كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
مَاتَتْ سَارَةُ: فَاشْتَرَى إِبْرَاهِيمُ حَقْلًا بِمَغَارَةٍ مُزْدَوِجَةٍ مِنْ عِفْرُونَ، وَدَفَنَ فِيهِ سَارَةَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٣: ١-٢٠
١. وَعَاشَتْ سَارَةُ مِائَةً وَسَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ٢. وَمَاتَتْ فِي مَدِينَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ؛ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَهَا وَيَبْكِيَهَا. ٣. وَلَمَّا قَامَ مِنْ مَرَاسِمِ الْجِنَازَةِ كَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلًا: ٤. أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ؛ أَعْطُونِي حَقَّ مَدْفَنٍ مَعَكُمْ لِأَدْفِنَ مَيِّتِي. ٥. فَأَجَابَ بَنُو حِثَّ قَائِلِينَ: ٦. اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدُ؛ أَنْتَ رَئِيسُ اللَّهِ بَيْنَنَا. اِدْفِنْ مَيِّتَكَ فِي أَفْضَلِ قُبُورِنَا؛ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَكَ مِنْ دَفْنِ مَيِّتِكَ فِي قَبْرِهِ. ٧. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الْأَرْضِ، أَيْ بَنِي حِثَّ، ٨. وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ يَحْسُنُ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيِّتِي، فَاسْمَعُونِي وَاشْفَعُوا لِي عِنْدَ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ، ٩. لِيُعْطِيَنِي الْمَغَارَةَ الْمُزْدَوِجَةَ الَّتِي لَهُ فِي طَرَفِ حَقْلِهِ؛ بِالثَّمَنِ الْكَامِلِ لِيُسَلِّمْهَا لِي بِحَضْرَتِكُمْ مِلْكًا لِلدَّفْنِ. ١٠. وَكَانَ عِفْرُونُ جَالِسًا بَيْنَ بَنِي حِثَّ. فَأَجَابَ عِفْرُونُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَسَامِعِ جَمِيعِ الدَّاخِلِينَ مِنْ بَابِ مَدِينَتِهِ قَائِلًا: ١١. لَا يَكُونُ هَذَا يَا سَيِّدِي، بَلِ اسْمَعْ مَا أَقُولُهُ: أُعْطِيكَ الْحَقْلَ وَالْمَغَارَةَ الَّتِي فِيهِ، بِحَضْرَةِ بَنِي شَعْبِي؛ اِدْفِنْ مَيِّتَكَ. ١٢. فَسَجَدَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ شَعْبِ الْأَرْضِ. ١٣. وَكَلَّمَ عِفْرُونَ وَالشَّعْبُ وَاقِفُونَ حَوْلَهُمَا: أَرْجُوكَ أَنْ تَسْمَعَنِي. أَدْفَعُ ثَمَنَ الْحَقْلِ؛ اقْبَلْهُ فَأَدْفِنَ مَيِّتِي فِيهِ. ١٤. فَأَجَابَ عِفْرُونُ: ١٥. يَا سَيِّدِي اسْمَعْنِي: الْأَرْضُ الَّتِي تَطْلُبُهَا تَسَاوِي أَرْبَعَمِائَةِ شَاقِلٍ مِنَ الْفِضَّةِ؛ ذَلِكَ هُوَ الثَّمَنُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؛ وَلَكِنْ مَا ذَلِكَ؟ اِدْفِنْ مَيِّتَكَ. ١٦. فَلَمَّا سَمِعَ إِبْرَاهِيمُ ذَلِكَ وَزَنَ الْمَالَ الَّذِي طَلَبَهُ عِفْرُونُ عَلَى مَسَامِعِ بَنِي حِثَّ: أَرْبَعَمِائَةِ شَاقِلٍ مِنَ الْفِضَّةِ الرَّائِجَةِ الْمُعْتَمَدَةِ. ١٧. فَثُبِّتَ الْحَقْلُ الَّذِي كَانَ لِعِفْرُونَ، الَّذِي فِيهِ الْمَغَارَةُ الْمُزْدَوِجَةُ الْمُقَابِلَةُ لِمَمْرَا، الْحَقْلُ نَفْسُهُ وَالْمَغَارَةُ وَجَمِيعُ أَشْجَارِهِ فِي كُلِّ حُدُودِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ١٨. لِإِبْرَاهِيمَ مُلْكًا بِمَرْأَى بَنِي حِثَّ وَجَمِيعِ الدَّاخِلِينَ مِنْ بَابِ مَدِينَتِهِ. ١٩. وَهَكَذَا دَفَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَغَارَةِ حَقْلِ الْمُزْدَوِجَةِ الْمُقَابِلَةِ لِمَمْرَا، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. ٢٠. وَثُبِّتَ الْحَقْلُ وَالْمَغَارَةُ الَّتِي فِيهِ لِإِبْرَاهِيمَ مِلْكَ مَدْفَنٍ مِنْ بَنِي حِثَّ.
