كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

أَنْجَبَ إِبْرَاهِيمُ سِتَّةَ أَبْنَاءٍ مِنْ قَطُورَةَ وَمَاتَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٢، يُعَدِّدُ أَبْنَاءَ إِسْمَاعِيلَ وَوَفَاتَهُ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٠، وَلَدَتْ رِفْقَةُ لِإِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو؛ وَمِنْهُمَا فَضَّلَ اللهُ الْأَصْغَرَ عَلَى الْأَكْبَرِ. رَابِعًا، فِي الْآيَةِ ٢٩، بَاعَ عِيسُو بُكُورِيَّتَهُ لِيَعْقُوبَ مُقَابِلَ طَبَقٍ مِنَ الطَّعَامِ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٥: ١-٣٤

١. فَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَاتَّخَذَ زَوْجَةً أُخْرَى اسْمُهَا قَطُورَةُ: ٢. فَوَلَدَتْ لَهُ زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحًا. ٣. وَيَقْشَانُ وَلَدَ سَبَأَ وَدَدَانَ. وَبَنُو دَدَانَ كَانُوا الْأَشُّورِيِّينَ وَاللَّطُوشِيِّينَ وَاللَّأُمِّيِّينَ. ٤. وَمِنْ مِدْيَانَ خَرَجَ عِيفَةُ وَعُوفَرُ وَحَنُوكُ وَأَبِيدَاعُ وَأَلْدَعَةُ: كُلُّ هَؤُلَاءِ بَنُو قَطُورَةَ. ٥. وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمُ كُلَّ مَا يَمْلِكُ لِإِسْحَاقَ: ٦. وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ فَأَعْطَاهُمْ هَدَايَا، وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ ابْنِهِ إِسْحَاقَ وَهُوَ لَا يَزَالُ حَيًّا، نَحْوَ الْمَشْرِقِ. ٧. وَكَانَتْ أَيَّامُ حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ مِئَةً وَخَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. ٨. وَأَسْلَمَ الرُّوحَ وَمَاتَ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، شَيْخًا مُتَقَدِّمًا فِي الْأَيَّامِ، وَشَبْعَانَ أَيَّامًا: وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ. ٩. وَدَفَنَهُ إِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَاهُ فِي مَغَارَةِ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ الْحِثِّيِّ، مُقَابِلَ مَمْرَا، ١٠. الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ بَنِي حِثَّ: هُنَاكَ دُفِنَ هُوَ وَسَارَةُ زَوْجَتُهُ. ١١. وَبَعْدَ وَفَاتِهِ بَارَكَ اللهُ إِسْحَاقَ ابْنَهُ، الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ عِنْدَ بِئْرِ «الْحَيِّ الْبَصِيرِ». ١٢. هَذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ: ١٣. وَهَذِهِ أَسْمَاءُ بَنِيهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ. بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ نَبَايُوتُ، ثُمَّ قِيدَارُ وَأَدْبِئِيلُ وَمِبْسَامُ، ١٤. وَمِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَمَسَّا، ١٥. وَحَدَادُ وَتِيمَاءُ وَيَطُورُ وَنَافِيشُ وَقِدْمَةُ. ١٦. هَؤُلَاءِ هُمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ: وَهَذِهِ أَسْمَاؤُهُمْ بِحُصُونِهِمْ وَقُرَاهُمْ، اثْنَا عَشَرَ رَئِيسًا لِقَبَائِلِهِمْ. ١٧. وَكَانَتْ سِنُو حَيَاةِ إِسْمَاعِيلَ مِئَةً وَسَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ وَمَاتَ، وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ. ١٨. وَسَكَنَ مِنْ حَوِيلَةَ إِلَى شُورَ الَّتِي تُقَابِلُ مِصْرَ حِينَ تَذْهَبُ نَحْوَ أَشُّورَ؛ وَمَاتَ أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ. ١٩. وَهَذِهِ أَيْضًا مَوَالِيدُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ. ٢٠. وَلَمَّا كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً اتَّخَذَ رِفْقَةَ بِنْتَ بَتُوئِيلَ الْأَرَامِيِّ مِنْ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ أُخْتَ لَابَانَ زَوْجَةً لَهُ. ٢١. وَتَضَرَّعَ إِسْحَاقُ إِلَى الرَّبِّ مِنْ أَجْلِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا: فَاسْتَجَابَ لَهُ وَأَعْطَى رِفْقَةَ حَبَلًا. ٢٢. وَتَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ هَكَذَا فَلِمَاذَا كَانَ لَازِمًا أَنْ أَحْبَلَ؟ وَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ. ٢٣. فَأَجَابَهَا وَقَالَ: أُمَّتَانِ فِي بَطْنِكِ، وَشَعْبَانِ مِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقَانِ، وَشَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ، وَالْكَبِيرُ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ. ٢٤. وَلَمَّا كَمُلَتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ، إِذَا فِي بَطْنِهَا تَوْأَمَانِ. ٢٥. فَخَرَجَ الْأَوَّلُ أَحْمَرَ، كُلُّهُ كَفَرْوَةٍ مِنْ شَعَرٍ: فَدَعَوْا اسْمَهُ عِيسُو. وَبَعْدَهُ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ عَلَى عَقِبِ عِيسُو: فَدُعِيَ اسْمُهُ يَعْقُوبَ. ٢٦. وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنَ سِتِّينَ سَنَةً حِينَ وُلِدَا. ٢٧. وَلَمَّا كَبُرَا صَارَ عِيسُو رَجُلًا مَاهِرًا فِي الصَّيْدِ، رَجُلَ الْبَرِّيَّةِ؛ وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَكَانَ رَجُلًا كَامِلًا يَسْكُنُ الْخِيَامَ. ٢٨. فَأَحَبَّ إِسْحَاقُ عِيسُو لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِهِ؛ وَأَمَّا رِفْقَةُ فَكَانَتْ تُحِبُّ يَعْقُوبَ. ٢٩. وَطَبَخَ يَعْقُوبُ طَبِيخًا: فَجَاءَ عِيسُو مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ مُعْيٍ، ٣٠. فَقَالَ: أَطْعِمْنِي مِنْ هَذَا الطَّبِيخِ الْأَحْمَرِ فَإِنِّي مُعْيٍ جِدًّا. لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهُ أَدُومَ. ٣١. فَقَالَ يَعْقُوبُ: بِعْنِي الْيَوْمَ بُكُورِيَّتَكَ. ٣٢. فَأَجَابَ: هَا أَنَا مَائِتٌ، فَمَا فَائِدَةُ الْبُكُورِيَّةِ لِي؟ ٣٣. فَقَالَ يَعْقُوبُ: احْلِفْ لِي إِذًا. فَحَلَفَ لَهُ عِيسُو وَبَاعَ بُكُورِيَّتَهُ. ٣٤. فَأَخَذَ خُبْزًا وَطَبِيخَ عَدَسٍ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَمَضَى مُسْتَخِفًّا بِبُكُورِيَّتِهِ الَّتِي بَاعَهَا.


الْآيَةُ ١: فَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَاتَّخَذَ زَوْجَةً أُخْرَى

كَانَتْ سَارَةُ قَدْ مَاتَتْ، وَهَاجَرُ كَانَتْ قَدْ طُرِدَتْ بِأَمْرِ اللهِ، وَرُبَّمَا مَاتَتْ أَيْضًا: فَاتَّخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِذًا زَوْجَةً أُخْرَى ثَالِثَةً، لِكَيْ يَتَكَاثَرَ نَسْلُهُ بَيْنَ الْأُمَمِ أَيْضًا. وَقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ رِفْقَةَ (كَمَا ذُكِرَ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ)، أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ ١٤٠ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ.

رَمْزِيًّا، بَنُو هَاجَرَ هُمُ الْوَثَنِيُّونَ وَالْكُفَّارُ، وَبَنُو قَطُورَةَ هُمُ الْهَرَاطِقَةُ الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَ بَنِي إِسْحَاقَ، أَيِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَاثُولِيكِيِّينَ. هَكَذَا يَقُولُ أُورِيجَانُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّبْعِينَ.

اسْمُهَا قَطُورَةُ. يَرَى الْعِبْرَانِيُّونَ وَلِيرَا وَتُومَاسُ الْإِنْجِلِيزِيُّ أَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا هَاجَرُ، سُمِّيَتْ قَطُورَةَ، أَيْ «الْمُبَخَّرَةَ بِالْبَخُورِ»، لِأَنَّهَا بَعْدَ طَرْدِهَا مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ كَرَّسَتْ نَفْسَهَا لِلْعَفَافِ وَالصَّلَاةِ وَعِبَادَةِ اللهِ، الَّتِي رَمْزُهَا الْبَخُورُ وَالتَّبْخِيرُ. وَيُضِيفُونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، بَعْدَ مَوْتِ سَارَةَ، أَرْسَلَ إِسْحَاقَ لِيُعِيدَ هَاجَرَ أَوْ قَطُورَةَ. لَكِنَّ هَذِهِ اخْتِلَاقَاتُ الْيَهُودِ، الَّتِي دَحَضَهَا أَبُولِينْسِيسُ وَكَايِتَانُوسُ بِإِسْهَابٍ. وَيَبْدُو أَنَّ كِلْتَا قَطُورَةَ وَهَاجَرَ كَانَتَا جَارِيَتَيْنِ أَوْ إِمَاءً لِإِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ لَوْ كَانَتَا حُرَّتَيْنِ لَمَا دُعِيَتَا سُرِّيَّتَيْنِ فِي الْآيَةِ ٦.

مُلَاحَظَةٌ: تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيمُ قَطُورَةَ بَعْدَ مَوْتِ سَارَةَ، الَّتِي مَاتَتْ فِي سِنِّ ١٢٧، حِينَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ ١٣٧ سَنَةً. فَفِي هَذَا الْعُمُرِ تَزَوَّجَ قَطُورَةَ وَأَنْجَبَ مِنْهَا سِتَّةَ أَبْنَاءٍ؛ إِذْ كَانَتْ قَطُورَةُ نَشِيطَةً وَخَصِبَةً. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ اللهَ الَّذِي مَنَحَ إِبْرَاهِيمَ قُدْرَةَ الْإِنْجَابِ مِنْ سَارَةَ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ، أَعَانَ أَيْضًا قُدْرَتَهُ عَلَى الْإِنْجَابِ مِنْ قَطُورَةَ، وَأَكْمَلَ مَا كَانَ يَنْقُصُهُ.


الْآيَةُ ٢: مِدْيَانُ

مِنْهُ انْحَدَرَ الْمِدْيَانِيُّونَ: فَهَؤُلَاءِ إِذًا هُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ قَطُورَةَ الْمَعْرُوفُونَ لَنَا؛ وَالْبَقِيَّةُ مَجْهُولُونَ. غَيْرَ أَنَّ يُوسِيفُوسَ يَذْكُرُ أَنَّهُمْ سَكَنُوا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ السَّعِيدَةَ، حَتَّى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ.


الْآيَةُ ٣: بَنُو دَدَانَ هُمُ الْأَشُّورِيُّونَ وَاللَّطُوشِيُّونَ وَاللَّأُمِّيُّونَ

هَذِهِ أَسْمَاءُ أُمَمٍ وَشُعُوبٍ اسْتَمَدُّوا أَصْلَهُمْ مِنْ بَنِي دَدَانَ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ. وَرُبَّمَا سُمُّوا كَذَلِكَ مِنْ حِرْفَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ؛ إِذْ إِنَّ «الْأَشُّورِيِّينَ»، بِحَسَبِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ، تَعْنِي التُّجَّارَ؛ وَ«اللَّطُوشِيِّينَ» حَدَّادِي الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ؛ وَ«اللَّأُمِّيِّينَ» ذَوِي الْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ الْكَثِيرَةِ، أَيِ الْمَالِكِينَ أَوِ الْحُكَّامَ. وَالتَّرْجَمَةُ الْكَلْدَانِيَّةُ تَقُولُ: سَاكِنِينَ فِي الْمُعَسْكَرَاتِ وَالْخِيَامِ وَالْجُزُرِ.


