كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُبْرِمُ اللهُ عَهْدًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَيُؤَسِّسُ الْخِتَانَ عَلَامَةً لِلْعَهْدِ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٥، يَعِدُهُ بِابْنٍ هُوَ إِسْحَاقُ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٣، يَخْتَتِنُ إِبْرَاهِيمُ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٧: ١-٢٧
١. وَلَمَّا بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، ظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ وَقَالَ لَهُ: أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ؛ سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلًا. ٢. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَأُكَثِّرُكَ جِدًّا جِدًّا. ٣. فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ سَاجِدًا. ٤. فَقَالَ لَهُ اللهُ: أَنَا هُوَ، وَعَهْدِي مَعَكَ، وَتَكُونُ أَبًا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ. ٥. لَا يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ أَبْرَامَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنِّي جَعَلْتُكَ أَبًا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ. ٦. وَأُنْمِيكَ كَثِيرًا جِدًّا، وَأَجْعَلُكَ أُمَمًا، وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ. ٧. وَأُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا: لِأَكُونَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. ٨. وَأُعْطِيكَ وَنَسْلَكَ جَمِيعَ أَرْضِ كَنْعَانَ مِلْكًا أَبَدِيًّا، وَأَكُونُ إِلَهَهُمْ. ٩. ثُمَّ قَالَ اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ: وَأَنْتَ فَاحْفَظْ عَهْدِي، أَنْتَ وَنَسْلُكَ مِنْ بَعْدِكَ فِي أَجْيَالِهِمْ. ١٠. هَذَا هُوَ عَهْدِي الَّذِي تَحْفَظُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ: يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ. ١١. فَتَخْتِنُونَ لَحْمَ غُرْلَتِكُمْ، فَيَكُونُ عَلَامَةَ الْعَهْدِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. ١٢. اِبْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ فِي أَجْيَالِكُمْ؛ الْمَوْلُودُ فِي الْبَيْتِ وَالْمُشْتَرَى يُخْتَنَانِ، وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ: ١٣. وَيَكُونُ عَهْدِي فِي لَحْمِكُمْ عَهْدًا أَبَدِيًّا. ١٤. وَالذَّكَرُ الَّذِي لَا يُخْتَنُ لَحْمُ غُرْلَتِهِ تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا، لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدِي. ١٥. وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِإِبْرَاهِيمَ: لَا تَدْعُ امْرَأَتَكَ سَارَايَ، بَلْ سَارَةَ. ١٦. وَأُبَارِكُهَا، وَمِنْهَا أُعْطِيكَ ابْنًا أُبَارِكُهُ، فَيَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهُ يَقُومُونَ. ١٧. فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ قَائِلًا فِي قَلْبِهِ: أَيُولَدُ لِابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ ابْنٌ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعِينَ؟ ١٨. وَقَالَ لِلَّهِ: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَحْيَا أَمَامَكَ. ١٩. فَقَالَ اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ: سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ إِسْحَاقَ، وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا، وَمَعَ نَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. ٢٠. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ: هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُنْمِيهِ وَأُكَثِّرُهُ جِدًّا جِدًّا: يَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً. ٢١. لَكِنَّ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنَ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ. ٢٢. وَلَمَّا انْتَهَى كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ مَعَهُ، صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. ٢٣. فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلَ ابْنَهُ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ الْمَوْلُودِينَ فِي بَيْتِهِ وَجَمِيعَ الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ، كُلَّ ذَكَرٍ مِنْ رِجَالِ بَيْتِهِ، وَخَتَنَ لَحْمَ غُرْلَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ، كَمَا أَمَرَهُ اللهُ. ٢٤. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً حِينَ خُتِنَ لَحْمُ غُرْلَتِهِ. ٢٥. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُهُ قَدْ أَتَمَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً عِنْدَ خِتَانِهِ. ٢٦. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ خُتِنَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُهُ. ٢٧. وَجَمِيعُ رِجَالِ بَيْتِهِ، الْمَوْلُودِينَ فِي الْبَيْتِ وَالْمُشْتَرَيْنَ وَالْغُرَبَاءِ، خُتِنُوا كَذَلِكَ.
الْآيَةُ ١: ظَهَرَ الرَّبُّ
ظَهَرَ الرَّبُّ — أَيْ مَلَاكٌ يَنُوبُ عَنِ اللهِ وَيُمَثِّلُهُ فِي جَسَدٍ اتَّخَذَهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَتَيْنِ ١٧ وَ٢٢. هَكَذَا يَقُولُ كَاجِتَانُ وَغَيْرُهُ؛ وَكَانَ ذَلِكَ لِكَيْلَا يَظُنَّ أَبْرَامُ أَنَّ وَعْدَ النَّسْلِ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٥ قَدْ تَحَقَّقَ بِإِسْمَاعِيلَ، بَلْ كَانَ سَيَتَحَقَّقُ فِي إِسْحَاقَ.
الْآيَةُ ١: أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ — إِيلْ شَدَّايْ
أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. — فِي الْعِبْرِيَّةِ: إِيلْ شَدَّايْ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا الْإِلَهُ الْقَوِيُّ الْكَرِيمُ. مُلَاحَظَةٌ: شَدَّايْ مُرَكَّبٌ مِنَ الشِّينِ، وَهِيَ أَدَاةُ رَبْطٍ، وَدَايْ، بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ (وَمِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ «دَايْ» أَوْ «دِي» يَسْتَمِدُّ الْبَعْضُ الْكَلِمَةَ الْيُونَانِيَّةَ «زِيُوسْ» وَ«ثِيُوسْ» وَالْكَلِمَةَ اللَّاتِينِيَّةَ «دِيُوسْ»، وَإِنْ كَانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ «دِيُوسْ» مُشْتَقَّةٌ مِنَ «الْإِعْطَاءِ»، كَمَا أَنَّ «يُوبِتِرَ» مُشْتَقَّةٌ مِنَ «الْإِعَانَةِ»)، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كِفَايَةٍ وَوَفْرَةٍ وَغِنًى وَامْتِلَاءٍ وَقَرْنُ خَيْرٍ؛ وَهُوَ الْأَكْثَرُ كِفَايَةً وَالْأَغْزَرُ وَفْرَةً وَالْأَوْفَرُ غِنًى، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَكْتَفِي هُوَ بِكُلِّ الْخَيْرَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَمْنَحُ غَيْرَهُ أَيْضًا كُلَّ كِفَايَةٍ وَوَفْرَةٍ. فَكَمَا يَقُولُ يُوحَنَّا فِي الْإِصْحَاحِ ١، عَنِ ابْنِ اللهِ: «مِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا.»
وَمِنْ هُنَا يُشِيرُ الرَّسُولُ إِلَى شَدَّايْ فِي الرِّسَالَةِ الْأُولَى إِلَى تِيمُوثَاوُسَ، الْإِصْحَاحِ ٦، حِينَ يَقُولُ: «وَلَا يَتَوَكَّلُوا عَلَى عَدَمِ يَقِينِ الْغِنَى، بَلْ عَلَى اللهِ الْحَيِّ الَّذِي يَمْنَحُنَا كُلَّ شَيْءٍ بِغِنًى لِلتَّمَتُّعِ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يَقُولُ الرَّابِّي سَعْدِيَا: «اللهُ يُدْعَى شَدَّايْ لِأَنَّ بِعِنَايَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَحِكْمَتِهِ وَجُودِهِ تُوجَدُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ وَتَحْيَا، وَهُوَ يَسُدُّ جَمِيعَ حَاجَاتِ كُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ.»
لِذَلِكَ يُتَرْجِمُ أَكِيلَا وَسِيمَاكُوسُ وَثِيُودُوتِيُونُ — كَمَا يَشْهَدُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ١٣٦ إِلَى مَارْسِيلَّا وَفِي تَفْسِيرِ حِزْقِيَالَ، الْإِصْحَاحِ ١٠، الْآيَةِ ٥ — شَدَّايْ بِـ«الْقَدِيرِ» وَ«الْكَافِي لِإِتْمَامِ كُلِّ شَيْءٍ»، بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْنَاهُ ذَاتَهُ كَمَعْنَى «أَوْتَارْكِيسْ» وَ«بَنْتُوكْرَاتُورْ»، أَيِ الْمُكْتَفِي بِذَاتِهِ وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا تُتَرْجِمُهُ الْفُولْغَاتَا عَادَةً.
ثَانِيًا، شَدَّايْ — كَمَا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَفِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحِ ٤٩، الْآيَةِ ٢٥ — مُشْتَقٌّ مِنْ «شَدْ» بِمَعْنَى الثَّدْيِ أَوِ الصَّدْرِ: وَكَأَنَّكَ تَقُولُ «ذُو الثَّدْيِ»؛ فَمِنَ اللهِ، كَمَا مِنْ ثَدْيٍ مُمْتَلِئٍ بِكُلِّ الْخَيْرَاتِ، نَرْضَعُ بِوَفْرَةٍ كُلَّ الْخَيْرَاتِ. فَشَدَّايْ إِذَنْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ حُلْوٌ كَالثَّدْيِ وَاللَّبَنِ؛ وَأَنَّهُ يُغَذِّي كُلَّ شَيْءٍ بِعَاطِفَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْحُنُوِّ الَّتِي تُدْنِي بِهَا الْأُمُّ رَضِيعَهَا إِلَى ثَدْيَيْهَا فَتُرْضِعُهُ وَتُغَذِّيهِ بِاللَّبَنِ؛ وَكَمَا أَنَّ مِنْ «رِحِمْ» بِمَعْنَى الرَّحِمِ يُدْعَى اللهُ «رَحُومْ» أَيِ الرَّحِيمَ، كَذَلِكَ مِنْ «شَدْ» بِمَعْنَى الثَّدْيِ يُدْعَى شَدَّايْ أَيِ الْأَكْرَمَ جُودًا، وَكَأَنَّكَ تَقُولُ: الْوَفْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ.
فَاللهُ إِذَنْ يُدْعَى شَدَّايْ لِأَنَّهُ سَخِيٌّ فَعَّالٌ قَدِيرٌ؛ وَلِأَنَّ بِعِنَايَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَحِكْمَتِهِ وَجُودِهِ تُوجَدُ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ وَتَحْيَا.
وَمِنْ هُنَا يَقُولُ بُولُسُ مُفَسِّرًا شَدَّايْ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ، الْإِصْحَاحِ ١٧: «اللهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفَسًا وَكُلَّ شَيْءٍ» إِلَخْ.
هَكَذَا أَفْلَاطُونُ، مُمَيِّزًا بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ — الْعَوَزِ وَالِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ وَالْفَيْضِ — يَنْسِبُ إِلَى اللهِ فَيْضَ الْخَيْرِ وَحْدَهُ: فَكَمَا أَنَّ كَأْسًا مُمْتَلِئَةً بِالْخَمْرِ فَائِضَةً تَسِيلُ وَتَفِيضُ، كَذَلِكَ اللهُ وَجُودُهُ. وَيَنْتَقِدُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ أَفْلَاطُونَ فِي الْخُطْبَةِ ٤ عَنِ الِابْنِ، لَكِنْ فَقَطْ مِنْ حَيْثُ إِنَّ تَشْبِيهَ الْكَأْسِ يَبْدُو أَنَّهُ يَنْسِبُ إِلَى اللهِ فَيْضًا لَا إِرَادِيًّا وَغَيْرَ حُرٍّ، طَبِيعِيًّا وَضَرُورِيًّا لَا إِرَادِيًّا؛ وَإِلَّا فَالنَّزْيَنْزِيُّ نَفْسُهُ فِي خُطْبَتِهِ عَنْ عِيدِ الْفِصْحِ يُقِرُّ بِهَذَا الْفَيْضِ فِي اللهِ.
