كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُحَلِّفُ إِبْرَاهِيمُ عَبْدَهُ أَنْ يَطْلُبَ زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ مِنْ حَارَانَ؛ فَيَأْتِي الْعَبْدُ بِرِفْقَةَ، وَيَتَّخِذُهَا إِسْحَاقُ زَوْجَةً لَهُ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: تَكْوِين ٢٤: ١-٦٧
١. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ شَاخَ وَتَقَدَّمَ فِي الْأَيَّامِ، وَكَانَ الرَّبُّ قَدْ بَارَكَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. ٢. فَقَالَ لِأَكْبَرِ عَبِيدِ بَيْتِهِ، الْمُتَوَلِّي عَلَى كُلِّ مَا يَمْلِكُ: ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخِذِي، ٣. لِأَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلَهِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَنْ لَا تَأْخُذَ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ؛ ٤. بَلْ تَذْهَبَ إِلَى أَرْضِي وَعَشِيرَتِي، وَتَأْخُذَ مِنْ هُنَاكَ زَوْجَةً لِابْنِي إِسْحَاقَ. ٥. فَقَالَ لَهُ الْعَبْدُ: رُبَّمَا لَا تَشَاءُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَنِي إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ، فَهَلْ أَرُدُّ ابْنَكَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا؟ ٦. فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: اِحْذَرْ أَنْ لَا تَرُدَّ ابْنِي إِلَى هُنَاكَ. ٧. الرَّبُّ إِلَهُ السَّمَاءِ الَّذِي أَخَذَنِي مِنْ بَيْتِ أَبِي وَمِنْ أَرْضِ مِيلَادِي، وَالَّذِي كَلَّمَنِي وَحَلَفَ لِي قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ — هُوَ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ أَمَامَكَ، فَتَأْخُذَ مِنْ هُنَاكَ زَوْجَةً لِابْنِي. ٨. وَإِنْ لَمْ تَشَأِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَكَ، فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الْحَلِفِ؛ فَقَطْ لَا تَرُدَّ ابْنِي إِلَى هُنَاكَ. ٩. فَوَضَعَ الْعَبْدُ يَدَهُ تَحْتَ فَخِذِ إِبْرَاهِيمَ سَيِّدِهِ، وَحَلَفَ لَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ. ١٠. فَأَخَذَ عَشَرَةَ جِمَالٍ مِنْ قَطِيعِ سَيِّدِهِ وَمَضَى، حَامِلًا مَعَهُ مِنْ جَمِيعِ خَيْرَاتِ سَيِّدِهِ، وَانْطَلَقَ وَذَهَبَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ. ١١. وَلَمَّا أَنَاخَ الْجِمَالَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ عِنْدَ بِئْرِ مَاءٍ فِي الْمَسَاءِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَعْتَادُ فِيهِ النِّسَاءُ الْخُرُوجَ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، قَالَ: ١٢. يَا رَبَّ إِلَهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، يَسِّرْ لِي الْيَوْمَ وَاصْنَعْ رَحْمَةً مَعَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ. ١٣. هَأَنَذَا وَاقِفٌ عِنْدَ عَيْنِ الْمَاءِ، وَبَنَاتُ أَهْلِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ خَارِجَاتٌ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ. ١٤. فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ الَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لِأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اِشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضًا — هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ؛ وَبِهَذَا أَعْلَمُ أَنَّكَ صَنَعْتَ رَحْمَةً مَعَ سَيِّدِي. ١٥. وَلَمْ يَكُنْ قَدْ فَرَغَ بَعْدُ مِنَ الْكَلَامِ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا رِفْقَةُ خَارِجَةٌ، بِنْتُ بَتُوئِيلَ بْنِ مِلْكَةَ زَوْجَةِ نَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، وَجَرَّتُهَا عَلَى كَتِفِهَا. ١٦. وَكَانَتْ فَتَاةً بَالِغَةَ الْجَمَالِ، عَذْرَاءَ فَائِقَةَ الْحُسْنِ، لَمْ يَعْرِفْهَا رَجُلٌ: نَزَلَتْ إِلَى الْعَيْنِ، وَمَلَأَتْ جَرَّتَهَا، وَصَعِدَتْ. ١٧. فَرَكَضَ الْعَبْدُ لِلِقَائِهَا وَقَالَ: اِسْقِينِي قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ مِنْ جَرَّتِكِ. ١٨. فَقَالَتْ: اِشْرَبْ يَا سَيِّدِي؛ وَأَسْرَعَتْ فَأَنْزَلَتِ الْجَرَّةَ عَلَى ذِرَاعِهَا وَسَقَتْهُ. ١٩. وَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الشُّرْبِ قَالَتْ: وَلِجِمَالِكَ أَيْضًا أَسْتَقِي حَتَّى تَشْرَبَ كُلُّهَا. ٢٠. فَأَفْرَغَتِ الْجَرَّةَ فِي الْحَوْضِ، وَرَكَضَتْ ثَانِيَةً إِلَى الْبِئْرِ لِتَسْتَقِيَ، وَاسْتَقَتْ لِجَمِيعِ الْجِمَالِ. ٢١. وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَأَمَّلُهَا صَامِتًا، يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ هَلْ أَنْجَحَ الرَّبُّ طَرِيقَهُ أَمْ لَا. ٢٢. وَبَعْدَ أَنْ شَرِبَتِ الْجِمَالُ، أَخْرَجَ الرَّجُلُ أَقْرَاطًا ذَهَبِيَّةً وَزْنُهَا مِثْقَالَانِ، وَسِوَارَيْنِ بِنَفْسِ الْعَدَدِ وَزْنُهُمَا عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ. ٢٣. وَقَالَ لَهَا: بِنْتُ مَنْ أَنْتِ؟ أَخْبِرِينِي: هَلْ فِي بَيْتِ أَبِيكِ مَكَانٌ لِنَبِيتَ؟ ٢٤. فَأَجَابَتْ: أَنَا بِنْتُ بَتُوئِيلَ بْنِ مِلْكَةَ الَّذِي وَلَدَتْهُ لِنَاحُورَ. ٢٥. وَأَضَافَتْ قَائِلَةً: عِنْدَنَا تِبْنٌ وَعَلَفٌ كَثِيرٌ، وَمَكَانٌ وَاسِعٌ لِلْمَبِيتِ. ٢٦. فَانْحَنَى الرَّجُلُ وَسَجَدَ لِلرَّبِّ، ٢٧. وَقَالَ: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي لَمْ يَنْزِعْ رَحْمَتَهُ وَحَقَّهُ عَنْ سَيِّدِي، وَقَادَنِي فِي طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ إِلَى بَيْتِ أَخِي سَيِّدِي. ٢٨. فَرَكَضَتِ الْفَتَاةُ وَأَخْبَرَتْ فِي بَيْتِ أُمِّهَا بِكُلِّ مَا سَمِعَتْ. ٢٩. وَكَانَ لِرِفْقَةَ أَخٌ اسْمُهُ لَابَانُ، فَأَسْرَعَ إِلَى الرَّجُلِ خَارِجًا حَيْثُ الْعَيْنُ. ٣٠. وَلَمَّا رَأَى الْأَقْرَاطَ وَالْأَسْوِرَةَ فِي يَدَيْ أُخْتِهِ، وَسَمِعَ كَلَامَ رِفْقَةَ الَّتِي قَالَتْ: هَكَذَا كَلَّمَنِي الرَّجُلُ — جَاءَ إِلَى الرَّجُلِ الْوَاقِفِ عِنْدَ الْجِمَالِ بِجَانِبِ عَيْنِ الْمَاءِ، ٣١. وَقَالَ لَهُ: اُدْخُلْ يَا مُبَارَكَ الرَّبِّ، لِمَاذَا تَقِفُ خَارِجًا؟ قَدْ أَعْدَدْتُ الْبَيْتَ وَمَكَانًا لِلْجِمَالِ. ٣٢. فَأَدْخَلَهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، وَحَلَّ عَنِ الْجِمَالِ، وَأَعْطَى تِبْنًا وَعَلَفًا، وَمَاءً لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ وَأَرْجُلِ الرِّجَالِ الَّذِينَ مَعَهُ. ٣٣. وَوُضِعَ أَمَامَهُ خُبْزٌ. فَقَالَ: لَا آكُلُ حَتَّى أَتَكَلَّمَ بِكَلَامِي. فَقَالَ: تَكَلَّمْ. ٣٤. فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ. ٣٥. وَقَدْ بَارَكَ الرَّبُّ سَيِّدِي جِدًّا فَصَارَ عَظِيمًا: وَأَعْطَاهُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَفِضَّةً وَذَهَبًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَجِمَالًا وَحَمِيرًا. ٣٦. وَوَلَدَتْ سَارَةُ زَوْجَةُ سَيِّدِي لِسَيِّدِي ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهَا، وَقَدْ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا لَهُ. ٣٧. وَاسْتَحْلَفَنِي سَيِّدِي قَائِلًا: لَا تَأْخُذْ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أَنَا سَاكِنٌ فِي أَرْضِهِمْ؛ ٣٨. بَلِ اذْهَبْ إِلَى بَيْتِ أَبِي وَمِنْ عَشِيرَتِي خُذْ زَوْجَةً لِابْنِي. ٣٩. فَقُلْتُ لِسَيِّدِي: رُبَّمَا لَا تَتْبَعُنِي الْمَرْأَةُ. ٤٠. فَقَالَ: الرَّبُّ الَّذِي أَسِيرُ أَمَامَهُ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ مَعَكَ، وَيُنْجِحُ طَرِيقَكَ، وَتَأْخُذُ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ عَشِيرَتِي وَمِنْ بَيْتِ أَبِي. ٤١. فَتَكُونُ بَرِيئًا مِنْ لَعْنَتِي حِينَ تَأْتِي إِلَى أَقَارِبِي وَلَا يُعْطُونَكَ إِيَّاهَا. ٤٢. فَجِئْتُ الْيَوْمَ إِلَى الْعَيْنِ وَقُلْتُ: يَا رَبَّ إِلَهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ، إِنْ كُنْتَ قَدْ وَفَّقْتَ طَرِيقِي الَّتِي أَنَا سَالِكٌ فِيهَا، ٤٣. هَأَنَذَا وَاقِفٌ عِنْدَ عَيْنِ الْمَاءِ، وَالْعَذْرَاءُ الَّتِي تَخْرُجُ لِتَسْتَقِيَ وَتَسْمَعُ مِنِّي: اِسْقِينِي قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ مِنْ جَرَّتِكِ؛ ٤٤. فَتَقُولُ لِي: اِشْرَبْ أَنْتَ وَأَنَا أَسْتَقِي لِجِمَالِكَ أَيْضًا — فَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَيَّنَهَا الرَّبُّ لِابْنِ سَيِّدِي. ٤٥. وَبَيْنَمَا كُنْتُ أُقَلِّبُ هَذِهِ الْأُمُورَ فِي سِرِّي، ظَهَرَتْ رِفْقَةُ آتِيَةً بِجَرَّةٍ تَحْمِلُهَا عَلَى كَتِفِهَا؛ فَنَزَلَتْ إِلَى الْعَيْنِ وَاسْتَقَتْ. فَقُلْتُ لَهَا: اِسْقِينِي قَلِيلًا. ٤٦. فَأَسْرَعَتْ وَأَنْزَلَتِ الْجَرَّةَ عَنْ كَتِفِهَا وَقَالَتْ لِي: اِشْرَبْ أَنْتَ وَجِمَالَكَ أَسْقِي أَيْضًا. فَشَرِبْتُ، وَسَقَتِ الْجِمَالَ. ٤٧. فَسَأَلْتُهَا وَقُلْتُ: بِنْتُ مَنْ أَنْتِ؟ فَأَجَابَتْ: أَنَا بِنْتُ بَتُوئِيلَ بْنِ نَاحُورَ الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ مِلْكَةُ. فَعَلَّقْتُ الْأَقْرَاطَ لِتَزْيِينِ وَجْهِهَا، وَوَضَعْتُ الْأَسْوِرَةَ فِي يَدَيْهَا. ٤٨. فَانْحَنَيْتُ وَسَجَدْتُ لِلرَّبِّ، مُبَارِكًا الرَّبَّ إِلَهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ الَّذِي قَادَنِي فِي طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لِآخُذَ ابْنَةَ أَخِي سَيِّدِي لِابْنِهِ. ٤٩. وَالْآنَ إِنْ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ رَحْمَةً وَحَقًّا مَعَ سَيِّدِي فَأَخْبِرُونِي؛ وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ آخَرُ يَحْسُنُ لَدَيْكُمْ فَأَخْبِرُونِي أَيْضًا، لِكَيْ أَذْهَبَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. ٥٠. فَأَجَابَ لَابَانُ وَبَتُوئِيلُ: مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ خَرَجَ الْأَمْرُ؛ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَكَ بِشَيْءٍ سِوَى مَا قَضَاهُ. ٥١. هُوَذَا رِفْقَةُ أَمَامَكَ؛ خُذْهَا وَامْضِ، وَلْتَكُنْ زَوْجَةً لِابْنِ سَيِّدِكَ كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ. ٥٢. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ لِلرَّبِّ. ٥٣. وَأَخْرَجَ آنِيَةً مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ وَثِيَابًا وَأَعْطَاهَا لِرِفْقَةَ هَدَايَا؛ وَقَدَّمَ أَيْضًا هَدَايَا لِإِخْوَتِهَا وَأُمِّهَا. ٥٤. فَأُعِدَّتْ وَلِيمَةٌ، وَأَكَلُوا وَشَرِبُوا مَعًا وَبَاتُوا هُنَاكَ. وَلَمَّا قَامَ فِي الصَّبَاحِ قَالَ الْعَبْدُ: اِصْرِفُونِي لِأَرْجِعَ إِلَى سَيِّدِي. ٥٥. فَأَجَابَ إِخْوَتُهَا وَأُمُّهَا: لِتَبْقَ الْفَتَاةُ عِنْدَنَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْأَقَلِّ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَمْضِي. ٥٦. فَقَالَ: لَا تُعَوِّقُونِي، لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ وَفَّقَ طَرِيقِي؛ اِصْرِفُونِي لِأَمْضِيَ إِلَى سَيِّدِي. ٥٧. فَقَالُوا: لِنَدْعُ الْفَتَاةَ وَنَسْأَلْهَا عَنْ إِرَادَتِهَا. ٥٨. فَدُعِيَتْ وَلَمَّا جَاءَتْ سَأَلُوهَا: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَذْهَبِي مَعَ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَتْ: أَذْهَبُ. ٥٩. فَصَرَفُوهَا مَعَ مُرْضِعَتِهَا وَعَبْدِ إِبْرَاهِيمَ وَرِفَاقِهِ، ٦٠. مُتَمَنِّينَ الْخَيْرَ لِأُخْتِهِمْ وَقَائِلِينَ: أَنْتِ أُخْتُنَا؛ تَكَاثَرِي أُلُوفًا مُضَاعَفَةً، وَلْيَرِثْ نَسْلُكِ أَبْوَابَ أَعْدَائِهِ. ٦١. فَقَامَتْ رِفْقَةُ وَجَوَارِيهَا وَرَكِبْنَ الْجِمَالَ وَتَبِعْنَ الرَّجُلَ، فَأَسْرَعَ رَاجِعًا إِلَى سَيِّدِهِ. ٦٢. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ إِسْحَاقُ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْبِئْرِ الَّتِي اسْمُهَا بِئْرُ الْحَيِّ الْبَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْجَنُوبِ. ٦٣. وَكَانَ قَدْ خَرَجَ لِيَتَأَمَّلَ فِي الْحَقْلِ عِنْدَ مَيْلِ النَّهَارِ؛ وَلَمَّا رَفَعَ عَيْنَيْهِ رَأَى جِمَالًا مُقْبِلَةً مِنْ بَعِيدٍ. ٦٤. وَرِفْقَةُ أَيْضًا لَمَّا أَبْصَرَتْ إِسْحَاقَ نَزَلَتْ عَنِ الْجَمَلِ، ٦٥. وَقَالَتْ لِلْعَبْدِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الْآتِي فِي الْحَقْلِ لِلِقَائِنَا؟ فَقَالَ: هُوَ سَيِّدِي. فَأَسْرَعَتْ وَأَخَذَتْ رِدَاءَهَا وَتَغَطَّتْ. ٦٦. فَأَخْبَرَ الْعَبْدُ إِسْحَاقَ بِكُلِّ مَا صَنَعَ. ٦٧. فَأَدْخَلَهَا إِلَى خَيْمَةِ سَارَةَ أُمِّهِ، وَاتَّخَذَهَا زَوْجَةً؛ وَأَحَبَّهَا حَتَّى خَفَّفَتْ عَنْهُ الْحُزْنَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ وَفَاةِ أُمِّهِ.
الْآيَةُ ١: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ شَاخَ
كَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمِئَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ حِينَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ لِيَطْلُبَ رِفْقَةَ زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ؛ إِذْ تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ رِفْقَةَ فِي السَّنَةِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٢٠)، وَهِيَ السَّنَةُ الْمِئَةُ وَالْأَرْبَعُونَ لِإِبْرَاهِيمَ: فَإِنَّ إِسْحَاقَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ لِإِبْرَاهِيمَ؛ وَلِذَلِكَ يَزِيدُ عُمُرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى عُمُرِ إِسْحَاقَ بِمِئَةِ سَنَةٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.
الْآيَةُ ٢: ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخِذِي
أَكْبَرُ عَبِيدِهِ — أَيْ وَكِيلُهُ أَلِيعَازَرُ، الَّذِي ذُكِرَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٥، الْآيَةِ ٢.
ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخِذِي — أَيْ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ، ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ وَرِكِي، وَبِهَذَا الطَّقْسِ وَالرَّسْمِ احْلِفْ لِي أَنَّكَ لَنْ تَأْخُذَ زَوْجَةً كَنْعَانِيَّةً لِابْنِي. حَرْفِيًّا، كَانَ هَذَا طَقْسَ الْحَالِفِينَ بِالْفَخِذِ، لِأَنَّ الْفَخِذَ سَبَبُ الْإِنْجَابِ وَرَمْزُهُ وَرَمْزُ الْحَيَاةِ. فَبِإِمْسَاكِ الْفَخِذِ كَانَ الْحَالِفُونَ يُشْهِدُونَ اللهَ بِوَصْفِهِ صَانِعَ الْحَيَاةِ الَّذِي بِيَدِهِ خَلَاصُنَا، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنْ حَلَفْتُ حَقًّا وَصِدْقًا وَأَوْفَيْتُ بِمَا حَلَفْتُ، فَلْيَمْنَحْنِيَ اللهُ حَيَاةً طَوِيلَةً سَعِيدَةً — وَهُوَ مَا يُرْمَزُ إِلَيْهِ بِالْفَخِذِ؛ وَإِنْ غَدَرْتُ وَحَنِثْتُ، فَلْأَهْلَكْ وَلَا يَكُنْ لِي نَصِيبٌ فِي الْحَيَاةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ الْفَخِذِ.
هَكَذَا يَقُولُ مَارْتِينُوسْ دِي رُوَا فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنْ الْفَرَائِدِ، الْبَابِ الرَّابِعِ.
يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ رَسْمَ وَضْعِ الْيَدِ تَحْتَ الْفَخِذِ كَانَ عَادَةً رَسْمِيَّةً عِنْدَ الْيَهُودِ فِي الْحَلِفِ، بِسَبَبِ دَلَالَةِ سِرِّ الْخِتَانِ وَإِجْلَالِهِ، إِذْ كَانَ يُقَامُ عَلَى الْعُضْوِ الْقَرِيبِ مِنَ الْفَخِذِ. لَكِنَّ هَذَا يَبْدُو بَاطِلًا: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ وَحْدَهُمَا اسْتَخْدَمَا هَذَا الرَّسْمَ لِاسْتِحْلَافِ تَابِعِيهِمَا؛ أَمَّا سَائِرُ مَنْ ذُكِرُوا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فَقَدْ حَلَفُوا بِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْعَلَاءِ (كَمَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ).
لَاحِظْ إِذَنْ أَنَّ بِالْفَخِذِ أَوِ الْوَرِكِ تُفْهَمُ أَيْضًا ضِمْنِيًّا الْأَعْضَاءُ التَّنَاسُلِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ. فَهَكَذَا يُقَالُ إِنَّ بَنِي يَعْقُوبَ خَرَجُوا مِنْ فَخِذِهِ، أَيْ مِنْ أَعْضَائِهِ التَّنَاسُلِيَّةِ، تَكْوِين ٤٦: ٢٦ وَغَيْرُهَا.
لَا يُسْتَهَانُ بِرَأْيِ ابْنِ عَزْرَا، الَّذِي يَرَى أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ بِطَرِيقَةِ الْحَلِفِ الْمَوْصُوفَةِ هُنَا يَشْهَدُ عَلَى طَاعَتِهِ لِسَيِّدِهِ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى سُلْطَةِ السَّيِّدِ عَلَى الْعَبْدِ. وَمَعَ أَنَّ غَيْرَهُمْ مِنَ الْحَالِفِينَ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، يَبْدُو أَنَّ هَذَا الطَّقْسَ كَانَ مَحْفُوظًا بَيْنَ الْأَنْدَادِ؛ أَمَّا حِينَ كَانَ يُسْتَحْلَفُ شَخْصٌ خَاضِعٌ لِآخَرَ — كَالِابْنِ (أَدْنَاهُ ٤٧: ٢٩) أَوِ الْعَبْدِ — فَكَانَتِ الْيَدُ تُوضَعُ تَحْتَ الْفَخِذِ عَلَامَةً عَلَى الْإِذْعَانِ وَالْخُضُوعِ.
فَبِهَذَا الرَّمْزِ وَرَسْمِ وَضْعِ الْيَدِ تَحْتَ الْفَخِذِ، يُشِيرُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَنَّ إِسْحَاقَ قَدْ وُلِدَ بِالْفِعْلِ مِنْ صُلْبِهِ، وَأَنَّ مِنْ صُلْبِهِ ذَاتِهِ — عَبْرَ إِسْحَاقَ — سَيُولَدُ نَسْلٌ عَظِيمٌ، بَلِ الْمَسِيحُ ذَاتُهُ، نَسْلُهُ الْمُبَارَكُ الَّذِي وَعَدَهُ اللهُ بِهِ. فَلِكَيْ يُولَدَ هَذَا النَّسْلُ وَالْمَسِيحُ مِنْهُ عَبْرَ إِسْحَاقَ، يَطْلُبُ هُنَا لِإِسْحَاقَ زَوْجَةً أَمِينَةً، وَيَسْتَحْلِفُ عَبْدَهُ لِيَبْحَثَ لَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ بِالْفَخِذِ — كَأَنَّهُ بِأَصْلِ نَسْلِهِ؛ وَكَذَلِكَ بِالْفَخِذِ، أَيْ بِالْمَسِيحِ الَّذِي سَيُولَدُ مِنْ صُلْبِهِ — يَسْتَحْلِفُهُ، أَيْ يُلْزِمُهُ وَيُجْبِرُهُ عَلَى الْحَلِفِ. فَأَوَّلُ مَنِ اسْتَخْدَمَ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنَ الِاسْتِحْلَافِ كَانَ إِبْرَاهِيمَ؛ ثُمَّ تَبِعَهُ حَفِيدُهُ يَعْقُوبُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٧، الْآيَةِ ٢٩. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَثِيُودُورِيطُسُ، وَأُغُسْطِينُوسُ (الْعِظَةُ ٧٥)، وَأَمْبرُوسِيُوسُ (الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْبَابُ الْأَخِيرُ)، وَبْرُوسْبِرُوسُ (الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، النُّبُوءَاتُ، الْبَابُ السَّابِعُ)، وَالْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ الَّذِي يَقُولُ هَكَذَا: «أَمَرَ بِوَضْعِ الْيَدِ تَحْتَ الْفَخِذِ، لِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ كَانَ سَيَنْحَدِرُ جَسَدُ مَنْ سَيَكُونُ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بِحَسَبِ النَّاسُوتِ، وَرَبَّهُ بِحَسَبِ اللَّاهُوتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْمِسْ ابْنِي، وَاحْلِفْ بِإِلَهِي. وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْيَدِ لَا فَوْقَ الْفَخِذِ بَلْ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ مِنْ هُنَاكَ كَانَ سَيَنْحَدِرُ مَنْ هُوَ إِنْسَانٌ حَقًّا، لَكِنَّهُ يَأْتِي فَوْقَ الْبَشَرِ.»
