كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
اسْتَوْلَى مَلِكُ جَرَارَ عَلَى زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ؛ فَعَاقَبَهُ اللهُ وَوَبَّخَهُ، الْآيَةُ ٣؛ وَالْمَلِكُ، الْآيَةُ ٩، عَاتَبَ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ سَمَّاهَا أُخْتَهُ؛ وَأَخِيرًا، الْآيَةُ ١٧، لَمَّا صَلَّى إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَجْلِهِ، شُفِيَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٠: ١-١٨
١. ارْتَحَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ إِلَى أَرْضِ الْجَنُوبِ، وَسَكَنَ بَيْنَ قَادَشَ وَشُورَ؛ وَتَغَرَّبَ فِي جَرَارَ. ٢. وَقَالَ عَنْ سَارَةَ زَوْجَتِهِ: «هِيَ أُخْتِي». فَأَرْسَلَ أَبِيمَالِكُ مَلِكُ جَرَارَ وَأَخَذَهَا. ٣. فَأَتَى اللهُ إِلَى أَبِيمَالِكَ فِي حُلْمٍ بِاللَّيْلِ وَقَالَ لَهُ: «هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذْتَهَا؛ فَإِنَّ لَهَا زَوْجًا». ٤. وَلَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْهَا، فَقَالَ: «يَا رَبُّ، أَتُهْلِكُ أُمَّةً بَرِيئَةً وَبَارَّةً؟» ٥. أَلَمْ يَقُلْ هُوَ نَفْسُهُ لِي: «هِيَ أُخْتِي»؛ وَهِيَ أَيْضًا قَالَتْ: «هُوَ أَخِي». بِبَسَاطَةِ قَلْبِي وَنَقَاوَةِ يَدَيَّ فَعَلْتُ هَذَا. ٦. فَقَالَ لَهُ اللهُ: «وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ بِبَسَاطَةِ قَلْبِكَ فَعَلْتَ هَذَا؛ وَلِذَلِكَ حَفِظْتُكَ مِنْ أَنْ تُخْطِئَ إِلَيَّ، وَلَمْ أَدَعْكَ تَمَسَّهَا. ٧. فَالْآنَ رُدَّ زَوْجَةَ الرَّجُلِ، لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُصَلِّي مِنْ أَجْلِكَ فَتَحْيَا؛ وَإِنْ لَمْ تَرُدَّهَا فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَوْتًا تَمُوتُ أَنْتَ وَكُلُّ مَا لَكَ». ٨. فَقَامَ أَبِيمَالِكُ فِي الْحَالِ فِي اللَّيْلِ، وَدَعَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ وَتَكَلَّمَ بِكُلِّ هَذَا الْكَلَامِ فِي مَسَامِعِهِمْ، فَخَافَ جَمِيعُ الرِّجَالِ خَوْفًا شَدِيدًا. ٩. وَدَعَا أَبِيمَالِكُ إِبْرَاهِيمَ أَيْضًا وَقَالَ لَهُ: «مَاذَا فَعَلْتَ بِنَا؟ وَمَاذَا أَخْطَأْنَا إِلَيْكَ حَتَّى جَلَبْتَ عَلَيَّ وَعَلَى مَمْلَكَتِي خَطِيئَةً عَظِيمَةً؟ فَعَلْتَ بِنَا مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ». ١٠. وَعَاتَبَهُ أَيْضًا قَائِلًا: «مَاذَا رَأَيْتَ حَتَّى فَعَلْتَ هَذَا؟» ١١. فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ: «قُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّهُ لَا مَخَافَةَ لِلَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَيَقْتُلُونَنِي مِنْ أَجْلِ زَوْجَتِي. ١٢. وَأَيْضًا هِيَ حَقًّا أُخْتِي، ابْنَةُ أَبِي، وَلَكِنْ لَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي، فَاتَّخَذْتُهَا زَوْجَةً. ١٣. وَلَمَّا أَخْرَجَنِيَ اللهُ مِنْ بَيْتِ أَبِي، قُلْتُ لَهَا: هَذَا الْمَعْرُوفَ تَصْنَعِينَهُ مَعِي: فِي كُلِّ مَكَانٍ نَدْخُلُهُ قُولِي إِنِّي أَخُوكِ». ١٤. فَأَخَذَ أَبِيمَالِكُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا وَإِمَاءً وَأَعْطَاهَا لِإِبْرَاهِيمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ سَارَةَ زَوْجَتَهُ، ١٥. وَقَالَ: «هُوَذَا أَرْضِي أَمَامَكَ؛ اسْكُنْ حَيْثُمَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْكَ». ١٦. وَقَالَ لِسَارَةَ: «هَا أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُ أَخَاكِ أَلْفَ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ؛ هَذَا يَكُونُ لَكِ غِطَاءً لِلْعُيُونِ عِنْدَ جَمِيعِ الَّذِينَ مَعَكِ، وَحَيْثُمَا ذَهَبْتِ؛ وَاذْكُرِي أَنَّكِ قَدِ اكْتُشِفْتِ». ١٧. فَصَلَّى إِبْرَاهِيمُ، فَشَفَى اللهُ أَبِيمَالِكَ وَزَوْجَتَهُ وَجَوَارِيَهُ، فَوَلَدْنَ. ١٨. لِأَنَّ الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ فِي بَيْتِ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ سَارَةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ.