الْآيَةُ ٤: عُوفَرُ

ابْنُهُ عَافَرُ أَعْطَى اسْمَهُ لِمَدِينَةِ أَفْرِيقِيَّا وَمِنْطَقَتِهَا، كَمَا يُعَلِّمُ يُوسِيفُوسُ نَقْلًا عَنِ الْإِسْكَنْدَرِ بُولِيهِسْتُورَ وَكْلِيُودِيمُوسَ؛ وَإِنْ كَانَ آخَرُونَ، تَبَعًا لِسُولِينُوسَ، يَرَوْنَ أَنَّ أَفْرِيقِيَّا سُمِّيَتْ نِسْبَةً إِلَى عَافِرَ ابْنِ لِيبِيسَ وَهِرْقُلَ. وَيَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ مِنْ أَبْنَاءِ قَطُورَةَ هَؤُلَاءِ انْحَدَرَ الْبَرَاهِمَةُ، الَّذِينَ هُمْ حُكَمَاءُ الْهُنُودِ وَرُهْبَانُهُمْ فِي الْوَاقِعِ، وَأَنَّهُمْ سُمُّوا «بَرَاهِمَةً» كَأَنَّهَا «أَبْرَاهِمَةُ»؛ وَمِنْ هُنَا يَعْبُدُ الْبَرَاهِمَةُ إِلَهًا يُدْعَى «بِيرَابْرَامَا»، كَأَقْدَمِ الْآلِهَةِ، وَالَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ أَوَّلُ آبَائِهِمْ.


الْآيَةُ ٦: وَأَمَّا بَنُو السَّرَارِيِّ

أَيْ هَاجَرَ وَقَطُورَةَ. مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُهْمِلْ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ قَدْ أَبْعَدَهُمَا عَنْهُ؛ بَلْ كَانَ يُرْسِلُ لَهُمَا هَدَايَا مِنْ حِينٍ لِآخَرَ.

لَاحِظْ أَنَّ هَاتَيْنِ السُّرِّيَّتَيْنِ كَانَتَا زَوْجَتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ (إِذْ هَكَذَا دُعِيَتَا فِي الْآيَةِ ١ وَغَيْرِهَا)، لَكِنَّهُمَا كَانَتَا أَدْنَى مَنْزِلَةً وَعُمُومًا إِمَاءً. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ الرَّئِيسِيَّةَ كَانَتْ تُدْعَى وَتُلَقَّبُ بِالسَّيِّدَةِ. هَكَذَا أَعْطَى إِبْرَاهِيمُ لِيِسْكَةَ فِي الْإِصْحَاحِ ١١ الْآيَةِ ٢٩ اسْمَ «سَارَايْ»، أَيْ «أَمِيرَتِي» أَوْ «سَيِّدَتِي». وَكَانَتِ الزَّوْجَةُ الرَّئِيسِيَّةُ تُتَّخَذُ بَعْدَ خِطْبَةٍ سَابِقَةٍ وَمَهْرٍ مُحَدَّدٍ وَطَقْسٍ احْتِفَالِيٍّ، وَكَانَتْ أُمَّ الْعَائِلَةِ وَشَرِيكَةَ زَوْجِهَا فِي كُلِّ الْمُمْتَلَكَاتِ وَمُدَبِّرَةَ الْبَيْتِ؛ وَأَخِيرًا كَانَ ابْنُهَا وَارِثَ الْأَبِ. وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّرَارِيِّ عَادَةً وَفِي الْغَالِبِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ كُنَّ يَبْقَيْنَ إِمَاءً وَمِنْ وَضْعٍ عَبْدِيٍّ. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُ.

هَدَايَا. ذَهَبًا وَفِضَّةً وَثِيَابًا وَمَوَاشِيَ، إِلَى آخِرِهِ.

أَبْعَدَهُمْ، لِئَلَّا يُنَازِعُوا إِسْحَاقَ وَيُزْعِجُوهُ فِي حِيَازَةِ أَرْضِ الْمِيعَادِ. وَأَيْضًا لِئَلَّا يُفْسِدَ نَسْلُهُمْ بَنِي إِسْحَاقَ بِعِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ وَرَذَائِلِهِمْ.

نَحْوَ الْمَشْرِقِ. لَاحِظْ: كَانَ نَسْلُ إِسْمَاعِيلَ يُجَاوِرُونَ نَسْلَ إِسْحَاقَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الشَّرْقِ. أَمَّا الْمَوْلُودُونَ مِنْ قَطُورَةَ فَسَكَنُوا أَبْعَدَ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ فِي اتِّجَاهِ الشَّرْقِ، وَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ «بَنُو الْمَشْرِقِ»، وَذِكْرُهُمْ مُتَكَرِّرٌ. اُنْظُرْ أَرِيَاسَ فِي كِتَابِهِ «كَنْعَانُ»، الْإِصْحَاحَيْنِ ٣ وَ٤.


الْآيَةُ ٨: وَأَسْلَمَ الرُّوحَ

أَيْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضٍ وَلَا مِنْ عُنْفٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ مِنَ الشَّيْخُوخَةِ، إِذْ فَنِيَتِ الرُّطُوبَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَالْحَرَارَةُ وَالْقُوَّةُ.

مَاتَ. مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ تَارَحَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ زَوَاجِ إِسْحَاقَ (الَّذِي وَقَعَ فِي السَّنَةِ ١٤٠ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ وَالسَّنَةِ ٤٠ مِنْ عُمُرِ إِسْحَاقَ) بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، حِينَ كَانَ عِيسُو وَيَعْقُوبُ، الْمَوْلُودَانِ لِإِسْحَاقَ فِي عَامِهِ السِّتِّينَ، قَدْ بَلَغَا ١٥ سَنَةً. فَمَعَ أَنَّ مُوسَى يَسْرُدُ وِلَادَةَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو لَاحِقًا فِي هَذَا الْإِصْحَاحِ بَعْدَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، إِلَّا أَنَّهَا حَدَثَتْ فِي الْوَاقِعِ قَبْلَ ذَلِكَ. إِذْ أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَسْتَعْرِضَ جَمِيعَ أَعْمَالِ إِبْرَاهِيمَ وَحَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ مَعًا، ثُمَّ يَتَتَبَّعَ أَعْمَالَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ بِالتَّرْتِيبِ. لِذَلِكَ جُمِعَتْ هُنَا بَعْضُ الْأَحْدَاثِ تَقْدِيمًا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ لَاحِقًا لِأَنَّهَا تَنْتَمِي إِلَى الْمَوْضُوعِ نَفْسِهِ؛ وَلِلسَّبَبِ ذَاتِهِ أُخِّرَتْ أَحْدَاثٌ أُخْرَى وَإِنْ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ أَوَّلًا، بِأُسْلُوبِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ.

مُلَاحَظَةٌ: وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ وَعَاشَ ١٧٥ سَنَةً؛ فَمَاتَ إِذًا فِي السَّنَةِ ٤٦٧ بَعْدَ الطُّوفَانِ. وَمَاتَ نُوحٌ فِي السَّنَةِ ٣٥٠ بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ ٥٨ سَنَةً. وَسَامُ بْنُ نُوحٍ، الَّذِي كَانَ الْجَدَّ التَّاسِعَ لِإِبْرَاهِيمَ، عَاشَ ٥٠٢ سَنَةٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَعَاشَ سَامُ إِذًا ٣٥ سَنَةً بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ. وَعَابِرُ، الْجَدُّ السَّادِسُ لِإِبْرَاهِيمَ، مَاتَ فِي السَّنَةِ ٥٦١ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَعَاشَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ حَفِيدِهِ السَّادِسِ ٩٤ سَنَةً. فَمَاتَ عَابِرُ إِذًا فِي السَّنَةِ ١٠٩ مِنْ حَيَاةِ يَعْقُوبَ، كَمَا مَاتَ سَامُ حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ ابْنَ ٥٠ سَنَةً.

مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فِي السَّنَةِ ٢١٢٣ لِلْعَالَمِ، حِينَ كَانَ إِسْمَاعِيلُ ابْنَ ٨٩ سَنَةً وَإِسْحَاقُ ابْنَ ٧٥ سَنَةً، وَرَأَى ابْنَيْ إِسْحَاقَ الِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ أَبْنَاءَ إِسْمَاعِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، كُلُّهُمْ رُؤَسَاءُ شُعُوبٍ بِعَدَدِهِمْ. وَكَانَ أَبْنَاءُ قَطُورَةَ حِينَئِذٍ فِي نَحْوِ ٣٠ سَنَةً. إِذْ تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيمُ قَطُورَةَ بَعْدَ السَّنَةِ ١٤٠ مِنْ عُمُرِهِ بِقَلِيلٍ، كَمَا ذَكَرْتُ.

مُلَاحَظَةٌ ثَالِثَةٌ: مِنْ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى نُزُولِ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ، الَّذِي وَقَعَ فِي السَّنَةِ ١٣٠ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، مَضَتْ ١١٥ سَنَةً؛ وَمِنْ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى خُرُوجِ مُوسَى وَالْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ مِصْرَ مَضَتْ ٣٣٠ سَنَةً. وَبِمَا أَنَّ مُوسَى كَانَ حِينَئِذٍ، عِنْدَ خُرُوجِ الْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ مِصْرَ، ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً؛ فَيَنْتُجُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ بِمِئَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.

مُلَاحَظَةٌ رَابِعَةٌ: هَذَا هُوَ تَسَلْسُلُ حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ الزَّمَنِيُّ. إِبْرَاهِيمُ فِي سِنِّ ٧٥ دَعَاهُ اللهُ مِنْ كَلْدَةَ فَخَرَجَ إِلَى حَارَانَ؛ فِي سِنِّ ٨٥ تَزَوَّجَ هَاجَرَ، وَفِي ٨٦ وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ؛ فِي سِنِّ ٩٩ خُتِنَ؛ وَفِي السَّنَةِ نَفْسِهَا أُحْرِقَتْ سَدُومُ بِنَارٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ فِي سِنِّ ١٠٠ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ؛ فِي سِنِّ ١٠٥ فُطِمَ إِسْحَاقُ وَطُرِدَ إِسْمَاعِيلُ مِنَ الْبَيْتِ؛ فِي سِنِّ ١٢٥ حَدَثَتْ ذَبِيحَةُ إِسْحَاقَ؛ فِي سِنِّ ١٣٥ مَاتَ تَارَحُ؛ فِي سِنِّ ١٣٧ مَاتَتْ سَارَةُ؛ فِي سِنِّ ١٤٠ زَوَّجَ إِسْحَاقَ رِفْقَةَ؛ فِي سِنِّ ١٦٠ وُلِدَ لَهُ مِنْ إِسْحَاقَ حَفِيدَاهُ يَعْقُوبُ وَعِيسُو؛ فِي سِنِّ ١٧٥ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ.

بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، أَيْ فِي نُضْجٍ وَأَوَانِهِ، سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ الْعُمُرُ أَوِ النِّعْمَةُ؛ الْعُمُرُ لِأَنَّهُ كَانَ طَاعِنًا فِي السِّنِّ وَبِدُونِ مَرَضٍ؛ وَالنِّعْمَةُ لِأَنَّهُ رَحَلَ مَلِيئًا بِالِاسْتِحْقَاقَاتِ. فَكَمَا يَقُولُ فِيلُونُ فِي كِتَابِهِ «مَنْ هُوَ وَارِثُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ»، قَالَ نَبِيٌّ بِحَقٍّ: إِنَّهُ يُفَضِّلُ أَنْ يَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا مَعَ الْفَضِيلَةِ عَلَى أَلْفِ سَنَةٍ فِي ظِلِّ الْمَوْتِ، أَيْ فِي الْخَطِيئَةِ وَالْحَيَاةِ الشِّرِّيرَةِ.

شَبْعَانَ أَيَّامًا، أَيْ مُتَشَبِّعًا مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ، وَمُتَشَوِّقًا إِلَى الِانْحِلَالِ.

