كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

إِبْرَاهِيمُ، إِذْ أَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ ذَبِيحَةً، يُطِيعُ؛ لَكِنَّهُ يُوقَفُ بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٥، يَنَالُ مُكَافَأَةً وَبَرَكَةً وَافِرَتَيْنِ عَلَى طَاعَتِهِ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٠، يُسَجَّلُ نَسَبُ نَاحُورَ وَرِفْقَةَ، تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ سَتَصِيرُ زَوْجَةً لِإِسْحَاقَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٢: ١-٢٤

١. وَبَعْدَ أَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، امْتَحَنَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ، إِبْرَاهِيمُ. فَأَجَابَ: هَأَنَذَا. ٢. فَقَالَ لَهُ: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الرُّؤْيَا، وَقَدِّمْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أُرِيكَ إِيَّاهُ. ٣. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلًا، وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ مَعَهُ غُلَامَيْنِ وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ. وَلَمَّا قَطَّعَ حَطَبًا لِلْمُحْرَقَةِ، مَضَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ اللهُ. ٤. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، رَفَعَ عَيْنَيْهِ فَرَأَى الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، ٥. فَقَالَ لِغُلَامَيْهِ: اِنْتَظِرَا هَاهُنَا مَعَ الْحِمَارِ؛ أَنَا وَالْغُلَامُ نَذْهَبُ مُسْرِعَيْنِ إِلَى هُنَالِكَ، وَبَعْدَ أَنْ نَسْجُدَ نَرْجِعُ إِلَيْكُمَا. ٦. فَأَخَذَ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَحَمَلَ هُوَ بِيَدَيْهِ النَّارَ وَالسَّيْفَ. وَبَيْنَمَا كَانَا يَسِيرَانِ مَعًا، ٧. قَالَ إِسْحَاقُ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ. فَأَجَابَ: مَاذَا تُرِيدُ يَا بُنَيَّ؟ فَقَالَ: هَا هِيَ النَّارُ وَالْحَطَبُ، فَأَيْنَ الذَّبِيحَةُ لِلْمُحْرَقَةِ؟ ٨. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللهُ يَرَى لَهُ ذَبِيحَةً لِلْمُحْرَقَةِ يَا بُنَيَّ. فَمَضَيَا مَعًا: ٩. فَأَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَرَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَرَتَّبَ الْحَطَبَ فَوْقَهُ، وَلَمَّا رَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ كَوْمَةِ الْحَطَبِ. ١٠. فَمَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ السَّيْفَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. ١١. فَإِذَا مَلَاكُ الرَّبِّ نَادَاهُ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: إِبْرَاهِيمُ، إِبْرَاهِيمُ. فَأَجَابَ: هَأَنَذَا. ١٢. فَقَالَ لَهُ: لَا تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلَامِ، وَلَا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا؛ فَالْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَخَافُ اللهَ، وَلَمْ تُشْفِقْ عَلَى ابْنِكَ وَحِيدِكَ مِنْ أَجْلِي. ١٣. فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَرَأَى خَلْفَهُ كَبْشًا مُعَلَّقًا بِقُرُونِهِ فِي الشَّوْكِ، فَأَخَذَهُ وَقَدَّمَهُ مُحْرَقَةً بَدَلًا مِنِ ابْنِهِ. ١٤. وَدَعَا اسْمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: الرَّبُّ يَرَى. وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ إِلَى الْيَوْمِ: فِي الْجَبَلِ الرَّبُّ يَرَى. ١٥. وَنَادَى مَلَاكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: ١٦. بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ، لِأَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا الْأَمْرَ وَلَمْ تُشْفِقْ عَلَى ابْنِكَ وَحِيدِكَ مِنْ أَجْلِي، ١٧. أُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ أَبْوَابَ أَعْدَائِهِ، ١٨. وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ، لِأَنَّكَ أَطَعْتَ صَوْتِي. ١٩. فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلَامَيْهِ، وَذَهَبُوا مَعًا إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، وَأَقَامَ هُنَاكَ. ٢٠. وَبَعْدَ هَذِهِ الْأُمُورِ، أُخْبِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ مِلْكَةَ أَيْضًا وَلَدَتْ بَنِينَ لِنَاحُورَ أَخِيهِ: ٢١. عُوصَ بِكْرَهُ، وَبُوزَ أَخَاهُ، وَقَمُوئِيلَ أَبَا الْآرَامِيِّينَ، ٢٢. وَكَاسِدَ، وَحَازُو، وَفِلْدَاشَ، وَيِدْلَافَ، ٢٣. وَبَتُوئِيلَ الَّذِي وُلِدَتْ مِنْهُ رِفْقَةُ: هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةُ وَلَدَتْهُمْ مِلْكَةُ لِنَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. ٢٤. وَسُرِّيَّتُهُ، وَاسْمُهَا رَأُومَةُ، وَلَدَتْ طَابَحَ، وَجَاحَمَ، وَتَاحَشَ، وَمَعْكَةَ.


الْآيَةُ ١: امْتَحَنَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ

اِمْتَحَنَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ -- بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَوْضُوعًا وَمَادَّةً بَارِزَيْنِ لِلْفَضِيلَةِ الْبُطُولِيَّةِ وَالطَّاعَةِ، بِهَذَا الْغَرَضِ: أَنْ يَكْشِفَ وَيُشْحَذَ وَيُكَمِّلَ وَيُتَوِّجَ أَخِيرًا الْفَضِيلَةَ الْكَامِنَةَ فِي نَفْسِهِ. أَمَّا إِبْلِيسُ فَيُجَرِّبُ بِعَرْضِ الْمُغْرَيَاتِ، بِهَذَا الْغَرَضِ: أَنْ يَجُرَّ الْإِنْسَانَ إِلَى الْخَطَايَا وَجَهَنَّمَ؛ وَاللهُ لَيْسَ مُسَبِّبَ هَذِهِ الشُّرُورِ، فَإِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَا يُجَرِّبُ أَحَدًا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَلِهَذِهِ الْغَايَةِ.

وَقَدْ رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا سِينِيكَا، وَإِنْ كَانَ بِصُورَةٍ خَافِتَةٍ، فِي كِتَابِهِ فِي الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ: «اللهُ،» يَقُولُ، «يُرَبِّي الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ بِشِدَّةٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْآبَاءُ الصَّارِمُونَ بِأَبْنَائِهِمْ، وَيَقُولُ: لِيَجْمَعُوا الْقُوَّةَ مِنَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَالْآلَامِ وَالْخَسَائِرِ؛ الْفَضِيلَةُ تَذْبُلُ بِلَا خَصْمٍ؛ فِي حُضُورِ الْخَصْمِ تُشْحَذُ، وَفِي الشَّدَائِدِ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا، وَتَصْبُغُ كُلَّ مَا يَحْدُثُ بِلَوْنِهَا، كَمَا يَصْبُغُ الْبَحْرُ الْأَنْهَارَ. هَا هُوَ مَشْهَدٌ لَائِقٌ بِاللهِ: رَجُلٌ شُجَاعٌ فِي مُوَاجَهَةِ الْحَظِّ السَّيِّئِ -- مَنْظَرٌ جَدِيرٌ بِاللهِ. الْحَظُّ، كَالْمُبَارِزِ، يَبْحَثُ عَنِ الْأَشْجَعِ نَظِيرًا لَهُ، وَيَتَجَاوَزُ الْآخَرِينَ بِازْدِرَاءٍ: يَخْتَبِرُ النَّارَ فِي مُوكِيُوسَ، وَالْفَقْرَ فِي فَابْرِيكِيُوسَ، وَالنَّفْيَ فِي رُوتِيلِيُوسَ، وَالتَّعْذِيبَ فِي رِيغُولُوسَ، وَالسُّمَّ فِي سُقْرَاطَ، وَالْمَوْتَ فِي كَاتُونَ.» وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، إِلَهُنَا يَخْتَبِرُ النَّارَ فِي لَوْرَنْسَ، وَالْوُحُوشَ فِي إِغْنَاطِيُوسَ، وَالْحِجَارَةَ فِي إِسْتِفَانُوسَ، وَآلَةَ التَّعْذِيبِ فِي وِنْكِنْتِيُوسَ، وَالدُّولَابَ فِي كَاتَرِينَا، وَالسَّيْفَ فِي دُورُوثِيَا.

وَيَسْتَمِرُّ سِينِيكَا: «أَخْطَرُ شَيْءٍ هُوَ الْإِفْرَاطُ فِي الرَّخَاءِ. الرِّجَالُ الْعِظَامُ يَفْرَحُونَ أَحْيَانًا بِالشَّدَائِدِ، لَا بِخِلَافِ مَا يَفْعَلُ الْجُنُودُ الشُّجْعَانُ فِي الْحُرُوبِ. تَعْرِفُ الرُّبَّانَ فِي الْعَاصِفَةِ، وَالْجُنْدِيَّ فِي الْمَعْرَكَةِ. سَيَتَّبِعُ الْآلِهَةُ هَذَا الْمَنْهَجَ مَعَ الرِّجَالِ الصَّالِحِينَ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُعَلِّمُونَ مَعَ تَلَامِيذِهِمْ، الَّذِينَ يَطْلُبُونَ جُهْدًا أَكْبَرَ مِمَّنْ فِيهِمُ الْأَمَلُ فِي التَّعَلُّمِ أَوْثَقُ.»

«هَذَا هُوَ مَقْصَدُ اللهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَقْصَدُ الرَّجُلِ الْحَكِيمِ: أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَشْتَهِيهَا الْعَامَّةُ وَالْأَشْيَاءَ الَّتِي يَهَابُهَا الْعَامَّةُ لَيْسَتْ خَيْرًا وَلَا شَرًّا؛ لِذَلِكَ يَعْرِضُهَا لِلصَّالِحِينَ كَمَا لِلطَّالِحِينَ.» وَلَيْسَتْ شُرُورًا إِلَّا لِمَنْ يَتَحَمَّلُهَا تَحَمُّلًا سَيِّئًا. «مَا وَاجِبُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ؟ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ لِلْقَدَرِ (للهِ): إِنَّهُ لَعَزَاءٌ عَظِيمٌ أَنْ يُنْسَاقَ الْمَرْءُ مَعَ الْكَوْنِ. لَقَدْ أَبْعَدَ اللهُ عَنْهُ كُلَّ الشُّرُورِ -- أَيِ الْفَوَاحِشَ.»

«الصَّابِرُونَ وُلِدُوا قُدْوَةً. اللهُ فَوْقَ الصَّبْرِ؛ وَهُمْ فَوْقَ الصَّبْرِ أَيْضًا. فَيَقُولُ لَهُمُ اللهُ: لَقَدْ أَعْطَيْتُكُمْ خَيْرَاتٍ رَاسِخَةً؛ وَأَرْسَخُ مَا فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ مَا اخْتَبَرَهُ.» «لِيَقُلِ الصَّالِحُونَ: لَقَدِ اسْتُحْقِقْنَا أَهْلًا مِنَ اللهِ لِأَنْ يَخْتَبِرَ فِينَا مَا يُمْكِنُ لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ تَحْتَمِلَ. خَيْرُ الْجُنُودِ يُرْسَلُونَ إِلَى أَشَدِّ الْمَهَامِّ.» هَذَا وَأَكْثَرُ مِنْهُ مُتَنَاثِرٌ فِي سِينِيكَا.

يُلَاحِظُ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ امْتُحِنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ مِنَ اللهِ: أَوَّلًا، حِينَ أُمِرَ بِأَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَأَقَارِبَهُ، وَيَذْهَبَ غَرِيبًا إِلَى أَرْضٍ مَجْهُولَةٍ؛ ثَانِيًا، حِينَ أُمِرَ بِسَبَبِ الْمَجَاعَةِ بِأَنْ يَتَغَرَّبَ فِي مِصْرَ؛ ثَالِثًا، حِينَ سُلِبَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ بِيَدِ فِرْعَوْنَ، وَتَعَرَّضَ هُوَ نَفْسُهُ لِخَطَرٍ عَلَى حَيَاتِهِ، وَزَوْجَتُهُ لِخَطَرٍ عَلَى عِفَّتِهَا؛ رَابِعًا، حِينَ اضْطُرَّ بِسَبَبِ مُشَاجَرَاتِ الْخُدَّامِ إِلَى الِانْفِصَالِ عَنْ لُوطَ الَّذِي كَانَ قَدْ رَبَّاهُ وَأَحَبَّهُ كَابْنٍ؛ خَامِسًا، حِينَ حَارَبَ أَرْبَعَةَ مُلُوكٍ بِأَشَدِّ الشَّجَاعَةِ لِتَحْرِيرِ لُوطَ الْمَأْسُورِ؛ سَادِسًا، حِينَ طَرَدَ مِنْ بَيْتِهِ هَاجَرَ الَّتِي كَانَ قَدِ اتَّخَذَهَا زَوْجَةً وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، بِإِلْحَاحِ سَارَةَ؛ سَابِعًا، حِينَ أُمِرَ وَهُوَ شَيْخٌ بِأَنْ يَخْتَتِنَ؛ ثَامِنًا، حِينَ سُلِبَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ بِيَدِ الْمَلِكِ أَبِيمَالِكَ؛ تَاسِعًا، حِينَ طَرَدَ مِنَ الْبَيْتِ مَرَّةً أُخْرَى زَوْجَتَهُ هَاجَرَ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ -- أَوَّلًا بِتَحْرِيضِ سَارَةَ، ثُمَّ بِأَمْرِ اللهِ؛ عَاشِرًا، حِينَ أُمِرَ بِأَنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ ذَبِيحَةً. وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ كَانَتْ أَشَدَّهَا جَمِيعًا، فَإِنَّ مُوسَى وَحْدَهُ يَدْعُوهَا «امْتِحَانًا».

وَقَالَ لَهُ -- لَيْلًا، مِنْ خِلَالِ رُؤْيَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣.

