُ، بَلْ يُعَزِّزُ نَفْسَهُ وَشُؤُونَهُ بِنَشَاطٍ فِي مَكَانٍ آخَرَ.
الْآيَةُ ٢٦: أَحُزَّاتُ صَدِيقُهُ
أَحُزَّاتُ صَدِيقُهُ. — الْكَلْدَانِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ يَأْخُذَانِ الْعِبْرِيَّ «أَحُزَّاتْ» عَلَى أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ؛ فَيَتَرْجِمَانِ: وَجَمَاعَةُ أَصْدِقَائِهِ. لَكِنَّ السَّبْعِينِيِّينَ وَمُتَرْجِمَنَا يَأْخُذَانِ «أَحُزَّاتْ» عَلَى أَنَّهُ اسْمُ عَلَمٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
الْآيَةُ ٢٦: إِشْبِينُ الْمَلِكِ
أَصْدِقَاءُ. — يَقُولُ السَّبْعِينِيُّونَ: إِشْبِينُ الْمَلِكِ أَبِيمَالِكَ: فَإِنَّ أَعْظَمَ أَصْدِقَاءِ الْمَرْءِ هُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ أُشَبِينَاءَ فِي عُرْسِهِ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَقْرَبُ إِلَى الْعَرِيسِ نَفْسِهِ وَيَقُودُونَهُ إِلَى حُجْرَةِ الزَّفَافِ. وَمِنْ هُنَا دُعِيَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ فِي يُوحَنَّا ٣: ٢٩ صَدِيقَ الْعَرِيسِ، لِأَنَّهُ كَانَ إِشْبِينَ الْمَسِيحِ.
وَهَذَا الْإِشْبِينُ، وَهُوَ الصَّدِيقُ الْحَمِيمُ لِلْمَلِكِ، كَانَ عِنْدَ الْفُرْسِ ثَانِيَ شَخْصٍ بَعْدَ الْمَلِكِ وَيُدْعَى «السُّورِينَاسُ»، وَكَانَتْ مُهِمَّتُهُ تَتْوِيجَ الْمَلِكِ. وَكَانَ يَرْأَسُ الْكَتِيبَةَ الْمَلَكِيَّةَ الَّتِي تَتَأَلَّفُ مِنْ أَفْضَلِ الرِّجَالِ وَأَكْثَرِهِمْ وَفَاءً وَأَحَبِّهِمْ إِلَى الْمَلِكِ — أَيِ النُّبَلَاءِ وَأُمَرَاءِ الْإِقْطَاعِ الَّذِينَ تَرَبَّوْا وَتَعَلَّمُوا مَعَ الْمَلِكِ. فَكَانَ بِمَثَابَةِ الْقَائِدِ وَالْأَوَّلِ بَيْنَ نُبَلَاءِ الْبَلَاطِ وَأَصْدِقَاءِ الْمَلِكِ. هَكَذَا كَانَ أَحُزَّاتُ هُنَا عِنْدَ الْمَلِكِ أَبِيمَالِكَ.
الْآيَةُ ٢٦: فِيكُولُ قَائِدُ الْجَيْشِ
وَفِيكُولُ قَائِدُ جَيْشِهِ. — هَذَا فِيكُولُ شَخْصٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلِ ٢١، الْآيَةِ ٢٢؛ فَإِنَّ هَذَا جَاءَ بَعْدَ ذَاكَ بِمِئَةِ سَنَةٍ. فَكَمَا أَنَّ أَبِيمَالِكَ هَذَا الَّذِي تَعَامَلَ مَعَ إِسْحَاقَ يَخْتَلِفُ عَنِ الَّذِي عَقَدَ عَهْدًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ كَانَ فِيكُولُ مُخْتَلِفًا. يَبْدُو إِذَنْ أَنَّهُ كَمَا كَانَ «أَبِيمَالِكُ» اسْمًا مُشْتَرَكًا لِمُلُوكِ جَرَارَ، كَذَلِكَ كَانَ «فِيكُولُ» اسْمًا مُشْتَرَكًا لِقُوَّادِ الْجَيْشِ — لَا الْكَتِيبَةِ الْمَلَكِيَّةِ (فَإِنَّ قَائِدَهَا كَانَ أَحُزَّاتَ)، بَلِ الْجَيْشِ الْعَامِّ، كَمَا أَنَّ اللَّقَبَ الْمُشْتَرَكَ لَهُمُ الْيَوْمَ هُوَ أَنْ يُدْعَوْا مُشِيرِينَ أَوْ قُوَّادًا عَامِّينَ لِلْجَيْشِ. وَ«فِيكُولُ» بِالْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي «كُلُّ وَجْهٍ»، أَوْ بِالْأَحْرَى «كُلُّ فَمٍ»، كَأَنَّ وُجُوهَ جَمِيعِ الْجُنُودِ وَأَرْوَاحَهُمْ وَأَفْوَاهَهُمْ وَأَعْيُنَهُمْ كَانَتْ مُتَّجِهَةً نَحْوَ هَذَا الْقَائِدِ الْعَسْكَرِيِّ؛ وَأَنَّهُ كَمَا يَقُودُ الْوَجْهُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، كَذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُودَ وَيُوَجِّهَ الْجَيْشَ كُلَّهُ.
