كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ الثَّامِنَ عَشَرَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَسْتَقْبِلُ إِبْرَاهِيمُ ثَلَاثَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِالضِّيَافَةِ وَالْوَلِيمَةِ. ثَانِيًا، يَعِدُهُ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْآيَةِ ٩ بِابْنٍ مِنْ سَارَةَ. ثَالِثًا، يَكْشِفُونَ لَهُ فِي الْآيَةِ ١٧ عَنْ دَمَارِ سَدُومَ الْوَشِيكِ؛ فَيُصَلِّي إِبْرَاهِيمُ وَيَشْفَعُ لِأَجْلِ سَدُومَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٨: ١-٣٣

١. وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ فِي وَادِي مَمْرَا، وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ بَابِ خَيْمَتِهِ فِي حَرِّ النَّهَارِ الشَّدِيدِ. ٢. فَلَمَّا رَفَعَ عَيْنَيْهِ ظَهَرَ لَهُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَاقِفُونَ بِقُرْبِهِ؛ فَلَمَّا رَآهُمْ رَكَضَ لِلِقَائِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الْأَرْضِ. ٣. وَقَالَ: «يَا سَيِّدِي، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، فَلَا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ: ٤. بَلْ أُحْضِرُ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ، وَتُغْسَلُ أَرْجُلُكُمْ، وَاسْتَرِيحُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ. ٥. وَأَضَعُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فَتُقَوُّونَ قُلُوبَكُمْ؛ ثُمَّ تَمْضُونَ، لِأَنَّكُمْ لِذَلِكَ مِلْتُمْ إِلَى عَبْدِكُمْ.» قَالُوا: «اصْنَعْ كَمَا قُلْتَ.» ٦. فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ وَقَالَ لَهَا: «أَسْرِعِي، اعْجِنِي ثَلَاثَةَ أَكْيَالٍ مِنَ الدَّقِيقِ النَّاعِمِ، وَاصْنَعِي أَقْرَاصًا مَطْبُوخَةً تَحْتَ الرَّمَادِ.» ٧. ثُمَّ رَكَضَ هُوَ نَفْسُهُ إِلَى الْقَطِيعِ وَأَخَذَ مِنْهُ عِجْلًا رَخْصًا جِدًّا وَجَيِّدًا جِدًّا وَأَعْطَاهُ لِغُلَامٍ، فَأَسْرَعَ وَطَبَخَهُ. ٨. وَأَخَذَ أَيْضًا زُبْدًا وَلَبَنًا وَالْعِجْلَ الَّذِي طَبَخَهُ وَوَضَعَهُ أَمَامَهُمْ؛ وَأَمَّا هُوَ فَوَقَفَ بِجَانِبِهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. ٩. وَلَمَّا أَكَلُوا قَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟» أَجَابَ: «هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ.» ١٠. فَقَالَ لَهُ: «أَرْجِعُ وَآتِي إِلَيْكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَالْحَيَاةُ رَفِيقَتُكَ، وَتَلِدُ سَارَةُ امْرَأَتُكَ ابْنًا.» فَلَمَّا سَمِعَتْ سَارَةُ ذَلِكَ ضَحِكَتْ وَرَاءَ بَابِ الْخَيْمَةِ. ١١. وَكَانَا كِلَاهُمَا شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الْعُمُرِ، وَقَدْ كَفَّ عَنْ سَارَةَ مَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ. ١٢. فَضَحِكَتْ سِرًّا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ شَيْخُوخَتِي وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ، أَتَلَذَّذُ؟» ١٣. فَقَالَ الرَّبُّ لِإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَحَقًّا أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ؟ ١٤. هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ؟ حَسَبَ الْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَيْنِهِ، وَالْحَيَاةُ رَفِيقَتُكَ، وَتَلِدُ سَارَةُ ابْنًا.» ١٥. فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ»، إِذْ خَافَتْ. فَقَالَ الرَّبُّ: «لَا، بَلْ ضَحِكْتِ.» ١٦. فَلَمَّا قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَجَّهُوا أَعْيُنَهُمْ نَحْوَ سَدُومَ، وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ مَعَهُمْ مُشَيِّعًا لَهُمْ. ١٧. فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، ١٨. إِذْ سَيَصِيرُ أُمَّةً عَظِيمَةً وَقَوِيَّةً جِدًّا، وَتَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الْأَرْضِ؟ ١٩. لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّهُ يُوصِي بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ وَيَعْمَلُوا بِالْعَدْلِ وَالْبِرِّ، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لِإِبْرَاهِيمَ بِكُلِّ مَا وَعَدَهُ بِهِ.» ٢٠. وَقَالَ الرَّبُّ: «صُرَاخُ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ ثَقُلَتْ جِدًّا. ٢١. أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِحَسَبِ الصُّرَاخِ الَّذِي بَلَغَنِي، أَمْ لَا، فَأَعْلَمَ.» ٢٢. فَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَوْا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَا يَزَالُ وَاقِفًا أَمَامَ الرَّبِّ. ٢٣. فَاقْتَرَبَ وَقَالَ: «أَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الشِّرِّيرِ؟ ٢٤. إِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ خَمْسُونَ بَارًّا، أَفَيَهْلِكُونَ مَعًا؟ وَلَا تَصْفَحُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ ٢٥. حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ وَتُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الشِّرِّيرِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالشِّرِّيرِ. لَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِكَ. أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ الْأَرْضَ كُلَّهَا لَا تَصْنَعُ هَذَا الْحُكْمَ أَبَدًا. ٢٦. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَوْضِعِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ. ٢٧. فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: إِذْ قَدْ شَرَعْتُ أَتَكَلَّمُ مَعَ سَيِّدِي وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. ٢٨. وَإِنْ نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً، أَتُهْلِكُ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا مِنْ أَجْلِ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ؟ فَقَالَ: لَا أُهْلِكُهَا إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ. ٢٩. فَعَادَ وَكَلَّمَهُ أَيْضًا: وَإِنْ وُجِدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ؟ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الْأَرْبَعِينَ. ٣٠. فَقَالَ: لَا يَغْضَبْ سَيِّدِي إِنْ تَكَلَّمْتُ. وَإِنْ وُجِدَ هُنَاكَ ثَلَاثُونَ؟ أَجَابَ: لَا أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلَاثِينَ. ٣١. فَقَالَ: إِذْ قَدْ شَرَعْتُ أَتَكَلَّمُ مَعَ سَيِّدِي، وَإِنْ وُجِدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ؟ فَقَالَ: لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ. ٣٢. فَقَالَ: لَا يَغْضَبْ سَيِّدِي فَأَتَكَلَّمَ هَذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. وَإِنْ وُجِدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ؟ فَقَالَ: لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ. ٣٣. فَانْصَرَفَ الرَّبُّ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ مُحَادَثَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ.


الْآيَةُ ١: ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ

وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ — فِي هَيْئَةِ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ، كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ الثَّلَاثَةَ (الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ) كَانُوا يُمَثِّلُونَ الرَّبَّ، كَمَا سَأُوَضِّحُ قَرِيبًا. وَفِي ذِكْرَى ظُهُورِ الْمَلَائِكَةِ هَذَا لِإِبْرَاهِيمَ عِنْدَ بَلُّوطَةِ مَمْرَا، كَانَ الْيَهُودُ وَالْوَثَنِيُّونَ وَالْمَسِيحِيُّونَ يَجْتَمِعُونَ هُنَاكَ كُلَّ سَنَةٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُقِيمُ الْأَعْيَادَ وَالذَّبَائِحَ وَفْقَ طَقْسِهِ الْخَاصِّ. لَكِنَّ الْإِمْبِرَاطُورَ قُسْطَنْطِينَ، بَعْدَ أَنْ أَلْغَى الطُّقُوسَ الْكَافِرَةَ لِلْيَهُودِ وَالْوَثَنِيِّينَ، أَمَرَ بِتَطْهِيرِ الْمَكَانِ، وَبَعْدَ أَنْ بَنَى هَيْكَلًا هُنَاكَ، أَصْدَرَ قَرَارًا بِتَخْصِيصِهِ وَتَكْرِيسِهِ لِلْعِبَادَةِ الْمَسِيحِيَّةِ وَحْدَهَا، كَمَا يَرْوِي سُوزُومِينُوسْ فِي الْكِتَابِ ٢، الْفَصْلِ ٣.

جَالِسًا فِي حَرِّ النَّهَارِ الشَّدِيدِ. — يَبْدُو مِنْ هَذَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مُعْتَادًا أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ بَابِهِ حَوْلَ الظُّهْرِ وَوَقْتِ الْغَدَاءِ، يَتَرَقَّبُ الْمُسَافِرِينَ وَالضُّيُوفَ الَّذِينَ يَعْتَادُونَ فِي حَرِّ النَّهَارِ أَنْ يَمِيلُوا إِلَى الْمَنَازِلِ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا نَشَرَ شَبَكَةَ ضِيَافَتِهِ، لَمْ يَسْتَقْبِلْ بَشَرًا فَحَسْبُ، بَلْ مَلَائِكَةً أَيْضًا دُونَ أَنْ يَعْلَمَ: لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَا يَقُولُهُ الرَّسُولُ فِي الْعِبْرَانِيِّينَ ١٣: ٢: «لَا تَنْسَوُا الضِّيَافَةَ؛ فَإِنَّ بِهَا قَدْ أَضَافَ بَعْضُهُمْ مَلَائِكَةً وَهُمْ لَا يَدْرُونَ.» اُنْظُرْ مَدِيحَ الضِّيَافَةِ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ، وَالْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ هُنَا فِي الْعِظَةِ ٤١؛ وَالْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ فِي الْكِتَابِ ١ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلِ ٥؛ وَالْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْعِظَتَيْنِ ٦٨ و٧٠ عَنِ الْأَزْمِنَةِ.

اِسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ،» يَقُولُ، «أَنَّكَ تَسْتَقْبِلُ اللهَ حِينَ تَظُنُّهُ ضَيْفًا؟ إِبْرَاهِيمُ إِذْ قَدَّمَ الضِّيَافَةَ لِلْمُسَافِرِينَ، اسْتَقْبَلَ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ ضُيُوفًا. وَبِالْفِعْلِ حِينَمَا تَسْتَقْبِلُ ضَيْفًا فَأَنْتَ تَسْتَقْبِلُ اللهَ. لِأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ كَمَا تَقْرَأُ، إِذْ يَقُولُ الرَّبُّ يَسُوعُ: كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي؛ لِأَنَّ مَا صَنَعْتُمُوهُ بِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الصِّغَارِ فَبِي صَنَعْتُمُوهُ. بِضِيَافَةِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ تِلْكَ الْأَرْمَلَةُ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْ إِيلِيَّا، بِقَلِيلٍ مِنَ الطَّعَامِ، وَجَدَتْ قُوتًا دَائِمًا طُولَ زَمَنِ الْمَجَاعَةِ، وَنَالَتْ مُكَافَأَةً عَجِيبَةً، فَلَمْ يَنْفَدِ الدَّقِيقُ مِنَ الْجَرَّةِ. وَأَلِيشَعُ أَيْضًا، بِمَوْهِبَةِ إِقَامَةِ الِابْنِ الْمَيِّتِ حَيًّا، رَدَّ دَيْنَ الضِّيَافَةِ.» هَذَا وَأَكْثَرُ مِنْ أَمْبْرُوسِيُوسَ.

وَيُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَيْضًا هُنَا: «تَعَلَّمْ،» يَقُولُ، «كَمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا حَتَّى تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَسْتَقْبِلُ الضَّيْفَ، لِئَلَّا يَسْبِقَكَ غَيْرُكَ وَيَحْرِمَكَ مِنْ وَفْرَةِ الْعَطِيَّةِ الصَّالِحَةِ.» وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا: «يَرْكُضُ،» يَقُولُ، «وَيَطِيرُ الشَّيْخُ؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْفَرِيسَةَ الَّتِي كَانَ يَصْطَادُهَا. لَمْ يُنَادِ خُدَّامَهُ؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا كَنْزٌ عَظِيمٌ، وَصَفْقَةٌ كَبِيرَةٌ؛ يَجِبُ أَنْ أَجْلِبَ هَذِهِ الْبِضَاعَةَ بِنَفْسِي لِئَلَّا يُفْلِتَ مِنِّي هَذَا الرِّبْحُ الْعَظِيمُ.» وَأَيْضًا: «اُنْظُرْ سَخَاءَ إِبْرَاهِيمَ: ذَبَحَ عِجْلًا وَعَجَنَ الدَّقِيقَ. اِسْمَعْ أَيْضًا حَمَاسَتَهُ: يَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِهِ وَبِزَوْجَتِهِ. تَأَمَّلْ أَيْضًا كَيْفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ: يَسْجُدُ وَيَتَوَسَّلُ. يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْتَقْبِلُ الضُّيُوفَ أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهِ كُلُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ: الْحَمَاسَةُ وَالْبَشَاشَةُ وَالسَّخَاءُ. لِيَسْمَعِ الرِّجَالُ، وَلْتَسْمَعِ النِّسَاءُ. الرِّجَالُ حَتَّى يُرَبُّوا رَفِيقَاتِهِمْ هَكَذَا، فَإِذَا ظَهَرَ رِبْحٌ رُوحِيٌّ لَا يُنَفَّذُ بِالْخُدَّامِ، بَلْ يَفْعَلُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ كُلَّ شَيْءٍ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلْيُسَارِعْنَ إِلَى مُسَاعَدَةِ أَزْوَاجِهِنَّ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِأَيْدِيهِنَّ. لِيُقَلِّدْنَ الْعَجُوزَ الْقِدِّيسَةَ الَّتِي قَبِلَتِ الْعَنَاءَ طَوْعًا فِي تِلْكَ الشَّيْخُوخَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَدَّتْ أَعْمَالَ الْخَادِمَاتِ.» وَحَقًّا فِي بَيْتِ الْبَارِّ لَا يَكُونُ أَحَدٌ عَاطِلًا: كُلُّ فَرْدٍ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يُقَدِّمُ يَدَ الْمُسَاعَدَةِ فِي الضِّيَافَةِ أَوْ أَيِّ عَمَلٍ تَقَوِيٍّ مُشَابِهٍ. وَبِالْفِعْلِ فَإِنَّ الْقِدِّيسَ كَارْلُوسَ بُورُّومِيُوسَ، مَعَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا كَثِيرِينَ، كَانَ يُوَزِّعُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مَهَامَّهُ طُولَ الْيَوْمِ كُلِّهِ، وَهِيَ مَهَامُّ نَافِعَةٌ وَتَقِيَّةٌ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ رُبْعُ سَاعَةٍ فَارِغَةً وَغَيْرَ مَشْغُولَةٍ خِلَالَ النَّهَارِ. أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ فِي رُومَا مَنْ عَاشُوا مَعَهُ طَوِيلًا. وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَتْ أُسْرَتُهُ كُلُّهَا هَادِئَةً مُنَظَّمَةً مُقَدَّسَةً مُثْمِرَةً كَالنَّحْلِ. لِيَقْتَدِ بِهَذَا الْأُمَرَاءُ وَالْأَسَاقِفَةُ؛ لِأَنَّ الْبَطَالَةَ تُخَرِّبُ الْبُيُوتَ، وَلَا سِيَّمَا بُيُوتَ الْبَلَاطِ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ فِي الرِّسَالَةِ ٢٦ إِلَى بَامَّاخِيُوسَ: «هُوَ نَفْسُهُ (إِبْرَاهِيمُ) غَسَلَ أَقْدَامَهُمْ، وَهُوَ نَفْسُهُ حَمَلَ الْعِجْلَ السَّمِينَ عَلَى كَتِفَيْهِ مِنَ الْقَطِيعِ، وَوَقَفَ كَخَادِمٍ بَيْنَمَا كَانَ الْمُسَافِرُونَ يَتَغَدَّوْنَ، وَقَدَّمَ لَهُمْ طَعَامًا طَبَخَتْهُ يَدَا سَارَةَ، وَهُوَ صَائِمٌ.»


الْآيَةُ ٢: ثَلَاثَةُ رِجَالٍ

ثَلَاثَةُ رِجَالٍ. — يَرَى مَجْمَعُ سِرْمِيُومَ فِي الْقَانُونِ ١٤ أَنَّ الْأَوْسَطَ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ كَانَ ابْنَ اللهِ؛ لَكِنَّ هَذَا كَانَ مَجْمَعًا لِلْآرِيُوسِيِّينَ، كَمَا يُبَيِّنُ بَارُونِيُوسُ بِالتَّفْصِيلِ عِنْدَ سَنَةِ ٣٥٧ لِلْمَسِيحِ.

لَاحِظْ إِذَنْ أَوَّلًا أَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ الثَّلَاثَةَ كَانُوا مَلَائِكَةً صَنَعُوا وَاتَّخَذُوا جَسَدًا بَشَرِيًّا مِنَ الْهَوَاءِ لِيُكَلِّمُوا إِبْرَاهِيمَ. فَإِنَّ بُولُسَ فِي الْعِبْرَانِيِّينَ الْإِصْحَاحِ ١٣، الْآيَةِ ٢، وَمُوسَى فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١، يُسَمِّيهِمْ مَلَائِكَةً. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٦ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٢٩، وَغَيْرُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ. يَرَى الْعِبْرَانِيُّونَ وَلِيرَانُوسُ أَنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أُرْسِلَ لِلْبِشَارَةِ بِوِلَادَةِ ابْنِ سَارَةَ، وَالثَّانِيَ لِقَلْبِ سَدُومَ، وَالثَّالِثَ لِإِنْقَاذِ لُوطَ مِنْ سَدُومَ. لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ وَاحِدٌ بَلِ اثْنَانِ مَعًا لِقَلْبِ سَدُومَ وَلِإِنْقَاذِ لُوطَ مِنْهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ١٩، الْآيَاتِ ١ وَ١٠ وَ١٦. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ.

ثَانِيًا، كَانَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ — وَهُوَ الْأَوْسَطُ — يَبْدُو أَكْثَرَ جَلَالًا مِنَ الْآخَرَيْنِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَلَاكًا أَسْمَى مَرْتَبَةً؛ وَلِذَلِكَ هُوَ وَحْدَهُ يَتَكَلَّمُ هُنَا فِي الْغَالِبِ وَيُدْعَى الرَّبَّ. يَرَى الْعِبْرَانِيُّونَ عِنْدَ لِيرَانُوسَ وَتُوسْتَاتُوسَ أَنَّ هَذَا الْأَوْسَطَ كَانَ مِيخَائِيلَ، وَكَانَ عَنْ يَمِينِهِ جِبْرَائِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ رَافَائِيلُ؛ وَهَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ أَرْسَلَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ لِقَلْبِ سَدُومَ وَلِإِخْرَاجِ لُوطَ مِنْهَا، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي. وَلِذَلِكَ يُخَاطِبُ إِبْرَاهِيمُ هَذَا الْوَاحِدَ الْأَوْسَطَ — بِوَصْفِهِ أَجَلَّ مِنَ الْآخَرَيْنِ — وَيَسْمَعُ لَهُ وَيَسْجُدُ لَهُ. وَمِنْ هُنَا بِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ يَقُولُ أُوخِيرِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ٢ عَنِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلِ ٢٧: «فِي الرِّجَالِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَتَوْا إِلَى إِبْرَاهِيمَ،» يَقُولُ، «كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ الْمَسِيحِ مَصْحُوبًا بِمَلَاكَيْنِ، يُفَسِّرُهُمَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ بِمُوسَى وَإِيلِيَّا؛ أَحَدُهُمَا مُشَرِّعُ النَّامُوسِ الْقَدِيمِ الَّذِي أَشَارَ بِهِ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ؛ وَالْآخَرُ الَّذِي سَيَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِيُعْلِنَ مَجِيءَ الْمَسِيحِ الثَّانِيَ وَيُبَشِّرَ بِإِنْجِيلِهِ.»