الْآيَةُ ١: ارْتَحَلَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ هُنَاكَ
مِنْ مَمْرَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ١٨: ١، ارْتَحَلَ إِلَى جَرَارَ، أَوَّلًا، بِسَبَبِ الدَّمَارِ الَّذِي حَلَّ حَدِيثًا بِسَدُومَ، لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ سَدُومَ وَالْبَحْرِ الْمَيِّتِ الَّذِي كَانَ بِأَبْخِرَتِهِ يَنْفُثُ الْعُقْمَ وَالْوَبَاءَ عَلَى الْأَمَاكِنِ الْمُجَاوِرَةِ.
ثَانِيًا، لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ غَرِيبًا فِي كَنْعَانَ وَأَنْ يَكُونَ دَائِمًا فِي تَغَرُّبٍ، لِيُعَلِّمَنَا أَنَّنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ غُرَبَاءُ وَسَائِرُونَ نَحْوَ السَّمَاءِ، عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٤٠.
ثَالِثًا، لِيَنْفَعَ فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ وَبَيْنَ شُعُوبٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِتَعْلِيمِهِ وَتَقْوَاهُ وَقُدْوَةِ حَيَاتِهِ، وَلِيَنْثُرَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بُذُورَ الدِّينِ الْحَقِيقِيِّ وَالْفَضِيلَةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ٢: فَأَخَذَهَا
«فَأَخَذَهَا» — لِيَتَّخِذَهَا زَوْجَةً. وَكَانَتْ سَارَةُ قَدْ بَلَغَتْ تِسْعِينَ سَنَةً، فَقَدْ يَبْدُو لِلْبَعْضِ مِنَ الْمُدْهِشِ أَنَّهَا فِي تِلْكَ السِّنِّ كَانَتْ عَلَى قَدْرٍ مِنَ الْجَمَالِ جَعَلَ مَلِكًا يَشْتَهِيهَا. لَكِنَّ ذَوِي التِّسْعِينَ سَنَةً فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانُوا كَأَبْنَاءِ الْأَرْبَعِينَ أَوِ الْخَمْسِينَ عِنْدَنَا، وَفِي هَذَا السِّنِّ لَا يَزَالُ بَعْضُ الْأَقْوِيَاءِ يَحْتَفِظُونَ بِجَمَالِهِمُ السَّابِقِ. وَيُضِيفُ بْرُوكُوبْيُوسْ أَنَّ الْعِنَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ، مَعَ إِعَادَةِ خُصُوبَةِ سَارَةَ، أَعَادَتْ أَيْضًا جَمَالَهَا السَّابِقَ.
وَسَاعَدَ عَلَى جَمَالِ سَارَةَ أَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ بِنْيَةٍ جَسَدِيَّةٍ مُمْتَازَةٍ جِدًّا، وَأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ قَطُّ، وَلَمْ تُرْضِعْ قَطُّ، وَأَنَّهَا — كَمَا يَرَى تُورْنِيلُّوسْ وَغَيْرُهُ — امْتَنَعَتْ لِسِنِينَ عَدِيدَةٍ قَبْلَ ذَلِكَ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ، أَيْ مُنْذُ عَلِمَتْ يَقِينًا أَنَّهَا عَاقِرٌ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ١٨: ١٢؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَحْفَظُ الْقُوَّةَ وَالْجَمَالَ. كَمَا أَنَّهُ — عَلَى الْعَكْسِ — فَإِنَّ ضَعْفَ الْبِنْيَةِ، وَكَثْرَةَ الْوِلَادَاتِ، وَطُولَ فَتَرَاتِ الرَّضَاعَةِ، وَتَكْرَارَ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ، تُوهِنُ الْقُوَى وَتُعَجِّلُ التَّجَاعِيدَ وَالشَّيْخُوخَةَ.