الْآيَةُ ٢٩: وَلَمْ نَفْعَلْ بِكَ مَا يُؤْذِيكَ
وَلَمْ نَفْعَلْ بِكَ مَا يُؤْذِيكَ. — يَكْذِبُونَ: فَبِتَوَاطُئِهِمْ أَخَذَ الرُّعَاةُ الْآبَارَ مِنْ إِسْحَاقَ. هَكَذَا يَتَبَجَّحُ الْعُنَفَاءُ وَالطُّغَاةُ بِعَدَالَتِهِمْ: أَمَّا الْأَبْرَارُ، كَإِسْحَاقَ، فَيَتَجَاهَلُونَ الْإِسَاءَةَ الَّتِي تَلَقَّوْهَا وَيَدْفِنُونَ الشُّرُورَ بِالْإِحْسَانِ؛ لَا يَعْرِفُونَ الْغَضَبَ، لِأَنَّهُمْ مُسَالِمُونَ وَمُتَفَانُونَ فِي السَّلَامِ. لِذَلِكَ يُقِيمُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ بِحَقٍّ فِي الْعِظَةِ ١٥ عَلَى حِزْقِيَالَ، إِسْحَاقَ مِرْآةً لِلسَّلَامِ وَالْبَسَاطَةِ حِينَ يَقُولُ: «أَتُعْجِبُكَ بَسَاطَةُ الْأَخْلَاقِ؟ فَلْيَحْضُرْ إِسْحَاقُ إِلَى ذِهْنِكَ، الَّذِي زَيَّنَتْهُ طَمَأْنِينَةُ حَيَاتِهِ فِي عَيْنَيِ اللهِ الْقَدِيرِ. هَكَذَا فَرَّ دَاوُدُ مِنْ شَاوُلَ الَّذِي كَانَ يُطَارِدُهُ هَارِبًا؛ وَحِينَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُؤْذِيَهُ أَبَى ذَلِكَ: فَبِإِحْسَانِ دَاوُدَ غُلِبَ حَسَدُ شَاوُلَ. وَهَكَذَا كَانَ سُلَيْمَانُ مُسَالِمًا، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أَنْ يَبْنِيَ هَيْكَلًا لِلرَّبِّ.»
الْآيَةُ ٢٩: أَمْثِلَةُ صَانِعِي السَّلَامِ
الْقِدِّيسُ إِيفُو، شَفِيعُ الْمُحَامِينَ، الْمَشْهُورُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَأَعْمَالِ التَّقْوَى أَيْضًا، كَانَ يَسْعَى لِلْمُصَالَحَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ. وَلَمَّا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعِيدَ إِلَى الْمَوَدَّةِ وَالسَّلَامِ رَجُلًا كَانَ مُعَادِيًا لِأُمِّهِ بِبُغْضٍ شَدِيدٍ، قَدَّمَ ذَبِيحَةَ الْقُدَّاسِ لِلَّهِ مِنْ أَجْلِهِ: وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، بِدُونِ أَنْ يَسْعَى أَحَدٌ، بِالْإِلْهَامِ الْإِلَهِيِّ وَحْدَهُ، عَادَتْ قُلُوبُهُمَا إِلَى رُشْدِهَا، فَاعْتَرَفَ الِابْنُ بِأَنَّهُ وَلَدُهَا وَاعْتَرَفَتْ هِيَ بِأَنَّهَا أُمُّهُ.