هَأَنَذَا. بِالْعِبْرَانِيَّةِ هِنِّنِي، أَيْ «هَا أَنَا» -- يَعْنِي: كَعَبْدٍ أَنَا حَاضِرٌ بِجَسَدِي وَرُوحِي لِأُطِيعَكَ، وَأَبْذُلَ نَفْسِي وَكُلَّ مَا لِي بِإِشَارَتِكَ. فَمَاذَا تَطْلُبُ مِنِّي إِذَنْ؟


الْآيَةُ ٢: خُذِ ابْنَكَ

خُذِ ابْنَكَ. الْكَلِمَاتُ الْعِبْرَانِيَّةُ تَلْسَعُ وَتَنْخِزُ رُوحَ إِبْرَاهِيمَ أَكْثَرَ، إِذْ تَقْرَأُ: خُذِ الْآنَ ابْنَكَ، وَحِيدَكَ، الَّذِي أَحْبَبْتَهُ، إِسْحَاقَ. وَالسَّبْعُونَ: خُذِ ابْنَكَ، ذَلِكَ الْحَبِيبَ، الَّذِي أَحْبَبْتَهُ، ذَلِكَ إِسْحَاقَ. بِقَدْرِ مَا هُنَا مِنْ كَلِمَاتٍ، بِقَدْرِهَا مِنْ أَشْوَاكٍ وَامْتِحَانَاتٍ.

أَوَّلًا، يَقُولُ «خُذْ» -- لَيْسَ ثِيرَانًا وَلَا عَبِيدًا، بَلْ «ابْنَكَ». ثَانِيًا، وَإِيَّاهُ «وَحِيدَكَ» -- لَوْ كَانَ لَدَيْكَ كَثِيرُونَ، لَسَهُلَ عَلَيْكَ أَنْ تُعْطِيَ وَاحِدًا مِنْ كَثِيرِينَ؛ لَكِنَّكَ الْآنَ تَمْلِكُ وَحِيدًا، وَإِيَّاهُ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُقَدِّمَهُ لِي ذَبِيحَةً. ثَالِثًا، «الَّذِي تُحِبُّهُ» -- بِالْعِبْرَانِيَّةِ «الَّذِي أَحْبَبْتَهُ»، أَيْ بِاسْتِمْرَارٍ، حَتَّى الْآنَ بِلَا انْقِطَاعٍ أَوْ نَقْصٍ فِي الْمَحَبَّةِ: سَوَاءٌ لِأَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ ذَا أَخْلَاقٍ حُلْوَةٍ جِدًّا، شَدِيدَ التَّوْقِيرِ وَالطَّاعَةِ لِأَبِيهِ؛ أَوْ لِأَنَّ أَبَاهُ وَلَدَهُ فِي شَيْخُوخَتِهِ بِمُعْجِزَةٍ؛ أَوْ لِأَنَّ بِإِسْحَاقَ وُعِدَ إِبْرَاهِيمُ بِأَعْظَمِ نَسْلٍ، وَبِكُلِّ بَرَكَةٍ، وَبِالْمَسِيحِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ يَرْجُو مِنْ خِلَالِهِ الْحَيَاةَ الْأَبَدِيَّةَ. فَبِتَقْدِيمِ ابْنِهِ كَانَ يُقَدِّمُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ كُلَّ آمَالِهِ وَكُلَّ الْخَيْرَاتِ الْمَوْعُودَةِ لَهُ للهِ. رَابِعًا، «إِسْحَاقَ» -- كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعْطِنِي إِسْحَاقَكَ، ضَحِكَكَ، فَرَحَكَ، قُرَّةَ عَيْنِكَ. هَذَا الِاسْمُ كَانَ يَضْرِبُ وَيَجْرَحُ أُذُنَيِ الْأَبِ وَرُوحَهُ بِعَجَبٍ، إِذْ لَنْ يَكُونَ بَعْدُ إِسْحَاقَ بَلْ هَابِيلَ؛ لَا بِنْيَامِينَ بَلْ ابْنَ أُونِي؛ لَا ضَحِكًا بَلْ نُوَاحًا. اُنْظُرْ أُورِيجَانُوسَ، الْعِظَةُ ٨. خَامِسًا، «تُقَدِّمُهُ» -- لَمْ يَقُلْ: تُسَلِّمُهُ لِيُقَدَّمَ، بَلْ أَنْتَ بِيَدَيْكَ تَذْبَحُهُ وَتُحْرِقُهُ وَتُقَدِّمُهُ ذَبِيحَةً. سَادِسًا، «لِي» (فَهَذَا مَفْهُومٌ هُنَا): كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَمْقُتُ الذَّبَائِحَ الْبَشَرِيَّةَ؛ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ فِي إِسْحَاقَ وُعِدَ بِكُلِّ نَسْلِهِ وَكُلِّ خَيْرَاتِهِ. أَفَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ إِذَنْ، يَا رَبُّ، كَأَنَّكَ نَاسٍ أَوْ نَادِمٌ عَلَى كُلِّ هَذَا، تَأْمُرُ بِأَنْ يُقْتَلَ إِسْحَاقِي -- وَإِسْحَاقُكَ -- وَيُقَدَّمَ لَكَ ذَبِيحَةً؟ سَابِعًا، «مُحْرَقَةً»، لِكَيْ لَا يَبْقَى الْجَسَدُ وَلَا أَيُّ جُزْءٍ مِنْهُ لِلْأَبِ، بَلْ يُحَوَّلَ إِسْحَاقُ كُلُّهُ إِلَى رَمَادٍ وَكَأَنَّهُ يُفْنَى. ثَامِنًا، «خُذِ الْآنَ» -- لَا غَدًا وَلَا صَبَاحًا، بَلِ الْآنَ، فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فِي هَذِهِ السَّاعَةِ.

اُنْظُرْ كَمْ وَكَيْفَ امْتُحِنَ إِبْرَاهِيمُ وَاخْتُبِرَ، وَكَمْ عَظُمَتْ سَعَفَةُ الطَّاعَةِ الَّتِي نَالَهَا! اُنْظُرْ بِأَيِّ رُوحٍ عَالِيَةٍ ثَابِتَةٍ ابْتَلَعَ وَتَغَلَّبَ عَلَى كُلِّ هَذَا -- حَتَّى تَقُولَ عَنْهُ بِحَقٍّ مَا كَانَ يَقُولُهُ الْمَلِكُ بِيرُّوسُ عَنْ فَابْرِيكِيُوسَ الرُّومَانِيِّ: «إِنَّ صَرْفَ الشَّمْسِ عَنْ مَسَارِهَا أَسْهَلُ مِنْ صَرْفِ فَابْرِيكِيُوسَ عَنْ عَزْمِهِ.» وَمِنْ هُنَا اُنْظُرْ حَمَاسَتَهُ وَسُرْعَتَهُ: إِذْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ذَاتِهَا أَطَاعَ وَخَرَجَ لِيُقَدِّمَ إِسْحَاقَ ذَبِيحَةً.

هَذَا الْإِصْحَاحُ كُلُّهُ فَحَصَهُ وَوَزَنَهُ بِامْتِيَازٍ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ ٧٢ عَنِ الْأَزْمِنَةِ، وَالْقِدِّيسُ أَفْرَامُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ.

وَحِيدَهُ. لِأَنَّ إِسْحَاقَ وَحْدَهُ كَانَ ابْنَ الْوَعْدِ، الْمَوْلُودَ بِمُعْجِزَةٍ، الْمَحْبُوبَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ مَحَبَّةً فَرِيدَةً، وَوَارِثَ سُلَالَتِهِ وَعَائِلَتِهِ وَنَاشِرَهَا؛ فَإِنَّ إِسْمَاعِيلَ، وَقَدْ طُرِدَ مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَعُدْ يُحْسَبُ ابْنًا لِإِبْرَاهِيمَ، إِذْ كَانَ كَالْمَحْرُومِ مِنَ الْمِيرَاثِ.

وَقَدِ اقْتَدَتْ بِمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ أُمُّ الْمَكَّابِيِّينَ أَمَامَ أَنْطِيُوخُسَ، تِلْكَ الَّتِي قَدَّمَتْ أَبْنَاءَهَا السَّبْعَةَ لِلْمَوْتِ وَحَثَّتْهُمْ عَلَى الِاسْتِشْهَادِ. وَفَعَلَتِ الشَّيْءَ ذَاتَهُ الْقِدِّيسَتَانِ فِلِيكِيتَاسُ وَسِمْفُورُوزَا، وَأُمَّهَاتٌ أُخْرَيَاتٌ؛ وَخَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي يَذْكُرُهَا بْرُودِنْتِيُوسُ فِي نَشِيدِهِ عَنِ الْقِدِّيسِ رُومَانُوسَ الشَّهِيدِ. حِينَ رَأَتِ ابْنَهَا الصَّغِيرَ يُجْلَدُ بِأَقْسَى السِّيَاطِ فِي أَنْطَاكِيَةَ عَلَى يَدِ الْوَالِي أَسْقِلِبْيَادِسَ مِنْ أَجْلِ إِيمَانِ الْمَسِيحِ، شَاهَدَتْ بِثَبَاتٍ بِلَا دُمُوعٍ، بَلْ وَبَّخَتِ ابْنَهَا الصَّغِيرَ حِينَ طَلَبَ شَرْبَةَ مَاءٍ، قَائِلَةً: «اِنْتَظِرْ تِلْكَ الْكَأْسَ الَّتِي شَرِبَهَا يَوْمًا أَطْفَالُ بَيْتَ لَحْمَ الْمَقْتُولُونَ، النَّاسُونَ لِلَّبَنِ وَالْأَثْدَاءِ. اُنْظُرْ إِلَى إِسْحَاقَ الَّذِي حِينَ رَأَى الْمَذْبَحَ وَالسَّيْفَ لِذَبِيحَتِهِ قَدَّمَ عُنُقَهُ طَوْعًا.» وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ كَانَ الْجَلَّادُ يَنْزِعُ الْجِلْدَ مَعَ الشَّعْرِ مِنْ أَعْلَى رَأْسِهِ. فَصَرَخَتِ الْأُمُّ: «اِصْبِرْ يَا بُنَيَّ؛ فَسَرْعَانَ مَا تَأْتِي إِلَى مَنْ يُتَوِّجُ رَأْسَكَ الْمَكْشُوفَ الْآنَ فِي مَهَانَةٍ بِإِكْلِيلٍ مَلَكِيٍّ.» فَالصَّبِيُّ يَفْرَحُ وَيَضْحَكُ مِنَ الْعِصِيِّ وَأَلَمِ الْجِرَاحِ؛ يُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَيُقَادُ مَعَ رُومَانُوسَ إِلَى الْإِعْدَامِ. وَصَلُوا إِلَى مَوْضِعِ الْمَوْتِ: يَطْلُبُ الْجَلَّادُ الصَّبِيَّ الَّذِي أَخْرَجَتْهُ الْأُمُّ فِي حِضْنِهَا؛ فَتُسَلِّمُهُ بِلَا تَأْخِيرٍ سِوَى قُبْلَةٍ. وَقَالَتْ: «اِذْهَبْ يَا وَلَدِيَ الْأَحَبَّ.» وَبَيْنَمَا يَضْرِبُ الْجَلَّادُ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، تُنْشِدُ: «ثَمِينٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ. هَا عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ.» وَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ، تَلَقَّتْ رَأْسَ الصَّبِيِّ الْمَقْطُوعَ فِي رِدَائِهَا الْمَنْشُورِ وَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا. ثُمَّ أُلْقِيَ رُومَانُوسُ فِي النَّارِ، لَكِنَّ عَاصِفَةً مَطَرِيَّةً هَبَّتْ وَأَطْفَأَتْهَا. فَقَطَعَ الْجَلَّادُ لِسَانَ رُومَانُوسَ، لَكِنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ.

إِلَى أَرْضِ الرُّؤْيَا. بِالْعِبْرَانِيَّةِ: اذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُورِيَّا، الَّتِي دُعِيَتْ فِيمَا بَعْدُ الْمُورِيَّا مِنْ قِبَلِ إِبْرَاهِيمَ، الْآيَةُ ١٤. جَبَلُ الْمُورِيَّا هُوَ جَبَلُ صِهْيَوْنَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ الْهَيْكَلَ.

مُلَاحَظَةٌ: الْمُورِيَّا يُمْكِنُ أَوَّلًا، مَعَ أُولِيَاسْتِرَ، أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ جَذْرِ مَرَرَ، أَيْ «كَانَ مُرًّا»، أَوْ مِنْ مُرّ، أَيِ الْمُرُّ: لِأَنَّ جَبَلَ الْمُورِيَّا خَصِبٌ بِالْمُرِّ وَالصَّبِرِ وَالْقِرْفَةِ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى لِأَنَّ هَذَا الْجَبَلَ كَانَ مُرًّا عَلَى إِبْرَاهِيمَ الذَّابِحِ وَعَلَى الِابْنِ الْمَذْبُوحِ. وَمِنْ ثَمَّ بَاغْنِينُوسُ وَمِنْ بَعْدِهِ بَارَّادِيُوسُنَا، الْمُجَلَّدُ الثَّانِي، الْكِتَابُ الثَّالِثُ، الْفَصْلُ ١١: الْمُورِيَّا، يَقُولُ، كَأَنَّهَا مِنْ مُورِي، أَيْ «مُرِّي»، وَيَاهْ، أَيِ «اللهُ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «مُرِّي هُوَ اللهُ». ثَانِيًا، الْمُورِيَّا يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ جَذْرِ يَارِيهْ، أَيْ «خَافَ»، لِأَنَّ فِي هَذَا الْجَبَلِ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ الرَّبُّ وَيُخَافَ وَيُسْجَدَ لَهُ كَحَاضِرٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «اذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْعِبَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ». ثَالِثًا، الْمُورِيَّا يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ جَذْرِ يَارَا، أَيْ «عَلَّمَ»، لِأَنَّ التَّوْرَاةَ، أَيِ الشَّرِيعَةَ وَالتَّعْلِيمَ، كَانَتْ سَتَخْرُجُ مِنْ صِهْيَوْنَ وَالْمُورِيَّا، إِشَعْيَا ٢: ٣. رَابِعًا وَهُوَ الْأَفْضَلُ، مُتَرْجِمُنَا مَعَ سِيمَاخُوسَ يُشْتَقُّ مِنْ جَذْرِ رَأَى، أَيْ «رَأَى»، وَيُتَرْجِمُهَا أَرْضَ أَوْ جَبَلَ الرُّؤْيَا.

خَامِسًا، بَارَّادِيُوسُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ: الْمُورِيَّا، يَقُولُ، كَأَنَّهَا مِنْ مُورِيهْ يَاهْ، أَيْ «اللهُ الْمُعَلِّمُ»، أَوْ «مَطَرُ اللهِ».