ثَالِثًا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي لِقَائِهِ الْأَوَّلِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ظَنَّهُمْ جَمِيعًا بَشَرًا، أَيْ ضُيُوفًا عَادِيِّينَ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ فِي الْعِبْرَانِيِّينَ ١٣ يَقُولُ إِنَّهُ اسْتَقْبَلَ مَلَائِكَةً خُفْيَةً وَدُونَ عِلْمٍ، لِأَنَّهُ ظَنَّهُمْ بَشَرًا لَا مَلَائِكَةً. وَلِذَلِكَ يَغْسِلُ أَقْدَامَ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا كَأَنَّهُمْ بَشَرٌ، وَيُعِدُّ لَهُمْ بِعِنَايَةٍ وَلِيمَةً وَكُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الضُّيُوفُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ.

قَدْ تَقُولُ: كَيْفَ يُقَالُ إِذَنْ إِنَّهُ سَجَدَ لَهُمْ؟ أُجِيبُ: «سَجَدَ لَهُمْ» أَيْ أَنَّهُ بِسُجُودِهِ إِلَى الْأَرْضِ أَظْهَرَ لَهُمُ الِاحْتِرَامَ الْمَدَنِيَّ الْمُعْتَادَ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْقِ. وَبِالْمِثْلِ سَجَدَ لِبَنِي حِثَّ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٣، الْآيَةِ ٧.

لَاحِظْ هُنَا بِأَيِّ مَحَبَّةٍ عَظِيمَةٍ وَوَقَارٍ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَسْتَقْبِلُ الضُّيُوفَ. مِنْ إِبْرَاهِيمَ تَعَلَّمَ الْأَبُّ أَبُولُّونِيُوسُ هَذَا الْوَقَارَ، كَمَا وَرَدَ فِي سِيَرِ الْآبَاءِ: فَقَدْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَسْتَقْبِلُ الْإِخْوَةَ الْقَادِمِينَ مِنَ الْغُرْبَةِ بِالسُّجُودِ لَهُمْ وَالِانْحِنَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَقُومُ وَيُقَبِّلُهُمْ، وَيَنْصَحُ الْإِخْوَةَ بِاسْتِقْبَالِ الْإِخْوَةِ الْقَادِمِينَ كَأَنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الرَّبَّ: «لِأَنَّ تَقْلِيدَنَا،» كَانَ يَقُولُ، «يَقْضِي بِأَنْ يُسْجَدَ لِلْإِخْوَةِ الْقَادِمِينَ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ فِي مَجِيئِهِمْ حُضُورَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ.» وَأَضَافَ مَثَلَ إِبْرَاهِيمَ. وَمُتَشَبِّعًا بِهَذَا التَّقْلِيدِ الْآبَائِيِّ يُوصِي الْقِدِّيسُ بَنَدِكْتُوسُ: «لِجَمِيعِ الضُّيُوفِ الْقَادِمِينَ أَوِ الْمُنْصَرِفِينَ، بِانْحِنَاءِ الرَّأْسِ أَوْ بِسُجُودِ الْجَسَدِ كُلِّهِ إِلَى الْأَرْضِ، لِيُسْجَدْ لِلْمَسِيحِ فِيهِمْ، الَّذِي يُسْتَقْبَلُ أَيْضًا فِيهِمْ.»

رَابِعًا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ يَتَعَامَلُ مَعَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ أَدْرَكَ تَدْرِيجِيًّا مِنْ بَهَائِهِمْ وَكَلَامِهِمْ وَجَلَالِهِمْ وَعَلَامَاتٍ أُخْرَى وَمِنْ إِلْهَامِ اللهِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بَشَرًا بَلْ مَلَائِكَةٌ وَرُسُلُ اللهِ، بَلْ يَقُومُونَ مَقَامَ اللهِ وَيُمَثِّلُونَ شَخْصَهُ، وَلَا سِيَّمَا الْأَوْسَطُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ اللهِ وَيُدْعَى دَائِمًا «يَهْوَه»، وَهُوَ اسْمُ اللهِ الْخَاصُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ.

وَبِالْمِثْلِ، يُمْكِنُ تَكْرِيمُ سَفِيرِ الْمَلِكِ بِطَرِيقَتَيْنِ: أَوَّلًا بِوَصْفِهِ سَفِيرًا، وَثَانِيًا بِوَصْفِهِ الْمَلِكَ الَّذِي يَتَقَمَّصُ شَخْصَهُ وَيُمَثِّلُهُ، بِحَيْثُ يُعْتَبَرُ أَنَّ التَّكْرِيمَ لَيْسَ لِلسَّفِيرِ بِقَدْرِ مَا هُوَ لِلْمَلِكِ فِي السَّفِيرِ، كَمَا يُمَثَّلُ الْقِدِّيسُونَ وَيُكَرَّمُونَ فِي أَيْقُونَاتِهِمْ: لِأَنَّ السَّفِيرَ هُوَ صُورَةٌ حَيَّةٌ لِمَلِكِهِ.

خَامِسًا، كَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ يَرْمِزُونَ رَمْزِيًّا إِلَى الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ، وَالْأَوْسَطُ يَرْمِزُ إِلَى الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَكِيرِلُّسُ؛ وَلِذَلِكَ رَأَى إِبْرَاهِيمُ ثَلَاثَةً وَسَجَدَ لِوَاحِدٍ، كَمَا تُرَتِّلُ الْكَنِيسَةُ.

وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ سَجَدَ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ أَوَّلًا بِعِبَادَةِ الدُّولِيَّا — بِوَصْفِهِمْ مَلَائِكَةً وَسُفَرَاءَ اللهِ — وَثَانِيًا لَمَّا أَدْرَكَ أَنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ اللهَ وَالثَّالُوثَ الْأَقْدَسَ فِيهِمْ، سَجَدَ بِعِبَادَةِ اللَّاتْرِيَّا، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ وَيَتَكَلَّمُ هُنَا مَعَ إِبْرَاهِيمَ يُدْعَى دَائِمًا «يَهْوَه»، وَهُوَ اسْمُ اللهِ الْخَاصُّ الَّذِي تَجِبُ لَهُ عِبَادَةُ اللَّاتْرِيَّا.


الْآيَةُ ٤: لِتُغْسَلْ أَرْجُلُكُمْ

لِتُغْسَلْ — اِسْمَحُوا لِعَبِيدِي، أَوْ بِالْأَحْرَى أَنَا نَفْسِي (كَمَا يُشِيرُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ ٧٠ عَنِ الْأَزْمِنَةِ، وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ فِي الرِّسَالَةِ ٢٦ إِلَى بَامَّاخِيُوسَ) أَنْ أَغْسِلَ أَقْدَامَكُمْ. الْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْأَوْسَطِ — الَّذِي خَاطَبَهُ أَوَّلًا — إِلَى الِاثْنَيْنِ الْجَانِبِيَّيْنِ مُوَجِّهًا إِلَيْهِمَا كَلَامَهُ، كَمَا نَعْتَادُ أَنْ نَفْعَلَ حِينَ نَتَعَامَلُ مَعَ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ.

لَاحِظْ هُنَا عَادَةَ إِبْرَاهِيمَ وَالْقُدَمَاءِ فِي غَسْلِ أَقْدَامِ الضُّيُوفِ، لِإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ وَتَخْفِيفِ التَّعَبِ، وَقَدْ تَحَدَّثْتُ عَنْ ذَلِكَ فِي ١ تِيمُوثَاوُسَ ٥: ١٠. اُنْظُرْ أَيْضًا غِيلِيلْمُوسَ هَامِرُوسَ هُنَا، وَبِالتَّفْصِيلِ يَعْقُوبَ غْرِتْسِرُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ غَسْلِ الْأَرْجُلِ.

