كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ الْخَامِسَ عَشَرَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ



مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَعِدُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِنَسْلٍ كَثِيرٍ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بِأَرْضِ كَنْعَانَ. ثُمَّ ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ٩، يُعْطِيهِ عَلَامَةً عَلَى هَذَا الْوَعْدِ، أَيِ الْحَيَوَانَاتِ الذَّبِيحَةَ، الَّتِي بِهَا يُثَبِّتُ أَيْضًا عَهْدَهُ مَعَ أَبْرَامَ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ١٣، يَعِدُ بِأَنَّهُ سَيُدْخِلُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى كَنْعَانَ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.



نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٥: ١-٢١

١. بَعْدَ هَذِهِ الْأُمُورِ صَارَ كَلَامُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي رُؤْيَا قَائِلًا: لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ، أَنَا حَامِيكَ، وَثَوَابُكَ عَظِيمٌ جِدًّا. ٢. فَقَالَ أَبْرَامُ: أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ بِلَا وَلَدٍ، وَابْنُ وَكِيلِ بَيْتِي هُوَ دِمَشْقُ أَلِيعَازَرُ هَذَا؟ ٣. وَأَضَافَ أَبْرَامُ: هَا أَنْتَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلًا، وَهَا عَبْدِيَ الْمَوْلُودُ فِي بَيْتِي يَرِثُنِي. ٤. فَفِي الْحَالِ صَارَ كَلَامُ الرَّبِّ إِلَيْهِ قَائِلًا: لَا يَرِثُكَ هَذَا، بَلِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ هُوَ يَكُونُ وَارِثَكَ. ٥. وَأَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ لَهُ: اُنْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ. وَقَالَ لَهُ: هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ. ٦. فَآمَنَ أَبْرَامُ بِاللَّهِ، فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا. ٧. وَقَالَ لَهُ: أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ، لِأُعْطِيَكَ هَذِهِ الْأَرْضَ فَتَمْتَلِكَهَا. ٨. فَقَالَ: أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي أَمْتَلِكُهَا؟ ٩. فَأَجَابَ الرَّبُّ: خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلَاثِيَّةً، وَعَنْزَةً ثُلَاثِيَّةً، وَكَبْشًا ثُلَاثِيًّا، وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً أَيْضًا. ١٠. فَأَخَذَ هَذِهِ كُلَّهَا وَشَقَّهَا مِنَ الْوَسَطِ، وَوَضَعَ كُلَّ شِقٍّ مُقَابِلَ الْآخَرِ؛ وَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَمْ يَشُقَّهُ. ١١. فَنَزَلَتِ الْجَوَارِحُ عَلَى الْجُثَثِ، وَكَانَ أَبْرَامُ يَطْرُدُهَا. ١٢. وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَعَ سُبَاتٌ عَمِيقٌ عَلَى أَبْرَامَ، وَإِذَا رُعْبٌ عَظِيمٌ مُظْلِمٌ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ. ١٣. فَقِيلَ لَهُ: اِعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ وَيُضَايَقُونَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ. ١٤. وَلَكِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ. ١٥. وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلَامٍ، وَتُدْفَنُ فِي شَيْخُوخَةٍ صَالِحَةٍ. ١٦. وَفِي الْجِيلِ الرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هَاهُنَا، لِأَنَّ آثَامَ الْأَمُورِيِّينَ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ إِلَى الْآنِ. ١٧. فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ صَارَ ظَلَامٌ دَامِسٌ، وَإِذَا تَنُّورٌ مُدَخِّنٌ وَمِشْعَلُ نَارٍ قَدْ جَازَ بَيْنَ تِلْكَ الْقِطَعِ. ١٨. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ عَهْدًا مَعَ أَبْرَامَ قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ. ١٩. الْقِينِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ وَالْقَدْمُونِيِّينَ، ٢٠. وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ أَيْضًا، ٢١. وَالْأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ.



الْآيَةُ ١: أَنَا حَامِيكَ وَثَوَابُكَ

«بَعْدَ هَذِهِ الْأُمُورِ»، أَيْ بَعْدَ أَنِ انْتَهَتِ الْحَرْبُ وَالنَّصْرُ فِي سَدُومَ، وَقُدِّمَتِ الشُّكْرُ لِلَّهِ بِوَاسِطَةِ مَلْكِيصَادَقَ؛ حِينَ خَافَ أَبْرَامُ أَنْ يُجَدِّدَ الْبَابِلِيُّونَ الْحَرْبَ، أَوْ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِ الْكَنْعَانِيُّونَ بِدَافِعِ الْحَسَدِ أَوْ طَمَعًا فِي الْغَنِيمَةِ بَاعْتِبَارِهِ مُثْقَلًا بِالْأَسْلَابِ: فَاللَّهُ، إِذْ أَرَادَ أَنْ يُكَافِئَ تَقْوَاهُ وَشَجَاعَتَهُ وَفَضِيلَتَهُ، ظَهَرَ لِأَبْرَامَ وَقَوَّاهُ، مُعْلِنًا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَخَافَ مِنَ الْآشُورِيِّينَ أَوِ الْكَنْعَانِيِّينَ؛ فَإِنَّهُ يَحْفَظُهُ فِي قَلْبِهِ وَعِنَايَتِهِ، وَسَيَكُونُ لَهُ حَارِسًا وَحَامِيًا وَمُكَافِئًا.