اشْتَكَى أَرِسْطُو مِنْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ مَنَحَتِ الْحَيَوَانَاتِ خَمْسَةَ أَوْ عَشَرَةَ قُرُونٍ لِلْعَيْشِ، بَيْنَمَا وَضَعَتْ لِلْإِنْسَانِ، الْمَخْلُوقِ لِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ، أَجَلًا أَقْصَرَ بِكَثِيرٍ. لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْرِفُ هَذَا: «أَعْلَمُ أَنِّي أَصْعَدُ لِكَيْ أَنْزِلَ، وَأَخْضَرُّ لِكَيْ أَذْبُلَ، وَأَنْمُو لِكَيْ أَشِيخَ، وَأَحْيَا لِكَيْ أَمُوتَ، وَأَمُوتَ لِكَيْ أَتَنَعَّمَ إِلَى الْأَبَدِ». الزَّمَنُ يَطِيرُ، يَقُولُ شِيشْرُونُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْحَيَاةُ سِوَى سِبَاقٍ نَحْوَ الْمَوْتِ، لَا يُسْمَحُ فِيهِ لِأَحَدٍ أَنْ يَقِفَ وَلَوْ قَلِيلًا أَوْ يَسِيرَ بِبُطْءٍ أَكْثَرَ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ. فَالْحَكِيمُ إِذًا هُوَ مَنْ تَعَلَّمَ طَوَالَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا أَنْ يَعِيشَ، بَلْ أَنْ يَمُوتَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْجَسَدَ حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ النَّبِيلَةِ، وَلِذَلِكَ يَتَمَنَّى أَنْ يُرَدَّ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي مِنْهَا جَاءَ، وَأَنْ يُعَادَ التُّرَابُ إِلَى التُّرَابِ، لِكَيْ تَطِيرَ الرُّوحُ حُرَّةً إِلَى الْآبَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَاللهِ.

فَإِذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ، الشَّبْعَانُ مِنَ الْحَيَاةِ، قَدِ اشْتَاقَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْمَطْهَرِ الْأَوَّلِ (اللِّيمْبُو)، فَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْمَسِيحِيُّ إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى السَّمَاءِ؟ الطُّوبَاوِيُّ تُومَاسُ مُورُ، حِينَ كَانَ عَلَى وَشَكِ قَطْعِ رَأْسِهِ، وَطَلَبَ الْجَلَّادُ مِنْهُ الصَّفْحَ كَمَا جَرَتِ الْعَادَةُ، أَعْطَاهُ قُبْلَةً وَعُمْلَةً ذَهَبِيَّةً قَائِلًا: «أَنْتَ تُسْدِي إِلَيَّ الْيَوْمَ خَيْرًا لَمْ يُسْدِهِ إِلَيَّ فَانٍ مِنْ قَبْلُ وَلَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُسْدِيَهُ». اسْمَعِ الْقِدِّيسَةَ ثِيُودُورَا تُسْرِعُ إِلَى مَكَانِ الْإِعْدَامِ وَتَتَنَازَعُ مَعَ الْجُنْدِيِّ الَّذِي أَنْقَذَهَا مِنَ السِّجْنِ بِتَبْدِيلِ الثِّيَابِ لِئَلَّا تُنْتَهَكَ، حَوْلَ مَنْ يَكُونُ الشَّهِيدَ: «لَمْ أَخْتَرْكَ ضَامِنًا لِمَوْتِي، بَلْ أَرَدْتُكَ حَارِسًا لِعِفَّتِي؛ عَلَيَّ صَدَرَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ مِنْ أَجْلِي. سَأَمُوتُ بَرِيئَةً لِئَلَّا أَمُوتَ مُذْنِبَةً. لَيْسَ هُنَا وَسَطٌ: الْيَوْمَ أَنَا إِمَّا مُذْنِبَةٌ بِدَمِكَ أَوْ شَهِيدَةٌ بِدَمِي»، كَمَا يَرْوِي الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «عَنِ الْعَذَارَى».

انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ، أَيْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلَعَ الْفَنَاءَ كَسَائِرِ الْبَشَرِ، وَدَخَلَ طَرِيقَ كُلِّ بَشَرٍ، وَانْتَقَلَ مِنْ حَالَةِ الْأَحْيَاءِ هُنَا إِلَى حَالَةِ الْآبَاءِ الْمُقِيمِينَ فِي الْحَيَاةِ الْأُخْرَى.

مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَسْتَنْتِجُ ثِيُودُورِيطُسُ وَكَايِتَانُوسُ وَلِيرَا وَبِيرِيرِيُوسُ: أَوَّلًا، أَنَّ نَفْسَ الْإِنْسَانِ خَالِدَةٌ؛ ثَانِيًا، أَنَّ نُفُوسَ الْمَوْتَى لَا تَعِيشُ مُنْفَرِدَةً بَلْ جَمَاعِيًّا وَفِي شَرِكَةٍ كَأَنَّهَا فِي شَعْبٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي اللِّيمْبُو كَمَا كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ؛ ثَالِثًا، أَنَّهُ يُقَالُ عَنِ الْأَشْرَارِ مِثْلِ رَحَبْعَامَ وَآحَازَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَذَلِكَ عَنِ الْأَبْرَارِ: «رَقَدَ مَعَ آبَائِهِ»؛ لَكِنْ يُقَالُ غَالِبًا عَنِ الصَّالِحِينَ وَالْأَبْرَارِ فَقَطْ، مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَمُوسَى وَهَارُونَ: «انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ». رَابِعًا، يَفْهَمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَسْأَلَةِ ٢٦٨، وَتُوسْتَاتُوسُ وَبُورْجِينْسِيسُ بِكَلِمَةِ «قَوْمٍ» مُجْتَمَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِي انْضَمَّ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ وَسَائِرُ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ. لَكِنْ بِأَبْسَطَ وَأَصْدَقَ مِنْ ذَلِكَ، يَفْهَمُ رُوبِرْتُوسُ وَغَيْرُهُ بِكَلِمَةِ «قَوْمٍ» مُجْتَمَعَ الصَّالِحِينَ مِنَ الْبَشَرِ، الَّذِي يُجْمَعُ إِلَيْهِ الصَّالِحُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ، كَمَا يُجْمَعُ الْحَصَادُ النَّاضِجُ مِنَ الْحُقُولِ إِلَى الْأَهْرَاءِ. خَامِسًا، يُلَاحِظُ بُورْجِينْسِيسُ أَنَّنَا نَقْرَأُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ: «انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ»، أَيْ إِلَى عَابِرَ وَنُوحٍ وَهَابِيلَ وَشِيثٍ وَآدَمَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ الْغِبْطَةَ فِي اللِّيمْبُو؛ أَمَّا فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، حَيْثُ تَطِيرُ النُّفُوسُ النَّقِيَّةُ فَوْرًا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُقَالُ: «طُوبَى لِلْأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ»، إِلَى آخِرِهِ. «أَحْسَنْتَ أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالْأَمِينُ، ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ».

أَمَّا لَوْحَةُ تَخْلِيدِ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ فَانْظُرْ سِفْرَ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ الْإِصْحَاحَ ٤٤، الْآيَةَ ٢٠، حَيْثُ يَقُولُ: «إِبْرَاهِيمُ أَبٌ عَظِيمٌ لِجُمْهُورِ أُمَمٍ، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُشْبِهُهُ فِي الْمَجْدِ، الَّذِي حَفِظَ شَرِيعَةَ الْعَلِيِّ»، إِلَى آخِرِهِ.

يُضِيفُ بُورْجِينْسِيسُ أَنَّهُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَنْزِلْ أَحَدٌ مِنَ الْآبَاءِ إِلَى اللِّيمْبُو؛ بَلْ إِنَّ آدَمَ وَهَابِيلَ وَشِيثًا وَأَنُوشَ وَنُوحًا وَجَمِيعَ الصَّالِحِينَ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ ذَهَبُوا أَوَّلًا إِلَى الْمَطْهَرِ بِسَبَبِ خَطَايَاهُمُ الْعَرَضِيَّةِ: لِأَنَّهُ يُقَالُ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ «مَاتُوا»؛ أَمَّا عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَيُقَالُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ إِنَّهُ «انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ»، أَيْ فِي اللِّيمْبُو.

لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بَعِيدَ الِاحْتِمَالِ. فَإِنَّ هَابِيلَ مَاتَ شَهِيدًا، فَذَهَبَ إِذًا إِلَى اللِّيمْبُو لَا إِلَى الْمَطْهَرِ. وَكَذَلِكَ نُوحٌ كَانَ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا، بَلْ سَارَ مَعَ اللهِ. فَذَهَبَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى اللِّيمْبُو؛ لَكِنَّهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمُ «انْضَمُّوا إِلَى قَوْمِهِمْ»، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ «قَوْمٌ» وَجَمَاعَةُ صَالِحِينَ فِي اللِّيمْبُو؛ بَلْ هُمْ بِمَوْتِهِمْ جَمَعُوا هَذَا الْقَوْمَ تَدْرِيجِيًّا وَأَسَّسُوهُ. فَحِينَ قُتِلَ هَابِيلُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي اللِّيمْبُو، بَلْ كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهُ.

هُنَا يَنْتَهِي الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْمُمْتَدُّ مِنْ وِلَادَةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَوْتِهِ، وَعِنْدَهُ أَيْضًا يُنْهِي بِيرِيرِيُوسُ مُجَلَّدَهُ الثَّالِثَ مِنْ تَفْسِيرِ سِفْرِ التَّكْوِينِ.


الْآيَةُ ١١: بَارَكَ إِسْحَاقَ

أَحْسَنَ إِلَى إِسْحَاقَ بِإِغْنَائِهِ.


الْآيَةُ ١٤: مِشْمَاعُ وَدُومَةُ وَمَسَّا

هَذِهِ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ لِثَلَاثَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ. يَسْتَخْدِمُهَا الْعِبْرَانِيُّونَ مُجْتَمِعَةً كَمَثَلٍ، قَائِلِينَ: «مَشْمَا، دُومَا، فِيمَسَّا». يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُعَبِّرُوا عَنْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يُسْمَعُ وَيُسْكَتُ عَنْهُ وَيُتَحَمَّلُ؛ وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْيُونَانِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: «احْتَمِلْ وَامْتَنِعْ». فَإِنَّ «مَشْمَا» بِالْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي السَّمَاعَ، وَ«دُومَا» الصَّمْتَ، وَ«مَسَّا» الِاحْتِمَالَ. وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْإِيطَالِيُّونَ بِقَوْلِهِمْ: «اسْمَعْ وَانْظُرْ وَاصْمُتْ، إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعِيشَ فِي سَلَامٍ».


الْآيَةُ ١٥: تِيمَاءُ

مِنْهُ جَاءَتْ مَدِينَةُ تِيمَانَ وَمِنْطَقَتُهَا، جَنُوبَ أَدُومَ، الَّتِي كَانَ مَلِكُهَا أَلِيفَازَ، صَدِيقُ أَيُّوبَ الْبَارِّ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يُدْعَى التِّيمَانِيَّ.


الْآيَةُ ١٧: انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ

مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَسْتَنْتِجُ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ، بَعْدَ سُخْرِيَتِهِ مِنْ إِسْحَاقَ وَإِيذَائِهِ، حِينَ طُرِدَ مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، غَيَّرَ عَقْلَهُ وَحَيَاتَهُ، وَعَاشَ بِاسْتِقَامَةٍ، وَبِذَلِكَ خَلَصَ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ ٨.


الْآيَةُ ١٨: حَوِيلَةُ

هِيَ مِنْطَقَةٌ، لَيْسَتْ فِي الْهِنْدِ، بَلْ وَاقِعَةٌ بِالْقُرْبِ مِنْ بَرِّيَّةِ شُورَ، بَيْنَ مِصْرَ وَأَشُّورَ وَفِلَسْطِينَ؛ عَنْهَا اُنْظُرِ الْإِصْحَاحَ ٢، الْآيَةَ ١١. فَنَسْلُ إِسْمَاعِيلَ إِذًا امْتَلَكُوا كُلَّ ذَلِكَ الشَّرِيطِ الْمُمْتَدِّ مِنَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ إِلَى أَشُّورَ، وَالَّذِي يُعْتَقَدُ الْيَوْمَ أَنَّهُ يُدْعَى «كَبَانَا».

أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ سَكَنَ وَسَطَ إِخْوَتِهِ؛ إِذْ كَانَ إِسْحَاقُ إِلَى الْغَرْبِ مِنْهُ وَأَبْنَاءُ قَطُورَةَ إِلَى الشَّرْقِ.