قَدْ تَسْأَلُ هُنَا: أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَقْدَامِ وَأَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَجْسَادِ تَتَّخِذُهَا الْمَلَائِكَةُ، وَبِأَيِّ طَرِيقَةٍ؟ أُجِيبُ: أَوَّلًا، لَا تَسْتَطِيعُ الْمَلَائِكَةُ أَنْ تَتَّحِدَ بِأَيِّ جَسَدٍ اتِّحَادًا جَوْهَرِيًّا، أَيِ اتِّحَادًا أُقْنُومِيًّا، لِأَنَّ هَذَا مِنِ اخْتِصَاصِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَحْدَهَا. ثَانِيًا، تَسْتَطِيعُ الْمَلَائِكَةُ أَنْ تَتَّخِذَ أَجْسَادًا بِالِاتِّحَادِ بِهَا عَرَضِيًّا وَتُحَرِّكَهَا كَأَنَّهَا حَيَّةٌ. ثَالِثًا، رَغْمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَتَّخِذُ جُثَثًا حَدِيثَةَ الْوَفَاةِ وَتُحَرِّكُهَا كَأَنَّهَا حَيَّةٌ حَقًّا — كَمَا تَفْعَلُ الشَّيَاطِينُ أَحْيَانًا — إِلَّا أَنَّهَا عَادَةً تُشَكِّلُ لِنَفْسِهَا جَسَدًا مِنَ الْهَوَاءِ الْمُحِيطِ، مَمْزُوجًا بِأَبْخِرَةٍ أَكْثَفَ، بَعْضُهَا أَشَدُّ عَتَامَةً وَبَعْضُهَا أَكْثَرُ إِشْرَاقًا، بِحَيْثُ تَخْلِطُهَا وَتُكَثِّفُهَا مَعًا بِطَرِيقَةٍ تُحَاكِي الْأَجْسَادَ الصُّلْبَةَ ذَاتَ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْأَعْضَاءِ الْبَشَرِيَّةِ، حَتَّى لَا تَسْتَطِيعَ الْعُيُونُ تَمْيِيزَ الْحَقِيقَةِ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَادَ حِينَ تَخْتَفِي الْمَلَائِكَةُ تَتَحَلَّلُ فَوْرًا إِلَى هَوَاءٍ وَبُخَارٍ. هَكَذَا يَقُولُ فَاسْكِيزُ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، الْمَسْأَلَةِ ١٨٤.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَادَ لَيْسَ فِيهَا أَلْوَانٌ حَقِيقِيَّةٌ بَلْ ظَاهِرِيَّةٌ، كَالَّتِي نَرَاهَا فِي السُّحُبِ. ثَانِيًا، أَنَّ الْمَلَاكَ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَسَدِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمَارِسَ أَيَّ عَمَلِيَّاتٍ حَيَوِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ — كَالرُّؤْيَةِ وَالْأَكْلِ وَالسَّمْعِ وَالْإِحْسَاسِ وَالْكَلَامِ — لِأَنَّ هَذِهِ تَحْتَاجُ لِكَيْ تَكُونَ حَيَوِيَّةً إِلَى جَسَدٍ حَيٍّ ذِي نَفْسٍ، وَالْمَلَاكُ لَا يَسْتَطِيعُ إِحْيَاءَ جَسَدٍ، لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَلِّدَ هَذِهِ الْعَمَلِيَّاتِ بِحَيْثُ لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكْتَشِفَ أَنَّهَا زَائِفَةٌ أَوْ مُصْطَنَعَةٌ. ثَالِثًا، أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَادَ لَيْسَتْ كَثِيفَةً وَصُلْبَةً حَقًّا كَسَائِرِ الْأَجْسَادِ، لَكِنَّهَا تَبْدُو كَذَلِكَ بِفِعْلِ مُقَاوَمَةِ الْمَلَاكِ.

يَسْتَنْتِجُ فَاسْكِيزُ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَجْسَادَ لَيْسَ فِيهَا لُيُونَةٌ أَوْ صَلَابَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ وَبِالتَّالِي — ثَانِيًا — أَنَّنَا بِاللَّمْسِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكْتَشِفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ أَجْسَادًا بَشَرِيَّةً حَقِيقِيَّةً، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ بِقَوْلِ يُوحَنَّا ٢٠: «اِلْمِسُوا وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَنِي.» لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لَيْسَ قَاطِعًا، كَمَا قُلْتُ هُنَاكَ. فَكَمَا يَسْتَطِيعُ الْمَلَاكُ أَنْ يُظْهِرَ سَائِرَ خَوَاصِّ الْجَسَدِ، كَذَلِكَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُظْهِرَ لُيُونَةَ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ وَصَلَابَتَهُ — بِأَنْ يُقَاوِمَ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فِي هَذَا الْجُزْءِ أَوْ ذَاكَ — بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ إِنْسَانٌ تَمْيِيزَهُ. فَكَمَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ أَنْ نَجْعَلَ الْيَدَ أَوِ الذِّرَاعَ أَوِ الْإِصْبَعَ تَارَةً صُلْبَةً وَتَارَةً لَيِّنَةً مَرِنَةً، حَسَبَمَا تُرِيدُ النَّفْسُ عَبْرَ الْأَعْصَابِ وَالْعَضَلَاتِ أَنْ تُقَاوِمَ أَوْ لَا تُقَاوِمَ؛ وَكَمَا يَسْتَطِيعُ الْقُنْفُذُ أَنْ يُخْرِجَ أَشْوَاكَهُ أَوْ يُدْخِلَهَا: كَذَلِكَ يَسْتَطِيعُ الْمَلَاكُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ سَمَحُوا بِلَمْسِهِمْ حِينَ غَسَلَ إِبْرَاهِيمُ أَقْدَامَهُمْ هُنَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٥؛ وَحِينَ أَمْسَكُوا بِيَدِ لُوطَ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ سَدُومَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٩، الْآيَةِ ١٦.


الْآيَةُ ٥: كِسْرَةُ خُبْزٍ

كِسْرَةُ خُبْزٍ — يَدْعُوهُمْ بِتَوَاضُعٍ إِلَى الْخُبْزِ فَقَطْ، بَيْنَمَا يُعِدُّ لَهُمْ وَلِيمَةً فَاخِرَةً كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي؛ وَلَكِنَّهَا وَلِيمَةٌ بَسِيطَةٌ وَفْقَ عَادَةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، إِذْ لَا تَقْرَأُ هُنَا عَنْ حَجَلٍ أَوْ دِيكٍ رُومِيٍّ أَوْ أَيَائِلَ وَمَا شَابَهَ. وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣١، الْآيَةِ ٣٤، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

هَكَذَا وَبَّخَ أَفْلَاطُونُ تَرَفَ أَرِيسْتِيبُّوسَ فِي شِرَاءِ السَّمَكِ. وَفُوكِيُونُ لَمَّا وَبَّخَ ابْنَهُ فُوكُوسَ الَّذِي اشْتَرَى مِنَ الْمُؤَنِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، هَدَّدَهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَكَلَ أَوِ الْتَهَمَ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُهُ الطَّبِيعَةُ فَسَيَنَالُ الْعِقَابَ اللَّائِقَ. وَبِقَانُونِ الْقُنْصُلِ غَايُوسْ فَانِّيُوسَ صَدَرَ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عِنْدَ الرُّومَانِ مِنَ الدَّوَاجِنِ شَيْءٌ سِوَى دَجَاجَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُسَمَّنَةٍ؛ وَحَدَّدَ لِكُلِّ عَشَاءٍ مَنْزِلِيٍّ عَشَرَةَ آسَّاتٍ: وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مَاكْرُوبِيُوسُ وَجِلِّيُوسُ. وَأَثْنَى كِيكِيرُو عَلَى كُوِنْتُوسْ كْرَاسُّوسَ وَكُوِنْتُوسْ سْكَيْفُولَا لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْأَنَاقَةِ، بَلْ عَلَى أَنَاقَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِكَثِيرٍ مِنَ الِاقْتِصَادِ: «كَانَ كْرَاسُّوسُ،» قَالَ، «أَكْثَرَ الْأَنِيقِينَ اقْتِصَادًا، وَسْكَيْفُولَا أَكْثَرَ الْمُقْتَصِدِينَ أَنَاقَةً.» وَمَارْكُوسُ كَاتُو كَانَ يَشْرَبُ فِي فَتْرَةِ حُكْمِهِ وَقُنْصُلِيَّتِهِ النَّبِيذَ نَفْسَهُ الَّذِي يَشْرَبُهُ عُمَّالُهُ: وَكَانَ يَشْتَرِي مُؤَنَ الْعَشَاءِ مِنَ السُّوقِ بِثَلَاثِينَ آسًّا، وَيَقُولُ إِنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْجُمْهُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ جَسَدُهُ قَوِيًّا لِتَحَمُّلِ الْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ.

لِذَلِكَ — أَيْ لِكَيْ تُكْرِمُونِي بِقَبُولِ ضِيَافَتِي؛ أَوْ كَمَا يُفَسِّرُ آخَرُونَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: عِنَايَةُ اللهِ دَبَّرَتْ أَنْ تَمُرُّوا بِي فِي هَذِهِ السَّاعَةِ — سَاعَةِ الْغَدَاءِ — لِتَخْتَبِرُوا ضِيَافَتِي، فَأَنْتُمْ بِذَلِكَ تُسِرُّونَ لَيْسَ أَنْفُسَكُمْ بِقَدْرِ مَا تُسِرُّونَنِي أَنَا الَّذِي أَتَلَذَّذُ وَأَتَغَذَّى بِالضُّيُوفِ وَالضِّيَافَةِ أَيَّمَا تَلَذُّذٍ.


الْآيَةُ ٦: ثَلَاثَةُ أَكْيَالٍ

ثَلَاثَةُ أَكْيَالٍ — «سَاتُومْ»، أَوْ كَمَا يَقُولُ الْعِبْرَانِيُّونَ سَاعٌ، هُوَ نَوْعٌ مِنْ مَكَايِيلِ الْجَوَامِدِ يُسَاوِي الْبَاتَ الَّذِي هُوَ لِلسَّوَائِلِ. وَمُتَرْجِمُنَا يُتَرْجِمُهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِـمُودْيُوسْ. وَبِمَا أَنَّ ثَلَاثَةَ مُودْيُوسَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةَ سَاتَاتٍ تُشَكِّلُ إِيفَةً وَاحِدَةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ رَاعُوثَ ٢: ١٧، وَكَمَا أَنَّ عَشْرَ إِيفَاتٍ تُشَكِّلُ كُورًا وَاحِدًا يَحْتَوِي ثَلَاثِينَ مُودْيُوسًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ حِزْقِيَّالَ ٤٥: ١١، فَإِنَّ السَّاتُومَ كَانَ ثُلُثَ الْإِيفَةِ وَوَاحِدًا مِنْ ثَلَاثِينَ مِنَ الْكُورِ.