مُلَاحَظَةٌ: حَبِلَتْ سَارَةُ بِإِسْحَاقَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنِ انْصِرَافِ الْمَلَائِكَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ ذَهَبَتْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى جَرَارَ، حَيْثُ أَخَذَهَا أَبِيمَالِكُ لِنَفْسِهِ فَوْرًا، وَلِذَلِكَ ضَرَبَهُ اللهُ سَرِيعًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٧، بِعُقْمٍ عَامٍّ وَمَرَضٍ شَدِيدٍ جِدًّا لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ لِلْأَطِبَّاءِ: وَهَكَذَا مُنِعَ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى سَارَةَ. وَلَمَّا يُئِسَ مِنْ عَوْنِ الْأَطِبَّاءِ، ظَهَرَ لَهُ اللهُ فِي الْأَحْلَامِ وَأَمَرَهُ بِرَدِّ سَارَةَ: هَكَذَا يَرْوِي يُوسِيفُوسْ.
الْآيَةُ ٣: فِي الْحُلْمِ
مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا عُرِضَتْ عَلَى أَبِيمَالِكَ النَّائِمِ فِي مُخَيِّلَتِهِ: إِذْ صَاغَ الْمَلَاكُ فِيهَا كَلِمَاتِ اللهِ الْمُتَكَلِّمِ وَأَبِيمَالِكَ الْمُجِيبِ، بِحَيْثُ بَدَا لِلْمَلِكِ تَمَامًا أَنَّهُ يُحَاوِرُ اللهَ. «هَا أَنْتَ مَيِّتٌ» — أَيْ مَا لَمْ تَرُدَّهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ الْآنَ أَنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ، إِلَى زَوْجِهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٧.
الْآيَةُ ٥: بِبَسَاطَةٍ
«بِبَسَاطَةٍ» — بِقَلْبٍ بَسِيطٍ، بَرِيءٍ، مُسْتَقِيمٍ وَصَادِقٍ؛ فَإِنَّ الْبَسِيطَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يُوصَفُ بِأَنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ، الصَّادِقُ، الْبَرِيءُ، الَّذِي لَا يُؤْذِي أَحَدًا.
الْآيَةُ ٦: وَأَنَا أَعْلَمُ
«وَأَنَا أَعْلَمُ» — أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنَ الزِّنَا، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ الظُّلْمِ: فَإِنَّكَ أَخَذْتَهَا رَغْمًا عَنْهَا بِسُلْطَتِكَ، وَلِذَلِكَ عَاقَبْتُكَ، الْآيَةُ ١٧. «لِكَيْ لَا تُخْطِئَ» — لِئَلَّا تَرْتَكِبَ الزِّنَا حَتَّى وَأَنْتَ جَاهِلٌ، وَتَكُونَ زَانِيًا مَادِّيًّا عَلَى الْأَقَلِّ. «لَمْ أَدَعْكَ» — مَنَعْتُكَ بِالْمَرَضِ، الْآيَةُ ١٧.
الْآيَةُ ٧: يُصَلِّي
«يُصَلِّي» — وَيَنَالُ بِالصَّلَاةِ أَنْ تَزُولَ عَنْكَ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ. «لِأَنَّهُ نَبِيٌّ» — لِأَنَّهُ رَجُلٌ قِدِّيسٌ يَتَعَامَلُ اللهُ مَعَهُ وَيُكَلِّمُهُ بِأُلْفَةٍ. ثَانِيًا، كَانَ إِبْرَاهِيمُ نَبِيًّا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ: إِذْ عَرَفَ أُمُورًا مُسْتَقْبَلِيَّةً كَثِيرَةً، كَوِلَادَةِ إِسْحَاقَ لَهُ، وَمِنْهُ الْمَسِيحُ، وَأَنَّ نَسْلَهُ فِي الْجِيلِ الرَّابِعِ سَيَرِثُ كَنْعَانَ، وَأَنَّ سَدُومَ سَتُدَمَّرُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَيَّنْتُ سَبْعَ دَلَالَاتٍ لِكَلِمَةِ «نَبِيّ» عِنْدَ رِسَالَةِ كُورِنْثُوسَ الْأُولَى ١٤، فِي الْبِدَايَةِ.
