كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

سِفْرُ التَّكْوِينِ، الفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ


فِهْرِسُ المُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الفَصْلِ

حَبِلَتْ هَاجَرُ مِنْ أَبْرَامَ؛ فَتَكَبَّرَتْ مِنْ ذَلِكَ، وَأُذِلَّتْ، وَفَرَّتْ إِلَى الصَّحْرَاءِ؛ وَهُنَاكَ، فِي الآيَةِ ٧، عَزَّاهَا المَلَاكُ وَأَمَرَهَا بِالرُّجُوعِ، وَوَعَدَهَا فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ بِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَوَصَفَهُ لَهَا: وَعِنْدَ عَوْدَتِهَا، فِي الآيَةِ ١٥، وَلَدَتْهُ هَاجَرُ.


نَصُّ الفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٦: ١-١٦

١. وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَكُنْ تَلِدُ لَهُ؛ وَكَانَ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ، ٢. فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: هَا إِنَّ الرَّبَّ قَدْ أَغْلَقَنِي عَنِ الوِلَادَةِ؛ اُدْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي، لَعَلِّي أَرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ. وَلَمَّا رَضِيَ بِطَلَبِهَا، ٣. أَخَذَتْ سَارَايُ هَاجَرَ المِصْرِيَّةَ جَارِيَتَهَا، بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مِنْ إِقَامَتِهِمْ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَعْطَتْهَا لِزَوْجِهَا زَوْجَةً. ٤. فَدَخَلَ عَلَيْهَا. فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ، اسْتَخَفَّتْ بِسَيِّدَتِهَا. ٥. فَقَالَتْ سَارَايُ لِأَبْرَامَ: أَنْتَ تَظْلِمُنِي. أَنَا أَعْطَيْتُ جَارِيَتِي فِي حِضْنِكَ، وَهِيَ إِذْ رَأَتْ أَنَّهَا حَبِلَتْ تَحْتَقِرُنِي. لِيَحْكُمِ الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. ٦. فَأَجَابَهَا أَبْرَامُ: هَا جَارِيَتُكَ فِي يَدِكَ؛ افْعَلِي بِهَا مَا يَحْلُو لَكِ. وَلَمَّا أَذَلَّتْهَا سَارَايُ هَرَبَتْ. ٧. وَلَمَّا وَجَدَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ عِنْدَ عَيْنِ مَاءٍ فِي البَرِّيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي عَلَى طَرِيقِ شُورَ فِي الصَّحْرَاءِ، ٨. قَالَ لَهَا: يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ جِئْتِ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبِينَ؟ فَأَجَابَتْ: أَنَا هَارِبَةٌ مِنْ وَجْهِ سَارَايَ سَيِّدَتِي. ٩. فَقَالَ لَهَا مَلَاكُ الرَّبِّ: ارْجِعِي إِلَى سَيِّدَتِكِ، وَتَوَاضَعِي تَحْتَ يَدِهَا. ١٠. ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ نَسْلَكِ، فَلَا يُعَدُّ مِنَ الكَثْرَةِ. ١١. وَأَضَافَ: هَا أَنْتِ حَامِلٌ وَسَتَلِدِينَ ابْنًا؛ وَتَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ الرَّبَّ سَمِعَ مِحْنَتَكِ. ١٢. وَيَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا: يَدُهُ عَلَى الجَمِيعِ، وَأَيْدِي الجَمِيعِ عَلَيْهِ؛ وَيَنْصِبُ خِيَامَهُ تُجَاهَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ. ١٣. فَدَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَهَا: أَنْتَ إِلَهٌ يَرَانِي. فَقَالَتْ: أَحَقًّا رَأَيْتُ هُنَا قَفَا الَّذِي يَرَانِي. ١٤. لِذَلِكَ دَعَتْ تِلْكَ البِئْرَ بِئْرَ الحَيِّ الرَّائِي. وَهِيَ بَيْنَ قَادِشَ وَبَارَدَ. ١٥. فَوَلَدَتْ هَاجَرُ لِأَبْرَامَ ابْنًا، فَدَعَا اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ. ١٦. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً حِينَ وَلَدَتْ لَهُ هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ.


الآيَةُ ٢: أَغْلَقَنِي الرَّبُّ — اُدْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي

«أَغْلَقَنِي الرَّبُّ.» لَاحِظِ التَّعْبِيرَ العِبْرَانِيَّ: فَتْحُ الرَّحِمِ يَعْنِي الإِخْصَابَ وَإِعْطَاءَ النَّسْلِ؛ وَبِالعَكْسِ، إِغْلَاقُ الرَّحِمِ أَوِ المَرْأَةِ يَعْنِي جَعْلَهَا عَاقِرًا وَحِرْمَانَهَا مِنَ الحَبَلِ وَالنَّسْلِ.

«اُدْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي» — أَيْ كَزَوْجٍ عَلَى زَوْجَتِكَ، الَّتِي بِهَذَا الدُّخُولِ، أَيْ بِالاتِّحَادِ الزَّوْجِيِّ، تَضُمُّهَا إِلَيْكَ فِي الزَّوَاجِ.