«فِي رُؤْيَا» — لَا فِي مَنَامٍ، بَلْ فِي رُؤْيَا رَأَى فِيهَا أَبْرَامُ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ، مَلَاكًا يُمَثِّلُ اللَّهَ فِي جَسَدٍ مُتَّخَذٍ: إِمَّا بِعَيْنَيْهِ الْجَسَدِيَّتَيْنِ، أَوْ عَلَى الْأَرْجَحِ بِعَيْنَيْ عَقْلِهِ، وَمَعَ هَذَا الْمَلَاكِ دَخَلَ فِي عَهْدٍ. هَكَذَا يَقُولُ تُوسْتَاتُوسْ وَبِيرِيرِيُوسْ وَأُولِيَاسْتَرُ.

أَنَا حَامِيكَ. بِالْعِبْرِيَّةِ «أَنُوخِي مَاغِنْ لَاخْ»، أَيْ «أَنَا تُرْسُكَ، أَنَا مِجَنُّكَ، أَحْمِيكَ كَالتُّرْسِ، وَأَتَلَقَّى جَمِيعَ أَسْلِحَةِ أَعْدَائِكَ.» وَلِذَلِكَ تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «أَنَا حَامِلُ تُرْسِكَ»، الَّذِي يَسِيرُ أَمَامَكَ وَيَحْمِيكَ بِتُرْسِي، كَمَا أَنَّ الْقَادَةَ فِي الْمَعْرَكَةِ لَهُمْ حَامِلُ تُرْسٍ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ. تَأَمَّلْ هُنَا كَيْفَ يُعَزِّي اللَّهُ الْأَبْرَارَ وَأَحِبَّاءَهُ وَيَحْمِيهِمْ. هَكَذَا حَمَى دَاوُدَ، الْمَزْمُورُ ٥: ١٣: «يَا رَبُّ، كَمَا بِتُرْسِ رِضَاكَ تُوَّجْتَنَا.» وَالْمَزْمُورُ ١١٧: ٦: «الرَّبُّ مَعِي مُعِينٌ؛ فَلَا أَخَافُ مَاذَا يَصْنَعُ بِيَ الْإِنْسَانُ.»

هُنَاكَ رَمْزٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَلْتْشِيَاتُوسْ عَنْ جُنْدِيٍّ صَنَعَ مِنْ تُرْسِهِ — الَّذِي تَلَقَّى بِهِ أَسْلِحَةَ جَمِيعِ أَعْدَائِهِ — زَوْرَقًا عَبَرَ بِهِ نَهْرًا لَا يُمْكِنُ عُبُورُهُ مَشْيًا، ثُمَّ قَبَّلَ التُّرْسَ وَقَالَ: «هَذَا كَانَ صَدِيقِيَ الْحَقِيقِيَّ وَالْوَحِيدَ، حِينَ كُنْتُ فِي ضِيقٍ عَلَى الْبَرِّ وَحِينَ كُنْتُ فِي ضِيقٍ فِي الْبَحْرِ.» مِثْلُ هَذَا التُّرْسِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ، كَانَ اللَّهُ وَلَا يَزَالُ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِسَائِرِ الْقِدِّيسِينَ.

وَثَوَابُكَ عَظِيمٌ جِدًّا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّكَ تَصَرَّفْتَ بِهَذِهِ التَّقْوَى وَالْقَدَاسَةِ وَالشَّجَاعَةِ يَا أَبْرَامُ، وَلِأَنَّكَ رَفَضْتَ الثَّوَابَ الزَّهِيدَ مِنْ مَلِكِ سَدُومَ، الْإِصْحَاحُ ١٤، الْآيَةُ ٢٢، لِهَذَا السَّبَبِ سَأُجَازِي إِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ وَشَجَاعَتَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَطَاعَتَكَ بِثَوَابٍ عَظِيمٍ جِدًّا، يَفُوقُ أَتْعَابَكَ بِكَثِيرٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُونَ يُوحَنَّا فَمُّ الذَّهَبِ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَكَايِتَانُوسُ.

لَاحِظْ هُنَا كَلِمَةَ «ثَوَاب» ضِدَّ الْهَرَاطِقَةِ: فَحَيْثُمَا يُوجَدُ ثَوَابٌ يُوجَدُ اسْتِحْقَاقُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّذِي يَكْسِبُ هَذَا الثَّوَابَ.

هَذَا الثَّوَابُ هُوَ أَوَّلًا زَمَنِيٌّ، أَيْ كَثْرَةُ عَائِلَتِهِ وَنَسْلِهِ وَعَظَمَتُهُمْ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٥. ثَانِيًا، هُوَ رُوحِيٌّ وَأَبَدِيٌّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا نَفْسِي، أَنَا اللَّهُ مُحِيطُ كُلِّ الْخَيْرَاتِ، سَأَكُونُ ثَوَابَكَ وَجَائِزَتَكَ وَسَعَادَتَكَ الْمَوْضُوعِيَّةَ يَا أَبْرَامُ. وَيُرَنِّمُ دَاوُدُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ فِي الْمَزْمُورِ ١٥: «الرَّبُّ نَصِيبُ مِيرَاثِي وَكَأْسِي، أَنْتَ الَّذِي تَرُدُّ إِلَيَّ نَصِيبِي. حَبَالُ الْقِسْمَةِ وَقَعَتْ لِي فِي أَمَاكِنَ حَسَنَةٍ، بَلْ مِيرَاثِي حَسَنٌ عِنْدِي.» وَالْمَزْمُورُ ٧٢: «مَاذَا لِي فِي السَّمَاءِ، وَبِدُونِكَ مَاذَا أُرِيدُ عَلَى الْأَرْضِ؟» وَحِينَ سَمِعَ الْقِدِّيسُ تُومَا الْأَكْوِينِيُّ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي نَابُولِي، مِنْ صَلِيبِ الْمَسِيحِ: «لَقَدْ كَتَبْتَ عَنِّي حَسَنًا يَا تُومَا؛ فَمَا ثَوَابُكَ إِذَنْ؟» أَجَابَ: «لَا شَيْءَ سِوَاكَ يَا رَبُّ» — فَأَنْتَ رَجَائِي وَثَوَابِي وَحُبِّي وَكُلُّ شَيْءٍ لِي. وَلِذَلِكَ يَكْذِبُ الْفُجَّارُ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي مَلَاخِي ٣: ١٤: «بَاطِلٌ أَنْ يَخْدِمَ الْإِنْسَانُ اللَّهَ.»