الْآيَةُ ٣: لِأَسْتَحْلِفَكَ
لِأَسْتَحْلِفَكَ — أَيْ أُلْزِمُكَ بِحَلِفِكَ، أَجْعَلُكَ تَحْلِفُ. هَكَذَا يَقُولُ النَّصُّ الْعِبْرَانِيُّ. فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ يُجْبِرُ عَبْدَهُ عَلَى الْحَلِفِ بِهَذَا الرَّسْمِ. وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ حَلَفَ لَهُ الْعَبْدُ فِعْلًا بِهَذَا الطَّقْسِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٩. فَـ «أَسْتَحْلِفَكَ» هُنَا لَا تَعْنِي أَنْ أُنَاشِدَكَ بِالْمُقَدَّسَاتِ، بَلْ أَنْ أُجْبِرَكَ عَلَى أَدَاءِ الْقَسَمِ وَأُلْزِمَكَ بِهِ لِتَعِدَ أَوْ تَفْعَلَ شَيْئًا.
الْآيَةُ ٤: لَا مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ
أَنْ لَا تَأْخُذَ زَوْجَةً لِابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ (لِأَنَّ الْكَنْعَانِيِّينَ كَانُوا أَشْرَارًا وَعَبَدَةَ أَوْثَانٍ)، بَلْ تَذْهَبَ إِلَى أَرْضِي وَعَشِيرَتِي — لَيْسَ إِلَى الْكَلْدَانِ، بَلْ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، أَيْ إِلَى حَارَانَ، إِلَى بَيْتِ أَخِي نَاحُورَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٠؛ فَإِلَى حَارَانَ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ مَعَ أَبِيهِ وَجَمِيعِ عَشِيرَتِهِ، الْإِصْحَاحُ ١٢، الْآيَةُ ١. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ بَيْتَ نَاحُورَ — تَبَعًا لِعَادَةِ الْأُمَّةِ الَّتِي كَانَ يُقِيمُ بَيْنَهَا — كَانَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣١، الْآيَةِ ٣٠؛ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ وَيَحْفَظُونَهُ، فَكَانُوا يَعْبُدُونَ إِلَهَ السَّمَاءِ إِلَى جَانِبِ أَصْنَامِهِمْ، كَمَا يَتَّضِحُ هُنَا مِنَ الْآيَةِ ٣١. وَكَانَتْ هَذِهِ الْأُسْرَةُ حَسَنَةَ الْأَخْلَاقِ، كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا يَلِي.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، فِي مَدَى وُجُوبِ تَجَنُّبِ زِيجَاتِ الْكُفَّارِ وَالْهَرَاطِقَةِ وَالْأَشْرَارِ، اُنْظُرْ عِنْدَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ وَأَمْبرُوسِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْبَابِ الْأَخِيرِ: «كَثِيرًا مَا،» يَقُولُ أَمْبرُوسِيُوسُ، «خَدَعَتْ فِتْنَةُ الْمَرْأَةِ حَتَّى أَقْوَى الْأَزْوَاجِ، وَجَعَلَتْهُمْ يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ. فَالدِّينُ هُوَ أَوَّلُ مَا يُطْلَبُ فِي الزَّوَاجِ. فَتَعَلَّمْ إِذَنْ مَا يُطْلَبُ فِي الزَّوْجَةِ: لَمْ يَطْلُبْ إِبْرَاهِيمُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا أَمْلَاكًا، بَلْ نِعْمَةَ الطَّبْعِ الصَّالِحِ.» وَيَقُولُ أَمْبرُوسِيُوسُ ذَاتُهُ رَمْزِيًّا فِي الْمَوْضِعِ نَفْسِهِ:
«أَيْنَ تُوجَدُ زَوْجَةُ إِسْحَاقَ — أَيِ الْمَسِيحِ — أَعْنِي الْكَنِيسَةَ — إِلَّا فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ؟ هُنَاكَ يُحِيطُ بِهَا نَهْرَانِ: غَسْلُ النِّعْمَةِ وَدُمُوعُ التَّوْبَةِ. يَحْرُسُهَا دِجْلَةُ — أَيِ الْحِكْمَةُ؛ وَالْفُرَاتُ — أَيِ الْعَدَالَةُ وَالْإِنَارَةُ الْمُثْمِرَةُ — يَفْصِلُهَا عَنِ الْأُمَمِ الْبَرْبَرِيَّةِ.»
الْآيَةُ ٦: اِحْذَرْ أَنْ لَا تَرُدَّ ابْنِي إِلَى هُنَاكَ
«تَرُدَّ» تَعْنِي «تَعِدَ بِإِرْجَاعِهِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تَشَأِ الْفَتَاةُ الَّتِي تَطْلُبُهَا فِي حَارَانَ أَنْ تَأْتِيَ هُنَا إِلَيَّ وَإِلَى إِسْحَاقَ، بَلْ أَرَادَتْ أَنْ يَذْهَبَ إِسْحَاقُ إِلَيْهَا هُنَاكَ، فَلَا تُوَافِقْ وَلَا تَعِدْهَا بِزَوَاجِ ابْنِي؛ لِأَنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ أَغَادِرَ أَنَا وَقَوْمِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ إِلَى الْأَبَدِ، وَنَأْتِيَ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي وَعَدَنِي بِهَا وَوَعَدَ ذُرِّيَّتِي.
الْآيَةُ ٧: هُوَ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ
هَا إِنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ الْقُدَمَاءَ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ يَهَبُ لِلنَّاسِ مَلَائِكَةً حَارِسِينَ لِيَحْفَظُوهُمْ وَيَقُودُوهُمْ وَيُعَلِّمُوهُمْ وَيُرْشِدُوهُمْ. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي سِفْرِ طُوبِيَّا، الْإِصْحَاحِ ٥، الْآيَةِ ٥. يَرَى سْكَالِيجَرُ أَنَّ كَلِمَةَ «مَلَاكٍ» مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ أَنْغَرْ، أَيْ سَاعٍ أَوْ رَسُولٌ، بِتَحْوِيلِ الرَّاءِ إِلَى لَامٍ، كَمَا يُقَالُ بِلِيَارُ بَدَلًا مِنْ بِلِيعَالَ؛ فَهَكَذَا أَيْضًا اشْتَقَّ الْعِبْرَانِيُّونَ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ أَنْغَرْ كَلِمَةَ إِجِّيرِتْ — لِلرِّسَالَةِ الَّتِي يَحْمِلُهَا السُّعَاةُ أَوِ الْأَنْغَارِيُّونَ — كَأَنَّهَا إِنْغِيرِتْ.
الْآيَةُ ٩: فَحَلَفَ لَهُ
حَلَفَ أَنَّهُ سَيُنَفِّذُ بِأَمَانَةٍ كَلِمَاتِ وَأَوَامِرَ سَيِّدِهِ إِبْرَاهِيمَ.
الْآيَةُ ١٠: إِلَى مَدِينَةِ نَاحُورَ
أَيْ إِلَى حَارَانَ الَّتِي كَانَ فِيهَا بَيْتُ نَاحُورَ، وَتَبْعُدُ عَنْ بِئْرِ سَبْعٍ — حَيْثُ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُقِيمُ آنَذَاكَ — مَسِيرَةَ سَبْعَةِ أَوْ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ.
الْآيَةُ ١٢: يَسِّرْ لِي
بِالْعِبْرِيَّةِ هَقْرِهْ، أَيِ اجْعَلْهَا تُصَادِفُنِي — أَيْ مَا أَطْلُبُهُ، أَيْ فَتَاةً كَمَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ. تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: اجْعَلْ لِقَائِي مُوَفَّقًا.
لِيَتَعَلَّمِ الْمَسِيحِيُّونَ هُنَا أَنْ يَطْلُبُوا أَزْوَاجًا لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَبْنَائِهِمْ، لَا بِتَوْسِيطِ النَّاسِ بَلْ بِتَوْسِيطِ اللهِ؛ وَلَا يَنْظُرُوا إِلَى الْغِنَى وَالْجَمَالِ وَالنَّسَبِ بِقَدْرِ مَا يَنْظُرُونَ إِلَى التَّرْبِيَةِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَمُلَاءَمَتِهَا. هَكَذَا دَبَّرَتْ بُولْخِيرِيَّا لِأَخِيهَا الْإِمْبِرَاطُورِ ثِيُودُوسِيُوسَ زَوْجَةً هِيَ أُودُوكْسِيَّا، فَقِيرَةً لَكِنَّهَا حَسَنَةُ التَّعْلِيمِ وَالْأَخْلَاقِ. لَكِنْ لِأَنَّ كَثِيرِينَ يَفْعَلُونَ عَكْسَ ذَلِكَ، نَرَى كَثِيرًا مِنَ الزِّيجَاتِ الْمُتَخَاصِمَةِ وَالتَّعِيسَةِ. فَبِحَقٍّ يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي أَمْثَالِ ١٩: ١٤: «الْبُيُوتُ وَالْغِنَى مِيرَاثٌ مِنَ الْآبَاءِ؛ أَمَّا الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ فَمِنْ عِنْدِ الرَّبِّ بِالذَّاتِ.» هَكَذَا رِفْقَةُ لِإِسْحَاقَ، وَرَاعُوثُ لِبُوعَزَ، وَسَارَةُ لِطُوبِيَّا — زَوْجَاتٌ وَهَبَهُنَّ اللهُ — نِلْنَ زَوَاجًا سَلِيمًا مُثْمِرًا سَعِيدًا. فَكَمَا يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي أَمْثَالِ ١٨: ٢٢: «مَنْ وَجَدَ زَوْجَةً صَالِحَةً وَجَدَ خَيْرًا، وَنَالَ نِعْمَةً مِنَ الرَّبِّ.» فَالزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ الْمُجِدَّةُ الْحَكِيمَةُ عُصْفُورٌ نَادِرٌ عَلَى الْأَرْضِ.
يَقُولُ سُلَيْمَانُ فِي الْجَامِعَةِ ٧: ٢٩: «وَجَدْتُ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ أَلْفٍ، لَكِنِ امْرَأَةً مِنْ بَيْنِهِنَّ جَمِيعًا لَمْ أَجِدْ.» وَمِنْ هُنَا قَالَ كَاتُو إِنَّ الْمَرْأَةَ شَرٌّ لَا بُدَّ مِنْهُ. أَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ شَرُّ الْمَرْأَةِ الرَّدِيئَةِ؟ اِسْمَعْ يَشُوعَ بْنَ سِيرَاخَ ٢٥: ١٧: «كُلُّ شَرٍّ هُوَ خُبْثُ الْمَرْأَةِ؛» وَالْآيَةَ ٢٢: «لَيْسَ رَأْسٌ أَخْبَثَ مِنْ رَأْسِ الْحَيَّةِ، وَلَيْسَ غَضَبٌ فَوْقَ غَضَبِ الْمَرْأَةِ: لَمُسَاكَنَةُ أَسَدٍ وَتِنِّينٍ أَرْضَى مِنْ مُسَاكَنَةِ امْرَأَةٍ شِرِّيرَةٍ؛» وَالْآيَةَ ٣١: «الْمَرْأَةُ الشِّرِّيرَةُ جُرْحُ الْقَلْبِ.» فَاللهُ يُعْطِي الزُّنَاةَ وَالْفَاسِقِينَ وَسَائِرَ الْأَشْرَارِ زَوْجَاتٍ سَيِّئَاتٍ عُقُوبَةً عَلَى الْخَطِيئَةِ؛ وَهَذِهِ أَعْظَمُ بَلِيَّةٍ وَأَدْوَمُهَا، إِذْ تَسْتَمِرُّ طِوَالَ الْحَيَاةِ.