الْآيَةُ ٢: أَرْبَعُ الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ
«أَرْبَعُ الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ.» — لِمَاذَا سُمِّيَتْ حَبْرُونُ أَرْبَعَ سَأُبَيِّنُهُ فِي يَشُوعَ ١٥. مَاتَتْ سَارَةُ فِي السَّنَةِ ١٢٧ مِنْ عُمْرِهَا، وَهِيَ السَّنَةُ ١٣٧ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ، بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ وَفَاةِ تَارَحَ؛ إِذْ مَاتَ تَارَحُ فِي السَّنَةِ ١٣٥ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ.
«فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَهَا وَيَبْكِيَهَا.» — يَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ سَارَةَ مَاتَتْ فِي غِيَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُوسَى: «فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ.» لَكِنَّ «جَاءَ» عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ غَالِبًا تَعْنِي الشُّرُوعَ فِي أَمْرٍ مَا، وَالتَّهَيُّؤَ لِفِعْلِ شَيْءٍ. فَإِبْرَاهِيمُ هُنَا «جَاءَ»، أَيْ تَهَيَّأَ لِنَدْبِ سَارَةَ. وَلِهَذَا يُتَرْجِمُ بَعْضُهُمْ: بَدَأَ إِبْرَاهِيمُ يَنْدُبُ سَارَةَ.
مُلَاحَظَةٌ: يَخْتَلِفُ النَّدْبُ عَنِ الْبُكَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى حِدَادٍ رَسْمِيٍّ وَمَوْكِبِ حِدَادٍ وَجِنَازَةٍ. هَكَذَا صَنَعُوا لِإِسْطِفَانُوسَ نَدْبًا عَظِيمًا، أَيْ حِدَادًا وَمَوْكِبَ جِنَازَةٍ عَظِيمًا، أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٨. وَهَكَذَا نَدَبَ دَاوُدُ بِجِنَازَةٍ رَسْمِيَّةٍ وَنَشِيدٍ شَاوُلَ وَيُونَاثَانَ الْمَقْتُولَيْنِ فِي الْمَعْرَكَةِ، ٢ مُلُوكٍ ١: ١٧. وَهَكَذَا نَدَبَ كُلُّ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ وَنَاحُوا عَلَى مَوْتِ مَلِكِهِمُ الْمَحْبُوبِ يُوشِيَّا، ٢ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ٣٥: ٢٤.
الْآيَةُ ٤: حَقُّ الدَّفْنِ
«حَقُّ الدَّفْنِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «أَحُزَّاتْ قِبِرْ»، أَيْ مِلْكُ مَدْفَنٍ: إِذْ لَمْ يَطْلُبْ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ قُبُورِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، بَلْ طَلَبَ مَكَانًا مُنْفَصِلًا لِنَفْسِهِ يُدْفَنُ فِيهِ سَارَةُ وَهُوَ نَفْسُهُ وَذُرِّيَّتُهُ. مِنَ النَّاحِيَةِ الرَّمْزِيَّةِ، حِينَ سَأَلَ أَحَدُهُمُ الْأَبَّ بَاسْتُورَ فِي سِيَرِ الْآبَاءِ: «مَاذَا أَصْنَعُ لِأَخْلُصَ؟» أَجَابَ: «لَمَّا جَاءَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَرْضِ الْمَوْعِدِ اقْتَنَى لِنَفْسِهِ قَبْرًا، وَبِالْقَبْرِ وَرِثَ الْأَرْضَ مِيرَاثًا.» كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَذَلِكَ أَنْتَ أَيْضًا بِتَأَمُّلِ الْمَوْتِ تَتَّجِهُ نَحْوَ الْخَلَاصِ فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ الْأَخُ: «مَا الْقَبْرُ؟» فَأَجَابَ الشَّيْخُ: «مَكَانُ الْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ.»