وَيُضِيفُ بَعْضُهُمْ ثَالِثًا أَنَّ بِقَوْلِهِ «أَنَا حَامِيكَ» يُوعَدُ إِبْرَاهِيمُ بِمَوْهِبَةِ الثَّبَاتِ؛ وَبِقَوْلِهِ «وَثَوَابُكَ» يُشَارُ إِلَى اخْتِيَارِهِ الْأَبَدِيِّ وَيُكْشَفُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ بِالْفِعْلِ اخْتِيَارٌ فَعَّالٌ إِلَى الْمَجْدِ. لَكِنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ صُوفِيًّا، فَهُوَ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ.


الْآيَةُ ٢: مَاذَا تُعْطِينِي؟ — دِمَشْقُ أَلِيعَازَرُ

«مَاذَا تُعْطِينِي؟» كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُومِنُ يَا رَبُّ أَنَّكَ سَتُنْعِمُ عَلَيَّ بِخَيْرَاتٍ وَثَرَوَاتٍ كَثِيرَةٍ، لَكِنْ لِمَنْ تَنْفَعُ؟ فَأَنَا بِلَا وَلَدٍ؛ لَيْسَ لِيَ ابْنٌ وَلَا وَارِثٌ. كَانَ أَبْرَامُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَهُ بِابْنٍ فِي الْإِصْحَاحِ ١٢، الْآيَةِ ٧، وَلَا يَشُكُّ فِي وَفَاءِ اللَّهِ؛ لَكِنَّهُ فِي أَمْرٍ بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ وَهَذَا الِاشْتِيَاقِ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَرَفَ أَوْ أَبْطَلَ وَعْدَ اللَّهِ بِذَنْبِهِ هُوَ. فَإِنَّ الرَّغْبَةَ وَالْحُبَّ يَخَافَانِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى مِمَّا هُوَ آمِنٌ؛ وَلَا يَسْتَقِرَّانِ حَتَّى يَنَالَا الْمَحْبُوبَ وَالْمُشْتَهَى.

ابْنُ وَكِيلِ بَيْتِي. بِالْعِبْرِيَّةِ «بِنْ مِسِقْ». يُفَسِّرُهُ جِنَّادِيُوسُ وَدِيُودُورُسُ بِمَعْنَى «ابْنُ مِسِقْ الَّتِي هِيَ جَارِيَتِي مِنْ أَصْلٍ دِمَشْقِيٍّ.» ثَانِيًا، يُتَرْجِمُهُ فَاتَابْلُوسُ: «ابْنُ تَرْكِ بَيْتِي»، أَيِ الَّذِي تَرَكْتُ لَهُ وَأَوْكَلْتُ إِلَيْهِ كُلَّ عِنَايَةِ شُؤُونِ بَيْتِي — أَيْ وَكِيلِي وَمُدَبِّرِي. ثَالِثًا وَبِالْأَصَحِّ، يُتَرْجِمُ أُولِيَاسْتَرُ وَفُورْسْتَرُ: «ابْنُ جَرْيِ بَيْتِي»، أَيِ الَّذِي يَجْرِي فِي بَيْتِي كَمَا يَفْعَلُ الْمُدَبِّرُ فِي تَوْزِيعِ الْأُمُورِ وَإِدَارَتِهَا. فَإِنَّ «مِسِقْ» مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَذْرٍ يَعْنِي «الْجَرْيَ»، وَهُوَ عَمَلُ الْوُكَلَاءِ بِالتَّحْدِيدِ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ وَثِيُودُوتِيُونُ: «ابْنُ تَدْبِيرِ بَيْتِي أَوْ وَكَالَتِهِ.» وَهُنَا بِأُسْلُوبٍ عِبْرِيٍّ يُسْتَخْدَمُ الْمَصْدَرُ بَدَلَ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيِ «الْجَرْيُ» بَدَلَ «الْجَارِي»، وَ«الْوَكَالَةُ» بَدَلَ «الْوَكِيلِ.» وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ أَكِيلَا: «ابْنُ مَنْ يَسْقِي بَيْتِي»، أَيْ كَمَا يُتَرْجِمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي أَسْئِلَتِهِ الْعِبْرِيَّةِ: «ابْنُ وَكِيلِ بَيْتِي»، إِذِ الْوَكِيلُ يُهَيِّئُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ لِلْعَائِلَةِ وَيُقَدِّمُهُمَا.

«دِمَشْقُ أَلِيعَازَرُ هَذَا» — أَكْمِلْ: «سَيَكُونُ وَارِثِي»، لِأَنِّي بِلَا ابْنٍ. يَرَى جِنَّادِيُوسُ وَدِيُودُورُسُ أَنَّ أَلِيعَازَرَ يُدْعَى دِمَشْقَ، أَيْ «الدِّمَشْقِيَّ»، لِأَنَّهُ وُلِدَ مِنْ أُمٍّ دِمَشْقِيَّةٍ.