يَنْتَقِدُ كَالْفِنُ هُنَا سَارَةَ بِاعْتِبَارِهَا قَوَّادَةً وَأَبْرَامَ بِاعْتِبَارِهِ زَانِيًا مَعَ جَارِيَتِهِ هَاجَرَ. لَكِنَّ كِلَيْهِمَا يُعْذِرُهُمَا القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، وَالقِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ، وَالقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، وَيُوسِيفُوسُ، وَالقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَغَيْرُهُمْ. فَإِنَّ أَبْرَامَ لَمْ يَتَّخِذْ هَاجَرَ سُرِّيَّةً، بَلْ تَزَوَّجَهَا هُنَا زَوْجَةً ثَانَوِيَّةً؛ إِذْ كَانَ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ حِينَئِذٍ مُبَاحًا. وَلَمْ تَكُنِ الشَّهْوَةُ بَلِ الرَّجَاءُ وَالرَّغْبَةُ فِي النَّسْلِ وَالذُّرِّيَّةِ هُمَا مَا حَرَّكَ سَارَةَ وَأَبْرَامَ كِلَيْهِمَا. وَيَقُولُ القِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ بَدِيعًا فِي الكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الفَصْلِ ٢٥، عَنْ أَبْرَامَ: «يَا لَلرَّجُلِ الَّذِي يَتَعَامَلُ مَعَ النِّسَاءِ تَعَامُلَ الرِّجَالِ — مَعَ زَوْجَتِهِ بِاعْتِدَالٍ، وَمَعَ جَارِيَتِهِ بِطَاعَةٍ، وَمَعَ لَا وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِإِسْرَافٍ!»

وَيُضِيفُ يُوسِيفُوسُ أَنَّ سَارَةَ، إِذْ نَبَّهَهَا اللهُ، حَثَّتْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الزَّوَاجِ بِهَاجَرَ. وَيُلَمِّحُ القِدِّيسُ أَغُسْطِينُسُ إِلَى الأَمْرِ نَفْسِهِ فِي الكِتَابِ العَاشِرِ «ضِدَّ فَاوُسْتُسَ»، الفَصْلِ ٣٢.

وَلَاحِظْ هُنَا أَوَّلًا إِيمَانَ سَارَةَ وَتَقْوَاهَا، إِذْ نَسِيَتْ كَرَامَتَهَا الذَّاتِيَّةَ وَسَعَتْ لِكَيْ يَتَحَقَّقَ وَعْدُ اللهِ بِشَأْنِ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ. ثَانِيًا، حِكْمَتَهَا، إِذْ أَعْطَتْ زَوْجَهَا زَوْجَةً لَيْسَتْ غَرِيبَةً بَلْ جَارِيَةً، لِكَيْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تَنْسُبَ إِلَى نَفْسِهَا الأَوْلَادَ المَوْلُودِينَ مِنْهَا. ثَالِثًا، تَوَاضُعَهَا، إِذْ تَنَازَلَتْ طَوْعًا عَنْ حَقِّهَا وَفَضَّلَتِ الجَارِيَةَ عَلَى نَفْسِهَا: وَلِهَذَا السَّبَبِ اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُعَظِّمَهَا اللهُ بِحَبَلِ إِسْحَاقَ. رَابِعًا، مَحَبَّتَهَا لِزَوْجِهَا، لِكَيْ تُؤَمِّنَ نَسْلَهُ. خَامِسًا، عِفَّتَهَا، إِذْ لَمَّا رَأَتْ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ الحَبَلَ، لَمْ تَعُدْ تَشْتَهِي زَوْجَهَا. فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ كَانَتْ سَارَةُ أَقَلَّ كَمَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ: وَهُوَ أَنَّهَا تَعَجَّلَتْ فِي الحُصُولِ عَلَى النَّسْلِ، كَمَا تَفْعَلُ النِّسَاءُ عَادَةً. فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ حَقِيقِيٍّ يَنْتَظِرُ حَتَّى وَإِنْ تَأَخَّرَ الرَّبُّ. وَلِذَلِكَ عُوقِبَتْ فِي هَذَا الأَمْرِ بِعَيْنِهِ، أَيْ حِينَ احْتَقَرَتْهَا هَاجَرُ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ، رَغْمَ أَنَّهَا سَيِّدَتُهَا.

فَلْيَنْتَبِهْ لِهَذَا الآبَاءُ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الأَوْلَادَ بِرَغْبَةٍ مُفْرِطَةٍ: فَإِنَّهُمْ سَيُعَاقَبُونَ بِوَاسِطَتِهِمْ، حِينَ يَتَحَوَّلُ أَوْلَادُهُمْ إِلَى مَنْ لَا يَخْلُقُونَ لِوَالِدَيْهِمْ سِوَى المَتَاعِبِ وَالشَّقَاءِ، حَتَّى يَتَمَنَّوْا أَحْيَانًا أَنَّهُمْ لَمْ يُولَدُوا قَطُّ.

«وَلَمَّا رَضِيَ بِطَلَبِهَا.» لَاحِظْ هُنَا عِفَّةَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إِلَى الزَّوَاجِ بِهَاجَرَ إِلَّا بِتَوَسُّلَاتِ سَارَةَ، وَحَتَّى ذَلِكَ عَلَى مَضَضٍ.

«أَرْزَقُ بَنِينَ.» العِبْرَانِيُّ هُوَ «أُبْنَى»، أَيْ أَبْنِي بَيْتِي. وَآخَرُونَ يَشْتَقُّونَ الكَلِمَةَ العِبْرَانِيَّةَ مِنْ «بِنْ» (ابْنٌ) وَيُتَرْجِمُونَهَا «أَحْصُلُ عَلَى ابْنٍ مِنْهَا».


الآيَةُ ٣: هَاجَرُ المِصْرِيَّةُ

يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ فِرْعَوْنَ أَهْدَى هَاجَرَ لِإِبْرَاهِيمَ حِينَ كَانَ مُقِيمًا فِي مِصْرَ، الفَصْلِ ١٢، الآيَةِ ١٦. وَيُضِيفُ فِيلُونُ أَنَّهَا اهْتَدَتْ إِلَى الإِيمَانِ الحَقِّ وَعِبَادَةِ اللهِ الحَقِيقِيِّ عَلَى يَدِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ، سَوَاءٌ بِالكَلِمَةِ أَوْ بِقُدْوَةِ حَيَاتِهِمَا القِدِّيسَةِ (وَيُضِيفُ العِبْرَانِيُّونَ: أَيْضًا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا اللهُ بَلَاطَ فِرْعَوْنَ بِسَبَبِ اخْتِطَافِ سَارَةَ، الفَصْلِ ١٢، الآيَةِ ١٦): وَفَوْقَ ذَلِكَ أَنَّ أَبْرَامَ امْتَنَعَ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّهَا حَبِلَتْ.

«بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا» — أَيْ مُنْذُ أَنْ بَدَأُوا الإِقَامَةَ.


الآيَةُ ٥: أَنْتَ تَظْلِمُنِي — لِيَحْكُمِ الرَّبُّ

«أَنْتَ تَظْلِمُنِي.» بِالعِبْرَانِيَّةِ: ظُلْمِي (الَّذِي تُلْحِقُهُ بِي جَارِيَتِي) عَلَيْكَ، أَيْ يُنْسَبُ إِلَيْكَ: لِأَنَّكَ لَا تُؤَدِّبُ هَاجَرَ جَارِيَتِي الَّتِي تَتَطَاوَلُ عَلَيَّ، بَلْ تَتَحَمَّلُهَا. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ.

«لِيَحْكُمِ الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.» فِي قَضِيَّتِي وَقَضِيَّتِكَ، هَلْ مِنَ العَدْلِ حَقًّا أَنْ أَتَحَمَّلَ هَذَا الظُّلْمَ وَأَنْ تَتَغَاضَى عَنْهُ أَنْتَ. اُنْظُرْ هُنَا كَمْ هِيَ غَيْرُ مَوْثُوقَةٍ وَمُخَادِعَةٌ مَشُورَاتُ البَشَرِ، لِنَتَعَلَّمَ أَنْ لَا نَثِقَ بِأَنْفُسِنَا بَلْ بِاللهِ. أَوَّلًا، رَجَتْ سَارَةُ النَّسْلَ المَوْعُودَ مِنْ هَاجَرَ، لَكِنَّهَا خَابَتْ. ثَانِيًا، ظَنَّتْ أَنَّهَا بِالزَّوَاجِ سَتَرْبِطُ هَاجَرَ بِهَا أَكْثَرَ؛ لَكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا وَجَدَتْهَا مُتَمَرِّدَةً. هَكَذَا الجَوَارِي وَالعَبِيدُ إِذَا رُفِعُوا تَمَرَّدُوا عَلَى أَسْيَادِهِمْ. يَقُولُ سِفْرُ الأَمْثَالِ ٢٩: ٢١: «مَنْ يُدَلِّلُ عَبْدَهُ مِنْ صِغَرِهِ يَجِدْهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ عَاصِيًا»؛ وَالفَصْلُ ٣٠، الآيَةُ ٢١: «مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ تَضْطَرِبُ الأَرْضُ، وَرَابِعٌ لَا تَسْتَطِيعُ احْتِمَالَهُ: مِنْ عَبْدٍ إِذَا مَلَكَ؛ وَمِنْ أَحْمَقَ إِذَا شَبِعَ خُبْزًا؛ وَمِنِ امْرَأَةٍ بَغِيضَةٍ إِذَا تَزَوَّجَتْ؛ وَمِنْ جَارِيَةٍ إِذَا وَرِثَتْ سَيِّدَتَهَا.» ثَالِثًا، مِنْ خِلَالِ كِبْرِيَاءِ الأُمِّ هَذَا تُنُبِّئَ بِشَرَاسَةِ الابْنِ الَّذِي سَيُولَدُ، وَالَّذِي عَانَتْ مِنْهُ سَارَةُ بِاعْتِبَارِهِ مُضْطَهِدَ ابْنِهَا إِسْحَاقَ. اُنْظُرْ كَمْ تَسُوءُ عَاقِبَةُ الخُطَطِ المُتَسَرِّعَةِ وَالمُفْرِطَةِ فِي البَشَرِيَّةِ. هَكَذَا حِزْقِيَّا بِعَرْضِ كُنُوزِهِ كَانَ يَسْتَجْلِبُ صَدَاقَةَ البَابِلِيِّينَ؛ لَكِنَّهُ بِهَذِهِ الأَشْيَاءِ بِعَيْنِهَا أَثَارَهُمْ لِغَزْوِ مَمْلَكَتِهِ. هَكَذَا كُلَّ يَوْمٍ نَجِدُ أَشَدَّ خُصُومِنَا هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَالَغْنَا فِي مَدْحِهِمْ أَوْ تَرْقِيَتِهِمْ.


