كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ التَّاسِعَ عَشَرَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَسْتَقْبِلُ لُوطٌ الْمَلَاكَيْنِ بِضِيَافَةٍ، فَيَطْلُبُهُمَا أَهْلُ سَدُومَ لِارْتِكَابِ جَرِيمَةٍ شَنِيعَةٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُخْرِجُ الْمَلَاكَانِ لُوطًا وَيُحْرِقَانِ الْمُدُنَ الْخَمْسَ بِنَارٍ سَمَاوِيَّةٍ، مَا عَدَا صُوغَرَ الَّتِي نَالَ لُوطٌ لَهَا الْعَفْوَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ٢٦، تَتَحَوَّلُ امْرَأَةُ لُوطَ — إِذْ الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ — إِلَى عَمُودٍ مِنْ مِلْحٍ، بَيْنَمَا تَحْبَلُ ابْنَتَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا، وَتَلِدَانِ مُوآبَ وَعَمُّونَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٩: ١-٣٨

١. وَجَاءَ الْمَلَاكَانِ إِلَى سَدُومَ مَسَاءً، وَلُوطٌ جَالِسٌ فِي بَابِ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا رَآهُمَا قَامَ لِاسْتِقْبَالِهِمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ، ٢. وَقَالَ: أَتَوَسَّلُ إِلَيْكُمَا يَا سَيِّدَيَّ، مِيلَا إِلَى بَيْتِ عَبْدِكُمَا وَبِيتَا فِيهِ؛ اغْسِلَا أَرْجُلَكُمَا وَفِي الصَّبَاحِ تَمْضِيَانِ فِي طَرِيقِكُمَا. قَالَا: كَلَّا، بَلْ نَبِيتُ فِي السَّاحَةِ. ٣. فَأَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدًّا أَنْ يَمِيلَا إِلَيْهِ؛ وَلَمَّا دَخَلَا بَيْتَهُ صَنَعَ لَهُمَا وَلِيمَةً وَخَبَزَ فَطِيرًا فَأَكَلَا. ٤. وَقَبْلَ أَنْ يَضْطَجِعَا أَحَاطَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ بِالْبَيْتِ، مِنَ الصَّبِيِّ إِلَى الشَّيْخِ، جَمِيعُ الشَّعْبِ مَعًا. ٥. وَنَادَوْا لُوطًا وَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ دَخَلَا إِلَيْكَ اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنَعْرِفَهُمَا. ٦. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَرَاءَهُ، وَقَالَ: ٧. لَا تَفْعَلُوا، أَتَوَسَّلُ إِلَيْكُمْ يَا إِخْوَتِي، لَا تَرْتَكِبُوا هَذَا الشَّرَّ. ٨. لِي ابْنَتَانِ لَمْ تَعْرِفَا رَجُلًا؛ أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا مَا يَحْلُو لَكُمْ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَفْعَلُوا بِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ شَرًّا، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي. ٩. فَقَالُوا: تَنَحَّ. ثُمَّ قَالُوا: جِئْتَ غَرِيبًا، أَفَتَحْكُمُ أَيْضًا؟ سَنَفْعَلُ بِكَ أَسْوَأَ مِمَّا نَفْعَلُ بِهِمَا. وَضَغَطُوا عَلَى لُوطَ بِشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَكَادُوا يَكْسِرُونَ الْبَابَ.

١٠. فَمَدَّ الرَّجُلَانِ أَيْدِيَهُمَا وَأَدْخَلَا لُوطًا إِلَيْهِمَا وَأَغْلَقَا الْبَابَ، ١١. وَضَرَبَا الَّذِينَ فِي الْخَارِجِ بِالْعَمَى مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، حَتَّى عَجَزُوا عَنْ إِيجَادِ الْبَابِ. ١٢. وَقَالَا لِلُوطَ: «هَلْ لَكَ هُنَا أَحَدٌ مِنْ ذَوِيكَ؟ صِهْرٌ أَوْ أَبْنَاءٌ أَوْ بَنَاتٌ، كُلُّ مَنْ هُوَ لَكَ أَخْرِجْهُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ: ١٣. لِأَنَّنَا سَنُدَمِّرُ هَذَا الْمَكَانَ، إِذْ عَظُمَ صُرَاخُهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ الَّذِي أَرْسَلَنَا لِنُهْلِكَهُمْ.» ١٤. فَخَرَجَ لُوطٌ وَكَلَّمَ أَصْهَارَهُ الَّذِينَ كَانُوا سَيَأْخُذُونَ ابْنَتَيْهِ وَقَالَ: «قُومُوا اخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، لِأَنَّ الرَّبَّ سَيُدَمِّرُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ.» فَبَدَا فِي أَعْيُنِهِمْ كَأَنَّهُ يَمْزَحُ. ١٥. وَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ حَثَّهُ الْمَلَاكَانِ قَائِلَيْنِ: «قُمْ خُذْ زَوْجَتَكَ وَابْنَتَيْكَ اللَّتَيْنِ لَكَ، لِئَلَّا تَهْلِكَ أَنْتَ أَيْضًا فِي إِثْمِ الْمَدِينَةِ.» ١٦. وَإِذْ تَلَكَّأَ أَمْسَكَا بِيَدِهِ وَبِيَدِ زَوْجَتِهِ وَبِيَدَيِ ابْنَتَيْهِ، لِأَنَّ الرَّبَّ أَشْفَقَ عَلَيْهِ. ١٧. وَأَخْرَجَاهُ وَوَضَعَاهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ؛ وَهُنَاكَ كَلَّمَاهُ قَائِلَيْنِ: «نَجِّ نَفْسَكَ؛ لَا تَلْتَفِتْ إِلَى الْوَرَاءِ وَلَا تَقِفْ فِي كُلِّ الْمِنْطَقَةِ الْمُحِيطَةِ؛ بَلْ نَجِّ نَفْسَكَ فِي الْجَبَلِ لِئَلَّا تَهْلِكَ أَنْتَ أَيْضًا.» ١٨. فَقَالَ لُوطٌ لَهُمَا: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، ١٩. إِذْ وَجَدَ عَبْدُكَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، وَعَظَّمْتَ رَحْمَتَكَ الَّتِي صَنَعْتَ مَعِي لِتُنَجِّيَ نَفْسِي، وَلَكِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ النَّجَاةَ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلَّا يُدْرِكَنِي شَرٌّ فَأَمُوتَ. ٢٠. هَذِهِ الْمَدِينَةُ قَرِيبَةٌ أَهْرُبُ إِلَيْهَا؛ وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَأَنْجُو فِيهَا: أَلَيْسَتْ صَغِيرَةً؟ فَتَحْيَا نَفْسِي.» ٢١. فَقَالَ لَهُ: «هَا أَنَا قَدْ قَبِلْتُ صَلَاتَكَ فِي هَذَا أَيْضًا، فَلَا أَقْلِبُ الْمَدِينَةَ الَّتِي تَكَلَّمْتَ عَنْهَا. ٢٢. أَسْرِعْ وَانْجُ إِلَيْهَا، فَإِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَدْخُلَ إِلَيْهَا.» وَلِهَذَا دُعِيَ اسْمُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ صُوغَرَ. ٢٣. وَأَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْأَرْضِ وَدَخَلَ لُوطٌ صُوغَرَ. ٢٤. فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتًا وَنَارًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ: ٢٥. وَقَلَبَ هَذِهِ الْمُدُنَ وَكُلَّ الْمِنْطَقَةِ الْمُحِيطَةِ وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ وَكُلَّ نَبْتِ الْأَرْضِ. ٢٦. وَالْتَفَتَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ. ٢٧. وَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الصَّبَاحِ وَذَهَبَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ قَبْلًا أَمَامَ الرَّبِّ، ٢٨. وَنَظَرَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَنَحْوَ جَمِيعِ أَرْضِ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ: فَرَأَى الرَّمَادَ يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ كَدُخَانِ أَتُونٍ. ٢٩. فَلَمَّا قَلَبَ اللهُ مُدُنَ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْقَذَ لُوطًا مِنْ دَمَارِ الْمُدُنِ الَّتِي سَكَنَ فِيهَا. ٣٠. وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَأَقَامَ فِي الْجَبَلِ وَابْنَتَاهُ مَعَهُ (لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يُقِيمَ فِي صُوغَرَ)؛ وَأَقَامَ فِي مَغَارَةٍ هُوَ وَابْنَتَاهُ مَعَهُ. ٣١. فَقَالَتِ الْكُبْرَى لِلصُّغْرَى: «أَبُونَا قَدْ شَاخَ وَلَمْ يَبْقَ رَجُلٌ فِي الْأَرْضِ يَدْخُلُ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الْأَرْضِ. ٣٢. تَعَالَيْ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجِعُ مَعَهُ لِنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا.» ٣٣. فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَدَخَلَتِ الْكُبْرَى وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا؛ وَلَمْ يَشْعُرْ حِينَ اضْطَجَعَتْ وَلَا حِينَ قَامَتْ. ٣٤. وَفِي الْغَدِ قَالَتِ الْكُبْرَى لِلصُّغْرَى: «هَا أَنَا قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي؛ نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا وَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ لِنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا.» ٣٥. فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَدَخَلَتِ الصُّغْرَى وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ؛ وَلَمْ يَشْعُرْ حِينَ اضْطَجَعَتْ وَلَا حِينَ قَامَتْ. ٣٦. فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطَ مِنْ أَبِيهِمَا. ٣٧. فَوَلَدَتِ الْكُبْرَى ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ مُوآبَ: هُوَ أَبُو الْمُوآبِيِّينَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. ٣٨. وَالصُّغْرَى أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ بِنْ عَمِّي أَيْ «ابْنُ شَعْبِي»: هُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.


الْآيَةُ ١

وَجَاءَ الْمَلَاكَانِ. «اثْنَانِ»، وَهُمَا اللَّذَانِ انْصَرَفَا مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ، بَيْنَمَا بَقِيَ الثَّالِثُ مَعَهُ، فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، الْآيَةِ ٢٢. رَمْزِيًّا، إِنَّ مَلَاكًا وَاحِدًا مِنَ الثَّلَاثَةِ، يُمَثِّلُ اللهَ الْآبَ، بَقِيَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ لِيُبَارِكَ بَيْتَهُ وَيَجْعَلَهُ أَبًا لِوِلَادَةِ إِسْحَاقَ: وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو أَنَّ هَذَا الْمَلَاكَ كَانَ الْأَوْسَطَ وَالرَّئِيسَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، أَيْ مِيخَائِيلَ، الَّذِي أَرْسَلَ رَفِيقَيْهِ جِبْرَائِيلَ وَرَافَائِيلَ لِتَدْمِيرِ سَدُومَ. فَإِنَّ جِبْرَائِيلَ بِحَسَبِ اشْتِقَاقِ اسْمِهِ هُوَ «قُوَّةُ اللهِ»، أَيِ الْمُنَفِّذُ الْقَوِيُّ لِلْعَدَالَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ هُنَا يُمَثِّلُ الْأُقْنُومَ الثَّانِيَ فِي الثَّالُوثِ، أَيِ الِابْنَ، لِأَنَّهُ بَشَّرَ بِتَجَسُّدِهِ الْعَذْرَاءَ الْمُبَارَكَةَ، لُوقَا ١. فَإِنَّ التَّجَسُّدَ كَانَ عَمَلَ أَعْظَمِ قُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ لِلهِ. أَمَّا رَافَائِيلُ فَيَبْدُو أَنَّهُ الْمَلَاكُ الْمُوَكَّلُ بِالْعَفَافِ وَالْمُنْتَقِمُ مِنَ النَّجَاسَةِ: وَلِهَذَا حَمَى طُوبِيَّا بِعِفَّةٍ مِنْ أَشْمُودَايَ الَّذِي قَتَلَ خُطَّابَ سَارَةَ السَّبْعَةَ النَّجِسِينَ، طُوبِيَّا ٧ وَ٨. لِذَلِكَ أُرْسِلَ رَافَائِيلُ إِلَى سَدُومَ لِيُهْلِكَ أَهْلَ سَدُومَ النَّجِسِينَ. وَهُوَ يُمَثِّلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ، الَّذِي هُوَ حَارِسُ الْقَدَاسَةِ وَالْمُنْتَقِمُ لَهَا، أَيِ النَّقَاءِ وَالْعَفَافِ، وَالْعَدُوُّ الْأَعْظَمُ لِلنَّجَاسَةِ وَالشَّهْوَةِ. لِذَلِكَ بِهَذَيْنِ الْمَلَاكَيْنِ يُرْمَزُ إِلَى أَنَّ الِابْنَ وَالرُّوحَ الْقُدُسَ دَمَّرَا سَدُومَ: فَإِنَّهُ كَمَا يَقُولُ بْرُوكُوبْيُوسُ: «لَا يَدِينُ الْآبُ أَحَدًا، بَلْ أَعْطَى الدَّيْنُونَةَ كُلَّهَا لِلِابْنِ؛ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ بِطَبِيعَتِهِ يُرَافِقُ الِابْنَ وَيَحْضُرُ مَعَهُ.» وَيُضِيفُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ ضُمَّ إِلَى الِابْنِ لِأَنَّ اللهَ الْآبَ يُلَطِّفُ الدَّيْنُونَةَ وَالِانْتِقَامَ بِالْخَيْرِ وَالرَّأْفَةِ الْمَنْسُوبَيْنِ إِلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُرْسِلُ الِابْنَ لِيَدِينَكُمْ وَيُهْلِكَكُمْ، لَكِنِّي أُضِيفُ إِلَيْهِ الرُّوحَ الْقُدُسَ الَّذِي سَيَدْعُوكُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، فَإِنْ قَبِلْتُمُوهَا وَطَلَبْتُمُ الْعَفْوَ، فَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يُوقِفُ دَيْنُونَةَ الِابْنِ وَانْتِقَامَهُ وَيَكْفُلُهَا، وَيَمْنَحُكُمُ الصَّفْحَ.

مَسَاءً مِنْ نَفْسِ الْيَوْمِ الَّذِي تَنَاوَلُوا فِيهِ الطَّعَامَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، الْآيَتَيْنِ ١ وَمَا بَعْدَهَا. رَمْزِيًّا، يَجْلِبُ الْمَلَائِكَةُ النُّورَ لِلْأَبْرَارِ كَإِبْرَاهِيمَ؛ لَكِنَّهُمْ يَجْلِبُونَ الظُّلْمَةَ لِلْأَشْرَارِ كَأَهْلِ سَدُومَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الثَّانِي مِنْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٦. ثَانِيًا، دَلَّ الْمَسَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُرُوبَ وَالْخَرَابَ قَدْ أَوْشَكَا عَلَى الْمَدِينَةِ، يَقُولُ كَايِتَانُوسُ. ثَالِثًا، الْمَسَاءُ هُنَا يُنْذِرُ بِاللَّيْلِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي يُهَدِّدُ أَهْلَ سَدُومَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْكِتَابُ الثَّانِي مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلُ ٢.