مَاتَ أَمَامَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ. كَلِمَةُ «مَاتَ» فِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ «نَافَالَ»، أَيْ «سَقَطَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: بَيْنَمَا كَانَ إِخْوَتُهُ قَائِمِينَ وَأَحْيَاءً وَنَاظِرِينَ، سَقَطَ إِسْمَاعِيلُ وَمَاتَ؛ وَذَلِكَ قَبْلَ أَوَانِهِ بِقَلِيلٍ، فِي سِنِّ ١٣٧، بَيْنَمَا عَاشَ سَائِرُ أَقَارِبِهِ وَإِخْوَتِهِ أَطْوَلَ مِنْهُ؛ فَإِنَّ إِسْحَاقَ عَاشَ ١٨٠ سَنَةً. وَمَاتَ إِسْمَاعِيلُ بَعْدَ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ بِ ٤٨ سَنَةً: إِذْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٨٦ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ. وَإِبْرَاهِيمُ عَاشَ إِجْمَالًا ١٧٥ سَنَةً. وَيُفَسِّرُ آخَرُونَ هَكَذَا: «سَقَطَ»، أَيْ سَقَطَتْ قُرْعَتُهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَكَنَ إِسْمَاعِيلُ بَيْنَ إِخْوَتِهِ، كَمَا تُتَرْجِمُهُ السَّبْعِينِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ. لَكِنْ لَا ذِكْرَ لِلْقُرْعَةِ هُنَا. لِذَلِكَ يُتَرْجِمُ بَانِينُوسُ: «وَمَاتَ».


الْآيَةُ ٢٠: بَتُوئِيلَ الْأَرَامِيِّ مِنْ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ

أَيْ أَنَّ بَتُوئِيلَ كَانَ أَرَامِيًّا، مِنْ ذَلِكَ الْقِسْمِ مِنْ سُورِيَّا الَّذِي يُدْعَى بِلَادَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ. وَلَاحِظْ أَوَّلًا: كَلِمَةُ «سُورِيٌّ» بِالْعِبْرِيَّةِ هِيَ «أَرَامِّي»، كَأَنَّكَ تَقُولُ «أَرْمَنِيٌّ»؛ وَسُورِيَّا تُدْعَى «أَرَامَ»، كَأَنَّكَ تَقُولُ أَرْمِينِيَا. فَيَبْدُو إِذًا مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ أَنَّ سُورِيَّا، الْمُمْتَدَّةَ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ كَمَا سَأَذْكُرُ قَرِيبًا، كَانَتْ تُدْعَى فِيمَا مَضَى أَرْمِينِيَا، نِسْبَةً إِلَى أَرَامَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، التَّكْوِينُ ١٠.

ثَانِيًا، كَانَتْ سُورِيَّا عِنْدَ الْقُدَمَاءِ مُمْتَدَّةً بِعِيدًا وَوَاسِعًا، وَتَشْمَلُ مَنَاطِقَ كَثِيرَةً بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ تُمَيِّزُهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْمُلُوكِ الثَّانِي الْإِصْحَاحِ ١٠، الْآيَتَيْنِ ٦ وَ٨.

أَوَّلًا، الْمِنْطَقَةُ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا دِمَشْقُ تُدْعَى «أَرَامَ دَمَّسِقَ»، أَيْ سُورِيَّا دِمَشْقَ.

ثَانِيًا، سُورِيَّا الَّتِي تَقَعُ فِيهَا صُوبَا تُدْعَى أَرَامَ أَوْ سُورِيَّا صُوبَا. وَهِيَ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ لُبْنَانَ وَجَبَلِ لُبْنَانَ الشَّرْقِيِّ، وَسُمِّيَتْ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ «صُوبَا» «سُورِيَّا الْجَوْفَاءَ»، وَبِالْيُونَانِيَّةِ «كُويْلِيسُورِيَّا»، بِسَبَبِ السَّهْلِ الْمُنْخَفِضِ مِنِ انْحِدَارَاتِ الْجِبَالِ (وَهُوَ مَعْنَى «صُوبَا» بِالْعِبْرِيَّةِ).

ثَالِثًا، «أَرَامُ نَهْرَايِمْ»، أَيْ سُورِيَّا النَّهْرَيْنِ، هِيَ بِلَادُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، الَّتِي تُدْعَى أَيْضًا «إِنْتِرَامْنِيسْ» لِأَنَّهَا تَقَعُ بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ. وَتُدْعَى أَيْضًا «أَرَامُ فَدَّانَ»، كَأَنَّكَ تَقُولُ سُورِيَّا السَّهْلِيَّةَ. فَإِنَّ «فَدَّانَ» بِلُغَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ تَعْنِي الْحَقْلَ أَوِ الْمِنْطَقَةَ السَّهْلِيَّةَ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُدْعَى أَنْبَلُ أَنْهَارِ إِيطَالِيَا «بَادُوسَ» (بُو)، لِأَنَّهُ يَجْرِي طَوِيلًا عَبْرَ مَنَاطِقَ سَهْلِيَّةٍ. فَبَتُوئِيلُ هُنَا يُدْعَى أَرَامِيًّا لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، أَيْ مِنْ حَارَانَ مَدِينَةِ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ.

رَابِعًا، هُنَاكَ سُورِيَّا مَعْكَةَ؛ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ نِسْبَةً إِلَى مَعْكَةَ ابْنِ نَاحُورَ مِنْ زَوْجَتِهِ رَأُومَةَ، التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ ٢٢، الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ.


الْآيَةُ ٢١: وَتَضَرَّعَ

الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ هِيَ «يِعْتَارْ»، أَيْ «صَلَّى كَثِيرًا وَبِإِلْحَاحٍ»، مُتَمَلِّقًا اللهَ بِحُبٍّ بِصَلَاةٍ لَطِيفَةٍ وَعَذْبَةٍ. وَمِنْ هُنَا يَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ إِسْحَاقَ صَلَّى عِشْرِينَ سَنَةً لِرَفْعِ عُقْمِ رِفْقَةَ، وَلَمْ يَنَلْ ذَلِكَ إِلَّا فِي السَّنَةِ الْعِشْرِينَ؛ إِذْ تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ رِفْقَةَ فِي سِنِّ ٤٠ وَلَمْ يُنْجِبْ مِنْهَا يَعْقُوبَ وَعِيسُو إِلَّا فِي سِنِّ ٦٠. «لِكَيْ نَحْنُ أَيْضًا»، كَمَا يَقُولُ هُوَ نَفْسُهُ فِي الْعِظَةِ ٤٩، «مُقْتَدِينَ بِالرَّجُلِ الصِّدِّيقِ، نُدَاوِمَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْإِلَهِيَّةِ كُلَّمَا طَلَبْنَا شَيْئًا مِنَ اللهِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الصِّدِّيقُ، الْمُتَّصِفُ بِتِلْكَ الْفَضِيلَةِ وَالْمُتَمَتِّعُ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ عِنْدَ اللهِ، قَدْ أَظْهَرَ كُلَّ ذَلِكَ الثَّبَاتِ وَالْحَمَاسَةِ فِي مُدَاوَمَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ لِلَّهِ حَتَّى أُزِيلَ عُقْمُ رِفْقَةَ: فَمَاذَا نَقُولُ نَحْنُ الَّذِينَ تُثْقِلُنَا أَحْمَالُ الْخَطَايَا الْكَثِيرَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ إِنْ أَظْهَرْنَا بَعْضَ الْحَمَاسَةِ وَالِاجْتِهَادِ لِوَقْتٍ قَصِيرٍ، نَفْتُرُ وَنَنْكِصُ إِنْ لَمْ نُسْتَجَبْ فِي الْحَالِ»، إِلَى آخِرِهِ.

مُلَاحَظَةٌ: أَرَادَ اللهُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ سَارَةُ وَرِفْقَةُ (وَكَذَلِكَ رَاحِيلُ وَحَنَّةُ) عَوَاقِرَ لِفَتْرَةٍ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ ذَلِكَ النَّسْلَ الْمُبَارَكَ، أَيِ الْمَسِيحَ، وُلِدَ مِنْ سَارَةَ وَرِفْقَةَ (وَكَذَلِكَ الرِّجَالُ الْأَقْدَسُونَ، يُوسُفُ مِنْ رَاحِيلَ وَصَمُوئِيلُ مِنْ حَنَّةَ) لَا بِقُوَى الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِمَحْضِ عَطِيَّةِ اللهِ، عَنْ طَرِيقِ مُعْجِزَةٍ، وَأُعْطِيَ لِلْعَالَمِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. فَقَدْ قَرَّرَ اللهُ إِذًا أَنْ يُولَدَ يَعْقُوبُ وَالْمَسِيحُ مِنْ رِفْقَةَ، لَكِنْ لَيْسَ بِدُونِ وَسَاطَةِ الْأَسْبَابِ الثَّانَوِيَّةِ وَصَلَوَاتِ إِسْحَاقَ الْمُسْتَجَابَةِ.


الْآيَةُ ٢٢: تَزَاحَمَ الْوَلَدَانِ فِي بَطْنِهَا

تُتَرْجِمُهَا السَّبْعِينِيَّةُ «إِسْكِيرْتُونْ»، وَهِيَ مَا يُتَرْجِمُهُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِ «ابْتَهَجَا»؛ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ بِ «تَحَمَّسَا»؛ وَفِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ «يِتْرُوتْصِتْسُو»، الَّتِي يُتَرْجِمُهَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ بِ «رَفَسَا»؛ وَأَكِيلَا بِ «تَحَطَّمَا بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ»؛ وَسِيمَاخُوسُ بِ «تَصَارَعَا كَالْمُصَارِعِينَ».

فَكَانَ هَذَانِ الطِّفْلَانِ إِذًا يَتَرَاجَحَانِ وَيَتَدَافَعَانِ وَيَتَضَايَقَانِ، إِذْ كَانَ كِلَاهُمَا يَسْعَى وَيَجْتَهِدُ لِيَخْرُجَ مِنْ رَحِمِ أُمِّهِ أَوَّلًا فَيَكُونَ الْبِكْرَ.

مُلَاحَظَةٌ: لَمْ يَقَعْ هَذَا الصِّرَاعُ وَهَذِهِ الْمُصَارَعَةُ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ يَعْقُوبَ وَعِيسُو بِقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِتَدْبِيرِ اللهِ، كَنَذِيرٍ بِأَنَّ يَعْقُوبَ وَعِيسُو بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا سَيَتَصَارَعَانِ وَيَتَنَافَسَانِ عَلَى الْبُكُورِيَّةِ وَالْأَوَّلِيَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٣. وَمِنْ هُنَا أَمْسَكَ يَعْقُوبُ بِعَقِبِ عِيسُو كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعَرْقِلَهُ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الرَّحِمِ أَوَّلًا. يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ: «وَضْعِيَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا تُبَيِّنُ مَنْ كَانَ قَائِدَ الصِّرَاعِ فِي الدَّاخِلِ؛ أَيْ أَنَّ عِيسُو، الْمُصَابَ بِضَرَبَاتِ يَعْقُوبَ، يَبْدُو فَارًّا، بَيْنَمَا يَعْقُوبُ الْمُمْسِكُ بِقَدَمِهِ يُظْهِرُ هَيْئَةَ الْمُلَاحِقِ الضَّارِبِ لِظَهْرِ الْمَهْزُومِ». وَيُضِيفُ رَمْزِيًّا أَنَّ بِهَذَا الصِّرَاعِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَعِيسُو يُرْمَزُ إِلَى صِرَاعِ الْمَسِيحِيِّينَ مَعَ الْيَهُودِ.