ثَانِيًا، يَرَى تُوسْتَاتُوسْ وَدِلْرِيُو وَهُونْكَالَا أَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ لِهَذَا الْعَبْدِ كَانَ دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ ابْنُ أَلِيعَازَرَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «دِمَشْقُ بْنُ أَلِيعَازَرَ.»

ثَالِثًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا يَبْدُو، «دِمَشْقُ» بِالْعِبْرِيَّةِ «دَمِّسِقْ» مُشْتَقَّةٌ مِنْ «مِسِقْ» الْمُتَقَدِّمَةِ؛ وَالْحَرْفُ الْمُقَدَّمُ «دَالِتْ» هُوَ أَدَاةُ التَّعْرِيفِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا الْآرَامِيُّونَ بَدَلَ «هَاء» التَّعْرِيفِ الْعِبْرِيَّةِ. فَ«دِمَشْقُ» أَوْ «دَمِّسِقْ» تَعْنِي «هَذَا الْوَكِيلُ.» وَهَكَذَا مِنَ الْوَظِيفَةِ شِبْهِ الدَّائِمَةِ وَالْمَوْرُوثَةِ لِلْوَكَالَةِ، سُمِّيَ هَذَا الْعَبْدُ دِمَشْقَ، مَعَ أَنَّ اسْمَهُ الْحَقِيقِيَّ كَانَ أَلِيعَازَرَ. وَيَذْكُرُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَتُوسْتَاتُوسْ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ مَدِينَةَ دِمَشْقَ أُسِّسَتْ عَلَى يَدِ هَذَا الدِّمَشْقِيِّ. وَلِذَلِكَ يَرَى آخَرُونَ — بِبَرَاعَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الصِّحَّةِ — أَنَّ «دِمَشْقَ» مُشْتَقَّةٌ مِنْ «دَمْ» (أَيْ دَمٌ) وَ«سَقْ» (أَيْ كِيسٌ)، كَأَنَّهُ يُقَالُ: «كِيسُ دَمٍ»، أَيْ خَمْرٍ أَحْمَرَ. وَلِذَلِكَ ادَّعَى الْيُونَانِيُّونَ أَيْضًا أَنَّ دِمَشْقَ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ مِنْ «هَايْمَا» (أَيْ دَمٌ، أَيْ خَمْرٌ) وَ«سَاكُّوسْ» (أَيْ كِيسٌ): وَلِأَنَّ هُنَاكَ خِصْبًا عَظِيمًا وَوَفْرَةً مِنَ الْخَمْرِ فِيهَا، تَخَيَّلُوا أَنَّ بَاخُوسَ سَكَنَ فِي كِيسٍ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. لَكِنَّ هَذَا كَانَ مِنِ اخْتِلَاقِ الْوَثَنِيِّينَ الَّذِينَ جَهِلُوا دِمَشْقَ هَذَا، وَكِيلَ إِبْرَاهِيمَ، وَلِذَلِكَ بَحَثُوا عَنْ أَصْلِ الِاسْمِ فِي اشْتِقَاقِ «دِمَشْقَ.»


الْآيَةُ ٣: عَبْدِيَ الْمَوْلُودُ فِي بَيْتِي

«عَبْدِيَ الْمَوْلُودُ فِي بَيْتِي» — عَبْدِيَ الْمَنْزِلِيُّ، أَيْ خَادِمٌ وُلِدَ فِي بَيْتِي، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ.


الْآيَةُ ٤: الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ

«فَفِي الْحَالِ.» اُنْظُرْ كَمْ يُسْرِعُ اللَّهُ فِي تَلْبِيَةِ ضِيقَاتِ أَحِبَّائِهِ وَقَلَقِهِمْ.

«مِنَ الصُّلْبِ» — مِنَ الْبَطْنِ. إِنَّهُ أُسْلُوبٌ عِبْرِيٌّ.


الْآيَةُ ٥: عُدَّ النُّجُومَ

«عُدَّ النُّجُومَ.» إِذَنْ كَانَ الْوَقْتُ لَيْلًا، لَا لَيْلًا بِلَا قَمَرٍ بَلْ صَافِيًا وَمُرَصَّعًا بِالنُّجُومِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ النُّجُومَ، حَتَّى الْمَرْئِيَّةَ مِنْهَا، لَا تُحْصَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا. فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، كُلَّمَا أَمْعَنَ الْمَرْءُ النَّظَرَ فِي النُّجُومِ، رَأَى فِي السَّمَاءِ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَهَكَذَا يَقُولُ هُوَ نَفْسُهُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللَّهِ، الْإِصْحَاحُ ٢٣؛ وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَيُوسَابِيُوسُ وَأَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونُ وَسِينِيكَا كَمَا يَنْقُلُ بِيرِيرِيُوسُ. وَالتِّلِسْكُوبُ يَكْشِفُ نُجُومًا أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهَا بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. فَحِينَ يَعُدُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَطْلَيْمُوسَ وَالْفَلَكِيِّينَ ١٠٢٢ نَجْمًا فَقَطْ، فَإِنَّمَا يَعُدُّونَ الْبَارِزَةَ وَالسَّاطِعَةَ وَالْأَكْثَرَ وُضُوحًا لِلْعَيْنِ فَحَسْبُ.