وَلُوطٌ جَالِسٌ. يَظُنُّ الْيَهُودُ أَنَّ لُوطًا كَانَ جَالِسًا هُنَا بِوَصْفِهِ الْقَاضِيَ الرَّئِيسَ بَيْنَ قُضَاةٍ آخَرِينَ، كَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَجْلِسُونَ فِي أَبْوَابِ الْمُدُنِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢١: ٢٢. لَكِنَّ بُطْلَانَ ذَلِكَ وَاضِحٌ مِنَ الْآيَةِ ٩. أَقُولُ إِذَنْ مَعَ أَبُولِنْسِيسَ: إِنَّ لُوطًا، إِذْ سَكَنَ قَدِيمًا فِي بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ، تَعَلَّمَ مِنْهُ الضِّيَافَةَ؛ وَلِهَذَا يُمَارِسُهَا هُنَا عَلَى عَادَتِهِ، إِذْ يَجْلِسُ عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ لِيَجْمَعَ الضُّيُوفَ لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِلْعُنْفِ وَالِاعْتِدَاءِ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ، مِثْلَمَا حَاوَلُوا مَعَ الْمَلَاكَيْنِ فِي الْآيَةِ ٥. ظَنَّ لُوطٌ، كَمَا ظَنَّ إِبْرَاهِيمُ، أَنَّهُمَا رَجُلَانِ لَا مَلَاكَانِ، الْعِبْرَانِيِّينَ ١٣: ٢.

وَسَجَدَ لَهُمَا. لَاحِظْ تَوَاضُعَ لُوطَ فِي ضِيَافَتِهِ: فَقَدْ سَجَدَ لِهَذَيْنِ الْغَرِيبَيْنِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا مَلَاكَانِ؛ فَإِنَّ جَمَالَ وَجْهَيْهِمَا وَبَهَاءَهُ كَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا رَجُلَانِ وَقُورَانِ أَوْ أَنْبِيَاءُ مُرْسَلُونَ مِنَ اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، السُّؤَالُ ٤١. وَفَوْقَ ذَلِكَ يَدْعُو نَفْسَهُ «غُلَامَهُمَا»، أَيْ عَبْدَهُمَا، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ.


الْآيَةُ ٢

كَلَّا. الْمَلَاكَانِ، إِذْ دَعَاهُمَا لُوطٌ، رَفَضَا أَوَّلًا مِنْ بَابِ اللِّيَاقَةِ، لَكِنَّهُمَا سُرْعَانَ مَا أَذْعَنَا حِينَ أُلِحَّ عَلَيْهِمَا. لِذَلِكَ أَخْطَأَ كَاسِّيَانُوسُ، الْمُحَادَثَاتُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ، ٢٤، حِينَ ظَنَّ أَنَّ الْمَلَاكَيْنِ غَيَّرَا رَأْيَهُمَا هُنَا.


الْآيَةُ ٣

أَلَحَّ عَلَيْهِمَا جِدًّا. دَعَاهُمَا وَحَثَّهُمَا بِطَرِيقَةٍ عَجِيبَةٍ. فَطِيرًا. خُبْزًا بِلَا خَمِيرَةٍ خَبَزَهُ سَرِيعًا فِي تَنُّورٍ أَوْ مِقْلَاةٍ، مِثْلَمَا خَبَزَ إِبْرَاهِيمُ: فَالْفَطِيرُ هُوَ نَفْسُ الْخُبْزِ الْمَخْبُوزِ تَحْتَ الرَّمَادِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٨، الْآيَةِ ٦.


الْآيَةُ ٤

جَمِيعُ الشَّعْبِ مَعًا، حَتَّى مِنْ أَقْصَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ؛ وَذَلِكَ إِمَّا لِارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ أَوْ لِمُشَاهَدَتِهَا. يُشِيرُ مُوسَى إِلَى هَذَا لِيَتَّضِحَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي سَدُومَ عَشَرَةُ أَبْرَارٍ، بَلْ كَانَ الْجَمِيعُ — مَا عَدَا لُوطًا وَأَهْلَهُ — أَشْرَارًا وَفَاسِقِينَ. هَكَذَا يَقُولُ بُرْغِنْسِيسُ وَكَايِتَانُوسُ وَبِيرِيرْيُوسُ.


الْآيَةُ ٥

لِنَعْرِفَهُمَا — أَيْ لِنَعْتَدِيَ عَلَيْهِمَا بِفَاحِشَةٍ. هَذِهِ هِيَ جَرِيمَةُ سَدُومَ، وَعَنْ فَظَاعَتِهَا اُنْظُرْ هَامِرُوسَ هُنَا، وَهِيرُونِيمُوسُ مَاغِيُوسُ فِي مُجَلَّدٍ كَامِلٍ نُشِرَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ.


الْآيَتَانِ ٧-٨

«افْعَلُوا بِهِمَا مَا يَحْلُو لَكُمْ.» يُعْذِرُ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ مِنْ لُوطَ، كَأَنَّهُ رَأَى (وَهُوَ مَا رَآهُ دُومِينِيكُوسُ سُوتُو، الْكِتَابُ الرَّابِعُ مِنْ عَنِ الْعَدَالَةِ، السُّؤَالُ ٧، الْمَقَالَةُ ٣، وَكَثِيرُونَ مِنَ اللَّاهُوتِيِّينَ الْآخَرِينَ، وَمَا يُلَمِّحُ إِلَيْهِ الْقِدِّيسُ تُومَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، السُّؤَالُ ١ مِنْ عَنِ الشَّرِّ، الْمَقَالَةُ ٥، الْجَوَابُ ١٤، وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٦) أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يُرِيدُ ارْتِكَابَ جَرِيمَةٍ أَكْبَرَ أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِجَرِيمَةٍ أَصْغَرَ: فَهَكَذَا يَجُوزُ لِمَنْ يُرِيدُ ارْتِكَابَ اللِّوَاطِ أَوِ الِاغْتِصَابِ أَنْ يُنْصَحَ بِالذَّهَابِ إِلَى الْبَغَايَا فِي بُيُوتِ الدَّعَارَةِ، وَلِلِّصِّ الَّذِي يُرِيدُ قَتْلَ مُسَافِرٍ يَجُوزُ أَنْ يُنْصَحَ بِسَلْبِهِ فَحَسْبُ. وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا إِذَنْ كَانَ يَجُوزُ لِلُوطَ أَنْ يُشِيرَ بِالزِّنَا عَلَى مَنْ يُحَاوِلُونَ اللِّوَاطَ. وَمِنْ هُنَا يُعَلِّمُ غَبْرِيَالُ فَاسْكِيزُ، الثَّانِيَةُ مِنَ الثَّانِيَةِ، السُّؤَالُ ٤٣ عَنِ الشَّكِّ ١، مِنْ هَذَا الْفِعْلِ مِنْ لُوطَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ عَزَمَ عَلَى ارْتِكَابِ شَرٍّ أَعْظَمَ أَنْ يُشَارَ عَلَيْهِ بِشَرٍّ أَصْغَرَ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّخْصُ يُفَكِّرُ فِي الشَّرِّ الْأَصْغَرِ. فَهَكَذَا لُوطٌ، لِمَنْ أَرَادُوا ارْتِكَابَ اللِّوَاطِ، عَرَضَ وَأَشَارَ بِانْتِهَاكِ عِرْضِ بَنَاتِهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَكُونُوا يُفَكِّرُونَ فِيهِ.

أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ لُوطًا لَمْ يُشِرْ بِذَلِكَ، بَلْ عَرَضَ ابْنَتَيْهِ الْمُطِيعَتَيْنِ لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِلِانْتِهَاكِ، لِكَيْ يَدْفَعَ اعْتِدَاءً أَكْبَرَ وَإِهَانَةً لِرِجَالٍ بِهَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ.

لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ لُوطًا أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ — بِوَصْفِهِ أَبًا — أَنْ يَهْتَمَّ وَيَسْهَرَ عَلَى سُمْعَةِ بَنَاتِهِ وَعَفَافِهِنَّ، وَعَلَى خَطَرِ مُوَافَقَتِهِنَّ عَلَى الْفِعْلِ الْجِنْسِيِّ، أَكْثَرَ مِنْ سَلَامَةِ ضُيُوفِهِ الْغُرَبَاءِ، حَتَّى وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا قِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَاءَ.

ثَانِيًا، لَمْ يَكُنْ لُوطٌ سَيِّدَ بَنَاتِهِ، وَبِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ سَيِّدَ أَجْسَادِهِنَّ وَعَفَافِهِنَّ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْرِضَهُنَّ — وَلَا سِيَّمَا بِدُونِ مُوَافَقَتِهِنَّ — لِلِانْتِهَاكِ: فَلَمْ يَكُنَّ مُلْزَمَاتٍ، بَلْ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِنَّ، أَنْ يُطِعْنَ أَبَاهُنَّ فِي هَذَا الْعَرْضِ؛ وَمِنَ الْمُرَجَّحِ جِدًّا أَنَّهُنَّ رَفَضْنَ طَاعَةَ أَبِيهِنَّ فِي هَذَا الْأَمْرِ؛ فَأَيُّ عَذْرَاءَ شَرِيفَةٍ لَا تَقْشَعِرُّ مِنِ انْتِهَاكِ عِرْضِهَا أَكْثَرَ مِنِ انْتِهَاكِ عِرْضِ غَيْرِهَا؟

ثَالِثًا، لَمْ يَكُنْ أَهْلُ سَدُومَ يُفَكِّرُونَ فِي انْتِهَاكِ بَنَاتِ لُوطَ؛ لِذَلِكَ عَرَضَهُنَّ ظُلْمًا عَلَى هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ النَّجِسِينَ لِحِمَايَةِ ضُيُوفِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَنْعُ ضَرَرِ بُطْرُسَ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِبُولُسَ، بِأَنْ يُقَالَ لِلِّصِّ الَّذِي يُرِيدُ سَلْبَ بُطْرُسَ: «اسْلُبْ بُولُسَ بَدَلًا مِنْهُ» — وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنِ اللِّصُّ يُفَكِّرُ فِيهِ — كَمَا يُعَلِّمُ بِعِلْمٍ مُعَلِّمُنَا لِيسِّيُوسُ، الْكِتَابُ الثَّانِي مِنْ عَنِ الْعَدَالَةِ، الْفَصْلُ ١٣، الشَّكُّ ٣، الرَّقْمُ ١٩.

وَمَعَ ذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ عَدَمَ تَرَوِّي لُوطَ وَارْتِبَاكَهُ فِي مَوْقِفٍ بَالِغِ الْخُطُورَةِ قَدْ خَفَّفَ كَثِيرًا مِنْ جِسَامَةِ خَطِيئَتِهِ؛ فَقَدْ كَانَ لُوطٌ حَائِرًا وَعَاجِزًا عَنِ التَّدْبِيرِ فِي أَمْرٍ بَالِغِ التَّعْقِيدِ: إِذْ أَرَادَ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ أَنْ يَحْمِيَ سَلَامَةَ ضُيُوفِهِ الْمُوَقَّرِينَ وَشَرَفَهُمْ وَعَفَافَهُمْ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ سَبِيلٌ آخَرُ سِوَى أَنْ يَعْرِضَ بَنَاتِهِ بَدَلًا مِنْهُمْ، فَتَبَنَّاهُ فَوْرًا دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ أَوْ يُدْرِكَ أَنَّهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَظْلِمُ بَنَاتِهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي عَنِ الْكَذِبِ، الْفَصْلُ ٩، وَلِيرَا وَتُومَاسُ الْإِنْجِلِيزِيُّ وَتُوسْتَاتُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَبِيرِيرْيُوسُ.

وَيُضِيفُ كَايِتَانُوسُ أَنَّ لُوطًا عَرَضَ بَنَاتِهِ لَا بِنِيَّةِ افْتِدَاءِ جَرِيمَةٍ بِجَرِيمَةٍ، بَلْ لِتَهْدِئَةِ الشَّعْبِ الْهَائِجِ بِخُضُوعٍ مُبَالَغٍ فِيهِ؛ فَقَدْ ظَنَّ — وَبِحَقٍّ (كَمَا أَثْبَتَتْ نَتِيجَةُ الْأَمْرِ) — أَنَّ الشَّعْبَ لَنْ يَقْبَلَ هَذَا الْعَرْضَ، بَلْ سَيَهْدَأُ بِمِثْلِ هَذَا الْخُضُوعِ الْعَظِيمِ مِنْ لُوطَ وَيَكُفُّ عَنْ مُحَاوَلَتِهِ؛ وَبِالْأَحْرَى لِأَنَّ ابْنَتَيْهِ كَانَتَا مَخْطُوبَتَيْنِ لِمُوَاطِنِينَ مِنْ سَدُومَ. كَمَا أَنَّ رَجُلًا يُرِيدُ اسْتِرْضَاءَ آخَرَ أَهَانَهُ بِإِسَاءَةٍ يُقَدِّمُ لَهُ خِنْجَرًا مَكْشُوفًا قَائِلًا: «اقْتُلْنِي» — لَا بِنِيَّةِ أَنْ يُقْتَلَ، بَلْ لِكَيْ يُسْتَرْضَى الْمَجْرُوحُ بِهَذَا الْخُضُوعِ الْعَظِيمِ. فَقَالَ لُوطٌ هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، كَمَا قَالَ دَاوُدُ لِيُونَاثَانَ، الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ ٢٠: ٨: «إِنْ كَانَ فِيَّ إِثْمٌ فَاقْتُلْنِي أَنْتَ وَلَا تُدْخِلْنِي عِنْدَ أَبِيكَ»؛ وَقَالَ يَهُوذَا فِي التَّكْوِينِ ٤٢ لِأَبِيهِ يَعْقُوبَ: «اقْتُلِ ابْنَيَّ إِنْ لَمْ أُرْجِعْ إِلَيْكَ بِنْيَامِينَ.» هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ.

