كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُولَدُ إِسْحَاقُ وَيُخْتَنُ وَيُفْطَمُ. ثَانِيًا، الْآيَةُ ١٠، يُطْرَدُ إِسْمَاعِيلُ وَهَاجَرُ مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ؛ وَيُعَزِّيهِمَا مَلَاكٌ فِي الصَّحْرَاءِ. ثَالِثًا، الْآيَةُ ٢٢، يَعْقِدُ إِبْرَاهِيمُ عَهْدًا مَعَ أَبِيمَالِكَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢١: ١-٣٤
١. وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا وَعَدَ، وَأَتَمَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ. ٢. فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهَا، فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَخْبَرَهَا بِهِ اللهُ. ٣. وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ: إِسْحَاقَ. ٤. وَخَتَنَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، ٥. وَكَانَ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، إِذْ فِي هَذَا الْعُمُرِ مِنَ الْأَبِ وُلِدَ إِسْحَاقُ. ٦. فَقَالَتْ سَارَةُ: صَنَعَ لِيَ اللهُ ضَحِكًا؛ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ مَعِي. ٧. وَقَالَتْ أَيْضًا: مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَسْمَعُ أَنَّ سَارَةَ تُرْضِعُ ابْنًا وَلَدَتْهُ لَهُ وَهُوَ شَيْخٌ؟ ٨. وَكَبُرَ الصَّبِيُّ وَفُطِمَ، وَصَنَعَ إِبْرَاهِيمُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً يَوْمَ فِطَامِهِ. ٩. وَلَمَّا رَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ يَلْعَبُ مَعَ ابْنِهَا إِسْحَاقَ، قَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ: ١٠. اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لِأَنَّ ابْنَ الْجَارِيَةِ لَا يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ. ١١. فَقَبُحَ هَذَا الْكَلَامُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ بِسَبَبِ ابْنِهِ. ١٢. فَقَالَ لَهُ اللهُ: لَا يَقْبُحْ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ وَجَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا قَالَتْ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِصَوْتِهَا، لِأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. ١٣. وَلَكِنِّي أَيْضًا سَأَجْعَلُ ابْنَ الْجَارِيَةِ أُمَّةً عَظِيمَةً، لِأَنَّهُ نَسْلُكَ. ١٤. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَوَضَعَهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَسَلَّمَ إِلَيْهَا الصَّبِيَّ وَأَطْلَقَهَا. فَلَمَّا مَضَتْ تَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ. ١٥. وَلَمَّا نَفِدَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ، أَلْقَتِ الصَّبِيَّ تَحْتَ إِحْدَى الْأَشْجَارِ الَّتِي هُنَاكَ، ١٦. وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ عَنْ بُعْدٍ بِقَدْرِ رَمْيَةِ قَوْسٍ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ: لَا أَنْظُرُ مَوْتَ الصَّبِيِّ. فَجَلَسَتْ مُقَابِلَةً وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ. ١٧. فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الصَّبِيِّ، وَنَادَى مَلَاكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لَا تَخَافِي، لِأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ الصَّبِيِّ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. ١٨. قُومِي وَخُذِي الصَّبِيَّ وَأَمْسِكِي بِيَدِهِ، لِأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً. ١٩. فَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا، فَرَأَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَمَضَتْ وَمَلَأَتِ الْقِرْبَةَ وَسَقَتِ الصَّبِيَّ. ٢٠. وَكَانَ اللهُ مَعَهُ، فَكَبُرَ وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَصَارَ شَابًّا رَامِيًا بِالْقَوْسِ. ٢١. وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. ٢٢. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَالَ أَبِيمَالِكُ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ لِإِبْرَاهِيمَ: اللهُ مَعَكَ فِي كُلِّ مَا تَصْنَعُ. ٢٣. فَاحْلِفْ لِيَ بِاللهِ أَلَّا تَغْدِرَ بِي وَلَا بِنَسْلِي وَلَا بِذُرِّيَّتِي؛ بَلْ كَالْمَعْرُوفِ الَّذِي صَنَعْتُهُ إِلَيْكَ تَصْنَعُ إِلَيَّ وَإِلَى الْأَرْضِ الَّتِي تَغَرَّبْتَ فِيهَا. ٢٤. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَنَا أَحْلِفُ. ٢٥. وَعَاتَبَ إِبْرَاهِيمُ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ بِئْرِ مَاءٍ اغْتَصَبَهَا عَبِيدُهُ. ٢٦. فَأَجَابَ أَبِيمَالِكُ: لَمْ أَعْلَمْ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ؛ وَأَنْتَ لَمْ تُخْبِرْنِي، وَأَنَا لَمْ أَسْمَعْ إِلَّا الْيَوْمَ. ٢٧. فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَأَعْطَاهَا لِأَبِيمَالِكَ، وَقَطَعَا كِلَاهُمَا عَهْدًا. ٢٨. وَأَفْرَزَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنَ الْقَطِيعِ عَلَى حِدَةٍ. ٢٩. فَقَالَ لَهُ أَبِيمَالِكُ: مَا هَذِهِ النِّعَاجُ السَّبْعُ الَّتِي أَفْرَزْتَهَا؟ ٣٠. فَقَالَ: تَأْخُذُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنْ يَدِي لِتَكُونَ لِي شَهَادَةً بِأَنِّي حَفَرْتُ هَذِهِ الْبِئْرَ. ٣١. لِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِئْرَ سَبْعٍ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا حَلَفَا هُنَاكَ. ٣٢. وَقَطَعَا عَهْدًا عِنْدَ بِئْرِ الْقَسَمِ. ٣٣. وَقَامَ أَبِيمَالِكُ وَفِيكُولُ رَئِيسُ جَيْشِهِ وَرَجَعَا إِلَى أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. وَغَرَسَ إِبْرَاهِيمُ أَيْكَةً فِي بِئْرِ سَبْعٍ وَدَعَا هُنَاكَ بِاسْمِ الرَّبِّ الْإِلَهِ الْأَزَلِيِّ. ٣٤. وَتَغَرَّبَ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ أَيَّامًا كَثِيرَةً.