الآيَةُ ٦: جَارِيَتُكَ فِي يَدِكَ

«هَا جَارِيَتُكَ فِي يَدِكَ» — أَيْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَنْسُبِي إِلَيَّ ذَنْبَ غَيْرِي، بَلْ ذَنْبَكِ أَنْتِ. لَوْ كَانَ عَبْدًا لَكَبَحْتُهُ أَنَا؛ أَمَّا جَارِيَتُكِ فَعَامِلِيهَا كَمَا تَسْتَحِقُّ: فَهِيَ مِنِ اخْتِصَاصِكِ لَا اخْتِصَاصِي. «أَنَا أَعْرِفُ مَا أَدِينُ بِهِ لَكِ مِنَ الإِكْرَامِ: وَشَيْءٌ وَاحِدٌ فَقَطْ أَسْعَى إِلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونِي بِلَا حُزْنٍ وَلَا اضْطِرَابٍ، وَفِي كُلِّ إِكْرَامٍ،» يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، العِظَةُ ٣٨. وَيُضِيفُ تَعْلِيمًا أَخْلَاقِيًّا: «هَذِهِ هِيَ الرُّفْقَةُ الحَقِيقِيَّةُ، هَذَا هُوَ وَاجِبُ الزَّوْجِ، حِينَ لَا يُصْغِي بِدِقَّةٍ مُفْرِطَةٍ لِكَلَامِ زَوْجَتِهِ، بَلْ يَتَسَامَحُ بَعْضَ الشَّيْءِ مَعَ ضَعْفِ جِنْسِهَا، سَاعِيًا إِلَى هَدَفٍ وَاحِدٍ فَقَطْ: أَنْ يُزِيلَ الحُزْنَ مِنْ بَيْنِهِمَا، وَأَنْ يُوثِّقَ رَابِطَةَ السَّلَامِ وَالوِئَامِ أَكْثَرَ.» وَيُتَابِعُ: «لِكَيْ هِيَ أَيْضًا تَلْتَفِتَ إِلَى زَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ يَفِرَّ مِنَ الأَعْمَالِ وَالمَتَاعِبِ الخَارِجِيَّةِ وَالعَامَّةِ إِلَيْهَا كَمَا إِلَى مِينَاءٍ، وَيَجِدَ كُلَّ أَنْوَاعِ العَزَاءِ. فَإِنَّهَا أُعْطِيَتْ مُعِينَةً لَهُ،» إِلَى آخِرِهِ.

فَإِنْ قُلْتَ: تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، إِذَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ، وَلَا حَتَّى اللهُ، أَنْ يُعْفِيَ مِنْهَا أَوْ يُبِيحَهَا. يُنْكِرُ المُقَدِّمَةَ دُورَانْدُسُ فِي الكِتَابِ الرَّابِعِ، التَّمْيِيزِ ٣٣، وَأَبُولِنْسِيسُ فِي شَرْحِ مَتَّى الفَصْلِ ١٩. فَإِنَّهُمَا يَرَيَانِ أَنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ لَمْ يُحَرَّمْ إِلَّا بِالشَّرِيعَةِ الوَضْعِيَّةِ لِلمَسِيحِ فِي الإِنْجِيلِ، مَتَّى ١٩: ٦. لَكِنَّ سَائِرَ العُلَمَاءِ يُعَلِّمُونَ أَنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ مُحَرَّمٌ لَيْسَ فَقَطْ بِالشَّرِيعَةِ الوَضْعِيَّةِ بَلْ أَيْضًا بِالشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ. وَلِهَذَا يُسَمِّيهِ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الكِتَابِ الأَوَّلِ «عَنْ إِبْرَاهِيمَ»، الفَصْلِ ٤، زِنًى، لَكِنَّهُ أُبِيحَ فِي ذَلِكَ العَصْرِ بِسَبَبِ سِرِّهِ.

أُجِيبُ إِذَنْ بِإِنْكَارِ النَّتِيجَةِ: فَإِنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْفِيَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ ثَانَوِيَّةً، كَتِلْكَ الَّتِي تُحَرِّمُ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ. فَتَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ فِي ذَاتِهِ مُحَرَّمٌ إِلَّا إِذَا أَبَاحَتْهُ سُلْطَةٌ أَعْلَى، أَيِ السُّلْطَةُ الإِلَهِيَّةُ؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَلَالًا؛ فَإِنَّهُ شَرٌّ وَمُحَرَّمٌ فِي ذَاتِهِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يُعَارِضُ بَعْضَ الشَّيْءِ سَلَامَ الأُسْرَةِ وَحُسْنَ تَرْبِيَةِ الأَوْلَادِ الَّتِي يَلْتَزِمُ بِهَا الوَالِدَانِ: لَكِنَّ اللهَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَرِّرَ الوَالِدَيْنِ مِنْ هَذَا الِالْتِزَامِ وَيُعَوِّضَهُ بِوَسِيلَةٍ أُخْرَى وَخَيْرٍ أَعْظَمَ (مَثَلًا نَشْرِ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ). فَاللهُ إِذَنْ بِإِعْفَائِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ كَشَرِيعَةِ الزَّوْجَةِ الوَاحِدَةِ، لَا يَرْفَعُ الشَّرِيعَةَ بِقَدْرِ مَا يَرْفَعُ وَيُغَيِّرُ مَوْضُوعَ الشَّرِيعَةِ وَمَادَّتَهَا. فَحِينَ أَمَرَ هُوشَعَ أَنْ يَتَّخِذَ زَانِيَةً، جَعَلَ الزَّانِيَةَ زَوْجَةً لِهُوشَعَ. وَحِينَ أَمَرَ العِبْرَانِيِّينَ أَنْ يَسْلُبُوا المِصْرِيِّينَ، أَعْطَى أَمْوَالَ المِصْرِيِّينَ لِلعِبْرَانِيِّينَ، وَبِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ فِعْلُ هُوشَعَ زِنًى وَلَا فِعْلُ العِبْرَانِيِّينَ سَرِقَةً: لِأَنَّ اللهَ أَعْطَى هُوشَعَ حَقًّا عَلَى جَسَدِ مَنْ كَانَتْ قَبْلًا زَانِيَةً؛ وَلِلعِبْرَانِيِّينَ أَعْطَى حَقًّا عَلَى أَمْوَالِ المِصْرِيِّينَ. فَكَمَا وَهَبَ اللهُ لِلعِبْرَانِيِّينَ أَمْوَالَ المِصْرِيِّينَ، كَذَلِكَ أَعْفَى وَسَامَحَ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ فِي ذَلِكَ العَصْرِ مِنَ الِالْتِزَامِ بِتَأْمِينِ ذَلِكَ القَدْرِ مِنْ سَلَامِ الأُسْرَةِ وَمُلَاءَمَةِ تَرْبِيَةِ الأَوْلَادِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَيْهَا الطَّبِيعَةُ وَالَّتِي تَتَوَفَّرُ عَادَةً فِي الزَّوَاجِ بِوَاحِدَةٍ؛ وَبِالتَّالِي أَبَاحَ لَهُمُ اللهُ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ تَرْبِيَةُ الأَوْلَادِ أَقَلَّ مُلَاءَمَةً بَعْضَ الشَّيْءِ، وَسَلَامُ الأُسْرَةِ أَقَلَّ بَعْضَ الشَّيْءِ.

فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَطِيعُ فَقَطْ أَنْ يُهْمِلَ بَلْ أَنْ يُزَعْزِعَ وَيُشَتِّتَ، بَلْ يُهْلِكَ وَيَقْتُلَ أَيْضًا النَّسْلَ وَالأُسْرَةَ كُلَّهَا؛ وَذَلِكَ سَوَاءٌ بِوَاسِطَةِ أُنَاسٍ آخَرِينَ حَتَّى الوَالِدَيْنِ أَوْ بِنَفْسِهِ. فَهُوَ نَفْسُهُ السَّيِّدُ الأَعْلَى لِكُلِّ شَيْءٍ وَلِلطَّبِيعَةِ ذَاتِهَا. أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ: تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، إِذَا طَلَبَتْهُ الزَّوْجَةُ الأُولَى كَمَا طَلَبَتْهُ سَارَةُ هُنَا، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الأُمَّةِ وَنَشْرِ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ وَالدِّينِ، بِمُوَافَقَةِ اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ الطَّبِيعِيَّةَ، كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُونَ عُمُومًا مَعَ القِدِّيسِ تُومَا.

«وَلَمَّا أَذَلَّتْهَا سَارَايُ» — حِينَ عَاقَبَتْ سَارَةُ تَطَاوُلَهَا وَكَبَحَتْهُ.


الآيَةُ ٧: مَلَاكُ الرَّبِّ

أَرْسَلَ اللهُ هَذَا المَلَاكَ إِلَى هَاجَرَ، بِدَافِعِ صَلَوَاتِ هَاجَرَ كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ؛ أَوْ بِالأَحْرَى بِسَبَبِ اسْتِحْقَاقَاتِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ وَإِكْرَامًا لَهُ، لِكَيْ يَعْتَنِيَ بِنَسْلِهِ، أَيْ بِإِسْمَاعِيلَ.

«عَيْنٌ» — أَيْ بِئْرٌ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الآيَةِ ١٤. فَالكِتَابُ المُقَدَّسُ يُسَمِّي البِئْرَ عَيْنًا لِأَنَّ فِي الآبَارِ يَنْبُعُ المَاءُ وَيَتَدَفَّقُ.

«الَّتِي هِيَ.» أَيِ العَيْنُ فِي ذَلِكَ الجُزْءِ مِنَ الصَّحْرَاءِ الَّذِي يُسَافَرُ عَبْرَهُ مِنْ كَنْعَانَ مُرُورًا بِشُورَ إِلَى مِصْرَ: فَإِنَّ هَاجَرَ كَانَتْ تَقْصِدُ مِصْرَ وَهِيَ هَارِبَةٌ، إِذْ كَانَتْ وَطَنَهَا. وَيُسَمِّي السُّرْيَانُ هَذِهِ الصَّحْرَاءَ «أَجَارَا» نِسْبَةً إِلَى هَاجَرَ: وَمِنْهَا خَرَجَ الهَاجَرِيُّونَ، الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ أَيْضًا الإِسْمَاعِيلِيِّينَ نِسْبَةً إِلَى إِسْمَاعِيلَ، وَالسَّرَاسِنَةَ — لَا مِنْ سَارَةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا يَظُنُّ العَامَّةُ اسْتِنَادًا إِلَى القِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ: فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يُسَمَّوْا «سَارَانِيِّينَ»؛ وَإِنَّمَا مِنْ «سَارَاكَا» مَدِينَةٍ فِي بِلَادِ العَرَبِ، كَمَا يَقُولُ اسْتِفَانُوسُ: وَكَذَلِكَ كُوفَارُوفِيَاسُ، المُجَلَّدُ الثَّانِي، «قَرَارَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ»، الكِتَابُ الرَّابِعُ، الفَصْلُ ٩.


الآيَةُ ٨: هَاجَرُ، مِنْ أَيْنَ جِئْتِ؟

«يَا هَاجَرُ جَارِيَةَ سَارَايَ، مِنْ أَيْنَ جِئْتِ؟» يَسْأَلُ المَلَاكُ لَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، بَلْ لِيَسْتَدْرِجَ اعْتِرَافًا بِالخَطِيئَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَيْفَ أَلْقَيْتِ بِنَفْسِكِ مِنْ بَيْتٍ صَالِحٍ وَسَعِيدٍ كَبَيْتِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى هَذَا المَنْفَى التَّائِهِ البَائِسِ؟ هَكَذَا قَالَ اللهُ لِآدَمَ: «يَا آدَمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟» وَلِقَايِنَ: «مَاذَا فَعَلْتَ؟»


الآيَةُ ٩: تَوَاضَعِي تَحْتَ يَدِهَا

«تَوَاضَعِي تَحْتَ يَدِهَا» — أَيِ اخْضَعِي لِسُلْطَتِهَا وَتَأْدِيبِهَا. هَذِهِ هِيَ أَوَّلُ رُؤْيَا لِمَلَاكٍ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ. لَاحِظْ هُنَا أَنَّ عَمَلَ المَلَائِكَةِ وَوَظِيفَتَهُمْ هُوَ رَدُّ النَّاسِ كَعَبِيدٍ إِلَى اللهِ وَإِلَى أَسْيَادِهِمْ. وَمَرَّةً أُخْرَى، يَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ هَذِهِ النَّصِيحَةُ الحَكِيمَةُ مِنَ المَلَاكِ «تَوَاضَعِي تَحْتَ يَدِهَا» لِلجَوَارِي وَالعَبِيدِ المُتَمَرِّدِينَ وَالهَارِبِينَ.