أَخْلَاقِيًّا، يَتَعَجَّبُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٤٣ مِنْ مَحَبَّةِ لُوطَ لِضُيُوفِهِ وَالْغُرَبَاءِ، إِذْ يُقَدِّمُ سَلَامَتَهُمْ عَلَى حَيَاءِ بَنَاتِهِ. «أَمَّا نَحْنُ» — يَقُولُ — «فَكَثِيرًا مَا نَرَى إِخْوَتَنَا يَسْقُطُونَ فِي أَعْمَاقِ الْكُفْرِ وَفِي فَكَّيِ الشَّيْطَانِ — إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ — وَلَا نَتَنَازَلُ حَتَّى أَنْ نُكَلِّمَهُمْ، وَلَا أَنْ نَنْصَحَهُمْ، وَلَا أَنْ نُحَذِّرَهُمْ بِالْكَلَامِ، وَلَا أَنْ نَنْتَشِلَهُمْ مِنَ الشَّرِّ وَنَقُودَهُمْ بِالْيَدِ إِلَى الْفَضِيلَةِ. 'مَاذَا لِي مَعَهُ؟' تَقُولُ. 'لَيْسَ لِي اهْتِمَامٌ وَلَا شَأْنٌ بِهِ.' مَاذَا تَقُولُ يَا رَجُلُ؟ أَلَيْسَ لَكَ شَأْنٌ بِهِ؟ إِنَّهُ أَخُوكَ، مِنْ نَفْسِ طَبِيعَتِكَ؛ أَنْتُمَا تَحْتَ الرَّبِّ نَفْسِهِ، وَكَثِيرًا مَا تَشْتَرِكَانِ فِي الْمَائِدَةِ الرُّوحِيَّةِ نَفْسِهَا» إِلَخْ.

تَحْتَ ظِلِّ سَقْفِي. بِالْعِبْرِيَّةِ «تَحْتَ ظِلِّ الْعَارِضَةِ» أَوْ «السَّقْفِ»، أَيْ سَقْفِي وَبَيْتِي؛ فَإِنَّ السَّقْفَ يُظَلِّلُ مَنْ فِي الْبَيْتِ كَالظِّلِّ وَيَحْمِيهِمْ مِنَ الْحَرَارَةِ وَسَائِرِ أَذَى الطَّقْسِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْغُرَبَاءَ يَكُونُونَ تَحْتَ ظِلِّ مُضِيفِهِمْ، أَيْ تَحْتَ حِمَايَتِهِ وَرِعَايَتِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْهَرَ عَلَى أَلَّا يُصِيبَهُمْ أَذًى فِي بَيْتِهِ، وَهَذَا بِالضَّبْطِ مَا يَقْصِدُهُ لُوطٌ هُنَا.


الْآيَةُ ٩

تَنَحَّ. ابْتَعِدْ مِنْ هُنَا. جِئْتَ غَرِيبًا، أَفَتَحْكُمُ أَيْضًا؟ فِي الْعِبْرِيَّةِ: «جَاءَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ لِيَتَغَرَّبَ (لِيَسْكُنَ بَيْنَنَا كَغَرِيبٍ)، أَفَيَحْكُمُ عَلَيْنَا حُكْمًا؟» كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَجَاءَ ذَلِكَ الْغَرِيبُ لِيَكُونَ قَاضِيَنَا وَيَحْكُمَ عَلَيْنَا؟ وَلِهَذَا تَرْجَمَتِ السَّبْعِينِيَّةُ: «جِئْتَ لِتَسْكُنَ، لَا لِتَحْكُمَ أَيْضًا.»

وَضَغَطُوا عَلَى لُوطَ بِشِدَّةٍ. كَانَ بَعْضُهُمْ يَدْفَعُونَهُ إِلَى الْوَرَاءِ وَيُحَاوِلُونَ اجْتِذَابَهُ بَعِيدًا؛ وَبَعْضُهُمُ الْآخَرُ يَكْسِرُونَ الْبَابَ الَّذِي أَغْلَقَهُ لُوطٌ خَلْفَهُ حِينَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، الْآيَةُ ٦.


الْآيَةُ ١٠

أَدْخَلَا لُوطًا إِلَيْهِمَا وَأَغْلَقَا الْبَابَ. فَتَحَ الْمَلَاكَانِ الْبَابَ الَّذِي أَغْلَقَهُ لُوطٌ لِكَيْ يُدْخِلَاهُ — مُنْتَشِلًا مِنْ عُنْفِ أَهْلِ سَدُومَ — إِلَى الْبَيْتِ؛ وَبَعْدَ إِدْخَالِهِ أَغْلَقَا الْبَابَ مِنْ جَدِيدٍ لِئَلَّا يَدْخُلَ أَهْلُ سَدُومَ أَيْضًا.


الْآيَةُ ١١

ضَرَبَاهُمْ بِالْعَمَى. فِي السَّبْعِينِيَّةِ أُورَاسِيَا، أَيْ «عَدَمُ الرُّؤْيَةِ»، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا رُؤْيَةَ بَابِ لُوطَ الَّذِي كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنْهُ فَحَسْبُ. هَكَذَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَالذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأُغُسْطِينُوسُ، السُّؤَالُ ٤٣. وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَ فَاتَابْلُوسُ: «أَعْشَوْا أَبْصَارَهُمْ فَصَارُوا يَتَخَبَّطُونَ، وَحَتَّى بَعْدَ الْإِنْهَاكِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِيجَادَ الْبَابِ.» فَإِنَّهُ — كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ — لَوْ كَانُوا عُمْيَانًا تَمَامًا لَمَا بَحَثُوا عَنْ بَابِ لُوطَ بَلْ عَنْ أَدِلَّاءَ يَقُودُونَهُمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ.

مُلَاحَظَةٌ: حَدَثَ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ قَدَّمَ لَهُمْ هَيْئَةً أُخْرَى، فَرَأَوْا مَكَانَ الْبَابِ — مَثَلًا — جِدَارًا صَلْبًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ؛ وَفَعَلَ ذَلِكَ بِأَحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الْأَرْبَعِ: أَيْ بِتَغْيِيرِ هَيْئَةِ الْمَوْضُوعِ، أَوِ الْهَوَاءِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ قُوَّةِ الْإِبْصَارِ، أَوِ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهِ جَمِيعُ الرُّؤَى وَالْإِحْسَاسَاتُ. وَبِطَرِيقَةٍ مُمَاثِلَةٍ، لَمْ يَرَ السُّرْيَانِيُّونَ فِي الْمُلُوكِ الرَّابِعِ ٦ أَلِيشَعَ — وَهُمْ يَبْحَثُونَ عَنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ — وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّهُ أَلِيشَعُ. وَهَكَذَا ظَهَرَ الْمَسِيحُ بَعْدَ الْقِيَامَةِ لِلتِّلْمِيذَيْنِ كَغَرِيبٍ، وَلِلْمَجْدَلِيَّةِ كَبُسْتَانِيٍّ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُعْجِزَةُ الشَّهِيرَةُ لِغْرِيغُورِيُوسَ الصَّانِعِ الْعَجَائِبَ، الَّذِي فَرَّ مَعَ شَمَّاسِهِ مِنَ الْمُضْطَهِدِينَ إِلَى جَبَلٍ، فَلَمَّا خَانَهُ أَحَدُهُمْ أَحَاطَ الْمُضْطَهِدُونَ بِالْجَبَلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَفَتَّشُوهُ وَلَمْ يَرَوْهُ؛ فَرَجَعُوا إِلَى الْخَائِنِ وَوَبَّخُوهُ؛ فَأَكَّدَ لَهُمْ بِحَزْمٍ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ: لَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَا رَجُلَيْنِ بَلْ شَجَرَتَيْنِ. وَبَعْدَ انْصِرَافِهِمْ صَعِدَ الْخَائِنُ إِلَى الْمَكَانِ فَرَأَى غْرِيغُورِيُوسَ مَعَ شَمَّاسِهِ يُصَلِّيَانِ رَافِعَيْنِ أَيْدِيَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ — وَقَدْ بَدَوَا لِلْمُطَارِدِينَ شَجَرَتَيْنِ —؛ فَسَقَطَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وَاهْتَدَى إِلَى الْمَسِيحِ، وَصَارَ لَاجِئًا مَعَهُ بَدَلًا مِنْ مُضْطَهِدٍ. هَكَذَا يَرْوِي غْرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ فِي سِيرَتِهِ.

اسْتِعَارِيًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: «هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ كُلَّ شَهْوَةٍ عَمْيَاءُ وَلَا تَرَى مَا هُوَ أَمَامَهَا.»

حَتَّى عَجَزُوا عَنْ إِيجَادِ الْبَابِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ وَيِّلْعُو لِمْصُو هَبَّتَاح، «وَأُنْهِكُوا» أَوْ «تَعِبُوا مِنْ طَلَبِ الْبَابِ»: لَكِنْ عَبَثًا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِيجَادَهُ بِكُلِّ جُهْدِهِمْ.

وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يِعْلُو، أَيْ «أُنْهِكُوا»، أَنَّ أَهْلَ سَدُومَ انْخَلَعَتْ أَعْضَاؤُهُمْ، فَخَارَتْ قُوَاهُمْ وَتَعَطَّلَتْ حَرَكَةُ أَطْرَافِهِمْ، وَأَنَّ اللهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ: لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمْ عُمْيَانٌ وَضُعَفَاءُ فِي عُقُولِهِمْ وَرَذَائِلِهِمْ، وَأَنَّ الشَّهْوَةَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ تُعْمِي الْعَقْلَ وَتُضْعِفُهُ كَمَا تُضْعِفُ الْجَسَدَ.

الْبَابَ. يَظُنُّ رِيبِيرَا (عَلَى صَفَنْيَا الْإِصْحَاحِ ١، الرَّقْمِ ٨١) وَدِلْرِيُو وَغَيْرُهُمْ أَنَّ مُوسَى يَتَكَلَّمُ عَنْ بَابِ كُلِّ بَيْتٍ، بَيْتِ لُوطَ وَبَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ سَدُومَ؛ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِينَ عَادَ إِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ إِيجَادَهُ أَوْ دُخُولَهُ: فَإِنَّ هَذَا مَا يَبْدُو أَنَّ الْحَكِيمَ يُؤَكِّدُهُ، الْحِكْمَةُ ١٩: ١٦. فَقَدْ كَانَ جَدِيرًا بِمَنْ أَرَادُوا كَسْرَ أَبْوَابِ غَيْرِهِمْ أَلَّا يَجِدُوا أَبْوَابَهُمْ.

لَكِنَّ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ وَالذَّهَبِيَّ الْفَمِ وَأُغُسْطِينُوسَ وَبِيرِيرْيُوسَ يَحْكُمُونَ بِأَفْضَلِيَّةٍ أَنَّ مُوسَى يَتَكَلَّمُ هُنَا عَنْ بَابِ بَيْتِ لُوطَ فَحَسْبُ، الَّذِي كَانَ أَهْلُ سَدُومَ يُحَاوِلُونَ كَسْرَهُ، لَكِنَّهُمْ — إِذْ ضُرِبُوا بِالْعَمَى — لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِيجَادَهُ بِكُلِّ جُهْدِهِمْ: فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ نَصُّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْوَاضِحِ — وَلَا سِيَّمَا الْعِبْرِيِّ — وَتَسَلْسُلُ الرِّوَايَةِ. أَمَّا الْحَكِيمُ فِي الْحِكْمَةِ الْإِصْحَاحِ ١٩، الْآيَةِ ١٦، فَيَتَكَلَّمُ عَنِ الْمِصْرِيِّينَ لَا عَنْ أَهْلِ سَدُومَ: فَإِنَّهُ يُقَارِنُ الْمِصْرِيِّينَ بِأَهْلِ سَدُومَ فِي هَذَا فَحَسْبُ: أَنَّ كِلَيْهِمَا ضُرِبَ بِالْعَمَى، وَأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَهْلُ سَدُومَ إِيجَادَ بَابِ لُوطَ الَّذِي كَانُوا يَطْلُبُونَهُ، كَذَلِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ إِيجَادَ بَابِهِ الَّذِي كَانَ يَطْلُبُهُ، فِي ظُلْمَةِ مِصْرَ الَّتِي دَامَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

اسْتِعَارِيًّا يَقُولُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْكِتَابُ السَّادِسُ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلُ ١٦: «مَا مَعْنَى أَنَّ لُوطًا يُعَادُ إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ وَيُحَصَّنُ بَيْنَمَا الْأَشْرَارُ يُعَارِضُونَهُ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ بَارٍّ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَكَائِدَ الْفَاسِدِينَ، يَعُودُ إِلَى ذِهْنِهِ وَيَبْقَى ثَابِتًا لَا يَتَزَعْزَعُ؟ وَأَهْلُ سَدُومَ لَا يَجِدُونَ الْبَابَ فِي بَيْتِ لُوطَ، لِأَنَّ مُفْسِدِي الْعُقُولِ لَا يَجِدُونَ أَيَّ مَنْفَذٍ لِاتِّهَامِ حَيَاةِ الْبَارِّ. فَإِنَّهُمْ — إِذْ ضُرِبُوا بِالْعَمَى — يَدُورُونَ حَوْلَ الْبَيْتِ كَأَنَّمَا، لِأَنَّهُمْ فِي حَسَدِهِمْ يَتَفَحَّصُونَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ: لَكِنْ لِأَنَّ فِعْلًا قَوِيًّا وَمَحْمُودًا مِنْ حَيَاةِ الْبَارِّ يُوَاجِهُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَإِنَّهُمْ يَتَخَبَّطُونَ وَلَا يَتَحَسَّسُونَ سِوَى الْجِدَارِ. فَحُقَّ إِذَنْ أَنْ يُقَالَ: 'كَمَا فِي اللَّيْلِ يَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّهِيرَةِ': لِأَنَّهُمْ حِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ اتِّهَامَ الْخَيْرِ الَّذِي يَرَوْنَهُ، يَبْحَثُونَ — وَقَدْ أَعْمَاهُمُ الْحِقْدُ — عَنِ الشَّرِّ الَّذِي لَا يَرَوْنَهُ لِيَتَّهِمُوا بِهِ.»


الْآيَةُ ١٢

قَالَا. ذَانِكَ الرَّجُلَانِ، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ، أَيِ الْمَلَاكَانِ.


الْآيَةُ ١٤

كَأَنَّهُ يَمْزَحُ. يَلْعَبُ وَيَمْزَحُ، أَوْ يَهْذِي، وَيَقُولُ أُمُورًا تَافِهَةً لَا جِدِّيَّةً.


الْآيَةُ ١٥

خُذْ زَوْجَتَكَ وَابْنَتَيْكَ. فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ إِذَنْ — أَيْ لُوطٌ وَزَوْجَتُهُ وَابْنَتَاهُ — آمَنُوا بِالْمَلَاكَيْنِ وَخَرَجُوا مِنْ سَدُومَ وَنَجَوْا: أَمَّا أَصْهَارُ لُوطَ وَعَبِيدُهُ وَإِمَاؤُهُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ بَقُوا فِي سَدُومَ وَاحْتَرَقُوا مَعَ الْبَاقِينَ.