الْآيَةُ ١: وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ
«وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ» — بِأَنْ مَنَحَهَا الْحَبَلَ وَالنَّسْلَ الْمَوْعُودَ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ. ثَانِيًا، بَعْدَ أَنْ حُبِلَ بِإِسْحَاقَ وَوُلِدَ، افْتَقَدَ الْمَلَاكُ بِوَصْفِهِ نَائِبَ اللهِ سَارَةَ فِي صُورَةٍ جَسَدِيَّةٍ لِيُهَنِّئَهَا بِنَسْلِهَا، بِحَسَبِ مَا وَعَدَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٨ قَائِلًا: «أَرْجِعُ إِلَيْكِ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ.»
وَالْعِبْرِيُّ «فَقَدَ» (paqad) يَدُلُّ فِي الْأَصْلِ عَلَى تَفَقُّدِ الشَّيْءِ بِعِنَايَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ: اعْتَنَى، وَافْتَقَدَ، وَاهْتَمَّ، وَذَكَرَ أَحَدًا أَوْ وَعْدًا.
الْآيَةُ ٢: فِي شَيْخُوخَتِهِ
«فِي شَيْخُوخَتِهِ.» — «هِ» أَيْ شَيْخُوخَتِهِ هُوَ، أَعْنِي إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ عِبْرَانِيٌّ، إِذِ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ يَقُولُ هَكَذَا: وَلَدَتْ سَارَةُ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنًا فِي شَيْخُوخَتِهِ، أَوْ لِشَيْخُوخَتِهِ، أَيْ لِيَكُونَ عَزَاءً وَسُرُورًا لِإِبْرَاهِيمَ الشَّيْخِ. وَأَضِفْ أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ يَقُولُونَ إِنَّ النَّسْلَ يُولَدُ لِلْأَبِ لَا لِلْأُمِّ، لِأَنَّ النَّسْلَ وَارِثُ الْأَبِ، وَيُخَلِّدُ اسْمَ الْأَبِ وَعَائِلَتَهُ لَا اسْمَ الْأُمِّ.
الْآيَةُ ٣: وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْحَاقَ
«وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ، إِلَخْ، إِسْحَاقَ» — لِأَنَّ إِسْحَاقَ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي الضَّحِكَ. فَقَدْ كَانَ إِسْحَاقُ ضَحِكَ وَفَرَحَ إِبْرَاهِيمَ الشَّيْخِ وَسَارَةَ الْعَاقِرِ، بَلْ فَرَحَ الْعَالَمِ أَجْمَعَ؛ إِذْ مِنْهُ كَانَ الْمَسِيحُ سَيُولَدُ. وَمِنْ ثَمَّ تَقُولُ سَارَةُ فِي الْآيَةِ ٦: «صَنَعَ لِيَ اللهُ ضَحِكًا؛ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يَضْحَكُ مَعِي.» وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ تَفْسِيرِيًّا فِي كِتَابِهِ عَنْ إِسْحَاقَ، الْفَصْلُ ١: «إِنَّ إِسْحَاقَ»، يَقُولُ، «يَدُلُّ بِاسْمِهِ ذَاتِهِ عَلَى رَمْزٍ وَنِعْمَةٍ. فَإِنَّ إِسْحَاقَ بِاللَّاتِينِيَّةِ يَعْنِي الضَّحِكَ؛ وَالضَّحِكُ عَلَامَةُ الْفَرَحِ. وَمَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ (الْمَسِيحَ) هُوَ فَرَحُ الْجَمِيعِ، الَّذِي إِذْ كُبِتَ رُعْبُ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ أَوْ أُزِيلَ حُزْنُهُ، صَارَ لِلْجَمِيعِ مَغْفِرَةَ الْخَطَايَا؟ وَهَكَذَا ذَاكَ سُمِّيَ، وَهَذَا أُشِيرَ إِلَيْهِ؛ ذَاكَ عُبِّرَ عَنْهُ، وَهَذَا بُشِّرَ بِهِ.»
الْآيَةُ ٥: وَكَانَ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ
«وَكَانَ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ.» — يَرْجِعُ هَذَا لَا إِلَى «أَمَرَهُ» بَلْ إِلَى «خَتَنَهُ». فَقَدْ خُتِنَ إِسْحَاقُ، كَمَا وُلِدَ أَيْضًا، فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ. مُلَاحَظَةٌ: فِي هَذَا الْوَقْتِ كَانَ تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَجَدُّ إِسْحَاقَ لَا يَزَالُ حَيًّا فِي حَارَانَ. فَقَدْ وَلَدَ تَارَحُ إِبْرَاهِيمَ فِي السَّنَةِ السَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ فَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ وَوَلَدَ إِسْحَاقَ، كَانَ تَارَحُ ابْنَ ١٧٠ سَنَةً؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ عَاشَ تَارَحُ ٣٥ سَنَةً أُخْرَى، إِذْ مَاتَ فِي السَّنَةِ ٢٠٥ مِنْ عُمُرِهِ، التَّكْوِينُ ١١: ٣٢.
وَبِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٧: «إِنْ بَلَغْتَ الْمِئَةَ، أَيْ إِنْ صِرْتَ كَامِلًا، فَسَيَكُونُ لَكَ ذُرِّيَّةٌ وَفَرَحُ ابْتِهَاجٍ وَمِيرَاثُ حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.» فَالْمِئَةُ هِيَ عَدَدُ الْكَمَالِ، وَإِسْحَاقُ يَعْنِي الضَّحِكَ وَالِابْتِهَاجَ.
الْآيَةُ ٦: صَنَعَ لِيَ اللهُ ضَحِكًا
«صَنَعَ لِيَ اللهُ ضَحِكًا.» — يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: صَنَعَ لِيَ اللهُ فَرَحًا؛ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ يُهَنِّئُنِي. وَكَانَتْ سَارَةُ رَمْزًا لِلطُّوبَاوِيَّةِ مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتِ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ شَوْقُ وَفَرَحُ التِّلَالِ الْأَبَدِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ تُنْشِدُ: «تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى تَوَاضُعِ أَمَتِهِ؛ فَهَا مُنْذُ الْآنَ تُطَوِّبُنِي جَمِيعُ الْأَجْيَالِ.»