يَرَى التَّارِيخُ الْمَدْرَسِيُّ، وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنْ «عَنِ الْإِيمَانِ» الْإِصْحَاحِ ٤، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ كَمَا يَنْقُلُهُ دِيُونِيسْيُوسُ الْقَرْطَاجِنِّيُّ (لَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ حَتَّى الْآنَ) أَنَّ هَذَا التَّزَاحُمَ كَانَ شَبِيهًا بِابْتِهَاجِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ فِي رَحِمِ أُمِّهِ، وَبِالتَّالِي أَنَّ كِلَيْهِمَا، يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانَ، قُدِّسَا فِي رَحِمِ أُمَّيْهِمَا. وَيُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ فِي رُومِيَةَ ٩ بِأَنَّ اللهَ أَحَبَّ يَعْقُوبَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ خَيْرًا، وَهُوَ لَا يَزَالُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ. لَكِنْ بِنَفْسِ الْمَنْطِقِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ عِيسُو أَيْضًا قُدِّسَ فِي الرَّحِمِ. فَابْتِهَاجُ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا كَانَ شَيْئًا، وَتَزَاحُمُ يَعْقُوبَ وَعِيسُو وَمُصَارَعَتُهُمَا شَيْئًا آخَرَ، وَمَقْصِدُ الرَّسُولِ مُخْتَلِفٌ أَيْضًا كَمَا شَرَحْتُ فِي رُومِيَةَ ٩. فَرَأْيُهُمْ هَذَا إِذًا يَفْتَقِرُ إِلَى أَسَاسٍ وَيَبْدُو أَنَّهُ قِيلَ بِلَا تَمْحِيصٍ.

هَكَذَا كَثِيرًا مَا سَبَقَتِ الْبَشَائِرُ وَالنَّذُرُ حَيَاةَ الرِّجَالِ الْعِظَامِ وَأَعْمَالَهُمْ. رَأَى سُقْرَاطُ فِي الْحُلْمِ فَرْخَ بَجَعٍ يَنْبُتُ رِيشُهُ فِي حِجْرِهِ، وَسُرْعَانَ مَا نَبَتَتْ لَهُ أَجْنِحَةٌ فَطَارَ عَالِيًا مُطْلِقًا أَعْذَبَ الْأَلْحَانِ: وَهَذَا بِالطَّبْعِ كَانَ أَفْلَاطُونَ، تِلْمِيذَ سُقْرَاطَ، الَّذِي تَأَلَّقَ بَيْنَ الْفَلَاسِفَةِ بِالْحِكْمَةِ وَالْبَلَاغَةِ. وَمِنْ ثَمَّ حِينَ قُدِّمَ أَفْلَاطُونُ لِسُقْرَاطَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، قَالَ: «هَذَا هُوَ الْبَجَعُ الَّذِي رَأَيْتُهُ». وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ دِيُوجِينِسُ لَايِرْتِيُوسُ فِي حَيَاةِ أَفْلَاطُونَ.

أُمُّ الْقِدِّيسِ دُومِينِيكُسَ، وَهِيَ حَامِلٌ، رَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ فِي بَطْنِهَا جَرْوًا يَحْمِلُ فِي فَمِهِ مَشْعَلًا، وَأَنَّهُ حِينَ يَخْرُجُ إِلَى النُّورِ يُضْرِمُ النَّارَ فِي الْعَالَمِ. وَبِهَذَا الْحُلْمِ دَلَّتِ الْإِشَارَةُ عَلَى أَنَّ الْقِدِّيسَ دُومِينِيكُسَ سَيُشْعِلُ قُلُوبَ النَّاسِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ بِسَنَاءِ قَدَاسَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ.

الْقِدِّيسُ تُومَاسُ الْأَكْوِينِيُّ، وَهُوَ لَا يَزَالُ رَضِيعًا، كَانَ يُقَلِّبُ وَرَقَةً بَلْ يَأْكُلُهَا، مُشِيرًا إِلَى مَدَى اجْتِهَادِهِ الَّذِي سَيَكُونُ عَلَيْهِ حِينَ يَكْبُرُ.

مِنْ فَمِ الْقِدِّيسِ أَفْرَامَ وَهُوَ صَبِيٌّ رَأَى وَالِدَاهُ كَرْمَةً تَخْرُجُ وَتَمْلَأُ كُلَّ الْمِنْطَقَةِ الْمُحِيطَةِ، رَمْزًا إِلَى مَدَى انْتِشَارِ عِلْمِهِ وَفَضِيلَتِهِ.

وَمَضَتْ لِتَسْأَلَ الرَّبَّ عَلَى جَبَلِ الْمُرِيَّا عَنْ طَرِيقِ مَلْكِي صَادِقَ. هَكَذَا يَقُولُ أُوسَابْيُوسُ وَجِنَادِيُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَدِيُودُورُسُ. وَكَذَلِكَ الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٥٠ يَقُولُ إِنَّ رِفْقَةَ سَأَلَتِ اللهَ عَنْ طَرِيقِ كَاهِنٍ، وَعَنْ طَرِيقِهِ نَفْسِهِ تَلَقَّتْ جَوَابًا مِنَ اللهِ. وَلِذَلِكَ يُضِيفُ: «اُنْظُرْ كَمْ كَانَتْ كَرَامَةُ الْكَهَنَةِ عَظِيمَةً حَتَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ».

ثَانِيًا، يُتَرْجِمُ التَّرْجُمُ الْأُورُشَلِيمِيُّ وَالْعِبْرَانِيُّونَ: ذَهَبَتْ لِتَطْلُبَ الرَّحْمَةَ فِي بَيْتِ تَعْلِيمِ سَامٍ. فَإِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا: إِذْ مَاتَ حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ الْخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ. وَيَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ مَلْكِي صَادِقَ كَانَ هُوَ سَامَ: وَهَكَذَا يَتَّفِقُ تَفْسِيرُهُمْ هَذَا مَعَ الْأَوَّلِ لِأُوسَابْيُوسَ.

ثَالِثًا، بِأَسْهَلِ وَأَوْضَحِ الطُّرُقِ، يَرَى ثِيُودُورِيطُسُ وَدِيُودُورُسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ أَنَّ رِفْقَةَ، مُضْطَرِبَةَ النَّفْسِ، ذَهَبَتْ إِلَى مَذْبَحٍ قَرِيبٍ وَمَنْزِلِيٍّ وَصَلَّتْ هُنَاكَ إِلَى اللهِ، الَّذِي أَجَابَهَا بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ بِمَا يَلِي: «أُمَّتَانِ فِي بَطْنِكِ، وَالْكَبِيرُ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». فَفَهِمَتْ رِفْقَةُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ يَعْقُوبَ سَيُفَضَّلُ عَلَى عِيسُو، وَأَنَّ الْبُكُورِيَّةَ وَبَرَكَةَ الْأَبِ سَتَكُونُ لَهُ.


الْآيَةُ ٢٣: أُمَّتَانِ

أُمَّتَانِ — ابْنَانِ سَيَكُونَانِ أَبَوَيْنِ وَرَأْسَيْنِ لِأُمَّتَيْنِ، أَيِ الْيَهُودِ وَالْأَدُومِيِّينَ، الْمُتَعَادِيَيْنِ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ. اُنْظُرْ عَامُوسَ ١: ١١.

الْكَبِيرُ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ. — الْبِكْرُ عِيسُو يَخْدِمُ الْأَصْغَرَ يَعْقُوبَ، لَا فِي شَخْصِهِ (فَإِنَّنَا لَا نَقْرَأُ أَنَّ هَذَا حَدَثَ أَبَدًا؛ بَلِ الْعَكْسُ أَنَّ يَعْقُوبَ خَضَعَ لِعِيسُو)، بَلْ فِي نَسْلِهِ. فَإِنَّ الْيَهُودَ نَسْلَ يَعْقُوبَ، بِوَصْفِهِمْ وَرَثَةَ إِبْرَاهِيمَ الْوَحِيدِينَ، امْتَلَكُوا أَرْضَ الْمِيعَادِ كَنْعَانَ، وَأُغْنِيُوا بِبَرَكَاتِ اللهِ، وَخَدَمَهُمُ الْأَدُومِيُّونَ نَسْلُ عِيسُو فِي زَمَنِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْمُلُوكِ الثَّانِي الْإِصْحَاحِ ٨؛ وَمَعَ أَنَّهُمْ أَلْقَوْا عَنْهُمُ النِّيرَ فِيمَا بَعْدُ، فَقَدْ أَخْضَعَهُمْ هِيرْكَانُوسُ مِنْ جَدِيدٍ، وَقَبِلُوا الْخِتَانَ، وَاتَّحَدُوا مَعَ الْيَهُودِ فِي أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا يَشْهَدُ يُوسِيفُوسُ فِي تَارِيخِ الْيَهُودِ الْقَدِيمِ ١٤، الْإِصْحَاحُ ١٧. وَمِنْ هُنَا يَخْلِطُ بْلِينِيُوسُ وَغَيْرُهُ أَحْيَانًا بَيْنَ الْأَدُومِيِّينَ وَالْيَهُودِ.

رَمْزِيًّا، الْيَهُودُ وَإِنْ كَانُوا أَقْدَمَ، سَيَخْدِمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ عَنِ الْمَسِيحِيِّينَ فِي الْكَنِيسَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالْخَلَاصِ، كَمَا خَدَمَتِ الشَّرِيعَةُ الْقَدِيمَةُ الْجَدِيدَةَ، رُومِيَةَ ٩: ١٠.

أَخْلَاقِيًّا، الطُّغَاةُ الْأَشْرَارُ يَخْدِمُونَ الشُّهَدَاءَ الصَّالِحِينَ، لِأَنَّهُمْ بِاضْطِهَادِهِمْ وَصُلْبَانِهِمْ وَعَذَابَاتِهِمْ يُعِدُّونَ لَهُمْ أَكَالِيلَ أَبَدِيَّةً وَيَصْنَعُونَهَا. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ كَثِيرًا مَا يُخْضَعُ الْأَشْرَارُ لِلْأَخْيَارِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ وَبِالتَّأْكِيدِ وَدَائِمًا سَيُخْضَعُونَ لَهُمْ بَعْدَ يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ؛ فَحِينَئِذٍ يَدِينُ الصِّدِّيقُونَ الْأُمَمَ وَيَسُودُونَ الشُّعُوبَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ ٧٨.

ثَانِيًا، فِي الصِّدِّيقِينَ يَخْدِمُ الْأَكْبَرُ الْأَصْغَرَ، أَيْ يَخْدِمُ الْجَسَدُ الرُّوحَ، وَتَخْضَعُ الرَّذَائِلُ لِلْفَضَائِلِ، كَمَا يَقُولُ أُورِيجَانُوسُ.

أَخْلَاقِيًّا، عِيسُو يُمَثِّلُ الْأَشْرَارَ بِسَبَبِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مُشَابَهَةً، كَمَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ.

الْأُولَى: كَانَ عِيسُو الْأَسْبَقَ وَالْأَكْثَرَ تَكْرِيمًا عِنْدَ النَّاسِ، لَكِنَّ يَعْقُوبَ كَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ اللهِ: هَكَذَا يَتَفَوَّقُ الْأَشْرَارُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلَى الْأَخْيَارِ فِي الطَّبِيعَةِ وَالذَّكَاءِ وَالْحِكْمَةِ وَالنُّبْلِ وَالْقُوَّةِ وَالْجَمَالِ وَالثَّرْوَةِ، وَيُكَرِّمُهُمُ النَّاسُ، بَيْنَمَا هُمْ عِنْدَ اللهِ بِلَا مَجْدٍ وَبِلَا شَرَفٍ؛ وَالْعَكْسُ تَمَامًا فِي الْأَخْيَارِ.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْكَبِيرَ يَخْدِمُ الصَّغِيرَ؛ فَالْأَشْرَارُ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَبْدُونَ سَادَةً لِلْأَخْيَارِ، لَكِنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَخْدِمُونَهُمْ وَيَخْدِمُونَ مَجْدَهُمْ وَأَكَالِيلَهُمْ، كَمَا ذَكَرْتُ.

الثَّالِثَةُ: صِرَاعُ يَعْقُوبَ وَعِيسُو يَرْمُزُ إِلَى الْحَرْبِ وَالْمُصَارَعَةِ الدَّائِمَةِ بَيْنَ الْأَشْرَارِ وَالْأَخْيَارِ.

الرَّابِعَةُ: عِيسُو يَخْرُجُ أَوَّلًا، لَكِنَّ يَعْقُوبَ يُمْسِكُ بِعَقِبِهِ: هَكَذَا بِدَايَاتُ الْأَشْرَارِ سَعِيدَةٌ مُزْدَهِرَةٌ، لَكِنَّ نِهَايَاتِهِمْ حَزِينَةٌ مُهْلِكَةٌ إِلَى الْأَبَدِ.