الْآيَةُ ١٦

وَإِذْ تَلَكَّأَ. بِالْعِبْرِيَّةِ وَيِّتْمَهْمَا، أَيْ «حِينَ كَانَ يُمَاطِلُ»: إِمَّا لِإِقْنَاعِ أَصْهَارِهِ بِالرَّحِيلِ كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ؛ أَوْ لِإِنْقَاذِ بَيْتِهِ وَأَثَاثِهِ مِنَ النَّارِ كَمَا يَرَى رُوبِرْتُوسُ؛ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى اللهِ أَنْ يُبْقِيَ عَلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَرَى أَبُولِنْسِيسُ. هَا إِنَّ بَهْجَةَ الْمُدُنِ الْخَمْسِ وَثَرَوَاتِهَا قَدِ اسْتَمَالَتْ لُوطًا إِلَيْهَا؛ وَتِلْكَ الْبَهْجَةُ نَفْسُهَا تَحْبِسُهُ الْآنَ وَتَكَادُ تُهْلِكُهُ. فَتَعَلَّمْ أَنْ تَزْدَرِيَ بِالْأُمُورِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْمُبْهِجَةِ.


الْآيَةُ ١٧

أَنْقِذْ نَفْسَكَ. خَلِّصْ حَيَاتَكَ مِنْ هَذِهِ النَّارِ؛ اتْرُكْ وَرَاءَكَ بَيْتَكَ وَأَثَاثَكَ وَسَائِرَ الْأَشْيَاءِ: لِئَلَّا إِذَا تَلَكَّأْتَ وَأَرَدْتَ أَنْ تُنْقِذَهَا مَعَ نَفْسِكَ، تَهْلِكَ وَتَحْتَرِقَ مَعَهَا.

وَبِطَرِيقَةٍ مُمَاثِلَةٍ، أَثْنَاءَ نَهْبِ الْقُوطِ لِرُومَا فِي سَنَةِ الرَّبِّ ٤١٠، أَنْقَذَ اللهُ الْبَابَا الْقِدِّيسَ إِينُوسِنْتِيُوسَ، بِسَبَبِ بَرَاءَةِ حَيَاتِهِ وَقَدَاسَتِهِ، الَّتِي دَافَعَ بِهَا أَيْضًا عَنِ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ، وَلِذَلِكَ حَرَمَ الْإِمْبِرَاطُورَ أَرْكَادِيُوسَ وَأُودُوكْسِيَا اللَّذَيْنِ كَانَا قَدْ نَفَيَاهُ إِلَى الْمَنْفَى؛ وَأَدَانَ بِدْعَةَ بِيلاجِيُوسَ النَّاشِئَةَ: وَلِهَذَا السَّبَبِ يُثْنِي عَلَيْهِ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى دِيمِيتْرِيَاسَ، وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي جِدَالِهِ ضِدَّ الْبِيلَاجِيِّينَ. وَعَنْ ذَلِكَ يَكْتُبُ بُولُسُ أُورُوسِيُوسُ الْمُعَاصِرُ لَهُ، فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ مِنْ تَارِيخِهِ، الْفَصْلُ ٣٩: «يَصِلُ أَلَارِيكُ، وَيُحَاصِرُ رُومَا الْمُرْتَعِدَةَ، وَيُزَعْزِعُهَا، وَيَقْتَحِمُهَا،» إِلَى آخِرِهِ. «وَقَدْ حَدَثَ أَيْضًا، لِيَزْدَادَ ثُبُوتًا أَنَّ اقْتِحَامَ الْمَدِينَةِ تَمَّ بِسَخَطِ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ بَسَالَةِ الْعَدُوِّ، أَنَّ الْقِدِّيسَ إِينُوسِنْتِيُوسَ، أُسْقُفَ الْكَنِيسَةِ الرُّومَانِيَّةِ، كَلُوطٍ الْبَارِّ الْمُنْتَشَلِ مِنْ سَدُومَ، كَانَ بِعِنَايَةِ اللهِ الْخَفِيَّةِ حِينَئِذٍ فِي رَافِينَّا وَلَمْ يَرَ هَلَاكَ الشَّعْبِ الْخَاطِئِ.»

وَلَا أَنْتَ مَعَ أَهْلِكَ: لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا إِلَى لُوطٍ وَحْدَهُ، بَلْ أَيْضًا إِلَى زَوْجَتِهِ وَبَنَاتِهِ؛ إِذْ إِنَّ زَوْجَةَ لُوطٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ لِأَنَّهَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ مُخَالِفَةً هَذَا الْأَمْرَ. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ.

لَا تَنْظُرْ إِلَى الْوَرَاءِ. يَرَى فَاتَابْلُوسُ أَنَّ هَذَا مَثَلٌ سَائِرٌ، أَيْ: لَا تَنْدَمْ عَلَى مَا بَدَأْتَ بِهِ. فَهَكَذَا يُقَالُ فِي لُوقَا ٩: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ.» لَكِنَّنِي أَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَجِبُ أَنْ تُؤْخَذَ لَا مَجَازِيًّا بَلْ حَرْفِيًّا؛ وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ كَوْنِ زَوْجَةِ لُوطٍ عُوقِبَتْ لِأَنَّهَا نَظَرَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، لَا لِأَنَّهَا نَدِمَتْ عَلَى الرِّحْلَةِ الَّتِي شَرَعَتْ فِيهَا.

قَدْ تَسْأَلُ: لِمَاذَا نَهَى اللهُ لُوطًا وَأَهْلَهُ بِهَذِهِ الصَّرَامَةِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْوَرَاءِ؟ أُجِيبُ أَوَّلًا: لِامْتِحَانِ طَاعَةِ لُوطٍ؛ فَهَكَذَا امْتَحَنَ اللهُ طَاعَةَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ الثَّمَرَةِ فِي الْفِرْدَوْسِ. ثَانِيًا: لِاسْتِنْكَارِ شَعْبٍ شِرِّيرٍ لَمْ يَشَأِ اللهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلْيْهِ خَاصَّتُهُ؛ إِذْ لَمْ يَشَأِ اللهُ أَنْ يَحْزَنَ لُوطٌ عَلَى السَّدُومِيِّينَ الْهَالِكِينَ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ شَفَقَةٍ وَفِكْرٍ وَذِكْرَى لِأَكْثَرِ النَّاسِ كُفْرًا مِنْ أَذْهَانِ خَاصَّتِهِ: بَلْ أَرَادَ أَنَّهُمْ حِينَ يَهْلِكُ بَيْتُهُمْ وَأَمْوَالْهُمْ مَعَ الْأَشْرَارِ لَا يَحْزَنُونَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَرَّرَ أَنْ يَجْعَلَ الْمَدِينَةَ بِأَسْرِهَا مُحَرَّمَةً بِنَارِ الْحَرِيقِ الْإِلَهِيِّ بِسَبَبِ كُفْرِهَا.

هَكَذَا أَمَرَ الْمَسِيحُ الرُّسُلَ أَنْ يَنْفُضُوا الْغُبَارَ عَنْ أَقْدَامِهِمْ ضِدَّ الَّذِينَ رَفَضُوا الْإِنْجِيلَ، حَتَّى يَشْهَدُوا بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ مَعَ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ غُبَارًا. ثَالِثًا: لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ مِنْ لُوطٍ أَنْ يَهْرُبَ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ وَيُنْقِذَ نَفْسَهُ، إِذْ كَانَ الْحَرِيقُ وَشِيكًا. وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَرَادَ اللهُ أَنْ يُعَلِّمَنَا جَمِيعًا أَنْ نُمِيتَ فُضُولَنَا، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ الْقُبْرُصِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ. رَابِعًا: لِأَنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْطِيَ لُوطًا أَيَّ عَلَامَةٍ عَلَى النَّدَمِ، كَالنَّظَرِ إِلَى الْوَرَاءِ؛ وَذَلِكَ لِكَيْ يُعَلِّمَ بِهَذَا الْمَثَلِ، تَعْلِيمًا مَجَازِيًّا، جَمِيعَ الْمَسِيحِيِّينَ، وَلَا سِيَّمَا الْحَرِيصِينَ عَلَى خَلَاصِهِمْ وَكَمَالِهِمْ، أَنْ يَنْسَوْا مَا وَرَاءَهُمْ، وَيَسْعَوْا دَائِمًا إِلَى الْأَمَامِ، وَيَصْعَدُوا إِلَى قِمَّةِ الْجَبَلِ، أَيْ ذُرْوَةِ الْكَمَالِ الْإِنْجِيلِيِّ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلُ ٣٠.

أَنْقِذْ نَفْسَكَ فِي الْجَبَلِ — أَيِ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى مَدِينَةِ صُوغَرَ؛ إِذْ فَرَّ لُوطٌ إِلَى هُنَاكَ، الْآيَةُ ٣٠. مَجَازِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْجُزْءُ الثَّالِثُ مِنَ الْقَاعِدَةِ الرَّعَوِيَّةِ، التَّحْذِيرُ ٢٨: «إِنَّ الْفِرَارَ مِنْ سَدُومَ الْمُشْتَعِلَةِ،» يَقُولُ، «هُوَ تَجَنُّبُ نِيرَانِ الْجَسَدِ الْمُحَرَّمَةِ؛ وَعُلُوُّ الْجِبَالِ هُوَ طَهَارَةُ الْمُتَعَفِّفِينَ؛ وَالْوُقُوفُ عَلَى الْجَبَلِ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْجَسَدِ دُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ جَسَدِيًّا. وَلَكِنَّ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ صُعُودَ الْجِبَالِ يُنْقَذُونَ فِي صُوغَرَ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ مَحْرُومَةً مِنْ فَرَحِ الْخَلَاصِ.»

أَرْسَانِيُوسُ، مُعَلِّمُ الْإِمْبِرَاطُورِ أَرْكَادِيُوسَ، فَارًّا إِلَى الصَّحْرَاءِ، نَزَلَ ذَاتَ مَرَّةٍ إِلَى نَهْرٍ. كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ حَبَشِيَّةٌ لَمَسَتْ عَبَاءَتَهُ مِنْ جِلْدِ الْغَنَمِ؛ فَانْتَهَرَهَا، لَكِنَّهَا قَالَتْ: «إِنْ كُنْتَ رَاهِبًا، فَاذْهَبْ إِلَى الْجَبَلِ.» فَتَأَثَّرَ الشَّيْخُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَقَالَ لِنَفْسِهِ: «يَا أَرْسَانِيُوسُ، إِنْ كُنْتَ رَاهِبًا، فَاذْهَبْ إِلَى الْجَبَلِ»؛ وَهُنَاكَ كَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ بِاسْتِمْرَارٍ: «يَا أَرْسَانِيُوسُ، لِمَاذَا خَرَجْتَ؟» وَهَكَذَا عَاشَ فِي الصَّحْرَاءِ ٥٥ سَنَةً، وَمَاتَ عَنْ عُمْرٍ يَبْلُغُ ٩٥ سَنَةً.


الْآيَةُ ١٨

أَتَضَرَّعُ إِلْيْكَ يَا سَيِّدِي. كَانَ هُنَاكَ مَلَاكَانِ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَقُودُ لُوطًا وَزَوْجَتَهُ بِيَدِهِ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَاطَبَهُ لُوطٌ قَائِلًا: «يَا سَيِّدِي»؛ وَالْآخَرُ، الَّذِي يَتْبَعُ مِنْ خَلْفٍ فِي الْوَسَطِ بَيْنَ الابْنَتَيْنِ، كَانَ يَقُودُهُمَا كَذَلِكَ.


الْآيَةُ ١٩

وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَ نَفْسِي فِي الْجَبَلِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّنِي أَرْتَعِدُ وَأَخَافُ، إِذْ أَنَا شَيْخٌ بَطِيءُ الْخُطَى، أَلَّا أَتَسَلَّقَ الْمُنْحَدَرَ بِالسُّرْعَةِ الْكَافِيَةِ، بَلْ تُدْرِكَنِي النَّارُ. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ طَاعَةً سَرِيعَةً، بَلْ كَانَتْ طَاعَةً بَطِيئَةً وَمُتَرَدِّدَةً مِنْ لُوطٍ، مَذْمُومَةً مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ لِأَنَّهُ اتَّكَلَ كَثِيرًا عَلَى ضَعْفِهِ وَلَمْ يَثِقْ بِالْمَلَاكِ الرَّفِيقِ وَالْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لَكِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ طَلَبَ وَنَالَ أَنْ تُعْفَى مَدِينَةُ صُوغَرَ.


الْآيَةُ ٢٠

أَلْيْسَتْ صَغِيرَةً؟ كَأَنَّهُ يَقُولُ: بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ صُوغَرَ صَغِيرَةٌ، فَإِنَّ سُكَّانَهَا قَلِيلُونَ، وَقَدْ أَخْطَأَتْ بِقَدْرٍ مُتَوَاضِعٍ فَقَطْ، فَتَجَاوَزْ لِي عَنْ ذُنُوبِهَا الصَّغِيرَةِ، لِتَحْفَظَهَا لِي، صَغِيرَةً كَمَا هِيَ، مَلْجَأً وَمَأْوًى.


الْآيَةُ ٢١

قَدْ قَبِلْتُ صَلَوَاتِكَ — قَدْ قَبِلْتُ وَسَمِعْتُكَ، وَصَلَوَاتِكَ وَتَضَرُّعَاتِكَ. تُتَرْجِمُهَا السَّبْعِينِيَّةُ بِـإِثَاوْمَاسَا، «قَدْ تَعَجَّبْتُ،» أَيْ قَدِ احْتَرَمْتُ وَأَكْرَمْتُ شَخْصَكَ احْتِرَامًا عَجِيبًا، إِذْ أَنَّنِي مِنْ مَحَبَّتِي وَتَوْقِيرِي لَكَ، وَوَفْقًا لِرَغَبَاتِكَ، أُعْفِي الْمَدِينَةَ الَّتِي كَانَتْ مَحْكُومًا عَلَيْهَا بِالنَّارِ.

لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ صُوغَرَ — الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتْ تُدْعَى سَابِقًا بَالَا صَارَتِ الْآنَ تُسَمَّى صُوغَرَ، أَيْ «الصَّغِيرَةَ،» لِأَنَّ لُوطًا تَوَسَّلَ مِنْ أَجْلِهَا بِاعْتِبَارِهَا مَدِينَةً صَغِيرَةً لِئَلَّا تُحْرَقَ، فِي الْآيَةِ ٢٠. إِذَنْ أَرْبَعُ مُدُنٍ مِنَ الْمُدُنِ الْخَمْسِ، وَهِيَ سَدُومُ وَعَمُورَةُ وَأَدَمَةُ وَصَبُويِيمُ، الْتَهَمَتْهَا هَذِهِ النَّارُ السَّمَاوِيَّةُ؛ أَمَّا الْخَامِسَةُ، صَاغَرُ، الْمُقَرَّرُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِكَ فِي حَرِيقِ الْأُخْرَيَاتِ، فَقَدْ نَجَتْ بِصَلَوَاتِ لُوطٍ.

يَرَى ثِيئُودُورِيطُسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ وَسُويدَاسُ وَلِيرَانُوسُ أَنَّ صُوغَرَ أَيْضًا، بَعْدَ أَنْ غَادَرَهَا لُوطٌ وَفَرَّ إِلَى الْجَبَلِ، دُمِّرَتْ وَابْتَلَعَتْهَا فَجْوَةٌ فِي الْأَرْضِ. لَكِنَّ الْعَكْسَ هُوَ الْأَصَحُّ؛ إِذْ كَانَ الرَّبُّ قَدْ عَفَا عَنْهَا اسْتِجَابَةً لِصَلَوَاتِ لُوطٍ، الْآيَةُ ٢١، وَلِذَلِكَ حُفِظَتْ وَحْدَهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ وَبُورْشَارْدُوسُ وَآخَرُونَ.

قَدْ تَقُولُ: فِي الْحِكْمَةِ ١٠:٦، يُقَالُ إِنَّ النَّارَ نَزَلَتْ عَلَى الْمُدُنِ الْخَمْسِ، إِذَنْ أَيْضًا عَلَى صُوغَرَ. أُجِيبُ: «عَلَى الْمُدُنِ الْخَمْسِ،» أَيْ عَلَى تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِالْمُدُنِ الْخَمْسِ نِسْبَةً إِلَى مُدُنِهَا الْخَمْسِ، نَزَلَتِ النَّارُ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ شَيْءٍ، مَا عَدَا صُوغَرَ. وَعَنْ صُوغَرَ، نَقْلًا عَنِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ وَبْرِيدِمْبَاخَ وَبُورْشَارْدُوسَ وَغِيلِيَالمُوسَ الصُّورِيِّ وَآخَرِينَ، يَكْتُبُ أَدْرِيكُومِيُوسُ هَكَذَا: «صَاغَرُ، مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ، كَانَتْ تُدْعَى سَابِقًا بَالَا، أَوْ بَالْي، أَوْ بِيلَا، بِالْعِبْرِيَّةِ سَالِيصَّا، بِاللَّاتِينِيَّةِ «الْعِجْلَةُ الَّتِي تَدُوسُ» (يَقْرَأُ بَعْضُهُمْ خَطَأً «الْمُذْهِلَةُ»)، وَسُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا ابْتُلِعَتْ وَسُوِّيَتْ بِالْأَرْضِ بِزِلْزَالٍ ثَالِثٍ (وَهَذَا مَا تَعْنِيهِ صَاغَرُ بِالْعِبْرِيَّةِ، بَالَا).»

بِالسُّرْيَانِيَّةِ تُدْعَى صُوعَرَ، وَصُوعَارِي، وَسِئُورَا؛ وَالْآنَ تُسَمَّى بَالْيزُونَا. هَذِهِ وَحْدَهَا مِنَ الْمُدُنِ الْخَمْسِ نَجَتْ مِنَ الْحَرِيقِ بِصَلَوَاتِ لُوطٍ. وَبِالْقُرْبِ مِنْهَا يَنْمُو الْبَلَسَمُ وَثَمَرُ النَّخِيلِ، عَلَامَاتٌ عَلَى خُصُوبَتِهَا الْقَدِيمَةِ. فِي زَمَنِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ كَانَتْ تُدْعَى بَالْمِيرِينَا؛ وَتَبْعُدُ عَنْ أَرِيحَا خَمْسَةَ فَرَاسِخَ، وَتَقَعُ تَحْتَ جَبَلِ عَيْنِ جَدِّي.


الْآيَةُ ٢٢

حَتَّى تَدْخُلَ هُنَاكَ — «هُنَاكَ» لَا تَعْنِي إِلَى دَاخِلِ الْمَدِينَةِ، بَلْ إِلَى أَرْضِ صُوغَرَ، لِأَنَّهُ بَيْنَمَا كَانَ لُوطٌ يَسِيرُ بَيْنَ صُوغَرَ وَسَدُومَ، كَانَتْ سَدُومُ تَحْتَرِقُ بِالْفِعْلِ؛ إِذْ بَيْنَ صُوغَرَ وَسَدُومَ الْتَفَتَتْ زَوْجَةُ لُوطٍ إِلَى هَذَا الْحَرِيقِ فَتَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ لَا يَزَالُ قَائِمًا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ وَأَدْرِيكُومِيُوسُ وَبُورْشَارْدُوسُ وَآخَرُونَ.

يُلِحُّ بْرَادُو فِي تَفْسِيرِهِ لِحِزْقِيَالَ الْفَصْلِ ٩، الْآيَةِ ٦، إِلْحَاحًا جَمِيلًا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْإِلَهِيَّةِ: «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا حَتَّى تَدْخُلَ هُنَاكَ»: «يَا لَهُ،» يَقُولُ، «مِنْ مُحِيطٍ مِنَ الطِّيبَةِ الْإِلَهِيَّةِ! أَلْمْ يَكُنْ كَافِيًا أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ أَعْطَى كَلِمَتَهُ بِأَنَّ مَلَاكَهُ سَيُنْقِذُ لُوطًا مِنِ احْتِرَاقِ سَدُومَ؟ لِمَاذَا هَذَا التَّأَخُّرُ الْكَبِيرُ؟ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْمَلَاكَ تَلَقَّى مِنَ اللهِ أَمْرًا لَا بِإِنْقَاذِ لُوطٍ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ سَالِمًا مُعَافًى آمِنًا خَالِيًا مِنْ كُلِّ قَلَقٍ. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا،» يَقُولُ؛ لَكِنَّ خَطَايَا سَدُومَ عَظِيمَةٌ جِدًّا. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا»؛ لَكِنَّ جَرَائِمَ الْوَقِحِينَ قَدِ اكْتَمَلَتْ. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا»؛ لَكِنَّهَا تَصْرُخُ إِلَى السَّمَاءِ. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا»؛ لَكِنَّكَ جِئْتَ لِتُنَفِّذَ الْحُكْمَ بِلَا عَفْوٍ. «لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا» حَتَّى يَلْجَأَ لُوطٌ إِلَى الْجَبَلِ. لِمَاذَا هَذِهِ الْعِنَايَةُ الاسْتِثْنَائِيَّةُ؟ لِكَيْ لَا تَمَسَّ النَّارُ وَلَا تَبْلُغَ ابْنَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ عَبْدِ اللهِ، وَلَا تُقْلِقَهُ مُصِيبَةُ الْهَالِكِينَ. كَمْ بِحَقٍّ رَنَّمَ دَاوُدُ: مَنْ يَسْكُنُ فِي كَنَفِ (فِي حِمَى، فِي مَخْبَأِ) الْعَلِيِّ، يَسْتَقِرُّ فِي ظِلِّ (فِي حِمَايَةِ) إِلْهِ السَّمَاءِ. يَقُولُ لِلرَّبِّ: أَنْتَ مَلْجَئِي (مَأْوَايَ وَحِصْنِي).»


الْآيَةُ ٢٣

أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الْأَرْضِ، وَدَخَلَ لُوطٌ صُوغَرَ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ لُوطًا الَّذِي غَادَرَ سَدُومَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَصَلَ إِلَى صُوغَرَ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، حِينَ كَانَتْ سَدُومُ تَحْتَرِقُ بِالْفِعْلِ. هَكَذَا يَقُولُ لِيبُومَانُوسُ وَكَايِتَانُوسُ؛ وَمِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّهُ فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا عِنْدَ الْغَسَقِ، بِمُجَرَّدِ أَنْ غَادَرَ لُوطٌ، اشْتَعَلَتْ سَدُومُ.


الْآيَةُ ٢٤

أَمْطَرَ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ — أَيْ أَمْطَرَ الرَّبُّ مِنْ ذَاتِهِ، أَيْ مِنْ قُدْرَتِهِ الْكُلِّيَّةِ، لَا مِنْ أَسْبَابٍ طَبِيعِيَّةٍ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَطَرُ مِنَ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ طَبِيعِيًّا، بَلْ كَانَ سَمَاوِيًّا وَإِلْهِيًّا. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَبَانِينُوسُ وَفَاتَابْلُوسُ وَأُولِيَاسْتِرُ. لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَرِيقُ فِي سَدُومَ أَرْضِيًّا، مُنْبَعِثًا وَمُتَقَيِّئًا مِنَ الْأَرْضِ، كَمَا يَزْعُمُ سْتْرَابُونُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ جُغْرَافِيَّتِهِ، الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْآيَةِ ٢٨ هُنَا، لَكِنْ بِخَطَأٍ.

ثَانِيًا، تُشِيرُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ إِلَى تَمَايُزِ الْأَقَانِيمِ فِي اللَّاهُوتِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَمْطَرَ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، أَيْ أَمْطَرَ الابْنُ مِنْ عِنْدِ الْآبِ؛ لِأَنَّ الابْنَ يَتَلَقَّى مِنَ الْآبِ جَوْهَرَهُ، وَكَذَلِكَ قُدْرَتَهُ وَكُلَّ قُوَّةٍ لِلْإِمْطَارِ وَالْفِعْلِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ، الْكِتَابُ الْخَامِسُ مِنْ عَنِ الثَّالُوثِ؛ وَأُوسَابِيُوسُ، الْكِتَابُ الْخَامِسُ مِنَ الْبُرْهَانِ، الْفَصْلُ ٢٣؛ وَإِيرُونِيمُوسُ، فِي تَفْسِيرِهِ لِزَكَرِيَّا الْفَصْلُ ٢؛ وَأُغُسْطِينُوسُ وَآخَرُونَ؛ بَلْ إِنَّ مَجْمَعَ سِيرْمِيُومَ، الْقَانُونُ ١٣، يُقَرِّرُ هَذِهِ النُّقْطَةَ بِعَيْنِهَا.

قَدْ تَعْتَرِضُ: إِنَّ مَجْمَعَ سِيرْمِيُومَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُدِينُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ. أُجِيبُ: إِنَّهُ يُدِينُهُ فَقَطْ وَفْقًا لِفِكْرِ فُوطِينُوسَ، الَّذِي اسْتَنْتَجَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الابْنَ لَيْسَ إِلْهًا وَلَا أَزَلِيًّا مَعَ الْآبِ. أَضِفْ أَنَّ هَذَا الْمَجْمَعَ لَمْ تَقْبَلْهُ الْكَنِيسَةُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُدِينُ فُوطِينُوسَ؛ بَلْ إِنَّ هَذَا الْمَجْمَعَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ، كَانَ مَجْمَعَ الْآرِيُوسِيِّينَ؛ إِذْ يُعَلِّمُ أَنَّ الابْنَ، بِوَصْفِهِ إِلْهًا، مُطِيعٌ لِلْآبِ وَخَادِمٌ لَهُ.

الْكِبْرِيتُ وَالنَّارُ. بِالْكِبْرِيتِ دُلَّ بِحَقٍّ عَلَى نَتَانَةِ الْخَطَايَا وَعُوقِبَتْ؛ وَبِالنَّارِ عَلَى اشْتِعَالِ الشَّهْوَةِ، كَمَا يَقُولُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْكِتَابُ الرَّابِعُ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلُ ١٠. وَأَيْضًا، كَانَتْ هَذِهِ النَّارُ وَالْكِبْرِيتُ رُمُوزًا وَنُذُرًا لِنَارِ جَهَنَّمَ. هَكَذَا حَكَمَ لَايُوسُ مَلِكُ طِيبَةَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ وَثَنِيًّا، بِأَنَّ الَّذِينَ يُخْصُونَ الْآخَرِينَ، بِوَصْفِهِمْ مُحَرِّفِينَ لِقَوَانِينِ الطَّبِيعَةِ، يَجِبُ أَنْ يُعَاقَبُوا بِعُقُوبَةِ النَّارِ، كَمَا يَقُولُ أَفْلَاطُونُ عِنْدَ كُويلِيُوسَ، الْكِتَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ، الْفَصْلُ ١٦.


الْآيَةُ ٢٥

جَمِيعُ السُّكَّانِ. إِذَنْ فِي سَدُومَ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعُهُمْ أَشْرَارًا وَسَدُومِيِّينَ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ، إِمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالرَّغْبَةِ وَالْمُوَافَقَةِ. اُنْظُرْ حِزْقِيَالَ ١٦:٤٩.

قَدْ تَقُولُ: بِأَيِّ حَقٍّ، وَلِأَيِّ سَبَبٍ أُحْرِقَ الْأَطْفَالُ الصِّغَارُ وَجَمِيعُ الْأَبْرِيَاءِ؟ أُجِيبُ: لِأَنَّ اللهَ، الَّذِي هُوَ رَبُّ الْجَمِيعِ، وَرَبُّ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ، أَرَادَ مِنْ خِلَالِهِمْ أَيْضًا أَنْ يُعَاقِبَ الْآبَاءَ، وَأَنْ يُعَاقِبَ جَرِيمَةَ الْآبَاءِ الْعَظِيمَةَ هَذِهِ؛ لَكِنَّهُ أَحْسَنَ إِلَى الصِّغَارِ بِهَذَا الْمَوْتِ، لِئَلَّا يَسِيرُوا، لَوْ بَقُوا أَحْيَاءً، عَلَى خُطَى آبَائِهِمْ، فَيُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِنِيرَانٍ أَبَدِيَّةٍ.

قَدْ يَسْأَلُ سَائِلٌ: هَلْ تَابَ أَحَدٌ مِنَ السَّدُومِيِّينَ، وَهُوَ يَرَى بُيُوتَهُمْ تَشْتَعِلُ، عِنْدَ الْمَوْتِ فَخَلَصَ؟ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، لَكِنَّ سَائِرَ الْعُلَمَاءِ عُمُومًا يَرَوْنَ أَنَّ الْجَمِيعَ مَاتُوا فِي شُرُورِهِمْ وَهَلَكُوا؛ إِذْ كَانُوا مُنْغَمِسِينَ فِي جَرِيمَةٍ فَاضِحَةٍ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَيْنِهَا الَّتِي سَعَوْا فِيهَا إِلَى الاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَلَاكَيْنِ، الْآيَةُ ٢. أَضِفْ هَذَا: إِنَّ اللَّهَبَ الْمُفَاجِئَ انْقَضَّ عَلَيْهِمْ وَأَذْهَلَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ وَعْيٌ وَلَا وَقْتٌ لِلتَّوْبَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَمْرُ فِي الطُّوفَانِ، الَّذِي ازْدَادَ تَدْرِيجِيًّا وَبِبُطْءٍ، فَأَعْطَاهُمْ وَقْتًا لِلتَّوْبَةِ. هَكَذَا يَقُولُ تُوسْتَاتُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَآخَرُونَ، وَيُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ الْقِدِّيسُ يَهُوذَا فِي رِسَالَتِهِ، الْآيَةُ ٧.