إِنَّ لَفْظَةَ نَابِي تَدُلُّ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْخَطِيبِ، وَمِنْ ثَمَّ الرَّسُولِ، وَالْوَسِيطِ، وَالْمُتَرْجِمِ. فَهَارُونُ، فِي الْخُرُوجِ ٧: ١، يُسَمَّى نَابِي مُوسَى، لِأَنَّهُ كَانَ يُبَلِّغُ أَوَامِرَ مُوسَى إِلَى فِرْعَوْنَ. وَإِبْرَاهِيمُ هُنَا هُوَ كَأَنَّهُ رَسُولٌ مِنْ أَبِيمَالِكَ إِلَى اللهِ، وَكَانَ سَيَكُونُ — لَوِ اقْتَضَى الْأَمْرُ — رَسُولًا مِنَ اللهِ إِلَى النَّاسِ.
الْآيَةُ ٨: وَفِي الْحَالِ فِي اللَّيْلِ
«وَفِي الْحَالِ فِي اللَّيْلِ» — فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، كَمَا وَرَدَ فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ وَالْكَلْدَانِيِّ وَالسَّبْعِينِيِّ.
«عَبِيدُهُ» — لَيْسُوا أَرِقَّاءَ، بَلْ رِجَالُ بَلَاطٍ مِنْ ذَوِي الْمَكَانَةِ الْحُرَّةِ.
الْآيَةُ ٩: جَلَبْتَ عَلَيَّ خَطِيئَةً عَظِيمَةً
«عَلَى مَمْلَكَتِي». فَإِنَّ اللهَ مُعْتَادٌ أَنْ يُعَاقِبَ الْمَمَالِكَ بِسَبَبِ خَطَايَا الْمُلُوكِ، لِأَنَّ الشَّعْبَ شَيْءٌ تَابِعٌ لِلْأَمِيرِ، وَهُوَ كَجُزْءٍ مِنَ الْأَمِيرِ، أَوْ عُضْوٍ سِيَاسِيٍّ. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسْ. «جَلَبْتَ عَلَيَّ خَطِيئَةً عَظِيمَةً» — زِنًا مَادِّيًّا. فَبِقَوْلِكَ إِنَّ سَارَةَ أُخْتُكَ لَا زَوْجَتُكَ، أَعْطَيْتَنِي فُرْصَةَ أَنْ أَتَّخِذَهَا زَوْجَةً، وَهِيَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتِي، بَلْ فَقَطْ سُرِّيَّةً وَزَانِيَةً؛ فَإِنَّ الْعَامَّةَ يُسَمُّونَ الْخَطِيئَةَ الْمَادِّيَّةَ خَطِيئَةً، وَيَحْسَبُونَهَا خَطِيئَةً.
وَكَانَ أَبِيمَالِكُ يَسْتَطِيعُ أَيْضًا أَنْ يَخْشَى وَيَشُكَّ فِيمَا إِذَا كَانَ قَدِ اسْتَقْصَى وَسَأَلَ إِبْرَاهِيمَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَمَّا إِذَا كَانَتْ سَارَةُ مُتَزَوِّجَةً. وَالْمُؤَكَّدُ أَنَّهُ يَبْدُو أَنَّهُ أَخْطَأَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّهْوَةِ وَالتَّسَاهُلِ، كَمَا اعْتَادَ بَعْضُ الْمُلُوكِ أَنْ يَفْعَلُوا، وَلَا سِيَّمَا الْوَثَنِيِّينَ مِنْهُمْ، إِذْ يَطْلُبُونَ بِتَسَلُّطٍ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، حَتَّى زَوْجَاتِ الْآخَرِينَ وَأَمْوَالَهُمْ. أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي أَبِيمَالِكَ ذَنْبًا صُورِيًّا، فِي أَنَّهُ خَطَفَ سَارَةَ رَغْمًا عَنْهَا. ثَانِيًا، «خَطِيئَةً عَظِيمَةً»، أَيِ انْتِقَامًا عَظِيمًا لِخَطِيئَتِيَ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، عُقُوبَةً وَبَلِيَّةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٧. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسْ. فَإِنَّ اللهَ أَحْيَانًا يُعَاقِبُ النَّاسَ حَتَّى عَلَى الْخَطَايَا الْمَادِّيَّةِ، أَيْ يُؤَدِّبُهُمْ وَيُضَايِقُهُمْ، لِكَيْ يَبْحَثُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ — وَلَا سِيَّمَا الْأُمَرَاءُ وَالرُّؤَسَاءُ — عَنْهَا وَيَسْتَأْصِلُوهَا. هَكَذَا فَعَلَ اللهُ هُنَا مَعَ أَبِيمَالِكَ.