وَهَذَا الْمُودْيُوسُ أَوِ السَّاتُومُ الْعِبْرَانِيُّ كَانَ يَحْتَوِي ثَلَاثَةَ مُودْيُوسَاتٍ أَتِّيكِيَّةٍ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنْتَجَ مِنْ يُوسِيفُوسَ فِي الْكِتَابِ ١٥ مِنَ الْآثَارِ، الْفَصْلِ ١١. وَلَكِنَّهُ كَانَ يَحْتَوِي مُودْيُوسًا إِيطَالِيًّا وَاحِدًا وَنِصْفًا، بِحَسَبِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ فِي تَفْسِيرِ مَتَّى الْإِصْحَاحِ ١٣، وَيُوسِيفُوسَ فِي الْكِتَابِ ٩ مِنَ الْآثَارِ، الْفَصْلِ ٤.

أَقْرَاصًا مَطْبُوخَةً تَحْتَ الرَّمَادِ — هِيَ عَرِيضَةٌ وَمُسَطَّحَةٌ بِلَا خَمِيرَةٍ، تُطْبَخُ فَوْرًا تَحْتَ الرَّمَادِ خَارِجَ التَّنُّورِ: حَتَّى نُعَالِجَ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ جُوعَ الضُّيُوفِ فِي الْحَالِ.

مُلَاحَظَةٌ: كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ قَدِيمًا — كَمَا لَا يَزَالُ السَّرَاسِنَةُ وَجَمِيعُ الْمُورِيِّينَ تَقْرِيبًا يَفْعَلُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الْعِبْرَانِيِّينَ فِي اللُّغَةِ وَاللِّبَاسِ وَالطُّقُوسِ — يَعْجِنُونَ الدَّقِيقَ يَوْمِيًّا فِي وِعَاءٍ فَخَّارِيٍّ وَيَخْبِزُونَ مِنْهُ خُبْزًا كُلَّ يَوْمٍ، إِمَّا فِي الْأَتَانِينِ أَوْ عَلَى الشَّوَّايَةِ أَوْ فِي مِقْلَاةٍ مُغَطَّاةٍ مُحَاطَةٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِالْجَمْرِ وَالرَّمَادِ: لِيَكُونَ الْخُبْزُ أَطْرَى، وَلِيَكُونَ جَاهِزًا وَمُتَوَفِّرًا حِينَ يَصِلُ الضُّيُوفُ. وَلِذَلِكَ يُذْكَرُ كَثِيرًا فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ الْخُبْزُ الْمَطْبُوخُ تَحْتَ الرَّمَادِ، الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعِبْرَانِيُّونَ عُجَّا، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ «مَحْرُوقٌ».

وَمَجَازِيًّا، عَنْ وَظِيفَةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ — أَيِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ — فِي الْأُمُورِ وَالْوُعُودِ الْإِلَهِيَّةِ، يُحَدِّثُنَا الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ٩ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلِ ٥١: «سَارَةُ،» يَقُولُ، «إِذْ سَمِعَتْ وُعُودَ اللهِ، تَضْحَكُ، لَكِنَّهَا إِذْ تَضْحَكُ تُؤَنَّبُ، وَإِذْ تُؤَنَّبُ تَكُونُ فَوْرًا مُثْمِرَةً: لِأَنَّهُ لَمَّا كَفَّ اهْتِمَامُ الْجَسَدِ عَنِ الثِّقَةِ بِنَفْسِهِ، نَالَتْ عَلَى خِلَافِ الرَّجَاءِ مِنَ الْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ مَا شَكَّتْ أَنْ تَنَالَهُ مِنَ التَّفْكِيرِ الْبَشَرِيِّ. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ إِسْحَاقُ بِحَقٍّ ‹الضَّحِكَ›، لِأَنَّهُ حِينَ يَتَلَقَّى الذِّهْنُ الثِّقَةَ بِالرَّجَاءِ السَّمَاوِيِّ، مَاذَا يَلِدُ إِلَّا الْفَرَحَ؟ يَجِبُ إِذَنِ الْحَذَرُ مِنْ أَنْ يَتَجَاوَزَ اهْتِمَامُ الْجَسَدِ حُدُودَ الضَّرُورَةِ، أَوْ يَتَوَكَّلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا يُنَفِّذُهُ بِاعْتِدَالٍ.»


الْآيَةُ ٨: وَقَفَ بِجَانِبِهِمْ

وَقَفَ بِجَانِبِهِمْ — كَمَنْ يَخْدِمُ وَيُشَجِّعُ ضُيُوفَهُ الثَّلَاثَةَ عَلَى الْأَكْلِ الْجَيِّدِ. تَحْتَ الشَّجَرَةِ. — يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ ٦٦ عَنِ الْأَزْمِنَةِ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ،» يَقُولُ، «يَسْكُنُ عِنْدَ شَجَرَةٍ أُقِيمَ تَحْتَهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَأْوَى، ضَيِّقٌ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّهُ كَافٍ لِلْجَلَالِ الْإِلَهِيِّ. لِأَنَّ الْإِيمَانَ التَّقِيَّ صَنَعَ قَصْرًا لَائِقًا بِاللهِ، كَانَ الْجَلَالُ الْإِلَهِيُّ سَيَتَغَدَّى فِيهِ.»


الْآيَةُ ٩: لَمَّا أَكَلُوا

وَلَمَّا أَكَلُوا — لَمْ يَكُنْ أَكْلُ الْمَلَائِكَةِ هَذَا حَقِيقِيًّا وَلَا حَيَوِيًّا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بِنَفْسٍ تُحْيِي الْجَسَدَ، بَلْ بِنَفْسٍ تُسَاعِدُ جَسَدًا هَوَائِيًّا اتَّخَذُوهُ. فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُمَرِّرُ الطَّعَامَ إِلَى دَاخِلِ الْجَسَدِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ وَتُحَلِّلُهُ هُنَاكَ إِلَى هَوَاءٍ، كَمَا تُحَلِّلُ الشَّمْسُ رُطُوبَةَ الْأَرْضِ إِلَى بُخَارٍ وَتُفْنِيهَا دُونَ أَنْ تُحَوِّلَهَا إِلَى ذَاتِهَا. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيتُوسُ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ٤.

يَخْتَلِفُ الْأَمْرُ مَعَ الْمَسِيحِ الَّذِي أَكَلَ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مَعَ الرُّسُلِ حَقِيقَةً، لَكِنَّهُ بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ لِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ حَلَّلَ الطَّعَامَ الَّذِي أَكَلَهُ إِلَى هَوَاءٍ؛ إِذْ أَنَّ الْجَسَدَ الْمُمَجَّدَ لَا يَتَغَذَّى بِالطَّعَامِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، الْمَسْأَلَةِ ٥١، الْمَقَالَةِ ٢، الرَّدِّ ٥.


الْآيَةُ ١٠: أَرْجِعُ إِلَيْكَ

قَالَ لَهُ (لِإِبْرَاهِيمَ) — وَاحِدٌ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ الْأَوْسَطُ الْأَجَلُّ مِنْ غَيْرِهِ، الَّذِي أُرْسِلَ أَسَاسًا لِهَذَا الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ الْآخَرَيْنِ ذَهَبَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَدُومَ لِإِهْلَاكِهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٢.

أَرْجِعُ إِلَيْكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ — فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهَذِهِ السَّاعَةِ نَفْسِهَا، كَمَا تَقُولُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ إِذَنْ أَنَّهُ عَادَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ يَعِدُ بِذَلِكَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ تَنْفِيذُهُ لِذَلِكَ لَمْ يُرْوَ فِيمَا يَلِي.

وَالْحَيَاةُ رَفِيقَتُكَ — أَيْ وَأَنْتَ حَيٌّ وَسَارَةُ فِي عَافِيَةٍ وَسُرُورٍ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: «بِحَسَبِ هَذَا الْوَقْتِ مِنَ الْحَيَاةِ»، أَيْ كَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: فِي هَذَا الْوَقْتِ حِينَ تَكُونَانِ أَحْيَاءً. فَهُمْ لَا يَتَكَلَّمُونَ عَنْ حَيَاتِهِمْ هُمْ (إِذْ هُمْ مَلَائِكَةٌ لَا شَكَّ فِي حَيَاتِهِمُ الدَّائِمَةِ)، بَلْ عَنْ حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ وَعَافِيَتِهِمَا، وَيَتَعَهَّدُونَ بِهِمَا هُنَا لِكِلَيْهِمَا مَعَ النَّسْلِ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: سَتَكُونَانِ حَيَّيْنِ حِينَئِذٍ وَسَيَكُونُ لَكُمَا ابْنٌ.

وَلِذَلِكَ لَا يُصِيبُ أَبُولِنْسِيسُ فِي تَفْسِيرِهِ «وَالْحَيَاةُ رَفِيقَتُكَ» بِمَعْنَى «إِنْ بَقِيَتِ الْحَيَاةُ لَكُمَا وَلِي»، كَأَنَّ الْمَلَاكَ يَتَكَلَّمُ بِشَكٍّ عَنْ حَيَاتِهِ كَإِنْسَانٍ غَيْرِ مُتَأَكِّدٍ مِنْ حَيَاتِهِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ. فَالْمَلَاكُ هُنَا يَعِدُ بِيَقِينٍ أَنَّهُ سَيَعُودُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ، وَيَعِدُهُمَا بِيَقِينٍ بِالنَّسْلِ، وَبِالتَّالِي يَضْمَنُ لِكِلَيْهِمَا حَيَاةً أَكِيدَةً. فَهُوَ يَسْتَبْعِدُ كُلَّ شَكٍّ فِي النَّسْلِ وَالْحَيَاةِ مَعًا.