تَنْبِيهٌ: يَأْمُرُ اللَّهُ أَبْرَامَ بِعَدِّ النُّجُومِ لِأَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْفَلَكِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنَ التَّطَلُّعِ إِلَيْهَا وَالتَّنَهُّدِ وَالِاشْتِيَاقِ إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَبُونَا الْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ أَيْضًا. وَلِذَلِكَ يَدْعُو أُورْفِيُوسُ، كَمَا يَنْقُلُ إِكْلِيمَنْضُسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ مِنَ الْمُتَفَرِّقَاتِ، إِبْرَاهِيمَ فَلَكِيًّا حِينَ يُنْشِدُ: «وَاحِدٌ فَوْقَ الْجَمِيعِ، نَسَبُهُ مِنَ الْعِرْقِ الْكَلْدَانِيِّ؛ كَانَ عَالِمًا بِنُجُومِ السَّمَاءِ وَمَسَارَاتِ الْكَوَاكِبِ وَكَيْفَ تَدُورُ الْكُرَةُ فِي فَلَكِهَا.»

«هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَالنُّجُومِ يَكُونُ نَسْلُكَ يَا أَبْرَامُ، حَرْفِيًّا النَّسْلُ الْجَسَدِيُّ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِي تَطْلُبُهُ هُنَا تَحْدِيدًا؛ وَمَجَازِيًّا النَّسْلُ الرُّوحِيُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَسِيحِيِّينَ: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ أَبْنَاءُ إِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقْتَدُونَ بِإِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بِحَسَبِ الْجَسَدِ هُوَ أَبُو جَمِيعِ الْمَسِيحِيِّينَ؛ وَهَذَا مَا قَالَهُ الْمَسِيحُ — كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ — فِي يُوحَنَّا ٨: ٥٦: «أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ لِيَرَى يَوْمِي؛ فَرَآهُ وَفَرِحَ.»

لَاحِظْ أَنَّ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ، الْجَسَدِيَّ مِنْهُ وَخَاصَّةً الرُّوحِيَّ، يُقَارَنُ حَقًّا بِنُجُومِ السَّمَاءِ، لِأَنَّ هَذَا النَّسْلَ كَالنُّجُومِ: أَوَّلًا، لَا يُحْصَى وَعَظِيمٌ جِدًّا (وَهُوَ الْمَقْصُودُ حَرْفِيًّا هُنَا بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى)؛ ثَانِيًا، رَفِيعٌ وَسَمَاوِيٌّ لِلْغَايَةِ؛ ثَالِثًا، ثَابِتٌ وَمُنَظَّمٌ وَأَبَدِيٌّ؛ رَابِعًا، شَدِيدُ الْقُوَّةِ؛ خَامِسًا، عَظِيمُ الشُّهْرَةِ؛ سَادِسًا، بَالِغُ الْبَهَاءِ وَالْمَجْدِ، وَسَيَكُونُ كَذَلِكَ خَاصَّةً بَعْدَ الْقِيَامَةِ: «وَالَّذِينَ عَلَّمُوا يُضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ؛ وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالنُّجُومِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ» (دَانِيَالَ ١٢). فَالنُّجُومُ إِذَنْ تُشِيرُ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ الْبَارِزِينَ كَالْمُعَلِّمِينَ. وَتُلَمِّحُ الْكَنِيسَةُ إِلَى هَذَا حِينَ تُنْشِدُ: «لِيَقُدْهُمْ حَامِلُ لِوَائِكَ الْقِدِّيسُ مِيخَائِيلُ إِلَى النُّورِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي وَعَدْتَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ (أَيْنَ؟ إِلَّا هُنَا، وَفِي الْآيَةِ ١) وَنَسْلَهُ.»

لَاحِظْ ثَانِيًا: أَنَّ أَبْنَاءَ إِبْرَاهِيمَ بِالْجَسَدِ، أَيِ الْيَهُودَ، كَانُوا صُورَةً صَرِيحَةً لِأَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ الرُّوحِيِّينَ، أَيِ الْمَسِيحِيِّينَ: أَوَّلًا، فِي تَكَاثُرِهِمُ الْعَدِيدِ جِدًّا؛ ثَانِيًا، فِي اضْطِهَادِهِمُ الشَّدِيدِ وَمِحْنَتِهِمْ فِي مِصْرَ؛ ثَالِثًا، فِي عُبُورِهِمُ الْمُبَارَكِ لِلْبَحْرِ الْأَحْمَرِ حِينَ غَرِقَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ؛ رَابِعًا، فِي طَعَامِهِمْ، أَيِ الْمَنِّ السَّمَاوِيِّ الَّذِي غُذُّوا بِهِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ خَامِسًا، فِي الْحَيَّةِ النُّحَاسِيَّةِ الَّتِي كَانَ كُلُّ مَنْ لَدَغَتْهُ الْحَيَّاتُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيُشْفَى؛ سَادِسًا، فِي رِحْلَةِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً عَبْرَ الْبَرِّيَّةِ بِقِيَادَةِ الْعَمُودِ السَّمَاوِيِّ خِلَالَ مَخَاطِرَ وَتَجَارِبَ كَثِيرَةٍ؛ سَابِعًا، فِي دُخُولِهِمْ إِلَى أَرْضِ الْمِيعَادِ بِقِيَادَةِ يَشُوعَ، أَيْ يَسُوعَ بْنِ نَافِي؛ ثَامِنًا، فِي وَفْرَةِ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَإِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ يُمْكِنُ تَطْبِيقُهَا رُوحِيًّا بِسُهُولَةٍ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ.


الْآيَةُ ٦: آمَنَ أَبْرَامُ بِاللَّهِ — التَّبْرِيرُ

«آمَنَ أَبْرَامُ بِاللَّهِ» — الَّذِي كَانَ يَعِدُهُ بِأَمْرٍ بَالِغِ الصُّعُوبَةِ وَمُسْتَحِيلٍ بِالطَّبِيعَةِ، أَيْ أَنَّهُ سَيُنْجِبُ مِنْ سَارَةَ الْعَجُوزِ وَالْعَاقِرِ ابْنًا، وَمِنْ خِلَالِهِ نَسْلًا لَا يُحْصَى كَنُجُومِ السَّمَاءِ.