وَكُلُّ نَبَاتَاتِ الْأَرْضِ. لَاحِظْ هُنَا الْعُقُوبَةَ الْبَالِغَةَ لِلشَّهْوَةِ السَّدُومِيَّةِ. كَانَتِ الْمُدُنُ الْخَمْسُ فِيمَا مَضَى خَصْبَةً وَجَمِيلَةً كَالْفِرْدَوْسِ؛ وَبَعْدَ الْخَطِيئَةِ وَالْحَرِيقِ السَّمَاوِيِّ صَارَتِ الْمِنْطَقَةُ بِأَسْرِهَا جَرْدَاءَ وَنَتِنَةً. فَالْجُزْءُ الْخَارِجِيُّ بَقِيَ مُحْتَرِقًا وَمُغَطًّى بِالرَّمَادِ: وَالْأَشْجَارُ النَّامِيَةُ هُنَاكَ تُنْتِجُ ثِمَارًا جَمِيلَةً، لَكِنْ إِذَا لَمَسْتَهَا تَحَوَّلَتْ إِلَى غُبَارٍ. وَالْجُزْءُ الدَّاخِلِيُّ الْمُتَبَقِّي مُغَطًّى بِأَقْذَرِ الْمِيَاهِ وَأَغْلَظِهَا الْمُنْبَثِقَةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَتَطْفُو عَلَيْهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ كُتَلٌ مِنَ الْقَارِ الَّذِي تَقَيَّأَتْهُ الْآبَارُ الَّتِي كَانَ هَذَا الْوَادِي مَمْلُوءًا بِهَا مِنَ الْأَعْمَاقِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْبُحَيْرَةُ بُحَيْرَةَ الْأَسْفَلْتِيتِسَ، وَلِأَنَّهَا لَا تُنْتِجُ سَمَكًا وَلَا أَيَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَقَدْ سُمِّيَتْ بِالْبَحْرِ الْمَيِّتِ؛ وَمِنْ فَرْطِ مُلُوحَتِهَا هِيَ أَشَدُّ الْبِحَارِ مُلُوحَةً؛ وَمِنَ الْمَكَانِ السَّهْلِيِّ الصَّحْرَاوِيِّ سُمِّيَتْ بَحْرَ الصَّحْرَاءِ، الَّذِي يَمْتَدُّ ٧٢ مِيلًا فِي الطُّولِ وَسِتَّةً فِي الْعَرْضِ. وَيَصُبُّ الْأُرْدُنُّ فِي هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ، وَالْأَسْمَاكُ مَعَهُ، وَهِيَ تَمُوتُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهَا الْبُحَيْرَةَ. وَإِذَا أُلْقِيَ فِيهَا أَيُّ حَيَوَانٍ حَيٍّ، كَحِصَانٍ أَوْ ثَوْرٍ أَوْ إِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ يَطْفُو وَلَا يَغْرَقُ. هَكَذَا يَقُولُ تِرْتُولِيَانُوسُ فِي قَصِيدَتِهِ عَنْ سَدُومَ، وَيُوسِيفُوسُ، وَأُورُوسِيُوسُ، وَتَاكِيتُوسُ، وَسُولِينُوسُ، وَبْلِينِيُوسُ، وَآخَرُونَ، حَيْثُ يَتَنَاوَلُونَ بُحَيْرَةَ الْأَسْفَلْتِيتِسَ.

وَيُضِيفُ فِيلُونُ، فِي كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ هَذَا الْبَحْرَ أَوِ الْبُحَيْرَةَ يَنْبَعِثُ مِنْهُ بِاسْتِمْرَارٍ دُخَانٌ وَكِبْرِيتٌ، كَأَنَّهَا بَقَايَا هَذَا الْحَرِيقِ. وَيَقُولُ بُورْشَارْدُوسُ، الشَّاهِدُ الْعِيَانِيُّ، فِي وَصْفِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ: الْبَحْرُ الْمَيِّتُ، يَقُولُ، يَدْخُنُ دَائِمًا وَمُظْلِمٌ، كَمَا رَأَيْتُ بِعَيْنَيَّ، حَتَّى إِنَّهُ يَبْدُو كَفَمِ الْجَحِيمِ؛ يَدْخُنُ بِبُخَارٍ نَتِنٍ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمِنْطَقَةَ الْمُحِيطَةَ قَاحِلَةً لِمَسَافَةِ نِصْفِ يَوْمٍ مِنَ السَّيْرِ، أَيْ خَمْسَةِ أَوْ سِتَّةِ فَرَاسِخَ، فَلَا تُنْتِجُ حَتَّى بُرْعُمًا وَاحِدًا.

بَلْ يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي الْحِكْمَةِ ١٠:٧: «وَشَهَادَةً عَلَى الشَّرِّ لَا تَزَالُ الْأَرْضُ الْمُدَخِّنَةُ خَرَابًا، وَأَشْجَارُهَا تُثْمِرُ ثِمَارًا فِي غَيْرِ أَوَانِهَا.» إِنْ كَانَ هَذَا قَدْ حَدَثَ فِي سَدُومَ، فَمَاذَا سَيَحْدُثُ فِي جَهَنَّمَ؟ اُنْظُرُوا، أَيُّهَا الْبَشَرُ، اُنْظُرُوا، أَيُّهَا الْجَسَدِيُّونَ، عِبْرَتَكُمْ وَنَمُوذَجَكُمْ، ٢ بُطْرُسَ ٢:٦. «تَعَلَّمُوا الْعَدْلَ يَا مَنِ انْذَرْتُمْ، وَلَا تَسْتَخِفُّوا بِاللهِ.» مَنْ مِنْكُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْكُنَ مَعَ نَارٍ آكِلَةٍ (لِلْأَجْسَادِ وَالْأَرْوَاحِ)؟ أَنْ يَسْكُنَ مَعَ حَرَائِقَ أَبَدِيَّةٍ؟ بِهَذِهِ النَّارِ، وَبِالتَّأَمُّلِ فِي النَّارِ، أَخْمِدُوا نَارَ شَهْوَتِكُمْ. فَإِنَّ جَمِيعَ نِيرَانِ هَذَا الْعَالَمِ وَجَمِيعَ عُقُوبَاتِهِ، مُقَارَنَةً بِنَارِ جَهَنَّمَ وَعَذَابِهَا، لَيْسَتْ إِلَّا كَنَارٍ مَرْسُومَةٍ مُقَارَنَةً بِنَارٍ حَقِيقِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُولِيكَارْبُوسُ الْكَاهِنُ فِي سِيرَةِ الْقِدِّيسِ سِبَاسْتِيَانُوسَ.

مُلَاحَظَةٌ: حَدَثَ هَذَا الدَّمَارُ وَالْحَرِيقُ لِلْمُدُنِ الْخَمْسِ قَبْلَ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ بِالضَّبْطِ، الَّذِي وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ. وَهَذَا وَاضِحٌ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ دَمَّرُوا سَدُومَ كَانُوا قَدْ تَعَشَّوْا فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَوَعَدُوهُ بِأَنَّ إِسْحَاقَ سَيُولَدُ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ، الْفَصْلُ ١٨:١٠؛ وَمِنْ هُنَاكَ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ ذَهَبُوا إِلَى سَدُومَ، وَفِي الْمَسَاءِ اسْتَقْبَلَهُمْ لُوطٌ، وَفِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ هَاجَمَهُمُ السَّدُومِيُّونَ، وَلِذَلِكَ فِي أَبْكَرِ وَقْتٍ مِنَ الْفَجْرِ أَحْرَقَ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةُ أَنْفُسُهُمْ سَدُومَ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ حَرِيقَ سَدُومَ وَقَعَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَالتِّسْعِينَ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ؛ وَبِمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ مِنَ الطُّوفَانِ، أَضِفْ سَنَوَاتِ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ التِّسْعَ وَالتِّسْعِينَ، تَحْصُلْ عَلَى السَّنَةِ ٣٩١ مِنَ الطُّوفَانِ، الَّتِي وَقَعَ فِيهَا دَمَارُ سَدُومَ هَذَا، وَهِيَ سَنَةُ الْعَالَمِ ٢٠٤٧؛ وَقَبْلَ ضَرَبَاتِ مِصْرَ وَخُرُوجِ الْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ مِصْرَ كَانَتِ السَّنَةَ ٤٠٦.


الْآيَةُ ٢٦

وَالْتَفَتَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ. حَدَثَ هَذَا بِالقُرْبِ مِنْ مَدِينَةِ صُوغَرَ، الَّتِي قَادَهَا إِلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ مَعَ لُوطٍ وَالْبَنَاتِ كَأَنَّهَا مَكَانٌ آمِنٌ، وَمِنْ هُنَاكَ سَرْعَانَ مَا نَفَّذُوا انْتِقَامَ اللهِ عَلَى سَدُومَ، فَأَمْطَرُوا عَلَيْهَا كِبْرِيتًا وَنَارًا.

الْتَفَتَتْ، إِذْ أَيْقَظَهَا ضَجِيجُ النَّارِ وَمَطَرُ الْكِبْرِيتِ وَصُرَاخُ الْهَالِكِينَ، جُزْئِيًّا مِنَ الْخَوْفِ لِئَلَّا يَلْتَهِمَهَا اللَّهَبُ أَيْضًا، وَجُزْئِيًّا مِنَ الْفُضُولِ، وَجُزْئِيًّا مِنَ الْحُزْنِ عَلَى مُمْتَلَكَاتِهَا الضَّائِعَةِ وَأَهْلِ مَدِينَتِهَا وَوَطَنِهَا الْمُحْتَرِقِ. فَعُوقِبَتْ إِذَنْ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَاصِيَةً وَغَيْرَ مُؤْمِنَةٍ، كَمَا يَقُولُ سِفْرُ الْحِكْمَةِ ١٠:٧؛ إِذْ لَمْ تُؤْمِنْ بِأَنَّهُ يَهُمُّ لِسَلَامَتِهَا وَنَجَاتِهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَى الْوَرَاءِ أَمْ لَا. وَمِنْ هُنَا يَرَى دِيُونِيسِيُوسُ الْقَرْطُوزِيُّ أَنَّهَا أَخْطَأَتْ خَطِيئَةً مُمِيتَةً. غَيْرَ أَنَّ آخَرِينَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ كَانَ عَرَضِيًّا فَقَطْ، لِأَنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ الْتَفَتَتْ مَضْرُوبَةً بِخَوْفٍ شَدِيدٍ، وَلِأَنَّ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ بَدَا لَهَا أَمْرًا تَافِهًا، فَلَمْ تَظُنَّ أَنَّ هَذَا مَأْمُورٌ بِهِ وَمُلْزِمٌ تَحْتَ الْخَطِيئَةِ الْمُمِيتَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ عُوقِبَتْ، لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا عِبْرَةً لِلآخَرِينَ، كَمَا سَأُبَيِّنُ قَرِيبًا. فَبِطَرِيقَةٍ مُمَاثِلَةٍ، كَعِبْرَةٍ لِلآخَرِينَ، عَاقَبَ اللهُ بِالْمَوْتِ ذَلِكَ النَّبِيَّ الَّذِي تُرْوَى قِصَّتُهُ فِي الْمُلُوكِ الثَّالِثِ ١٣، بِسَبَبِ عِصْيَانٍ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَرَضِيًّا، كَمَا يَبْدُو.

تَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ. يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ: تَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ دَائِمٍ؛ وَهَكَذَا فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ١٨:١٩ يُذْكَرُ عَهْدُ مِلْحٍ، أَيْ عَهْدٌ أَبَدِيٌّ. لَكِنَّ هَذَا مَجَازِيٌّ بِشَكْلٍ كَافٍ وَبَعِيدٌ عَنِ الْمَعْنَى؛ وَلِذَلِكَ يَحْكُمُ عُمُومُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهَا تَحَوَّلَتْ فِعْلًا إِلَى عَمُودِ مِلْحٍ حَقِيقِيٍّ، وَلَا يَجُوزُ الشَّكُّ فِي ذَلِكَ.

لَاحِظْ أَوَّلًا: كَانَ هَذَا التِّمْثَالُ بِهَيْئَةِ امْرَأَةٍ. فَقَدْ كَانَ تِمْثَالَ امْرَأَةِ لُوطٍ، وَلِذَلِكَ احْتَفَظَ التِّمْثَالُ بِشَكْلِهَا.

ثَانِيًا، يَبْدُو أَنَّ هَذَا الْمِلْحَ كَانَ مِنَ النَّوْعِ الْمَعْدِنِيِّ الَّذِي يُقَاوِمُ الْمَطَرَ وَيَنْفَعُ فِي الْبِنَاءِ بِصَلَابَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَكْتُبُ عَنْهُ بْلِينِيُوسُ، الْكِتَابُ ٣١، الْفَصْلُ ٧؛ فَقَدْ بَقِيَ هَذَا التِّمْثَالُ لِقُرُونٍ عَدِيدَةٍ. اسْمَعْ تِرْتُولِيَانُوسَ فِي قَصِيدَتِهِ عَنْ سَدُومَ: «التِّمْثَالُ نَفْسُهُ، مُحْتَفِظًا بِشَكْلِهِ بِلَا جَسَدٍ، يَبْقَى إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، لَا تُدَمِّرُهُ الأَمْطَارُ وَلَا الرِّيَاحُ؛ بَلْ إِنْ شَوَّهَ أَيُّ غَرِيبٍ شَكْلَهُ، فَإِنَّهُ يَمْلَأُ الْجِرَاحَ مِنْ دَاخِلِهِ فَوْرًا. وَيُقَالُ إِنَّ الْجِنْسَ الأُنْثَوِيَّ الْحَيَّ، فِي جَسَدٍ آخَرَ الآنَ، اعْتَادَ أَنْ يُخْرِجَ دِمَاءَ طَمْثِهِ الشَّهْرِيِّ.»

لَاحِظْ هُنَا كَلِمَةَ «الْحَيّ» — لَا أَنَّ هَذَا التِّمْثَالَ يَحْيَا حَقًّا، بَلْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ يُفْرِزُ مَا يُشْبِهُ سَيَلَانَ الْحَيْضِ، وَهُوَ أَمْرٌ عَجِيبٌ بِقَدْرِ مَا يُؤَكِّدُهُ تِرْتُولِيَانُوسُ هُنَا مِنْ أَنَّ هَذَا التِّمْثَالَ، إِنْ شَوَّهَهُ أَحَدٌ، سُرْعَانَ مَا يُرَمِّمُ هَذَا التَّشْوِيهَ وَيَمْلَؤُهُ كَأَنَّهُ يَشْفِي جُرْحَهُ. وَلْتَبْقَ مِصْدَاقِيَّةُ هَذِهِ الادِّعَاءَاتِ عَلَى عَاتِقِ تِرْتُولِيَانُوسَ.