الْآيَةُ ١١: عَادَاتُ النِّسَاءِ

كَفَّ عَنْ سَارَةَ مَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ — أَيْ تَدَفُّقُ الْحَيْضِ الضَّرُورِيُّ لِلْحَبَلِ.


الْآيَةُ ١٢: ضَحِكَتْ سِرًّا

ضَحِكَتْ سِرًّا — فِي الْعِبْرِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ: ضَحِكَتْ فِي نَفْسِهَا. ضَحِكَتْ مِنْ أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ — أَيْ أَنَّ عَجُوزًا عَاقِرًا تَلِدُ وَلَدًا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ هُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ٣٦. فَالضَّحِكُ نَوْعٌ مِنَ الرَّفْضِ، كَمَا يَقُولُ أَفْلَاطُونُ فِي «غُورْجِيَاسَ». وَلِذَلِكَ وَبَّخَ الْمَلَاكُ أَيْضًا ضَحِكَهَا بِوَصْفِهِ صَادِرًا عَنْ شَكٍّ أَوْ عَدَمِ ثِقَةٍ حِينَ قَالَ: «هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ؟» لَكِنَّ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ يَرَى أَنَّ ضَحِكَ سَارَةَ هَذَا كَانَ عَلَامَةً عَلَى سِرٍّ مُسْتَقْبَلِيٍّ لَا دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ: «لِأَنَّهَا ضَحِكَتْ،» يَقُولُ، «وَهِيَ لَا تَعْلَمُ بَعْدُ مِمَّا تَضْحَكُ، وَهُوَ أَنَّهَا سَتَلِدُ فِي إِسْحَاقَ فَرَحًا عَامًّا.» لَكِنَّ مَا قُلْتُهُ أَوَّلًا هُوَ الْأَصَحُّ.

سَيِّدِي — أَيْ زَوْجِي إِبْرَاهِيمُ. عَلَى مِثَالِ سَارَةَ يَنْبَغِي لِلزَّوْجَاتِ الصَّالِحَاتِ أَنْ يُوَقِّرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ وَيُنَادِينَهُمْ سَادَةً، كَمَا يُنَبِّهُ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ فِي الرِّسَالَةِ الْأُولَى، الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَتَيْنِ ٥ وَ٦.


الْآيَةُ ١٣: قَالَ الرَّبُّ

وَقَالَ الرَّبُّ — أَيْ ذَلِكَ الْمَلَاكُ الْأَوْسَطُ الَّذِي يُمَثِّلُ الرَّبَّ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢. بِهَذَا الْقَوْلِ كَشَفَ الْمَلَاكُ ضَحِكَ سَارَةَ الْخَفِيَّ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا بَلْ مَلَاكٌ أَوِ اللهُ. وَلِذَلِكَ مَا يَلِي: «هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ؟» يُتَرْجِمُهُ الْكَلْدَانِيُّ: «أَيُخْفَى عَنْ وَجْهِ الرَّبِّ كَلَامٌ؟» لِأَنَّ الْعِبْرِيَّ فَلَأ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ كِلَيْهِمَا.


الْآيَةُ ١٦: الرِّجَالُ

الرِّجَالُ — أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةُ الثَّلَاثَةُ فِي الْآيَةِ ٢.


الْآيَةُ ١٧: هَلْ أُخْفِي

الرَّبُّ — الْمَلَاكُ الْأَوْسَطُ الْأَجَلُّ، الَّذِي يُمَثِّلُ شَخْصَ اللهِ.

هَلْ أُخْفِي — بِالْعِبْرِيَّةِ هَمِخَسِّه، «أَأُخْفِي؟» مَحَبَّتِي وَأُلْفَتِي لَا تَسْمَحُ لِي بِأَنْ أُخْفِيَ أَسْرَارِي هَذِهِ عَنْ صَدِيقِي إِبْرَاهِيمَ الْعَزِيزِ عَلَيَّ، خَاصَّةً لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى فَهِمَ قَرَارِي بِإِهْلَاكِ سَدُومَ فَسَيُصَلِّي مِنْ أَجْلِهِمْ. أُرِيدُ إِذَنْ بِهَذَا الْكَشْفِ أَنْ أُعْطِيَهُ مَادَّةً لِلْمَحَبَّةِ وَالصَّلَاةِ، وَأَنْ أُبَيِّنَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَمْ أَمْنَحُ لِصَلَوَاتِهِ، وَمِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِنَ مَدَى فَسَادِ سَدُومَ وَفَسَقِهَا، حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا وَلَوْ عَشَرَةُ أَبْرَارٍ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الشَّفَاعَةِ أَكْثَرَ.


الْآيَةُ ١٨: إِذْ سَيَصِيرُ

إِذْ سَيَصِيرُ — هَذِهِ حُجَّةٌ مِنَ الْأَوْلَى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ أَكْرَمْتُ إِبْرَاهِيمَ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ الْكَبِيرَةِ وَالْبَرَكَةِ؛ فَمِنَ اللَّائِقِ إِذَنْ أَلَّا أَحْرِمَهُ نِعْمَةً صَغِيرَةً كَهَذِهِ، وَهِيَ كَشْفُ سِرِّي.

قَوِيَّةً جِدًّا — بِالْعِبْرِيَّةِ عَاصُومْ أَيْ «عَظْمِيَّةً»، كَمَا يُتَرْجِمُ أَكِيلَا، أَيْ «قَوِيَّةً» (كَالْعَظْمِ)، كَمَا يُتَرْجِمُ سِيمَاخُوسُ، أَيْ «كَثِيرَةً»، كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: لِأَنَّ قُوَّةَ الشَّعْبِ تَكْمُنُ أَسَاسًا فِي كَثْرَتِهِ.


الْآيَةُ ١٩: لِأَنِّي عَلِمْتُ

لِأَنِّي عَلِمْتُ — هَذَا هُوَ السَّبَبُ الثَّانِي الَّذِي يَدْفَعُ اللهَ إِلَى كَشْفِ أَسْرَارِهِ لِإِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ خِلَالِهَا — أَيْ مِنْ خِلَالِ عِقَابِ سَدُومَ — يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَ إِبْرَاهِيمُ ذُرِّيَّتَهُ، لِيَحْذَرُوا مِنْ خَطَايَاهُمْ لِئَلَّا يُعَاقَبُوا بِالْمِثْلِ.

أَنْ يَعْمَلُوا بِالْعَدْلِ وَالْبِرِّ — أَيْ أَنْ يَعِيشُوا بِاسْتِقَامَةٍ وَبِرٍّ: لِأَنَّ «الْعَدْلَ» يَعْنِي مَا هُوَ بِحُكْمِ اللهِ وَالْحُكَمَاءِ صَوَابٌ وَعَدْلٌ وَقُدْسٌ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ.

لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لِإِبْرَاهِيمَ — يُمْكِنُ أَيْضًا تَرْجَمَتُهَا مِنَ الْعِبْرِيَّةِ «عَلَى إِبْرَاهِيمَ». يَتَكَلَّمُ اللهُ هُنَا عَنْ نَفْسِهِ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ. وَالْمَعْنَى هُوَ: لِكَيْ أُتِمَّ مَا وَعَدْتُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ أَنْ أُنْعِمَ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ.


الْآيَةُ ٢٠: صُرَاخُ سَدُومَ

صُرَاخُ سَدُومَ — هَذَا تَشْخِيصٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَانَتْ خَطَايَا سَدُومَ ضَخْمَةً وَوَقِحَةً (لِأَنَّ هَذَا مَا يَعْنِيهِ «الصُّرَاخُ» كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ) إِلَى حَدٍّ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْجَمِيعِ عَلَنًا وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَكَذَا انْتَشَرَ خَبَرُهَا (كَمَا يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ) عَبْرَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَلَغَنِي. بَلْ إِنَّ خَطَايَاهُمْ نَفْسَهَا — كَأَنَّهَا مُتَّهِمُونَ — صَعِدَتْ إِلَى السَّمَاءِ إِلَيَّ وَتَصْرُخُ ضِدَّهُمْ.


الْآيَةُ ٢١: أَنْزِلُ وَأَرَى

«أَنْزِلُ وَأَرَى.» نَزَلَ اللهُ مِنْ خِلَالِ هَذَيْنِ الْمَلَاكَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا يُمَثِّلَانِ اللهَ أَيْضًا؛ وَأَرْسَلَهُمَا الثَّالِثُ — أَيِ الْأَوْسَطُ الْأَجَلُّ — إِلَى سَدُومَ.

مِنْ هَذَا النَّصِّ يُنَبِّهُ الْمَجْمَعُ اللَّاتِرَانِيُّ الْأَوَّلُ فِي الْفَصْلِ ٨ الْقُضَاةَ أَلَّا يُصَدِّقُوا الِاتِّهَامَاتِ بِسُهُولَةٍ، بَلْ أَنْ يَفْحَصُوهَا وَيُحَقِّقُوا فِيهَا بِتَأَنٍّ وَنُضْجٍ عَلَى طَرِيقَةِ اللهِ، قَبْلَ أَنْ يُدِينُوا الْمُتَّهَمَ. لِأَنَّهُ كَمَا يَقُولُ سِينِيكَا فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَنِ الْغَضَبِ: «الْيَوْمُ يَكْشِفُ الْحَقِيقَةَ، وَالْعِقَابُ الْمُؤَجَّلُ يُمْكِنُ تَنْفِيذُهُ، أَمَّا الَّذِي نُفِّذَ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُهُ.» وَيَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَفْعَلَ الْمِثْلَ، فَلَا يُصَدِّقُ الْمُتَّهِمِينَ أَوِ النَّمَّامِينَ بِسُهُولَةٍ. لِأَنَّ سُرْعَةَ الْغَضَبِ وَتَصْدِيقَ الشَّائِعَاتِ مِنْ شِيَمِ النَّفْسِ الصَّغِيرَةِ. فَكَثِيرًا مَا يَكُونُ الْخُبْثُ مَصْدَرَ الشَّائِعَةِ السَّيِّئَةِ، وَالسَّذَاجَةُ تُنَمِّيهَا.