الْآيَةُ ١٠: مَاذَا رَأَيْتَ
«مَاذَا رَأَيْتَ»، أَيْ مَا الَّذِي كَانَ فِي ذِهْنِكَ حَتَّى، إِلَخ.
الْآيَةُ ١٢: هِيَ حَقًّا أُخْتِي
«هِيَ حَقًّا أُخْتِي» — أَيْ: حَقًّا، وَفْقَ عُرْفِ قَوْمِي الَّذِي يَدْعُو بَنَاتِ الْأَخِ أَخَوَاتٍ وَأَبْنَاءَ الْأَخِ إِخْوَةً، دَعَوْتُ سَارَةَ أُخْتِي، إِذْ هِيَ ابْنَةُ أَخِي، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٢، الْآيَةِ ١٣؛ وَكَذَلِكَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ لُوطًا أَخَاهُ، أَيِ ابْنَ أَخِيهِ، فِي الْإِصْحَاحِ ١٣، الْآيَةِ ٨.
وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ فِي عَائِلَةِ تَارَحَ كَانُوا يَدْعُونَ تَارَحَ نَفْسَهُ أَبًا، وَكَأَنَّهُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ هَارَانَ، أَبِي سَارَةَ وَلُوطٍ، صَارَ تَارَحُ لَهُمْ لَيْسَ فِي مَقَامِ الْجَدِّ فَحَسْبُ، بَلْ فِي مَقَامِ الْأَبِ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ يَدْعُو الْفِلِمَنْكِيُّونَ وَالْفَرَنْسِيُّونَ عَادَةً أَجْدَادَهُمْ «الْآبَاءَ الْكِبَارَ».
لِذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُرَجَّحِ مَا يَبْنِيهِ كَايِتَانُوسُ وَآخَرُونَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، مِنْ أَنَّ سَارَةَ كَانَتْ أُخْتَ إِبْرَاهِيمَ الْحَقِيقِيَّةَ، الْمَوْلُودَةَ مِنَ الْأَبِ الْمُبَاشِرِ نَفْسِهِ تَارَحَ، لَكِنْ مِنْ أُمٍّ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِأَنَّ الزَّوَاجَ بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مُحَرَّمٌ وَبَاطِلٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَرَابَةِ، لَيْسَ فِي الْخَطِّ الْمُبَاشِرِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْخَطِّ الْجَانِبِيِّ أَيْضًا، أَيْ بَيْنَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ، الْفَصْلُ ٣٥. وَمَنْ ذَا الَّذِي يُصَدِّقُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، الرَّجُلَ الصَّالِحَ الْحَكِيمَ الشَّرِيفَ، قَدِ اتَّخَذَ أُخْتَهُ زَوْجَةً لَهُ؟
«ابْنَةُ أَبِي وَلَيْسَتِ ابْنَةَ أُمِّي» — أَيْ: إِنَّ سَارَةَ تَنْحَدِرُ مِنَ الْأَبِ نَفْسِهِ تَارَحَ كَمَا أَنْحَدِرُ أَنَا، لَكِنْ عَنْ طَرِيقِ أُمٍّ مُخْتَلِفَةٍ؛ وَمِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّ تَارَحَ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ، مِنْ إِحْدَاهُمَا وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ، وَمِنَ الْأُخْرَى هَارَانُ الَّذِي أَنْجَبَ سَارَةَ وَلُوطًا.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الزَّوَاجَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْقَرَابَةِ الْجَانِبِيَّةِ، أَيْ بَيْنَ الْعَمِّ وَابْنَةِ الْأَخِ، لَيْسَ مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا مُطْلَقًا بِالشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَكَانَ مُعْتَادًا آنَذَاكَ؛ أَمَّا الْآنَ فَقَدْ حُرِّمَ بِالشَّرِيعَةِ الْوَضْعِيَّةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ أَعْلَاهُ.
الْآيَةُ ١٣: بَعْدَمَا أَخْرَجَنِيَ اللهُ
«بَعْدَمَا أَخْرَجَنِيَ اللهُ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «حِينَ جَعَلَنِيَ الْآلِهَةُ أَتِيهُ وَأَرْتَحِلُ كَالتَّائِهِ» (فَهَذَا هُوَ الْعِبْرِيُّ هِتْعُو)، أَيِ اللهُ الْوَاحِدُ، لَكِنَّهُ ثَالُوثٌ فِي الْأَقَانِيمِ.