لِمَاذَا «أَرْضُ الرُّؤْيَا»؟ أَوَّلًا، لِأَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ كَانَ عَالِيًا وَبَارِزًا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ مِنْ بَعِيدٍ. هَكَذَا فِيلَّالْبَانْدُو، الْكِتَابُ الثَّالِثُ عَنِ الْهَيْكَلِ، الْفَصْلُ ٥. ثَانِيًا، لِأَنَّ فِي صِهْيَوْنَ وَالْمُورِيَّا تَلَقَّى الْأَنْبِيَاءُ رُؤَاهُمْ، وَهُنَاكَ ظَهَرَ الْمَسِيحُ مَرْئِيًّا إِنْسَانًا، بَارُوخ ٣، الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ. ثَالِثًا وَهُوَ الْأَفْضَلُ، لِأَنَّ اللهَ أَرَى إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْجَبَلَ الْمُورِيَّا، الْآيَةُ ٤، وَهُنَاكَ رَآهُ، وَهُوَ نَفْسُهُ رَأَى إِبْرَاهِيمَ وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْهِ وَعِنَايَتِهِ، سَوَاءٌ بِرَحْمَتِهِ حِينَ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الِابْنِ، أَوْ بِجُودِهِ حِينَ كَافَأَ طَاعَةَ إِبْرَاهِيمَ الْعَظِيمَةَ أَوْفَرَ مُكَافَأَةٍ: اُنْظُرِ الْآيَةَ ١٤.

مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ، عَنْ دِيُودُورُوسَ الطَّرْسُوسِيِّ: كَانَ جَبَلُ الْمُورِيَّا مُنْقَسِمًا إِلَى عِدَّةِ تِلَالٍ وَقِمَمٍ صَغِيرَةٍ. فِي الْجُزْءِ الشَّرْقِيِّ مِنْ جَبَلِ الْمُورِيَّا كَانَتْ صِهْيَوْنُ، حَيْثُ كَانَتْ قَلْعَةُ دَاوُدَ؛ وَبِجِوَارِهَا، عَلَى بَيْدَرِ أُرْنَانَ الْيَبُوسِيِّ الَّذِي اشْتَرَاهُ دَاوُدُ، بَنَى سُلَيْمَانُ الْهَيْكَلَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الثَّانِي ٣: ١. وَبَقِيَ جُزْءٌ آخَرُ مِنَ الْمُورِيَّا خَارِجَ مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ، وَدُعِيَ فِيمَا بَعْدُ جَبَلَ الْجُلْجُثَةِ، الَّذِي قُدِّمَ عَلَيْهِ إِسْحَاقُ وَالْمَسِيحُ (الْمَرْمُوزُ إِلَيْهِ بِإِسْحَاقَ) ذَبِيحَةً، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلُ ٣٢، حَيْثُ يَقُولُ: «كَتَبَ الْكَاهِنُ إِيرُونِيمُوسُ أَنَّهُ عَلِمَ عِلْمًا يَقِينًا مِنْ شُيُوخِ الْيَهُودِ أَنَّ إِسْحَاقَ قُدِّمَ ذَبِيحَةً، وَآدَمَ دُفِنَ، فِي الْمَوْضِعِ ذَاتِهِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ الْمَسِيحُ لَاحِقًا.» وَكَذَلِكَ بُورْشَارْدُوسُ فِي وَصْفِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَجِنِبْرَارْدُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّأْرِيخِ.

يُؤَكِّدُونَ أَنَّ فِي سِلْسِلَةِ الْجِبَالِ ذَاتِهَا ثَلَاثَ تِلَالٍ أَوْ قِمَمٍ، تُسَمَّى أَحْيَانًا جَمِيعُهَا بِاسْمٍ وَاحِدٍ هُوَ صِهْيَوْنُ، وَأَحْيَانًا تَحْمِلُ أَسْمَاءَهَا الْخَاصَّةَ. الْأَوَّلُ صِهْيَوْنُ، الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ لِارْتِفَاعِهِ: فَإِنَّ صِهْيَوْنَ تَعْنِي بُرْجَ الْمُرَاقَبَةِ. الثَّانِي الْمُورِيَّا. الثَّالِثُ جَبَلُ الْجُلْجُثَةِ. عَلَى صِهْيَوْنَ كَانَتْ مَدِينَةُ دَاوُدَ وَالْقَلْعَةُ؛ وَعَلَى الْمُورِيَّا الْهَيْكَلُ؛ وَعَلَى جَبَلِ الْجُلْجُثَةِ عُلِّقَ الْمَسِيحُ عَلَى الصَّلِيبِ.

يُضِيفُ بَعْضُ الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ هَابِيلَ وَقَايِينَ قَدَّمَا ذَبَائِحَهُمَا عَلَى الْمُورِيَّا، وَكَذَلِكَ نُوحُ فَوْرَ انْتِهَاءِ الطُّوفَانِ؛ لَكِنَّهُمْ يُؤَكِّدُونَ ذَلِكَ جُزَافًا وَبِلَا أَسَاسٍ. فَإِبْرَاهِيمُ إِذَنْ بِذَبِيحَتِهِ هُنَا افْتَتَحَ وَكَرَّسَ جَبَلَ الْمُورِيَّا كَأَنَّهُ هَيْكَلٌ لِنَسْلِهِ وَلِلْمَسِيحِ، وَكَذَلِكَ جَبَلَ الْجُلْجُثَةِ كَأَنَّهُ مَذْبَحٌ لِلْمَسِيحِ.

مُلَاحَظَةٌ ثَالِثَةٌ: بَدَلًا مِنَ الْمُورِيَّا يُتَرْجِمُ أَكِيلَا كَاتِفَانِيهْ، أَيْ «مُضِيءٌ»: لِأَنَّ فِي الْمُورِيَّا كَانَ الْهَيْكَلُ الَّذِي فِيهِ الْمِحْرَابُ، أَيْ وَحْيُ اللهِ، وَالشَّرِيعَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحَقِيقَةَ، وَيُنِيرُ الْأَنْبِيَاءَ، وَيُلْهِمُهُمُ الْوُحْيَ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.

رَمْزِيًّا، جَبَلُ الْجُلْجُثَةِ حَيْثُ صُلِبَ الْمَسِيحُ كَانَ جَبَلَ الْمُورِيَّا وِفْقًا لِلِاشْتِقَاقَاتِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا: أَيْ أَوَّلًا، بِسَبَبِ مَرَارَةِ الصَّلِيبِ. ثَانِيًا، بِسَبَبِ الْمُحْرَقَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا الْمَسِيحُ هُنَاكَ لِلْآبِ. ثَالِثًا، لِأَنَّهُ هُنَاكَ ثَبَّتَ الشَّرِيعَةَ الْإِنْجِيلِيَّةَ بِمَوْتِهِ. رَابِعًا، كَانَتْ أَرْضَ الرُّؤْيَا، لِأَنَّ الْمَسِيحَ الْمَصْلُوبَ قَدَّمَ فِيهَا مَشْهَدًا عَجِيبًا لِلْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. خَامِسًا، لِأَنَّ اللهَ عَلَّمَنَا هُنَاكَ مِنْ كُرْسِيِّ الصَّلِيبِ الطَّرِيقَ إِلَى السَّمَاءِ؛ إِذْ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الشَّرْحِ ١١٩ عَلَى يُوحَنَّا: «ذَلِكَ الْخَشَبُ الَّذِي سُمِّرَتْ عَلَيْهِ أَعْضَاءُ الْمُحْتَضِرِ كَانَ كُرْسِيَّ الْمُعَلِّمِ.» وَأَيْضًا، جَبَلُ الْجُلْجُثَةِ كَانَ الْمُورِيَّا، أَيْ مَطَرَ اللهِ، لِأَنَّ مَطَرَ دَمِ اللهِ سُكِبَ عَلَيْهِ. وَأَخِيرًا كَانَ الْمُورِيَّا، أَيِ الْمُضِيءَ وَالْمُنِيرَ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ أَنَارَ جَمِيعَ النَّاسِ بِأَشِعَّةِ صَلِيبِهِ. وَلِذَلِكَ حِينَ رَأَتِ الشَّمْسُ شَمْسًا أُخْرَى تُنِيرُ الْعَالَمَ مِنَ الصَّلِيبِ، سَحَبَتْ أَشِعَّتَهَا بِحَقٍّ.

ثَانِيًا، الْمُورِيَّا هِيَ الْكَنِيسَةُ: أَوَّلًا، لِأَنَّ الْكَنِيسَةَ تُعَلِّمُنَا أَنْ نَحْمِلَ صَلِيبَ الْمَسِيحِ، وَتَحْفَظُنَا مِنْ فَسَادِ الْخَطِيئَةِ بِالْأَسْرَارِ الْمُقَدَّسَةِ كَنَوْعٍ مِنَ الْمُرِّ. ثَانِيًا، لِأَنَّ فِيهَا مَخَافَةَ اللهِ وَعِبَادَتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ. ثَالِثًا، لِأَنَّهَا تُعَلِّمُ شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ وَكَلِمَتَهُ. رَابِعًا، هِيَ أَرْضُ الرُّؤْيَا، لِأَنَّهُ مِنْهَا وَحْدَهَا، بِالْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ، تُرَى الْأُمُورُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَالْأُمُورُ السَّمَاوِيَّةُ. وَأَيْضًا لِأَنَّهَا مَرْئِيَّةٌ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ؛ إِذْ كَمَا يَقُولُ إِشَعْيَا، الْإِصْحَاحُ ٢، هِيَ جَبَلٌ عَلَى رَأْسِ الْجِبَالِ. فَضْلًا عَنْ أَنَّ فِيهَا رَائِينَ، أَيْ أَنْبِيَاءَ. خَامِسًا، لَدَيْهَا الرُّوحُ الْقُدُسُ مُعَلِّمًا يُعَلِّمُهَا كُلَّ الْحَقِيقَةِ. وَأَيْضًا، الْكَنِيسَةُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالْعِظَاتِ الْمُقَدَّسَةِ تَسْقِي قُلُوبَ النَّاسِ الْجَافَّةَ كَبِمَطَرٍ سَمَاوِيٍّ. وَأَخِيرًا هِيَ جَبَلٌ مُنِيرٌ، لِأَنَّ كَمَا لِلسَّمَاءِ الشَّمْسَ، كَذَلِكَ لِلْكَنِيسَةِ الْمَسِيحُ الَّذِي يُنِيرُ الْعَالَمَ كُلَّهُ.

ثَالِثًا، الْمُورِيَّا هِيَ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ، الَّتِي فِي أَحْشَائِهَا بُنِيَ الْهَيْكَلُ، أَيْ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ. أَوَّلًا، لِأَنَّ الْعَذْرَاءَ الْمُبَارَكَةَ فِي آلَامِ الْمَسِيحِ كَانَتْ بَحْرَ مَرَارَةٍ. ثَانِيًا، لِأَنَّهَا قَدَّمَتِ الْمَسِيحَ وَنَفْسَهَا للهِ مُحْرَقَةً دَائِمَةً. ثَالِثًا، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَابُوتَ الْعَهْدِ الْمُحْتَوِيَ عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ. رَابِعًا، كَانَتْ أَرْضَ الرُّؤْيَا. فَمَاذَا أَجْدَرُ بِالنَّظَرِ مِنَ الْعَذْرَاءِ أُمِّ اللهِ؟ وَأَيْضًا، بَدَلًا مِنَ الْمُورِيَّا يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ «الْأَرْضَ الْعَالِيَةَ»: فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْ مَرْيَمَ دُونَ اللهِ. خَامِسًا، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُعَلِّمَةَ الرُّسُلِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَسِيحِ. وَأَيْضًا هِيَ، كَجِزَّةِ جِدْعُونَ، تَلَقَّتْ بِأَوْفَرِ مَا يَكُونُ النَّدَى السَّمَاوِيَّ لِلنِّعْمَةِ وَمَطَرَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَخِيرًا، مَرْيَمُ هِيَ نَجْمَةُ الْبَحْرِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَّشِحَةُ بِالشَّمْسِ، الَّتِي تُنِيرُ الْعَالَمَ كُلَّهُ.

أَخْلَاقِيًّا، فِي أَرْضِ الرُّؤْيَا قُدِّمَ إِسْحَاقُ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ: فَلَيْتَ النَّفْسَ الْمَسِيحِيَّةَ تَكُونُ أَرْضًا لَا لِلنِّسْيَانِ بَلْ لِلرُّؤْيَا! لَيْتَهَا تَجْعَلُ دَائِمًا أَمَامَ عَيْنَيْهَا الْمُغْرَوْرِقَتَيْنِ بِالدُّمُوعِ إِسْحَاقَهَا مُعَلَّقًا عَلَى الصَّلِيبِ! لَيْتَهَا كَمَا نَقَشَهَا هُوَ عَلَى يَدَيْهِ بِدَمِهِ، تَنْقُشُهُ هِيَ فِي قَلْبِهَا بِذِكْرَى دَائِمَةٍ! إِشَعْيَا ٤٩: «هَا أَنَا قَدْ نَقَشْتُكِ عَلَى كَفَّيَّ.» لَيْتَ فِي أَرْضِ الرُّؤْيَا هَذِهِ يُرَى دَائِمًا إِسْحَاقُ الْحَقِيقِيُّ بِتَأَمُّلٍ مُقَدَّسٍ! لَيْتَهُ يُقَدَّمُ دَائِمًا ذَبِيحَةً بِتَأَمُّلٍ قُدْسِيٍّ! هَذَا يَطْلُبُهُ هُوَ قَائِلًا فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٨: «اِجْعَلْنِي كَخَاتَمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتَمٍ عَلَى ذِرَاعِكَ» -- كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا يَطْبَعُ الْخَاتَمُ صُورَتَهُ عَلَى الشَّمْعِ، فَلْيَطْبَعِ الْمَسِيحُ الْمَصْلُوبُ صَلِيبَهُ وَآلَامَهُ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى قَلْبِكَ، وِفْقًا لِقَوْلِ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ فِي كِتَابِ الْبَتُولِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ، الْفَصْلُ ٥٥: «لِيُرْسَمْ فِي قَلْبِكُمْ بِالْكَامِلِ مَنْ سُمِّرَ عَلَى الصَّلِيبِ مِنْ أَجْلِكُمْ.»