الْآيَةُ ٧: مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَسْمَعُ
«مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ يَسْمَعُ.» — بِالْعِبْرِيَّةِ «مِي مِلِّلْ» أَيْ: مَنْ كَانَ يَقُولُ لِإِبْرَاهِيمَ؟ «أَنَّ سَارَةَ تُرْضِعُ.» — أَعَادَ اللهُ الْحَلِيبَ لِسَارَةَ مَعَ الْوِلَادَةِ بِمُعْجِزَةٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ مِنْهَا بِوَصْفِهَا أُمًّا أَنْ تُرْضِعَ إِسْحَاقَ بِنَفْسِهَا لَا عَنْ طَرِيقِ مُرْضِعَةٍ.
فَلْتَتَعَلَّمِ الْأُمَّهَاتُ هُنَا أَنَّ عَلَيْهِنَّ أَنْ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَيُغَذِّينَهُمْ بِأَنْفُسِهِنَّ، فَقَدْ فَرَضَتِ الطَّبِيعَةُ عَلَيْهِنَّ هَذَا الْوَاجِبَ. وَلِذَلِكَ مَنَحَتْهُنَّ أَثْدَاءً وَحَلَمَاتٍ كَأَنَّهَا أَوْعِيَةٌ صَغِيرَةٌ مُلَائِمَةٌ لِتَغْذِيَةِ النَّسْلِ. وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُرْضِعَةِ بِلَا سَبَبٍ خَطِيئَةٌ مُمِيتَةٌ، غَيْرَ أَنَّنَا نَرَى الْأَصَحَّ مَعَ نَبَارُّو فِي كِتَابِهِ «الدَّلِيلُ»، الْفَصْلُ ١٤، الْعَدَدُ ١٧، أَنَّهَا خَطِيئَةٌ عَرَضِيَّةٌ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ بَعْضِ الظُّرُوفِ قَدْ تَصِيرُ خَطِيئَةً أَثْقَلَ. أَمَّا إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ فَلَا خَطِيئَةَ. فَإِذَنْ تَأْثَمُ تِلْكَ الْأُمَّهَاتُ اللَّوَاتِي يَأْنَفْنَ مِنْ إِرْضَاعِ أَوْلَادِهِنَّ بِلَا سَبَبٍ عَادِلٍ وَضَرُورَةٍ، وَتَأْثَمُ أَكْثَرَ تِلْكَ اللَّوَاتِي يُسَلِّمْنَهُمْ بِلَا تَمْيِيزٍ لِأَيِّ مُرْضِعَةٍ كَانَتْ، مَجْهُولَاتٍ وَمَرِيضَاتٍ فِي الْغَالِبِ، وَمِنْ ذَلِكَ تَنْشَأُ شُرُورٌ كَثِيرَةٌ. فَفَضْلًا عَنْ أَنَّهُ أَحْيَانًا يُسْتَبْدَلُ أَطْفَالٌ بِآخَرِينَ، فَأَوَّلًا: الرَّضِيعُ إِمَّا لَا يَعِيشُ، أَوْ يَحْيَا ضَعِيفًا، لِأَنَّهُ يُرْغَمُ عَلَى رَضَاعَةِ حَلِيبٍ لَا يُنَاسِبُ طَبِيعَتَهُ؛ وَلَوْ غُذِّيَ مِنَ الْجَسَدِ ذَاتِهِ الَّذِي وُلِدَ مِنْهُ وَدُفِّئَ بِحَرَارَةِ جِسْمِ الْأُمِّ لَنَشَأَ قَوِيًّا وَأَفْضَلَ مَوْهِبَةً وَطَبْعًا. اُنْظُرْ بِلِينِيُوسَ، الْكِتَابُ ٢٨، الْفَصْلُ ٩، حَيْثُ يَكْتُبُ أَنَّ حَلِيبَ الْأُمِّ أَنْفَعُ وَأَوْفَقُ لِطَبِيعَةِ النَّسْلِ. وَاُنْظُرْ أَيْضًا عِنْدَ أُولُسْ جِلِّيُوسْ، الْكِتَابُ ١٢ مِنَ اللَّيَالِي الْأَتِّيكِيَّةِ، الْفَصْلُ ١، خُطْبَةَ فَافُورِينُوسَ الْفَيْلَسُوفِ، الَّتِي يُعَدِّدُ فِيهَا مَسَاوِئَ كَثِيرَةً جِدًّا تَنْبَثِقُ مِنْ تِلْكَ التَّنْشِئَةِ بِحَلِيبِ الْغَيْرِ. وَأَنَّ هَذَا صَحِيحٌ جِدًّا يَتَّضِحُ مِنْ أَنَّ الْجِدَاءَ إِذَا غُذِّيَتْ بِحَلِيبِ النِّعَاجِ نَبَتَ شَعْرُهَا أَنْعَمَ، وَأَنَّ الْحُمْلَانَ إِذَا غُذِّيَتْ بِحَلِيبِ الْمَاعِزِ صَارَ صُوفُهَا أَخْشَنَ؛ بَلْ إِنَّ الْأَشْجَارَ إِذَا نُقِلَتْ مِنْ مَكَانِهَا الطَّبِيعِيِّ تَتَغَيَّرُ أَوْ تَهْلِكُ بِسَبَبِ الرُّطُوبَةِ الَّتِي تَمْتَصُّهَا الْجُذُورُ الْمَنْقُولَةُ. فَإِذَا كَانَتِ الْمُرْضِعَاتُ رِيفِيَّاتٍ أَوْ شِرِّيرَاتٍ أَوْ فَاجِرَاتٍ أَوْ غَضُوبَاتٍ أَوْ سِكِّيرَاتٍ أَوْ قَاسِيَاتٍ أَوْ رُبَّمَا مُصَابَاتٍ بِالْجُذَامِ أَوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْأَمْرَاضِ، فَإِنَّ النَّسْلَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ كَذَلِكَ. هَكَذَا تَعْتَبُ دِيدُو فِي فِيرْجِيلِيُوسَ عَلَى أَيْنِيَاسَ بِأَنَّهُ مُنْحَطٌّ لِأَنَّ أُمَّهُ لَمْ تُرَبِّهِ. وَيَكْتُبُ لَامْبْرِيدِيُوسُ أَنَّ تِيطُسَ ابْنَ الْإِمْبِرَاطُورِ وِسْبَاسْيَانُوسَ عَانَى مِنْ سُوءِ الصِّحَّةِ طَوَالَ حَيَاتِهِ لِأَنَّ مُرْضِعَتَهُ كَانَتْ مَرِيضَةً؛ وَالْأَمْرُ نَفْسُهُ حَدَثَ لِكَثِيرِينَ غَيْرِهِ. وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الشُّرْبِ لِأَنَّ مُرْضِعَتَهُ كَانَتْ كَذَلِكَ.