وَبِالْمُقَابِلِ: «طُوبَى لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ. الْمَرْأَةُ الْفَاضِلَةُ تُبْهِجُ زَوْجَهَا، وَتَمْلَأُ سِنِي حَيَاتِهِ سَلَامًا. الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ نَصِيبٌ حَسَنٌ؛ تُعْطَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَتَّقِي اللهَ جَزَاءً عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ» (يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٢٦: ١-٣). وَمِثَالٌ بَارِزٌ عَلَى ذَلِكَ يُوجَدُ عِنْدَ صُوفْرُونِيُوسَ، أَوْ بِالْأَحْرَى يُوحَنَّا مُوسْخُوسَ فِي الْمَرْجِ الرُّوحَانِيِّ، الْبَابِ ٢٥٠، عَنْ أَحَدِ نُبَلَاءِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ الَّذِي وَزَّعَ أَمْوَالَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَصِيًّا عَلَى ابْنِهِ. فَالْمَسِيحُ بِسَبَبِ صَدَقَاتِ الْأَبِ دَبَّرَ لِلِابْنِ زَوْجَةً غَنِيَّةً فَاضِلَةً، عَاشَ مَعَهَا حَيَاةً مُقَدَّسَةً مَسْرُورَةً. فَبِحَقٍّ يَقُولُ ابْنُ سِيرَاخَ (٢٦: ١٦): «نِعْمَةُ الْمَرْأَةِ الْمُجِدَّةِ تُبْهِجُ زَوْجَهَا، وَتُسَمِّنُ عِظَامَهُ؛ تَأْدِيبُهَا عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ؛ نِعْمَةٌ فَوْقَ نِعْمَةٍ الْمَرْأَةُ الْقِدِّيسَةُ الْحَيِيَّةُ؛ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ عَلَى الْعَالَمِ فِي أَعَالِي اللهِ، كَذَلِكَ جَمَالُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ زِينَةُ بَيْتِهَا.»
الْآيَةُ ١٣: هَأَنَذَا وَاقِفٌ
يَطْلُبُ الْعَبْدُ هُنَا مِنَ اللهِ أَنْ يَكْشِفَ لَهُ عَنْ زَوْجَةِ إِسْحَاقَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ بِعَلَامَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَدَّدَهَا بِنَفْسِهِ؛ وَقَدْ تَحَرَّكَ وَاسْتُحِثَّ بِاللهِ لِتَحْدِيدِ هَذِهِ الْعَلَامَةِ؛ وَلِذَلِكَ اسْتَعْمَلَهَا بِرَجَاءٍ أَكِيدٍ فِي الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَوْنِ وَالتَّوْجِيهِ، بِحَسَبِ مَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ وَعَدَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَهُ قَائِلًا: «اللهُ يُرْسِلُ مَلَاكَهُ أَمَامَكَ.» وَلِذَلِكَ طَلَبَ إِظْهَارَ هَذِهِ الْعَلَامَةِ مُقَدِّمًا صَلَاةً مُتَوَاضِعَةً. وَأَخِيرًا فَإِنَّ النَّتِيجَةَ الَّتِي تَلَتْ — بِذَلِكَ التَّوْفِيقِ الْعَظِيمِ — أَعْلَنَتْ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ كَانَتْ مِنَ اللهِ؛ وَإِلَّا لَكَانَ هَذَا الْعَبْدُ قَدْ جَرَّبَ اللهَ بِفَأْلٍ طَائِشٍ وَعِرَافَةٍ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ فَأْلُ يُونَاثَانَ الَّذِي اسْتَخْلَصَهُ بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ مِنْ كَلَامِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ عَنِ الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ، وَبِاتِّبَاعِهِ هَزَمَهُمْ: «إِنْ قَالُوا اصْعَدُوا إِلَيْنَا فَلْنَصْعَدْ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَفَعَهُمْ إِلَى أَيْدِينَا — هَذِهِ هِيَ الْعَلَامَةُ لَنَا» (صَمُوئِيلُ الْأَوَّلُ ١٤: ١٠). وَكَذَلِكَ جِدْعُونُ أَخَذَ فَأْلَ النَّصْرِ مِنْ حُلْمِ أَحَدِ الْمِدْيَانِيِّينَ (الْقُضَاةُ ٧: ١٣).
وَمِثْلُهُ فَأْلُ كْلُوفِيسَ الَّذِي لَمَّا زَحَفَ بِجَيْشِهِ عَلَى الْقُوطِ، أَرْسَلَ هَدَايَا إِلَى تُورَ إِلَى الْقِدِّيسِ مَارْتِينُوسَ، آمِرًا رُسُلَهُ: «عِنْدَ دُخُولِكُمُ الْهَيْكَلَ، لَاحِظُوا مَا قَدْ يُعْطِيكُمْ تَخْمِينًا لِنَتِيجَةِ الْحَرْبِ الَّتِي نُعِدُّهَا.» فَأَطَاعُوا، وَلَمَّا دَخَلُوا الْكَنِيسَةَ سَمِعُوا الرُّهْبَانَ يُنْشِدُونَ تِلْكَ الْآيَةَ الدَّاوُودِيَّةَ: «مَنْطَقْتَنِي قُوَّةً لِلْحَرْبِ.» فَأَخَذُوا هَذَا الْفَأْلَ السَّعِيدَ وَعَادُوا إِلَى الْمَلِكِ وَأَخْبَرُوهُ؛ وَقَدْ أَثْبَتَتِ الْأَحْدَاثُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا بَلْ إِلَهِيًّا. الشَّاهِدُ فُولْغُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ، الْبَابُ الثَّالِثُ.
وَعَلَى الْعَكْسِ، كَانَ فَأْلُ نَبُوخَذْنَصَّرَ خُرَافِيًّا — فَأْلٌ أَخَذَهُ لَا بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ بَلْ بِدَافِعٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنَ الشَّيْطَانِ — حِينَ تَرَدَّدَ بَيْنَ مُهَاجَمَةِ الْعَمُّونِيِّينَ أَوِ الْيَهُودِ. فَأَخَذَ سَهْمَيْنِ، كَتَبَ عَلَى أَحَدِهِمَا اسْمَ رَبَّةَ (وَهِيَ بِتْرَا الْعَرَبِيَّةُ عَاصِمَةُ الْعَمُّونِيِّينَ)، وَعَلَى الْآخَرِ اسْمَ أُورُشَلِيمَ، ثُمَّ خَلَطَهُمَا. وَسَحَبَ وَاحِدًا أَعْمَى، فَلَمَّا رَأَى عَلَيْهِ أُورُشَلِيمَ سَارَ فَوْرًا لِمُحَاصَرَتِهَا (حِزْقِيَالُ ٢١: ٢١).
وَمِثْلُهُ فَأْلُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا مِنْ مَسِيرِ الْبَقَرَاتِ الْحَامِلَاتِ لِتَابُوتِ الرَّبِّ وَسَيْرِهِنَّ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْبَلِيَّةُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ مِنَ اللهِ أَمْ حَدَثَتْ مُصَادَفَةً (صَمُوئِيلُ الْأَوَّلُ ٦: ٧). لِلْمَزِيدِ عَنِ الْفَأْلِ الْمُقَدَّسِ الْمَشْرُوعِ وَالْفَأْلِ الدُّنْيَوِيِّ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ وَالْخُرَافِيِّ، اُنْظُرْ عِنْدَ بِيرِيرِيُوسَ هُنَا.
مُلَاحَظَةٌ: هَذِهِ الْعَلَامَةُ الَّتِي وَضَعَهَا الْعَبْدُ كَانَتْ مُنَاسِبَةً؛ فَقَدْ كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ وَطَبْعٍ لَطِيفٍ مِضْيَافٍ حَصِيفٍ مُجِدٍّ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَثِيُودُورِيطُسُ، وَرُوبِرْتُسُ.
عَيْنٌ — أَيْ بِئْرٌ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَتَيْنِ ١١ وَ٢٠؛ فَفِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْعَيْنُ وَالْبِئْرُ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
الْآيَةُ ١٤: فَلْتَكُنْ هِيَ
فَلْتَكُنْ هِيَ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ يَا رَبِّ أَنَّ الَّتِي تُرِيدُهَا زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ، لِتَكُنْ هِيَ وَحْدَهَا مَنْ تَفْعَلُ وَتَقُولُ مَا أَطْلُبُهُ هُنَا؛ حَتَّى أَعْرِفَ مِنْ أَفْعَالِهَا وَأَقْوَالِهَا أَنَّهَا هِيَ وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا.
الْآيَةُ ١٥: وَإِذَا رِفْقَةُ خَارِجَةٌ
لَاحِظْ هُنَا مِرْآةَ الْعَذَارَى فِي رِفْقَةَ: فَأَوَّلًا، لَا تَجْلِسُ مُتَبَطِّلَةً كَأَكْثَرِ النِّسَاءِ، بَلْ تَحْمِلُ جَرَّتَهَا بِجِدٍّ وَتَسْتَقِي الْمَاءَ؛ ثَانِيًا، لَمَّا اسْتَقَتِ الْمَاءَ تَعُودُ وَلَا تَمْكُثُ طَوِيلًا فِي الْعَلَنِ، وَمَعَ أَنَّهَا رَأَتْ عَبْدَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ وَلَمْ تُخَاطِبْهُ؛ ثَالِثًا، لَمَّا طَلَبَ مِنْهَا الْعَبْدُ شَرَابًا تَوَقَّفَتْ فَوْرًا وَقَدَّمَتْهُ وَتَكَلَّمَتْ بِلُطْفٍ وَدَعَتْهُ سَيِّدًا؛ وَعَرَضَتْ أَكْثَرَ مِمَّا طَلَبَ؛ وَلَمْ تَتَثَاقَلْ فِي خِدْمَةِ غَرِيبٍ — بَيْنَمَا نِسَاؤُنَا الْيَوْمَ يَبْلُغْنَ أَحْيَانًا مِنَ التَّعَالِي أَنَّهُنَّ بِالْكَادِ يَتَنَازَلْنَ لِمُخَاطَبَةِ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا الْغُرَبَاءِ، كَأَنَّهُمْ لَا يَعْنِيَنَّهُنَّ فِي شَيْءٍ؛ رَابِعًا، مَعَ أَنَّهَا سَمِعَتْ أَنَّهُ عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ تُدْخِلْهُ هِيَ بِنَفْسِهَا إِلَى الْبَيْتِ — إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَائِقًا بِعَذْرَاءَ — بَلْ رَكَضَتْ إِلَى الْبَيْتِ وَأَخْبَرَتْ أُمَّهَا؛ خَامِسًا، لَمْ تَسْأَلْ بِفُضُولٍ لِمَاذَا جَاءَ هَذَا الْعَبْدُ أَوْ مَاذَا يُرِيدُ، إِذْ لَا يَنْبَغِي لِلْعَذْرَاءِ أَنْ تَكُونَ فُضُولِيَّةً؛ سَادِسًا، أَطَاعَتْ وَالِدَيْهَا، وَلَمَّا رَأَتْهُمَا يُوَافِقَانِ عَلَى ذَهَابِهَا إِلَى إِسْحَاقَ — مَعَ أَنَّهُ كَانَ صَعْبًا عَلَيْهَا مُفَارَقَةُ أَهْلِهَا وَوَطَنِهَا — لَمْ تَعْتَرِضْ؛ سَابِعًا، لَمْ تَكُنْ رِقِيقَةً مُتَرَفَّهَةً بَلْ شُجَاعَةً: فَرَكِبَتِ الْجَمَلَ وَخَاضَتْ رِحْلَةً طَوِيلَةً؛ ثَامِنًا، لَمَّا رَأَتْ إِسْحَاقَ نَزَلَتْ فَوْرًا عَنِ الْجَمَلِ وَتَغَطَّتْ: فَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ حَيَاؤُهَا وَتَوْقِيرُهَا لِخَطِيبِهَا.
الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ بِتُولَا تَعْنِي الْفَتَاةَ الَّتِي حَفِظَتْ بِتُولِيمَ، أَيِ الْعَلَامَةَ الْجَسَدِيَّةَ لِلْبَكَارَةِ. وَأُضِيفَ هُنَا «لَمْ يَعْرِفْهَا رَجُلٌ» لِتَكُونَ عَذْرَاءَ حَقًّا فِي الْمَظْهَرِ وَالْحَقِيقَةِ.
الْآيَةُ ٢١: كَانَ يَتَأَمَّلُهَا صَامِتًا
مُعْجَبًا لَا بِجَمَالِهَا فَحَسْبُ، بَلْ بِخِدْمَتِهَا وَاجْتِهَادِهَا وَلُطْفِهَا وَكَرَمِهَا، وَمُمْتَحِنًا هَلْ تَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا يَنْبَغِي، وَهَلْ هِيَ مَنْ تَلِيقُ بِإِسْحَاقَ وَتُوَافِقُ أَمَانِيَّهُ وَأَمَانِيَّ إِبْرَاهِيمَ.