الْخَامِسَةُ: كَانَ عِيسُو كُلُّهُ أَشْعَرَ، وَهُوَ مَا يَرْمُزُ إِلَى أَخْلَاقِهِ الْخَشِنَةِ وَنَفْسِهِ الشَّرِسَةِ وَطَبْعِهِ الْمَاكِرِ وَمَيْلِهِ الشَّهْوَانِيِّ: هَكَذَا هُمُ الْأَشْرَارُ.

السَّادِسَةُ: كَانَ عِيسُو صَيَّادًا وَفَلَّاحًا: هَكَذَا الْأَشْرَارُ كُلُّهُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِالْأَرْضِ وَالْخَيْرَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

السَّابِعَةُ: بَاعَ عِيسُو بُكُورِيَّتَهُ بِطَبَقِ عَدَسٍ حَقِيرٍ: هَكَذَا يُبَدِّلُ الْأَشْرَارُ حَقَّ التَّبَنِّي أَبْنَاءً لِلَّهِ وَرَجَاءَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ بِأَحْقَرِ الْخَيْرَاتِ.

الثَّامِنَةُ: اسْتَخَفَّ عِيسُو بِخَسَارَتِهِ: هَكَذَا لَا يُبَالِي الْمَرْذُولُونَ بِفَقْدِ نِعْمَةِ اللهِ وَمَجْدِ السَّمَاءِ.

التَّاسِعَةُ: عِيسُو بِتَزْوِيجِهِ نِسَاءً كَنْعَانِيَّاتٍ أَسَاءَ إِلَى وَالِدَيْهِ إِسَاءَةً بَالِغَةً: هَكَذَا الْأَشْرَارُ حِينَ يَتَعَلَّقُونَ بِرُفَقَاءِ السُّوءِ يُسِيئُونَ إِلَى اللهِ وَالْكَنِيسَةِ إِسَاءَةً بَالِغَةً.

الْعَاشِرَةُ: أَدْرَكَ عِيسُو أَخِيرًا شُرُورَهُ وَخَسَائِرَهُ، فَتَأَوَّهَ وَبَكَى وَنَدِمَ، لَكِنَّهَا تَوْبَةٌ بَاطِلَةٌ وَفَارِغَةٌ: تَوْبَةً مُمَاثِلَةً يَتُوبُ الْمَرْذُولُونَ فِي سِفْرِ الْحِكْمَةِ ٥.

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَبْغَضَ عِيسُو يَعْقُوبَ وَاضْطَهَدَهُ: هَكَذَا يَضْطَهِدُ الْأَشْرَارُ الْأَخْيَارَ.

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَحَبَّ إِسْحَاقُ عِيسُو لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ صَيْدِهِ؛ أَمَّا رِفْقَةُ فَأَحَبَّتْ يَعْقُوبَ مَحَبَّةً مُطْلَقَةً وَبَسِيطَةً لِأَنَّهُ كَانَ صَالِحًا وَقِدِّيسًا: هَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَبَّ الْأَشْرَارُ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ مَا، لِأَنَّ أَعْمَالَهُمُ الْحِرَفِيَّةَ وَاخْتِرَاعَاتِهِمُ الْمَادِّيَّةَ نَافِعَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ؛ أَمَّا الْمُخْتَارُونَ وَالْقِدِّيسُونَ، فَكَمَا أَنَّهُمْ عُظَمَاءُ وَمُكَرَّمُونَ عِنْدَ اللهِ، يَنْبَغِي أَنْ يُحَبُّوا وَيُكَرَّمُوا مَحَبَّةً وَتَكْرِيمًا مُطْلَقَيْنِ.


الْآيَةُ ٢٥: وَكَانَ كُلُّهُ أَشْعَرَ كَفَرْوَةٍ، وَدُعِيَ اسْمُهُ عِيسُو

يُولَدُ الْأَطْفَالُ عَادَةً أَمْلَسِينَ؛ لَكِنَّ عِيسُو وُلِدَ أَشْعَرَ الْجَسَدِ كُلِّهِ بِتَدْبِيرِ اللهِ، لِكَيْ يُنْذَرَ بِطَبِيعَتِهِ الْبَرِّيَّةِ الْخَشِنَةِ وَأَخْلَاقِهِ وَحَيَاتِهِ الْمُقْبِلَةِ.

فَعِيسُو إِذًا عِنْدَ وِلَادَتِهِ بَدَا بِشَعَرِهِ الْكَثِيفِ وَكَثَافَةِ زَغَبِهِ لَا رَضِيعًا بَقَدْرِ مَا بَدَا رَجُلًا مُكْتَمِلًا، فَسُمِّيَ عِيسُو كَأَنَّهَا «عَاسُويْ»، أَيْ «مُكْتَمِلُ الصُّنْعِ وَنَاضِجٌ»: إِذْ كَانَ أَشْعَرَ كَرَجُلٍ نَاضِجٍ. ثَانِيًا، سُمِّيَ أَيْضًا «سِعِيرَ»، أَيْ «أَشْعَرُ». ثَالِثًا، دُعِيَ «أَدُومَ»، أَيْ «أَحْمَرُ»، مِنْ لَوْنِهِ الْأَحْمَرِ وَبِالْأَخَصِّ مِنَ الطَّبِيخِ الْأَحْمَرِ الَّذِي بَاعَ بُكُورِيَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ لِيَعْقُوبَ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْآيَةِ ٣٠. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ عُوبَدْيَا، وَكَايِتَانُوسُ وَأُولِيَاسْتَرُ وَبِيرِيرِيُوسُ.

وَأَيْضًا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ عَامُوسَ ٢: ٩: «مِنْ كَلِمَةِ (بَلُّوطَةٍ) يَظُنُّ فِيلُونُ، أَبْلَغُ رِجَالِ الْعِبْرَانِيِّينَ، أَنَّ عِيسُو سُمِّيَ دْرُوينُونَ، أَيْ بَلُّوطِيًّا وَمَتِينًا، وَإِنْ كَانَ عِيسُو يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُفْهَمَ كَ «نُويِمَا»، أَيْ مَصْنُوعٌ، لِيُشِيرَ إِلَى الْأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ». لَكِنِّي لَا أَرَى كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى عِيسُو مِنَ الْبَلُّوطَةِ؛ فَإِنَّ الْبَلُّوطَةَ بِالْعِبْرِيَّةِ تُدْعَى «إِيلَا» لَا «عِيسُو»، إِلَّا إِذَا كَانَ فِيلُونُ يُشْتِقُّ عِيسُو مِنْ جِذْرٍ آخَرَ.

وَبَعْدَهُ خَرَجَ أَخُوهُ وَيَدُهُ قَابِضَةٌ عَلَى عَقِبِ أَخِيهِ. — كَانَتْ وَضْعِيَّتُهُ كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْبِقَ، أَوْ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الرَّحِمِ مَعَ أَخِيهِ، كَأَنَّهُ يَسْعَى لِيَسْبِقَهُ أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لِيُزَاحِمَهُ عَلَى حَقِّ الْبُكُورِيَّةِ. لَمْ يَحْدُثْ هَذَا طَبِيعِيًّا بَلْ بِتَدْبِيرِ اللهِ وَتَرْتِيبِهِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْآيَةِ ٢٢.

فَسَمَّاهُ (إِسْحَاقُ الْأَبُ الَّذِي لَهُ حَقُّ تَسْمِيَةِ الطِّفْلِ) يَعْقُوبَ. — فَيَعْقُوبُ يَعْنِي «الْمُعَرْقِلَ»، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٧: ٣٦، أَوِ «الْمُمْسِكَ بِالْعَقِبِ» (إِذْ «عَقِبْ» تَعْنِي «الْعَقِبَ» أَوِ «الْكَعْبَ»)، وَبِالتَّالِي «الْمُخَادِعَ وَالْمُعَرْقِلَ».

وَعِنْدَ أُوكِيرِيُوسَ رَمْزٌ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي الْإِصْحَاحِ ٤٦، وَهُوَ أَنَّ يَعْقُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي عَرْقَلَ عِيسُو، أَيِ الْيَهُودَ.


الْآيَةُ ٢٧: فَلَّاحٌ

فِي السَّبْعِينِيَّةِ «أَغْرُويْكُوسْ»، أَيْ «رِيفِيٌّ». وَفِي الْعِبْرِيَّةِ: كَانَ عِيسُو رَجُلَ الْحَقْلِ، أَيْ كَانَ يَقْضِي وَقْتَهُ بِاسْتِمْرَارٍ وَبِطِيبِ خَاطِرٍ فِي الْحَقْلِ، بَعِيدًا عَنِ الْمَدِينَةِ، نَادِرًا فِي الْبَيْتِ، يَعِيشُ دَائِمًا تَقْرِيبًا فِي الْبَرَارِي.

رَجُلًا كَامِلًا. — فِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ «تَامْ»، الَّتِي تُتَرْجِمُهَا السَّبْعِينِيَّةُ «أَبْلَاسْتُوسْ»، أَيْ «غَيْرُ مُتَصَنِّعٍ»، كَأَنَّكَ تَقُولُ: بِلَا غِشٍّ وَلَا خِدَاعٍ. وَتَرْجَمَهَا سِيمَاخُوسُ «أَتُومُوسْ»، أَيْ «بِلَا عَيْبٍ». وَأَكِيلَا «أَبْلُوسْ»، أَيْ «غَيْرُ مُزْدَوِجٍ بَلْ بَسِيطٌ». وَمَعْنَى «تَامْ» الْأَصْلِيُّ هُوَ «مُسْتَقِيمٌ بَرِيءٌ سَلِيمٌ كَامِلٌ»؛ إِذْ إِنَّ الْجِذْرَ «تَمَمَ» يَعْنِي «أَكْمَلَ، أَتَمَّ».

فَالرَّجُلُ الْكَامِلُ إِذًا هُوَ الرَّجُلُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي يُكَرِّسُ نَفْسَهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَلِلْفَضِيلَةِ، وَلَا يَضِلُّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمُنْحَرِفَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ. هَكَذَا يُدْعَى أَيُّوبُ رَجُلًا كَامِلًا. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْبَسَاطَةَ لَا تُقَابِلُ الْحِكْمَةَ بَلِ الْغِشَّ وَالزَّيْفَ؛ وَهَذِهِ الْبَسَاطَةُ هِيَ الْحَقِيقَةُ وَالطَّهَارَةُ وَالصِّدْقُ وَبَرَاءَةُ النَّفْسِ، الْخَالِيَةُ مِنَ الزَّيْفِ وَالرِّيَاءِ وَالْخَطِيئَةِ، وَالصَّافِيَةُ بِلَا شَائِبَةٍ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. وَهَكَذَا يَقُولُ شِيشْرُونُ فِي كِتَابِ «غَايَاتِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» الثَّانِي: «نُحِبُّ مَا هُوَ حَقٌّ، أَيِ الْأَمِينَ الْبَسِيطَ الثَّابِتَ؛ وَنُبْغِضُ مَا هُوَ بَاطِلٌ وَكَاذِبٌ وَمُخَادِعٌ، كَالْاحْتِيَالِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالْخُبْثِ وَالظُّلْمِ». بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ نَالَ يَعْقُوبُ مِنَ اللهِ كُلَّ ازْدِهَارٍ، حَتَّى يَحِقَّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ هَذَا الشِّعَارُ: «بَسَاطَةٌ حَصِيفَةٌ، سَعَادَةٌ وَفِيرَةٌ».

يَسْكُنُ الْخِيَامَ — أَيْ كَانَ يَبْقَى فِي بَيْتِهِ. هَكَذَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ. فَإِنَّ بُيُوتَ الْقُدَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا الْبَطَارِكَةِ كَانَتْ خِيَامًا أَوْ مَظَالَّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَانَ يَعْقُوبُ فِي بَيْتِهِ مُنْصَرِفًا إِلَى حَيَاةٍ هَادِئَةٍ وَوَاجِبَاتٍ مَنْزِلِيَّةٍ وَتَهْذِيبِ نَفْسِهِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ.