ثَانِيًا، مِنْ عَدَمِ إِرْضَاعِ الْأُمِّ لِابْنِهَا يَنْتُجُ أَنَّ الْأُمَّ تُحِبُّ الِابْنَ أَقَلَّ وَالِابْنَ يُحِبُّ الْأُمَّ أَقَلَّ. وَمِنْ هُنَا يَسْتَنْتِجُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٧، مِنْ كَوْنِ سَارَةَ أَرْضَعَتِ ابْنَهَا: تُحَثُّ النِّسَاءُ عَلَى تَذَكُّرِ كَرَامَتِهِنَّ وَعَلَى تَغْذِيَةِ أَوْلَادِهِنَّ، فَإِنَّ هَذِهِ نِعْمَةُ الْأُمَّهَاتِ وَهَذَا شَرَفُهُنَّ؛ وَأَخِيرًا يَقُولُ: إِنَّ الْأُمَّهَاتِ عَادَةً يُحْبِبْنَ أَكْثَرَ مَنْ أَرْضَعْنَهُمْ بِأَنْفُسِهِنَّ.
وَمِنْ هُنَا نَرَى أَنَّ الْحُبَّ الطَّبِيعِيَّ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ أَعْظَمُ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ مِنْهُ عِنْدَ عَائِلَاتِ النُّبَلَاءِ، لِأَنَّ نِسَاءَ النُّبَلَاءِ عُمُومًا يُرْضِعْنَ أَطْفَالَهُنَّ عَنْ طَرِيقِ مُرْضِعَاتٍ، وَكَثِيرًا مَا لَا يَرَيْنَهُمْ وَلَا يَرَاهُنَّ أَطْفَالُهُنَّ قَبْلَ سَنَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ.
ثَالِثًا، يُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ فِي الْعِظَةِ ٩ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ أَنَّهُ بِالْكَادِ يُوجَدُ نَوْعٌ يُسَلِّمُ نَسْلَهُ لِنَوْعٍ آخَرَ لِتَرْبِيَتِهِ مَهْمَا كَانَ وَحْشِيًّا وَقَاسِيًا. نَرَى، يَقُولُ، أَنَّ فِي قَطِيعٍ كَبِيرٍ مِنَ الْغَنَمِ يَقْفِزُ الْحَمَلُ مِنَ الْحَظِيرَةِ فَيَعْرِفُ فَوْرًا صَوْتَ أُمِّهِ وَيُسْرِعُ إِلَيْهَا وَيَتَّجِهُ مُبَاشَرَةً إِلَى يَنَابِيعِ حَلِيبِهِ، وَالْأُمُّ تَعْرِفُ حَمَلَهَا بَيْنَ حُمْلَانٍ لَا تُحْصَى؛ وَالذِّئَابُ وَالْأُسُودُ وَالنُّمُورُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْوُحُوشِ الضَّارِيَةِ تَحْتَضِنُ صِغَارَهَا حَتَّى تَكَادُ دَائِمًا تَضَعُهَا فِي حِضْنِهَا أَوْ عِنْدَ ثَدْيِهَا. وَالطُّيُورُ كَثِيرًا مَا تَضُمُّ ٥ وَ٦ وَ٧ وَ٨ وَأَكْثَرَ تَحْتَ أَجْنِحَتِهَا، وَمَعَ أَنَّ الطَّبِيعَةَ لَمْ تَمْنَحْهَا حَلِيبًا، وَلَا تَمْلِكُ حُبُوبًا أَوْ بُذُورًا أُخْرَى لِتَغْذِيَةِ فِرَاخِهَا، فَإِنَّهَا تَعْتَنِي بِتَوْفِيرِ مَا يَلْزَمُهَا. بَلِ الْأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ شَوْقَ الْإِرْضَاعِ وَالْحِضَانَةِ عِنْدَ هَذِهِ الْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ بَالِغٌ حَتَّى إِنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى قَدْ يَتَنَافَسَانِ عَلَى هَذِهِ الْمَهَمَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْبَجَعِ وَالدِّبَبَةِ، تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ بِطَبْعِهَا، الَّتِي تُشَكِّلُ حَتَّى جِرَاءَهَا غَيْرَ الْمُكْتَمِلَةِ بِاللَّحْسِ. وَهَكَذَا فَإِنَّ الْبَشَرَ وَحْدَهُمْ يَتْرُكُونَ النَّسْلَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَيُعَرِّضُونَهُمْ لِمُرْضِعَاتٍ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُنَّ.