يَقُولُ اللهُ إِذَنْ لِإِبْرَاهِيمَ: أَنَا اللهُ شَدَّايْ، الْمُكْتَفِي بِذَاتِهِ، الْأَغْزَرُ وَفْرَةً، الْأَغْنَى، الْأَكْرَمُ جُودًا، الَّذِي يَقْدِرُ وَيُرِيدُ أَنْ يُغْنِيَكَ وَيُغْدِقَ عَلَيْكَ كُلَّ الْخَيْرَاتِ. فَسِرْ أَمَامِي لِتَكُونَ أَهْلًا لِقَبُولِ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ، وَلِتَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِتِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي وَعَدْتُكَ بِهَا. وَبِطَرِيقَةٍ مُمَاثِلَةٍ قَالَ اللهُ لِيَعْقُوبَ فِي التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحِ ٣٥، الْآيَةِ ١١: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ (فِي الْعِبْرِيَّةِ: شَدَّايْ)، وَلِذَلِكَ مِنِّي اثْمِرْ وَاكْثُرْ.» وَإِسْحَاقُ لِيَعْقُوبَ فِي التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحِ ٢٨، الْآيَةِ ٣: «اللهُ الْقَدِيرُ (بِالْعِبْرِيَّةِ: شَدَّايْ) يُبَارِكُكَ وَيُنْمِيكَ وَيُكَثِّرُكَ.» وَهَذَا مَا قَالَهُ اللهُ لِمُوسَى فِي الْخُرُوجِ، الْإِصْحَاحِ ٦: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي ظَهَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِصِفَةِ اللهِ الْقَدِيرِ (عَلَى طَرِيقَةِ إِيلْ شَدَّايْ، كَإِيلْ شَدَّايْ كَمَا فِي الْعِبْرِيَّةِ)، وَاسْمِي أَدُونَايْ لَمْ أُعَرِّفْهُمْ بِهِ.»
فَاللهُ إِذَنْ هُوَ شَدَّايْنَا، الَّذِي يُشْبِعُ، الَّذِي يَمْلَأُ كُلَّ رَغْبَةٍ لَنَا بِالْخَيْرَاتِ. فَلِمَاذَا إِذَنْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ التَّعِيسُ تَتِيهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ بَاحِثًا عَنِ الرَّاحَةِ وَلَا تَجِدُهَا؟ تُحِبُّ الْغِنَى — فَلَا تَشْبَعُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَدَّايْ. تُحِبُّ الْمَجْدَ — فَلَا تَكْتَفِي، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَدَّايْ. تُحِبُّ جَمَالَ الْأَجْسَادِ وَبَهَاءَهَا — لَكِنَّهَا لَيْسَتْ شَدَّايْكَ. أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْبَشَرِيَّةُ، يَا قَلْبَ الْإِنْسَانِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ، يَا قَلْبًا ذَاقَ الْمِحَنَ وَأَثْقَلَتْهُ الشَّدَائِدُ — لِمَاذَا تَرْكُضُ عَبَثًا وَرَاءَ خَيْرَاتٍ بَاطِلَةٍ تَافِهَةٍ زَائِلَةٍ مُخَادِعَةٍ؟ إِنَّهَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُشْبِعَ جُوعَ نَفْسِكَ وَعَطَشَهَا. أَحِبَّ شَدَّايْكَ: هُوَ وَحْدَهُ يَقْدِرُ أَنْ يَمْلَأَ كُلَّ أَعْمَاقِ نَفْسِكَ. هُوَ وَحْدَهُ يَكْفِي لِأَنْ يَسْقِيَكَ مِنْ سَيْلٍ، بَلْ مِنْ مُحِيطِ اللَّذَائِذِ، لِأَنَّ عِنْدَهُ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. هُوَ لِلْعَقْلِ مِلْءُ النُّورِ، وَلِلْإِرَادَةِ وَفْرَةُ السَّلَامِ، وَلِلذَّاكِرَةِ دَوَامُ الْأَبَدِيَّةِ. هُوَ وَسَيَكُونُ كُلَّ شَيْءٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِأَهْلِهِ. أَيُسِرُّكَ الْمَجْدُ؟ «الْمَجْدُ وَالْغِنَى فِي بَيْتِهِ.» أَيُسِرُّكَ الْجَمَالُ؟ «يُضِيءُ الصِّدِّيقُونَ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ.» أَتُسِرُّكَ الْحِكْمَةُ؟ «يَا لَعُمْقِ غِنَى حِكْمَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ!» أَتُسِرُّكَ الْمَذَاقَاتُ وَالْخُمُورُ وَالْأَطَايِبُ؟ «نَشْبَعُ حِينَ يَتَجَلَّى مَجْدُكَ»؛ وَ«يَرْتَوُونَ مِنْ دَسَمِ بَيْتِكَ.» بَلْ إِنَّ اللهَ — كُلَّ كُنُوزِ الْمَجْدِ، وَكُلَّ كُنُوزِ الْغِنَى، وَكُلَّ كُنُوزِ الْمَعْرِفَةِ، وَكُلَّ فَرَحٍ، وَكُلَّ لَذَّةٍ، بَلْ ذَاتَهُ — يَصُبُّهَا عَلَى أَصْفِيَائِهِ الْمُخْتَارِينَ فِي السَّمَاءِ. فِي هَذَا الْخَيْرِ الْوَاحِدِ إِذَنْ، يَا نَفْسِي، ثَبِّتِي نَفْسَكِ بِالْكَامِلِ. هَذِهِ رَاحَتُكِ، هَذَا مَرْكَزُ قَلْبِكِ: فَاسْعَيْ إِلَيْهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ صَلَوَاتِكِ وَجُهُودِكِ. قُولِي إِذَنْ مَعَ أَبِينَا الْقِدِّيسِ إِغْنَاطِيُوسَ: «يَا رَبُّ، مَاذَا أُرِيدُ أَوْ مَاذَا عَسَايَ أُرِيدُ سِوَاكَ؟ إِلَهَ قَلْبِي، وَنَصِيبِي اللهُ إِلَى الْأَبَدِ.» وَمَعَ الْقِدِّيسِ لُوِيسَ: «غِنَايَ هُوَ الْمَسِيحُ — فَلْيَغِبِ الْبَاقِي. كُلُّ وَفْرَةٍ لَيْسَتْ إِلَهِي هِيَ فَقْرٌ لِي.»
الْآيَةُ ١: سِرْ أَمَامِي
«سِرْ أَمَامِي» — كَعَبْدٍ أَمَامَ سَيِّدِهِ، وَتِلْمِيذٍ أَمَامَ مُعَلِّمِهِ، وَجُنْدِيٍّ أَمَامَ قَائِدِهِ، وَابْنٍ أَمَامَ أَبِيهِ، مُسْتَعِدًّا لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مُطِيعًا وَفِيًّا، لِيَخْدِمَهُ وَيُطِيعَهُ وَيُرْضِيَهُ بِإِخْلَاصٍ وَعِنَايَةٍ وَكَمَالٍ. لِذَلِكَ تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «كُنْ مَرْضِيًّا أَمَامِي»؛ وَالتَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ: «اخْدِمْ أَمَامِي.» وَهَذَا مَا يُنْشِدُهُ زَكَرِيَّا: «لِنَعْبُدَهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ أَمَامَهُ كُلَّ أَيَّامِنَا.» هَكَذَا فَعَلَ أَخْنُوخُ (الْإِصْحَاحُ ٥، الْآيَةُ ٢٢) وَنُوحٌ (الْإِصْحَاحُ ٦، الْآيَةُ ٦). طُوبَى لِمَنْ يُفَكِّرُ دَائِمًا فِي اللهِ حَاضِرًا وَيَهَابُهُ، وَيَسِيرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِي حَضْرَتِهِ، وَيَفْعَلُ وَيُؤَدِّي جَمِيعَ أَعْمَالِهِ وِفْقًا لِذَلِكَ. لِيَسْمَعِ الْمَسِيحِيُّونَ الْوَثَنِيَّ سِينِيكَا فِي رِسَالَتِهِ ١٠: «عِشْ»، يَقُولُ، «بَيْنَ النَّاسِ كَمَا لَوْ كَانَ اللهُ يَرَاكَ؛ وَتَكَلَّمْ مَعَ اللهِ كَمَا لَوْ كَانَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ.» لِيَسْمَعُوا سُلَيْمَانَ فِي الْأَمْثَالِ، الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ٦: «فِي جَمِيعِ طُرُقِكَ اعْرِفْهُ وَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلَكَ»؛ وَطُوبِيَّا لِابْنِهِ فِي الْإِصْحَاحِ ٤، الْآيَةِ ٦: «كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ اذْكُرِ اللهَ فِي ذِهْنِكَ»؛ وَمِيخَا فِي الْإِصْحَاحِ ٦، الْآيَةِ ٨: «أُخْبِرُكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ وَمَاذَا يَطْلُبُهُ الرَّبُّ مِنْكَ: أَنْ تَصْنَعَ الْعَدْلَ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسِيرَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ.»
لَاحِظْ هُنَا ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ وَمَرَاحِلَ لِإِبْرَاهِيمَ مُقَدَّمَةً نَمُوذَجًا لِلْفَضِيلَةِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ. فَمِنَ الْإِصْحَاحِ ١٢ حَتَّى الْآنَ وُصِفَ أَبْرَامُ بِوَصْفِهِ مُبْتَدِئًا؛ أَمَّا هُنَا حَتَّى الْإِصْحَاحِ ٢٢ فَيُوصَفُ بِوَصْفِهِ سَائِرًا فِي التَّقَدُّمِ. وَأَخِيرًا مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٢ إِلَى ٢٥ يُوصَفُ بِوَصْفِهِ كَامِلًا. فَلِلسَّائِرِ فِي التَّقَدُّمِ إِذَنْ تُعْطَى هَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى عَنْ حُضُورِ اللهِ: «سِرْ أَمَامِي.»
الثِّمَارُ السِّتُّ لِلسَّيْرِ فِي حَضْرَةِ اللهِ
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، الثَّمَرَةُ الْأُولَى لِهَذَا الْحُضُورِ الْإِلَهِيِّ هِيَ تَجَنُّبُ الْخَطِيئَةِ: «اذْكُرِ اللهَ وَلَنْ تُخْطِئَ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ إِلَى هِيرُو، وَإِكْلِيمَنْدُسُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي الْكِتَابِ ٣ مِنَ الْمُرَبِّي، الْإِصْحَاحِ ٥: «إِنَّمَا بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ وَحْدَهَا لَا يَسْقُطُ الْمَرْءُ أَبَدًا: إِذَا اعْتَبَرَ اللهَ حَاضِرًا لَهُ دَائِمًا.» وَكَانَتْ بَغِيٌّ تُغْرِي الْقِدِّيسَ أَفْرَامَ بِالْخَطِيئَةِ، فَبَدَا مُوَافِقًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي السَّاحَةِ الْعَامَّةِ. فَلَمَّا قَالَتِ الْبَغِيُّ إِنَّ ذَلِكَ مُخْزٍ وَمُشِينٌ، أَجَابَ أَفْرَامُ: كَمْ بِالْأَحْرَى يَجِبُ أَنْ تَسْتَحِيِي أَمَامَ اللهِ الَّذِي يَرَى حَتَّى أَخْفَى الْأَشْيَاءِ؟ فَتَأَثَّرَتِ الزَّانِيَةُ بِهَذَا الْجَوَابِ فَطَلَبَتِ الْمَغْفِرَةَ وَاعْتَنَقَتِ الْحَيَاةَ الرَّهْبَانِيَّةَ. وَكَذَلِكَ فَضَّلَتْ سُوسَنَّةُ الْمَوْتَ «عَلَى أَنْ تُخْطِئَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ.» وَكَذَلِكَ فَعَلَ ذَلِكَ الْقِدِّيسُ الَّذِي رَدَّ تَايِيسَ إِلَى التَّوْبَةِ.
الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ الِانْتِصَارُ عَلَى التَّجَارِبِ وَالْأَخْطَارِ وَالْأَعْدَاءِ. الْمَزْمُورُ ٢٤، الْآيَةُ ٤: «أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ مَعِي.» هَكَذَا الْمَكَّابِيُّونَ، «مُصَلِّينَ إِلَى الرَّبِّ فِي قُلُوبِهِمْ»، ضَرَبُوا نِيكَانُورَ مَعَ ٣٥,٠٠٠ رَجُلٍ، «مُبْتَهِجِينَ ابْتِهَاجًا عَظِيمًا بِحُضُورِ اللهِ» (٢ الْمَكَّابِيِّينَ ١٥: ١٦).