الْآيَةُ ١٦: أَلْفُ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ
«أَلْفُ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ» — أَيْ أَلْفُ شَاقِلٍ، كَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ؛ فَحِينَ يُذْكَرُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قِطْعَةٌ مِنَ الْفِضَّةِ أَوِ الذَّهَبِ، يُقْصَدُ بِهَا الشَّاقِلُ، كَمَا يُثْبِتُ مَارِيَانَا جَيِّدًا فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ «فِي الْأَوْزَانِ»، وَدِلْرِيُو هُنَا؛ فَأَلْفُ شَاقِلٍ فِضِّيٍّ تُسَاوِي أَلْفَ فُلُورِينٍ بَرَابَانْتِيٍّ: إِذِ الشَّاقِلُ يُسَاوِي فُلُورِينًا وَاحِدًا، أَوْ أَرْبَعَةَ رِيَالَاتٍ إِسْبَانِيَّةٍ. وَقِيمَةُ ذَلِكَ الشَّاقِلِ الْعَتِيقِ جِدًّا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهَا.
تَرْجَمَتْهُ السَّبْعِينِيَّةُ بِأَلْفِ دِرَاخْمَتَيْنِ، أَيْ عِبْرِيَّةٍ: فَالدِّرَاخْمَتَانِ الْعِبْرِيَّتَانِ، أَوِ الشَّاقِلُ، كَانَتَا تَحْوِيَانِ لَا دِرَاخْمَتَيْنِ بَلْ أَرْبَعَ دَرَاخِمَ أَتِّيكِيَّةً، أَيْ أَرْبَعَةَ رِيَالَاتٍ، كَمَا قُلْتُ أَعْلَاهُ. «لِأَخِيكِ» — الَّذِي تَدْعِينَهُ أَخَاكِ، مَعَ أَنَّهُ زَوْجُكِ. إِنَّهُ تَهَكُّمٌ.
«يَكُونُ لَكِ هَذَا غِطَاءً لِلْعُيُونِ» — أَيْ حِمَايَةً لِلْحَيَاءِ، وَكَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ، غِطَاءً لِكَرَامَتِكِ، لِأَنِّي أَرْسَلْتُ لِآخُذَكِ عَرُوسًا لِي، وَلِأَنِّي عَامَلْتُكِ بِإِكْرَامٍ، وَأَعَدْتُكِ بِلَا مَسَاسٍ إِلَى زَوْجِكِ: فَالْعُيُونُ هِيَ مَوْضِعُ الْحَيَاءِ. وَهُوَ يُلَمِّحُ إِلَى عَادَةِ الْقُدَمَاءِ؛ فَالْعَرَائِسُ حِينَ كُنَّ يُزَفَفْنَ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، كُنَّ يَتَحَجَّبْنَ حَيَاءً بِخِمَارٍ يُسَمَّى الْفْلَامِيُومَ، أَوْ يُغَطِّينَ رُؤُوسَهُنَّ بِعَبَاءَةٍ، كَمَا فَعَلَتْ رِفْقَةُ، التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ ٢٤، الْآيَةُ ٦٣. اُنْظُرْ أَلِكْسَنْدَرَ مِنْ أَلِكْسَنْدَرَ، الْكِتَابُ الثَّانِي مِنْ الْمَآدِبِ، الْفَصْلُ ٥؛ وَاُنْظُرْ أَيْضًا مَا قِيلَ عِنْدَ الرِّسَالَةِ الْأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ١١: ٥ وَمَا يَلِيهَا.
وَالْمَعْنَى إِذًا، كَمَا يُوَضِّحُ دِلْرِيُو صَوَابًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَا أَنَا ذَا كَالْإِشْبِينِ وَرَاعِي زَوَاجِكِ الْمُجَدَّدِ، أُسَلِّمُكِ زَوْجَةً إِلَى يَدِ زَوْجِكِ — غَايُوسَ إِلَى غَايَا — لِأَنِّي أُضِيفُ أَيْضًا مَهْرًا مِنْ أَلْفِ شَاقِلٍ. فَلْيَكُنْ ذَلِكَ لَكِ بِمَنْزِلَةِ خِمَارِ الْعَرُوسِ؛ بَلِ اشْتَرِي بِهِ خِمَارًا إِنْ شِئْتِ؛ وَبِهِ، كَعَرُوسٍ جَدِيدَةٍ، اسْتُرِي عَارَ الزِّفَافِ وَخِدَاعِكِ وَأَيِّ شُبُهَاتٍ حَوْلِي وَحَوْلَكِ؛ فَسَيَفْهَمُ الْجَمِيعُ بِسُهُولَةٍ أَنَّكِ عُومِلْتِ بِعِفَّةٍ مِنْ قِبَلِي، مِنْ حَيْثُ أَنَّكِ أُعِدْتِ بِهَذِهِ الرَّسْمِيَّةِ وَالْإِكْرَامِ إِلَى زَوْجِكِ.