فَلْيَسْتَحْيِينَ إِذَنْ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةَ تَتَفَوَّقُ عَلَيْهِنَّ فِي وَاجِبِ الْمَحَبَّةِ، وَلْيَقْتَدِينَ بِالنِّسَاءِ الْقِدِّيسَاتِ اللَّوَاتِي أَرْضَعْنَ أَوْلَادَهُنَّ بِحَلِيبِهِنَّ، كَسَارَةَ الَّتِي أَرْضَعَتْ إِسْحَاقَ، وَرِفْقَةَ يَعْقُوبَ، وَحَنَّةَ صَمُوئِيلَ، وَتِلْكَ الْأُمِّ النَّبِيلَةِ لِلْإِخْوَةِ الْمَكَّابِيِّينَ السَّبْعَةِ فِي ٢ مَكَّابِيِّينَ ٧، بَلْ وَوَالِدَةُ الْإِلَهِ ذَاتُهَا أَرْضَعَتِ ابْنَهَا الْمَسِيحَ الرَّبَّ. وَكَذَلِكَ يَعْتَرِفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي كِتَابِ اعْتِرَافَاتِهِ بِأَنَّهُ رَضَعَ مَعَ حَلِيبِ أُمِّهِ إِكْرَامَ اللهِ وَتَوْقِيرَهُ. وَمِنْ كُلِّ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَادَةً فَاسِدَةً قَدْ جَعَلَتْ، خِلَافًا لِلطَّبِيعَةِ ذَاتِهَا (كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ جَوَابًا عَلَى سُؤَالِ أُغُسْطِينُوسَ أُسْقُفِ الْإِنْجِلِيزِ، الْفَصْلُ ١٠)، النِّسَاءَ يَزْدَرِينَ إِرْضَاعَ أَوْلَادِهِنَّ وَيُسَلِّمْنَهُمْ لِنِسَاءٍ أُخْرَيَاتٍ، وَهُوَ مَا يَبْدُو أَنَّهُ ابْتُدِعَ بِسَبَبِ عَدَمِ ضَبْطِ النَّفْسِ، لِأَنَّهُنَّ إِذْ يَأْبَيْنَ أَنْ يَتَعَفَّفْنَ يَحْتَقِرْنَ إِرْضَاعَ مَنْ يَلِدْنَ.
الْآيَةُ ٨: فُطِمَ
«فُطِمَ.» — وَكَانَ ذَلِكَ يَحْدُثُ آنَذَاكَ فِي نَحْوِ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، كَمَا يَحْدُثُ الْآنَ فِي الثَّالِثَةِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ النَّسْلُ وَحِيدًا وَمَحْبُوبًا فَرِيدًا. فَكَانَ إِسْحَاقُ إِذَنْ فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمُرِهِ حِينَ آذَاهُ إِسْمَاعِيلُ وَاضْطَهَدَهُ.
وَكَانَتْ مُدَّةُ الرَّضَاعَةِ، كَمَا هُوَ الْحَالُ حَتَّى الْيَوْمِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ شُعُوبِ الشَّرْقِ، تَمْتَدُّ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. قَارِنْ ٢ مَكَّابِيِّينَ ٧: ٢٨؛ يُوسِيفُوسُ، الْآثَارُ الْيَهُودِيَّةُ، الْكِتَابُ ٢، الْفَصْلُ ٩.
«صَنَعَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً يَوْمَ الْفِطَامِ.» — لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعَادَةِ آنَذَاكَ، كَمَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ، أَنَّ بِدَايَةَ أَكْلِ الْبِكْرِ، بِوَصْفِهِ مَنْ بَدَأَ يَحْيَا مُسْتَقِلًّا وَمُقَدَّرًا لَهُ الْبَقَاءُ، كَانَتْ تُحْتَفَلُ بِهَا بِفَرَحِ وَلِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
ثَانِيًا، لِكَيْ يَرَى الضُّيُوفُ وَالنَّاسُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِوَفْرَةٍ مِنْ حَلِيبِ سَارَةَ أَنَّ الْوِلَادَةَ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً لَا مُنْتَحَلَةً وَلَا مُسْتَعَارَةً، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
وَبِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ: عَظِيمٌ هُوَ الْفَرَحُ حِينَ يَتَغَذَّى الْإِنْسَانُ لَا بِالْحَلِيبِ بَلْ بِطَعَامِ الْحِكْمَةِ وَالْفَضِيلَةِ الصُّلْبِ.
الْآيَةُ ٩: يَلْعَبُ
«يَلْعَبُ» — أَيْ يَسْخَرُ وَيَسْتَهْزِئُ وَيُؤْذِي، بَلْ يَضْطَهِدُ إِسْحَاقَ، كَمَا يُوَضِّحُ الرَّسُولُ فِي غَلَاطِيَةَ ٤: ٢٩. هَكَذَا يُسَمَّى مُبَارَزَةُ يُوآبَ مَعَ أَبْنِيرَ لَعِبًا، ٢ صَمُوئِيلَ ٢: ١٤: «لِيَقُمِ الْغِلْمَانُ وَيَلْعَبُوا»، أَيْ يَتَبَارَزُوا؛ هَكَذَا تَلْعَبُ الْكِلَابُ مَعَ الْقِطَطِ وَالْقِطَطُ مَعَ الْفِئْرَانِ.
وَيَبْدُو أَنَّ سَبَبَ سُخْرِيَةِ إِسْمَاعِيلَ مِنْ إِسْحَاقَ وَأَذِيَّتِهِ لَهُ كَانَ الْحَسَدَ عَلَى تِلْكَ الْوَلِيمَةِ الرَّسْمِيَّةِ (الَّتِي أَقَامَهَا إِبْرَاهِيمُ بِمُنَاسَبَةِ فِطَامِ إِسْحَاقَ)، وَعَلَى حَقِّ الْبِكْرِيَّةِ وَالْوَعْدِ بِالنَّسْلِ الْمُبَارَكِ الْمُزْمَعِ وِلَادَتُهُ مِنْ إِسْحَاقَ، إِذْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ حَقٌّ لَهُ هُوَ بِوَصْفِهِ الْبِكْرَ وَالْأَكْبَرَ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِإِسْحَاقَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَغَيْرُهُ.
وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ سَارَةَ غَضِبَتْ بِحَقٍّ لَا عَلَى إِسْمَاعِيلَ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا عَلَى أُمِّهِ هَاجَرَ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكْبَحْ سُخْرِيَةَ ابْنِهَا وَوَقَاحَتَهُ.