أَحْسَنَ هِيسِيُودُسُ حِينَ قَالَ: «الْبَقَاءُ فِي الْبَيْتِ خَيْرٌ، وَالتَّجَوُّلُ فِي الْخَارِجِ ضَرَرٌ». وَيَفْهَمُ الْعِبْرَانِيُّونَ، بِحَسَبِ لِيرَا، بِ «الْخِيَامِ» الْمَدَارِسَ الَّتِي كَانَ يَرْتَادُهَا يَعْقُوبُ لِتَعَلُّمِ الْحِكْمَةِ وَمَخَافَةِ اللهِ. يَقُولُونَ إِنَّ إِحْدَاهَا كَانَتْ مَدْرَسَةَ مَلْكِي صَادِقَ أَوْ سَامٍ، وَالثَّانِيَةَ مَدْرَسَةَ عَابِرَ، وَالثَّالِثَةَ مَدْرَسَةَ إِبْرَاهِيمَ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «يَعْقُوبُ كَانَ رَجُلًا مُسْتَقِيمًا وَطَالِبًا (سَامِعًا) فِي بَيْتِ التَّعْلِيمِ»، الَّذِي لَيْسَ شَيْئًا آخَرَ سِوَى الْمَدْرَسَةِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَانْظُرْ كَمْ هِيَ قَدِيمَةٌ الْمَدَارِسُ وَالْأَكَادِيمِيَّاتُ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ فِي زَمَنِ يَشُوعَ ١٥: ١٥، «قِرْيَةُ سِيفَرَ»، أَيْ مَدِينَةُ الْحُرُوفِ، كَأَنَّكَ تَقُولُ أَكَادِيمِيَّةً. عَنْ قِدَمِ كُلِّ أَكَادِيمِيَّةٍ وَأَصْلِهَا اُنْظُرْ مِيدِنْدُورْبِيُوسَ.

أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ فِي الْأَخْلَاقِيَّاتِ الْكِتَابُ الْخَامِسُ الْإِصْحَاحُ ٧: «الْأَتْقِيَاءُ يَنْسَحِبُونَ مِنَ الْمُشَتِّتَاتِ إِلَى أَسْرَارِ الْعَقْلِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُونَ كَمَا فِي حِضْنِ السَّكِينَةِ؛ تِلْكَ هِيَ خِيَامُ الْأَتْقِيَاءِ».


الْآيَةُ ٢٨: رِفْقَةُ أَحَبَّتْ يَعْقُوبَ

لِأَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ أَهْدَأَ وَأَلْطَفَ وَأَظْرَفَ مِنْ عِيسُو، وَلِأَنَّ رِفْقَةَ سَمِعَتْ مِنَ اللهِ فِي الْآيَةِ ٢٣ أَنَّهُ سَيُفَضَّلُ عَلَى أَخِيهِ الْأَكْبَرِ.


الْآيَةُ ٢٩: طَبِيخٌ

مِنَ الْعَدَسِ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْآيَةِ ٣٤. كَانَ هَذَا عَدَسًا مِصْرِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي تَفْسِيرِ الْمَزْمُورِ ٤٦، وَهُوَ لَذِيذٌ وَشَهِيٌّ، بِحَسَبِ أَثِينَايُوسَ الْكِتَابُ الرَّابِعُ وَجِيلِّيُوسَ الْكِتَابُ السَّابِعَ عَشَرَ الْإِصْحَاحُ ٨.

يُدْعَى هَذَا الطَّعَامُ «طَبِيخًا» لِأَنَّهُ صُنِعَ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَصِيدَةِ: فَكَمَا تُصْنَعُ الْعَصِيدَةُ مِنَ الْأَرُزِّ وَالْبَازِلَّاءِ وَالْفُولِ، كَذَلِكَ تُصْنَعُ مِنَ الْعَدَسِ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى أَيِّ طَعَامٍ مُعَدٍّ اسْمُ «طَبِيخٍ»: فَإِنَّ أَوَّلَ طَعَامِ الْقُدَمَاءِ بِمَا فِيهِمُ الرُّومَانُ كَانَ الْعَصِيدَةَ، بِحَسَبِ بْلِينِيُوسَ الْكِتَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ الْإِصْحَاحُ ٨؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الرُّومَانُ الْقُدَمَاءُ «أَكَلَةَ الْعَصِيدَةِ»: فَمِنْ هُنَا صَارَ كُلُّ طَعَامٍ يُدْعَى «طَبِيخًا».


الْآيَةُ ٣٠: أَطْعِمْنِي مِنْ هَذَا الطَّبِيخِ الْأَحْمَرِ

ذِي اللَّوْنِ الْأَحْمَرِ الشَّهِيِّ، رُبَّمَا لِأَنَّهُ صُبِغَ بِالزَّعْفَرَانِ أَوِ الْكُزْبَرَةِ أَوْ تَابِلٍ مُمَاثِلٍ؛ فَإِنَّ زِينُونَ أَمَرَ بِخَلْطِ حُبُوبِ الْكُزْبَرَةِ، وَهِيَ حَمْرَاءُ، مَعَ شُورْبَةِ الْعَدَسِ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّةِ. وَالنَّصُّ الْعِبْرِيُّ يَدُلُّ عَلَى جَشَعِ عِيسُو الشَّدِيدِ وَنَهَمِهِ: إِذْ يَقْرَأُ: «غَطِّنِي، اغْمُرْنِي، امْلَأْنِي، مِنْ ذَلِكَ الْأَحْمَرِ الْأَحْمَرِ». فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ الْعِبْرَانِيِّينَ يُشْتِقُّونَ «هَالِيطِينِي» مِنَ الْجِذْرِ «عَطَا» الَّذِي يَعْنِي الْغِطَاءَ وَالْإِغْرَاقَ.

أَدُومُ — أَيْ أَحْمَرُ، مُحْمَرُّ الْوَجْهِ، دَمَوِيٌّ، كَمَا ذَكَرْتُ فِي الْآيَةِ ٢٥.


الْآيَةُ ٣١: بِعْنِي بُكُورِيَّتَكَ

بِعْنِي «بْرُوتُوكِيُونَ»، أَيْ حَقَّ بُكُورِيَّتِكَ.

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ هُنَا: مَا هُوَ حَقُّ الْبُكُورِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ؟ أُجِيبُ أَنَّهُ كَانَ رُبَاعِيًّا. الْأَوَّلُ أَنَّ الْبِكْرَ كَانَ أَمِيرَ الْإِخْوَةِ وَكَأَنَّهُ أَبُوهُمْ وَسَيِّدُهُمْ، حَتَّى إِنَّ الْإِخْوَةَ كَانُوا يَنْحَنُونَ أَمَامَهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٧: ٢٩ وَالْإِصْحَاحَيْنِ ٣٢ وَ٣٣؛ إِذْ كَانَ الْبِكْرُ يَخْلُفُ أَبَاهُ فِي الْمَكَانَةِ الْأَبَوِيَّةِ. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ إِيسِيدُورُسُ الْبِيلُوسِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ: إِنَّ الْأَبْكَارَ كَانُوا يَخْلُفُونَ فِي الْمُلْكِ وَالْكَرَامَةِ الْبَطْرِيَرْكِيَّةِ.

الثَّانِي أَنَّهُ عِنْدَ تَقْسِيمِ مِيرَاثِ الْأَبِ، كَانَ لِكُلِّ أَخٍ حِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، أَمَّا الْبِكْرُ فَكَانَ يَأْخُذُ حِصَّتَيْنِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢١: ١٧. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ.

الثَّالِثُ أَنَّهُ بَعْدَ الطُّوفَانِ كَانَ الْبِكْرُ كَاهِنَ الْعَائِلَةِ؛ وَلِذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى اخْتِيرَ اللَّاوِيُّونَ لِلْكَهَنُوتِ بَدَلَ جَمِيعِ أَبْكَارِ إِسْرَائِيلَ، عَدَدُ ٣: ١٢. وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَبْكَارُ يَخْلُفُونَ آبَاءَهُمْ فِي الرِّئَاسَةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ عَدَدَ ٢٠: ٢٨. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ وَأُوكِيرِيُوسُ الْإِصْحَاحُ ٤٤.

وَلِذَلِكَ يُفَسِّرُ الْعِبْرَانِيُّونَ، وَمِنْهُمْ أُوكِيرِيُوسُ، هَكَذَا: «بِعْنِي بُكُورِيَّتَكَ»، أَيْ بِعْنِي ثَوْبَكَ الْكَهَنُوتِيَّ (وَبِالتَّالِي الْكَهَنُوتَ نَفْسَهُ) الَّذِي كَانَ الْأَبْكَارُ يَرْتَدُونَهُ حَسَبَ الْعَادَةِ كَكَهَنَةٍ عِنْدَ تَقْدِيمِ الذَّبَائِحِ لِلَّهِ. وَيُضِيفُونَ أَنَّ رِفْقَةَ أَلْبَسَتْ يَعْقُوبَ هَذَا الثَّوْبَ حِينَ اخْتَلَسَ بَرَكَةَ أَبِيهِ مِنْ أَخِيهِ عِيسُو، التَّكْوِينُ ٢٧: ١٥. غَيْرَ أَنَّ حَقَّ الْكَهَنُوتِ هَذَا مُنِحَ لِبَعْضِ مَنْ لَيْسُوا أَبْكَارًا، مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ، بِتَدْبِيرٍ إِلَهِيٍّ خَاصٍّ وَاخْتِيَارٍ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أَمِينًا وَأَبَا الْمُؤْمِنِينَ، بَيْنَمَا يَبْدُو أَنَّ سَائِرَ إِخْوَتِهِ كَانُوا كُفَّارًا وَعَبَدَةَ أَوْثَانٍ.

الرَّابِعُ أَنَّ الْأَبَ عِنْدَ مَوْتِهِ كَانَ يُبَارِكُ الْبِكْرَ بَرَكَةً خَاصَّةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٧: ٤. وَكَانَتْ هَذِهِ الْبَرَكَةُ تُقَدَّرُ تَقْدِيرًا عَالِيًا، وَكَانَتْ كَثِيرًا مَا تَتَمَتَّعُ بِقِيمَةٍ وَفَعَّالِيَّةٍ عَظِيمَتَيْنِ عِنْدَ اللهِ.

يُضِيفُ أَبُولِينْسِيسُ وَلِيبُومَانُوسُ أَنَّ الْبِكْرَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَآدِبِ الْعَامَّةِ كَانَ يُبَارِكُ إِخْوَتَهُ وَأَحْفَادَهُ بِصِفَتِهِ الْأَكْبَرَ. لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ صَرَاحَةً فِي أَيِّ مَوْضِعٍ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ أَخْطَأَ عِيسُو بِبَيْعِهِ وَيَعْقُوبُ بِشِرَائِهِ حَقَّ الْبُكُورِيَّةِ؟

مُلَاحَظَةٌ: حَقُّ الْبُكُورِيَّةِ كَانَ أَسَاسًا زَمَنِيًّا: إِذْ كَانَ حَقَّ الْأَوَّلِيَّةِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَحَقًّا فِي حِصَّةٍ مُضَاعَفَةٍ مِنَ الْمِيرَاثِ. لَكِنْ ثَانَوِيًّا كَانَ مُلْحَقًا بِهِ حَقٌّ رُوحِيٌّ، أَيْ حَقُّ الْكَهَنُوتِ وَحَقُّ بَرَكَةِ الْأَبِ.

يَرَى كَايِتَانُوسُ أَنَّ عِيسُو لَمْ يُخْطِئْ إِلَّا بِالنَّهَمِ، وَأَنَّهُ بَاعَ الْبُكُورِيَّةَ فَقَطْ بِوَصْفِهَا أَمْرًا زَمَنِيًّا، كَمَا يَجُوزُ الْيَوْمَ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ كَأْسًا مُكَرَّسًا إِذَا بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَلَمْ يَطْلُبْ أَكْثَرَ بِسَبَبِ التَّكْرِيسِ.

فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ إِذًا يُسَمِّي الرَّسُولُ عِيسُو «مُدَنَّسًا» فِي عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ١٦؟ يُجِيبُ كَايِتَانُوسُ: لِأَنَّ عِيسُو كَانَ مُدَنَّسًا مَادِّيًّا، إِذْ بَاعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ جِدًّا الْبُكُورِيَّةَ الَّتِي كَانَ مُلْحَقًا بِهَا أَمْرٌ مُقَدَّسٌ احْتَقَرَهُ، كَمَا يَكُونُ مُدَنَّسًا وَيُدْعَى مُدَنَّسًا مَنْ بَاعَ كَأْسًا مُكَرَّسًا مُقَابِلَ لُقْمَةٍ لَذِيذَةٍ.