ثَالِثًا. «اذْكُرِ اللهَ دَائِمًا، فَيَصِيرَ عَقْلُكَ سَمَاءً»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ. فَيَعْقُوبُ لَمَّا رَأَى الرَّبَّ مَعَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى السُّلَّمِ قَالَ: «مَا هَذَا إِلَّا بَيْتُ اللهِ وَبَابُ السَّمَاءِ.»
رَابِعًا. مِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ يَكُونُ كَمَلَاكٍ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَنْظُرُونَ دَائِمًا وَجْهَ الْآبِ. هَكَذَا كَانَ إِيلِيَّا: «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ» (٣ الْمُلُوكِ، الْإِصْحَاحُ ١٧، الْآيَةُ ١).
خَامِسًا. مِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ يَتَّقِدُ عَجَبًا بِمَحَبَّةِ اللهِ، وَيَفْرَحُ دَائِمًا لِأَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِحُضُورِ اللهِ. فَدَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ ١٥: «جَعَلْتُ الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ»؛ وَيُضِيفُ: «لِذَلِكَ فَرِحَ قَلْبِي وَابْتَهَجَ لِسَانِي»؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ: «مَنِ الْتَصَقَ بِالرَّبِّ فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ مَعَهُ.»
سَادِسًا. هَذَا الْحُضُورُ الْإِلَهِيُّ يَطْرُدُ الْغَضَبَ وَالشَّهْوَةَ وَالتَّشَتُّتَ، وَيَجْعَلُ الْإِنْسَانَ كَامِلًا. فَالْقِدِّيسُ دُوسِيثِيُوسُ، كَمَا نَقْرَأُ فِي سِيرَتِهِ، مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ لِلْقِدِّيسِ دُورُوثِيُوسَ: «فَكِّرْ دَائِمًا فِي اللهِ حَاضِرًا لَكَ وَفِي نَفْسِكَ وَاقِفًا أَمَامَهُ»، تَحَوَّلَ مِنْ جُنْدِيٍّ مُنْحَلٍّ إِلَى رَاهِبٍ كَامِلٍ.
الْآيَةُ ١: كُنْ كَامِلًا
«كُنْ كَامِلًا.» — اجْتَهِدْ فِي إِتْمَامِ شَرِيعَتِي وَمَشِيئَتِي إِتْمَامًا كَامِلًا، وَفِي أَنْ تَفْعَلَ جَمِيعَ أَعْمَالِكَ، كُلًّا وَاحِدًا، بِإِتْقَانٍ، حَتَّى لَا يَنْقُصَهَا شَيْءٌ وَلَا يُوجَدَ فِيهَا مَأْخَذٌ؛ وَأَنْ تَكْمُلَ فِي جَمِيعِ الْفَضَائِلِ. لِذَلِكَ تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «كُنْ بِلَا لَوْمٍ.» ثُمَّ يُضِيفُ الْجَزَاءَ قَائِلًا:
مُلَاحَظَةٌ: لَمْ يَطْلُبِ اللهُ الْكَمَالَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ شَابٌّ، بَلْ وَهُوَ شَيْخٌ، حِينَ كَانَ إِسْحَاقُ عَلَى وَشَكِ أَنْ يُولَدَ — كَعَلَامَةٍ عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي سَيَطْلُبُ فِيهِ اللهُ الْكَمَالَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ. فَإِنَّ الدِّينَ الْمَسِيحِيَّ لَيْسَ سِوَى رِيَاضَةٍ وَوَاجِبٍ وَسَعْيٍ نَحْوَ أَعْلَى كَمَالٍ.
وَيَقْتَرِحُ مُعَلِّمٌ قِدِّيسٌ وَسَائِلَ بُلُوغِ الْكَمَالِ الْخَارِقِ لِلرُّهْبَانِ، وَهِيَ: أَوَّلًا، أَنْ يَسِيرَ الْمَرْءُ دَائِمًا فِي حَضْرَةِ اللهِ. ثَانِيًا، فِي كُلِّ الْأُمُورِ — الْمُحْزِنَةِ مِنْهَا وَالْمُفْرِحَةِ — أَنْ يُطَابِقَ نَفْسَهُ مَعَ مَشِيئَةِ اللهِ وَيَقُولَ: «لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ؛ مُبَارَكٌ اسْمُ الرَّبِّ.» ثَالِثًا، هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَصِيرَ كَامِلًا سَرِيعًا؟ اِنْسَحِبْ إِلَى أَعْمَاقِ نَفْسِكَ، وَافْحَصْ هُنَاكَ بِدِقَّةٍ مَا الَّذِي يُعِيقُكَ أَكْثَرَ وَيَمْنَعُكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ نَقِيًّا حُرًّا رَشِيقًا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَكُلِّ فَضِيلَةٍ؛ وَهَذَا الْفَخَّ، هَذَا الْحَجَرَ الَّذِي يُعِيقُكَ، اقْلَعْهُ مِنْ جُذُورِهِ وَأَلْقِهِ فِي أَعْمَاقِ الْبَحْرِ. وَإِلَّا فَمَهْمَا فَعَلْتَ فَكُلُّهُ بَاطِلٌ. هَذَا الْإِمَاتَةُ صَعْبَةٌ، نَوْعٌ مِنَ الْمَوْتِ الْحَيِّ الَّذِي يَكْشِطُ اللَّحْمَ عَنِ الْعِظَامِ، كَمَا يُقَالُ؛ لَكِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ، وَبِالْمُمَارَسَةِ نَفْسِهَا تَصِيرُ سَهْلَةً. رَابِعًا، طَبِيعَتُنَا خَدَّاعَةٌ جِدًّا، مُجَهَّزَةٌ بِأَلْفِ زَاوِيَةٍ خَفِيَّةٍ وَأَلْفِ حِيلَةٍ تُدَلِّلُ بِهَا نَفْسَهَا وَتُبْقِي عَلَيْهَا؛ وَمَا لَمْ تُسْتَأْصَلْ تَمَامًا فَلَنْ تُحْرِزَ تَقَدُّمًا يُذْكَرُ. وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْحِيَلِ — الَّتِي تَأْسِرُ حَتَّى الْقِدِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ أَحْيَانًا — الرَّغْبَةُ فِي أَنْ يُرَوْا، وَالرَّغْبَةُ فِي أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِمُ الْآخَرُونَ وَيُظْهِرُوا لَهُمُ الْإِكْرَامَ، إِلَخْ. يَجِبُ أَنْ يُتَخَلَّى عَنْ هَذَا صَرَاحَةً، حَتَّى تَصِلَ إِلَى أَسَاسِ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ: «لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ أَحُلَّ سَيْرَ حِذَائِهِ.» وَلِذَلِكَ، خَامِسًا، انْسَحِبْ — وَلَوْ ذِهْنِيًّا — مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ. سَادِسًا، حَرِّرْ نَفْسَكَ مِنْ كُلِّ مَا لَوْ حَدَثَ لَكَ لَأَوْقَعَكَ فِي تَعَلُّقِ الْعَاطِفَةِ وَالْهُمُومِ وَالْقَلَقِ الْمُفْرِطِ: أَبْقِ نَفْسَكَ نَقِيًّا وَحُرًّا مِنْ أَيِّ صُوَرٍ تَتَلَقَّاهَا فِي دَاخِلِكَ. سَابِعًا، ثَبِّتْ عَقْلَكَ عَلَى اللهِ كَهَدَفٍ؛ وَأَرْجِعْ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ — الصِّيَامَ وَالسَّهَرَ وَالْفَقْرَ — إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، وَلَا تَأْخُذْ مِنْهَا إِلَّا مَا يَنْفَعُكَ لِهَذَا الْغَرَضِ. ثَامِنًا، سَلِّمْ نَفْسَكَ لِلَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَمَنْ يُلْقَى فِي بَحْرٍ وَاسِعٍ وَيَجْلِسُ عَلَى رِدَائِهِ: فَمَاذَا يَقْدِرُ مِثْلُ هَذَا الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ سِوَى أَنْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ كُلِّيًّا لِلَّهِ؟ فَافْعَلْ أَنْتَ كَذَلِكَ. تَاسِعًا، تَعَلَّمْ أَنْ تَحْتَقِرَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَنْ يَحْتَقِرَكَ الْجَمِيعُ، حَتَّى تَصِيرَ مَعَ الْقِدِّيسِ بُولُسَ كَنَاسَةِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ الْكُلِّ.
الْآيَةُ ٢: أُقِيمُ عَهْدِي
«أُقِيمُ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ.» — أَيْ إِنْ سِرْتَ أَمَامِي بِكَمَالٍ، أُبْرِمُ وَأُرَبِّي صَدَاقَةً خَاصَّةً وَعَهْدًا مَعَكَ، بِحَيْثُ أَحْمِيكَ وَأَقُودُكَ وَأُقَدِّمُكَ أَنْتَ وَذُرِّيَّتَكَ بِعِنَايَةٍ خَاصَّةٍ فَوْقَ سَائِرِ النَّاسِ وَالْأُمَمِ، وَأُدْعَى إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ؛ وَأَنْتَ بِدَوْرِكَ تَعْبُدُنِي بِإِيمَانٍ خَاصٍّ وَطَاعَةٍ وَعِبَادَةٍ؛ وَأُعْطِي الْخِتَانَ رَمْزًا وَعَلَامَةً لِهَذَا الْعَهْدِ (الْآيَةُ ١٠).
الْآيَةُ ٣: سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ
«سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ» — سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ.
الْآيَةُ ٤: أَنَا هُوَ
«أَنَا هُوَ.» — أَنَا الَّذِي أَنَا؛ أَنَا الْأَزَلِيُّ، أَنَا الثَّابِتُ، أَنَا الدَّائِمُ الْأَمِينُ فِي وُعُودِي، وَلِذَلِكَ فَعَهْدِي الَّذِي أُقِيمُهُ مَعَكَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ سَيَكُونُ ثَابِتًا لَا يُنْقَضُ. يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى مَارْسِيلَّا أَنَّ اللهَ بِبَسَاطَةٍ هُوَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَاضِيًا وَلَا مُسْتَقْبَلًا؛ وَجَوْهَرُهُ هُوَ الْوُجُودُ، وَبِالْمُقَارَنَةِ مَعَهُ فَوُجُودُنَا لَا شَيْءَ. انْظُرْ لِلْمَزِيدِ فِي الْخُرُوجِ، الْإِصْحَاحَيْنِ ٣ وَ٦.
الْآيَةُ ٥: إِبْرَاهِيمُ — تَغْيِيرُ الِاسْمِ
«لَا يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ أَبْرَامَ، بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ.» — أَبْرَامُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ «أَبْ رَامْ»، أَيْ «أَبٌ رَفِيعٌ»، مَنْ يُفَكِّرُ أَفْكَارًا عَالِيَةً وَيَسْكُنُ فِي الْعُلَا (أَيْ فِي الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ) وَيَسْعَى وَرَاءَ مَا هُوَ رَفِيعٌ وَإِلَهِيٌّ.
وَالْآنَ يُسَمِّي اللهُ أَبْرَامَ «إِبْرَاهِيمَ»، وَكَأَنَّهُ مِنْ «أَبْ رَامْ آمُونْ»، أَيْ «أَبُ جَمْعٍ عَظِيمٍ رَفِيعٍ» أَوْ «أَبُو كَثِيرِينَ رُفَعَاءَ»؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَلِي: «جَعَلْتُكَ أَبًا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ»، أَيِ الْيَهُودِ وَالْأُمَمِ. فَلِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ أَحْسَنَ حَتَّى الْآنَ اسْتِخْدَامَ اسْمِهِ، وَحَيَاتُهُ الرَّفِيعَةُ تَوَافَقَتْ مَعَهُ حَقَّ التَّوَافُقِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْآنَ أَنْ يَتَّخِذَ اسْمًا آخَرَ يَجْعَلُ بِهِ كَثِيرِينَ آخَرِينَ رُفَعَاءَ. فَإِنْ تَجَاوَبْنَا نَحْنُ أَيْضًا مَعَ اسْمِنَا الَّذِي نِلْنَاهُ مِنَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُ سَيُعْطِينَا اسْمًا جَدِيدًا آخَرَ يَنْطِقُ بِهِ فَمُ الرَّبِّ (إِشَعْيَا ٦٢: ٢؛ الرُّؤْيَا ٣: ١٢).