الْآيَةُ ١٠: اطْرُدِ الْجَارِيَةَ
«اطْرُدِ الْجَارِيَةَ.» — قَالَتْ سَارَةُ هَذَا بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ ١٢؛ فَبِرُوحٍ حَكِيمٍ وَنُبُوئِيٍّ خَافَتْ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي آذَى إِسْحَاقَهَا سَرِيعًا سَيَسْتَبِقُهُ أَوْ يَقْهَرُهُ مَعَ تَصَاعُدِ الْأَحْقَادِ؛ فَأَرَادَتْ أَنْ يُفْصَلَ وَيُطْرَدَ مِنَ الْبَيْتِ. وَهَكَذَا نَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ وَأَهْدَأُ أَنْ يُفْصَلَ أَبْنَاءُ الْفِرَاشِ الْمُخْتَلِفِ وَيَعِيشُوا كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ، أَيْ أُولَئِكَ الْمَوْلُودُونَ مِنَ الْأَبِ ذَاتِهِ وَلَكِنْ مِنْ أُمٍّ مُخْتَلِفَةٍ.
وَبِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ، طُرِدَ إِسْمَاعِيلُ وَرُفِضَ، أَيِ الْمَجْمَعُ الْيَهُودِيُّ، لِأَنَّهُ سَخِرَ مِنِ ابْنِ الْحُرَّةِ، أَيْ لِأَنَّهُ سَخِرَ مِنَ الْمَسِيحِ مَلِكِ الْحُرِّيَّةِ وَجَلَدَهُ وَصَلَبَهُ، وَاضْطَهَدَ أَهْلَ بَيْتِهِ الْأَحْرَارَ، أَعْنِي الرُّسُلَ وَالْمَسِيحِيِّينَ، بِبُغْضٍ عَنِيدٍ.
الْآيَةُ ١٢: فَقَالَ اللهُ لَهُ
«فَقَالَ اللهُ لَهُ» — لَيْلًا فِي الْمَنَامِ بِرُؤْيَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٤. «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ» — فِي إِسْحَاقَ وَالْإِسْحَاقِيِّينَ تُحْسَبُ ذُرِّيَّتُكَ وَتُدْعَى، فَأَبْنَاءُ إِسْحَاقَ يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ إِبْرَاهِيمَ وَيَكُونُونَ وَرَثَةَ الْوَعْدِ الَّذِي وَعَدْتُكَ بِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ؛ أَمَّا أَبْنَاءُ إِسْمَاعِيلَ فَلَا يُدْعَوْنَ إِبْرَاهِيمِيِّينَ بَلْ إِسْمَاعِيلِيِّينَ وَهَاجَرِيِّينَ وَسَرَاقِنَةً.
وَبِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ، بِإِسْحَاقَ، أَيْ بِالْمَسِيحِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَبِهِ وَحْدَهُ، يُدْعَى الْمَسِيحِيُّونَ الْمُؤْمِنُونَ أَبْنَاءَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ أَبُو الْمُؤْمِنِينَ، وَبِالتَّالِي أَبْنَاءَ اللهِ وَوَرَثَةَ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ، غَلَاطِيَةَ ٣: ١٧، ٢٣ وَ٢٤.
الْآيَةُ ١٤: فَأَطْلَقَهَا
«فَأَطْلَقَهَا.» — هُنَا يُجْرِي إِبْرَاهِيمُ طَلَاقًا مِنْ هَاجَرَ بِأَمْرِ اللهِ؛ فَلَمْ يَعُدْ عَلَى هَاجَرَ وَإِبْرَاهِيمَ أَنْ يُؤَدِّيَا الْحَقَّ الزَّوْجِيَّ لِبَعْضِهِمَا، كَمَا لَا يَجِبُ الْآنَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَقَّ لِلزَّوْجِ الزَّانِي أَوْ لِلْمُنْفَصِلِ بِالطَّلَاقِ بِسَبَبِ خِصَامَاتٍ أَوْ أَسْبَابٍ عَادِلَةٍ أُخْرَى. وَلَكِنْ لَمْ يَحْدُثْ هُنَا فَسْخٌ لِلزَّوَاجِ بَيْنَ هَاجَرَ وَإِبْرَاهِيمَ بِحَيْثُ يُبَاحُ لِهَاجَرَ أَنْ تَتَزَوَّجَ آخَرَ. فَقَدْ طُرِدَتْ هَاجَرُ لَا مِنَ الزَّوَاجِ بَلْ مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ بِالطَّلَاقِ، بِسَبَبِ خِصَامَاتِهَا مَعَ سَارَةَ، كَمَا تُطْرَدُ الزَّانِيَةُ. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ.
«وَسَلَّمَ إِلَيْهَا الصَّبِيَّ» — لَا لِتَحْمِلَهُ عَلَى كَتِفَيْهَا بَلْ لِتَقُودَهُ مَاشِيًا، إِذْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ قَدْ بَلَغَ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ٨. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَا نَقْرَأُهُ الْآنَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ: «وَوَضَعَ الصَّبِيَّ عَلَى كَتِفِهَا» يَبْدُو مُحَرَّفًا؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِتَرْتِيبِ الْكَلِمَاتِ: «أَعْطَى إِبْرَاهِيمُ هَاجَرَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَوَضَعَهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالصَّبِيَّ» أَيْ سَلَّمَهُ لَهَا لَا لِتَحْمِلَهُ عَلَى كَتِفِهَا بَلْ لِتَقُودَهُ بِيَدِهِ.
الْآيَةُ ١٥: فَأَلْقَتْهُ
«فَأَلْقَتْهُ» — لَا بِذِرَاعَيْهَا بِقَدْرِ مَا بِرُوحِهَا، أَيْ: تَرَكَتْهُ وَأَهْمَلَتْهُ، وَقَدْ أَعْيَاهُ الْجُوعُ تَحْتَ شَجَرَةٍ، كَأَنَّهَا فَقَدَتِ الْأَمَلَ وَكَأَنَّهُ عَلَى وَشَكِ الْمَوْتِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.