«يُقَالُ إِنَّ اللهَ،» يَقُولُ فِيلُونُ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَلْبَلَةِ الْأَلْسِنَةِ، «يَنْزِلُ لِيَرَى — وَهُوَ الَّذِي يَرَى كُلَّ شَيْءٍ بِأَجْلَى وُضُوحٍ قَبْلَ حُدُوثِهِ — لِكَيْ نَتَعَلَّمَ أَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ بِالتَّخْمِينِ عَلَى الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَالْمُسْتَقْبَلِيَّةِ وَغَيْرِ الْمُؤَكَّدَةِ؛ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَنْظُرَ بِأَكْبَرِ عِنَايَةٍ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَيَانِ الْأَكِيدَةَ يَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى شَهَادَةِ السَّمْعِ الْخَادِعَةِ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٩ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلِ ٢٣، مُفَسِّرًا قَوْلَ أَيُّوبَ الْإِصْحَاحِ ٢٩، الْآيَةِ ١٦ — «وَالدَّعْوَى الَّتِي لَمْ أَعْرِفْهَا فَحَصْتُهَا بِأَشَدِّ عِنَايَةٍ» — هَكَذَا: «اللهُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ مَكْشُوفٌ وَمَفْتُوحٌ أَمَامَهُ عَاقَبَ شُرُورَ أَهْلِ سَدُومَ لَا بِالسَّمَاعِ بَلْ بِالرُّؤْيَةِ.» وَمِنْ هُنَا يَنْصَحُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ الرُّؤَسَاءَ أَلَّا يَبُتُّوا فِي شَيْءٍ بِسَبَبِ شَائِعَاتِ الْعَامَّةِ وَحْدَهَا: «لَا تَحْكُمْ،» يَقُولُ، «بِحَسَبِ ظَنِّكَ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ هَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَقًّا؛ وَلَا تَلُمْ أَحَدًا؛ بَلْ بِالْأَحْرَى اقْتَدِ بِاللهِ الَّذِي يَقُولُ فِي التَّكْوِينِ ١٨: أَنْزِلُ وَأَرَى.» وَمَعْرُوفَةٌ زَلَّةُ الْإِمْبِرَاطُورِ ثِيُودُوسِيُوسَ فِي حُكْمِهِ الْمُتَسَرِّعِ وَمَذْبَحَةِ أَهْلِ تِسَالُونِيكِي، الَّتِي نَدِمَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَنْبِيهِ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ نَدَمًا شَدِيدًا؛ وَكَذَلِكَ زَلَّةُ دَاوُدَ بِشَأْنِ مَفِيبُوشَثَ فِي ٢ صَمُوئِيلَ ١٦: ٤، مَعَ الْمُقَارَنَةِ بِـ ٢ صَمُوئِيلَ ١٩: ٢٧.

يَتَكَلَّمُ اللهُ وَيَتَصَرَّفُ هُنَا عَلَى طَرِيقَةِ قُضَاتِنَا الَّذِينَ يَتَحَرَّوْنَ عَنِ الْأَمْرِ عَنْ قُرْبٍ وَيُعَايِنُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا قُلْتُ. لِأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَزَلِ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ.

مُلَاحَظَةٌ: اخْتَبَرَ اللهُ ذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٥، حِينَ قَدَّمَ نَفْسَهُ بِوَاسِطَةِ هَذَيْنِ الْمَلَاكَيْنِ لِأَهْلِ سَدُومَ فِي هَيْئَةِ رَجُلَيْنِ، فَطَلَبَهُمَا أَهْلُ سَدُومَ فَوْرًا لِلِاعْتِدَاءِ الْجِنْسِيِّ.

مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: كَانَتْ خَطَايَا سَدُومَ كَثِيرَةً، لَكِنَّ الرَّئِيسِيَّةَ مِنْهَا كَانَتِ الْبَطَالَةَ وَالنَّهَمَ وَالْكِبْرِيَاءَ وَعَدَمَ الضِّيَافَةِ وَالْقَسَاوَةَ وَاحْتِقَارَ اللهِ، وَمِنْ هَذِهِ وُلِدَتْ تِلْكَ الشَّهْوَةُ الْمُنْكَرَةُ كَمَا فِي حِزْقِيَّالَ ١٦: ٤٩، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٣، الْآيَةِ ١٣.


الْآيَةُ ٢٢: انْصَرَفُوا

«فَانْصَرَفُوا.» مِنْ هَذَا النَّصِّ وَمِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١، يَبْدُو أَنَّ مَلَاكَيْنِ انْفَصَلَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَ سَدُومَ، لَكِنَّ الثَّالِثَ بَقِيَ مَعَهُ. وَلِذَلِكَ يُضِيفُ مُوسَى عَنْهُ (يَقُولُ الْكَلْدَانِيُّ) «أَمَامَ الرَّبِّ»؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ يُصَلِّي إِلَيْهِ حَتَّى نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ لِيَصْفَحَ عَنْ سَدُومَ. وَعِنْدَمَا انْتَهَتِ الصَّلَاةُ وَالْمُحَادَثَةُ انْصَرَفَ ذَلِكَ الثَّالِثُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَاخْتَفَى، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣٣.


الْآيَةُ ٢٥: أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ الْأَرْضَ كُلَّهَا

«أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ الْأَرْضَ كُلَّهَا» — أَنْتَ الْقَاضِي الْأَعْدَلُ، وَمِعْيَارُ الْعَدَالَةِ، وَدَيَّانُ قُضَاةِ الْأَرْضِ.


الْآيَةُ ٢٦: فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ

«فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ» — فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مَا يَعْنِيهِ التَّعْبِيرُ الْعِبْرَانِيُّ هُنَا. وَبِهَذِهِ الْمَدِينَةِ أَوِ الْعَاصِمَةِ — أَيْ سَدُومَ — اِفْهَمْ مُدُنَ الْبِنْتَابُولِيسِ كُلَّهَا؛ فَلَوْ وَجَدَ اللهُ فِي الْبِنْتَابُولِيسِ كُلِّهَا عَشَرَةَ أَبْرَارٍ لَعَفَا عَنِ الْبِنْتَابُولِيسِ كُلِّهَا. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ. «وَمِنْ هُنَا،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، «نَتَعَلَّمُ كَمْ هُوَ سُورٌ عَظِيمٌ لِلْوَطَنِ الرَّجُلُ الْبَارُّ، وَكَيْفَ يَنْبَغِي أَلَّا نَحْسُدَ الرِّجَالَ الْقِدِّيسِينَ وَلَا نَطْعَنَ فِيهِمْ بِتَهَوُّرٍ. لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ يُخَلِّصُنَا، وَبِرَّهُمْ يَحْمِينَا مِنَ الْهَلَاكِ. وَسَدُومُ أَيْضًا لَوْ كَانَ فِيهَا عَشَرَةُ أَبْرَارٍ لَمَا هَلَكَتْ.»


الْآيَةُ ٢٧: قَدْ شَرَعْتُ

«قَدْ شَرَعْتُ.» كَلِمَةُ «الشُّرُوعِ» فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَعْنِي غَالِبًا الرَّغْبَةَ وَالتَّمَنِّيَ وَالتَّوْقَ وَالْمُحَاوَلَةَ وَالتَّهَيُّؤَ وَالِانْطِلَاقَ فِي أَمْرٍ مَا؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ هِيَ هُوأَلْتِي. وَلِذَلِكَ فَالْعِبْرِيَّةُ حَرْفِيًّا تَقُولُ: «أَرْغَبُ وَأَتُوقُ أَنْ أُكَلِّمَ الرَّبَّ، مَعَ أَنِّي تُرَابٌ وَرَمَادٌ»، أَيِ الْأَحْقَرُ وَالْأَذَلُّ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ.

اِعْتَرِفْ إِذَنْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَخَاصَّةً أَمَامَ اللهِ فِي الصَّلَاةِ، بِأَنَّكَ تُرَابٌ وَرَمَادٌ: اِعْرِفْ نَفْسَكَ. يَرْوِي الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٣ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٨، أَنَّ أَلْكِيبِيَادِيسَ الْمَوْلُودَ مِنْ أَرْفَعِ الطَّبَقَاتِ، لَمَّا عَرَفَ نَفْسَهُ بِفَضْلِ حِوَارِ سُقْرَاطَ وَأَدْرَكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَيِّ حَمَّالٍ عَادِيٍّ، بَكَى وَتَوَسَّلَ أَنْ تُمْنَحَ لَهُ الْفَضِيلَةُ.