تَنْبِيهٌ: لَمْ يَكُنْ إِيمَانُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا عَارِيًا وَغَيْرَ مُكْتَمَلٍ كَمَا يَزْعُمُ الْمُبْتَدِعُونَ؛ بَلْ كَانَ مُلْتَحِفًا وَمُتَشَكِّلًا بِأَعْمَالِ الْخُضُوعِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّوْقِيرِ وَالْمَحَبَّةِ وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ وَمَا يَلِي، وَمِنْ رِسَالَةِ يَعْقُوبَ، الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ٢١.

«فَحُسِبَ» (مِنَ اللَّهِ، أَوْ بِحُكْمِ اللَّهِ الصَّادِقِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْطِئَ) «لَهُ بِرًّا.» بِالْعِبْرِيَّةِ «وَيَحْشِبِهَا لُو تْصِدَاقَا»، «وَحَسَبَهَا»، أَيِ الْإِيمَانَ، اللَّهُ «لَهُ بِرًّا»، أَيْ بِرًّا أَعْظَمَ (لِأَنَّ أَبْرَامَ كَانَ مُبَرَّرًا مِنْ قَبْلُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١ وَالْإِصْحَاحِ السَّابِقِ)، وَلِيَظْهَرَ أَبَرَّ أَمَامَ اللَّهِ وَيَكُونَ كَذَلِكَ حَقًّا. فَإِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ عَلَى الْأُمُورِ كَمَا هِيَ فِي ذَاتِهَا؛ وَإِلَّا لَكَانَ حُكْمُ اللَّهِ خَاطِئًا.

وَلِذَلِكَ يُخْطِئُ الْمُبْتَدِعُونَ حِينَ يُحَاوِلُونَ إِثْبَاتَ بِرِّهِمُ الْمَنْسُوبِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ. فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ مُوسَى: نَسَبَ اللَّهُ بِرَّ الْمَسِيحِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ. لَكِنَّهُ يَقُولُ الْعَكْسَ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ حَسَبَ لِإِبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ لَا إِيمَانَ الْمَسِيحِ بَلْ إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ نَفْسِهِ بِرًّا، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ وَأَعْمَالِ إِيمَانِهِ الْبُطُولِيَّةِ اعْتَبَرَهُ بَارًّا بَلْ أَبَرَّ مِمَّا كَانَ. فَإِنَّهُ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الذَّاتِيَّةِ لِلْإِيمَانِ، لَا بِمُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ وَلَا بِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ، بَلْ حَقِيقَةً وَجَوْهَرِيًّا تَبَرَّرَ أَبْرَامُ وَنَمَا فِي الْبِرِّ.

تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ «آمَنَ أَبْرَامُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا» عَامَّةٌ، وَتَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ السَّابِقَةِ. فَإِنَّ أَبْرَامَ بِالْإِيمَانِ صَارَ بَارًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ غَيْرَ بَارٍّ، وَبِالْإِيمَانِ نَمَا فِي الْبِرِّ الَّذِي نَالَهُ. فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُرِيدُ هُنَا أَنْ يُقَدِّمَ أَبْرَامَ أَبًا لِلْإِيمَانِ وَنَمُوذَجًا لِلتَّبْرِيرِ. وَمَعَ ذَلِكَ يَضَعُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ هُنَا دُونَ سِوَاهَا لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِأَنَّ هَذَا النَّسْلَ الْعَظِيمَ، الْجَسَدِيَّ وَالرُّوحِيَّ، سَيُولَدُ مِنْ زَوْجَيْنِ مُسِنَّيْنِ عَاقِرَيْنِ ضَعِيفَيْنِ، كَانَ عَمَلَ إِيمَانٍ صَعْبًا وَوَاسِعًا جِدًّا يَشْمَلُ ضِمْنِيًّا كُلَّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ. وَقَدْ قُلْتُ الْمَزِيدَ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي رُومِيَةَ ٤: ٣.


الْآيَةُ ٧: تَمْتَلِكُهَا

«تَمْتَلِكُهَا» — مِنْ خِلَالِ نَسْلِكَ.


الْآيَةُ ٨: كَيْفَ أَعْلَمُ؟

«كَيْفَ أَعْلَمُ؟» لَا يَشُكُّ أَبْرَامُ فِي وَعْدِ اللَّهِ (وَإِلَّا لَمَا حُسِبَ إِيمَانُهُ لَهُ بِرًّا)، وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَعْرِفَ الْكَيْفِيَّةَ، وَيَرْغَبُ فِي أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ وَرَمْزٌ وَصُورَةٌ لِمَا آمَنَ بِهِ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيتُسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُّ الذَّهَبِ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ. وَأَنَّ هَذَا هَكَذَا يَتَّضِحُ مِنِ اسْتِجَابَةِ اللَّهِ الَّذِي، إِذْ قَبِلَ طَلَبَ إِبْرَاهِيمَ، أَعْطَاهُ عَلَامَةً يَعْرِضُ بِهَا أَمَامَ عَيْنَيْهِ كَيْفِيَّةَ الِامْتِلَاكِ الْمُسْتَقْبَلِيِّ وَتَرْتِيبَهُ. ثَانِيًا، يَرْغَبُ أَبْرَامُ هُنَا فِي أَنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَا يُبْطِلَهُ بِسَبَبِ أَيِّ خَطَايَا لِنَسْلِهِ، كَمَا يَقُولُ رُوبِيرْتُسُ وَتُوسْتَاتُوسْ. ثَالِثًا، يَطْلُبُ أَبْرَامُ هُنَا عَلَامَةً لَا لِنَفْسِهِ بِقَدْرِ مَا لِنَسْلِهِ، أَيْ لِيُؤْمِنَ نَسْلُهُ بِالْأَمْرِ ذَاتِهِ بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْعَلَامَةِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ.