مَجَازِيًّا، تَرْمُزُ هَاجَرُ إِلَى النَّفْسِ الخَاطِئَةِ التَّائِبَةِ، وَسَارَةُ إِلَى الكَنِيسَةِ، وَأَبْرَامُ إِلَى المَسِيحِ: وَتَتَصَالَحُ النَّفْسُ مَعَ المَسِيحِ مِنْ خِلَالِ الاعْتِرَافِ المُتَوَاضِعِ. اُنْظُرْ فِيرُوسَ هُنَا.


الآيَةُ ١٠: تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ

«تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ.» سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ كَثِيرًا مِنْ خِلَالِ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. هَكَذَا نَرَى أَنَّ الإِسْمَاعِيلِيِّينَ، أَوِ السَّرَاسِنَةَ، حَتَّى الآنَ قَدِ انْتَشَرُوا وَاحْتَلُّوا لَيْسَ فَقَطْ بِلَادَ العَرَبِ وَمِصْرَ وَمُورِيتَانِيَّا وَنُومِيدِيَا وَتُرْكِيَّا وَفَارِسَ وَأَرْمِينِيَّا، بَلْ أَيْضًا الهِنْدَ وَالشَّرْقَ كُلَّهُ تَقْرِيبًا بِأَعْدَادٍ هَائِلَةٍ.


الآيَةُ ١١: تَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ

«تَدْعِينَ اسْمَهُ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ اللهَ سَمِعَ مِحْنَتَكِ.» إِسْمَاعِيلُ إِذَنْ يَعْنِي «سَمَاعُ اللهِ»، أَوْ حَرْفِيًّا «سَمِعَ اللهُ». فَإِسْمَاعِيلُ هُوَ «شَمَعْ إِيلْ»، أَيْ «سَمِعَ اللهُ»، أَيْ سَمِعَ صَلَاتَكِ الَّتِي سَكَبْتِهَا حِينَ كُنْتِ تَتَأَلَّمِينَ.

وَيُلَاحِظُ أَبُولِنْسِيسُ وَبِيرِيرِيُوسُ بِحَقٍّ أَنَّ خَمْسَةً، بَلْ سِتَّةً مِنَ الرِّجَالِ العِظَامِ أُنْبِئَ بِأَسْمَائِهِمْ مِنَ اللهِ قَبْلَ وِلَادَتِهِمْ. الأَوَّلُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ هُنَا. الثَّانِي إِسْحَاقُ، التَّكْوِينُ ١٧: ١٩. الثَّالِثُ سُلَيْمَانُ، أَخْبَارِ الأَيَّامِ الأَوَّلُ ٢٢: ٩. الرَّابِعُ يُوشِيَّا، المُلُوكِ الأَوَّلُ ١٣: ٢. الخَامِسُ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ، لُوقَا ١: ٦٠. السَّادِسُ يَسُوعُ المَسِيحُ، مَتَّى ١: ٢١.

«مِحْنَتَكِ.» يَرْوِي الحَاخَامَاتُ، وَيَتْبَعُهُمْ أَبُولِنْسِيسُ، أَنَّ هَاجَرَ فَقَدَتِ الجَنِينَ فِي رَحِمِهَا جُزْئِيًّا عِقَابًا لَهَا عَلَى احْتِقَارِهَا سَيِّدَتَهَا، وَجُزْئِيًّا مِنْ مَشَقَّةِ الرِّحْلَةِ، وَأَنَّ هَذِهِ هِيَ مِحْنَةُ هَاجَرَ المَقْصُودَةُ هُنَا؛ وَلَكِنْ لِأَنَّهَا أَذْعَنَتْ لِلمَلَاكِ الَّذِي حَثَّهَا عَلَى العَوْدَةِ وَالتَّوَاضُعِ تَحْتَ يَدِ سَيِّدَتِهَا، لِهَذَا السَّبَبِ أَحْيَا اللهُ الجَنِينَ الَّذِي مَاتَ فِي الرَّحِمِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ المَلَاكِ: «هَا أَنْتِ حَامِلٌ»، أَوْ كَمَا يُتَرْجِمُونَهُ «سَتَحْبَلِينَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: حَبِلْتِ قَرِيبًا مِنْ أَبْرَامَ، وَالآنَ حَبِلْتِ ثَانِيَةً مِنَ اللهِ الَّذِي أَحْيَا جَنِينَكِ المَيِّتَ؛ وَلِذَلِكَ تَدْعِينَ اسْمَ المَوْلُودِ إِسْمَاعِيلَ، لِأَنَّ اللهَ سَمِعَ صَلَوَاتِ مِحْنَتِكِ بِإِحْيَاءِ الجَنِينِ. لَكِنَّ هَذِهِ مِنِ اخْتِلَاقَاتِ اليَهُودِ؛ فَالمِحْنَةُ هُنَا تَعْنِي الجُوعَ وَالعَطَشَ وَالمَشَقَّاتِ وَالقَلَقَ وَسَائِرَ بَلَايَا الهُرُوبِ وَالسَّفَرِ.


الآيَةُ ١٢: يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا

«يَكُونُ إِنْسَانًا وَحْشِيًّا.» بِالعِبْرَانِيَّةِ، يَكُونُ «فَرَا»، أَيْ حِمَارًا وَحْشِيًّا، كَمَا يُتَرْجِمُ الكَلْدَانِيُّ، بِمَعْنَى: كَحِمَارٍ وَحْشِيٍّ، شَرِسٌ، قَاسٍ، لَا يُرَوَّضُ، وَحِيدٌ، هَائِمٌ بِلَا مُسْتَقَرٍّ ثَابِتٍ، وَلَا يَحْتَمِلُ النِّيرَ. فَكَمَا يَقُولُ أَيُّوبُ، الفَصْلُ ١١، الآيَةُ ١٢: «الإِنْسَانُ البَاطِلُ يَتَعَاظَمُ بِالكِبْرِيَاءِ، وَيَظُنُّ نَفْسَهُ مَوْلُودًا حُرًّا كَمُهْرِ الحِمَارِ الوَحْشِيِّ.»