«مَيِّتِي» — أَيْ مَيِّتَتِي، يَعْنِي زَوْجَتَهُ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ. ثَانِيًا، بِمَعْنًى أَبْسَطَ «مَيِّتِي»، أَيِ الْجَسَدُ أَوِ الْجُثْمَانُ؛ لِذَلِكَ تَرْجَمَ فَاتَابِلُوسُ: «جِنَازَتِي». أَضِفْ أَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُرَاعَى تَمْيِيزُ الْجِنْسِ فِي الْجَسَدِ؛ لِذَلِكَ نُسَمِّي بِحَقٍّ «الْمَيِّتَ» سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً.
الْآيَةُ ٦: أَنْتَ رَئِيسُ اللَّهِ بَيْنَنَا
«أَنْتَ رَئِيسُ اللَّهِ بَيْنَنَا» — كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْتَبِرُكَ وَنُوَقِّرُكَ رَئِيسًا، وَكَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ، مَلِكًا قُدُّوسًا، مَحْبُوبًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي عِنَايَتِهِ، وَلِذَلِكَ بَارِزًا وَلَامِعًا وَجَدِيرًا بِتَكْرِيمٍ اسْتِثْنَائِيٍّ. نَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْكَ بِإِعْجَابٍ بِسَبَبِ فَضَائِلِكَ، وَبِسَبَبِ رِضَا اللَّهِ عَنْكَ وَعِنَايَتِهِ بِكَ وَحِمَايَتِهِ لَكَ؛ كَأَنَّكَ أَمِيرٌ عَظِيمٌ نَزَلَ إِلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ.
وَعِنْدَ آخَرِينَ «رَئِيسُ اللَّهِ» تَعْنِي رَئِيسًا بَارِزًا وَمُمْتَازًا. فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ، كَمَا يَقُولُ كِيمْحِي، يَرْبِطُ الشَّيْءَ بِاللَّهِ حِينَ يُرِيدُ تَعْظِيمَهُ.
«فِي أَفْضَلِ» — اِدْفِنْ سَارَةَ فِي أَرْقَى قُبُورِنَا. لَمْ يُدْرِكُوا مُرَادَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي لَمْ يَرْغَبْ فِي أَنْ يُخْلَطَ بِالْحِثِّيِّينَ وَيُدْفَنَ مَعَهُمْ، إِذْ كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ.
«وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَكَ» — لَنْ يَكُونَ أَحَدٌ جَسُورًا بِمَا يَكْفِي لِيَجْرُؤَ أَوْ يَرْغَبَ فِي مَنْعِكَ.
الْآيَةُ ٧: سَجَدَ
«سَجَدَ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «يِشْتَحُو»، أَيْ انْحَنَى إِبْرَاهِيمُ شَاكِرًا وَمُظْهِرًا الْإِكْرَامَ الْمَدَنِيَّ وَالتَّوْقِيرَ لِلْحِثِّيِّينَ: هَكَذَا قَالَ كَايِتَانُوسُ وَغَيْرُهُ.
الْآيَةُ ٩: الْمَغَارَةُ الْمُزْدَوِجَةُ
«الْمَغَارَةُ الْمُزْدَوِجَةُ.» — كَانَتْ مُزْدَوِجَةً إِمَّا لِأَنَّ لَهَا غُرْفَتَيْنِ: وَاحِدَةً لِدَفْنِ الرِّجَالِ وَالْأُخْرَى لِلنِّسَاءِ، كَمَا يَرَى بْرُوكُوبِيُوسُ؛ أَوْ لِأَنَّ إِحْدَاهُمَا دَاخِلِيَّةٌ وَالْأُخْرَى خَارِجِيَّةٌ، بِحَيْثُ كَانَتِ الدَّاخِلِيَّةُ كَأَنَّهَا مُحَاطَةٌ بِالْخَارِجِيَّةِ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَزْرَا.
أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَوِي عَلَى تَجَاوِيفَ عَدِيدَةٍ تَسَعُ لِجُثَثٍ كَثِيرَةٍ؛ أَوْ لِأَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ فَتْحَتَيْنِ وَمَدْخَلَيْنِ مِنْ جِهَتَيْنِ.
«بِثَمَنٍ كَامِلٍ» — أَيْ بِثَمَنٍ عَادِلٍ.