الْآيَةُ ١٦: وَبَكَتْ
«وَبَكَتْ» — بَكَتْ هَاجَرُ وَبَكَى الصَّبِيُّ إِسْمَاعِيلُ أَيْضًا، فَسَمِعَهُ اللهُ يَبْكِي وَرَحِمَهُ. «هَكَذَا»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٤٦، «مَتَى شَاءَ اللهُ، وَلَوْ كُنَّا فِي الصَّحْرَاءِ وَفِي أَقْصَى الضِّيقَاتِ وَلَا رَجَاءَ لَنَا فِي الْخَلَاصِ، لَنْ نَحْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، إِذْ تَكْفِينَا النِّعْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ كُلَّ شَيْءٍ. فَإِنْ نِلْنَا نِعْمَتَهُ لَنْ يَتَغَلَّبَ عَلَيْنَا أَحَدٌ، بَلْ نَكُونُ أَقْوَى مِنَ الْجَمِيعِ.» فَفِي الضِّيقِ وَالْيَأْسِ يَكُونُ اللهُ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ، وَإِذَا دُعِيَ أَغَاثَ فَوْرًا. فَكَمَا يَقُولُ الْمُرَنِّمُ: «لَكَ قَدْ أُسْلِمَ الْمِسْكِينُ، وَلِلْيَتِيمِ أَنْتَ مُعِينٌ.» هَكَذَا كَانَ اللهُ حَاضِرًا لِدَاوُدَ فِي الصَّحْرَاءِ وَانْتَزَعَهُ وَكَأَنَّهُ قَدْ أُسِرَ مِنْ أَيْدِي شَاوُلَ الْمُطَارِدِ، ١ صَمُوئِيلَ ٢٣ وَمَا بَعْدَهُ.
الْآيَةُ ١٧: لَا تَخَافِي
«لَا تَخَافِي» — مِنْ مَجِيئِي وَبَهَائِي، أَوْ مِنْ مَوْتِ الصَّبِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ.
الْآيَةُ ١٩: فَفَتَحَ عَيْنَيْهَا
«فَفَتَحَ عَيْنَيْهَا» — جَعَلَهَا تَرَى الْيَنْبُوعَ الْقَرِيبَ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ مِنْ قَبْلُ وَهِيَ مُضْطَرِبَةٌ مُنْطَرِحَةٌ مِنَ الْحُزْنِ، أَيْ أَنَّ اللهَ أَمَالَ عَيْنَيْ هَاجَرَ وَوَجَّهَهُمَا وَأَرَاهَا الْبِئْرَ.
وَهَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ بِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ: إِنَّ اللهَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ سَيُرِي الْيَهُودَ الَّذِينَ فَرُّوا مِنَ الْكَنِيسَةِ وَتَاهُوا طَرِيقَ الْحَقِّ وَبِئْرَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَفِيهِ مَاءَ الْحَيَاةِ، أَعْنِي الْمَسِيحَ.
«اللهُ» — أَيِ الْمَلَاكُ الْقَائِمُ مَقَامَ اللهِ. اُنْظُرِ الْقَانُونَ ١٦.
الْآيَةُ ٢٠: وَكَانَ اللهُ مَعَهُ
«وَكَانَ اللهُ مَعَهُ» — أَكْمِلْ: اللهُ، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ وَالْكَلْدَانِيِّ وَالسَّبْعِينِيَّةِ، أَيْ: أَنَّ اللهَ سَانَدَ وَأَعَانَ وَوَجَّهَ وَأَنْجَحَ إِسْمَاعِيلَ إِكْرَامًا لِأَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ. فَمَا يَرْوِيهِ الْعِبْرَانِيُّونَ مِنْ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ انْصَرَفَ إِلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ يَبْدُو أَمْرًا مُخْتَلَقًا.
«وَصَارَ شَابًّا رَامِيًا بِالْقَوْسِ» — مُنْذُ شَبَابِهِ انْصَرَفَ إِلَى الصَّيْدِ وَرَمْيِ الْوُحُوشِ بِالْقَوْسِ.
الْآيَةُ ٢٣: أَلَّا تَضُرَّنِي
«أَلَّا تَضُرَّنِي» — أَلَّا تُؤْذِيَنِي وَذُرِّيَّتِي؛ بِالْعِبْرِيَّةِ «إِمْ تِشْقُرْ» أَيْ أَلَّا تَكْذِبَ عَلَيَّ، يَعْنِي أَلَّا تَتَعَامَلَ مَعِي بِمَكْرٍ. هَكَذَا فَاتَابْلُوسُ. ثَانِيًا، أَلَّا تَظْلِمَنِي، أَلَّا تَكُونَ جَائِرًا عَلَيَّ، أَلَّا تَقْمَعَنِي وَأَهْلِي بِالْقُوَّةِ، فَفِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يُسَمَّى الْكَذِبُ ظُلْمًا وَجَوْرًا بِعَيْنِهِ، وَيُقَالُ إِنَّهُ يَكْذِبُ مَنْ يَنْقُضُ الْعَهْدَ وَيَظْلِمُ قَرِيبَهُ وَيَجُورُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الصِّدْقَ الْعَمَلِيَّ، أَيِ الْوَاجِبَ وَالدَّيْنَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّيَهُ لِلْآخَرِ.
«بَلْ كَالْمَعْرُوفِ الَّذِي صَنَعْتُهُ إِلَيْكَ.» — هُوَ تَعْبِيرٌ عِبْرَانِيٌّ، أَيْ: كَمَا أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ بِإِعْطَائِكَ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَلْفَ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ، الْإِصْحَاحُ ٢٠، الْآيَةُ ١٤، فَكَذَلِكَ أَنْتَ تَسْعَى لِلْإِحْسَانِ إِلَيَّ وَإِلَى أَهْلِي.
الْآيَةُ ٣١: بِئْرُ سَبْعٍ
«بِئْرُ سَبْعٍ.» — سُمِّيَ الْمَوْضِعُ كَذَلِكَ مِنْ «بِئْرْ» أَيِ الْبِئْرُ، وَ«شِبْعَا» أَيِ الْقَسَمُ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَلَفَ هُنَاكَ عَهْدًا وَأَمَانَةً لِأَبِيمَالِكَ. ثَانِيًا، سُمِّيَ بِئْرَ سَبْعٍ مِنْ «بِئْرْ» أَيِ الْبِئْرُ، وَ«شِبْعَا» أَيِ السَّبْعُ، يَعْنِي بِئْرُ السَّبْعِ، أَيِ النِّعَاجُ السَّبْعُ الَّتِي دَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ لِلْمَلِكِ مُقَابِلَ الْبِئْرِ وَالْأَرْضِ الْمُحِيطَةِ بِهَا. فَإِذَنْ إِبْرَاهِيمُ امْتَلَكَ هَذِهِ الْبِئْرَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ وَرِجَالُهُ مَنْ حَفَرُوهَا، لَا مَجَّانًا وَلَا بِحَقِّ الْمِيرَاثِ بَلْ بِحَقِّ الشِّرَاءِ وَالْمُبَادَلَةِ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ، الْمَسْأَلَةَ ٥٦.
وَمِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ سُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ الْمُجَاوِرَةُ لَهَا بِئْرَ سَبْعٍ، وَهِيَ آخِرُ مُدُنِ يَهُوذَا جَنُوبًا، كَمَا أَنَّ دَانَ هِيَ آخِرُهَا شَمَالًا؛ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَادَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ التَّعْبِيرَ عَنْ طُولِ يَهُوذَا بِهَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ قَائِلًا: «مِنْ دَانَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ.» وَفِي بِئْرِ سَبْعٍ أَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ زَمَنًا طَوِيلًا؛ وَلِذَلِكَ فِي بِئْرِ سَبْعٍ كَمَا فِي دَانَ أَيْضًا أَقَامَ يَرُبْعَامُ عُجُولَهُ الذَّهَبِيَّةَ لِيَعْبُدَهَا الشَّعْبُ. وَهَذِهِ الْبِئْرُ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ بِئْرِ الْحَيِّ الرَّائِي، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ١٦، الْآيَةِ ١٤.
يُعَلِّمُ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ «نِشْبَّا» أَيْ أُقْسِمُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ «شِبْعَا» أَيِ السَّبْعُ، لِأَنَّ الْقَسَمَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ إِلَّا لِسَبْعَةِ أَسْبَابٍ، أَيْ أَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ وَجَسِيمَةٍ، وَكَذَلِكَ حُجَجٍ وَشُهُودٍ؛ فَإِنَّ الْقَسَمَ أَمْرٌ مُقَدَّسٌ تَتَوَسَّطُ فِيهِ السُّلْطَةُ الْإِلَهِيَّةُ وَالصِّدْقُ الرَّبَّانِيُّ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ بِتَهَوُّرٍ أَوْ خِفَّةٍ، بَلْ بِعَزْمٍ مُتَثَبِّتٍ وَيَقِينٍ بِأَوْجُهٍ عَدِيدَةٍ.
الْآيَةُ ٣٣: غَرَسَ أَيْكَةً
«غَرَسَ أَيْكَةً.» — تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: غَرَسَ حَقْلًا؛ وَأُونْقِلُوسُ: غَرَسَ مَغْرِسًا؛ وَيُونَاثَانُ صَاحِبُ تَرْجُومِ أُورُشَلِيمَ: غَرَسَ بُسْتَانًا كَثِيفَ الْأَشْجَارِ مَمْلُوءًا بِأَفْضَلِ الثِّمَارِ. وَيُضِيفُ يُونَاثَانُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْغُرَبَاءَ فِي هَذَا الْبُسْتَانِ وَيُكْرِمُهُمْ بِالضِّيَافَةِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ ثَمَنًا أَنْ يَخَافُوا وَيَعْبُدُوا خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. وَمِمَّا يَلِي: «وَدَعَا هُنَاكَ بِاسْمِ الرَّبِّ الْإِلَهِ الْأَزَلِيِّ»، يَتَّضِحُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَقَامَ هُنَاكَ أَيْضًا مَذْبَحًا لِلصَّلَاةِ وَالذَّبِيحَةِ. فَكَانَ هَذَا بِمَثَابَةِ مُعْتَزَلٍ نُسُكِيٍّ.
وَمِنْ هُنَا تُسَمَّى هَذِهِ الْأَيْكَةُ بِالْعِبْرِيَّةِ «إِشِلْ» أَيْ مَغْرِسٌ أَوْ غَابَةٌ مَزْرُوعَةٌ بِالْأَشْجَارِ هَادِئَةٌ وَبَهِيجَةٌ، مِنَ الْجَذْرِ «شَقَلَ» أَيْ «هَدَأَ وَسَكَنَ»، فَسُمِّيَتْ إِذَنْ هَذِهِ الْأَيْكَةُ «إِشِلْ» مِنَ الْهُدُوءِ وَالصَّمْتِ وَالسَّكِينَةِ، كَمَا يُسَمَّى الْمَوْضِعُ ذَاتُهُ أَوِ الْأَيْكَةُ بِالْعِبْرِيَّةِ «أَشِيرَا» مِنَ السَّعَادَةِ وَالطُّوبَى، فَفِي غَابَةٍ هَادِئَةٍ بَهِيجَةٍ يَحْسَبُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ سَعِيدًا مَغْبُوطًا.
كَانَتْ هَذِهِ الْأَيْكَةُ مُصَلَّى إِبْرَاهِيمَ وَمُعْتَزَلَهُ، يَنْسَحِبُ إِلَيْهِ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ مِنَ الْهُمُومِ وَالْأَشْغَالِ حِينَ يُرِيدُ مُنَاجَاةَ اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ.
وَ«إِشِلْ» الْعِبْرِيَّةُ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْأَثْلِ (الطَّرْفَاءِ). وَالْمُتَرْجِمُونَ الْقُدَمَاءُ وَضَعُوا الْجِنْسَ مَوْضِعَ النَّوْعِ فَتَرْجَمُوهَا «شَجَرَةً» أَوْ «أَيْكَةً».
الْآيَةُ ٣٤: وَكَانَ نَزِيلًا
«وَكَانَ نَزِيلًا»، أَيْ مُقِيمًا وَغَرِيبًا، لَا أَصِيلًا وَمُسْتَوْطِنًا. فَبِالْعِبْرِيَّةِ «وَيَّاغَرْ» أَيْ «وَتَغَرَّبَ إِبْرَاهِيمُ فِي أَرْضِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ.»