الْآيَةُ ٣: قَامَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلًا

قَامَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلًا. «لَيْلًا»، أَيْ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا مِنَ الصَّبَاحِ، فِي الشَّفَقِ، قَبْلَ الْفَجْرِ. فَالنَّصُّ الْعِبْرَانِيُّ يَقُولُ: بَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا. سَارَةُ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا؛ وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فَعَلَ كُلَّ هَذَا بِدُونِ عِلْمِهَا (إِذْ كَانَتْ تُحِبُّ إِسْحَاقَهَا بِرِقَّةٍ بَالِغَةٍ). هَكَذَا يُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَبِيرِيرِيُوسُ. غَيْرَ أَنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْعِظَةِ ٧٣، وَغْرِيغُورِيُوسَ النِّيصِّيَّ وَبْرُوكُوبِيُوسَ يَرَوْنَ أَنَّ سَارَةَ كَانَتْ عَالِمَةً وَمُوَافِقَةً عَلَى تَقْدِيمِ ابْنِهَا ذَبِيحَةً.


الْآيَةُ ٤: فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ

فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَسْكُنُ فِي جِرَارَ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ؛ وَمِنْ هُنَاكَ إِلَى صِهْيَوْنَ وَالْمُورِيَّا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالْمُرَادُ بِجِرَارَ لَيْسَ الْمَدِينَةَ بَلِ الْمِنْطَقَةَ؛ فَكَمَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ بِحَقٍّ، يَبْدُو أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ حِينَئِذٍ يَسْكُنُ فِي بِئْرِ سَبْعٍ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، الْآيَةِ ٣١. وَمِنْ ثَمَّ أَيْضًا بَعْدَ الذَّبِيحَةِ عَادَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ، الْآيَةِ ١٩. فَمَعَ أَنَّ الْمَسَافَةَ مِنْ بِئْرِ سَبْعٍ إِلَى صِهْيَوْنَ لَيْسَتْ إِلَّا مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ كَانَ مُثْقَلًا بِالْأَشْيَاءِ الضَّرُورِيَّةِ لِلذَّبِيحَةِ، سَارَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ حَتَّى لَمْ يَصِلْ إِلَى صِهْيَوْنَ وَالْمُورِيَّا إِلَّا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ وَبِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ إِنَّهَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

هَذِهِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ زَادَتْ مِنِ امْتِحَانِ إِبْرَاهِيمَ: إِذْ كَمَا يَقُولُ أُورِيجَانُوسُ: «يَسِيرُ إِبْرَاهِيمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِكَيْ يُمَزَّقَ طُولَ الطَّرِيقِ بِالْأَفْكَارِ -- مِنْ جَانِبٍ الْأَمْرُ الْمُلِحُّ يَضْغَطُ، وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ مَحَبَّةُ الِابْنِ تُقَاوِمُ: فَيَدُورُ بَيْنَهُمَا مَعْرَكَةٌ طِوَالَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ -- مِنْ جَانِبٍ الْعَاطِفَةُ وَمِنْ جَانِبٍ الْإِيمَانُ؛ مِنْ جَانِبٍ مَحَبَّةُ اللهِ وَمِنْ جَانِبٍ مَحَبَّةُ الْجَسَدِ؛ مِنْ جَانِبٍ نِعْمَةُ الْحَاضِرِ وَمِنْ جَانِبٍ رَجَاءُ الْمُسْتَقْبَلِ. وَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَيْضًا بِصُعُودِ الْجَبَلِ، أَيِ الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ، لِكَيْ يَدُلَّ ارْتِفَاعُ الْمَكَانِ عَلَى سُمُوِّ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعَمَلِ.» وَمِنْ هُنَا يَقُولُ ثِيوُدُورِيطُسُ أَيْضًا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الِامْتِحَانِ كَانَ فِي حَالَةٍ أَشْبَهَ بِالنَّزْعِ وَالْمَوْتِ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ، كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: جُزْءٌ مِنْهَا عَلَى الصَّلِيبِ وَفِي الْآلَامِ، وَجُزْءٌ فِي الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْجَحِيمِ.

رَأَى الْمَوْضِعَ. مِنْ عَلَامَةٍ مَا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا اللهُ عَرَفَ أَيْنَ وَعَلَى أَيِّ تَلٍّ مِنْ جَبَلِ الْمُورِيَّا تَحْدِيدًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ إِسْحَاقَهُ ذَبِيحَةً.

يَرْوِي الْحَاخَامَاتُ، الَّذِينَ يَتْبَعُهُمُ الْأَبُولِنْسِيُّ، أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ كَانَتْ عَمُودَ نَارٍ يَظْهَرُ عَلَى قِمَّةِ جَبَلِ الْمُورِيَّا، حَوْلَ تَلِّ الْجُلْجُثَةِ.


الْآيَةُ ٥: بَعْدَ أَنْ نَسْجُدَ

بَعْدَ أَنْ نَسْجُدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ نُقَدِّمَ الذَّبِيحَةَ. إِنَّهَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ؛ إِذِ السُّجُودُ عَادَةً يُقْتَرَنُ بِالذَّبِيحَةِ.

نَرْجِعُ إِلَيْكُمَا. يَرَى مِلْكِيُورُ كَانُو، فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ الْمَوَاضِعِ اللَّاهُوتِيَّةِ، الْبَابُ ٤، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَذَبَ هُنَا؛ إِذْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَنْوِي قَتْلَ إِسْحَاقَ وَتَقْدِيمَهُ ذَبِيحَةً. ثَانِيًا، كَاجِيتَانُ: «نَرْجِعُ»، أَيْ وَفْقَ الْمَسِيرِ الْعَادِيِّ لِلْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ، إِذِ الْأُمُورُ الْفَائِقَةُ لِلطَّبِيعَةِ مُسْتَثْنَاةٌ. ثَالِثًا، آخَرُونَ: «نَرْجِعُ»، أَيْ إِنْ سَاعَدَتِ الْحَيَاةُ، إِنْ شَاءَ اللهُ. رَابِعًا، تُومَاسُ الْإِنْجِلِيزِيُّ: «نَرْجِعُ»، أَيْ أَرْجِعُ أَنَا، لَا إِسْحَاقُ — فَاسْتُعْمِلَ الْجَمْعُ مَوْضِعَ الْمُفْرَدِ.

أَقُولُ حَقًّا: أَكَّدَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ سَيَرْجِعُ مَعَ إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ كَانَ مُوقِنًا، وَيُؤْمِنُ إِيمَانًا رَاسِخًا، بِأَنَّ اللهَ إِمَّا أَنْ يُنْقِذَ إِسْحَاقَ مِنَ الْمَوْتِ، أَوْ يُقِيمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ ذَبِيحَةً. فَمِنْ إِسْحَاقَ كَانَ يَنْتَظِرُ النَّسْلَ الْمُبَارَكَ وَذُرِّيَّةً عَظِيمَةً جِدًّا: إِذْ وَعَدَهُ اللهُ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ — أَنَّ إِبْرَاهِيمَ آمَنَ عَلَى خِلَافِ الرَّجَاءِ (رَجَاءِ الطَّبِيعَةِ) بِرَجَاءٍ (رَجَاءِ النِّعْمَةِ وَالْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ)، مُعْتَبِرًا أَنَّ «اللهَ قَادِرٌ عَلَى الْإِقَامَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَيْضًا»، عِبْرَانِيِّينَ ١١: ١٩. هَكَذَا أُورِيجِنِسُ وَالْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ، الْكِتَابُ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ ٣٢، وَآخَرُونَ. اُنْظُرْ هُنَا إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ الْأَعْمَى وَلَكِنَّهُ سَامٍ، وَرَجَاءَهُ وَطَاعَتَهُ، الَّذِي لَا شَيْءَ عِنْدَهُ صَعْبٌ، وَلَا شَيْءَ مُسْتَحِيلٌ، وَلَا شَيْءَ لَا يُصَدَّقُ.


الْآيَةُ ٦: وَحَمَّلَهُ عَلَى إِسْحَاقَ

وَحَمَّلَهُ عَلَى إِسْحَاقَ — لِيَكُونَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الْحَامِلِ الصَّلِيبَ. هَكَذَا بْرُوسْبِرُ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنَ النُّبُوءَاتِ، الْبَابَانِ ١٧ وَ١٨.

كَانَ إِسْحَاقُ حِينَئِذٍ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ عَلَى الْأَقَلِّ، كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ؛ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَسَارَةُ فِي الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. غَيْرَ أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ يَرْوُونَ أَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ فِي السَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ. وَأَخْطَأَ ابْنُ عِزْرَا وَبُورْجِنْسِيسُ فِي قَوْلِهِمَا إِنَّ إِسْحَاقَ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ فَقَطْ. فَكَيْفَ لِصَبِيٍّ فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ أَنْ يَحْمِلَ كَوْمَةً مِنَ الْحَطَبِ بِهَذَا الْقَدْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهِيَ الَّتِي تَكْفِي لِإِحْرَاقِهِ مُحْرَقَةً؟ وَإِنْ كَانَ لِإِحْرَاقِهِ بِالْكَامِلِ وَرَدِّهِ رَمَادًا، كَانَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَقْطَعَ حَطَبًا وَيُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُجَاوِرَةِ.

نَارًا وَسِكِّينًا — السِّكِّينُ لِذَبْحِ الِابْنِ، وَالنَّارُ لِإِحْرَاقِهِ ذَبِيحَةً وَمُحْرَقَةً للهِ.

مَجَازِيًّا، السِّكِّينُ هِيَ الْإِمَاتَةُ، وَالنَّارُ هِيَ الْمَحَبَّةُ، اللَّتَانِ بِهِمَا ذَبَحَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ؛ وَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ نُقَدِّمَ عَوَاطِفَنَا وَأَهْوَاءَنَا وَأَحْزَانَنَا وَصُلْبَانَنَا وَكُلَّ مَا لَنَا ذَبِيحَةً للهِ.


الْآيَةُ ٧: أَيْنَ الذَّبِيحَةُ؟

أَيْنَ الذَّبِيحَةُ؟ هَذَا الْحِوَارُ مَعَ ابْنِهِ جَرَحَ نَفْسَ إِبْرَاهِيمَ مَرَّةً أُخْرَى جَرْحًا عَجِيبًا، وَجَعَلَ الْجُرْحَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ بِهِ يَنْفَتِحُ مِنْ جَدِيدٍ.


الْآيَةُ ٩: وَلَمَّا رَبَطَ إِسْحَاقَ

وَلَمَّا رَبَطَ إِسْحَاقَ. اُنْظُرْ يُوسِيفُوسَ وَهُوَ يَرْوِي كَيْفَ أَعْلَنَ إِبْرَاهِيمُ لِابْنِهِ أَوَّلًا إِرَادَةَ اللهِ بِشَأْنِ ذَبِيحَتِهِ، فَأَجَابَ الصَّبِيُّ بِبَهْجَةٍ أَنَّهُ مَدِينٌ بِحَيَاتِهِ للهِ الَّذِي وَهَبَهَا، وَسَيُعِيدُهَا طَوْعًا لِمَنْ يَسْتَرِدُّهَا. فَلِمَ إِذَنْ رَبَطَهُ الْأَبُ؟ أُجِيبُ: أَوَّلًا، لِئَلَّا يَسْتَطِيعَ التَّرَاجُعَ إِنْ أَرَادَ. وَهَكَذَا يُقَدِّمُ إِسْحَاقُ للهِ إِرَادَتَهُ وَقُدْرَتَهُ أَكْمَلَ تَقْدِيمٍ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: «يَعْقِدُ الْأَبُ الْقُيُودَ عَلَى ابْنِهِ بِيَدَيْهِ، لِئَلَّا يَخْطَأَ الِابْنُ بِالْفِرَارِ وَالِاحْتِرَاقِ بِقُوَّةِ النَّارِ.» ثَانِيًا، لِئَلَّا يَصْدُرَ مِنْهُ فِي لَحْظَةِ الذَّبْحِ حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَا إِرَادِيَّةٌ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ أَوْ مُقَاوَمَةٌ لَا تَلِيقُ بِالذَّبِيحَةِ. هَكَذَا كَاجِيتَانُ. ثَالِثًا، لِيَكُونَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الْمُسَمَّرِ عَلَى الصَّلِيبِ بِالْمَسَامِيرِ.

مَجَازِيًّا، هَكَذَا يَرْبِطُ الرُّهْبَانُ أَنْفُسَهُمْ وَيُقَيِّدُونَهَا للهِ بِالنُّذُورِ، وَيُقَدِّمُونَ لَهُ إِرَادَتَهُمْ وَقُدْرَتَهُمْ.


الْآيَةُ ١٠: أَخَذَ السِّكِّينَ

أَخَذَ السِّكِّينَ. كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُفَضِّلُ أَنْ يَمُوتَ هُوَ وَيُذْبَحَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ: فَالْآبَاءُ بِطَبِيعَتِهِمْ يَوَدُّونَ أَنْ يَبْقَى أَبْنَاؤُهُمْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ بِهِمْ يَتَوَاصَلُ نَسْلُ الْأَبِ وَعَائِلَتُهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِمَوْتِ الِابْنِ يَشْعُرُونَ أَنَّ لَيْسَ أَنْفُسَهُمْ فَحَسْبُ، بَلْ أَمَلَ ذُرِّيَّتِهِمْ أَيْضًا يَمُوتُ وَيَنْقَرِضُ.

وَمِمَّا زَادَ فِي مَرَارَةِ الْأَمْرِ أَنَّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ حَمَّلَ كَتِفَيِ ابْنِهِ الْحَطَبَ الَّذِي سَيُحْرَقُ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ؛ وَأَنَّهُ حَمَلَ بِيَدَيْهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ الَّتِي سَيَذْبَحُ بِهَا ابْنَهُ؛ وَأَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ بَنَى الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ عَلَيْهِ، وَوَضَعَ فَوْقَهُ ابْنَهُ مَرْبُوطَ الْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ؛ وَبِشَجَاعَةٍ عَظِيمَةٍ رَفَعَ يَمِينَهُ وَصَوَّبَ السِّكِّينَ نَحْوَ عُنُقِ ابْنِهِ — وَكُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنَيْنِ مَرِحَتَيْنِ جَافَّتَيْنِ: فَلَمْ تُذْكَرْ لَهُ دُمُوعٌ، وَلَا أَنَّاتٌ، وَلَا إِعْرَاضُ وَجْهٍ.