ثَانِيًا، يُفَسِّرُ هَامِرُوسُ ذَلِكَ هَكَذَا: أَعْطَيْتُكِ أَلْفَ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ لِتَشْتَرِي لِنَفْسِكِ وَلِجَوَارِيكِ خِمَارًا لِلْوَجْهِ، لِتَسْتُرِي جَمَالَكِ كَيْ لَا يَكُونَ لِلْآخَرِينَ كَمَا كَانَ لِي إِغْرَاءً وَدَاعِيًا إِلَى الشَّهْوَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَسِيرِي كَأَنَّكِ غَيْرُ مُتَزَوِّجَةٍ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ كَمَا فَعَلْتِ مِنْ قَبْلُ، بَلْ غَطِّيهِ وَاحْتَجِبِي كَامْرَأَةٍ مُتَزَوِّجَةٍ.
ثَالِثًا، يُتَرْجِمُ كَايِتَانُوسُ لَا «هَذَا» بَلْ «هَذَا الرَّجُلُ»، أَيْ إِبْرَاهِيمُ زَوْجُكِ، سَيَكُونُ غِطَاءً لِلْعُيُونِ لِكُلِّ مَنْ يَشْتَهِيكِ زَوْجَةً، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَنْ يَجْرُؤَ أَحَدٌ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ زَوْجُكِ، حَتَّى لَوْ رَآكِ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ، أَنْ يَشْتَهِيَكِ وَيَأْخُذَكِ زَوْجَةً. فَإِبْرَاهِيمُ، بِوَصْفِهِ زَوْجَكِ، سَيَحْجُبُ عُيُونَ الْجَمِيعِ وَيُغْلِقُهَا، وَأَمَلَهُمْ وَفِكْرَهُمْ فِي الزَّوَاجِ مِنْكِ. لَكِنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ.
«اُذْكُرِي أَنَّكِ قَدْ ضُبِطْتِ.» يُرِيدُ لِيبُومَانُوسُ تَصْحِيحَهَا إِلَى «وُبِّخْتِ»: فَهَكَذَا فِي الْعِبْرِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيَّةِ. لَكِنَّ سَارَةَ وُبِّخَتْ بِعَيْنِ ذَلِكَ الضَّبْطِ، وَرُشَّتْ كَأَنَّمَا بِمِلْحٍ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا لَا تَسْتَخْدِمِي هَذَا التَّمْوِيهَ وَالْخِدَاعَ، فَتَدْعِي زَوْجَكِ أَخَاكِ، لِئَلَّا تُعَرِّضِي نَفْسَكِ لِلْعَارِ وَالْآخَرِينَ لِخَطَرِ الْإِثْمِ؛ وَلِهَذَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «كُونِي صَادِقَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ.»
الْآيَةُ ١٨: لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ
«لِأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَغْلَقَ كُلَّ رَحِمٍ فِي بَيْتِ أَبِيمَالِكَ» — فَلَمْ تَسْتَطِعِ النِّسَاءُ أَنْ يَحْبَلْنَ، أَوْ أَنْ يَضَعْنَ وَيَلِدْنَ مَا كُنَّ قَدْ حَبِلْنَ بِهِ مِنْ قَبْلُ: وَمِنْ هَذَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُعَذَّبْنَ بِأَشَدِّ الْآلَامِ مَرَارَةً، أَيْ أَنَّ اللهَ جَعَلَهُنَّ جَمِيعًا عَاقِرَاتٍ. وَيُضِيفُ يُوسُفُوسُ أَنَّ أَبِيمَالِكَ ضَرَبَهُ اللهُ بِمَرَضٍ بَالِغِ الشِّدَّةِ حَتَّى يَئِسَ الْأَطِبَّاءُ مِنْ حَيَاتِهِ. وَيُشِيرُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِلَى هَذَا أَيْضًا حِينَ يَقُولُ: «فَلَمَّا صَلَّى إِبْرَاهِيمُ» (اُنْظُرْ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، كَمْ تَنْفَعُ صَلَوَاتُ الْبَارِّ عِنْدَ اللهِ)، «شَفَى اللهُ أَبِيمَالِكَ.» وَيُضِيفُ آخَرُونَ نَقَلَهُمْ بِيرِيرِيُوسُ أَنَّهُ أُصِيبَ بِعَذَابٍ هَائِلٍ فِي أَعْضَائِهِ التَّنَاسُلِيَّةِ.