الْآيَةُ ١٠: بَابُ الْمَدِينَةِ
«بَابُ الْمَدِينَةِ.» — يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عِنْدَ الْأَبْوَابِ، بِوَصْفِهَا مَكَانًا عَامًّا حَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْجَمِيعُ حَتَّى الْغُرَبَاءُ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِسُهُولَةٍ، كَانَتْ تُجْرَى الْمُعَامَلَاتُ التِّجَارِيَّةُ وَالْقَضَائِيَّةُ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ. فَعِنْدَ الْأَبْوَابِ كَانَ يَجْلِسُ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ وَأَعْضَاءُ الْمَجْلِسِ الْبَلَدِيِّ، وَهُنَاكَ كَانُوا يُعَالِجُونَ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، تَمَامًا كَمَا يَجْلِسُونَ وَيُدِيرُونَ الْأَعْمَالَ الْآنَ فِي دَارِ الْبَلَدِيَّةِ.
بَدَلًا مِنْ «كَانَ يُقِيمُ» يُتَرْجَمُ الْعِبْرِيُّ بِأَدَقَّ: «كَانَ جَالِسًا، حَاضِرًا».
الْآيَةُ ١٣: أَدْفَعُ ثَمَنَ الْحَقْلِ
«أَدْفَعُ ثَمَنَ الْحَقْلِ.» — لَمْ يُرِدْ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى الْحَقْلِ مَجَّانًا، بَلْ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنٍ عَادِلٍ، سَوَاءٌ لِأَنَّ هَذَا يَلِيقُ بِنَفْسٍ شَرِيفَةٍ كَرِيمَةٍ وَمَلَكِيَّةٍ، أَوْ لِئَلَّا يُطَالِبَ أَحْفَادُ عِفْرُونَ بِاسْتِرْدَادِ الْحَقْلِ أَوْ يَدَّعُوا حَقًّا مُشْتَرَكًا فِي الدَّفْنِ فِيهِ. هَكَذَا يَتَنَافَسُ الْكُرَمَاءُ فِي الْكَرَمِ، كَمَا يَتَنَافَسُ الْبُخَلَاءُ فِي الشُّحِّ. يَرْوِي أَلِيَانُوسُ أَنَّ أَلْكِيبِيَادِسَ أَرْسَلَ أَفْخَرَ الْهَدَايَا إِلَى مُعَلِّمِهِ سُقْرَاطَ؛ فَرَفَضَهَا سُقْرَاطُ بِنَفْسٍ عَظِيمَةٍ، رَغْمَ إِلْحَاحِ زَوْجَتِهِ كْسَانْتِيبِّي: «لِيَكُنْ لِأَلْكِيبِيَادِسَ طُمُوحُهُ، قَالَ، وَلْيَكُنْ لَنَا أَيْضًا طُمُوحُنَا: أَظْهَرَ أَلْكِيبِيَادِسُ كَرَمَهُ بِالْعَطَاءِ، وَسُقْرَاطُ كَرَمَهُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ.»
قَدْ تَقُولُ: شِرَاءُ مَكَانِ الدَّفْنِ وَحَقِّ الدَّفْنِ سِيمُونِيَّةٌ. يُجِيبُ الْقِدِّيسُ تُومَا أَوَّلًا فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الثَّانِي، الْمَسْأَلَةِ ١٠٠، الْمَادَّةِ ٤، الْجَوَابِ الثَّالِثِ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَشْتَرِ حَقَّ الدَّفْنِ بَلْ فَقَطِ الْحَقْلَ الَّذِي يَدْفِنُ فِيهِ سَارَةَ؛ وَالْحَقْلُ فِي ذَاتِهِ قَابِلٌ لِلْبَيْعِ.
ثَانِيًا، يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ: الْقَبْرُ يَصِيرُ مُقَدَّسًا — بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ دُونَ سِيمُونِيَّةٍ — لَا بِحَفْرِهِ بَلْ بِدَفْنِ الْمَيِّتِ فِيهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ مُقَدَّسًا بَعْدُ حِينَ اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ. وَهَذَا صَحِيحٌ وَفْقَ الْقَانُونِ الْمَدَنِيِّ الرُّومَانِيِّ، الَّذِي بِمُوجَبِهِ يَصِيرُ الْمَكَانُ مُقَدَّسًا بِمُجَرَّدِ دَفْنِ الْجُثْمَانِ فِيهِ.