أُوحِيَ إِلَى الْأَبِّ النَّاسِكِ بَافْنُوتِيُوسَ أَنَّ رَجُلًا فِي هِيرَاقْلِيَا يُسَاوِيهِ فِي اسْتِحْقَاقَاتِ حَيَاتِهِ، فَبَحَثَ عَنْهُ فَوَجَدَ أَنَّ لَهُ زَوْجَةً وَأَوْلَادًا، لَكِنَّهُ بَعْدَ إِنْجَابِ الطِّفْلِ الثَّانِي صَانَ الْعِفَّةَ مَعَهَا، وَتَفَرَّغَ لِلْعَدَالَةِ وَالتَّقْوَى، وَلَا سِيَّمَا سَعَى لِلْمُصَالَحَةِ بَيْنَ كُلِّ مَنْ وَجَدَهُمْ مُتَبَاغِضِينَ؛ فَالْمُسَالِمُونَ إِذَنْ يُعَادِلُونَ الرُّهْبَانَ: وَالشَّاهِدُ بَالَادِيُوسُ فِي الْفَصْلِ ٦٤.
وَمِنْ هُنَا كَانَ الْأَبُّ أَغَاثُونُ يَفْتَخِرُ بِأَنَّهُ لَمْ يَنَمْ قَطُّ دُونَ أَنْ يُهَدِّئَ أَوَّلًا سَخَطَهُ عَلَى الْآخَرِينَ وَسَخَطَ الْآخَرِينَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُرَدِّدُ دَائِمًا: «الْتَمِسِ السَّلَامَ وَاسْعَ وَرَاءَهُ»؛ وَ: «الْغَضُوبُونَ مَمْقُوتُونَ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.» فِي «سِيَرِ الْآبَاءِ».
سَأَلَ الْأَبُّ يُوحَنَّا النَّاسِكَ بِيسِيُوسَ، حِينَ زَارَهُ، عَمَّا أَفَادَهُ فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الصَّحْرَاءِ. فَأَجَابَ: «أَنَّ الشَّمْسَ الَّتِي تُنِيرُ كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تَرَنِي قَطُّ آكِلًا وَلَا غَاضِبًا.»
سُئِلَ رَئِيسُ دَيْرِ إِسْقِيطِ عَنْ مَعْنَى قَوْلِ الْإِنْجِيلِ: «مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بِلَا سَبَبٍ»، فَحَدَّدَ أَنَّ السَّبَبَ الْوَحِيدَ الْمُبَرِّرَ لِلْغَضَبِ هُوَ الِانْفِصَالُ عَنِ اللهِ؛ وَمَنْ يَغْضَبُ لِأَيَّةِ إِسَاءَاتٍ أُخْرَى مَهْمَا عَظُمَتْ، فَإِنَّهُ يَغْضَبُ بِلَا سَبَبٍ.
حِينَ كَانَ إِدْغَارُ مَلِكَ إِنْكِلْتِرَا، سَمِعَ الْقِدِّيسُ دُنْسْتَانُ رَئِيسُ أَسَاقِفَةِ كَانْتِرْبِرِي مِنَ اللهِ أَنَّ السَّلَامَ سَيَسُودُ إِنْكِلْتِرَا مَا دَامَ هُوَ حَيًّا. فَطَوَالَ سِتَّةَ عَشَرَ عَامًا مَلَكَ فِيهَا، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي سَلَامٍ تَامٍّ. فَبِعَهْدٍ دَائِمٍ رَبَطَ بِنَفْسِهِ الْمُلُوكَ الْمُجَاوِرِينَ، وَأَزَالَ الْقَرَاصِنَةَ مِنَ الْبَحْرِ وَاللُّصُوصَ مِنَ الْبَرِّ؛ بَلْ حَتَّى الْوُحُوشَ: فَقَدْ فَرَضَ عَلَى غِيدُوَالَ مَلِكِ الْوِلْزِيِّينَ جِزْيَةَ ثَلَاثِينَ ذِئْبًا كُلَّ عَامٍ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ حَتَّى فُنِيَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْوُحُوشِ بِالصَّيْدِ الْمُتَوَاصِلِ. فَحُبٌّ بِهَذَا الْقَدْرِ لِلْحَالَةِ السِّلْمِيَّةِ رَفَعَهُ إِلَى السَّلَامِ الْأَبَدِيِّ وَأَعْلَاهُ إِلَى الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ بَيْنَ الْقِدِّيسِينَ. هَكَذَا تَذْكُرُ سِيرَةُ الْقِدِّيسِ دُنْسْتَانَ.