وَفَوْقَ ذَلِكَ، يَشْهَدُ بُورْشَارْدُوسُ، الَّذِي عَاشَ قَبْلَ ثَلَاثِمِئَةِ سَنَةٍ، بِأَنَّ هَذَا التِّمْثَالَ كَانَ لَا يَزَالُ قَائِمًا فِي زَمَانِهِ، بَيْنَ عَيْنِ جَدِّي وَالْبَحْرِ الْمَيِّتِ، وَيُعَلِّمُ أَدْرِيكُومِيُوسُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ مَوْجُودًا. وَيُضِيفُ تَرْجُومُ أُورَشَلِيمَ أَنَّ هَذَا التِّمْثَالَ سَيَبْقَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالدَّيْنُونَةِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ اللُّغْزُ عَنْ تِمْثَالِ الْمِلْحِ هَذَا لِامْرَأَةِ لُوطٍ: «جُثَّةٌ وَلَيْسَ لَهَا قَبْرٌ؛ قَبْرٌ وَلَيْسَ لَهُ جُثَّةٌ؛ وَمَعَ ذَلِكَ الْقَبْرُ وَالْجُثَّةُ فِي دَاخِلِهِ» — لِأَنَّهَا جُثَّةُ نَفْسِهَا وَقَبْرُ نَفْسِهَا.

قَدْ يُسْأَلُ: لِمَاذَا تَحَوَّلَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ؟ يُجِيبُ الْعِبْرَانِيُّونَ، وَفْقًا لِلِّيرَانُوسَ، بِأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي الْمَسَاءِ السَّابِقِ، حِينَ اسْتَقْبَلَ لُوطٌ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْعَشَاءِ، لَمْ تُقَدِّمِ الْمِلْحَ الَّذِي تُتَبَّلُ بِهِ الأَطْعِمَةُ عَادَةً، وَكَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كُرْهٍ مَوْرُوثٍ لِلضُّيُوفِ وَالضِّيَافَةِ؛ فَقَدْ كَانَ أَهْلُ سَدُومَ غَيْرَ مُضِيفِينَ. لَكِنَّ هَذِهِ خُرَافَةٌ يَهُودِيَّةٌ وَاخْتِلَاقٌ.

أَقُولُ إِذَنْ: تَحَوَّلَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ لِيَكُونَ كَأَنَّهُ نُصُبٌ رُخَامِيٌّ، تَذْكَارٌ أَبَدِيٌّ لِلْعِقَابِ الإِلَهِيِّ، يَتَعَلَّمُ مِنْهُ الأَجْيَالُ اللَّاحِقَةُ أَنْ تُطِيعَ اللهَ وَتَخْدِمَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَلَّا يَلْتَفِتُوا إِلَى الْوَرَاءِ فَيَتْرُكُوا بِدَايَاتِهِمُ الصَّالِحَةَ وَيَعُودُوا إِلَى مَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَالْجَسَدِ. فَالْمِلْحُ بِجَفَافِهِ يُعِينُ الذَّاكِرَةَ وَيَحْفَظُ الأَجْسَادَ مِنَ الْفَسَادِ؛ وَالْمِلْحُ الْمَعْدِنِيُّ صُلْبٌ، وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ رَمْزٌ لِلأَبَدِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ الأَبَدِيَّةِ. وَلِهَذَا يُسَمَّى عَهْدُ الْمِلْحِ عَهْدًا أَبَدِيًّا.

وَمِنْ هُنَا رَمْزِيًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بْرُوسْبِيرُوسُ، الْكِتَابُ الأَوَّلُ مِنْ عَنِ النُّبُوءَاتِ وَالْمَوَاعِيدِ، الْفَصْلُ ١٦: «امْرَأَةُ لُوطٍ،» يَقُولُ، «صَارَتْ تِمْثَالَ مِلْحٍ، فَتَبَّلَتْ بِمَثَلِهَا الْحَمْقَى، مُعَلِّمَةً أَنَّهُ فِي الْقَصْدِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي يَسْعَى إِلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ، لَا يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إِلَى الْوَرَاءِ بِفُضُولٍ ضَارٍّ.» فَلِهَؤُلَاءِ يَقُولُ الْمَسِيحُ، لُوقَا ١٧:٣١: «اذْكُرُوا امْرَأَةَ لُوطٍ.» وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَزْمُورِ ٧٥ يُطَبِّقُ هَذَا عَلَى الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ نَذْرَ الْعَفَافِ.

قَدْ يُسْأَلُ ثَانِيًا: هَلْ هَلَكَ جَسَدُ امْرَأَةِ لُوطٍ وَحْدَهُ، أَمْ هَلَكَتْ رُوحُهَا أَيْضًا وَتَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودِ مِلْحٍ؟ يَبْدُو أَنَّ الرُّوحَ تَحَوَّلَتْ مَعَ الْجَسَدِ إِلَى تِمْثَالٍ، أَوَّلًا، لِأَنَّهُ يُقَالُ هُنَا مُطْلَقًا، بِطَرِيقَةٍ عَجِيبَةٍ وَغَيْرِ مَسْبُوقَةٍ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تَحَوَّلَتْ إِلَى تِمْثَالٍ؛ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَتَكَوَّنُ مِنَ الرُّوحِ بِقَدْرِ مَا تَتَكَوَّنُ مِنَ الْجَسَدِ، بَلْ أَكْثَرَ. ثَانِيًا، لِأَنَّ الْحَكِيمَ يَبْدُو أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي سِفْرِ الْحِكْمَةِ ١٠:٧، حِينَ يَقُولُ: «نُصُبٌ قَائِمٌ مِنَ الْمِلْحِ، تَذْكَارُ نَفْسٍ غَيْرِ مُؤْمِنَةٍ.»

لَكِنِّي أُجِيبُ وَأَقُولُ إِنَّ الْجَسَدَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي تَحَوَّلَ إِلَى تِمْثَالٍ؛ فَهَذَا التَّحَوُّلُ كَانَ مَوْتَ امْرَأَةِ لُوطٍ. وَفِي الْمَوْتِ لَا تَهْلِكُ الرُّوحُ، بَلْ يَتَحَوَّلُ الْجَسَدُ وَحْدَهُ إِلَى جُثَّةٍ ثُمَّ إِلَى تُرَابٍ. ثَانِيًا، لِأَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ مَادِّيَّةٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ حَقِيقَةً إِلَى جَسَدٍ، أَعْنِي تِمْثَالًا. ثَالِثًا، الرُّوحُ خَالِدَةٌ، وَلِذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَهْلِكَ أَوْ تَتَغَيَّرَ. وَلِمَاذَا، أَسْأَلُ، كَانَ اللهُ سَيَجْعَلُهَا بِمُعْجِزَةٍ وَضِدَّ الطَّبِيعَةِ فَانِيَةً هُنَا، بَلْ تَمُوتُ فِعْلًا، حِينَ لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ الْبَشَرَ كَعِبْرَةٍ؟ فَلِهَذَا الْغَرَضِ يَكْفِي أَنْ يَتَحَوَّلَ الْجَسَدُ الْمَرْئِيُّ إِلَى تِمْثَالٍ مَرْئِيٍّ. لِذَلِكَ يُسَمِّيهِ الْحَكِيمُ تَذْكَارَ نَفْسٍ غَيْرِ مُؤْمِنَةٍ، أَيْ تَذْكَارَ الشَّخْصِ؛ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ إِدْرَاكُ الرُّوحِ وَلَا تَحَوُّلِ الرُّوحِ، بَلْ تَحَوُّلُ الْجَسَدِ إِلَى تِمْثَالٍ فَحَسْبُ. وَهَكَذَا فَإِنَّ رُوحَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، لَمَّا تَحَوَّلَ الْجَسَدُ إِلَى تِمْثَالٍ، بَقِيَتْ حَيَّةً وَذَهَبَتْ إِلَى الْجَحِيمِ، أَوْ بِالأَحْرَى إِلَى الْمَطْهَرِ؛ فَيَبْدُو أَنَّ الْتِفَاتَهَا هَذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَنْبًا عَرَضِيًّا، كَمَا قُلْتُ.


الْآيَةُ ٢٧

مَعَ الرَّبِّ — أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْمَلَاكِ الثَّالِثِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُ الْإِصْحَاحُ ١٨: ٢٣، وَالَّذِي كَانَ قَدِ انْصَرَفَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي الْآيَةِ ٣٣.


الْآيَةُ ٢٨

رَمَادًا — أَيْ خَلِيطًا مِنَ الدُّخَانِ وَاللَّهَبِ وَالْجَمْرِ. هَكَذَا يَقُولُ الْعِبْرَانِيُّونَ وَالْكَلْدَانِيُّونَ وَالتَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. فَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَرْقُبُ حَرِيقَ سَدُومَ بِعَيْنِهِ.


الْآيَةُ ٢٩

ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ — لِئَلَّا يُهْلِكَ لُوطًا الْبَارَّ، ابْنَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، مَعَ السَّدُومِيِّينَ الْأَشْرَارِ، بِسَبَبِ اسْتِحْقَاقَاتِ إِبْرَاهِيمَ وَصَلَوَاتِهِ، إِذْ كَانَ قَدْ صَلَّى قَائِلًا: «لَا تُهْلِكِ الْبَارَّ مَعَ الشِّرِّيرِ»، الْإِصْحَاحُ ١٨: ٢٣.


الْآيَةُ ٣٠

وَصَعِدَ وَأَقَامَ فِي الْجَبَلِ. لَمْ يَنْهَهُمُ الْمَلَاكُ إِلَّا عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْوَرَاءِ وَهُمْ فِي الطَّرِيقِ؛ فَلَمَّا وَصَلَ لُوطٌ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَى صُوغَرَ، الْتَفَتَ، وَإِذْ رَأَى ذَلِكَ الْمَطَرَ الْمُرَوِّعَ مِنَ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ وَالْحَرِيقَ الْمُدَمِّرَ فِي كُلِّ جِهَةٍ، فَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، نَاسِيًا نَفْسَهُ وَالْوَعْدَ الْمَلَائِكِيَّ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ آمِنًا بَعْدُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي صُوغَرَ، فَرَّ مِنْ صُوغَرَ إِلَى الْجِبَالِ.


الْآيَةُ ٣١

لَمْ يَبْقَ رَجُلٌ فِي الْأَرْضِ. يَرَى أُورِيجِنِسُ أَنَّ ابْنَتَيْ لُوطٍ تَلَقَّتَا تَقْلِيدًا مِنْ أَبِيهِمَا مُفَادُهُ أَنَّ الْعَالَمَ، كَمَا هَلَكَ مَرَّةً بِالطُّوفَانِ، سَيَهْلِكُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِالنَّارِ؛ وَمِنْ ثَمَّ دَفَعَهُمَا الْخَوْفُ الشَّدِيدُ وَالرُّعْبُ مِنْ حَرِيقِ سَدُومَ إِلَى الظَّنِّ بِأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ قَدِ احْتَرَقَ، وَهَذَا الْخَطَأُ الَّذِي كَانَ بِإِمْكَانِهِمَا وَوَاجِبِهِمَا تَصْحِيحُهُ سَوَاءٌ عَنْ طَرِيقِ أَبِيهِمَا أَوْ بِمُرُورِ الزَّمَنِ، دَفَعَهُمَا إِلَى زِنَا الْمَحَارِمِ لَا الشَّهْوَةُ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُسَ، الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُسَ، الْفَصْلَانِ ٤٢ وَ٤٣.

مُلَاحَظَةٌ: يُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ يُعْفُونَ ابْنَتَيْ لُوطٍ مِنَ الْإِثْمِ، وَذَلِكَ لِسَبَبَيْنِ: أَوَّلًا، جَهْلُهُمَا الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهِ؛ وَثَانِيًا، أَنَّهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ سِوَاهُمَا مَعَ أَبِيهِمَا، كَانَ اتِّصَالُهُمَا بِأَبِيهِمَا مَشْرُوعًا لِلْحِفَاظِ عَلَى الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، كَمَا يَقُولُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ ١ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٦. فَهَكَذَا حَوَّاءُ الَّتِي صُنِعَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ وَكَانَتْ بِذَلِكَ كَابْنَةٍ لِآدَمَ، كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ زَوْجَتَهُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْحِينِ الْمَرْأَةَ الْوَحِيدَةَ فِي الْعَالَمِ.

لَكِنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُسَ وَعُمُومَ اللَّاهُوتِيِّينَ يُعَلِّمُونَ عَكْسَ ذَلِكَ. أَوَّلًا، جَهْلُ الِابْنَتَيْنِ وَخَطَؤُهُمَا كَانَ قَابِلًا لِلتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ كَمَا قُلْتُ؛ وَثَانِيًا، اتِّصَالُ الِابْنَةِ بِأَبِيهَا مُنَافٍ لِكُلِّ حَيَاءِ الطَّبِيعَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي أَيِّ حَالٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، إِلَّا إِذَا أَعْفَى اللهُ وَأَذِنَ بِذَلِكَ.

أَخْلَاقِيًّا، يُلَاحِظُ لِيبُومَانُسُ بِحَقٍّ أَنَّ مُعَاشَرَةَ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ، حَتَّى وَإِنْ كَانُوا أَقَارِبَ بِالدَّمِ، لَا تَخْلُو مِنْ خَطَرٍ أَبَدًا. وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي بَيْتِهِ لَا بَنَاتِ الْأَخِ وَلَا الْأَخَوَاتِ.


الْآيَةُ ٣٣

أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا — الَّتِي اشْتَرَيَاهَا فِي صُوغَرَ وَحَمَلَتَاهَا مَعَهُمَا مَعَ سَائِرِ الْمُؤَنِ لِقُوتِ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ. «أَخْطَأَ لُوطٌ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ، الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُسَ، الْفَصْلُ ٤٤، «لَا بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ زِنَا الْمَحَارِمِ (الَّذِي ارْتَكَبَهُ وَهُوَ سَكْرَانُ فَاقِدُ الْوَعْيِ فَوْقَ كُلِّ تَوَقُّعٍ وَشُبْهَةٍ)، بَلْ بِذَلِكَ السُّكْرِ.» وَيَبْدُو أَنَّ هَذَا السُّكْرَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا ذَنْبًا عَرَضِيًّا. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَبِيرِيرِيُوسُ. فَقَدْ كَانَ لُوطٌ مَذْعُورًا تَمَامًا وَشَدِيدَ الْحُزْنِ بِسَبَبِ فَقْدِ زَوْجَتِهِ وَجَمِيعِ مُمْتَلَكَاتِهِ، وَلِذَلِكَ شَرِبَ بِسَخَاءٍ أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ لِيُخَفِّفَ حُزْنَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ سَيَسْكَرُ. غَيْرَ أَنَّ الْخَمْرَ، الَّتِي رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا عَلَيْهَا أَوْ كَانَتْ أَقْوَى مِنَ الْمُعْتَادِ، سَرْعَانَ مَا غَلَبَتْ وَسَيْطَرَتْ عَلَى دِمَاغِهِ الَّذِي أَضْعَفَهُ التَّعَبُ وَالْحُزْنُ؛ فَإِنَّ الْمَحْزُونِينَ يَأْسِرُهُمُ الْخَمْرُ فَوْرًا.