لَكِنَّ هَذَا لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِجَرِيمَةِ السِّيمُونِيَّةِ، الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةٌ كَنَسِيَّةٌ لَا مَدَنِيَّةٌ. فَلِكَيْ لَا يُمْكِنَ بَيْعُ مَكَانِ الدَّفْنِ دُونَ سِيمُونِيَّةٍ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّسًا بِالتَّكْرِيسِ أَوِ الْبَرَكَةِ الْكَنَسِيَّةِ، كَمَا يُعَلِّمُ اللَّاهُوتِيُّونَ وَالْقَانُونِيُّونَ عُمُومًا. لَكِنْ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَعْدُ تَكْرِيسٌ أَوْ بَرَكَةٌ كَنَسِيَّةٌ (فَالْكَنِيسَةُ الْمَسِيحِيَّةُ هِيَ الَّتِي أَسَّسَتْ هَذَا)، يُقَدَّسُ بِهَا مَكَانٌ لِلدَّفْنِ؛ لِذَلِكَ أَمْكَنَ بَيْعُهُ دُونَ سِيمُونِيَّةٍ. هَكَذَا قَالَ كَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَغَيْرُهُمَا. أَضِفْ أَنَّ قُبُورَ الْوَثَنِيِّينَ وَكَهَنُوتَهُمْ، بِوَصْفِهِمْ عَبَدَةَ أَوْثَانٍ، لَيْسَتْ مُقَدَّسَةً بَلْ دَنِسَةً؛ بَلْ إِنَّ كَهَنُوتَهُمْ شَيْطَانِيٌّ، وَلِذَلِكَ شِرَاؤُهُ لَيْسَ سِيمُونِيَّةً. غَيْرَ أَنَّ الْوَثَنِيِّينَ الَّذِينَ بَاعُوهَا، بِضَمِيرٍ مُضَلَّلٍ ظَنُّوا أَنَّهَا مُقَدَّسَةٌ، أَخْطَأُوا بِالسِّيمُونِيَّةِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ تُومَا.
فِي الْآيَةِ ١٥: لِأَنَّ «أَرِتْسْ» فِي حَالَةِ الْإِضَافَةِ، يُتَرْجِمُ كَثِيرُونَ: «أَرْضُ أَرْبَعِمِائَةِ شَاقِلٍ — مَبْلَغٌ زَهِيدٌ — مَا هُوَ بَيْنَنَا، نَحْنُ الْأَثْرِيَاءُ وَفَوْقَ ذَلِكَ الْمُتَّحِدُونَ بِالرُّوحِ؟»
الْآيَةُ ١٦: أَرْبَعُمِائَةِ شَاقِلٍ مِنَ الْفِضَّةِ
«أَرْبَعُمِائَةِ شَاقِلٍ مِنَ الْفِضَّةِ» — أَيْ ٤٠٠ فُلُورِينٍ بْرَابَانْتِيٍّ؛ وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ عَنِ الشَّاقِلِ فِي الْخُرُوجِ ٣٠: ١٣.
«مِنَ الْفِضَّةِ الرَّائِجَةِ الْمُعْتَمَدَةِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: فِضَّةٌ رَائِجَةٌ عِنْدَ التُّجَّارِ؛ وَفِي السَّبْعِينِيَّةِ: فِضَّةٌ مُعْتَمَدَةٌ عِنْدَ التُّجَّارِ. فَالتُّجَّارُ مُعْتَادُونَ بِوَجْهٍ خَاصٍّ عَلَى فَحْصِ الْعُمْلَةِ وَوَزْنِهَا وَاخْتِبَارِهَا، وَيَطْلُبُونَ أَجْوَدَ النُّقُودِ وَأَكْثَرَهَا صِحَّةً.