رَمْزِيًّا، يَقُولُ أُوشَارِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْفَصْلِ ٥١، إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَصْدِقَاءَ الثَّلَاثَةَ لِأَبِيمَالِكَ يُمَثِّلُونَ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، أَيِ الْمَنْطِقِيِّينَ وَالْأَخْلَاقِيِّينَ وَالطَّبِيعِيِّينَ: وَكَذَلِكَ الْمَجُوسَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ جَاءُوا بِقِيَادَةِ نَجْمٍ إِلَى إِسْحَاقَ، أَيْ إِلَى الْمَسِيحِ.
الْآيَةُ ٢٩: مُتَزَايِدًا بِبَرَكَةِ الرَّبِّ
مُتَزَايِدًا بِبَرَكَةِ الرَّبِّ — لِأَنَّنَا رَأَيْنَاكَ مُبَارَكًا مِنَ الرَّبِّ. فَيَتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ: لِأَنَّكَ أَنْتَ مُبَارَكُ الرَّبِّ. فَإِنَّهُمْ يُعْطُونَ السَّبَبَ لِمَاذَا أَطْلَقُوا إِسْحَاقَ بِسَلَامٍ: لِأَنَّهُمْ أَيْ رَأَوْا أَنَّهُ مَحْمِيٌّ وَمُبَارَكٌ مِنَ اللهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى الْمَسَاسِ بِهِ.
الْآيَةُ ٣٢: الَّتِي حَفَرُوهَا
الَّتِي حَفَرُوهَا. — وَمِنْ هُنَا أَيْضًا مِنَ الْآيَةِ ٢٥ يَتَّضِحُ أَنَّ إِسْحَاقَ، بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، أَمَرَ بِإِعَادَةِ حَفْرِ وَتَنْظِيفِ الْبِئْرِ الْمُسَمَّاةِ بِئْرَ سَبْعٍ الَّتِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ حَفَرَهَا قَدِيمًا فِي الْفَصْلِ ٢١، الْآيَةِ ٣٠؛ لَكِنَّ الْجِرَارِيِّينَ مِنْ حَسَدِهِمْ مَلَأُوهَا تُرَابًا. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَالْأَبُولِنْسِيُّ.
وَجَدْنَا مَاءً. — وَكَذَلِكَ فِي الْعِبْرِيِّ. لِذَلِكَ فَإِنَّ السَّبْعِينِيِّينَ مُحَرَّفُونَ هُنَا، كَمَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى، حِينَ يَذْكُرُونَ الْعَكْسَ: لَمْ نَجِدْ مَاءً.
الْآيَةُ ٣٣: الْوَفْرَةُ وَالِاشْتِقَاقُ الثُّلَاثِيُّ لِبِئْرِ سَبْعٍ
فَدَعَاهَا الْوَفْرَةَ. — لِكَلِمَةِ «الْوَفْرَةِ» فِي الْعِبْرِيَّةِ شِبْعَا، الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ وَتُفَسَّرَ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَسَبَ اخْتِلَافِ التَّشْكِيلِ. أَوَّلًا، يُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ شِبْعَا بِحَرْفِ الشِّينِ، وَعِنْدَئِذٍ تَعْنِي «سَبْعَةً»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ هِيَ الْبِئْرُ السَّابِعَةُ الَّتِي حَفَرْتُهَا. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ. وَأَيْضًا: هَذِهِ بِئْرُ الْخِرَافِ السَّبْعِ الَّتِي اشْتَرَاهَا بِهَا إِبْرَاهِيمُ فِي الْفَصْلِ ٢١، الْآيَتَيْنِ ٣٠ وَ٣١. وَأَخِيرًا: هَذِهِ الْبِئْرُ سَتُعْطِي سَبْعًا، أَيْ مِيَاهًا كَثِيرَةً وَفِيرَةً. وَيَبْدُو أَنَّ مُتَرْجِمَنَا قَرَأَهَا وَفَهِمَهَا هَكَذَا حِينَ تَرْجَمَهَا: الْوَفْرَةُ.