لَكِنِّي أَقُولُ أَوَّلًا: أَخْطَأَ عِيسُو أَوَّلًا بِالنَّهَمِ؛ ثَانِيًا بِازْدِرَاءِ الْمُقَدَّسَاتِ، لِأَنَّهُ بَاعَ الْبُكُورِيَّةَ الَّتِي كَانَ مُلْحَقًا بِهَا حَقُّ الْكَهَنُوتِ بِطَعَامٍ رَخِيصٍ؛ ثَالِثًا يَبْدُو أَنَّهُ أَخْطَأَ بِالسِّيمُونِيَّةِ، لِأَنَّهُ بَاعَ حَقَّ الْبُكُورِيَّةِ كُلَّهُ وَبِالتَّالِي حَقَّ الْكَهَنُوتِ الَّذِي كَانَ رُوحِيًّا؛ وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ الرَّسُولُ فِي عِبْرَانِيِّينَ ١٢ «مُدَنَّسًا»: فَإِنَّ الْمُدَنَّسَ حَقِيقَةً وَرَسْمِيًّا لَيْسَ إِلَّا مَنْ يَنْتَهِكُ أَمْرًا مُقَدَّسًا وَيُدَنِّسُهُ بِبَيْعِهِ أَوْ تَلْوِيثِهِ. فَأَخْطَأَ عِيسُو إِذًا لِأَنَّهُ فَضَّلَ بَطْنَهُ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَالطَّعَامَ عَلَى الشَّرَفِ، وَالنَّهَمَ عَلَى الْكَهَنُوتِ وَالْبَرَكَةِ.

وَأَقُولُ ثَانِيًا: يَعْقُوبُ بِشِرَائِهِ حَقَّ بُكُورِيَّةِ عِيسُو لَمْ يُخْطِئْ. أَوَّلًا، لِأَنَّهُ قَصَدَ فَقَطْ شِرَاءَ الْحَقِّ الرَّئِيسِيِّ لِلْبُكُورِيَّةِ الَّذِي كَانَ زَمَنِيًّا وَقَابِلًا لِلْبَيْعِ؛ كَمَا يُمْكِنُ بَيْعُ وَشِرَاءُ حَقْلٍ مُلْحَقٍ بِهِ حَقُّ رِعَايَةٍ، كَمَا يَقُولُ لِيبُومَانُوسُ.

فَإِنْ قُلْتَ: عَلَى الْأَقَلِّ أَخْطَأَ يَعْقُوبُ بِالظُّلْمِ لِأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا عَظِيمًا بِثَمَنٍ بَخْسٍ. أُجِيبُ: لَمْ يُخْطِئْ، لِأَنَّ عِيسُو بِإِرَادَتِهِ وَعِلْمِهِ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا عَظِيمًا بِثَمَنٍ بَخْسٍ لِأَنَّهُ احْتَقَرَهُ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْآيَةِ ٣٤. وَالَّذِي يُرِيدُ وَيَعْلَمُ، بَلِ الَّذِي يُبَذِّرُ وَيَحْتَقِرُ مَا هُوَ لَهُ، لَا يُظْلَمُ.

ثَانِيًا، لَمْ يُخْطِئْ يَعْقُوبُ بِشِرَاءِ هَذَا الْحَقِّ، لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ أُمِّهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ يَخُصُّهُ بِتَدْبِيرِ اللهِ وَعَطِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ نُقِلَ مِنْ عِيسُو إِلَيْهِ. فَإِنَّ رِفْقَةَ سَمِعَتْ ذَلِكَ مِنْ مَلَاكٍ فِي الْآيَةِ ٢٣. وَأَيْضًا أَخْبَرَتْ يَعْقُوبَ بِذَلِكَ، كَمَا يُسْتَدَلُّ بِكِفَايَةٍ مِنْ أَنَّهَا حِينَ حَرَّضَتْهُ بِجُرْأَةٍ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٧ عَلَى اخْتِلَاسِ الْبَرَكَةِ مِنْ أَخِيهِ، لَمْ يَعْتَذِرْ يَعْقُوبُ بِحُجَّةِ الظُّلْمِ، كَأَنَّ الْبَرَكَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِأَخِيهِ بِصِفَتِهِ الْبِكْرَ لَا لَهُ — وَهُوَ مَا كَانَ سَيَفْعَلُهُ حَتْمًا لَوْلَا أَنَّهُ عَلِمَ الْعَكْسَ مِنْ تَعْلِيمِ أُمِّهِ. إِذْ كَانَ رَجُلًا بَارًّا ذَا ضَمِيرٍ حَسَّاسٍ؛ لَكِنَّهُ فَقَطْ اعْتَرَضَ بِخَطَرِ غَضَبِ أَبِيهِ إِنِ اكْتَشَفَ خِدَاعَهُ.

لَكِنَّ يَعْقُوبَ وَرِفْقَةَ لَمْ يَجْرُؤَا عَلَى كَشْفِ هَذَا الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ وَنَقْلِ الْبُكُورِيَّةِ مِنْ عِيسُو إِلَى يَعْقُوبَ — لَا لِعِيسُو نَفْسِهِ خَوْفًا مِنْ غَضَبِهِ، وَلَا لِإِسْحَاقَ لِئَلَّا يُحْزِنُوهُ: إِذْ كَانَ إِسْحَاقُ يُحِبُّ عِيسُو حُبًّا عَظِيمًا. فَلَمَّا سَنَحَتِ الْفُرْصَةُ لِيَعْقُوبَ لِاسْتِرْدَادِ حَقِّهِ وَتَأْكِيدِهِ بِتَنَازُلِ أَخِيهِ الطَّوْعِيِّ مُقَابِلَ الطَّبِيخِ الْأَحْمَرِ الَّذِي أَعْطَاهُ لَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، لَمْ يُهْمِلْهَا بَلْ قَبِلَهَا. فَيَعْقُوبُ إِذًا لَمْ يَشْتَرِ هُنَا حَقِيقَةً مُلْكَ أَخِيهِ، بَلِ انْتَزَعَ بِحِيلَةٍ مُلْكَهُ هُوَ مِنْ حَائِزٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ. فَقَوْلُهُ «بِعْنِي» مَعْنَاهُ: أَعْطِنِي، سَلِّمْنِي، بَلْ رُدَّ لِيَ الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ لِي. اُنْظُرْ كَايِتَانُوسَ، الْخُلَاصَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ الثَّانِيَةُ، الْمَسْأَلَةُ ١٠٠، الْمَادَّةُ ٤.


الْآيَةُ ٣٢: هَا أَنَا مَائِتٌ

تَذَرَّعَ عِيسُو بِالضَّرُورَةِ لِجَشَعِهِ وَنَهَمِهِ: فَيَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣٤ أَنَّهُ أَخْطَأَ بِالنَّهَمِ وَازْدِرَاءِ الْبُكُورِيَّةِ. فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي بَيْتِ إِسْحَاقَ الْغَنِيِّ كَانَ يُمْكِنُ لِابْنِهِ عِيسُو أَنْ يَجِدَ خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَطْعِمَةً أُخْرَى يَأْكُلُهَا. لَكِنَّ رَائِحَةَ الْعَدَسِ الَّذِي طَبَخَهُ يَعْقُوبُ وَلَوْنَهُ وَالشَّهْوَةَ إِلَيْهِ كَانَتْ شَدِيدَةً فِي عِيسُو حَتَّى قَالَ إِنَّهُ سَيَمُوتُ إِنْ لَمْ يُعْطَ لَهُ فِي الْحَالِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ. عَنْ أَنْوَاعِ النَّهَمِ وَأَضْرَارِهِ اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ غِرِيغُورِيُوسَ، الْأَخْلَاقِيَّاتُ ٣٠، الْإِصْحَاحُ ٢٧.


الْآيَةُ ٣٣: احْلِفْ لِي إِذًا

أَنَّكَ تَتَنَازَلُ لِي عَنْ حَقِّ الْبُكُورِيَّةِ، وَتَسْمَحُ لِي بِالتَّمَتُّعِ بِهِ بِسَلَامٍ.


الْآيَةُ ٣٤: مَضَى مُسْتَخِفًّا بِهَا

لَاحِظْ عِنَادَ عِيسُو وَعَدَمَ تَوْبَتِهِ؛ ثَانِيًا غَدْرَهُ وَحِنْثَهُ: فَإِنَّمَا اسْتَخَفَّ بِأَنَّهُ بَاعَ هَذَا الْحَقَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي الْوَفَاءَ بِعَقْدِهِ الْمُؤَكَّدِ هُنَا بِالْقَسَمِ. وَلِذَلِكَ أَرَادَ فِعْلًا أَنْ يَسْتَرِدَّ هَذَا الْحَقَّ لِنَفْسِهِ بِدُونِ أَيِّ تَأْنِيبِ ضَمِيرٍ، كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَازَلْ عَنْهُ وَلَمْ يَنْقُلْهُ إِلَى يَعْقُوبَ.

أَخْلَاقِيًّا، أَكْثَرُ دَنَسًا وَخِسَّةً مِنْ عِيسُو هُمُ الْخَاطِئُونَ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةٍ رَخِيصَةٍ أَوْ إِغْرَاءِ الشَّرَفِ وَالْبَاطِلِ. فَيَبِيعُونَ لِلشَّيْطَانِ لَيْسَ نُفُوسَهُمْ فَحَسْبُ بَلْ أَيْضًا نِعْمَةَ اللهِ وَحَقَّ الْمِيرَاثِ السَّمَاوِيِّ: فَهَذَا هُوَ حَقُّ بُكُورِيَّةِ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحِيِّينَ، الَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ الْمَسِيحُ الْوَحِيدُ لَهُمْ بِمَوْتِهِ وَدَمِهِ، وَخَتَمَهُ لِلْمَوْلُودِينَ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ بِضَمِّهِمْ إِلَى نَفْسِهِ.

فَبِحَقٍّ يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي أَمْثَالَ ٦: ٢٦: «ثَمَنُ الزَّانِيَةِ بِالْكَادِ رَغِيفُ خُبْزٍ، وَلَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَصْطَادُ النَّفْسَ الْكَرِيمَةَ». وَأَيْضًا أَنْطُونِيُوسُ فِي الْمِلِيسَّا، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْعِظَةُ ١٦: «الشَّيْطَانُ يَقُولُ: أَعْطِنِي الْحَاضِرَ وَلِلَّهِ الْمُسْتَقْبَلَ؛ أَعْطِنِي شَبَابَكَ وَلِلَّهِ شَيْخُوخَتَكَ؛ أَعْطِنِي مَلَذَّاتِكَ وَلَهُ جَسَدَكَ الْعَدِيمَ النَّفْعِ. يَا لَهُ مِنْ خَطَرٍ عَظِيمٍ مُحْدِقٍ بِكَ، وَكَمْ مِنَ الْكَوَارِثِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ تَتَهَدَّدُكَ!».

وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٥٠: «بِسَمَاعِنَا هَذَا فَلْنَتَعَلَّمْ أَلَّا نُهْمِلَ أَبَدًا الْعَطَايَا الَّتِي أَعْطَانَا إِيَّاهَا اللهُ، وَأَلَّا نُضَيِّعَ الْعَظِيمَ مِنْ أَجْلِ الصَّغِيرِ وَالْحَقِيرِ. فَلِمَاذَا، قُلْ لِي، حِينَ تُوضَعُ أَمَامَنَا مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ وَتِلْكَ الْخَيْرَاتُ الَّتِي لَا يُنْطَقُ بِهَا، نَجُنُّ شَوْقًا لِلْغِنَى — أَشْيَاءٌ وَقْتِيَّةٌ كَثِيرًا مَا لَا تَدُومُ حَتَّى الْمَسَاءِ — وَنُفَضِّلُهَا عَلَى مَا هُوَ أَبَدِيٌّ وَدَائِمٌ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ أَسْوَأُ مِنْ هَذَا الْجُنُونِ؟ إِذْ نُحْرَمُ مِنْ تِلْكَ الْخَيْرَاتِ بِسَبَبِ حُبِّنَا الْمُفْرِطِ لِهَذِهِ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَبَدًا أَنْ نَتَمَتَّعَ بِهَذِهِ تَمَتُّعًا خَالِصًا».