الْآيَةُ ٩: حَيَوَانَاتُ الْعَهْدِ

«خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلَاثِيَّةً» إِلَخْ. أَوَّلًا، لِغَرَضِ الْعَهْدِ الَّذِي أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَهُ مَعَكَ وَفْقَ عَادَتِكُمْ وَطَقْسِكُمْ، وَأُثَبِّتَهُ بِذَبْحِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ وَشَقِّهَا. ثَانِيًا، لِتُقَدِّمَهَا لِي ذَبِيحَةً بَعْدَ إِبْرَامِ الْعَهْدِ مَعِي. ثَالِثًا، لِأُصَوِّرَ لَكَ بِوَاسِطَتِهَا وَأُشِيرَ إِلَى مَا سَيَقَعُ لِنَسْلِكَ، مِنْ أَفْرَاحٍ وَأَحْزَانٍ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي مِلْكِ أَرْضِ كَنْعَانَ الَّتِي وَعَدْتُهُمْ بِهَا. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ.

«عِجْلَةً ثُلَاثِيَّةً، وَعَنْزَةً ثُلَاثِيَّةً، وَكَبْشًا ثُلَاثِيًّا، وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً أَيْضًا.» هَذِهِ كُلُّهَا رُمُوزٌ لِمَا سَيَحْدُثُ بَعْدَ أَبْرَامَ فِي نَسْلِهِ، أَيِ الْعِبْرَانِيِّينَ.

فَأَوَّلًا، هَذِهِ «الْعِجْلَةُ الثُّلَاثِيَّةُ» غَيْرُ الْمُرَوَّضَةِ تُشِيرُ إِلَى الْجِيلِ الْأَوَّلِ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ وَحُرِّيَّتِهِمْ فِي مِصْرَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ: إِذْ كَانُوا آنَذَاكَ يَرْعَوْنَ بِحُرِّيَّةٍ وَرَفَاهِيَةٍ، كَالْعِجْلَةِ الشَّابَّةِ، مِنْ خَيْرَاتِ مِصْرَ. ثَانِيًا، «الْعَنْزَةُ الثُّلَاثِيَّةُ» تُشِيرُ إِلَى الْجِيلِ الثَّانِي مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ، الَّذِينَ بَعْدَ يُوسُفَ بَدَأَ الْمِصْرِيُّونَ يَحْلِبُونَهُمْ كَالْعَنْزَةِ، مُثْرِينَ أَنْفُسَهُمْ بِأَعْمَالِ الْعِبْرَانِيِّينَ وَعُبُودِيَّتِهِمْ. ثَالِثًا، «الْكَبْشُ» الصُّلْبُ ذُو الْقُرُونِ يُشِيرُ إِلَى الْجِيلِ الثَّالِثِ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ الْأَكْثَرِ عَدَدًا وَقُوَّةً، وَلِذَلِكَ أُخْضِعُوا لِأَقْسَى عُبُودِيَّةٍ عَلَى يَدِ الْمِصْرِيِّينَ حِينَ وُلِدَ مُوسَى. رَابِعًا، «الطَّيْرَانِ» اللَّذَانِ لَمْ يُشَقَّا كَالْبَاقِي بَلْ قُدِّمَا كَامِلَيْنِ فِي الذَّبِيحَةِ، يُشِيرَانِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ سَيَطِيرُونَ أَحْرَارًا وَسَالِمِينَ مِنْ مِصْرَ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَفِي كَنْعَانَ. «الْيَمَامَةُ» الَّتِي تَئِنُّ تُشِيرُ إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ النَّوْحِ فِي رِحْلَةِ الْبَرِّيَّةِ. وَلِذَلِكَ تُسَمَّى الْيَمَامَةُ بِالْعِبْرِيَّةِ «تُورْ» مِنْ «تُورْ» أَيْ يَتَأَمَّلُ وَيَتَفَكَّرُ، لِأَنَّ الْيَمَامَةَ تَبْدُو كَأَنَّهَا تَتَحَدَّثُ فِي دَاخِلِهَا، كَمَنْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ وَهُوَ يَتَأَمَّلُ. وَ«الْحَمَامَةُ» الِاجْتِمَاعِيَّةُ تُشِيرُ إِلَى زَمَنِ يَشُوعَ حِينَ سَكَنَ الْعِبْرَانِيُّونَ فِي أَرْضِ الْمِيعَادِ بِفَرَحٍ وَسَلَامٍ. وَ«الْحَمَامَةُ» بِالْعِبْرِيَّةِ «غُوزَالْ» أَيْ فَرْخُ الْحَمَامِ، كَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ. فَإِنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ حَدِيثِي الدُّخُولِ إِلَى كَنْعَانَ بِقِيَادَةِ يَشُوعَ كَانُوا فِيهَا كَالْفِرَاخِ.