ثَانِيًا، يُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ شَبُوعَا، أَيْ «قَسَمٌ»، لِأَنَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الْبِئْرِ أَقْسَمَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَعَقَدَا عَهْدًا مَعَ أَبِيمَالِكَ. هَكَذَا يَقُولُ السَّبْعِينِيُّونَ.
ثَالِثًا، يُمْكِنُ أَنْ تُقْرَأَ سِبَا بِحَرْفِ السِّينِ: وَهَكَذَا يَقْرَأُهَا مُتَرْجِمُنَا؛ وَعِنْدَئِذٍ تَعْنِي «الشِّبَعَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ سَنَشْبَعُ؛ هَذِهِ الْبِئْرُ سَتُعْطِينَا وَلِمَوَاشِينَا سَقْيًا سِلْمِيًّا وَافِرًا وَغَزِيرًا. وَهَذَا الْمَعْنَى يُوَافِقُ تَمَامًا ذِهْنَ إِسْحَاقَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٢ وَغَيْرِهَا.
الْآيَةُ ٣٣: الْمَعْنَى الصُّوفِيُّ لِلْآبَارِ الثَّلَاثِ
صُوفِيًّا، يَقُولُ هُوغُو الْكَرْدِينَالُ: «هَذِهِ الْآبَارُ الثَّلَاثُ هِيَ الْحَالَاتُ الثَّلَاثُ لِلْكَنِيسَةِ: الْمُبْتَدِئُونَ وَالْمُتَقَدِّمُونَ وَالْكَامِلُونَ. الْأُولَى يَحْفِرُهَا مَنْ يُزِيلُ قَسَاوَةَ قَلْبِهِ بِسِكَّةِ التَّوْبَةِ. يَحْدُثُ هَذَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، وَلِذَلِكَ لَا يَزَالُ مِثْلُ هَذَا يَحْمِلُ فِي نَفْسِهِ كَثِيرًا مِنْ بَقَايَا مِصْرَ، وَبِسَبَبِهَا يُثِيرُ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا مِنَ الِافْتِرَاءَاتِ؛ وَمِنْ ثَمَّ تُسَمَّى هَذِهِ الْبِئْرُ «بُهْتَانًا»: فَأَعْمَالُ الْمُبْتَدِئِينَ لَيْسَتْ طَاهِرَةً تَمَامًا. الْبِئْرُ الثَّانِيَةُ يَحْفِرُهَا مَنْ يَطْرُدُ عَنْ نَفْسِهِ بِيَدِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ خُمُولَ الْكَسَلِ كُلِّهِ. الْجَامِعَةُ ٩: كُلُّ مَا تَسْتَطِيعُ يَدُكَ أَنْ تَفْعَلَهُ فَاعْمَلْهُ بِجِدٍّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَمَلٌ وَلَا تَدْبِيرٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا حِكْمَةٌ فِي الْهَاوِيَةِ الَّتِي أَنْتَ سَائِرٌ إِلَيْهَا؛ وَالْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ: لَا فَضِيلَةَ إِلَّا إِذَا نَمَا الرُّوحُ فِي الصُّعُوبَةِ ذَاتِهَا. الْبِئْرُ الثَّالِثَةُ يَحْفِرُهَا مَنْ يُلْقِي عَنْ نَفْسِهِ الزَّمَنِيَّاتِ بِالِازْدِرَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ. فِيلِبِّي الْفَصْلِ ٣: حَسِبْتُ كُلَّ شَيْءٍ خَسَارَةً، وَأَحْسَبُهُ نُفَايَةً لِأَرْبَحَ الْمَسِيحَ. فِي الْبِئْرِ الْأُولَى مَاءُ التَّوْبَةِ؛ فِي الثَّانِيَةِ مَاءُ النَّدَمِ؛ فِي الثَّالِثَةِ مَاءُ الْعِبَادَةِ الَّذِي لَا خِصَامَ فِيهِ وَلَا صُعُوبَةَ، بَلْ صَفَاءُ الضَّمِيرِ؛ وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الرَّحَابَةَ.