لَمْ يَشْعُرْ. كَانَ فِي لُوطٍ بَعْضُ الْإِحْسَاسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ؛ لَكِنَّهُ كَانَ إِحْسَاسًا مُشَوَّشًا خَامِدًا مُضْطَرِبًا، كَمَا يَكُونُ عَادَةً عِنْدَ النَّائِمِينَ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ هُمْ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُسُ. فَلَمْ يَشْعُرْ لُوطٌ عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ وَلَمْ يُمَيِّزِ ابْنَتَهُ وَلَا اقْتِرَابَهَا وَانْصِرَافَهَا.


الْآيَةُ ٣٥

سَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا. كَانَ سُكْرُ لُوطٍ الثَّانِي هَذَا ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنَ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ كَانَ قَدْ جَرَّبَ قُوَّةَ الْخَمْرِ وَسُكْرَهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّعِظَ وَيَحْذَرَ وَيَمْتَنِعَ عَنِ الْخَمْرِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي نَوْبَةٍ ثَانِيَةٍ. لَكِنْ مَنْ يَكُونُ، وَلَا سِيَّمَا فِي شِدَّةِ ابْتِلَائِهِ، بَالِغَ الْحَذَرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟


الْآيَةُ ٣٧

مُوآبُ. يُقَالُ إِنَّ مُوآبَ كَأَنَّهُ مِنْ مِي-آبْ، أَيْ «مِنَ الْأَبِ»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: هَذَا الِابْنُ وَلَدْتُهُ مِنْ أَبِي، فَيَكُونُ الرَّجُلُ نَفْسُهُ أَبَاهُ وَجَدَّهُ مَعًا. كَانَتْ هَذِهِ الِابْنَةُ وَقِحَةً فِي اتِّصَالِهَا بِأَبِيهَا، وَأَشَدَّ وَقَاحَةً فِي تَسْمِيَةِ نَسْلِهَا الَّتِي تُعْلِنُ بِهَا جَرِيمَتَهَا عَلَى الْمَلَأِ.


الْآيَةُ ٣٨

عَمُّونُ. فِي الْعِبْرِيَّةِ بِنْ عَمِّي، أَيْ «ابْنُ شَعْبِي»، أَوْ كَمَا تَقُولُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ «مِنْ جِنْسِي»، الَّذِي حَبِلْتُ بِهِ مِنْ جِنْسِي وَقَوْمِي، مِنْ قَرَابَتِي وَنَسَبِي، أَيْ مِنْ أَبِي. كَأَنَّهَا تَقُولُ: ابْنِي هَذَا لَمْ يُنْجِبْهُ السَّدُومِيُّونَ الْأَشْرَارُ الَّذِينَ عِشْتُ بَيْنَهُمْ، بَلْ هُوَ كُلُّهُ مِنْ شَعْبِي وَقَوْمِي، وُلِدَ حَقًّا مِنْ زَرْعِ الْوَالِدِ وَحَمْلِ الِابْنَةِ. أَرَادَ اللهُ أَنْ تَبْقَى ذِكْرَى زِنَا الْمَحَارِمِ الْأَبَوِيِّ هَذَا الْمُخْزِي فِي الْأَوْلَادِ، لِكَيْ لَا يُنَجِّسَ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِزِيجَاتِهِمْ بِحُجَّةِ الْقَرَابَةِ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ.


اسْتِطْرَادٌ أَخْلَاقِيٌّ فِي السُّكْرِ

وَلِذَلِكَ يُنَاسِبُ مَا يَرْوِيهِ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي سِيرَتِهَا: «إِنَّ الْقِدِّيسَةَ بَوْلَا، وَهِيَ تَطُوفُ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، لَمَّا وَصَلَتْ إِلَى صُوغَرَ أَوْ صُوعَرَ، تَذَكَّرَتْ مَغَارَةَ لُوطٍ، وَانْقَلَبَتْ إِلَى الدُّمُوعِ، فَحَذَّرَتْ رَفِيقَاتِهَا الْعَذَارَى أَنْ يَجْتَنِبْنَ الْخَمْرَ الَّتِي فِيهَا شَهْوَةٌ، فَإِنَّ الْمُوآبِيِّينَ وَالْعَمُّونِيِّينَ نِتَاجُهَا.»

تَأَمَّلْ هُنَا مَا هُوَ السُّكْرُ، حَتَّى السُّكْرُ غَيْرُ الْإِرَادِيِّ، وَإِلَى أَيِّ ضَلَالَاتٍ يَدْفَعُ الْإِنْسَانَ. فَمَا هُوَ إِذَنِ السُّكْرُ الْإِرَادِيُّ؟ إِلَى أَيِّ شُرُورٍ يَدْفَعُ؟ وَكَمْ كَانَ مَهْلِكًا لِكَثِيرِينَ؟

مَا هُوَ السُّكْرُ؟ اسْمَعِ الْقِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ فِي عِظَتِهِ عَنِ السُّكْرِ: «هُوَ شَيْطَانٌ طَوْعِيٌّ، وَأُمُّ الْخُبْثِ، وَعَدُوُّ الْفَضِيلَةِ؛ يَجْعَلُ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ جَبَانًا، وَيُحَوِّلُ الْمُتَعَفِّفَ إِلَى فَاجِرٍ، وَيَجْهَلُ الْعَدَالَةَ، وَيُطْفِئُ الْحِكْمَةَ. مَا السَّكَارَى — أَسْأَلُكُمْ — إِلَّا أَصْنَامُ الْأُمَمِ؟ لَهُمْ أَعْيُنٌ وَلَا يُبْصِرُونَ.»

مَا هُوَ السُّكْرُ؟ اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ، عَنْ إِيلِيَّا وَالصَّوْمِ، الْفَصْلُ ١٦: «هُوَ وَقُودُ الشَّهْوَةِ، وَحَافِزُ الْجُنُونِ، وَسُمُّ الْحَمَاقَةِ. بِسَبَبِهِ يَفْقِدُ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ، وَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُمْ، وَتَتَّقِدُ أَعْيُنُهُمْ، وَيَلْهَثُونَ، وَيَشْخَرُونَ بِمَنَاخِرِهِمْ، وَيَشْتَعِلُونَ غَضَبًا.»

مَا هُوَ السُّكْرُ؟ «هُوَ إِنْسَانٌ لَا مَيِّتٌ وَلَا حَيٌّ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ غَلَاطِيَةَ الْإِصْحَاحِ ٥.

مَا هُوَ السَّكْرَانُ؟ «هُوَ شَيْطَانٌ طَوْعِيٌّ، وَجُثَّةٌ مُتَحَرِّكَةٌ؛ مَرَضٌ لَا يَقْبَلُ الْعُذْرَ، وَخَرَابٌ لَا مُبَرِّرَ لَهُ، وَعَارٌ مُشْتَرَكٌ عَلَى جِنْسِنَا؛ حَيْثُ يَكُونُ السُّكْرُ يَكُونُ إِبْلِيسُ، وَتَكُونُ الْكَلِمَاتُ الْقَبِيحَةُ؛ وَحَيْثُ يَكُونُ الْإِفْرَاطُ تَرْقُصُ الشَّيَاطِينُ حَلَقَاتِهَا»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٥٧ إِلَى الشَّعْبِ.

وَأَيْضًا فِي الْعِظَةِ ٥٨ عَلَى مَتَّى: «كَمْ هُوَ أَفْضَلُ الْحِمَارُ مِنَ السَّكْرَانِ! كَمْ هُوَ أَشْرَفُ الْكَلْبُ! فَإِنَّ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ، حِينَ تَشْرَبُ أَوْ تَأْكُلُ، لَا تَأْخُذُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيهَا، وَلَوْ أَرْغَمَهَا عَلَى ذَلِكَ أَلْفُ رَجُلٍ.»

مَا هُوَ السُّكْرُ؟ «هُوَ جُنُونٌ طَوْعِيٌّ»، يَقُولُ سِينِيكَا، الرِّسَالَةُ ٨٣.

ثَانِيًا، أَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ آثَارَ السُّكْرِ؟ أَوَّلًا، يَسْتَجْلِبُ غَضَبَ اللهِ. إِشَعْيَاءُ ٥: «وَيْلٌ لِلَّذِينَ يُبَكِّرُونَ صَبَاحًا فِي طَلَبِ السُّكْرِ.» الْأَمْثَالُ ٢٣: «لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْحُفَرُ؟ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلَا سَبَبٍ؟ لِمَنِ احْمِرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ أَلَيْسَ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ وَيَسْعَوْنَ إِلَى إِفْرَاغِ الْكُؤُوسِ؟» ثَانِيًا، يَخْطَفُ الْعَقْلَ. الْأَمْثَالُ ٢٣: ٣١: «لَا تَنْظُرْ إِلَى الْخَمْرِ حِينَ تَصْفَرُّ، حِينَ يَتَلَأْلَأُ لَوْنُهَا فِي الْكَأْسِ: تَدْخُلُ بِنُعُومَةٍ، لَكِنَّهَا فِي الْأَخِيرِ تَلْدَغُ كَالْحَيَّةِ.» هُوشَعُ ٤: ١١: «الزِّنَى وَالْخَمْرُ وَالسُّكْرُ تَخْطَفُ الْقَلْبَ.» ثَالِثًا، يُشْعِلُ الشَّهْوَةَ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ هُنَا فِي لُوطٍ. الْأَمْثَالُ ٢٠: ١: «الْخَمْرُ مُسْتَهْتِرَةٌ وَالسُّكْرُ صَاخِبٌ.» أَفَسُسَ ٥: ١٨: «لَا تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّتِي فِيهَا الشَّهْوَةُ.» رَابِعًا، يُضَيِّعُ الْحَيَاةَ وَالثَّرْوَةَ. ابْنُ سِيرَاخَ ٣٧: ٣٤: «كَثِيرُونَ مَاتُوا مِنَ السُّكْرِ؛ أَمَّا الْمُمْتَنِعُ فَيَزِيدُ فِي حَيَاتِهِ»؛ وَالْإِصْحَاحُ ١٩: ١: «الْعَامِلُ السِّكِّيرُ لَا يَسْتَغْنِي.» خَامِسًا، يُزِيلُ الْحَيَاءَ، وَمَتَى زَالَ الْحَيَاءُ انْدَفَعَ الْإِنْسَانُ إِلَى كَلَامٍ قَذِرٍ مُشَاجِرٍ مُخَاصِمٍ، بَلْ وَإِلَى الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ. سَادِسًا، لِلسُّكْرِ خَاصِّيَّةٌ فَرِيدَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ يَضَعُ الْخَاطِئَ فِي خَطَرٍ أَكِيدٍ لَا مَفَرَّ مِنْهُ مِنَ الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ؛ فَسَائِرُ الْخُطَاةِ إِذَا حَلَّ بِهِمُ الْمَوْتُ يَتُوبُونَ، إِذْ يَكُونُونَ فِي كَامِلِ عَقْلِهِمْ، وَيَتَطَهَّرُونَ بِالْأَسْرَارِ الْمُقَدَّسَةِ؛ أَمَّا السَّكْرَانُ وَحْدَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّوْبَةِ وَلَا عَلَى الْأَسْرَارِ، فَإِنْ أُصِيبَ أَوْ خَنَقَهُ نَزْلَةٌ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ قَطْعًا. وَلِذَلِكَ يَقُولُ بُولُسُ فِي كُورِنْثُوسَ الْأُولَى ٦: ١٠ وَغَلَاطِيَةَ ٥: ٢١ إِنَّ السَّكَارَى لَا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.

ثَالِثًا، أَتُرِيدُ أَمْثِلَةً؟ لُوطٌ الَّذِي لَمْ تَهْزِمْهُ سَدُومُ، ارْتَكَبَ وَهُوَ سَكْرَانُ زِنَا مَحَارِمَ مُزْدَوَجًا. نُوحٌ الرَّجُلُ الْكَامِلُ، تَعَرَّى وَهُوَ سَكْرَانُ وَسَخِرَ مِنْهُ ابْنُهُ. شَمْشُونُ الْمُمْتَلِئُ خَمْرًا خَانَتْهُ دَلِيلَةُ وَسَلَّمَتْهُ لِلْأَعْدَاءِ. أُولُوفَرْنُسُ السَّكْرَانُ قَطَعَتْ رَأْسَهُ يَهُودِيتُ. أَبْنَاءُ أَيُّوبَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ سُحِقُوا بِانْهِيَارِ الْبَيْتِ. هِيرُودُسُ وَهُوَ يَحْتَسِي أَمَرَ بِقَطْعِ رَأْسِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ. الْغَنِيُّ أَبُولُو بِسَبَبِ إِفْرَاطِهِ فِي الشَّرَابِ لَمْ يَسْتَحِقَّ وَلَوْ قَطْرَةَ مَاءٍ بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ سَكْرَانُ قَتَلَ صَدِيقَهُ الْأَعَزَّ كِلِيتُسَ، بَلْ وَقَتَلَ نَفْسَهُ أَيْضًا بِكَأْسِ هِرَقْلَ. بَلْطَشَاصَّرُ آخِرُ مُلُوكِ بَابِلَ، وَهُوَ سَكْرَانُ رَأَى يَدًا تَكْتُبُ مَنَا تَقِيلْ فَرَسْ؛ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَيْنِهَا جَرَّدَهُ كُورَشُ مِنْ مُلْكِهِ وَحَيَاتِهِ. فَلْيَتَأَمَّلِ السَّكْرَانُ أَنَّ الْحُكْمَ نَفْسَهُ يَصْدُرُ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ: مَنَا، أَيَّامُ حَيَاتِكَ مَعْدُودَةٌ وَمَقْطُوعَةٌ؛ قَرِيبًا، وَرُبَّمَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهَذِهِ السَّاعَةِ، سَتَمُوتُ؛ تَقِيلْ، وُزِنْتَ فَوُجِدْتَ نَاقِصًا، نَاقِصَ الِاعْتِدَالِ وَالْفَضِيلَةِ، لِأَنَّكَ مُثْقَلٌ بِالْخَمْرِ وَالرَّذَائِلِ؛ فَرَسْ، قُسِمْتَ؛ جَسَدُكَ الَّذِي سَمَّنْتَهُ يُسَلَّمُ لِلدُّودِ وَلِيمَةً، وَنَفْسُكَ تُسَلَّمُ لِلشَّيَاطِينِ سُخْرِيَةً وَعَذَابًا.