مُلَاحَظَةٌ: يَتَنَبَّأُ المَلَاكُ بِهَذِهِ الأُمُورِ لَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ أَحْفَادِهِ أَيْضًا: كَمَا نَرَاهُمْ وَنَخْتَبِرُهُمْ حَتَّى اليَوْمَ. اُنْظُرْ أَمِّيَانُوسَ مَارْسِيلِّينُوسَ، الكِتَابَ ١٤، «عَنْ عَادَاتِ السَّرَاسِنَةِ».

«يَدُهُ عَلَى الجَمِيعِ، وَأَيْدِي الجَمِيعِ عَلَيْهِ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَحْفَادُ إِسْمَاعِيلَ سَيُهَاجِمُونَ الجَمِيعَ، وَسَيُهَاجِمُهُمُ الجَمِيعُ. فَحَوْلَ صَحْرَاءِ فَارَانَ الَّتِي سَكَنَ فِيهَا إِسْمَاعِيلُ كَانَتْ تَعِيشُ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ اعْتَادَتْ قِتَالَ إِسْمَاعِيلَ وَأَحْفَادِهِ.

«وَيَنْصِبُ خِيَامَهُ تُجَاهَ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَيَكُونُ إِسْمَاعِيلُ جَرِيئًا وَلَا يَخَافُ؛ فَلَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ سَيُشَكِّلُ بِذَاتِهِ أُمَّةً مُنْفَرِدَةً (وَهَذَا إِكْرَامًا لِإِبْرَاهِيمَ أَبِيهِ)، تَجْرُؤُ عَلَى السُّكْنَى بِأَمَانٍ قُبَالَةَ إِخْوَتِهِ وَأَيِّ شُعُوبٍ أُخْرَى.

مُلَاحَظَةٌ: إِخْوَةُ إِسْمَاعِيلَ هُمْ إِسْحَاقُ وَسَائِرُ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ قَطُورَةَ؛ وَقُبَالَةَ هَؤُلَاءِ سَكَنَ إِسْمَاعِيلُ فِي صَحْرَاءِ فَارَانَ، التَّكْوِينُ الفَصْلُ ٢١.

«يَنْصِبُ خِيَامَهُ.» هَكَذَا حَتَّى الآنَ كَثِيرٌ مِنَ البَدْوِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الإِسْمَاعِيلِيِّينَ يَسْكُنُونَ لَا فِي بُيُوتٍ بَلْ فِي خِيَامٍ. وَهَذِهِ هِيَ خِيَامُ قِيدَارَ الَّتِي يُشَارُ إِلَيْهَا فِي نَشِيدِ الأَنَاشِيدِ، الفَصْلُ ١، الآيَةُ ٥.

بِالعِبْرَانِيَّةِ: يَسْكُنُ أَمَامَ وُجُوهِ جَمِيعِ إِخْوَتِهِ، أَيْ إِلَى الشَّرْقِ مِنْ إِخْوَتِهِ. فَالعِبْرَانِيُّونَ حِينَ يُرِيدُونَ وَصْفَ مَوْقِعِ مِنْطَقَةٍ مَا، يُوَجِّهُونَ وُجُوهَهُمْ نَحْوَ الشَّرْقِ عَادَةً.


الآيَةُ ١٣: أَنْتَ إِلَهٌ يَرَانِي

«دَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ.» دَعَتِ اسْمَ الرَّبِّ قَائِلَةً مَا يَلِي.

«أَنْتَ إِلَهٌ يَرَانِي.» مُلَاحَظَةٌ: تَدْعُو هَاجَرُ المَلَاكَ إِلَهًا لِأَنَّهُ كَانَ يُمَثِّلُ شَخْصَ اللهِ، كَمَا يُمَثِّلُ نَائِبُ المَلِكِ المَلِكَ. فَأَنْتَ إِذَنْ يَا اللهُ، أَيْ يَا أَيُّهَا المَلَاكُ نِيَابَةً عَنِ اللهِ، قَدْ رَأَيْتَنِي، أَيْ نَظَرْتَ إِلَيَّ وَإِلَى مِحْنَتِي، وَاعْتَنَيْتَ بِي وَتَدَبَّرْتَ أَمْرِي فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ المُرَوِّعَةِ. فَإِنَّ هَاجَرَ هُنَا تَشْكُرُ اللهَ عَلَى زِيَارَتِهِ الأَبَوِيَّةِ وَعِنَايَتِهِ وَحِمَايَتِهِ لَهَا. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَغَيْرُهُمَا.

ثَانِيًا، يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ: أَنْتَ إِلَهُ الرُّؤْيَا، لِأَنَّكَ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ، وَبِالتَّالِي حَتَّى أَنَا التَّائِهَةَ الهَارِبَةَ فِي الصَّحْرَاءِ حَيْثُ لَا يَرَانِي أَحَدٌ غَيْرُكَ وَلَا يَعْتَنِي بِي. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الكَلْدَانِيُّ: أَنْتَ الإِلَهُ الَّذِي يَرَى كُلَّ شَيْءٍ.

«رَأَيْتُ قَفَا الَّذِي يَرَانِي» — أَيْ قَفَا اللهِ، أَوْ بِالأَحْرَى المَلَاكِ المُمَثِّلِ للهِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: بِهَاتَيْنِ العَيْنَيْنِ أَبْصَرْتُ اللهَ، أَوْ بِالأَحْرَى المَلَاكَ، مُوَلِّيًا ظَهْرَهُ إِلَيَّ حِينَ كَانَ يُكَلِّمُنِي.