فَاسْمُ إِبْرَاهِيمَ إِذَنْ كَعَمُودٍ نَقَشَ عَلَيْهِ اللهُ وَعْدَ النَّسْلِ وَالذُّرِّيَّةِ الْمُؤْمِنَةِ الْمُخْتَارَةِ إِلَى الْأَبَدِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا. انْظُرْ مَدَائِحَ إِبْرَاهِيمَ فِي يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ، الْإِصْحَاحِ ٤٤، الْآيَةِ ٢٠.
لَاحِظْ مِنَ الرَّسُولِ فِي رُومِيَةَ، الْإِصْحَاحِ ٩، الْآيَاتِ ٥-٧، أَنَّ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ هُنَا يُؤْخَذُ حَرْفِيًّا بِوَصْفِهِ أَحْفَادَهُ الطَّبِيعِيِّينَ الْجَسَدِيِّينَ، أَيِ الْيَهُودَ الَّذِينَ انْقَسَمُوا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، وَكَأَنَّهُمُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُمَّةً.
أَمَّا مَجَازِيًّا وَبِالدَّرَجَةِ الْأُولَى، فَالْمَقْصُودُ هُنَا أَبْنَاءُ إِبْرَاهِيمَ الرُّوحِيُّونَ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِإِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَتَقْوَاهُ. وَكَانَ هَؤُلَاءِ أَوَّلًا الْيَهُودَ؛ ثُمَّ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَجَمِيعُ الْأُمَمِ. فَهَؤُلَاءِ يُدْعَوْنَ بِحَقٍّ «أُمَمًا كَثِيرَةً»، وَمِنْ بَيْنِهِمْ كَثِيرُونَ كَانُوا رُفَعَاءَ — أَيْ رُسُلٌ وَشُهَدَاءُ وَمُعَلِّمُونَ وَعَذَارَى، إِلَخْ. فَاللهُ هُنَا يَمْزِجُ الْوُعُودَ الرُّوحِيَّةَ بِالْجَسَدِيَّةِ، كَمَا شَرَحْتُ فِي رُومِيَةَ ٩: ٦.
فَإِبْرَاهِيمُ إِذَنْ هُوَ أَبُو جَمِيعِ الرُّفَعَاءِ، أَيْ أَبُو سُكَّانِ السَّمَاءِ — أَيِ الْمِئَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ أَلْفًا الْمَخْتُومِينَ مِنَ الْيَهُودِ، وَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ الْمَخْتُومِ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ (الرُّؤْيَا ٧: ٩).
يُلَاحِظُ الْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ حَرْفَ «هَاءْ» أُضِيفَ إِلَى أَبْرَامَ لِيَصِيرَ إِبْرَاهِيمَ، وَالْحَرْفُ نَفْسُهُ أُضِيفَ إِلَى سَارَايَ لِتَصِيرَ سَارَةَ؛ وَهَذَا الْحَرْفُ «هَاءْ» هُوَ الْحَرْفُ الرَّئِيسِيُّ فِي الِاسْمِ الرُّبَاعِيِّ — اسْمِ اللهِ — لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَأَنَّ اللهَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْمَسِيحَ — وَهُوَ اللهُ وَابْنُ اللهِ، أَيْ يَسُوعُ الْمَسِيحُ — سَيُولَدُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ.
وَيُضِيفُ بِيرِيرِيُوسُ أَنَّ «هَاءْ» تَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ خَمْسَةٍ، أَيِ الْأَلْفِيَّةِ الْخَامِسَةِ مِنْ سِنِي الْعَالَمِ الَّتِي وُلِدَ فِي بِدَايَتِهَا الْمَسِيحُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْمَسِيحَ وُلِدَ قُرْبَ نِهَايَةِ الْأَلْفِيَّةِ الرَّابِعَةِ.
وَيُلَاحِظُ فِيلُونُ ثَانِيًا فِي كِتَابِهِ «عَنِ الْعَمَالِقَةِ» أَنَّ أَبْرَامَ دُعِيَ «الْأَبَ الرَّفِيعَ» لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْفَلَكِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَفَحَّصُ الْأُمُورَ الْعُلْوِيَّةَ وَالسَّمَاوِيَّةَ؛ لَكِنَّهُ فِيمَا بَعْدُ دُعِيَ إِبْرَاهِيمَ، وَكَأَنَّهُ مِنْ «أَبْ بَرْ هَامُونْ»، أَيْ «أَبٌ مُخْتَارٌ لِصَوْتٍ عَظِيمٍ» أَوْ «أَبُو تَنَاغُمٍ مُخْتَارٍ.» هَذَا التَّنَاغُمُ هُوَ فَهْمُ وَصَوْتُ وَحَيَاةُ الْإِنْسَانِ الصَّالِحِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِنْسَانِ مُخْتَارٌ وَمُنَقًّى، وَهُوَ أَبُو الصَّوْتِ وَالتَّنَاغُمِ الَّذِي بِهِ نُرَنِّمُ تَسَابِيحَ اللهِ وَنَتَنَاغَمُ مَعَهُ فِي كُلِّ الْحَيَاةِ بِأَعْمَالِنَا وَأَقْوَالِنَا. فَمِنْ أَبْرَامَ إِذَنْ صَارَ إِبْرَاهِيمُ — أَيْ مِنْ عَالِمِ فَلَكٍ صَارَ رَجُلًا إِلَهِيًّا؛ وَمِنْ رَجُلِ السَّمَاءِ صَارَ رَجُلَ اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ. لَكِنَّ هَذِهِ التَّفْسِيرَاتِ رَمْزِيَّةٌ وَصُوفِيَّةٌ.
لَاحِظْ ثَالِثًا أَنَّ الذَّهَبِيَّ الْفَمِ يَبْدُو أَنَّهُ أَخْطَأَ هُنَا مِنْ سَهْوِ الذَّاكِرَةِ، حِينَ قَالَ إِنَّ أَبْرَامَ مَعْنَاهُ «الْعَابِرُ» وَإِنَّ وَالِدَيْهِ سَمَّيَاهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَوَقَّعَا عُبُورَهُ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ إِلَى كَنْعَانَ. لِأَنَّ الذَّهَبِيَّ الْفَمِ خَلَطَ بَيْنَ اسْمِ أَبْرَامَ وَاسْمِ «عِبْرِيٍّ» الَّذِي يَعْنِي «الْعَابِرَ»؛ أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ افْتَرَضَ أَنَّ أَبْرَامَ دَعَاهُ وَالِدَاهُ «عِبْرِيًّا»، وَهَذَا غَيْرُ مُقْنِعٍ.
الْآيَةُ ٦: مُلُوكٌ مِنْكَ
«وَمُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ.» — أَيْ مُلُوكُ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا مِنْ يَعْقُوبَ؛ وَمِنْ عِيسُو مُلُوكُ الْأَدُومِيِّينَ وَالْعَمَالِقَةِ؛ بَلْ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ وَالْآخَرِينَ الْمَوْلُودِينَ مِنْ قَطُورَةَ كَانَ لَهُمْ مُلُوكُهُمْ.
الْآيَةُ ٧: أُقِيمُ
«وَأُقِيمُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: «هَقِيمُوتِي»، «أُقِيمُ»، أُثَبِّتُ، أُؤَكِّدُ الْعَهْدَ الَّذِي أُبْرِمُهُ مَعَكَ الْآنَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْآيَةِ ٤.
«عَهْدًا أَبَدِيًّا.» — كَانَ هَذَا الْعَهْدُ أَبَدِيًّا، لَا مُطْلَقًا، بَلْ نِسْبِيًّا فِي النَّسْلِ الْجَسَدِيِّ، أَيِ الْيَهُودِ. فَقَدْ دَامَ مَا دَامَتِ الْكَنِيسَةُ وَالدَّوْلَةُ الْيَهُودِيَّتَانِ. أَمَّا فِي النَّسْلِ الرُّوحِيِّ، أَيِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهُوَ أَبَدِيٌّ مُطْلَقًا.
الْآيَةُ ٨: لِأَكُونَ إِلَهَكَ
«لِأَكُونَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ نَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ» — بِمَعْنَى: بِهَذَا الشَّرْطِ وَهَذَا الِاتِّفَاقِ أَدْخُلُ فِي عَهْدٍ مَعَكَ وَمَعَ ذُرِّيَّتِكَ يَا أَبْرَامُ: أَنْ أَكُونَ إِلَهَكَ وَإِلَهَ شَعْبِكَ — أَيْ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَحْدِي مَعْبُودًا وَمُكَرَّمًا مِنْكُمْ، وَأَنْ تَعْتَمِدُوا عَلَيَّ وَحْدِي؛ وَأَنَا بِدَوْرِي أُحِبُّكُمْ وَأَعْتَنِي بِكُمْ وَأَحْمِيكُمْ وَأُبَارِكُكُمْ كَخَاصَّتِي. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ وَغَيْرُهُ.
الْآيَةُ ٩: تَحْفَظُ
«تَحْفَظُ» — أَيِ احْفَظْ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ.
الْآيَةُ ١٠: هَذَا هُوَ عَهْدِي — عَلَامَةُ الْخِتَانِ
«هَذَا هُوَ الْعَهْدُ» — أَيْ هَذِهِ عَلَامَةُ الْعَهْدِ الْمُبْرَمِ مَعَكَ الْآنَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الرَّسُولُ فِي رُومِيَةَ ٤: ١١ مُتَحَدِّثًا عَنْ أَبْرَامَ: «وَأَخَذَ عَلَامَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الْإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ، لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ (أَيْ لِغَيْرِ الْمَخْتُونِينَ، أَيِ الْأُمَمِ).»
لَاحِظْ هُنَا بِاخْتِصَارٍ فَوَائِدَ هَذِهِ الْعَلَامَةِ وَأَسْبَابَهَا، أَيِ الْخِتَانِ. أَوَّلًا: كَانَتْ عَلَامَةً تَذْكَارِيَّةً لِلْعَهْدِ الْمُبْرَمِ هُنَا بَيْنَ اللهِ وَإِبْرَاهِيمَ، حَتَّى إِنَّ الْيَهُودَ حِينَ يَخْتَتِنُونَ أَوْ يُفَكِّرُونَ فِي كَوْنِهِمْ مَخْتُونِينَ يَتَذَكَّرُونَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي هَذَا الْعَهْدِ مَعَ اللهِ، وَأَنَّهُمْ شَعْبٌ مُكَرَّسٌ وَمُقَدَّسٌ لِلَّهِ. فَكَمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ — الَّذِي هُوَ قِرْدُ اللهِ — يَطْبَعُ عَلَامَةً عَلَى جِبَاهِ سَحَرَتِهِ يُوسَمُونَ بِهَا وَيُعْرَفُونَ أَنَّهُمْ تَحْتَ سُلْطَتِهِ وَنِعَاجُهُ وَمِلْكُهُ الْخَاصُّ وَعَبِيدُهُ — فَبِالْأَحْرَى أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْكُلِّ أَنْ يَنْقُشَ عَلَامَةَ الْخِتَانِ هَذِهِ فِي لَحْمِ إِبْرَاهِيمَ وَالْيَهُودِ نَقْشًا مَحْسُوسًا عَمِيقًا لَا يُمْحَى، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُمِ انْتَقَلُوا تَحْتَ سُلْطَانِ اللهِ وَهُمْ شَعْبُ اللهِ وَمِلْكُهُ الْخَاصُّ.
ثَانِيًا: كَانَ الْخِتَانُ عَلَامَةً مُمَثِّلَةً لِإِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَالْبِرِّ الْمُكْتَسَبِ بِهِ، كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ فِي الْكَلِمَاتِ الَّتِي اسْتَشْهَدْنَا بِهَا قَبْلَ قَلِيلٍ.