«اِعْلَمْ،» يَقُولُ مُؤَلِّفُ كِتَابِ «عَنِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ» الْمَنْسُوبِ إِلَى الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْفَصْلِ ٥١، «أَنَّكَ إِنْسَانٌ، حَبَلُهُ خَطِيئَةٌ، وَوِلَادَتُهُ شَقَاءٌ، وَحَيَاتُهُ عِقَابٌ، وَمَوْتُهُ مُحَتَّمٌ؛ فَانْتَبِهْ بِعِنَايَةٍ إِلَى مَا تَفْعَلُ وَمَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْعَلَ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ فِي شِعْرِهِ: «مِمَّا يَتَكَبَّرُ الْإِنْسَانُ الَّذِي حَبَلُهُ خَطِيئَةٌ، وَوِلَادَتُهُ عِقَابٌ، وَحَيَاتُهُ كَدٌّ، وَمَوْتُهُ مُحَتَّمٌ؟»

يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيجِيدِيُوسُ — رَفِيقُ الْقِدِّيسِ فِرَنْسِيسَ — كَلَامًا بَدِيعًا: «التَّوَاضُعُ،» يَقُولُ، «كَالصَّاعِقَةِ، يَضْرِبُ حَقًّا لَكِنَّهُ لَا يَتْرُكُ وَرَاءَهُ أَيَّ أَثَرٍ. هَكَذَا التَّوَاضُعُ يُبَدِّدُ كُلَّ خَطِيئَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ لَا شَيْءَ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ.» بِهَذَا التَّوَاضُعِ صَارَ إِبْرَاهِيمُ حَبِيبًا وَصَدِيقًا لِلهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا كَانَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ لُوِيسُ أُسْقُفُ تُولُوزَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ أَنْ نَكُونَ — وَنَحْنُ عِظَامٌ بِاسْتِحْقَاقِ حَيَاتِنَا — أَذِلَّاءَ فِي التَّوَاضُعِ، إِذْ كُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ أَحْقَرَ فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ مِنْ أَجْلِ اللهِ كَانَ أَغْلَى عِنْدَ اللهِ.»


الْآيَةُ ٣٢: لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ

«لَا أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ.» هُنَا أَلْقَى اللهُ فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ الْخَوْفَ وَالْحَيَاءَ لِئَلَّا يَمْضِيَ فِي طَلَبِهِ إِلَى أَرْبَعَةٍ — وَهُمُ الْأَبْرَارُ الْوَحِيدُونَ الَّذِينَ كَانُوا فِعْلًا فِي سَدُومَ، وَهُمْ لُوطٌ وَزَوْجَتُهُ وَابْنَتَاهُ — كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. فَإِنَّ جَمِيعَ الْبَاقِينَ — بِوَصْفِهِمْ مُذْنِبِينَ — احْتَرَقُوا بِالنَّارِ السَّمَاوِيَّةِ فِي سَدُومَ. فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُحْزِنَ إِبْرَاهِيمَ لَوْ عَرَضَ أَقَلَّ وَرَفَضَ هُوَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَرَّرَ حَتْمًا إِهْلَاكَ هَذِهِ الْمُدُنِ الْأَرْبَعِ، إِذْ كَانَ كَيْلُ خَطَايَا سَدُومَ قَدِ امْتَلَأَ بَلْ فَاضَ.

قَدْ تَقُولُ: لِمَاذَا عَلَى الْأَقَلِّ لَمْ يَسْمَحِ اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ بِالنُّزُولِ إِلَى ثَمَانِيَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ لِيَطْلُبَ الْعَفْوَ عَنِ الْبِنْتَابُولِيسِ مِنْ أَجْلِ ثَمَانِيَةٍ أَوْ خَمْسَةِ أَبْرَارٍ؟ يُجِيبُ أَبُولِنْسِيسُ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ بِسُهُولَةٍ أَنْ يُوجَدَ سَبْعَةٌ أَوْ ثَمَانِيَةُ أَبْرَارٍ فِي الْبِنْتَابُولِيسِ؛ فَإِذَا كَانَ فِي سَدُومَ أَرْبَعَةُ أَبْرَارٍ فَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِنَ الْمُدُنِ الْبَاقِيَةِ يَسْهُلُ أَنْ يُوجَدَ بَارٌّ وَاحِدٌ. وَبِمَا أَنَّ تِلْكَ الْمُدُنَ أَرْبَعٌ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةَ أَبْرَارٍ فِي الْبِنْتَابُولِيسِ كُلِّهَا.

فَإِنْ قُلْتَ: أَفَاحْتَرَقَ إِذَنْ هَؤُلَاءِ الْأَبْرَارُ الْأَرْبَعَةُ مَعَ الْفُجَّارِ فِي الْبِنْتَابُولِيسِ؟ يُجِيبُ أَبُولِنْسِيسُ: كَلَّا بِالتَّأْكِيدِ، لِأَنَّهُ كَمَا خَرَجَ لُوطٌ مَعَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتَيْهِ مِنْ سَدُومَ، كَذَلِكَ خَرَجَ الْأَبْرَارُ الْأَرْبَعَةُ الْبَاقُونَ مِنْ مُدُنِهِمْ وَمِنَ الْبِنْتَابُولِيسِ كُلِّهَا، إِمَّا بِتَحْذِيرِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ قَبْلَ دَمَارِهَا. لَكِنَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَخْمِينٍ وَاسْتِنْتَاجٍ. وَبِمَا أَنَّ جَمِيعَ سُكَّانِ الْبِنْتَابُولِيسِ — مَا عَدَا لُوطًا وَأُسْرَتَهُ وَسُكَّانَ مَدِينَةِ صُوغَرَ — ضُرِبُوا وَأُبِيدُوا بِنَارٍ سَمَاوِيَّةٍ كَصَاعِقَةٍ مُفَاجِئَةٍ، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُمْ جَمِيعًا كَانُوا فُجَّارًا بِالتَّسَاوِي.

أُجِيبُ إِذَنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَنْزِلْ دُونَ الْعَشَرَةِ، جُزْئِيًّا لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ إِنَّ هَذِهِ سَتَكُونُ طَلِبَتَهُ الْأَخِيرَةَ — إِذْ كَانَ قَدْ نَزَلَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً بِتَقْلِيلِ الْعَدَدِ فَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى النُّزُولِ أَكْثَرَ لِئَلَّا يَكُونَ مُلِحًّا عَلَى اللهِ وَيُثِيرَ فِيهِ الضَّجَرَ أَوِ الْغَضَبَ — وَجُزْئِيًّا لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ نَزَلَ بِاسْتِمْرَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ إِلَى عَشَرَةٍ بِالْعَشَرَاتِ. وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا وَالِاتِّسَاقِ نَفْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَى وَاحِدٍ أَوْ لَا شَيْءَ. وَأَخِيرًا لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ عَشَرَةَ أَبْرَارٍ يُمْكِنُ إِيجَادُهُمْ بِسُهُولَةٍ فِي الْبِنْتَابُولِيسِ.

لَكِنْ لِمَاذَا لَمْ يَذْكُرْ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ أَخِيهِ لُوطًا؟ لِمَاذَا لَمْ يَطْلُبْ إِنْقَاذَهُ مِنَ الْهَلَاكِ الْعَامِّ؟ هَلْ تَجَاوَزَ مُوسَى ذَلِكَ بِاعْتِبَارِهِ أَمْرًا بَدِيهِيًّا؟ أَمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ — إِذْ عَلِمَ أَنَّ لُوطًا بَارٌّ — وَثِقَ أَنَّهُ سَيُنْقَذُ؟

يُعَلِّمُنَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا فِي الْعِظَةِ ٤٢ دَرْسًا أَخْلَاقِيًّا عَنِ الْقِيمَةِ الْعَالِيَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ بِهَا الْأَبْرَارُ، حَتَّى وَإِنْ بَدَوْا ظَاهِرِيًّا حَقِيرِينَ وَفُقَرَاءَ، إِذْ بِسَبَبِهِمْ يَصْفَحُ اللهُ عَنِ الْمُدُنِ وَالْأَقَالِيمِ الشِّرِّيرَةِ: لِأَنَّهُمْ أَسَاسَاتُ الدَّوْلَةِ وَأَعْمِدَتُهَا. مِثْلُ ذَلِكَ دَاوُدُ الَّذِي قَالَ اللهُ عَنْهُ لِحَزَقِيَّا: «أَحْمِي هَذِهِ الْمَدِينَةَ وَأُخَلِّصُهَا مِنْ أَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي» (٤ مُلُوكَ ١٩: ٣٤). وَمِثْلُ ذَلِكَ إِيلِيَّا الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ سِوَى عَبَاءَةٍ مِنْ جِلْدِ الْغَنَمِ، وَأَخْآبُ الْمُتَسَرْبِلُ بِالْأُرْجُوَانِ كَانَ بِحَاجَةٍ إِلَى عَبَاءَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. بِعَبَاءَتِهِ هَذِهِ أَغْلَقَ السَّمَاءَ وَأَوْقَفَ نُزُولَ الْأَمْطَارِ. وَلِسَانُ النَّبِيِّ كَانَ لِجَامًا لِلسَّمَاءِ؛ بَيْنَمَا اللَّابِسُ الْأُرْجُوَانَ وَالْمُتَوَّجُ بِالتَّاجِ كَانَ يَطُوفُ بَاحِثًا عَنِ النَّبِيِّ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ بُولُسُ عَنْهُ وَعَنْ أَمْثَالِهِ: «طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مَعِزٍ، مُعْتَازِينَ مُضَايَقِينَ مُعَذَّبِينَ — لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ» (الْعِبْرَانِيِّينَ ١١: ٣٧). «حَتَّى لَا يُشَكَّ فِي أَنَّ الْعَالَمَ لَا يَزَالُ قَائِمًا بِاسْتِحْقَاقَاتِهِمْ،» يَقُولُ رُوفِينُوسُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ سِيَرِ الْآبَاءِ.


الْآيَةُ ٣٣: انْصَرَفَ الرَّبُّ

«وَانْصَرَفَ الرَّبُّ.» هَذَا الْمَلَاكُ الْوَاحِدُ لَمَّا انْتَهَتِ الْمُحَادَثَةُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ اخْتَفَى؛ أَمَّا الْآخَرَانِ فَمَضَيَا إِلَى سَدُومَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١.