مُلَاحَظَةٌ: أَظْهَرَ اللهُ، أَوْ بِالأَحْرَى المَلَاكُ المُمَثِّلُ للهِ، لِهَاجَرَ — تَمَامًا كَمَا أَظْهَرَ لِمُوسَى فِي الخُرُوجِ ٣٣: ٢٣ — لَا وَجْهَهُ بَلْ قَفَاهُ فَقَطْ فِي الجَسَدِ الَّذِي اتَّخَذَهُ: وَذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الوَجْهَ، أَيِ المَعْرِفَةَ الوَاضِحَةَ وَرُؤْيَةَ اللهِ — لَيْسَ فَقَطْ لِلجَوْهَرِ الإِلَهِيِّ بَلْ أَيْضًا لِمَجْدِ الجَسَدِ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ، وَالَّذِي يَتَنَاسَبُ إِلَى حَدٍّ مَا مَعَ جَلَالِ اللهِ وَيَتَأَلَّقُ بِأَشَدِّ سُطُوعٍ فِي الوَجْهِ كَالعَادَةِ — لَا يُمْكِنُ لِلعَيْنِ الفَانِيَةِ أَنْ تَسْتَوْعِبَهُ.

وَأَيْضًا لِأَنَّ هَاجَرَ هُنَا كَانَتْ تَعْرِفُ اللهَ وَتُحِبُّهُ بِشَكْلٍ نَاقِصٍ، إِذْ كَانَتْ هَارِبَةً مِنْ طَاعَةِ سَيِّدَتِهَا وَبِالتَّالِي هَارِبَةً مِنَ اللهِ أَيْضًا؛ وَهَكَذَا إِذْ لَمْ تَكُنْ قَدْ رَجَعَتْ بَعْدُ وَلَمْ تَكُنْ قَدِ ارْتَدَّتْ ارْتِدَادًا كَامِلًا، فَقَدْ أَدَارَتْ ظَهْرَهَا للهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ: وَلِذَلِكَ بِالمُقَابِلِ أَظْهَرَ لَهَا اللهُ لَا وَجْهَهُ بَلْ ظَهْرَهُ. وَهَكَذَا أَجْرَى اللهُ خَارِجِيًّا أَمَامَ عَيْنَيْ هَاجَرَ الجَسَدِيَّتَيْنِ مَا كَانَ يَجْرِي فِي دَاخِلِهَا فِي عَيْنَيْ قَلْبِهَا. وَلِلسَّبَبِ نَفْسِهِ، كَمَا يَشْهَدُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي العِظَةِ ٢٣ عَلَى الأَنَاجِيلِ، ظَهَرَ المَسِيحُ وَإِنْ كَانَ مُمَجَّدًا كَغَرِيبٍ لِلتِّلْمِيذَيْنِ فِي عَمَّاوُسَ، وَكَبُسْتَانِيٍّ لِلمَجْدَلِيَّةِ.

رَمْزِيًّا، هَاجَرُ هِيَ مَجْمَعُ اليَهُودِ، وَسَارَةُ هِيَ كَنِيسَةُ المَسِيحِيِّينَ، وَتُطْرَدُ الأُولَى بِسَبَبِ تَطَاوُلِهَا. اُنْظُرْ رُوبِرْتُوسَ، الكِتَابَ ٥، الفَصْلَ ٢٥.

وَبِطَرِيقَةٍ أُخْرَى، بَلْ مُعَاكِسَةٍ، أَيْ سَلْبِيَّةٍ، يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ وَكَايِتَانُوسُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ وَيَشْرَحَانِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَقُولُ: هَلْ رَأَيْتُهُ مُنْصَرِفًا، ذَاكَ الَّذِي رَآنِي أَوْ تَجَلَّى لِي؟ كَلَّا، لَمْ أَرَهُ. وَمِنْ ثَمَّ عَرَفْتُ أَنَّهُ مَلَاكُ الرَّبِّ؛ فَمَا دَامَ يُكَلِّمُنِي كُنْتُ أَرَاهُ: ثُمَّ اخْتَفَى فَلَمْ أَسْتَطِعْ رُؤْيَتَهُ؛ بَيْنَمَا لَوْ كَانَ إِنْسَانًا لَاسْتَطَعْتُ رُؤْيَتَهُ وَهُوَ يَنْصَرِفُ. وَلِذَلِكَ عَرَفْتُ حَقًّا أَنَّ الرَّبَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ مَلَاكَهُ لِيُعَزِّيَنِي. فَكَأَنَّ هَاجَرَ هُنَا تَسْتَنْتِجُ مِنَ الاخْتِفَاءِ المُفَاجِئِ أَنَّهُ مَلَاكُ الرَّبِّ. لَكِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ وَالكَلْدَانِيَّ وَفُولْغَاتَانَا وَغَيْرَهُمْ عُمُومًا يُتَرْجِمُونَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ لَا سَلْبِيًّا بَلْ إِيجَابِيًّا.


الآيَةُ ١٤: بِئْرُ الحَيِّ الرَّائِي

«دَعَتْ» — هَاجَرُ نَفْسُهَا، أَوْ أَيًّا كَانَ مَنْ أَعْطَى هَذَا الاسْمَ لِلعَيْنِ أَوِ البِئْرِ.


الآيَةُ ١٥: وَوَلَدَتْ هَاجَرُ ابْنًا

«وَوَلَدَتْ» — بَعْدَ أَنِ اتَّبَعَتْ نَصِيحَةَ المَلَاكِ وَعَادَتْ إِلَى البَيْتِ وَتَصَالَحَتْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ بِتَوَاضُعِهَا.