الْآيَةُ ٢٢: أَقْرَاطٌ ذَهَبِيَّةٌ وَزْنُهَا مِثْقَالَانِ
مُلَاحَظَةٌ: هَذَا الْعَبْدُ أَعْطَى لِكُلِّ أُذُنٍ مِنْ أُذُنَيْ رِفْقَةَ قُرْطًا وَاحِدًا، أَيِ اثْنَيْنِ فِي الْمَجْمُوعِ، بِحَيْثُ يَزِنُ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ مِثْقَالٍ، أَوْ دِرْهَمًا وَاحِدًا، كَمَا عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ وَالنَّصِّ الْعِبْرِيِّ وَالْكَلْدَانِيِّ، وَبِالتَّالِي يَكُونُ وَزْنُ الِاثْنَيْنِ مَعًا مِثْقَالًا وَاحِدًا أَوْ دِرْهَمَيْنِ.
فَإِنْ سَأَلْتَ: كَيْفَ إِذَنْ يُتَرْجِمُهَا مُتَرْجِمُنَا بِمِثْقَالَيْنِ؟ أُجِيبُ: يَقْصِدُ مُتَرْجِمُنَا مَثَاقِيلَ أَصْغَرَ، أَيْ أَنْصَافَ مَثَاقِيلَ. فَنِصْفُ الْمِثْقَالِ يُسَمَّى أَحْيَانًا مِثْقَالًا، كَمَا أَنَّ عِنْدَنَا الرِّيَالَ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ (أَوْ مُنَصَّفٌ)؛ فَالْأَكْبَرُ عَشَرَةُ سْتُوفِرَاتٍ وَالْأَصْغَرُ خَمْسَةُ سْتُوفِرَاتٍ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي نِهَايَةِ كِتَابِ الْأَوْزَانِ وَالْمَقَايِيسِ.
الْآيَةُ ٢٧: لَمْ يَنْزِعْ رَحْمَتَهُ وَحَقَّهُ
أَيْ: كَانَ اللهُ رَحِيمًا وَصَادِقًا تُجَاهَ سَيِّدِي إِبْرَاهِيمَ: رَحِيمًا فِي الْوَعْدِ، صَادِقًا فِي تَحْقِيقِ وُعُودِهِ؛ كَمَا أَرَى الْآنَ أَنَّ اللهَ وَجَّهَ رِحْلَتِي بِرَحْمَةٍ وَصِدْقٍ إِلَى أَقَارِبِ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى رِفْقَةَ، لِآخُذَهَا زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ.
الْآيَةُ ٢٨: إِلَى بَيْتِ أُمِّهَا
لِأَنَّهُ فِي بَيْتِ الْعِبْرَانِيِّينَ الْقُدَمَاءِ كَانَتْ هُنَاكَ مَسَاكِنُ مُنْفَصِلَةٌ لِلرِّجَالِ وَأُخْرَى لِلنِّسَاءِ. فَكَانَتِ الْأُمُّ تَعِيشُ مُنْفَصِلَةً مَعَ الْبَنَاتِ فِي جَنَاحِ الْحَرِيمِ، كَمَا يُعَلِّمُ نِيقُولَاوُسُ سِيرَارِيُوسُ فِي شَرْحِهِ لِسِفْرِ أَسْتِيرَ، الْإِصْحَاحِ ٢، صَفْحَةِ ٤٦٩. وَفَوْقَ ذَلِكَ كَانَ لِلرِّجَالِ آنَذَاكَ عِدَّةُ زَوْجَاتٍ كُنَّ يَسْكُنَّ مُنْفَصِلَاتٍ حِفَاظًا عَلَى السَّلَامِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَتُومَاسُ الْإِنْكِلِيزِيُّ. إِلَى جَنَاحِ الْحَرِيمِ هَذَا رَكَضَتْ رِفْقَةُ، مُرِيَةً الْأَقْرَاطَ الَّتِي تَلَقَّتْهَا مِنْ عَبْدِ إِبْرَاهِيمَ.
مُلَاحَظَةٌ: رِفْقَةُ تَعْرِضُ هَدَايَاهَا عَلَى أُمِّهَا؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ عَادَةً: مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَقْبَلُ الْهَدَايَا وَتَكُونُ صَالِحَةً — اِفْهَمْ هَذَا إِنْ كَانَتْ تَقْبَلُهَا سِرًّا وَبِدُونِ مَشُورَةِ أَهْلِهَا أَوْ مُوَافَقَتِهِمْ.
الْآيَةُ ٢٩: وَكَانَ لِرِفْقَةَ أَخٌ اسْمُهُ لَابَانُ
كَمَا كَانَتْ رِفْقَةُ مِرْآةً لِلْعَذَارَى، كَذَلِكَ كَانَ لَابَانُ مِرْآةً لِأَرْبَابِ الْبُيُوتِ. فَأَوَّلًا، لَمَّا سَمِعَ كَلَامَ أُخْتِهِ خَرَجَ فَوْرًا لِدَعْوَةِ الرَّجُلِ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ؛ ثَانِيًا، خَاطَبَهُ بِلُطْفٍ وَتَقْوَى: «اُدْخُلْ» قَالَ «يَا مُبَارَكَ الرَّبِّ؛» ثَالِثًا، أَدْخَلَ لَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ أَيْضًا مَنْ كَانُوا مَعَهُ، غَيْرَ خَائِفٍ الْبَتَّةَ مِنْ ضَخَامَةِ النَّفَقَةِ؛ رَابِعًا، لَابَانُ نَفْسُهُ حَلَّ عَنِ الْجِمَالِ، وَأَحْضَرَ مَاءً لِغَسْلِ الْأَقْدَامِ، وَأَعَدَّ الْمَائِدَةَ، إِلَى آخِرِهِ. اُنْظُرْ هُنَا كَمْ كَانَتْ عَظِيمَةً ضِيَافَةُ الْقُدَمَاءِ. خَامِسًا، لَمَّا سَمِعَ كَيْفَ جَرَتِ الْأُمُورُ لَمْ يَعْتَرِضْ بَلِ اسْتَنْتَجَ: «مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ خَرَجَ الْأَمْرُ»، فَنَسَبَ هَذَا الشَّأْنَ لَا لِلْمُصَادَفَةِ أَوِ الْحَظِّ بَلْ لِلتَّدْبِيرِ الْإِلَهِيِّ؛ سَادِسًا، هُوَ وَأَبُوهُ بَتُوئِيلُ لَمْ يُجْبِرَا الْفَتَاةَ بَلْ سَأَلَاهَا عَنْ إِرَادَتِهَا؛ سَابِعًا، لَمَّا رَأَيَا الْعَبْدَ مُسْتَعْجِلًا لَمْ يُعَوِّقَاهَا بَلْ سَمَحَا لَهَا بِالذَّهَابِ، وَأَضَافَا مُرْضِعَتَهَا لِتَكُونَ لَهَا مَنْ يَرْعَاهَا وَيُرْشِدُهَا؛ ثَامِنًا، دَعَا لِأُخْتِهِ بِالْخَيْرِ.
الْآيَةُ ٣٠: وَلَمَّا رَأَى
بَعْدَ أَنْ رَأَى وَسَمِعَ. هَذَا أُسْلُوبٌ عِبْرَانِيٌّ يُوَضِّحُهُ فَاتَابْلُوسُ بِتَرْجَمَتِهِ هَكَذَا: لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَأَى الْأَقْرَاطَ وَسَمِعَ كَلَامَ رِفْقَةَ.
الْآيَةُ ٣١: اُدْخُلْ يَا مُبَارَكَ الرَّبِّ
أَيْ يَا مُبَارَكًا مِنَ الرَّبِّ، يَا مَنْ أَنْتَ فِي نِعْمَةِ اللهِ، يَا مَنْ يُحَابِيكَ اللهُ وَيُوَفِّقُكَ، وَنَدْعُو وَنَتَمَنَّى أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي مُحَابَاتِكَ وَتَوْفِيقِكَ.
أَعْدَدْتُ بَيْتًا — أَمَرْتُ بِإِعْدَادِ بَيْتٍ، أَوْصَيْتُ الْخَدَمَ بِأَنْ يُهَيِّئُوا لَكَ مَنْزِلًا.
الْآيَةُ ٣٥: بَارَكَ الرَّبُّ سَيِّدِي جِدًّا
أَغْنَاهُ إِغْنَاءً بَالِغًا.
الْآيَةُ ٣٦: وَأَعْطَاهُ كُلَّ شَيْءٍ
عَزَمَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ؛ خَصَّصَ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ بِوَصْفِهِ ابْنَهُ الْوَحِيدَ؛ فَلَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَجَرَّدَ بَعْدُ مِنْ مِلْكِيَّةِ أَمْوَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ نَقَلَهَا إِلَى إِسْحَاقَ. فَكَلِمَةُ «أَعْطَى» تَدُلُّ إِذَنْ عَلَى فِعْلٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ بَلْ بُدِئَ بِهِ وَقُصِدَ، تَمَامًا كَكَلِمَةِ «أَعْدَدْتُ» فِي الْآيَةِ ٣١.
الْآيَةُ ٤٠: الَّذِي أَسِيرُ أَمَامَهُ
الَّذِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ، وَأُوَقِّرُهُ وَأَعْبُدُهُ. هَكَذَا سَارَ أَخْنُوخُ أَمَامَ اللهِ — أَوْ قُدَّامَ اللهِ وَمَعَ اللهِ (الْإِصْحَاحُ ٥، الْآيَةُ ٢٢)، وَنُوحٌ (الْإِصْحَاحُ ٦، الْآيَةُ ٩): اُنْظُرْ مَا قِيلَ هُنَاكَ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّنِي أَعْبُدُ اللهَ هَكَذَا، فَفِي الْمُقَابِلِ يُرْسِلُ اللهُ مَلَاكَهُ لِيُوَجِّهَنِي وَيُوَفِّقَنِي وَشُؤُونِي بِوَاسِطَتِكَ.
الْآيَةُ ٤١: تَكُونُ بَرِيئًا مِنْ لَعْنَتِي
تَكُونُ مُحَلَّلًا مِنْ حَلِفِكَ الِاسْتِحْلَافِيِّ، وَبِالتَّالِي مِنَ اللَّعْنَةِ وَالْعُقُوبَةِ الَّتِي دَعَوْتَهَا عَلَى نَفْسِكَ حِينَ حَلَفْتَ — فِي حَالِ أَنْ تَنْقُضَهُ — قَائِلًا حَسَبَ الْعَادَةِ: «هَكَذَا يَصْنَعُ اللهُ بِي وَيَزِيدُ» إِنْ لَمْ أُنَفِّذْ أَوَامِرَ إِبْرَاهِيمَ سَيِّدِي.
الْآيَةُ ٤٧: عَلَّقْتُ الْأَقْرَاطَ
عَلَّقْتُ — أَيْ أَعْطَيْتُهَا لِتُعَلِّقَهَا؛ وَهَذَا وَاضِحٌ مِنَ الْآيَةِ ٣٠.
الْآيَةُ ٤٩: إِنْ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ رَحْمَةً وَحَقًّا
مُلَاحَظَةٌ: بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ يَشْمَلُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كُلَّ وَاجِبِ الْفَضِيلَةِ: فَكُلُّ شَيْءٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ وَمَجَّانِيًّا، وَهَذَا هُوَ الرَّحْمَةُ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ وَمُسْتَحَقًّا — سَوَاءٌ مِنَ الْعَدَالَةِ أَوِ الْبِرِّ أَوْ فَضِيلَةٍ أُخْرَى — وَهَذَا يُسَمَّى الْحَقَّ. فَالْحَقُّ هُنَا هُوَ الْبِرُّ الَّذِي كَانَ وَالِدَا رِفْقَةَ مَدِينَيْنِ بِهِ لِقَرِيبِهِمَا، بَلْ عَمِّهِمَا إِبْرَاهِيمَ. هَكَذَا يَقُولُ أُولِيَاسْتِرُ.
وَيَقُولُ كَايِتَانُوسُ خِلَافًا لِذَلِكَ: الْحَقُّ هُنَا يَعْنِي التَّحَقُّقَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُثْبِتُوا وَتُحَقِّقُوا وَتَجْعَلُوا صَادِقَةً كُلَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ مِنَ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي أَظْهَرَ بِهَا اللهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ تُعْطَى رِفْقَةُ لِإِسْحَاقَ.