الْآيَةُ ١٧: ثُبِّتَ الْحَقْلُ
«ثُبِّتَ الْحَقْلُ» — أَيْ بِالشِّرَاءِ انْتَقَلَ هَذَا الْحَقْلُ بِمَغَارَتِهِ الْمُزْدَوِجَةِ بِحَقٍّ رَاسِخٍ وَثَابِتٍ إِلَى مِلْكِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
تَأَمَّلْ: لَمْ يَكُنْ لِإِبْرَاهِيمَ فِي كَنْعَانَ بَيْتٌ وَلَا حَقْلٌ خَاصٌّ بِهِ، بَلْ فَقَطْ قَبْرُهُ الْخَاصُّ؛ لِأَنَّهُ بِتَوْجِيهٍ إِلَهِيٍّ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فِي الْحَيَاةِ وَأَنْ يَتَطَلَّعَ إِلَى السَّمَاءِ. أَمَّا فِي الْمَوْتِ، وَكَأَنَّهُ عِنْدَ حَدِّ السَّمَاءِ وَتَخُومِهَا، فَقَدْ طَلَبَ مَكَانًا خَاصًّا بِهِ وَبِمُؤْمِنِيهِ، لِئَلَّا يَسْتَرِيحَ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ: فَفِي الْمَوْتِ يَكُونُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّمْيِيزُ نَفْسُهُ فِي الْقَبْرِ. اُنْظُرْ كَمْ كَانَتْ عِنَايَةُ الْآبَاءِ الْأَوَّلِينَ بِالدَّفْنِ عَظِيمَةً، وَكَمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْآنَ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِيُدْفَنُوا فِي أَمَاكِنَ مُقَدَّسَةٍ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَذَلِكَ رَجَاءَ الْقِيَامَةِ الْمُبَارَكَةِ مَعَهُمْ؛ أَمَّا غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْهَرَاطِقَةُ فَلَهُمْ دَفْنَةُ الْحِمَارِ.
وَلِهَذَا السَّبَبِ دُفِنَ فِي قَبْرِ سَارَةَ هَذَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَرِفْقَةُ وَلَيْئَةُ؛ بَلْ إِنَّ يَعْقُوبَ أَيْضًا أَرَادَ أَنْ يُنْقَلَ إِلَيْهِ مِنْ مِصْرَ. وَهَكَذَا، كَمَا يُخْبِرُنَا تَارِيخُ الْمُلُوكِ، دُفِنَ صَمُوئِيلُ وَشَاوُلُ وَيُونَاثَانُ وَالنَّبِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ الْأَسَدُ (٣ مُلُوكٍ ١٣) وَالْمَلِكُ يُوشِيَّا وَغَيْرُهُمْ بِإِكْرَامٍ مَعَ ذَوِيهِمْ. وَهَكَذَا أَدَّى طُوبِيَّا بِلُطْفٍ خِدْمَةَ الدَّفْنِ لِأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَبَحَهُمُ الطَّاغِيَةُ. وَهَكَذَا أَخْرَجَ تَلَامِيذُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ جُثْمَانَهُ بِعِنَايَةٍ مِنَ السِّجْنِ لِدَفْنِهِ. وَهَكَذَا طَلَبَ يُوسُفُ الرَّامِيُّ مِنْ بِيلَاطُسَ جَسَدَ الْمَسِيحِ وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرِ. وَهَكَذَا أُرْسِلَ الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ مِنَ اللَّهِ إِلَى الْقِدِّيسِ بُولُسَ أَوَّلِ النُّسَّاكِ لِيَدْفِنَهُ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِعْوَلٌ، حَفَرَ لَهُ أَسَدَانِ الْقَبْرَ بِمَخَالِبِهِمَا.
«عِفْرُونَ.» — يُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ إِسْطِفَانُوسُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧ أَنَّ هَذَا الْحَقْلَ اشْتُرِيَ لَا مِنْ عِفْرُونَ بَلْ مِنْ بَنِي حَمُورَ، وَيَذْكُرُ أُمُورًا أُخْرَى لَا تَبْدُو مُتَوَافِقَةً جَيِّدًا مَعَ هَذَا الْمَوْضِعِ، لَكِنْ يَجِبُ مُنَاقَشَةُ ذَلِكَ عِنْدَ أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧.
الْآيَةُ ١٩: مَمْرَا الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ
«مَمْرَا الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ.» — سُمِّيَتْ حَبْرُونُ أَرْبَعَ؛ وَسُمِّيَتْ أَيْضًا مَمْرَا نِسْبَةً إِلَى الْوَادِي الْمُجَاوِرِ الَّذِي سُمِّيَ مَمْرَا عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الْقَوِيِّ مَمْرَا الَّذِي كَانَ يَمْلِكُهُ وَالَّذِي حَارَبَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ ضِدَّ الْمُلُوكِ الْأَرْبَعَةِ، الْإِصْحَاحُ ١٤، الْآيَةُ ١٣.