ثَالِثًا: كَانَتْ عَلَامَةً مُمَيِّزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ لِلْيَهُودِ عَنِ الْأُمَمِ.
رَابِعًا: كَانَتْ عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى الْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَتُطَهِّرُ مِنْهَا، كَمَا يُعَلِّمُ الْآبَاءُ. فَالْعُضْوُ التَّنَاسُلِيُّ خُتِنَ لِأَنَّ الْخَطِيئَةَ الْأَصْلِيَّةَ تَنْتَقِلُ بِوَاسِطَتِهِ. فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ انْظُرِ الْقِدِّيسَ تُومَا وَسُوَارِيزَ وَاللَّاهُوتِيِّينَ الْمَدْرَسِيِّينَ.
خَامِسًا: كَانَ رَمْزًا سَابِقًا لِلْمَعْمُودِيَّةِ. فَكِلْتَاهُمَا — الْمَعْمُودِيَّةُ وَالْخِتَانُ — هُمَا السِّرُّ الْأَوَّلُ وَالدُّخُولُ فِي الدِّينِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ، وَيُشَكِّلَانِ اعْتِرَافًا عَلَنِيًّا وَالْتِزَامًا بِهِ؛ وَبِالتَّالِي هُمَا تَبَنٍّ وَتَسْجِيلٌ فِي كَنِيسَةِ اللهِ بِحُقُوقِهَا وَمُكَافَآتِهَا.
وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ يُعْطَى اسْمٌ جَدِيدٌ عِنْدَ الْخِتَانِ — كَمَا يُعْطَى الْآنَ عِنْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ — لِلْمَخْتُونِ. فَهُنَا أَبْرَامُ الَّذِي كَانَ عَلَى وَشَكِ الْخِتَانِ دُعِيَ إِبْرَاهِيمَ بَدَلًا مِنْ أَبْرَامَ، لِأَنَّهُمْ بِالْخِتَانِ كَانُوا يُسَجَّلُونَ فِي اسْمٍ وَأُمَّةٍ وَدِينٍ جَدِيدٍ، أَيِ الْيَهُودِيَّةِ. وَبِالْمِثْلِ كَانَ الرُّومَانُ يُسَمُّونَ الْبَنَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنَ الْوِلَادَةِ، وَالْأَوْلَادَ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ؛ وَيُبَيِّنُ بْلُوتَارْكُسُ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ فِي السُّؤَالِ ١٠٢ مِنْ مَسَائِلِهِ الرُّومَانِيَّةِ.
«يُخْتَنُ مِنْكُمْ كُلُّ ذَكَرٍ.» — إِبْرَاهِيمُ بِقُوَّةِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَانَ مُلْزَمًا بِخِتَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَبِالتَّالِي إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ مَعًا. وَبِالْمِثْلِ كَانَ إِسْحَاقُ مُلْزَمًا فِيمَا بَعْدُ بِخِتَانِ يَعْقُوبَ وَعِيسُو. لَكِنْ حِينَ انْفَصَلَ إِسْمَاعِيلُ وَعِيسُو عَنْ عَائِلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، لَمْ يَعُودُوا مُلْزَمِينَ بِخِتَانِ ذُرِّيَّتِهِمْ. أَمَّا يَعْقُوبُ فَكَانَ مُلْزَمًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ مِنْ جَمِيعِ أَبْنَائِهِ تَكَوَّنَتْ عَائِلَةُ إِبْرَاهِيمَ (أَيْ شَعْبُ اللهِ الَّذِي مِنْهُ سَيُولَدُ الْمَسِيحُ) الْمُلْتَزِمَةُ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَدُومِيِّينَ وَالسَّرَاقِنَةَ وَالْعَمُّونِيِّينَ وَشُعُوبًا أُخْرَى أَيْضًا اتَّخَذُوا الْخِتَانَ — لَا بِوَصْفِهِ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ النَّامُوسِ الْقَدِيمِ بِنِيَّةِ اعْتِنَاقِ الشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ (لِأَنَّهُمْ عِنْدَئِذٍ كَانُوا سَيَلْتَزِمُونَ بِهَا)، بَلْ مُجَرَّدَ عَادَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَقْلِيدًا لِأَجْدَادِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا مُلْزَمِينَ بِالشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ.
فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، مِنَ الْمُحْتَمَلِ جِدًّا — كَمَا يُعَلِّمُ سِبَاسْتِيَانُ أُسْقُفُ أُوزْمَا، وَمِنْهُ فْرَنْسِيسْكُو سُوَارِيزُ، الْجُزْءُ ٣، السُّؤَالُ ٧٠، التَّمْيِيزُ ٢٩، الْقِسْمُ ٢ — أَنَّ الْخِتَانَ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عِلَاجًا تُغْفَرُ بِهِ الْخَطِيئَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَاعْتِرَافًا بِالْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ الْآتِي، كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَاحًا عِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ. فَكَانَ بِإِمْكَانِهِمِ اخْتِيَارُ هَذِهِ الْعَلَامَةِ مِنْ بَيْنِ غَيْرِهَا، وَكَانَتْ بِلَا شَكٍّ صَالِحَةً لِهَذَا الْأَثَرِ إِنْ فُعِلَتْ بِتِلْكَ النِّيَّةِ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ بِنِيَّةِ اعْتِنَاقِ الْيَهُودِيَّةِ وَالِانْضِمَامِ إِلَى ذَلِكَ الشَّعْبِ. فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ كَانُوا يُطَهَّرُونَ مِنَ الْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْخِتَانِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِالشَّرِيعَةِ الْمُوسَوِيَّةِ.
«كُلُّ ذَكَرٍ.» — لِذَلِكَ أَخْطَأَ سْتْرَابُو فِي الْكِتَابِ ١٧ حِينَ ظَنَّ أَنَّ النِّسَاءَ أَيْضًا كُنَّ يُخْتَنَّ. لِأَنَّ الْخِتَانَ أُعْطِيَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لِهَذَا الْغَرَضِ: أَنْ يُمَيَّزَ بِهِ شَعْبُ إِبْرَاهِيمَ كَعَلَامَةٍ عَنْ سَائِرِ الْأُمَمِ؛ وَهَذَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشُّعُوبِ يُؤْخَذُ مِنَ الذُّكُورِ لَا مِنَ الْإِنَاثِ.
الْآيَةُ ١١: لَحْمُ الْغُرْلَةِ
«فَتَخْتِنُونَ لَحْمَ غُرْلَتِكُمْ.» — قَدْ تَسْأَلُ لِمَاذَا أَسَّسَ اللهُ الْخِتَانَ فِي هَذَا الْعُضْوِ بِالذَّاتِ. أُجِيبُ أَوَّلًا: لِأَنَّ فِي هَذَا الْعُضْوِ أَحَسَّ آدَمُ أَوَّلًا بِأَثَرِ عِصْيَانِهِ وَتَمَرُّدِ الْجَسَدِ.
ثَانِيًا: لِأَنَّ بِهَذَا الْعُضْوِ نُولَدُ وَتَنْتَقِلُ الْخَطِيئَةُ الْأَصْلِيَّةُ الَّتِي يُعَالِجُهَا الْخِتَانُ.
ثَالِثًا: لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ الْفَادِيَ وَمُؤَسِّسَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ سَيُولَدُ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ.
مَجَازِيًّا: كَانَ الْخِتَانُ رَمْزًا لِلْمَعْمُودِيَّةِ وَالتَّوْبَةِ؛ وَأَخْلَاقِيًّا: لِإِمَاتَةِ الشَّهْوَةِ وَجَمِيعِ الرَّذَائِلِ؛ وَاسْتِشْرَافِيًّا: لِلْقِيَامَةِ الَّتِي سَتَقَعُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، أَيْ فِي الْعَصْرِ الثَّامِنِ وَالْحِقْبَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ، حَيْثُ يُقْطَعُ كُلُّ فَسَادِ الْجَسَدِ وَالطَّبِيعَةِ. انْظُرْ رُوبِرْتُسَ وَأُورِيجَانُوسَ، الْعِظَةُ ٣. وَانْظُرْ أَيْضًا بَارَّادِيُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ خِتَانِ الْمَسِيحِ.
الْآيَةُ ١٢: اِبْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ
«اِبْنُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ.» — لَاحِظْ أَنَّ الْيَوْمَ الثَّامِنَ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّ الطِّفْلَ قَبْلَهُ يَكُونُ رَقِيقًا جِدًّا وَغَيْرَ مُؤَكَّدِ الْبَقَاءِ، كَمَا يُعَلِّمُ فْرَنْسِيسْكُو فَالِّيسُ نَقْلًا عَنْ جَالِينُوسَ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمُقَدَّسَةِ، الْإِصْحَاحِ ١٨.
مُلَاحَظَةٌ: لَوْ كَانَ الطِّفْلُ فِي خَطَرِ الْمَوْتِ قَبْلَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ، لَأَمْكَنَ إِنْقَاذُهُ بِنَفْسِ الطُّرُقِ الَّتِي كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ لِلْإِنَاثِ، بِوَسَائِلِ وَطُقُوسِ شَرِيعَةِ الطَّبِيعَةِ.
مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: لِسَبَبٍ مَشْرُوعٍ كَانَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْخِتَانِ بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ، كَمَا تَأَخَّرَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِسَبَبِ التِّرْحَالِ الْمُسْتَمِرِّ (يَشُوعُ ٥: ٦). هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيتُسُ وَيُوسِيفُوسُ.
«يُخْتَنُ.» — يَرَى بَعْضُهُمْ مِثْلُ الْقِدِّيسِ أَغُسْطِينُوسَ وَالْقِدِّيسِ بِرْنَارْدُسَ وَمَعْلَمِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَخْتِنُونَ بِسِكِّينٍ حَجَرِيَّةٍ؛ فَقَدِ اسْتَخْدَمَ مُوسَى مِثْلَ هَذِهِ فِي الْخُرُوجِ ٤، وَيَشُوعُ فِي الْإِصْحَاحِ ٥.
لَكِنْ لَا شَيْءَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَأْمُورٌ بِهِ هُنَا. بَلْ يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ يُوسْتِينُوسُ فِي كِتَابِهِ «ضِدَّ تْرِيفُونَ» أَنَّ الْيَهُودَ فِي زَمَانِهِ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا حَجَرًا بَلْ سِكِّينًا حَدِيدِيَّةً لِلْخِتَانِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا — أَوْ بِالْأَحْرَى تُومَا الْإِنْجِلِيزِيُّ — وَلِيرَا وَتُوسْتَاتُوسُ وَغَيْرُهُمْ.
«الْمَوْلُودُ فِي الْبَيْتِ وَالْمُشْتَرَى يُخْتَنَانِ، وَكُلُّ مَنْ (عَبْدُكَ) لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ.» — الْعِبْرِيَّةُ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ أَكْثَرَ بِتَغْيِيرِ تَرْتِيبِ الْكَلِمَاتِ هَكَذَا: «كُلُّ عَبْدٍ مَوْلُودٍ فِي الْبَيْتِ وَكُلُّ عَبْدٍ مُشْتَرًى لَيْسَ مِنْ نَسْلِكَ يُخْتَنُ خِتَانًا.»