لَمْ يَكُنْ أَبِيمَالِكُ قَدْ أَخْطَأَ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ كَانَ خَطَؤُهُ يَسِيرًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَتَيْنِ ٤ وَ٦، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ لَمْ تَكُنْ لَهُ عُقُوبَةً بِقَدْرِ مَا كَانَتْ لِجَامًا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ سَارَةَ؛ وَحَافِزًا يُلْزِمُهُ بِأَنْ يَرُدَّ سَارَةَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَوْرًا.
الْجِرَارِيُّونَ وَعِبَادَةُ الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ
مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ يَتَّضِحُ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَيِ الْجِرَارِيِّينَ، كَانُوا يَعْبُدُونَ الْإِلَهَ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ: فَقَدْ كَانَ يَعْبُدُهُ مَلِكُهُمْ أَبِيمَالِكُ، الرَّجُلُ التَّقِيُّ الصَّالِحُ، كَمَا يُسْتَنْتَجُ: أَوَّلًا، مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ سَارَةَ زَوْجَةً إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَمِعَ أَنَّهَا أُخْتُ إِبْرَاهِيمَ وَظَنَّهَا غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ: لَكِنْ حَالَمَا عَلِمَ أَنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ رَدَّهَا؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ فِي الْآيَةِ ٤ دَعَا نَفْسَهُ وَقَوْمَهُ «أُمَّةً بَارَّةً»؛ ثَالِثًا، لِأَنَّهُ تَحَدَّثَ مَعَ اللهِ بِأُلْفَةٍ، الْآيَةُ ٣، وَقَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ، الْآيَةُ ٦؛ رَابِعًا، لِأَنَّهُ فِي الْآيَةِ ١٠، حِينَ عَاتَبَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «مَاذَا رَأَيْتَ (مِنْ كُفْرٍ فِي أُمَّتِي) حَتَّى تَفْعَلَ هَذَا؟»؛ خَامِسًا، لِأَنَّهُ فِي الْآيَةِ ١٤ عَامَلَ إِبْرَاهِيمَ بِكَرَمٍ وَدَعَاهُ لِيَسْكُنَ مَعَهُ.
وَكَذَلِكَ كَانَ مَلْكِيصَادَقُ، مَلِكُ شَالِيمَ، وَكَمَا يَبْدُو مُوَاطِنُوهُ، الْإِصْحَاحُ ١٤؛ وَكَذَلِكَ الْحَبْرُونِيُّونَ، الْإِصْحَاحُ ٢٣. وَكَذَلِكَ كَانَ أَيُّوبُ مَعَ أَهْلِ عُوصَ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ وَآخَرُونَ. فَبِالْإِضَافَةِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ، كَانَ هُنَاكَ آنَذَاكَ أُمَرَاءُ وَشُعُوبٌ آخَرُونَ يَعْبُدُونَ اللهَ الْحَقِيقِيَّ وَيَتَّقُونَهُ.
تَأَمُّلٌ أَخْلَاقِيٌّ مِنَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ
أَخْلَاقِيًّا، يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، فِي الْعِظَةِ ٤٥، كَمْ يَكُونُ الْبَارُّ، مِثْلُ إِبْرَاهِيمَ، عَزِيزًا عَلَى قَلْبِ اللهِ وَمَحَلَّ عِنَايَتِهِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لِأَنَّهُ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، لَا يُنْقِذُهُ مِنَ الْمَوْتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَجْعَلُهُ أَيْضًا فَجْأَةً مَجِيدًا وَغَنِيًّا. «فَعَلَى هَذَا النَّحْوِ»، يَقُولُ، «اعْتَادَ اللهُ أَنْ يَفْعَلَ: فَهُوَ لَا يُحَرِّرُ فَقَطْ مِنَ الْأَحْزَانِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ بِشَجَاعَةٍ الْمَخَاطِرَ الَّتِي يَقَعُونَ فِيهَا، بَلْ يَمْنَحُ أَيْضًا فِي الشَّدَائِدِ فَرَحًا عَظِيمًا حَتَّى يَنْسَوْا مُتَاعِبَهُمْ نِسْيَانًا تَامًّا، وَيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي وَفْرَةٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ.» وَيُضِيفُ أَيْضًا: «فَإِنَّهُ دَائِمًا يَفْعَلُ وَيُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُوَزِّعُ كُلَّ أَمْرٍ، بِحَيْثُ يُضِيءُ الَّذِينَ يَخْدِمُونَهُ كَالْأَنْوَارِ، وَيُظْهِرُ فَضِيلَتَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ.»