لِكَيْ أَذْهَبَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. — هَذَا أُسْلُوبٌ عِبْرَانِيٌّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِكَيْ أَعْلَمَ أَيَّ طَرِيقٍ يَجِبُ أَنْ أَسْلُكَ، وَمَاذَا يَجِبُ أَنْ أَفْعَلَ؛ هَلْ أَبْقَى هُنَا أَمْ أَنْتَقِلُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ: فَقَدْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَطْلُبَ زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ مِنْ أَبْنَاءِ نَاحُورَ الْآخَرِينَ (إِذْ كَانَ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ ابْنًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٢: ٢١)، وَكَانَ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ لَوْ رُفِضَ فِي أَمْرِ رِفْقَةَ.
الْآيَةُ ٥٠: فَأَجَابَ لَابَانُ وَبَتُوئِيلُ
كَانَ لَابَانُ أَخَا رِفْقَةَ، وَبِالتَّالِي ابْنَ بَتُوئِيلَ، لَكِنَّهُ كَانَ — فِيمَا يَبْدُو — يُدِيرُ شُؤُونَ الْبَيْتِ بَيْنَمَا كَانَ أَبُوهُ يَكْبُرُ فِي السِّنِّ؛ وَلِذَلِكَ يَتَكَلَّمُ هُنَا فِي أَغْلَبِ الْأَحْيَانِ نِيَابَةً عَنْ أَبِيهِ وَيُدَبِّرُ زَوَاجَ رِفْقَةَ بِإِسْحَاقَ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ بِحِكْمَةٍ: رِفْقَةُ، يَقُولُ، «تَنْتَظِرُ حُكْمَ وَالِدَيْهَا؛ فَلَيْسَ مِنْ حَيَاءِ الْبَكَارَةِ أَنْ تَخْتَارَ زَوْجًا.» وَلِذَلِكَ أَيْضًا قَالَتْ أَنْدرُومَاخِي عِنْدَ يُورِيبِيدِسَ: «أَبِي يَتَوَلَّى أَمْرَ خِطْبَتِي؛ فَهَذَا لَيْسَ شَأْنِي.»
مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ خَرَجَ الْأَمْرُ — هَذَا الشَّأْنُ يَجْرِي بِمَشِيئَةٍ إِلَهِيَّةٍ؛ إِنَّهَا إِرَادَةُ اللهِ أَنْ نُعْطِيَ رِفْقَةَ لِإِسْحَاقَ.
يَبْدُو أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ كَانَتِ الْعَادَةُ فِي زِيجَاتِ الْعَذَارَى أَنْ يُسْتَشَارَ الْإِخْوَةُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَوْ بِالتَّسَاوِي مَعَهُمَا، وَأَنَّ لِلْإِخْوَةِ حَقَّ حِمَايَةِ أَخَوَاتِهِمْ. قَارِنْ أَدْنَاهُ ٣٤: ١٣؛ الْقُضَاةُ ٢١: ٢٢. يَرْوِي آرْفِيُو أَنَّ الْعَرَبَ يَتَضَايَقُونَ مِنْ إِهَانَةِ شَرَفِ أَخَوَاتِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ إِهَانَةِ شَرَفِ زَوْجَاتِهِمْ. وَمَا يَلِي: لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَكَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، أَيْ لَا نَسْتَطِيعُ مُعَارَضَتَكَ الْبَتَّةَ. فَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ يَشْمَلَانِ كُلَّ شَيْءٍ؛ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ مَا يَعْتَرِضُونَ بِهِ عَلَى طَلَبِهِ، وَأَنَّهُمْ وَافَقُوا تَمَامًا عَلَى مَا سَأَلَ.
الْآيَةُ ٥١: كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ
لَا بِصَوْتٍ، بَلْ بِعَلَامَةٍ أَظْهَرَ بِهَا مَشِيئَتَهُ فِي الْآيَةِ ١٤. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْمَسْأَلَةُ ٦٧.
الْآيَةُ ٥٢: غُلَامٌ أَيْ عَبْدٌ
غُلَامٌ — أَيْ عَبْدٌ.
الْآيَةُ ٥٧: لِنَسْأَلْهَا عَنْ إِرَادَتِهَا
لَيْسَ عَنِ الزَّوَاجِ بِإِسْحَاقَ، فَإِنَّ رِفْقَةَ يُسْتَدَلُّ مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ ٥١ وَ٥٣ وَ٥٤ وَ٥٥ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ وَافَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ؛ بَلْ عَنِ الرَّحِيلِ الْمُفَاجِئِ عَنْ وَالِدَيْهَا وَالسَّفَرِ إِلَى كَنْعَانَ عِنْدَ إِسْحَاقَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ.
رَمْزِيًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ: رِفْقَةُ تُمَثِّلُ الْكَنِيسَةَ الَّتِي دَعَاهَا الْمَسِيحُ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ إِلَى الزَّوَاجِ: «هِيَ لَمَّا دُعِيَتْ لَمْ تَتَأَخَّرْ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ أَكْثَرَ قَبُولًا عِنْدَ الرَّبِّ؛ لِأَنَّ الشَّعْبَ الْيَهُودِيَّ الَّذِي دُعِيَ إِلَى الْوَلِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْمَجِيءِ؛ لَكِنَّ جَمَاعَةَ الْأُمَمِ بِمُجَرَّدِ أَنْ رَأَتْ نَفْسَهَا مَدْعُوَّةً هَرَعَتْ لِلِقَائِهِ. وَلَمَّا رَكِبَتِ الْجَمَلَ جَاءَتْ إِلَى زَوْجِهَا، لِأَنَّ شَعْبَ الْأُمَمِ — الْخَشِنَ بِنَوْعٍ مِنْ قُبْحِ الِاسْتِحْقَاقَاتِ الْبَهِيمِيِّ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ جَمَالُ صُورَتِهِ الذَّاتِيَّةِ — كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَتَلَقَّى إِيمَانَ الْكَنِيسَةِ وَفَهْمَهَا.»
النَّصُّ الْعِبْرِيُّ يَقُولُ: وَلْنَسْأَلْ فَمَهَا، لِنَسْتَعْلِمَ مِنْهَا مَا فِي نَفْسِهَا.
الْآيَةُ ٦٢: فِي طَرِيقِ بِئْرِ الْحَيِّ الْبَصِيرِ
عَبْرَ الصَّحْرَاءِ، أَيْ صَحْرَاءِ شُورَ، الَّتِي كَانَ إِسْحَاقُ يَمْشِي فِيهَا وَحْدَهُ لِلتَّأَمُّلِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. فَالْعُزْلَةُ أَنْسَبُ مَا يَكُونُ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ لِلتَّفَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ.
عَرَفَ ذَلِكَ الْوَثَنِيُّونَ. فَأَفْلَاطُونُ لَمَّا عَادَ إِلَى أَثِينَا بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ فِي الْخَارِجِ، انْزَوَى فِي مَكَانٍ ضَاحَوِيٍّ ظَلِيلِ الْأَشْجَارِ يُدْعَى الْأَكَادِيمِيَّةَ — نِسْبَةً إِلَى مَالِكِهِ أَكَادِيمُوسَ — وَهُنَاكَ تَفَلْسَفَ وَأَسَّسَ مَدْرَسَةً. وَشِيشِرُونُ كَانَ يَنْسَحِبُ كَثِيرًا مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْمَدِينَةِ إِلَى الرِّيفِ وَهُنَاكَ يَتَفَلْسَفُ. يَشْهَدُ بِذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَالشُّعَرَاءُ قَدِيمًا كَانُوا يَنْتَحُونَ إِلَى جِبَالٍ نَائِيَةٍ وَيَنْظُمُونَ هُنَاكَ أَشْعَارَهُمْ فِي خَلْوَةِ الْعُزْلَةِ. هَكَذَا يُنْشِدُ هِيسِيُودُوسُ أَنَّهُ تَعَلَّمَ الشِّعْرَ مِنَ الْمُوسَاتِ عَلَى جَبَلِ هِيلِيكُونَ وَهُوَ يَرْعَى الْحُمْلَانَ، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الْعُزْلَةَ مُوقِظَةُ الْعَبْقَرِيَّةِ؛ بَلْ «إِنَّ الْقَصَائِدَ تَطْلُبُ خَلْوَةَ الْكَاتِبِ وَفَرَاغَهُ.» كَتَبَ يُورِيبِيدِسُ مَآسِيهِ فِي جَزِيرَةِ سَلَامِيسَ، فِي كَهْفٍ مُظْلِمٍ مُرْعِبٍ، يَكْتُبُ آوْلُوسُ جِلِّيُوسُ أَنَّهُ رَآهُ. وَيَقُولُ هُورَاتِيُوسُ إِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ نَظْمَ الشِّعْرِ فِي رُومَا.
وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ: إِيلِيَّا وَأَلِيشَعُ وَيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَبَاسِيلِيُوسُ وَغْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ وَكَثِيرُونَ غَيْرُهُمْ انْسَحَبُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ وَانْكَبُّوا هُنَاكَ عَلَى الْحِكْمَةِ وَالتَّأَمُّلِ؛ وَذَلِكَ اقْتِدَاءً بِالْمَسِيحِ الَّذِي كَانَ يَنْسَحِبُ لَيْلًا إِلَى الْجِبَالِ لِيُصَلِّيَ، كَمَا عَلَى طَابُورَ فِي التَّجَلِّي، وَإِلَى الْبُسْتَانِ وَقْتَ آلَامِهِ.
رَأَيْنَا هُنَا الْمَخْطُوطَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِكِتَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمَسِيحِ لِتُومَا الْكَمْبِيسِيِّ، وَفِي مُسْتَهَلِّهِ كُتِبَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ: «فِي كُلِّ شَيْءٍ طَلَبْتُ الرَّاحَةَ فَلَمْ أَجِدْهَا» — dan in een hoecxken met een boecxken، أَيْ «إِلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا، جَالِسًا فِي زَاوِيَةٍ مَعَ كُتَيِّبٍ صَغِيرٍ.» وَهَذَا مَا كَانَ يَقُولُهُ ذَلِكَ النَّاسِكُ الْعَظِيمُ أَرْسَانِيُوسُ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْكُنَ فِي آنٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ وَمَعَ النَّاسِ.»
إِلَى الْبِئْرِ — الَّذِي ذُكِرَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٦، الْآيَةِ ١٤، وَفِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١١.
فِي أَرْضِ الْجَنُوبِ — مِنْ كَنْعَانَ، أَيْ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ بِئْرِ سَبْعٍ.
بَدَلَ «كَانَ يَمْشِي» فِي الْعِبْرِيِّ «كَانَ آتِيًا مِنْ مَجِيءٍ»، كَمَا يَقُولُ الْفَرَنْسِيُّونَ: venait d'arriver (كَانَ قَدْ وَصَلَ لِتَوِّهِ).
الْآيَةُ ٦٣: لِلتَّأَمُّلِ
تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ أَدُولِسْخِيسَايْ، أَيْ لِيَتَمَرَّنَ، أَيْ لِيُمَارِسَ التَّمْرِينَ الرُّوحَانِيَّ لِلتَّأَمُّلِ؛ فَـ أَدُولِسْخِينْ تَعْنِي أَنْ يَنْشَغِلَ بِأَمْرٍ مَا بِحَمَاسَةٍ عَظِيمَةٍ وَمَهَارَةٍ، كَمَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ، وَهُوَ نَشَاطُ النَّفْسِ الَّتِي تُفَكِّرُ وَتَتَأَمَّلُ بِأَشَدِّ حَمَاسَةٍ وَلَذَّةٍ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ. فَكَانَ إِسْحَاقُ هُنَا يَتَأَمَّلُ فِي الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ، كَحَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَمَسَارَاتِهَا، وَصَانِعِهَا وَمُحَرِّكِهَا اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْعِبْرَانِيُّونَ وَلِيرَانُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ.