هَكَذَا، بِقُدْوَةِ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْبَابُ ٨: «كَمْ مِنْ أَبٍ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَبْنَاؤُهُمْ فِي الِاسْتِشْهَادِ، عَادُوا مِنْ قُبُورِهِمْ أَكْثَرَ فَرَحًا!»

وَقَدْ قَلَّدَ هَذِهِ الطَّاعَةَ الْإِبْرَاهِيمِيَّةَ أَيْضًا الْأَبُّ مُوتِيُوسُ، كَمَا يَرْوِي كَاسِيَانُ، الْكِتَابُ الرَّابِعُ، الْبَابَانِ ٢٧ وَ٢٨. فَبِأَمْرٍ مِنْ رَئِيسِهِ، كَانَ مُسْتَعِدًّا لِإِلْقَاءِ ابْنِهِ ذِي الثَّمَانِ سَنَوَاتٍ فِي النَّهْرِ. يَقُولُ كَاسِيَانُ: «كَانَ إِيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ مَقْبُولَيْنِ عِنْدَ اللهِ إِلَى حَدٍّ أَنَّهُمَا أُثْبِتَا بِشَهَادَةٍ إِلَهِيَّةٍ فَوْرًا. فَقَدْ أُوحِيَ لِلرَّئِيسِ حَالًا أَنَّهُ بِهَذِهِ الطَّاعَةِ قَدْ أَتَمَّ عَمَلَ إِبْرَاهِيمَ الْبَطْرِيَرْكِ.»

لَاحِظْ هُنَا أَنَّ مِثَالَ مُوتِيُوسَ هَذَا يُسْتَحَقُّ الْإِعْجَابُ أَكْثَرَ مِنَ التَّقْلِيدِ: فَهُوَ يَتَجَاوَزُ الْقَوَانِينَ الْعَادِيَّةَ لِلطَّاعَةِ وَالْحِكْمَةِ. فَلَا يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْمُرَ بِمَوْتِ نَفْسِهِ أَوْ ذَوِيهِ، كَمَا يَسْتَطِيعُ اللهُ الَّذِي هُوَ رَبُّ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ؛ وَبِالتَّالِي لَا يَسْتَطِيعُ مَرْؤُوسٌ أَنْ يُطِيعَ إِنْسَانًا يَأْمُرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ مُوتِيُوسَ هُنَا، كَأَنَّهُ أَعْمَتْهُ حَمَاسَةُ الطَّاعَةِ، سَلَّمَ كُلَّ حُكْمِهِ عَلَى طَبِيعَةِ الْفِعْلِ وَنَتِيجَتِهِ وَأَخْضَعَهُ لِرَئِيسِهِ الَّذِي كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ حَكِيمٌ وَقِدِّيسٌ؛ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا الْفِعْلِ وَالْمُحَاوَلَةِ أَنْ يُظْهِرَ طَاعَةً سَرِيعَةً وَإِمَاتَةَ عَاطِفَةِ الْأُبُوَّةِ تُجَاهَ نَسْلِهِ بِالتَّخَلِّي عَنْهَا — وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْوِي إِغْرَاقَ الطِّفْلِ. فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّئِيسَ يَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ، وَأَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْهُ وَعَنِ ابْنِهِ مَعًا: وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ الرَّئِيسَ سَيَحْرِصُ — بَعْدَ اخْتِبَارِ طَاعَتِهِ وَإِمَاتَةِ عَاطِفَتِهِ الْأَبَوِيَّةِ — عَلَى تَدْبِيرِ الْعَاطِفَةِ وَكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يُسْتَبْعَدُ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَمْرِ وَالطَّاعَةِ مَعًا فَحَسْبُ، بَلْ يُعْتَنَى بِالطِّفْلِ أَيْضًا. فَكَانَ الرَّئِيسُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْقُضَ الْأَمْرَ فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُقِيمَ رِجَالًا فِي النَّهْرِ لِيَمْنَعُوا إِلْقَاءَ الطِّفْلِ (كَمَا فَعَلَ بِالْفِعْلِ)، أَوْ يَمْنَعَ مَوْتَ الطِّفْلِ بِوَسَائِلَ أُخْرَى. فَسَلَّمَ مُوتِيُوسُ هَذَا الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ لِحِكْمَةِ الرَّئِيسِ الْآمِرِ وَعِنَايَتِهِ. فَالْحِكْمَةُ مَطْلُوبَةٌ فِي الْآمِرِ أَكْثَرَ مِمَّا هِيَ فِي الْمُطِيعِ.

قَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: أَيُّ الْفَضِيلَتَيْنِ أَعْظَمُ: فَضِيلَةُ إِبْرَاهِيمَ الذَّابِحِ أَمْ فَضِيلَةُ إِسْحَاقَ الْمَذْبُوحِ؟ يَتَعَجَّبُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ مِنْ فَضِيلَةِ كِلَيْهِمَا وَلَا يَدْرِي أَيَّهُمَا يُقَدِّمُ. اسْمَعْهُ فِي الْعِظَةِ ٤٨ عَلَى سِفْرِ التَّكْوِينِ: «يَا لَهَا مِنْ نَفْسٍ تَقِيَّةٍ! يَا لَهُ مِنْ عَقْلٍ قَوِيٍّ! يَا لَهَا مِنْ قُوَّةِ رُوحٍ هَائِلَةٍ! يَا لَهُ مِنْ عَقْلٍ يَغْلِبُ كُلَّ عَاطِفَةٍ مِنْ عَوَاطِفِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ! أَأَعْجَبُ أَكْثَرَ بِالرُّوحِ الشُّجَاعِ لِلْبَطْرِيَرْكِ، أَمْ بِطَاعَةِ الصَّبِيِّ الثَّابِتَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ — إِذْ لَمْ يُقَاوِمْ وَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْفِعْلَ، بَلْ رَضِيَ وَأَطَاعَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُوهُ، وَكَحَمَلٍ اضْطَجَعَ فِي صَمْتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ، مُنْتَظِرًا يَدَ أَبِيهِ؟»

اسْمَعْ أَيْضًا زِينُونَ أُسْقُفَ فِيرُونَا، فِي سِلْسِلَةِ لِيبُومَانُسَ: «عَجِيبَةٌ كَانَتْ مِحْنَةُ الْبَطْرِيَرْكِ، الَّتِي كَانَتْ سَتَجْعَلُهُ إِمَّا مُقْتَرِفَ تَدْنِيسٍ لَوْ ازْدَرَى اللهَ، أَوْ قَاسِيًا لَوْ قَتَلَ ابْنَهُ — لَوْلَا أَنَّهُ بِصَبْرٍ فَرِيدٍ وَإِلَهِيٍّ حَقًّا وَازَنَ الْأَمْرَ بَيْنَ الدِّينِ وَالْمَحَبَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى اللهِ فِي الرَّجَاءِ مَا نَالَهُ مِنَ اللهِ عَلَى خِلَافِ الرَّجَاءِ. لِذَلِكَ ازْدَرَى إِسْحَاقَ ابْنَهُ الْأَحَبَّ كَذَبِيحَةٍ أَحَبَّ للهِ، لِيَحْفَظَهُ؛ وَعَزَمَ عَلَى ذَبْحِهِ كَيْ لَا يَذْبَحَهُ؛ وَاثِقًا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسِيءَ بِفِعْلٍ اللهُ صَاحِبُهُ. يَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ جَدِيدٍ وَجَدِيرٍ بِاللهِ حَقًّا! يَصْعُبُ فِيهِ الْحُكْمُ أَيُّ الِاثْنَيْنِ أَصْبَرُ: الْكَاهِنُ أَمِ الذَّبِيحَةُ. لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُ الضَّارِبِ وَلَا الَّذِي عَلَى وَشْكِ أَنْ يُضْرَبَ؛ لَا تَرْتَعِشُ أَطْرَافٌ؛ لَيْسَتِ الْعُيُونُ مُطْرِقَةً وَلَا شَرِسَةً: لَا أَحَدَ يَتَوَسَّلُ، وَلَا أَحَدَ يَرْتَعِبُ؛ لَا أَحَدَ يَعْتَذِرُ، وَلَا أَحَدَ يَضْطَرِبُ.» ثُمَّ يُقَارِنُ بَيْنَهُمَا وَيُقَابِلُ أَفْعَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَفْعَالِ الْآخَرِ: «يَسُلُّ أَحَدُهُمَا السِّكِّينَ وَيَكْشِفُ الْآخَرُ عُنُقَهُ. بِنَذْرٍ وَاحِدٍ وَتَقْوَى وَاحِدَةٍ — حَتَّى لَا يَكُونَ شَيْءٌ مُدَنَّسًا — مَا يُؤَدِّيهِ أَحَدُهُمَا يَتَحَمَّلُهُ الْآخَرُ بِاجْتِهَادٍ وَصَبْرٍ. يَحْمِلُ أَحَدُهُمَا الْحَطَبَ الَّذِي سَيُحْرَقُ عَلَيْهِ، وَيَبْنِي الْآخَرُ الْمَذْبَحَ. تَحْتَ هَذَا الْخَوْفِ — لَنْ أَقُولَ خَوْفِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ خَوْفِ الطَّبِيعَةِ نَفْسِهَا — هُمَا فَرِحَانِ. الشُّعُورُ وَحْدَهُ يُذْعِنُ لِلْمَحَبَّةِ، وَالْمَحَبَّةُ تُذْعِنُ لِلدِّينِ: وَالدِّينُ يُسَانِدُ كِلَيْهِمَا؛ وَالسِّكِّينُ تَقِفُ مُتَحَيِّرَةً فِي الْوَسَطِ، مُعَلَّقَةً بِلَا عَائِقٍ، وَقَدْ حَقَّقَتْ مَجْدًا لَا ذَنْبًا لِلذَّبِيحَةِ الْمَهِيبَةِ. مَا هَذَا؟ هَا إِنَّ الْوَحْشِيَّةَ تَنْتَقِلُ إِلَى إِيمَانٍ، وَالْجُرْمَ يَنْتَقِلُ إِلَى سِرٍّ مُقَدَّسٍ؛ يَعُودُ الْقَاتِلُ بِلَا دَمٍ، وَالَّذِي ذُبِحَ يَحْيَا. كِلَاهُمَا إِذَنْ مِثَالٌ لِلْمَجْدِ وَالسَّنَاءِ؛ كِلَاهُمَا عِبَادَةٌ للهِ، شَهَادَةٌ عَجِيبَةٌ لِلزَّمَانِ. لَسَعِدَ الْعَالَمُ لَوْ صَارَ الْجَمِيعُ قَاتِلِينَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ.»

فَلِصَالِحِ إِسْحَاقَ إِذَنْ هَذِهِ الْحُجَجُ: أَوَّلًا، أَنَّ تَحَمُّلَ الْمَوْتِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَعْظَمُ شَجَاعَةً مِنْ إِنْزَالِهِ بِالْآخَرِينَ: فَالشُّهَدَاءُ أَقْوَى مِنَ الْجُنُودِ. وَإِسْحَاقُ كَانَ حَقًّا شَهِيدًا هُنَا، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ فَضِيلَةٍ — أَيِ الطَّاعَةِ للهِ — قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ. فَقَدْ مَدَّ أَبُوهُ السِّكِّينَ فَوْقَهُ وَكَانَ سَيُوَجِّهُ إِلَيْهِ الضَّرْبَةَ الْقَاتِلَةَ لَوْلَا أَنَّ اللهَ مَنَعَهُ. هَكَذَا فَإِنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الْإِنْجِيلِيَّ، وَدَانِيَالَ، وَغَيْرَهُمْ هُمْ شُهَدَاءُ حَقًّا، لِأَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ وَالْأُسُودِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَذَّوْا مِنْهَا، لِأَنَّ اللهَ حَمَاهُمْ. فَمِنْ جِهَتِهِمْ وَمِنْ جِهَةِ الْعَذَابِ، كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَمُوتُوا بِالطَّبِيعَةِ وَالضَّرُورَةِ. وَأَنَّ اللهَ حَفِظَهُمْ أَحْيَاءً بِمُعْجِزَةٍ لَا يَنْتَقِصُ مِنْ طَبِيعَةِ الْوَاقِعِ، وَلَا مِنْ فَضِيلَتِهِمْ أَوِ اسْتِشْهَادِهِمْ.

ثَانِيًا، إِبْرَاهِيمُ تَأَلَّمَ فِي النَّفْسِ فَقَطْ؛ لَكِنَّ إِسْحَاقَ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِعَذَابَاتِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ مَعًا وَلِلْمَوْتِ. ثَالِثًا، الضَّرَبَاتُ الْمُتَوَقَّعَةُ أَقَلُّ إِيلَامًا: فَإِبْرَاهِيمُ خِلَالَ رِحْلَةِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ هَيَّأَ نَفْسَهُ لِذَبْحِ ابْنِهِ؛ أَمَّا إِسْحَاقُ فَفِي الْمَذْبَحِ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَا يَظُنُّ شَيْئًا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، طَلَبَ مِنْهُ أَبُوهُ الذَّبِيحَةَ فَجْأَةً فَقَدَّمَ نَفْسَهُ فَوْرًا بِبَهْجَةٍ. فَكَمَا يُعَلِّمُ أَرِسْطُو، الْكِتَابُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَخْلَاقِ، الْبَابُ ٨، يَبْدُو أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ الرَّجُلِ الْأَشْجَعِ أَنْ يَكُونَ بِلَا خَوْفٍ فِي الْأَهْوَالِ الْمُفَاجِئَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُتَوَقَّعَةِ. رَابِعًا، كَانَ إِسْحَاقُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ، فِي رَيْعَانِ شَبَابِهِ، لَا يَزَالُ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَائِلَةٌ وَذُرِّيَّةٌ كَبِيرَةٌ — كُلُّ ذَلِكَ قَطَعَهُ بِتَقْدِيمِ نَفْسِهِ لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ مَحَبَّةِ اللهِ، وَبَتَرَ كُلَّ آمَالِهِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّ الْمَوْتَ أَشَدُّ مَرَارَةً عَلَى الشَّبَابِ، بَيْنَمَا هُوَ أَخَفُّ وَطْأَةً عَلَى الشُّيُوخِ. خَامِسًا، سَمَحَ إِسْحَاقُ لِأَبِيهِ طَوْعًا بِأَنْ يَرْبِطَهُ، وَصَعِدَ الْمَذْبَحَ، وَقَدَّمَ عُنُقَهُ، وَانْتَظَرَ الضَّرْبَةَ بِيَقِينٍ تَامٍّ.