فِي الْحَفْرِ الْأَوَّلِ يُطْرَدُ الشَّيْطَانُ وَيُغْلَبُ؛ فِي الثَّانِي يُخْضَعُ الْجَسَدُ وَيُقْهَرُ؛ فِي الثَّالِثِ الْعَالَمُ، وَبِذَلِكَ تَسْكُنُ كُلُّ حَرْبٍ، وَيَصِيرُ سَلَامٌ فِي الْجَسَدِ وَسَلَامٌ فِي الذِّهْنِ وَسَلَامٌ فِي الْعَالَمِ.» فَكُنْ إِذَنْ كَامِلًا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكَ؛ صَلِّ، ادْرُسْ، اصْبِرْ، جَاهِدْ، اعْمَلْ لِلْأَبَدِيَّةِ؛ احْتَقِرْ هَذَا الزَّمَنَ الْقَصِيرَ وَلَذَّاتِهِ وَثَرَوَاتِهِ وَأَمْجَادَهُ الزَّمَنِيَّةَ الْوَجِيزَةَ؛ تَطَلَّعْ إِلَى الْأَبَدِيَّاتِ.
الْآيَةُ ٣٣: اسْمُ بِئْرِ سَبْعٍ
وَسُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ (أَوَّلًا الْبِئْرُ ثُمَّ الْمَدِينَةُ الْمُجَاوِرَةُ) بِئْرَ سَبْعٍ — بِئْرْ تَعْنِي «بِئْرًا»؛ وَشَابِيعْ أَوْ شِبَا أَوْ شَبُوعَا بِحَرْفِ الشِّينِ تَعْنِي «قَسَمًا» أَوْ «سَبْعَةً»، كَمَا قُلْتُ سَابِقًا؛ فَبِئْرُ سَبْعٍ إِذَنْ هِيَ «بِئْرُ الْقَسَمِ» أَوْ «بِئْرُ الْخِرَافِ السَّبْعِ» الَّتِي أَعْطَاهَا إِبْرَاهِيمُ ثَمَنًا لَهَا: فَمِنْ ذَلِكَ الْحَدَثِ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْبِئْرُ بِئْرَ سَبْعٍ عَلَى يَدِ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ مِئَةِ سَنَةٍ. لَكِنَّ إِسْحَاقَ حَوَّلَ بِرِفْقٍ حَرْفَ الشِّينِ إِلَى السِّينِ، فَقَالَ بِالْعِبْرِيَّةِ «بِئْرْسَبَا» بَدَلًا مِنْ «بِئْرْشَبَا»، وَهَكَذَا سَمَّى هَذِهِ الْبِئْرَ، وَبِالتَّالِي أَعَادَ وَجَدَّدَ الِاسْمَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ؛ وَلَكِنْ بِتَحْوِيلٍ طَفِيفٍ لِحَرْفٍ وَاحِدٍ، بِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ عَنْ أَبِيهِ. فَبِئْرْسَبَا بِحَرْفِ السِّينِ تَعْنِي «بِئْرَ الشِّبَعِ»، لِأَنَّ عَائِلَةَ إِسْحَاقَ شَبِعَتْ مِنْهَا، كَمَا قُلْتُ سَابِقًا.
وَيُفَسِّرُ لِيبُومَانُوسُ هَذَا بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: إِذْ يَرَى أَنَّ إِسْحَاقَ سَمَّى هَذِهِ الْبِئْرَ بِئْرَ سَبْعٍ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الَّذِي سَمَّاهَا بِهِ أَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ، أَيْ أَنَّ بِئْرَ سَبْعٍ تَعْنِي «بِئْرَ الْقَسَمِ»: لِأَنَّ لِيبُومَانُوسَ يَرَى أَنَّ مُوسَى يُشِيرُ هُنَا إِلَى الْآيَةِ ٣١، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فِي نَفْسِ الْيَوْمِ الَّذِي أَقْسَمَ فِيهِ إِسْحَاقُ وَعَقَدَ عَهْدًا مَعَ أَبِيمَالِكَ، جَاءَهُ رَسُولٌ يُخْبِرُهُ بِإِعَادَةِ حَفْرِ بِئْرِ أَبِيهِ؛ فَسَمَّاهَا كَأَبِيهِ بِئْرَ سَبْعٍ، أَيْ «بِئْرَ الْقَسَمِ»: لِأَنَّهُ كَأَبِيهِ أَقْسَمَ عَهْدًا لِأَبِيمَالِكَ عِنْدَ نَفْسِ الْبِئْرِ.
لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُتَوَافِقُ مَعَ ذِهْنِ إِسْحَاقَ، وَتَقْتَضِيهِ تَرْجَمَتُنَا الَّتِي تُفَسِّرُ سَابِيعْ لَا بِالْقَسَمِ بَلْ بِالشِّبَعِ وَالْوَفْرَةِ.