وَالْأَرْجَحُ أَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ يَتَأَمَّلُ فِي الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ إِسْحَاقَ، الْبَابِ ١: «إِذْ مِنْ شِيَمِ الْحَكِيمِ»، يَقُولُ، «أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ مَلَذَّاتِ الْجَسَدِ، وَيَرْفَعَ النَّفْسَ، وَيَسْحَبَهَا مِنَ الْجَسَدِ. فَهَذَا مَعْنَى أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ إِنْسَانًا.» وَيَسْتَمِرُّ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ كُلِّهِ وَاصِفًا تَحْتَ رَمْزِ إِسْحَاقَ تَقَدُّمَ النَّفْسِ الْقِدِّيسَةِ الَّتِي تَتَطَلَّعُ إِلَى الزَّوَاجِ الرُّوحَانِيِّ مَعَ الْمَسِيحِ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: خَرَجَ لِيُصَلِّيَ. وَمِنْ هَذَا يُعَلِّمُ أَلْكُوِينُوسُ أَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ هُنَا رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي كَانَ يَنْسَحِبُ فِي الْمَسَاءِ وَاللَّيْلِ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. أَخْطَأَ أَكِيلَا وَسِيمَاخُوسُ فِي تَرْجَمَتِهِمَا: خَرَجَ إِسْحَاقُ لِيَتَحَدَّثَ فِي الْحَقْلِ، أَيْ مَعَ عُمَّالِهِ وَأُجَرَائِهِ الرِّيفِيِّينَ.
«حَيَاةُ الْحَكِيمِ تَأَمُّلٌ؛» وَ: «لِلْعَالِمِ أَنْ يُفَكِّرَ هُوَ أَنْ يَحْيَا.» هَكَذَا كَانَ كَارْنِيَادِسُ يَتَغَذَّى — إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ — بِأَفْكَارِهِ. وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَجَّبُ الْحَكِيمُ مِنْ شَيْءٍ، بَيْنَمَا يَنْدَهِشُ الْأَطْفَالُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَالْأَوَّلُ كُلُّ شَيْءٍ مَتَوَقَّعٌ وَمُتَأَمَّلٌ فِيهِ سَلَفًا عِنْدَهُ، وَالثَّانِي لَا شَيْءَ عِنْدَهُ كَذَلِكَ.
الْآيَةُ ٦٤: نَزَلَتْ رِفْقَةُ عَنِ الْجَمَلِ
رِفْقَةُ أَيْضًا لَمَّا أَبْصَرَتْ إِسْحَاقَ نَزَلَتْ — مُتَوَقِّعَةً بِالطَّبْعِ مَا كَانَ كَذَلِكَ حَقًّا، أَنَّ هَذَا هُوَ إِسْحَاقُ زَوْجُهَا — فَأَنْزَلَتْ نَفْسَهَا مِنَ الْجَمَلِ إِلَى الْأَرْضِ تَوْقِيرًا لِخَطِيبِهَا.
ثَانِيًا وَالْأَصَحُّ: نَقُولُ إِنَّ هُنَا «تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا»؛ إِذْ يَبْدُو أَنَّ رِفْقَةَ سَأَلَتِ الْعَبْدَ أَوَّلًا مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَأْتِي لِلِقَائِهِمَا، فَأَجَابَهَا أَنَّهُ إِسْحَاقُ؛ وَعِنْدَهَا فَقَطْ نَزَلَتْ رِفْقَةُ مِنَ الْجَمَلِ إِلَى الْأَرْضِ.
الْآيَةُ ٦٥: الرِّدَاءُ وَالْبُرْقُعُ الْعُرْسِيُّ
الرِّدَاءُ — لِتَتَغَطَّى بِهِ كَبُرْقُعٍ عُرْسِيٍّ، حَيَاءً وَخَجَلًا، فَتُغَطِّيَ الْعَرُوسُ الْجَدِيدَةُ نَفْسَهَا وَتَحْتَجِبَ أَمَامَ عَرِيسِهَا. اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٢٠، الْآيَةِ ١٦.
اُنْظُرْ هُنَا حَيَاءَ الْعَرُوسِ الْجَدِيدَةِ رِفْقَةَ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٤٨: «تَأَمَّلْ كَيْفَ لَا يُوجَدُ فِي أَيِّ مَكَانٍ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ الزَّائِدَةُ وَالْعَدِيمَةُ الْفَائِدَةِ، لَا مَكَانَ لِلْبَذَخِ الشَّيْطَانِيِّ، لَا صُنُوجٌ وَلَا مَزَامِيرُ وَلَا رَقْصٌ وَلَا تِلْكَ الْوَلَائِمُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَالسُّخْرِيَّاتُ الْمَمْلُوءَةُ بِكُلِّ فُحْشٍ؛ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ وَقَارٌ، كُلُّ شَيْءٍ حِكْمَةٌ، كُلُّ شَيْءٍ صَلَاحٌ»، إِلَى آخِرِهِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبرُوسِيُوسُ: رِفْقَةُ لَمَّا رَأَتْ إِسْحَاقَ، «نَزَلَتْ وَبَدَأَتْ تُغَطِّي رَأْسَهَا بِالرِّدَاءِ، مُعَلِّمَةً أَنَّ الْحَيَاءَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقَ الزَّوَاجَ. فَمِنْ هَذَا الْفِعْلِ ذَاتِهِ سُمِّيَتِ الزِّيجَاتُ (nuptiae)، لِأَنَّ الْفَتَيَاتِ كُنَّ يَتَحَجَّبْنَ (obnuberent) مِنَ الْحَيَاءِ. فَتَعَلَّمْنَ أَيَّتُهَا الْعَذَارَى كَيْفَ تَحْفَظْنَ حَيَاءَكُنَّ، لِئَلَّا تَخْرُجْنَ بِرُؤُوسٍ مَكْشُوفَةٍ أَمَامَ الْغُرَبَاءِ، إِذْ إِنَّ رِفْقَةَ — وَكَانَتْ مَخْطُوبَةً — لَمْ تَرَ مِنَ اللَّائِقِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى عَرِيسِهَا الْمُعَيَّنِ بِرَأْسٍ مَكْشُوفٍ.»
الْآيَةُ ٦٧: إِلَى خَيْمَةِ سَارَةَ
بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنْ وَفَاةِ سَارَةَ، تَزَوَّجَ إِسْحَاقُ رِفْقَةَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ١ مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ؛ وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الزَّوْجَاتِ كُنَّ يَسْكُنَّ مُنْفَصِلَاتٍ عَنْ أَزْوَاجِهِنَّ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢٨.
يُلَاحِظُ نَانِّيُوسُ عَلَى نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٣ أَنَّ الْعَرُوسَ قَدِيمًا كَانَتْ تُقَادُ إِلَى خَيْمَةِ أَوْ غُرْفَةِ حَمَاتِهَا، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعَرُوسَ الْجَدِيدَةَ سَتَكُونُ أُمَّ الْبَيْتِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ، الَّتِي مِنْهَا يَمْتَدُّ خَيْطُ الْأَبْنَاءِ وَالْخِلَافَةِ وَالْأُسْرَةِ وَيَتَكَاثَرُ؛ وَأَنَّهَا سَتَنَالُ نَفْسَ الشَّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَيْتِ كَمَا كَانَتْ لِأُمِّ الْعَرِيسِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعَرُوسَ ذَاتَهَا، تَثْبِيتًا لِلْمَحَبَّةِ، تَعِدُ بِدَوْرِهَا أَنَّهَا سَتَفْعَلُ الْمِثْلَ، قَائِلَةً فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٣: ٤: «أُدْخِلُهُ بَيْتَ أُمِّي وَإِلَى غُرْفَةِ مَنْ حَبِلَتْ بِي»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: سَيَكُونُ لِي الْعَرِيسُ مَكَانَ أُمِّهِ، وَيُدْخِلُنِي فِي غُرْفَتِهَا وَمَقَامِهَا. «لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِزَوْجَتِهِ؛» وَبِالْمُقَابِلِ أَنَا الْعَرُوسُ سَأَتَّخِذُهُ مَكَانَ وَالِدَيَّ، وَأُدْخِلُهُ إِلَى مَقَامِ أُمِّي وَإِلَى غُرْفَةِ مَنْ حَبِلَتْ بِي.
التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ لِلْإِصْحَاحِ بِأَكْمَلِهِ
رَمْزِيًّا، يُشِيرُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى اللهِ الْآبِ، وَإِسْحَاقُ يُمَثِّلُ الْمَسِيحَ، وَرِفْقَةُ الْكَنِيسَةَ — بَلْ كُلَّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ — وَعَبْدُ إِبْرَاهِيمَ يُمَثِّلُ الرُّسُلَ. تَأَمَّلْ مَا فَعَلَتْهُ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتُ الْأَرْبَعُ فِي هَذَا الْإِصْحَاحِ، وَسَتَرَى مَا فَعَلَهُ اللهُ الْآبُ لِأَجْلِ خَلَاصِنَا، وَمَا فَعَلَهُ الْمَسِيحُ، وَمَا فَعَلَهُ الرُّسُلُ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا فِعْلُهُ.
إِبْرَاهِيمُ هُوَ اللهُ الْآبُ: سِتُّ تَشَابُهَاتٍ
أَوَّلًا إِذَنْ: كَمَا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنٌ وَحِيدٌ أَعْطَاهُ كُلَّ مَا يَمْلِكُ، كَذَلِكَ اللهُ الْآبُ.
ثَانِيًا: إِبْرَاهِيمُ لَا يُرِيدُ لِابْنِهِ أَنْ يَبْقَى وَحِيدًا، بَلْ يُدَبِّرُ لَهُ زَوْجَةً لِيُنْجِبَ أَبْنَاءً: كَذَلِكَ اللهُ الْآبُ يُرِيدُ لِلْمَسِيحِ أَنْ يَتَّحِدَ بِالْكَنِيسَةِ، وَيَقُولُ لَهُ: «اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الْأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ»، إِلَى آخِرِهِ.
ثَالِثًا: إِبْرَاهِيمُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ ذَكَرَ الزَّوَاجَ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الْعَبْدَ — الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ — وَهُوَ الَّذِي تَسَبَّبَ فِي اسْتِدْعَاءِ الْعَرُوسِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ لِتَأْتِيَ مِنْ ذَاتِهَا: كَذَلِكَ اللهُ هُوَ صَاحِبُ الْمُبَادَرَةِ وَأَصْلُ خَلَاصِنَا، وَإِلَّا لَمَا أَتَيْنَا أَبَدًا إِلَى الْمَسِيحِ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ لِيَدْعُوَنَا.
رَابِعًا: لَمْ يُنَفِّذْ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بَلْ بِوَاسِطَةِ عَبْدِهِ الْأَكْبَرِ وَالْأَكْثَرِ أَمَانَةً: كَذَلِكَ اللهُ يُوكِلُ خِرَافَهُ وَعَرُوسَهُ إِلَى أَوْفَى الرُّعَاةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ لِبُطْرُسَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ اِرْعَ خِرَافِي.»
خَامِسًا: إِبْرَاهِيمُ يَسْتَحْلِفُ الْعَبْدَ: كَذَلِكَ اللهُ يَفْرِضُ وَاجِبَ الْكِرَازَةِ عَلَى الْكَارِزِينَ تَحْتَ عُقُوبَةٍ شَدِيدَةٍ: «وَيْلٌ لِي إِنْ لَمْ أُبَشِّرْ بِالْإِنْجِيلِ!» يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ فِي كُورِنْثُوسَ الْأُولَى ٩، وَفِي حِزْقِيَالَ ٣ يَطْلُبُ اللهُ دَمَ الْهَالِكِينَ مِنْ يَدِ الْحُرَّاسِ.
سَادِسًا: إِبْرَاهِيمُ يُرِيدُ زَوْجَةً لِابْنِهِ مِنْ نَفْسِ دَمِهِ وَمُتَّصِفَةً بِنَفْسِ أَخْلَاقِ إِسْحَاقَ: كَذَلِكَ اللهُ يُرِيدُ كَنِيسَةً مُقَدَّسَةً تَكُونُ لِابْنِهِ شَرَفًا لَا عَارًا. «كُونُوا قِدِّيسِينَ»، يَقُولُ، «لِأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ.»
إِسْحَاقُ هُوَ الْمَسِيحُ: ثَمَانِي تَشَابُهَاتٍ
فِي إِسْحَاقَ نَرَى مَا فَعَلَهُ الْمَسِيحُ فِي زَمَنِ خِطْبَتِهِ.
أَوَّلًا: إِسْحَاقُ خَرَجَ إِلَى الْحَقْلِ، وَالْمَسِيحُ خَرَجَ إِلَى الْعَالَمِ.
ثَانِيًا: إِسْحَاقُ خَرَجَ فِي الْمَسَاءِ: وَالْمَسِيحُ جَاءَ فِي آخِرِ أَزْمِنَةِ الْعَالَمِ.