أَقُولُ حَقًّا مَعَ بِيرِيرِيُوسَ: كَانَتْ فَضِيلَةُ إِبْرَاهِيمَ أَعْظَمَ مِنْ فَضِيلَةِ إِسْحَاقَ. أَوَّلًا، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يُحِبُّ حَيَاةَ ابْنِهِ إِسْحَاقَ أَكْثَرَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَأَكْثَرَ مِمَّا كَانَ إِسْحَاقُ نَفْسُهُ يُحِبُّ حَيَاتَهُ الْخَاصَّةَ؛ وَذَلِكَ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ: أَوَّلًا، لِأَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَحَبِّ؛ ثَانِيًا، لِأَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ ابْنَهُ الْأَشَدَّ حُبًّا وَطَاعَةً؛ ثَالِثًا، لِأَنَّهُ أَنْجَبَهُ فِي شَيْخُوخَتِهِ بِمُعْجِزَةٍ عَظِيمَةٍ؛ رَابِعًا، لِأَنَّ إِسْحَاقَ كَانَ بَرِيئًا لِلْغَايَةِ وَقِدِّيسًا لِلْغَايَةِ؛ خَامِسًا، لِأَنَّ جَمِيعَ مَوَاعِيدِ اللهِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ كَانَتْ تَتَوَقَّفُ عَلَى حَيَاةِ إِسْحَاقَ وَحْدَهُ.

ثَانِيًا، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَعَذَّبَ طِيلَةَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ بِالتَّفْكِيرِ فِي الْفِعْلِ الْأَشَدِّ فَظَاعَةً وَتَدْبِيرِهِ؛ أَمَّا إِسْحَاقُ فَلَمْ يَتَعَذَّبْ إِلَّا لَحْظَةً وَاحِدَةً عِنْدَمَا حَانَتِ الذَّبِيحَةُ الْفِعْلِيَّةُ. وَهَكَذَا، وَإِنْ كَانَتْ مِحْنَةُ إِسْحَاقَ أَقَلَّ مِنْ حَيْثُ التَّوَقُّعُ، فَإِنَّ مِحْنَةَ إِبْرَاهِيمَ وَبَلَاءَهُ كَانَا أَعْظَمَ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ.

ثَالِثًا، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَاجَهَ أَعْظَمَ التَّجَارِبِ فِيمَا يَخُصُّ الْإِيمَانَ، إِذْ بَدَا أَنَّ مَوَاعِيدَ اللهِ الَّتِي قَطَعَهَا لَهُ سَتَنْدَثِرُ كُلِّيًّا بِمَوْتِ إِسْحَاقَ. بَلْ يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ شَيْطَانًا ظَهَرَ لَهُ حِينَئِذٍ فِي صُورَةِ مَلَاكٍ، وَحَاوَلَ بِأَشَدِّ الْكَلِمَاتِ تَرْهِيبَهُ مِنَ الذَّبْحِ بَاعِتِبَارِهِ فِعْلًا مُنَافِيًا لِلتَّقْوَى وَبَالِغَ الْقَسْوَةِ وَمُخَالِفًا لِإِرَادَةِ اللهِ. وَيُطَبِّقُ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَلِمَاتِ بُولُسَ فِي عِبْرَانِيِّينَ ١١: «بِالْإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ الْبِكْرَ إِسْحَاقَ حِينَ جُرِّبَ» — أَيْ مِنْ إِبْلِيسَ، كَمَا يَقُولُونَ.

رَابِعًا، كَانَ أَفْظَعَ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ الِابْنُ: فَإِسْحَاقُ، لَوْ ذُبِحَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكَانَ ارْتَشَفَ الْمَوْتَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ. أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ سَيُعَانِي حُزْنًا طَوِيلًا وَمُتَعَدِّدَ الْأَوْجُهِ: أَوَّلًا، فِي ذَبْحِ ابْنِهِ؛ ثَانِيًا، فِي تَقْطِيعِهِ عُضْوًا عُضْوًا وَفْقَ طَقْسِ الذَّبِيحَةِ؛ ثُمَّ فِي إِحْرَاقِهِ وَرَدِّهِ رَمَادًا بِلَا أَيِّ أَثَرٍ بَاقٍ؛ وَأَخِيرًا، فِي تَذَكُّرِهِ الدَّائِمِ أَنَّهُ ذَبَحَ وَفَقَدَ مِثْلَ هَذَا الِابْنِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَمْدَحُ طَاعَةَ إِبْرَاهِيمَ لَا طَاعَةَ إِسْحَاقَ، وَبِسَبَبِهَا يَعِدُ بِمُبَارَكَةِ إِسْحَاقَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٦، الْآيَةِ ٣: «إِنَّ الصَّوْتَ الْإِلَهِيَّ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، أَمْسَكَ يَدَهُ، وَسَبَقَ ضَرْبَةَ يَمِينِهِ الْمُهَدِّدَةِ.»

اُنْظُرْ كَيْفَ يَسُوقُ اللهُ أَحْيَانًا خَاصَّتَهُ إِلَى أَقْصَى الْحُدُودِ وَإِلَى حَافَّةِ الْهَاوِيَةِ، أَوْ يَسْمَحُ بِأَنْ يُسَاقُوا إِلَيْهَا، لِكَيْ يُحَوِّلُوا كُلَّ رَجَائِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ وَيَنْقُلُوهَا إِلَى اللهِ وَإِلَى عَوْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ؛ ثُمَّ فِي اللَّحْظَةِ ذَاتِهَا مِنْ أَقْصَى الضَّرُورَةِ، عَلَى عَتَبَةِ الْمَوْتِ نَفْسِهِ، يَحْضُرُ وَيُنْجِدُهُمْ. فَمُتَشَجِّعًا بِهَذَا الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ فِي عِبْرَانِيِّينَ ١١: ١٩: «إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الْإِقَامَةِ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَيْضًا، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضًا فِي مِثَالٍ»، لِيَكُونَ إِسْحَاقُ مِثَالًا وَقِصَّةً وَنَمُوذَجًا خَالِدًا لِكُلِّ الْعُصُورِ، يَتَذَكَّرُهُ أَهْلُ كُلِّ عَصْرٍ وَيَحْتَفِلُونَ بِهِ وَيَقْتَرِحُونَهُ لِاقْتِدَائِهِمْ، حَتَّى إِذَا أَمَرَنَا اللهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ خُدَّامِهِ بِشَيْءٍ، مَهْمَا كَانَ شَاقًّا وَعَسِيرًا، وَنَحْنُ نَضَعُ مِثَالَ إِسْحَاقَ نُصْبَ أَعْيُنِنَا، نُقَدِّمَ أَنْفُسَنَا بِثِقَةٍ وَسَخَاءٍ وَنَنْهَضَ بِالْمُهِمَّةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، مُوقِنِينَ بِأَنَّ اللهَ سَيَكُونُ حَاضِرًا، وَسَيَحُلُّ الْمُعَقَّدَ، وَيَتَغَلَّبُ عَلَى الصَّعْبِ، وَيُحَوِّلُ الْعَارَ وَالضَّعْفَ وَالضِّيقَاتِ وَالْمَوْتَ وَكُلَّ الشُّرُورِ الَّتِي نَخْشَاهَا إِلَى خَيْرِنَا وَمَدْحِنَا وَمَجْدِنَا، كَمَا فَعَلَ مَعَ إِسْحَاقَ. مِنْ هُنَا فَإِنَّ ذِكْرَى هَذِهِ الذَّبِيحَةِ احْتُفِلَ بِهَا فِي أَقْدَمِ صُوَرِ جَمِيعِ الْأُمَمِ. شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ غْرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ، الْمُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي الْمَجْمَعِ النِّيقَاوِيِّ الثَّانِي، الْقَانُونُ ٤، الْحُكْمُ ٢: «لَقَدْ رَأَيْتُ صُورَتَهَا مِرَارًا كَثِيرَةً، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمُرَّ بِهَا دُونَ دُمُوعٍ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَضَعُ تَارِيخَ ذَلِكَ الْحَدَثِ أَمَامَ عَيْنَيَّ بِتِلْكَ الْفَعَّالِيَّةِ وَالْحَيَوِيَّةِ.» فَإِنْ كُنْتَ إِذَنْ مُجَرَّبًا، مُحْتَقَرًا، مُتَأَلِّمًا، ضَعِيفًا، حَزِينًا، مُشَوَّهَ السُّمْعَةِ، مَقْتُولًا، مُعَذَّبًا، بَلْ مَشْنُوقًا أَوْ مَحْرُوقًا، فَاقْتَدِ بِإِسْحَاقَ: إِنَّهَا لَحْظَةٌ وَجِيزَةٌ؛ فَكِّرْ فِي الْأَبَدِيَّةِ.

مُتَسَلِّحِينَ بِهَذَا الْفِكْرِ، تَغَلَّبَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَسْخِيَاءُ عَلَى كُلِّ حُبِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْجَسَدِ وَالذَّاتِ، بَلْ وَعَلَى الْعَذَابَاتِ وَالْأَمْوَاتِ. هَكَذَا لِيبِيرَاتُسُ الْأَبُّ، وَبُونِيفَاسِيُوسُ، وَرُوسْتِيكُوسُ، وَآخَرُونَ، حِينَ أَغْرَاهُمُ الْوَنْدَالُ بِاعْتِنَاقِ الْأَرْيُوسِيَّةِ، قَالُوا: «خَيْرٌ أَنْ نَتَحَمَّلَ عَذَابَاتٍ وَقْتِيَّةً مِنْ أَنْ نَخْضَعَ لِعَذَابَاتٍ أَبَدِيَّةٍ.» أَمَرَ الْمَلِكُ بِوَضْعِهِمْ عَلَى سَفِينَةٍ وَإِحْرَاقِهِمْ فِي الْبَحْرِ؛ فَرَاحُوا يُرَنِّمُونَ بِثِقَةٍ: «الْمَجْدُ للهِ فِي الْأَعَالِي: هَا هُوَ ذَا الْوَقْتُ الْمَقْبُولُ، هَا هُوَ ذَا يَوْمُ الْخَلَاصِ.» وَحِينَ أُشْعِلَتِ النَّارُ، انْطَفَأَتْ مِرَارًا. لِذَلِكَ أَمَرَ الْمَلِكُ، وَقَدْ ضَرَبَهُ الْخِزْيُ وَالْغَضَبُ، بِأَنْ يُقْتَلُوا بِمَقَابِضِ الْمَجَاذِيفِ. الشَّاهِدُ فِيكْتُورُ الْأُوتِيكِيُّ، الْكِتَابُ الرَّابِعُ مِنْ اضْطِهَادِ الْوَنْدَالِ. وَأَجَابَ تُومَاسُ مُورُ بِالْجَوَابِ نَفْسِهِ لِزَوْجَتِهِ؛ وَهَكَذَا تَغَلَّبَ عَلَى حُبِّهَا كَمَا تَغَلَّبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى حُبِّهِ لِابْنِهِ.

وَأَيْضًا، لَاحِظْ أَنَّ الْمُطِيعَ حَقًّا، كَمَا كَانَ إِسْحَاقُ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ. يَرْوِي كِلِيمَاكُوسُ، فِي الدَّرَجَةِ ٤ عَنِ الطَّاعَةِ، أَنَّ أَخَاتِيُوسَ، الْمُتَمَرِّسَ عَجَبًا فِي الطَّاعَةِ، حِينَ نُودِيَ مِنَ الْقَبْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ قِبَلِ شَيْخٍ مَا وَسُئِلَ هَلْ مَاتَ، أَجَابَ: «الْمُطِيعُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمُوتَ.»


الْآيَةُ ١١: إِبْرَاهِيمُ، إِبْرَاهِيمُ

إِبْرَاهِيمُ، إِبْرَاهِيمُ. يُعْطِي الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ لِهَذَا التَّكْرَارِ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْبَابُ ٨: «إِنَّ الصَّوْتَ الْإِلَهِيَّ، يَقُولُ، أَمْسَكَ بِطَرِيقَةٍ مَا يَدَهُ، وَسَبَقَ ضَرْبَةَ يَمِينِهِ الْمُهَدِّدَةِ. لَمْ يُنَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ: أَوَّلًا، لِئَلَّا لَا يَسْمَعَ كَامِلًا، أَوْ يَظُنَّهُ صَوْتًا عَابِرًا؛ ثَانِيًا، اسْتَدْعَاهُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا فِي الْآيَةِ ١؛ ثَالِثًا، كَرَّرَ النِّدَاءَ كَمَنْ يَخْشَى أَنْ يَسْبِقَهُ حَمَاسُ تَقْوَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَّ نِدَاءً وَاحِدًا لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَرُدَّ انْدِفَاعَ الَّذِي عَلَى وَشْكِ أَنْ يَضْرِبَ.»


الْآيَةُ ١٢: لَا تَمُدَّ يَدَكَ

لَا تَمُدَّ يَدَكَ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٤٧: «لَمْ آمُرْ بِهَذَا لِيَتِمَّ الْفِعْلُ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ يُقْتَلَ صَبِيُّكَ، بَلْ لِتَظْهَرَ طَاعَتُكَ لِلْجَمِيعِ. فَلَا تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا. أَنَا قَانِعٌ بِإِرَادَتِكَ، وَمِنْهَا أُكَلِّلُكَ وَأُعْلِنُكَ.» هَكَذَا يَتَعَامَلُ اللهُ مَعَنَا كَثِيرًا: يَأْمُرُ وَيَطْلُبُ فِعْلًا صَعْبًا، وَلَكِنْ حِينَ يَرَى إِرَادَةً مُطِيعَةً، يَكْتَفِي بِهَا وَيَمْنَعُ التَّنْفِيذَ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الذَّهَبِيُّ الْفَمِ نَفْسُهُ، الْعِظَةُ ٤٩: «صَارَ الْبَطْرِيَرْكُ كَاهِنًا لِلصَّبِيِّ، وَبِعَزْمِهِ لَطَّخَ يَمِينَهُ بِالدَّمِ، وَقَدَّمَ الذَّبِيحَةَ؛ وَلَكِنْ بِرَحْمَةِ اللهِ الَّتِي لَا يُعَبَّرُ عَنْهَا، اسْتَرَدَّ ابْنَهُ سَالِمًا مُعَافًى وَعَادَ، وَهُوَ يُمْدَحُ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَيُكَلَّلُ بِإِكْلِيلٍ مُتَأَلِّقٍ، وَقَدْ خَاضَ الْمُبَارَزَةَ الْعُظْمَى، وَأَعْلَنَ مِنْ خِلَالِ كُلِّ شَيْءٍ تَقْوَى قَلْبِهِ.»