وَهُنَا ثَلَاثَةُ تَفْسِيرَاتٍ وَآرَاءٍ. الْأَوَّلُ: رَأْيُ كَاجِتَانَ وَلِيبُومَانُوسَ وَلِيرَا وَالْقِدِّيسِ أَمْبِرُوسِيُوسَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَنْتَمُونَ إِلَى بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ — حَتَّى الْعَبِيدَ وَالْخَدَمَ الْأَحْرَارَ أَيْضًا — كَانُوا مُلْزَمِينَ هُنَا بِالْخِتَانِ. الثَّانِي: رَأْيُ بِيرِيرِيُوسَ وَسُوتُو وَالْإِسْكَنْدَرِ الْحَالِيِّ وَبُونَافَنْتُورَا وَرُوبِرْتُسَ: أَنَّ أَيَّ عَبْدٍ بَالِغٍ لَمْ يَكُنْ مُلْزَمًا هُنَا بِخِتَانِ نَفْسِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَّا إِنْ وَافَقَ طَوْعًا. وَيَمِيلُ سُوَارِيزُ إِلَى هَذَا الرَّأْيِ (الْجُزْءُ ٣، السُّؤَالُ ٧٠، الْمَادَّةُ ٢، التَّمْيِيزُ ٢٩، الْقِسْمُ ٢)، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: «الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى يُخْتَنُ»، أَيْ يَجُوزُ أَنْ يُخْتَنَ إِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى شَعْبِكَ وَأَنْ يَصِيرَ يَهُودِيًّا. الثَّالِثُ: الرَّأْيُ الْأَكْثَرُ تَوَافُقًا مَعَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَهُوَ رَأْيُ أَبُولِنْسِسَ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْعَبِيدَ — لَا الْخَدَمَ الْأَحْرَارَ وَلَا الْأُجَرَاءَ، بَلِ الْمَمْلُوكِينَ لِلْعِبْرَانِيِّينَ — حَتَّى لَوْ كَانُوا أَجَانِبَ أُجْبِرُوا عَلَى الْخِتَانِ، سَوَاءٌ كَانُوا مَوْلُودِينَ فِي الْبَيْتِ أَوْ مُشْتَرَيْنَ (وَيُدْرَجُ تَحْتَ هَذِهِ الْفِئَةِ أَيْضًا أَسْرَى الْحَرْبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ). وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَغْرَبٍ: فَكَمَا يَقُولُ أَرِسْطُو فِي الْكِتَابِ ٥ مِنَ الْأَخْلَاقِ، الْعَبْدُ مِلْكُ سَيِّدِهِ؛ وَكَمَا تُبَيِّنُ الْعِبْرِيَّةُ هُنَا، الْعَبْدُ هُوَ قِيمَةُ سَيِّدِهِ أَوْ مِلْكُهُ بِالْمَالِ، إِذْ أَنَّهُ يُشْتَرَى بِالْمَالِ فَيَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ كَالْمَالِ. ثَانِيًا: لِأَنَّ كَلِمَةَ «يُخْتَنُ» تَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ تُضْعِفُهُ لَوْ أَضَفْتَ «إِنْ أَرَادَ»؛ فَإِنَّ مَا يُذْكَرُ هُنَا هُوَ شَرِيعَةٌ بِشَأْنِ الْخِتَانِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فِي الْعِبْرِيَّةِ «هِمُّولْ يِمُّولْ»، «خِتَانًا يُخْتَنُ»، أَيْ يُخْتَنُ قَطْعًا. وَيَبْدُو أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فَهِمَ أَمْرَ اللهِ هَذَا بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٣ حَيْثُ يُقَالُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَتَنَ إِسْمَاعِيلَ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ «كَمَا أَمَرَهُ اللهُ.» فَالْخِتَانُ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ إِبَاحَةٍ لِلْعَبِيدِ بَلْ أَمْرًا. فَكَمَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ كَذَلِكَ فَرَضَهُ عَلَى عَبِيدِهِمْ لِأَنَّهُمْ مِلْكُ أَسْيَادِهِمْ. لَا سِيَّمَا لِأَنَّ الْخِتَانَ وَالْيَهُودِيَّةَ كَانَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نَفْعًا وَشَرَفًا لِلْعَبِيدِ: إِذْ بِهِ يُلْحَقُونَ بِعَائِلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَشَعْبِ اللهِ. ثَالِثًا: لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَجِيرِ — وَهُوَ فَرْقٌ يُقِيمُهُ اللهُ فِي الْخُرُوجِ ١٢: ٤٤. فَالْأُجَرَاءُ أَيْضًا كَانَ بِإِمْكَانِهِمْ أَنْ يَخْتَتِنُوا إِنْ أَرَادُوا وَبِذَلِكَ يَأْكُلُونَ الْفِصْحَ. فَالْفَرْقُ إِذَنْ كَانَ أَنَّ الْعَبِيدَ مُلْزَمُونَ بِالْخِتَانِ لَا الْأُجَرَاءُ. وَسَبَبُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ بَيْتَ إِبْرَاهِيمَ كُلَّهُ يُكَرَّسُ لِلَّهِ، وَأَنْ تَنْتَشِرَ عِبَادَةُ اللهِ وَالْإِيمَانُ وَالْخَلَاصُ إِلَى أَكْبَرِ عَدَدٍ — إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَحَبَّةِ وَالطَّوْعِ فَعَلَى الْأَقَلِّ بِالْخَوْفِ وَالْإِلْزَامِ. فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَصْرًا وَشَرِيعَةً لَا لِلْأَبْنَاءِ بَلْ لِلْعَبِيدِ. وَأَخِيرًا: إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَذُرِّيَّتُهُ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَشْكُوا مِنْ فَرْضِ هَذَا الْعِبْءِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ، فَكَيْفَ يَشْكُو عَبِيدُ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُ؟
الْآيَةُ ١٤: تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ
«تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ مِنْ شَعْبِهَا.» — يُفَسِّرُهَا الْعِبْرَانِيُّونَ هَكَذَا، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ يُخْتَنْ أَحَدُ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ سَيَمُوتُ قَبْلَ سَنَتِهِ الْخَمْسِينَ وَبِلَا أَوْلَادٍ. وَيَرْوُونَ حُلْمًا بِأَنَّ هَذَا هُوَ مَا يَحْدُثُ — بَلْ إِنَّهُمْ يَخْتَلِقُونَ الْأَسَاطِيرَ.
ثَانِيًا: يَرَى دِيُودُورُسُ وَكَاجِتَانُ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا عَنِ الْبَالِغِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ يُؤْمَرُ هُنَا بِإِعْدَامِهِ مِنَ الْقُضَاةِ إِنْ أَهْمَلَ الْخِتَانَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَهْلِ بَيْتِهِ. لَكِنْ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ — وَلَا سِيَّمَا الْآيَةِ ١٢ — يَتَّضِحُ أَنَّ اللهَ يُهَدِّدُ بِعُقُوبَةِ الْمَوْتِ كُلَّ غَيْرِ مَخْتُونٍ، حَتَّى الْأَطْفَالَ.
ثَالِثًا: يُفَسِّرُهَا فَاتَابْلُوسُ هَكَذَا: «تُقْطَعُ تِلْكَ النَّفْسُ»، أَيْ لَا يُحْسَبُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ مِنْ شَعْبِي، وَلَا يُعْتَبَرُ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا وَارِثَ كَنْعَانَ وَسَائِرِ مَوَاعِيدِي. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَرِيكًا فِي آلَامِ الْمَسِيحِ الَّتِي رَمَزَ إِلَيْهَا الْخِتَانُ، وَبِالتَّالِي لَا يَنَالُ الْخِتَانَ الرُّوحِيَّ لِلْقَلْبِ الَّذِي تُحْدِثُهُ النِّعْمَةُ، وَلَا يَكُونُ وَارِثًا لِلْمَلَكُوتِ السَّمَاوِيِّ الَّذِي كَانَتْ كَنْعَانُ رَمْزَهُ — لِأَنَّهُ يَبْقَى فِي الْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي كَانَ الْخِتَانُ يُزِيلُهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ وَرُوبِرْتُسُ.
رَابِعًا: أَفْضَلُ مَعْنًى وَأَكْمَلُهُ يَنْتُجُ إِنْ جَمَعْتَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يُخْتَنْ — حَتَّى لَوْ كَانَ طِفْلًا — فَحِينَ يَبْلُغُ سِنَّ الرُّشْدِ يُعَاقَبُ بِالْمَوْتِ مِنَ الْقُضَاةِ، لِأَنَّهُ أَهْمَلَ الْخِتَانَ لَا فِي طُفُولَتِهِ بَلْ فِي شَبَابِهِ. فَحِينَئِذٍ، إِذْ صَارَ فِي سِنِّ التَّمْيِيزِ، كَانَ مُلْزَمًا بِأَنْ يُعَوِّضَ عَنْ إِهْمَالِ وَالِدَيْهِ وَيَسْعَى لِأَنْ يُخْتَنَ. وَأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي: «لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدِي»، أَيْ خَالَفَهُ — وَهُوَ مَا لَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ فِي طُفُولَتِهِ بَلْ فِي شَبَابِهِ حِينَ يَكُونُ فِي سِنِّ التَّمْيِيزِ.
ثَانِيًا: لِأَنَّ كَلِمَةَ «تُقْطَعُ» فِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ «نِكْرِتَا»، أَيْ «يُسْتَأْصَلُ.» وَالِاسْتِئْصَالُ مِنَ الشَّعْبِ هُوَ ذَاتُهُ الْقَتْلُ: فَبِطَرِيقَةٍ مُمَاثِلَةٍ يُؤْمَرُ بِاسْتِئْصَالِ مُنْتَهِكِ السَّبْتِ مِنَ الشَّعْبِ، أَيْ بِقَتْلِهِ مِنَ الْقُضَاةِ (الْعَدَدُ ١٥: ٣١ بِالْعِبْرِيَّةِ). هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْيَهُودَ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَانُوا يُعَاقِبُونَ بِالْمَوْتِ الْبَالِغِينَ الَّذِينَ أَهْمَلُوا الْخِتَانَ.
عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، رُوحِيًّا، بِالْمَوْتِ الْجَسَدِيِّ يُرْمَزُ هُنَا وَيُقْصَدُ الْمَوْتُ الرُّوحِيُّ لِلنَّفْسِ وَالْهَلَاكُ الْأَبَدِيُّ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يَنَلِ الْخِتَانَ — سَوَاءٌ كَانَ طِفْلًا (فَمَوْتُ النَّفْسِ يُمْكِنُ أَنْ يُوقِعَهُ اللهُ عَلَى الطِّفْلِ وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهُ قَاضٍ بَشَرِيٌّ) أَوْ أَهْمَلَهُ بَالِغًا. فَلِهَذَا السَّبَبِ يُقْطَعُ مِنْ عَائِلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمِنْ شَعْبِ اللهِ وَكَنِيسَتِهِ، وَبِالتَّالِي مِنَ الْمِيرَاثِ السَّمَاوِيِّ. لِذَلِكَ تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ: «الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ تُقْطَعُ نَفْسُهُ مِنْ شَعْبِهِ.» لَكِنَّ عِبَارَةَ «فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ» لَا تُوجَدُ فِي الْعِبْرِيَّةِ وَلَا فِي اللَّاتِينِيَّةِ، وَيَبْدُو أَنَّ أَحَدًا أَدْرَجَهَا. لِأَنَّهَا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى السَّابِقَ.
«لِأَنَّهُ نَقَضَ عَهْدِي» — بِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ فِي سِنِّ الشَّبَابِ، كَمَا قُلْتُ. ثَانِيًا: فِي الطُّفُولَةِ بِمَعْنًى غَيْرِ خَاصٍّ وَبِصِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّ عَهْدِي نُقِضَ وَخُولِفَ فِيهِ أَثْنَاءَ طُفُولَتِهِ — لَا بِذَنْبِهِ بَلْ بِذَنْبِ وَالِدَيْهِ أَوْ بِالْمُصَادَفَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ صِيغَةُ الْهِفْعِيلِ الْعِبْرِيَّةُ مُسْتَخْدَمَةً بِمَعْنَى الْقَالِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ (وَيَتْبَعُهُ رُوبِرْتُسُ) فِي الْكِتَابِ ١٦ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْإِصْحَاحِ ٢٧، وَالَّذِي — مَعَ ذَلِكَ — يَقْرَأُ «فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ» حَسَبَ السَّبْعِينِيَّةِ وَيَفْهَمُ الْعَهْدَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ الَّذِي أَبْرَمَهُ اللهُ مَعَ آدَمَ بِشَأْنِ عَدَمِ أَكْلِ الثَّمَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ — وَلِأَنَّ آدَمَ نَقَضَهُ هَلَكَ مَعَ ذُرِّيَّتِهِ وَتَحَمَّلَ دَيْنَ الْمَوْتِ الْأَبَدِيِّ. وَقَدْ وَقَعَ هَذَا الْمَوْتُ فِعْلًا عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ خَطِيئَةِ آدَمَ هَذِهِ بِالْخِتَانِ. لَكِنْ مِنَ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعَهْدُ الْمُبْرَمُ لَا مَعَ آدَمَ بَلْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ (الْآيَةُ ١٠)، الَّذِي كَانَتْ عَلَامَتُهُ الْخِتَانَ.