ثَالِثًا: إِسْحَاقُ كَانَ حِينَهَا يَسْكُنُ فِي الْمِنْطَقَةِ الْجَنُوبِيَّةِ: وَالْمَسِيحُ آتِيًا مِنَ الشَّمَالِ الْبَارِدِ — الَّذِي يَرْمُزُ إِلَى الدَّيْنُونَةِ — تَوَجَّهَ نَحْوَ جَنُوبِ الرَّحْمَةِ.
رَابِعًا: إِسْحَاقُ كَانَ يَمْشِي قُرْبَ بِئْرِ الْحَيِّ الْبَصِيرِ. الْحَيُّ الْبَصِيرُ هُوَ اللهُ، فَلِعَيْنَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مَكْشُوفٌ وَعَارٍ. وَيَنْبُوعُ هَذَا الْحَيِّ الْبَصِيرِ هُوَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. وَالطَّرِيقُ إِلَى الْيَنْبُوعِ هُوَ تَوَاضُعُ الْآلَامِ؛ فِي هَذَا الطَّرِيقِ سَارَ الْمَسِيحُ فِي غُرْبَتِهِ الْأَرْضِيَّةِ، مُحَقِّقًا تَارَةً هَذَا النَّصَّ وَتَارَةً ذَاكَ، حَتَّى لَمَّا أَتَمَّ كُلَّ شَيْءٍ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ.»
خَامِسًا: إِسْحَاقُ خَرَجَ لِلِقَاءِ عَرُوسِهِ حِينَ اقْتَرَبَتْ: وَالْمَسِيحُ يَلْتَقِي بِكُلِّ مَنْ يَأْتِي إِلَيْهِ بِالنِّعْمَةِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي حَالَةِ زَكَّا وَالِابْنِ الضَّالِّ.
سَادِسًا: إِسْحَاقُ قَبِلَ رِفْقَةَ زَوْجَةً لَا أَمَةً: وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ قَبِلَ الْكَنِيسَةَ.
سَابِعًا: إِسْحَاقُ أَدْخَلَ رِفْقَةَ خَيْمَةَ أُمِّهِ سَارَةَ: وَالْمَسِيحُ أَدْخَلَ كَنِيسَةَ الْأُمَمِ فِي مَقَامِ الْمَجْمَعِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي انْحَدَرَ مِنْهُ.
ثَامِنًا: إِسْحَاقُ أَحَبَّ رِفْقَةَ حَتَّى خَفَّفَ حُزْنَهُ عَلَى وَفَاةِ أُمِّهِ: وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ لَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ بَكَى عَلَيْهَا؛ لَكِنَّهُ لَمَّا نَالَ كَنِيسَةَ الْأُمَمِ خَفَّفَ حُزْنَهُ.
الْعَبْدُ هُوَ الرُّسُلُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ تَشَابُهًا
فِي عَبْدِ إِبْرَاهِيمَ تُوصَفُ وَظِيفَةُ الرُّسُلِ وَالْكَارِزِينَ.
أَوَّلًا: الْعَبْدُ خَرَجَ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ لِيَطْلُبَ عَرُوسًا، لَا يَعْرِفُ مَنْ وَلَا كَيْفَ، بَلْ أَوْكَلَ النَّتِيجَةَ وَالنَّجَاحَ لِلرَّبِّ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ خَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا مَنْ سَيُؤْمِنُ. بَذَرُوا الْبَذْرَ وَأَوْكَلُوا الثَّمَرَ لِلرَّبِّ.
ثَانِيًا: الْعَبْدُ أَخَذَ مَعَهُ مِنْ جَمِيعِ خَيْرَاتِ سَيِّدِهِ لِيُزَيِّنَ بِهَا الْفَتَاةَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ لَمْ يَأْتُوا خَالِي الْوِفَاضِ بَلْ حَمَلُوا هَدَايَا عَظِيمَةً — وَهِيَ النِّعْمَةُ وَالسَّلَامُ وَالْمُعْجِزَاتُ وَقَدَاسَةُ الْحَيَاةِ وَالْأَخْلَاقِ، إِلَى آخِرِهِ.
ثَالِثًا: عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ يَقِفُ عِنْدَ الْبِئْرِ وَيَتَرَوَّى أَيَّ فَتَاةٍ يَخْتَارُ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ لَمْ يُلْقُوا اللُّؤْلُؤَ أَمَامَ الْخَنَازِيرِ، بَلْ كَرَزُوا لِمَنْ رَجَوْا مِنْهُمْ ثَمَرًا أَعْظَمَ؛ وَلَمْ يُعَمِّدُوا أَوْ يُصَالِحُوا الْعُنُدَ وَغَيْرَ الْمُسْتَحِقِّينَ، بَلِ التَّائِبِينَ وَالْمُسْتَعِدِّينَ.
رَابِعًا: الْعَبْدُ لَا يَذْهَبُ إِلَّا مُرْسَلًا: كَذَلِكَ الرُّسُلُ الْحَقِيقِيُّونَ، أَمَّا عَنِ الْمُضَلِّلِينَ فَيُقَالُ: «كَانُوا يَجْرُونَ وَأَنَا لَمْ أُرْسِلْهُمْ.»
خَامِسًا: الْعَبْدُ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْمُهِمَّةِ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ، فَالْكِرَازَةُ بِدُونِ صَلَاةٍ مُسْبَقَةٍ لَا تَأْتِي بِأَيِّ ثَمَرٍ.
سَادِسًا: مَا إِنْ أَدَّى الْعَبْدُ وَاجِبَهُ حَتَّى وَجَدَ الْعَذْرَاءَ الَّتِي كَانَ يَبْحَثُ عَنْهَا: كَذَلِكَ تَعَاوَنَ اللهُ مَعَ الرُّسُلِ، فَوَجَدُوا بَيْنَ أَيِّ أُمَمٍ ذَهَبُوا إِلَيْهَا مَنْ يَقْبَلُهُمْ وَيُؤْمِنُ.
سَابِعًا: الْعَبْدُ يَطْلُبُ شَرَابًا مِنَ الْعَذْرَاءِ؛ وَعَطَشُ الرُّسُلِ هُوَ اشْتِيَاقُهُمْ إِلَى خَلَاصِ النُّفُوسِ: مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيُنَفِّذُهُ بِالْعَمَلِ يُرْوِيهِمْ.
ثَامِنًا: الْعَبْدُ لَمَّا رَأَى الْعَذْرَاءَ تَفْعَلُ وَفْقَ صَلَاتِهِ شَكَرَ اللهَ: كَذَلِكَ بُولُسُ شَكَرَ اللهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ عَلَى اهْتِدَاءِ الْأُمَمِ.
تَاسِعًا: الْعَبْدُ يُعْطِي الْعَرُوسَ حُلِيًّا لِأُذُنَيْهَا وَيَدَيْهَا: الرُّسُلُ يُزَيِّنُونَ الْكَنِيسَةَ لِتَكُونَ أُذُنَاهَا مُزَيَّنَتَيْنِ بِالْإِيمَانِ، وَيَدَاهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. الْفَرِّيسِيُّونَ لَمْ يُزَيِّنُوا إِلَّا الْأَيْدِيَ — أَيْ لَمْ يُعَلِّمُوا إِلَّا أَعْمَالَ الشَّرِيعَةِ. وَسِيمُونُ وَالْهَرَاطِقَةُ لَمْ يُزَيِّنُوا إِلَّا الْآذَانَ — أَيْ لَمْ يَكْرِزُوا إِلَّا بِالْإِيمَانِ الَّذِي بِالسَّمَاعِ: لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ أَيًّا مِنْهُمَا وَحْدَهُ لَا يَكْفِي.
عَاشِرًا: الْعَبْدُ يُعْطِي الْعَذْرَاءَ الَّتِي قَبِلَتِ الزَّوَاجَ هَدَايَا أَعْظَمَ: كَذَلِكَ تُمْنَحُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَوَاهِبُ أَعْظَمُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.
حَادِيَ عَشَرَ: الْعَبْدُ بَعْدَ إِتْمَامِ الْمُهِمَّةِ يَعُودُ فَوْرًا، لِأَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ إِلَّا بِأُمُورِ سَيِّدِهِ: كَذَلِكَ فَعَلَ الرُّسُلُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ كُلُّ الْكَارِزِينَ.
ثَانِيَ عَشَرَ: الْعَبْدُ يَقُودُ الْعَذْرَاءَ مِنْ بَيْتِ أَبِيهَا إِلَى بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ قَادُوا النُّفُوسَ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ إِلَى الْكَنِيسَةِ.
ثَالِثَ عَشَرَ: الْعَبْدُ لَا يَأْتِي بِالْعَرُوسِ لِنَفْسِهِ بَلْ لِسَيِّدِهِ: كَذَلِكَ فَعَلَ بُولُسُ قَائِلًا: «خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ لِأُقَدِّمَكُمْ عَذْرَاءَ طَاهِرَةً لِلْمَسِيحِ.»
رِفْقَةُ هِيَ النَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ: عَشْرُ تَشَابُهَاتٍ
رِفْقَةُ تُظْهِرُ أَخْلَاقَ الْكَنِيسَةِ وَالنَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ.
أَوَّلًا: رِفْقَةُ بِالْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الْمُسَمَّنَةَ أَوِ الْمُغْتَنِيَةَ: لِأَنَّ زَوْجَهَا إِسْحَاقُ — أَيِ الضَّحِكُ — يَعْنِي الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ فَرَحُ النَّفْسِ.
ثَانِيًا: رِفْقَةُ كَانَتْ عَذْرَاءَ: وَالْمَسِيحُ يُرِيدُ عَرُوسًا عَذْرَاءَ، طَاهِرَةً مِنْ كُلِّ حُبِّ الْجَسَدِ وَالْعَالَمِ؛ اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ كُورِنْثُوسَ الثَّانِيَةِ ١١: ٢.
ثَالِثًا: رِفْقَةُ وُجِدَتْ فِي الْعَمَلِ: وَالْمَسِيحُ لَا يُرِيدُ الْبَطَّالِينَ.
رَابِعًا: رِفْقَةُ أَظْهَرَتْ مَحَبَّةً لِعَبْدِ إِبْرَاهِيمَ: وَالْمَسِيحُ يَطْلُبُ الْمَحَبَّةَ مِنَ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ.
خَامِسًا: رِفْقَةُ قَدَّمَتْ لِعَبْدِ إِبْرَاهِيمَ ضِيَافَةً وَطَعَامًا: كَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَفْعَلُوا لِلْكَارِزِينَ.
سَادِسًا: رِفْقَةُ تَرَكَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعَتْ عَبْدَ إِبْرَاهِيمَ: كَذَلِكَ تَفْعَلُ النَّفْسُ الْمُؤْمِنَةُ.
سَابِعًا: رِفْقَةُ أَخَذَتْ مَعَهَا جَوَارِيَهَا: كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَأْتِي بِأَهْلِ بَيْتِهِ.
ثَامِنًا: رِفْقَةُ لَمَّا اقْتَرَبَتْ مِنْ إِسْحَاقَ نَزَلَتْ عَنِ الْجَمَلِ: كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَتَوَاضَعُ حِينَ يَقْتَرِبُ مِنَ الْمَسِيحِ، وَبِخَجَلٍ وَتَوْبَةٍ يَتْرُكُ كُلَّ مَا كَانَ مُعْوَجًّا وَمُتَكَبِّرًا.
تَاسِعًا: رِفْقَةُ لَمَّا رَأَتْ إِسْحَاقَ تَغَطَّتْ فَوْرًا: كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ كُلَّمَا عَرَفَ الْمَسِيحَ أَكْثَرَ خَجِلَ أَكْثَرَ مِنْ حَيَاتِهِ السَّابِقَةِ، كَمَا فِي رُومِيَةَ ٦: «أَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ مِنْهَا الْآنَ؟»
عَاشِرًا: رِفْقَةُ تَبْقَى مَعَ إِسْحَاقَ إِلَى الْأَبَدِ وَلَا تَعُودُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا: كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَثْبُتُ مَعَ الْمَسِيحِ إِلَى النِّهَايَةِ يَخْلُصُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ٣٥ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْبَابِ ١٧؛ وَأُوخِيرِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ٢ عَلَى التَّكْوِينِ، الْبَابِ ٤٠؛ وَفِيرُوسُ وَغَيْرُهُمْ.