الْآنَ عَلِمْتُ — أَيْ جَعَلْتُكَ تُعْرَفُ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ، الْمَسْأَلَةُ ٥٨، وَغْرِيغُورِيُوسُ، الْكِتَابُ ٢٨ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْبَابُ ٧.

ثَانِيًا، «الْآنَ عَلِمْتُ»، أَيِ الْآنَ بِفِعْلِكَ ذَلِكَ جَعَلْتُهُ ظَاهِرًا وَمَعْلُومًا بِوُضُوحٍ. هَكَذَا دِيُودُورُسُ وَبِيرِيرِيُوسُ.

ثَالِثًا وَبِأَبْسَطِ عِبَارَةٍ، «الْآنَ عَلِمْتُ»، أَيْ عَنْ طَرِيقِ الْخِبْرَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْآنَ اخْتَبَرْتُكَ فِعْلًا. فَاللهُ هُنَا يَتَكَلَّمُ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَشَرِ الَّذِينَ، حِينَ يَخْتَبِرُونَ شَيْئًا، يَعْتَبِرُونَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً.

أَنَّكَ تَتَّقِي — أَنَّكَ تُحِبُّ اللهَ وَتَعْبُدُهُ وَتُجِلُّهُ، وَأَنَّكَ تُطِيعُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَسْعَى لِإِرْضَائِهِ؛ فَإِنَّ مَخَافَةَ اللهِ تَشْمَلُ كُلَّ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَخَافَةَ الْقُدْسِيَّةَ الْبَنَوِيَّةَ لَيْسَتْ شَيْئًا آخَرَ سِوَى مَحَبَّةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَكْرِيمِهِ.


الْآيَةُ ١٣: كَبْشٌ مُعَلَّقٌ بَيْنَ الْأَشْوَاكِ

كَبْشٌ مُعَلَّقٌ بَيْنَ الْأَشْوَاكِ بِقَرْنَيْهِ. كَانَ هَذَا كَبْشًا حَقِيقِيًّا أَحْضَرَهُ مَلَاكٌ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، وَقَدْ عَلِقَ فِي الْأَشْوَاكِ، أَوْ كَمَا فِي الْعِبْرِيَّةِ، فِي أَجَمَةٍ، أَيْ مِنْ أَشْوَاكٍ وَأَغْصَانٍ، لِئَلَّا يُفْلِتَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ يَكُونَ مُهَيَّأً لِمَنْ سَيَذْبَحُ. يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ هَذَا حَدَثَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ الَّذِي يُسَمَّى تِشْرِي؛ وَأَنَّ مِنْ هُنَا يُحْتَفَلُ بِعِيدِ الْأَبْوَاقِ عِنْدَ الْيَهُودِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْفُخُونَ حِينَئِذٍ فِي قُرُونِ الْكِبَاشِ ذِكْرَى لِتَحْرِيرِ إِسْحَاقَ مِنَ الذَّبِيحَةِ وَالْكَبْشِ الَّذِي حَلَّ مَحَلَّهُ.

رَمْزِيًّا، كَمَا ذُبِحَ الْكَبْشُ بَدَلًا مِنْ إِسْحَاقَ، كَذَلِكَ ذُبِحَ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِنَا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ، الْكِتَابُ ١٦، مَدِينَةُ اللهِ، الْبَابُ ٣٢. ثَانِيًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَكِيرِلُّسُ إِنَّ الْكَبْشَ حَلَّ مَحَلَّ إِسْحَاقَ، أَيْ إِنَّ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ ذُبِحَ بَدَلًا مِنْ لَاهُوتِهِ.

أَنَاغُوجِيًّا، يَخْلُفُ الْكَبْشُ إِسْحَاقَ، أَيْ تَخْلُفُ الْقِيَامَةُ الْأَلَمَ، وَالْقُوَّةُ تَخْلُفُ الضَّعْفَ، وَالْخُلُودُ يَخْلُفُ الْمَوْتَ، كَمَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ.

وَأَيْضًا، هَذَا الْكَبْشُ الْمُعَلَّقُ بِقَرْنَيْهِ وَالْمُعَلَّقُ بَيْنَ الْأَشْوَاكِ يَرْمُزُ إِلَى الْمَسِيحِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الصَّلِيبِ، يَقُولُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، وَيُضِيفُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى هُنَا يَوْمَ ذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ وَآلَامِهِ. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ الْمَسِيحُ فِي يُوحَنَّا ٨: ٥٦: «أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي؛ رَآهُ وَفَرِحَ.» وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ هَذَا الْمَكَانُ «الرَّبُّ يَرَى»، أَوْ «يَظْهَرُ»، كَمَا سَيَأْتِي. وَالسَّبْعِينِيَّةُ، إِذْ أَبْقَتِ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ سَابِكْ اسْمًا خَاصًّا لِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، تُتَرْجِمُ: «وَإِذَا كَبْشٌ وَاحِدٌ مُمْسَكٌ بِقَرْنَيْهِ فِي شَجَرَةِ سَابِكْ»؛ أَوْ كَمَا يَقْرَأُ بْرُوكُوبِيُوسُ مِنَ التَّرْجَمَةِ السُّرْيَانِيَّةِ: «وَإِذَا كَبْشٌ وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ فِي شَجَرَةِ سَابِكْ»، وَيَقُولُ إِنَّ الْكَبْشَ ظَهَرَ كَأَنَّهُ يَصْعَدُ فِي شَجَرَةِ سَابِكْ، وَلَمْ يَكُنْ مُمْسَكًا بِقَرْنَيْهِ فَحَسْبُ بَلْ مُسْتَنِدًا بِرِجْلَيْهِ الْأَمَامِيَّتَيْنِ أَيْضًا فِي أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ مَثَّلَتِ الْمَسِيحَ صَاعِدًا عَلَى شَجَرَةِ الصَّلِيبِ، مُعَلَّقًا عَلَيْهَا، مُسَمَّرًا فِيهَا، مُتَمَسِّكًا بِهَا. وَيَبْحَثُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْبَطْرِيَرْكِ، الْبَابُ ٨، حَيْثُ يَقْرَأُ أَوَّلًا هَكَذَا: «وَإِذَا كَبْشٌ وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ فِي أَجَمَةِ سَابِكْ.» ثُمَّ يُضِيفُ: «مَنِ الْمَرْمُوزُ إِلَيْهِ إِلَّا ذَاكَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ فِي الْمَزْمُورِ ١٤٨: أَعْلَى قَرْنَ شَعْبِهِ؟ قَرْنُنَا، الْمَسِيحُ، رُفِعَ وَعُلِّيَ مِنَ الْأَرْضِ: رَآهُ إِبْرَاهِيمُ فِي هَذِهِ الذَّبِيحَةِ، نَظَرَ إِلَى آلَامِهِ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الرَّبُّ نَفْسُهُ عَنْهُ: إِبْرَاهِيمُ اشْتَاقَ أَنْ يَرَى يَوْمِي؛ رَآهُ وَفَرِحَ.» وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْكِتَابُ: دَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذَلِكَ الْمَكَانِ «الرَّبُّ رَأَى»، حَتَّى يُقَالَ الْيَوْمَ: «فِي الْجَبَلِ ظَهَرَ الرَّبُّ»، أَيْ ظَهَرَ لِإِبْرَاهِيمَ كَاشِفًا آلَامَ جَسَدِهِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ الَّتِي فَدَى بِهَا الْعَالَمَ؛ مُبَيِّنًا أَيْضًا طَرِيقَةَ الْآلَامِ حِينَ أَظْهَرَ الْكَبْشَ مُعَلَّقًا بِقَرْنَيْهِ. تِلْكَ الْأَجَمَةُ كَانَتْ خَشَبَةَ الصَّلِيبِ.» هَذَا قَوْلُ أَمْبْرُوسِيُوسَ. وَقَدْ لَاحَظَ أَيْضًا الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ، فِي كِتَابِ أَسْئِلَةٍ إِلَى أَنْطِيُوخُسَ، الْمَسْأَلَةُ ٩٦، أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالسِّرِّ أَيْضًا أَنَّ سَابِكْ تُفَسَّرُ بِمَعْنَى «الْإِعْفَاءِ» أَوِ «الصَّفْحِ»، الَّذِي اسْتَحَقَّهُ لَنَا الْمَسِيحُ بِالصَّلِيبِ: «نَبْتَةُ سَابِكْ هِيَ الصَّلِيبُ الْمُبَجَّلُ. وَبِحَسَبِ الْعِبْرَانِيِّينَ يَبْدُو أَنَّ سَابِكْ يَعْنِي الْإِعْفَاءَ وَالصَّفْحَ؛ وَالْكَبْشُ الَّذِي عَلِقَ فِي نَبْتَةِ سَابِكْ، وَالَّذِي قَدَّمَهُ إِبْرَاهِيمُ مُحْرَقَةً بَدَلًا مِنْ إِسْحَاقَ، كَانَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الْمَذْبُوحِ مِنْ أَجْلِنَا عَلَى الصَّلِيبِ.»

يُلَاحِظُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِفِطْنَةٍ، وَمِنْهُمْ لِيُو دِي كَاسْتْرُو، الْكِتَابُ السَّادِسُ مِنَ الدِّفَاعِ، وَفِي الْإِصْحَاحِ ٢٩ مِنْ إِشَعْيَاءَ، أَنَّ الْمَسِيحَ حِينَ قَالَ عَلَى الصَّلِيبِ «إِيلِي، إِيلِي، لَمَّا شَبَقْتَنِي»، كَانَ يُلَمِّحُ إِلَى نَبْتَةِ سَابِكْ نَفْسِهَا، لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّهُ ذَلِكَ الْكَبْشُ الْمُعَلَّقُ الْمُتَدَلِّي مِنْ شَجَرَةِ سَابِكْ، أَيْ عَلَى الصَّلِيبِ، الَّذِي كَانَ الرَّبُّ قَدْ أَرَاهُ لِإِبْرَاهِيمَ قَدِيمًا تَحْتَ رَمْزِ كَبْشٍ آخَرَ مُعَلَّقٍ مِنْ نَبْتَةِ سَابِكْ. وَلِذَلِكَ اسْتَخْدَمَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ بِالذَّاتِ «شَبَقْتَنِي» بَدَلًا مِنْ غَيْرِهَا، لِكَيْ يُذَكِّرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالِاسْمِ نَفْسِهِ بِتِلْكَ النَّبْتَةِ سَابِكْ الَّتِي عَلِقَ مِنْهَا الْكَبْشُ الْآخَرُ، وَيُبَيِّنَ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يُتِمُّ تِلْكَ الصُّورَةَ أَكْمَلَ إِتْمَامٍ. فَكَلِمَةُ «شَبَقْتَنِي» يَبْدُو أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ سَابِكْ، وَإِنْ كَانَ لَهَا أَيْضًا جِذْرُهَا السُّرْيَانِيُّ الْخَاصُّ سِبَاقْ، أَيْ «تَرَكَ».


الْآيَةُ ١٤: الرَّبُّ يَرَى

وَدَعَا اسْمَ ذٰلِكَ الْمَوْضِعِ: الرَّبُّ يَرَى. أَيْ أَعْطَى إِبْرَاهِيمُ هٰذَا الِاسْمَ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي ذَبَحَ فِيهِ ابْنَهُ، وَهُوَ أَدُونَايْ يِرْئِهْ، أَيْ «الرَّبُّ سَيَرَى» أَوْ «يَرَى»، وَذٰلِكَ مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ أَجَابَ ابْنَهُ حِينَ سَأَلَ عَنِ الذَّبِيحَةِ، فِي الْآيَةِ ٨: أَدُونَايْ يِرْئِهْ، أَيْ «الرَّبُّ سَيَرَى» أَوْ «سَيُدَبِّرُ الذَّبِيحَةَ». هٰكَذَا قَالَ فَاتَابْلُوسْ وَلِيبُومَانُوسْ وَأُولِيَاسْتَرْ وَبِيرِيرِيُوسْ وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْ كَلِمَةِ يِرْئِهْ، أَيْ «سَيَرَى»، جَاءَ اسْمُ مُورِيَّا، أَيِ «الرُّؤْيَا»؛ وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ هٰذَا الْجَبَلُ مُورِيَّا، أَيْ جَبَلَ «الرُّؤْيَا»، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢ فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ. فَمُورِيَّا إِذَنْ هُوَ نَفْسُهُ أَدُونَايْ يِرْئِهْ، أَيْ «الرَّبُّ سَيَرَى».

وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مِنْ يِرْئِهْ وَالِاسْمِ الْقَدِيمِ سَالِمْ (إِذْ كَانَتْ أُورُشَلِيمُ تُسَمَّى هٰكَذَا قَدِيمًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ١٤، الْآيَةِ ١٨)، تَشَكَّلَ اسْمُ أُورُشَلِيمَ؛ لِأَنَّ مُورِيَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ. هٰكَذَا قَالَ أَنْدْرَاوُسْ مَاسِيُوسْ فِي تَفْسِيرِهِ لِسِفْرِ يَشُوعَ، الْإِصْحَاحِ ١٠.

ثَانِيًا، الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسْ، فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْإِصْحَاحِ ٣٢: يُقَالُ إِنَّ هٰذَا الْمَكَانَ يُسَمَّى «اللهُ يَرَى»، أَيْ إِنَّ اللهَ جَعَلَ ذَاتَهُ مَرْئِيًّا، حِينَ ظَهَرَ لِإِبْرَاهِيمَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَاكِ، فِي الْآيَةِ ١١.