الْآيَةُ ١٥: سَارَةُ — تَغْيِيرُ الِاسْمِ
«لَا تَدْعُهَا سَارَايَ بَلْ سَارَةَ.» — «سَارَايْ» تَعْنِي «أَمِيرَتِي» أَوْ «سَيِّدَتِي»، أَيْ سَيِّدَةَ بَيْتِي. أَمَّا «سَارَةُ» فَتَعْنِي مُطْلَقًا «أَمِيرَةً» وَ«سَيِّدَةً»، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: حَتَّى الْآنَ كَانَتْ سَارَايُ سَيِّدَةَ زَوْجٍ وَاحِدٍ وَبَيْتٍ وَاحِدٍ؛ لَكِنَّهَا الْآنَ سَتَكُونُ سَارَةَ، أَيْ أَمِيرَةً وَسَيِّدَةً مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا سَتَكُونُ أُمًّا لِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ، بَلْ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مِنْ خِلَالِ إِسْحَاقَ الَّذِي سَتَلِدُهُ. فَمِنْ إِسْحَاقَ سَيُولَدُ الْمَسِيحُ الَّذِي سَيَكُونُ أَبَا جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِذَنْ سَتَكُونُ سَارَةُ جَدَّةً وَأُمًّا وَسَيِّدَةً وَأَمِيرَةً. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَمْبِرُوسِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا.
مُلَاحَظَةٌ: كَانَتِ الْعَادَةُ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ — وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْيُونَانِيِّينَ وَالرُّومَانِ — أَنَّ الزَّوْجَةَ تَدْعُو زَوْجَهَا «سَيِّدِي»، وَبِالْمُقَابِلِ الْأَزْوَاجُ يَدْعُونَ زَوْجَاتِهِمْ «سَيِّدَتِي»، وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُعَبِّرُونَ عَنِ الِاحْتِرَامِ وَالْمَحَبَّةِ الْمُتَبَادَلَيْنِ وَيُعَزِّزَانِهِمَا. فَسَارَةُ دَعَتْ إِبْرَاهِيمَ سَيِّدَهَا، وَهُوَ بِدَوْرِهِ دَعَاهَا سَارَةَ، أَيْ سَيِّدَتِي.
لَاحِظْ ثَانِيًا: حَرْفُ «هَاءْ» أُضِيفَ إِلَى «سَارَايْ» لِتَصِيرَ «سَارَةَ»؛ وَقَدْ ذَكَرْتُ السَّبَبَ فِي الْآيَةِ ٥.
مَجَازِيًّا: سَارَةُ — كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبِرُوسِيُوسُ — هِيَ رَمْزُ الْكَنِيسَةِ الَّتِي تَحْكُمُ أَبْنَاءَهَا وَجَمِيعَ الْأُمَمِ بِأَعْظَمِ حِكْمَةٍ.
الْآيَةُ ١٦: أُبَارِكُهَا
«أُبَارِكُهَا» — أَجْعَلُهَا، وَهِيَ عَاقِرٌ مُسِنَّةٌ، مُثْمِرَةً فَوْقَ الطَّبِيعَةِ بِمُعْجِزَةٍ، لِتَلِدَ إِسْحَاقَ.
«مُلُوكٌ» — أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرْتُهُمْ فِي الْآيَةِ ٦.
الْآيَةُ ١٧: ضَحِكَ إِبْرَاهِيمُ
«فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ، إِلَخْ، وَضَحِكَ قَائِلًا: أَيُولَدُ لِابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ ابْنٌ؟» — لَمْ يَشُكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي وَعْدِ اللهِ، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَإِيرُونِيمُوسُ، لِأَنَّ مُوسَى يَمْدَحُ إِيمَانَهُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٥، الْآيَةِ ٦، وَبُولُسُ فِي رُومِيَةَ ٤: ١٩. لَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ هِيَ كَلِمَاتُ نَفْسٍ مَسْرُورَةٍ مُبَارِكَةٍ مُنْدَهِشَةٍ مِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْبَرَكَةِ وَجِدَّتِهَا وَغَرَابَتِهَا. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ — لَا مِنْ عَدَمِ إِيمَانٍ كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ، بَلْ مِنْ أَعْمَقِ تَوَاضُعٍ وَإِجْلَالٍ، وَكَأَنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُولَدَ لَهُ إِسْحَاقُ مِنْ سَارَةَ — لَا يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ إِسْحَاقَ الَّذِي سَيُولَدُ، بَلْ مِنْ أَجْلِ إِسْمَاعِيلَ الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ، قَائِلًا: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَحْيَا أَمَامَكَ.» هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبِرُوسِيُوسُ وَأَغُسْطِينُوسُ وَرُوبِرْتُسُ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٦ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْإِصْحَاحِ ٢٩: «ضَحِكَةُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ ابْتِهَاجُ الْمُبَارِكِ لَا سُخْرِيَةُ الشَّاكِّ.»
وَيُضِيفُ كَاجِتَانُ وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَشُكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ أَوْ صِدْقِ الْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ، بَلْ هَلْ يَجِبُ فَهْمُ هَذَا الْوَعْدِ حَرْفِيًّا كَمَا يَبْدُو أَمْ مَجَازِيًّا أَوْ رَمْزِيًّا أَوْ لُغَزِيًّا. لَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ — بَلْ إِنَّ مُوسَى هُنَا وَبُولُسَ فِي رُومِيَةَ ٤: ١٩ يُوحِيَانِ بِالْعَكْسِ.
«أَيُولَدُ لِابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ ابْنٌ؟» — قَدْ تَسْأَلُ: هَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ بَلَغَ مِئَةَ سَنَةٍ عَاجِزًا عَنِ الْإِنْجَابِ عَجْزًا مُطْلَقًا، أَمْ نِسْبِيًّا فَقَطْ؟ يَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَجْزًا مُطْلَقًا مَعَ أَيِّ امْرَأَةٍ، وَبِالتَّالِي أُعِيدَتْ إِلَيْهِ عَافِيَتُهُ وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْإِنْجَابِ كَامِلَةً بِمُعْجِزَةٍ. يَسْتَدِلُّونَ بِأَنَّ الرَّسُولَ فِي رُومِيَةَ ٤: ١٩ يَصِفُ جَسَدَ إِبْرَاهِيمَ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ «مَيِّتٌ»؛ وَهَكَذَا شَرَحْتُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
لَكِنْ عِنْدَ التَّأَمُّلِ الْأَعْمَقِ، يَبْدُو لِي أَكْثَرَ رُجْحَانًا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَجْزًا مُطْلَقًا عَنِ الْإِنْجَابِ، بَلْ نِسْبِيًّا فَقَطْ — أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَوْجَتِهِ سَارَةَ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا كَانَتْ فِي التِّسْعِينَ وَقَدِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا. فَمِنِ امْرَأَةٍ كَهَذِهِ لَمْ يَكُنْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمِئَةِ قَادِرًا عَلَى الْإِنْجَابِ؛ لَكِنَّهُ كَانَ قَادِرًا مِنِ امْرَأَةٍ أَصْغَرَ. فَبَعْدَ وَفَاةِ سَارَةَ، حِينَ كَانَ فِي الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ، أَنْجَبَ سِتَّةَ أَوْلَادٍ مِنْ قَطُورَةَ لِأَنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً شَابَّةً قَوِيَّةً خَصِيبَةً. فَبِالنِّسْبَةِ لَهَا كَانَ لَا يَزَالُ يَمْلِكُ عَافِيَةً وَقُدْرَةً كَافِيَةً حَتَّى فِي تِلْكَ الشَّيْخُوخَةِ، لَكِنْ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ لِسَارَةَ — وَلِذَلِكَ يَنَالُ ذَلِكَ مِنَ اللهِ هُنَا بِمُعْجِزَةٍ.
وَيُثْبَتُ ذَلِكَ أَوَّلًا: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَاشَ ٧٥ سَنَةً بَعْدَ إِنْجَابِ إِسْحَاقَ؛ فَحِينَ أَنْجَبَ إِسْحَاقَ لَمْ تَكُنْ عَافِيَتُهُ الْحَيَوِيَّةُ — وَبِالتَّالِي قُدْرَتُهُ عَلَى الْإِنْجَابِ — مَيِّتَةً تَمَامًا. ثَانِيًا: كَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعِيشُونَ إِلَى الْمِئَتَيْنِ — كَمَا عَاشَ تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ ٢٠٣ سَنَوَاتٍ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا هَرِمِينَ عَاجِزِينَ عَنِ الْإِنْجَابِ فِي سَنَتِهِمُ الْمِئَةِ. وَإِلَّا لَكَانُوا هَرِمِينَ نِصْفَ حَيَاتِهِمْ وَعُمُرِهِمْ، وَهَذَا غَيْرُ مَأْلُوفٍ وَمُخَالِفٌ لِلطَّبِيعَةِ. ثَالِثًا: لِأَنَّ يَعْقُوبَ — حَفِيدَ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي كَانَ فِي أَعْمَالِ رَعْيِ الْقُطْعَانِ أَشَدَّ كَدًّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ — أَنْجَبَ بِنْيَامِينَ فِي سِنِّ ١٠٧، كَمَا سَأُبَيِّنُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٥، الْآيَةِ ١٨؛ فَإِبْرَاهِيمُ إِذَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِنْجَابِ فِي سِنِّ ١٠٠.
وَأَرُدُّ عَلَى الْحُجَّةِ بِأَنَّ الرَّسُولَ يَصِفُ جَسَدَ إِبْرَاهِيمَ بِأَنَّهُ «مَيِّتٌ» لَا مُطْلَقًا بَلْ نِسْبِيًّا — أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ سَارَةَ، وَلِذَلِكَ يُضِيفُ: «وَمَوَاتَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ.» فَكَلِمَةُ «وَ» يَجِبُ أَنْ تُفَسَّرَ ارْتِبَاطِيًّا وَمَعًا مَعَ «جَسَدِهِ الْمَيِّتِ.» فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ جَسَدَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ مَيِّتًا تَمَامًا إِذْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ٧٥ سَنَةً. فَالرَّسُولُ إِذَنْ يُشِيرُ إِلَى هَذَا النَّصِّ وَيَقُولُ مَا يُقَالُ هُنَا: أَيْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي الْمِئَةِ وَسَارَةَ فِي التِّسْعِينَ كَانَ جَسَدَاهُمَا «مَيِّتَيْنِ» بِمَعْنَى أَنَّهُمَا لَمْ يَقْدِرَا عَلَى الْإِنْجَابِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ؛ لَكِنْ مِنِ امْرَأَةٍ أَصْغَرَ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَادِرًا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ وَأُوشِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا.
مُلَاحَظَةٌ: اخْتَبَرَ اللهُ إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ وَرَجَاءَهُ وَصَبْرَهُ وَصَقَلَهَا، مُؤَجِّلًا النَّسْلَ الْمَوْعُودَ — وَهُوَ أَمْرٌ عَظِيمٌ — خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. فَقَدْ وَعَدَهُ بِهِ حِينَ كَانَ فِي الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ (الْإِصْحَاحُ ١٢، الْآيَةُ ٣)، لَكِنَّهُ يُحَقِّقُهُ هُنَا حِينَ بَلَغَ إِبْرَاهِيمُ الْمِئَةَ، حِينَ بَدَا الْأَمْرُ مُسْتَحِيلًا طَبِيعِيًّا.