الْآيَةُ ٣٣: الْمَعْنَى الرَّمْزِيُّ وَالْأُنَاغُوجِيُّ لِبِئْرِ سَبْعٍ
رَمْزِيًّا، بِئْرُ سَبْعٍ هِيَ الْكَنِيسَةُ الْمُجَاهِدَةُ، الَّتِي فِيهَا وَفْرَةُ النِّعَمِ.
أُنَاغُوجِيًّا، بِئْرُ سَبْعٍ هِيَ الْكَنِيسَةُ الظَّافِرَةُ فِي السَّمَاءِ، الَّتِي فِيهَا مِلْءُ الْمَجْدِ وَكُلِّ خَيْرٍ؛ وَعَنْهَا يُنْشِدُ الْمُرَنِّمُ: «أَشْبَعُ إِذَا ظَهَرَ مَجْدُكَ»؛ وَ: «يَرْتَوُونَ مِنْ دَسَمِ بَيْتِكَ، وَمِنْ نَهْرِ نِعَمِكَ تَسْقِيهِمْ، لِأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ.» هَذَا الْيَنْبُوعُ وَالْبِئْرُ يَجِبُ حَفْرُهُمَا بِجُهْدٍ عَظِيمٍ، وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ يَجِبُ مُقَاوَمَةُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ يُعِيقُونَ حَفْرَ هَذِهِ الْبِئْرِ، أَيِ الْهَرَاطِقَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَشْرَارِ؛ فَهُمْ يَتَنَازَعُونَ عَلَى الْآبَارِ، أَيِ الْأَسْرَارِ وَالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الَّتِي يَحْسُدُونَ عَلَيْهَا وَيُرِيدُونَ انْتِزَاعَهَا مِنَ الْكَاثُولِيكِيِّينَ وَالْأَتْقِيَاءِ: هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ.
الْآيَةُ ٣٤: عِيسُو فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ اتَّخَذَ زَوْجَاتٍ
وَعِيسُو فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ اتَّخَذَ زَوْجَاتٍ. — حَدَثَ هَذَا فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ لِإِسْحَاقَ، إِذْ وُلِدَ عِيسُو فِي السَّنَةِ السِّتِّينَ لِإِسْحَاقَ. وَيُضِيفُ يُوسِيفُوسُ أَنَّ هَاتَيْنِ الزَّوْجَتَيْنِ كَانَتَا ابْنَتَيْ أُمَرَاءَ مِنَ الْحِثِّيِّينَ.
الْآيَةُ ٣٥: كِلْتَاهُمَا أَسَاءَتَا إِلَى نَفْسِ إِسْحَاقَ
كِلْتَاهُمَا أَسَاءَتَا إِلَى نَفْسِ إِسْحَاقَ — بِسُوءِ أَخْلَاقِهِمَا وَعِنَادِهِمَا، وَلِأَنَّهُمَا بَقِيَتَا عَابِدَتَيْنِ لِلْأَوْثَانِ. هَكَذَا يَقُولُ تَرْجُومُ أُورَشَلِيمَ. اُنْظُرْ إِسْحَاقَ، الَّذِي أَزْعَجَهُ أَوَّلًا الْغُرَبَاءُ، أَيِ الْجِرَارِيُّونَ، ثُمَّ أَحْزَنَتْهُ هُنَا عَائِلَتُهُ الْخَاصَّةُ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ وَيَتَجَاهَلُ كُلَّ شَيْءٍ بِصَبْرٍ.
مُلَاحَظَةٌ: عِيسُو، ضِدَّ رَغْبَةِ وَالِدَيْهِ، اتَّخَذَ زَوْجَاتٍ أَجْنَبِيَّاتٍ، وَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الْبَرَكَةِ الْأَبَوِيَّةِ وَأُخْضِعَ لِأَخِيهِ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي الْفَصْلِ التَّالِي. فَلْيَتَعَلَّمِ الشُّبَّانُ هُنَا أَنْ يَتَّخِذُوا أَزْوَاجًا بِمَشُورَةِ وَالِدِيهِمْ، مُؤْمِنَاتٍ وَحَسَنَاتِ الْأَخْلَاقِ، كَمَا فَعَلَ إِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَطُوبِيَّا وَغَيْرُهُمْ.