ثَالِثًا، قَالَ الْعِبْرَانِيُّونَ وَالْكَلْدَانِيُّ وَبِيرِيرِيُوسْ: سُمِّيَ هٰذَا الْجَبَلُ «الرَّبُّ يَرَى» لِأَنَّ الرَّبَّ عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ رَأَى ضِيقَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ وَذَبِيحَتَهُ، وَقَبِلَهَا، وَدَبَّرَ أَمْرَ إِبْرَاهِيمَ الْمُتَضَايِقِ، بِالْمَلَاكِ الَّذِي أَوْقَفَ سَيْفَ إِبْرَاهِيمَ، وَبِالْكَبْشِ الَّذِي أُبْدِلَ بِإِسْحَاقَ.

رَابِعًا، سُمِّيَ هٰذَا الْجَبَلُ «الرَّبُّ يَرَى» لِأَنَّ عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى الْهَيْكَلُ، الَّذِي فِيهِ كَانَ اللهُ سَيَرَى وَيَسْتَجِيبُ صَلَوَاتِ الْمُتَضَرِّعِينَ. وَمِنْ هُنَا ظَنَّ الْكَلْدَانِيُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، بِذَبِيحَتِهِ هٰذِهِ، عَيَّنَ هٰذَا الْجَبَلَ مُورِيَّا، أَوْ صِهْيَوْنَ، لِلْهَيْكَلِ، وَتَنَبَّأَ بِأَنَّهُ سَيُبْنَى هُنَاكَ. فَهٰكَذَا وَرَدَ فِي التَّرْجُومِ الْكَلْدَانِيِّ: «وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ الرَّبِّ: هُنَا سَتَخْدِمُ الْأَجْيَالُ؛ لِذٰلِكَ قِيلَ فِي ذٰلِكَ الْيَوْمِ: عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ ذَبَحَ إِبْرَاهِيمُ أَمَامَ اللهِ.»

وَمِنْ ثَمَّ إِلَى هٰذَا الْيَوْمِ يُقَالُ: عَلَى الْجَبَلِ الرَّبُّ سَيَرَى -- أَيِ افْهَمْ: حَدَثَ أَوْ تَمَّ هٰذَا الْأَمْرُ أَوْ ذَاكَ. فَحِينَ يَرْوِي النَّاسُ شَيْئًا وَقَعَ أَوْ حَدَثَ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، أَوْ عَلَى مُورِيَّا، يَقُولُونَ إِنَّهُ حَدَثَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي اسْمُهُ «الرَّبُّ سَيَرَى»، كَأَنَّمَا يُقَالُ: حَتَّى الْآنَ، فِي هٰذَا الزَّمَانِ الَّذِي أَكْتُبُ فِيهِ أَنَا مُوسَى هٰذِهِ الْأُمُورَ، يُسَمَّى هٰذَا الْجَبَلُ «الرَّبُّ يَرَى» أَوْ «سَيَرَى»، لِأَنَّ عَلَيْهِ ذَبَحَ إِبْرَاهِيمُ لِلّٰهِ قَائِلًا: «الرَّبُّ سَيَرَى» أَوْ «سَيُدَبِّرُ لِنَفْسِهِ ذَبِيحَةً، يَا بُنَيَّ»؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِ رَآهُ اللهُ، كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ، حِينَ ظَهَرَ لَهُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَاكِ.

ثَانِيًا، «إِلَى هٰذَا الْيَوْمِ يُقَالُ» إِلَخْ، كَأَنَّمَا يُقَالُ: إِلَى هٰذَا الْيَوْمِ نَسْتَخْدِمُ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ هٰذَا، «الرَّبُّ سَيَرَى» وَسَيُدَبِّرُ، كَمَثَلٍ سَائِرٍ، حِينَ نَكُونُ فِي ضِيقٍ، نَرْجُو وَنَسْتَغِيثُ بِمَعُونَةِ اللهِ. فَنَرْجُو أَنَّهُ كَمَا رَأَى الرَّبُّ عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ مُورِيَّا ضِيقَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَتَقْوَاهُمَا وَطَاعَتَهُمَا، وَرَحِمَهُمَا، فَكَذٰلِكَ سَيَرَانَا وَيَرَى نَسْلَنَا وَيَسْمَعُنَا وَيُنْقِذُنَا، لَا سِيَّمَا حِينَ نُصَلِّي عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ عَيْنِهِ وَهَيْكَلِ مُورِيَّا، فِي أَيِّ ضِيقٍ كَانَ. هٰكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ وَكَايِتَانُوسْ وَبِيرِيرِيُوسْ.

وَيَنْبَغِي لِلْمَسِيحِيِّينَ أَنْ يَسْتَعْمِلُوا هٰذَا الْمَثَلَ عَيْنَهُ، حَتَّى فِي كُلِّ ضِيقَةٍ يَلْجَأُوا إِلَى جَبَلِ مُورِيَّا، أَيْ إِلَى جَبَلِ الْهَيْكَلِ، إِلَى جَبَلِ الرَّجَاءِ وَالصَّلَاةِ، وَيَقُولُوا: الرَّبُّ سَيَرَى وَسَيُدَبِّرُ كُلَّ احْتِيَاجِي.

هٰكَذَا فَعَلَ الْقِدِّيسُ غُورْدِيُوسُ الشَّهِيدُ، إِذْ وَثِقَ بِرَجَائِهِ فِي اللهِ، فَقَدَّمَ نَفْسَهُ طَوْعًا لِلْوَالِي وَلِلْعَذَابَاتِ. فَأَمَرَ الْوَالِي بِإِعْدَادِ السِّيَاطِ وَالدَّوَالِيبِ وَآلَاتِ التَّعْذِيبِ وَكُلِّ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. فَرَفَعَ غُورْدِيُوسُ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَنَطَقَ بِتِلْكَ الْآيَةِ مِنَ الْمَزْمُورِ: «الرَّبُّ مُعِينِي، فَلَا أَخَافُ مَاذَا يَصْنَعُ بِيَ الْإِنْسَانُ، وَلَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي.» ثُمَّ اسْتَدْرَجَ الْعَذَابَاتِ عَلَى نَفْسِهِ طَوْعًا، وَوَبَّخَ كُلَّ تَأْخِيرٍ، وَأَخِيرًا بِوَجْهٍ بَشُوشٍ أَلْقَى بِنَفْسِهِ رَاضِيًا فِي عُقُوبَةِ النَّارِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسْ فِي عِظَتِهِ عَنْ غُورْدِيُوسَ.

مُلَاحَظَةٌ: بَدَلًا مِنْ يِرْئِهْ، أَيْ «سَيَرَى»، قَرَأَ الْعِبْرَانِيُّونَ بِتَنْقِيطٍ مُخْتَلِفٍ يِرَاأِهْ، أَيْ «سَيُرَى»، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: «وَمِنْ ثَمَّ إِلَى هٰذَا الْيَوْمِ يُقَالُ: عَلَى الْجَبَلِ سَيُرَى الرَّبُّ»، أَيْ سَيَظْهَرُ وَيَأْتِي لِلْمُسَاعَدَةِ. لٰكِنَّ الْمَعْنَى يَؤُولُ إِلَى الشَّيْءِ نَفْسِهِ؛ فَحِينَ يَرَانَا اللهُ، نَرَاهُ نَحْنُ أَيْضًا.

أَمَّا الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسْ وَأُوشِيرِيُوسْ وَفَاتَابْلُوسْ وَلِيبُومَانُوسْ فَيُفَسِّرُونَ ذٰلِكَ كَأَنَّهُ نُبُوءَةٌ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّمَا يُقَالُ: «عَلَى الْجَبَلِ سَيُرَى الرَّبُّ»، أَيْ سَيَظْهَرُ الْمَسِيحُ الرَّبُّ عَلَى هٰذَا الْجَبَلِ وَهَيْكَلِ صِهْيَوْنَ، حِينَ يَعِظُ هُنَاكَ، وَعَلَى جَبَلِ الْجُلْجُثَةِ، حِينَ يُصْلَبُ هُنَاكَ. وَلِذٰلِكَ تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ أَيْضًا: «عَلَى الْجَبَلِ رُئِيَ الرَّبُّ.»


الْآيَةُ ١٥: نَادَى الْمَلَاكُ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً

وَنَادَى مَلَاكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً -- لِأَنَّ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي نَادَاهُ فِيهَا كَانَتْ حِينَ مَنَعَهُ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ، فِي الْآيَةِ ١١. وَبِهٰذَا الْمَلَاكِ يَفْهَمُ أُورِيجَانُوسُ ابْنَ اللهِ: يَقُولُ إِنَّ ابْنَ اللهِ، كَمَا وُجِدَ بَيْنَ الْبَشَرِ فِي شِبْهِ إِنْسَانٍ، كَذٰلِكَ وُجِدَ هُنَا بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ فِي شِبْهِ مَلَاكٍ، لَا بِأَنَّهُ اتَّخَذَ طَبِيعَةً مَلَائِكِيَّةً، بَلْ لِأَنَّهُ تَوَلَّى هُنَا وَظِيفَةَ الْمَلَاكِ، وَهِيَ إِعْلَانُ مَشِيئَةِ اللهِ. لٰكِنَّ الْآبَاءَ يُعَلِّمُونَ عُمُومًا عَكْسَ ذٰلِكَ، وَهُوَ أَنَّ هٰذَا الْمَلَاكَ كَانَ مَلَاكًا لَا ابْنَ اللهِ؛ إِذْ يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ كَمَبْعُوثٍ مِنَ اللهِ وَيُبَلِّغُ كَلَامَ اللهِ كَأَنَّهُ مُنَادٍ لِلّٰهِ؛ فَهُوَ إِذَنْ مَلَاكٌ لَا ابْنُ اللهِ.


الْآيَةُ ١٦: لِأَنَّكَ فَعَلْتَ هٰذَا الْأَمْرَ

لِأَنَّكَ فَعَلْتَ هٰذَا الْأَمْرَ. مِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بِطَاعَتِهِ هٰذِهِ وَبِتَقْدِيمِ ابْنِهِ، اسْتَحَقَّ فِيمَا اسْتَحَقَّ، عَلَى الْأَقَلِّ اسْتِحْقَاقَ مُلَاءَمَةٍ، أَنْ يُولَدَ الْمَسِيحُ مِنْ نَسْلِهِ لَا مِنْ نَسْلٍ آخَرَ، بَلْ مِنْ هٰذَا إِسْحَاقَ بِعَيْنِهِ؛ وَبِالتَّالِي اسْتَحَقَّ إِسْحَاقُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ. فَهٰذَا هُوَ ثَوَابُ الطَّاعَةِ، الَّذِي يُضِيفُهُ اللهُ فَوْرًا قَائِلًا: «وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ.» هٰكَذَا قَالَ بِيرِيرِيُوسْ.

اُنْظُرْ مَا تَعْنِيهِ طَاعَةُ اللهِ؛ اُنْظُرْ كَمْ هِيَ مَرْضِيَّةٌ وَكَمْ عَظِيمٌ اسْتِحْقَاقُ الطَّاعَةِ عِنْدَ اللهِ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ (أَوْ أَيًّا كَانَ الْمُؤَلِّفُ) بِبَلَاغَةٍ فِي رِسَالَتِهِ عَنِ الْخِتَانِ: «حِينَ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ الْوَحِيدِ عَلَى الْأَرْضِ، أُمِرَ أَنْ يَعُدَّ النُّجُومَ بَنِينَ لَهُ فِي السَّمَاءِ.» وَلِمَاذَا يُشَبَّهُ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ بِالنُّجُومِ فَقَدْ بَحَثْتُ ذٰلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٥، الْآيَةِ ٥.


الْآيَةُ ١٧: يَرِثُ نَسْلُكَ الْأَبْوَابَ

يَرِثُ نَسْلُكَ الْأَبْوَابَ -- أَيْ مُدُنَ الْكَنْعَانِيِّينَ تَحْتَ قِيَادَةِ يَشُوعَ؛ وَمُدُنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ وَالْعَمُّونِيِّينَ وَالسُّرْيَانِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ تَحْتَ قِيَادَةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ. وَهُوَ مَجَازٌ كُلِّيٌّ؛ إِذْ بِالْأَبْوَابِ يَعْنِي الْمُدُنَ؛ فَمَنِ احْتَلَّ الْأَبْوَابَ احْتَلَّ الْمَدِينَةَ. وَهٰكَذَا احْتَلَّ الْمَسِيحُ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ وَالْجَحِيمَ نَفْسَهُ، وَسَلَبَهَا. وَهٰكَذَا أَيْضًا أَخْضَعَ الرُّسُلُ وَخُلَفَاؤُهُمْ رُومَا وَجَمِيعَ مُدُنِ الْعَالَمِ تَقْرِيبًا لِلْمَسِيحِ وَلِإِيمَانِ الْمَسِيحِ وَلِكَنِيسَتِهِ.


الْآيَةُ ١٨: تَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ الْأُمَمِ

تَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ الْأُمَمِ -- أَيْ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي سَيُولَدُ مِنْكَ، بِاعْتِبَارِهِ نَسْلَكَ، أَيْ ذُرِّيَّتَكَ، بَلْ ذُرِّيَّةَ اللهِ الْمُبَارَكَةَ، سَتَنَالُ جَمِيعُ الْأُمَمِ الْبِرَّ وَالنِّعْمَةَ وَالْخَلَاصَ وَالْمَجْدَ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ غَلَاطِيَّةَ ٣: ١٦.


الْآيَةُ ٢٠: مِلْكَةُ أَيْضًا وَلَدَتْ بَنِينَ لِنَاحُورَ

أَنَّ مِلْكَةَ أَيْضًا وَلَدَتْ بَنِينَ لِنَاحُورَ. هُنَا يُنْسَجُ نَسَبُ نَاحُورَ، إِكْرَامًا لِإِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ أَخَاهُ؛ وَكَذٰلِكَ بِسَبَبِ رِفْقَةَ، الَّتِي طَلَبَهَا إِبْرَاهِيمُ كَنَّةً لَهُ وَزَوْجَةً لِابْنِهِ إِسْحَاقَ، حَتَّى يَكُونَ نَسَبُ يَعْقُوبَ وَالْيَعْقُوبِيِّينَ، أَيْ جَمِيعِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَاضِحًا مِنْ جِهَتَيِ الْأُمِّ وَالْأَبِ.


الْآيَةُ ٢٤: سُرِّيَّتُهُ

مِنْ كَلِمَةِ بِيلِيغِشْ (سُرِّيَّةٌ)، يَبْدُو أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ كَانَ شَائِعًا؛ وَأَنَّهَا صَارَتْ سُرِّيَّةً.