الْآيَةُ ١٨: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ
«لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَحْيَا أَمَامَكَ.» — يُفَسِّرُهَا أَبُولِنْسِسُ بِطَرِيقَتَيْنِ. أَوَّلًا: تَعَجُّبًا، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا رَبُّ، مَا دُمْتَ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ لِي هَذَا الْخَيْرَ الْعَظِيمَ بِإِعْطَائِي إِسْحَاقَ، فَلْيَحْيَ إِسْمَاعِيلِي أَيْضًا أَمَامَكَ، أَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ. ثَانِيًا: يَقُولُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى أَنَّ اللهَ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ ابْنًا آخَرَ هُوَ إِسْحَاقُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْبَرَكَاتُ، خَشِيَ أَنَّ اللهَ يُرِيدُ قَتْلَ إِسْمَاعِيلَ أَوْ تَقْصِيرَ أَيَّامِهِ؛ فَصَلَّى مِنْ أَجْلِهِ قَائِلًا: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَحْيَا.» لَكِنْ كَمَا قُلْتُ قَبْلَ قَلِيلٍ، الْأَصَحُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ — مِنْ أَعْظَمِ تَوَاضُعٍ وَإِجْلَالٍ، إِذْ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ إِسْحَاقَ — صَلَّى مِنْ أَجْلِ إِسْمَاعِيلَ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَيْتَكَ عَلَى الْأَقَلِّ تَحْفَظُ إِسْمَاعِيلَ حَيًّا وَتُبَارِكُهُ كَمَا بَارَكْتَ إِسْحَاقَ فِي الْآيَةِ ١٦ الَّذِي تَعِدُ بِأَنَّهُ سَيُولَدُ لِي. لِيَحْيَ إِسْمَاعِيلِي — أَقُولُ — أَمَامَكَ، أَيْ لِيَكُنْ مَرْضِيًّا عِنْدَكَ وَيُطِعْ وَصَايَاكَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبِرُوسِيُوسُ وَفَاتَابْلُوسُ.
وَلِذَلِكَ، بِمَا أَنَّ اللهَ يَمْنَحُ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ وَيُوَافِقُ عَلَيْهِ فِي الْآيَةِ ٢٠، يَسْتَنْتِجُ الْعِبْرَانِيُّونَ مِنْ هُنَا بِوَجَاهَةٍ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ تَابَ وَكَانَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللهِ وَعَاشَ بِاسْتِقَامَةٍ وَعَدْلٍ وَخَلَصَ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا فِي الْإِصْحَاحِ ٢١، الْآيَةِ ٢٠، يُقَالُ إِنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ؛ وَفِي الْإِصْحَاحِ ٢٥، الْآيَةِ ١٧، بَعْدَ مَوْتِهِ يُقَالُ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ انْضَمَّ إِلَى شَعْبِهِ.
لَكِنَّ آخَرِينَ مِثْلَ لِيبُومَانُوسَ وَبِيرِيرِيُوسَ يَشُكُّونَ فِي خَلَاصِ إِسْمَاعِيلَ؛ وَكَذَلِكَ كَاجِتَانُ الَّذِي يَكْتُبُ: «إِسْمَاعِيلُ كَانَ أَوَّلَ إِنْسَانٍ يَنَالُ اسْمًا مِنَ اللهِ؛ وَمَعَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَدِيدَةِ وَغَيْرِ الْيَسِيرَةِ، لَا يُعْرَفُ هَلْ كَانَ صَالِحًا أَمْ طَالِحًا.»
الْآيَةُ ١٩: تَلِدُ سَارَةُ — إِسْحَاقُ
فِي الْعِبْرِيَّةِ تُضَافُ كَلِمَةُ «أَبَالْ»، «بَلْ» أَوْ «حَقًّا»، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ فَقَطْ سَيَعِيشُ إِسْمَاعِيلُ بَعْدَكَ، بَلْ سَتَلِدُ لَكَ سَارَةُ أَيْضًا إِسْحَاقَ.
إِسْحَاقُ. — إِسْحَاقُ يَعْنِي «الضَّحِكَ»، مِنَ الْجَذْرِ «تْسَاحَقْ» أَيْ «ضَحِكَ»: فَسُمِّيَ إِسْحَاقُ بِسَبَبِ ضَحِكِ إِبْرَاهِيمَ وَفَرَحِهِ حِينَ سَمِعَ مِنَ اللهِ أَنَّ ابْنًا سَيُولَدُ لَهُ (الْآيَةُ ١٧). وَبَعْدَ ذَلِكَ ضَحِكَتْ سَارَةُ أَيْضًا وَفَرِحَتْ بِمِيلَادِ هَذَا الِابْنِ فَكَرَّرَتْ هَذَا الِاسْمَ وَأَكَّدَتْهُ فِي الْإِصْحَاحِ ٢١، الْآيَةِ ٦ قَائِلَةً: «قَدْ صَنَعَ اللهُ لِي ضَحِكًا؛ كُلُّ مَنْ سَمِعَ يَضْحَكُ مَعِي.»
مَجَازِيًّا: كَانَ إِسْحَاقُ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي كَانَ فَرَحَ الْأَرْضِ كُلِّهَا وَضَحِكَهَا، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُسُ.
«أُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ.» — سَيَكُونُ إِسْحَاقُ وَارِثَ الْعَهْدِ الَّذِي أَبْرَمْتُهُ مَعَكَ، وَبِالتَّالِي كُلُّ مَا وَعَدْتُ بِهِ بِهَذَا الْعَهْدِ يَنْتَقِلُ إِلَى إِسْحَاقَ وَذُرِّيَّتِهِ لَا إِلَى إِسْمَاعِيلَ: مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أُعْطِيكَ وَذُرِّيَّتَكَ أَرْضَ كَنْعَانَ؛ وَأَكُونُ إِلَهًا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ وَهُمْ يَكُونُونَ شَعْبِي؛ وَأَنَّ فِي نَسْلِكَ (الْمَسِيحِ) تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الْأُمَمِ.
الْآيَةُ ٢١: مَعَ إِسْحَاقَ
«مَعَ إِسْحَاقَ» — أَيْ مَعَ إِسْحَاقَ. هَكَذَا يَقْرَأُ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ وَالْكَلْدَانِيُّ. «فِي هَذَا الْوَقْتِ» — أَيْ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ مِنَ السَّنَةِ. «الْمُقْبِلَةِ» — أَيِ الَّتِي تَلِي مُبَاشَرَةً.
الْآيَةُ ٢٢: صَعِدَ اللهُ
«صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.» — انْسَحَبَ الْمَلَاكُ الَّذِي كَانَ يُمَثِّلُ اللهَ عَنْ نَظَرِ إِبْرَاهِيمَ وَعَادَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَكَذَا فَعَلَ الْمَلَاكُ الظَّاهِرُ لِمَنُوحَ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ١٣: ٢٠.
الْآيَةُ ٢٣: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ
«فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ.» — لَاحِظْ هُنَا الطَّاعَةَ الْفَوْرِيَّةَ وَالسَّرِيعَةَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِجَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي خِتَانِ أَنْفُسِهِمْ: فَكَمَا كَانَ السَّيِّدُ كَذَلِكَ كَانَ الْعَبِيدُ؛ وَكَانَ عَدَدُهُمْ بِسُهُولَةٍ أَرْبَعَمِئَةٍ. يَقُولُ أَبُولِنْسِسُ: «الْمُطِيعُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَعْرِفُ التَّأْخِيرَ؛ وَلَا يَتَرَدَّدُ طَوِيلًا فِي الْفِعْلِ حِينَ يُعْطَى الْأَمْرُ، كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْفَاضِلَ حَقًّا لَا يَتَمَهَّلُ فِي الْبَقَاءِ بِلَا عَمَلٍ بَعْدَ أَخْذِ الْمَشُورَةِ، كَمَا يَقُولُ أَرِسْطُو فِي الْكِتَابِ ٦ مِنَ الْأَخْلَاقِ فِي فَصْلِ حُسْنِ الْمَشُورَةِ. فَالطَّاعَةُ وَحُسْنُ الْمَشُورَةِ فِي مَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ بَعْدَ التَّدَاوُلِ الْكَامِلِ لَا يَبْقَى سِوَى الْفِعْلِ، كَذَلِكَ حِينَ يُعْرَضُ الْأَمْرُ لَا يَبْقَى لِلْمُطِيعِ سِوَى التَّنْفِيذِ.»
وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُسُ فِي عِظَتِهِ «فِي فَضِيلَةِ الطَّاعَةِ»: «الْمُطِيعُ الْأَمِينُ»، يَقُولُ، «لَا يَعْرِفُ تَأْخِيرًا، يَفِرُّ مِنَ الْغَدِ؛ يَجْهَلُ التَّبَاطُؤَ، يَسْبِقُ الْآمِرَ؛ يُعِدُّ الْعُيُونَ لِلنَّظَرِ وَالْآذَانَ لِلسَّمْعِ وَاللِّسَانَ لِلْكَلَامِ وَالْيَدَيْنِ لِلْعَمَلِ وَالْقَدَمَيْنِ لِلْمَسِيرِ؛ يَجْمَعُ نَفْسَهُ كُلَّهُ لِيُتَمِّمَ إِرَادَةَ الْآمِرِ.» وَالْقِدِّيسُ بِنِدِكْتُسُ فِي قَانُونِهِ: «الطَّاعَةُ الْكَامِلَةُ تَتْرُكُ أَعْمَالَهَا غَيْرَ مُنْجَزَةٍ.» وَدَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ ١٧، الْآيَةِ ٤٥: «بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ الْأُذُنِ أَطَاعَنِي.» فَبُطْرُسُ وَأَنْدَرَاوُسُ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبُ لَمَّا دَعَاهُمُ الْمَسِيحُ تَرَكُوا كُلَّ شَيْءٍ فَوْرًا وَتَبِعُوهُ. وَهَكَذَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَقُولُ عَنْهُمُ الْمُرَنِّمُ: «الَّذِي يَجْعَلُ مَلَائِكَتَهُ أَرْوَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً.» وَهَكَذَا النُّجُومُ الَّتِي «لَمَّا دُعِيَتْ قَالَتْ: هَا نَحْنُ»؛ وَالْبُرُوقُ الَّتِي يَقُولُ اللهُ عَنْهَا لِأَيُّوبَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٨، الْآيَةِ ٣٥: «هَلْ تُرْسِلُ الْبُرُوقَ فَتَنْطَلِقَ؛ وَرَاجِعَةً تَقُولُ لَكَ: هَا نَحْنُ؟» اسْمَعُوا الْوَثَنِيِّينَ. قُورُشُ — حَسَبَ كْسِينُوفُونَ فِي الْكِتَابِ ٤ — يَمْدَحُ الْجُنْدِيَّ خْرِيسَانْتَاسَ الَّذِي كَانَ فِي الْمَعْرَكَةِ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَضْرِبَ الْعَدُوَّ بِسَيْفِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الِانْسِحَابِ لَمْ يُوَجِّهِ الضَّرْبَةَ؛ وَلَمَّا سُئِلَ لِمَاذَا عَفَا عَنِ الْعَدُوِّ أَجَابَ: «لِأَنَّ طَاعَةَ الْقَائِدِ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ الْعَدُوِّ.» اسْمَعُوا الْفَيْلَسُوفَ كْلِيَانْثِسَ كَمَا يَنْقُلُ عَنْهُ سِينِيكَا فِي الرِّسَالَةِ ١٠٦: «قُدْنِي أَيُّهَا الْآبُ، وَأَنْتَ يَا حَاكِمَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَا، حَيْثُمَا شِئْتَ: لَا تَأْخِيرَ فِي الطَّاعَةِ؛ هَا أَنَا ذَا مُتَحَمِّسٌ.»
الْآيَةُ ٢٥: ثَلَاثَ عَشْرَةَ
«ثَلَاثَ عَشْرَةَ.» — وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ السَّرَاقِنَةَ — اقْتِدَاءً بِأَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ — يَخْتَتِنُونَ فِي سِنِّ ١٣، كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ فِي الْكِتَابِ ١، الْإِصْحَاحِ ١٢. لَكِنَّهُمْ بِذَلِكَ لَا يَحْفَظُونَ شَرِيعَةَ اللهِ الَّتِي تَأْمُرُ بِأَنْ يُخْتَنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، الْآيَةُ ١٢.
لِلْمَعْنَى الصُّوفِيِّ لِهَذَا الْإِصْحَاحِ، رَاجِعْ رُوبِرْتُسَ فِي الْكِتَابِ ٥، مِنَ الْإِصْحَاحِ ٢٨ إِلَى ٣٨.