وَ«شَقُّ الْحَيَوَانَاتِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ» يُشِيرُ إِلَى الْمِحَنِ الْمُتَنَوِّعَةِ لِلْعِبْرَانِيِّينَ فِي مِصْرَ؛ وَالطُّيُورُ الْكَامِلَةُ تُشِيرُ إِلَى نِهَايَةِ تِلْكَ الْمِحَنِ. وَ«تَحْلِيقُ الطُّيُورِ» نَحْوَ الْجُثَثِ يُشِيرُ إِلَى عُوجَ وَسِيحُونَ وَعَمَالِيقَ وَسَائِرِ الْأَعْدَاءِ الَّذِينَ هَاجَمُوا إِسْرَائِيلَ وَأَزْعَجُوهُ أَثْنَاءَ رِحْلَتِهِ. وَ«طَرْدُ أَبْرَامَ لِلطُّيُورِ» يُشِيرُ إِلَى عِنَايَةِ اللَّهِ بِحِمَايَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ وَالدِّفَاعِ عَنْهُمْ بِفَضْلِ اسْتِحْقَاقَاتِ إِبْرَاهِيمَ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيتُسُ وَدِيُودُورُسُ الطَّرْسُوسِيُّ.

أَخْلَاقِيًّا، عَنِ الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنْ تَشَتُّتَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ يَجِبُ طَرْدُهَا كَالطُّيُورِ، اُنْظُرْ عِنْدَ الْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْإِصْحَاحُ ٢٠.

تَسْأَلُ: لِمَاذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ الْأَرْضِيَّةُ ثُلَاثِيَّةَ الْعُمُرِ؟ أُجِيبُ: أَوَّلًا، لِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الثُّلَاثِيَّةَ كَامِلَةُ الْحَجْمِ وَالسِّنِّ وَالْقُوَّةِ؛ ثَانِيًا، رَمْزِيًّا، لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ الْمِصْرِيَّةَ اسْتَمَرَّتْ عَبْرَ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ، أَيْ قَهَاتَ وَعَمْرَامَ وَمُوسَى.

أَخْلَاقِيًّا، مَنْ يَسْعَى إِلَى أَرْضِ الْمِيعَادِ فِي السَّمَاءِ، بِوَصْفِهِ عِبْرَانِيًّا حَقِيقِيًّا وَابْنًا لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ: أَوَّلًا، عِجْلَةً ثُلَاثِيَّةً، أَيِ التَّوَاضُعَ الثُّلَاثِيَّ — لِيَتَوَاضَعْ أَمَامَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَنْدَادِ وَمَنْ هُمْ دُونَهُ؛ ثَانِيًا، عَنْزَةً ثُلَاثِيَّةً، أَيِ التَّوْبَةَ الثُّلَاثِيَّةَ — النَّدَامَةَ وَالِاعْتِرَافَ وَالتَّكْفِيرَ؛ ثَالِثًا، كَبْشًا ثُلَاثِيًّا، أَيِ الشَّجَاعَةَ الثُّلَاثِيَّةَ — لِيَتَحَمَّلَ بِشَجَاعَةٍ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ وَخِدْمَةِ اللَّهِ خَسَارَةَ الْمَالِ وَالشَّرَفِ وَالْجَسَدِ أَوِ الْحَيَاةِ؛ رَابِعًا، لِيَأْخُذِ الْيَمَامَةَ، أَيِ الْعَفَافَ وَالصَّلَاةَ؛ وَالْحَمَامَةَ، أَيِ الْبَسَاطَةَ وَالْوَدَاعَةَ؛ خَامِسًا، لِيَطْرُدِ الطُّيُورَ، أَيْ تَجَارِبَ الشَّيَاطِينِ.

صُوفِيًّا — أَيْ طَبِيعِيًّا — يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْإِصْحَاحُ ٨: الْعِجْلَةُ تُمَثِّلُ الْأَرْضَ، وَالْعَنْزَةُ الْمَاءَ، وَالْكَبْشُ الْهَوَاءَ الَّذِي هُوَ قَوِيٌّ كَالْكَبْشِ يَهُزُّ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ بِالرِّيَاحِ وَالْعَوَاصِفِ. فَإِنَّ هَذِهِ يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ لِلَّهِ. أَخْلَاقِيًّا، الْعِجْلَةُ هِيَ الْجَسَدُ، وَالْعَنْزَةُ هِيَ الْحَوَاسُّ، وَالْكَبْشُ هُوَ الْكَلَامُ. «جَسَدُنَا عِجْلَةٌ: يَكْدَحُ لِيَزْرَعَ، يَكْدَحُ لِيَجْمَعَ، يَكْدَحُ لِيَلِدَ، يُنْهِكُهُ أَتْعَابٌ لَا تُحْصَى. وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ الْيُونَانِيُّونَ «دَامَالِينْ» مِنْ «دَامَاسْثَايْ لِيَانْ» أَيْ لِأَنَّهُ يُرَوَّضُ بِإِفْرَاطٍ. أَمَّا حَوَاسُّنَا فَتَقْفِزُ كَالْمَعْزِ، كَأَنَّمَا بِوَثْبَةٍ مَا. مُسْتَعِدَّةٌ عِنْدَ كُلِّ فُرْصَةٍ، سَوَاءٌ بِرُؤْيَةِ جَمَالٍ أُنْثَوِيٍّ أَوْ بِشَمِّ عَبِيرٍ مَا؛ وَبِالسَّمْعِ أَيْضًا وَبِاللَّمْسِ تَتَحَرَّكُ بِسُرْعَةٍ، وَبِهَا تُمِيلُ ثَبَاتَ النَّفْسِ. الْكَبْشُ عَنِيفٌ، كَمَا أَنَّ كَلَامَنَا فَعَّالُ الْعَمَلِ، يَقُودُ الْقَطِيعَ بِنِظَامٍ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْأَعْمَالِ.» فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ إِذَنْ يَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ لِلَّهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.

مَجَازِيًّا، هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى الْمَسِيحِ وَذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ الَّتِي بِهَا ثُبِّتَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ لِلْمَسِيحِيِّينَ مَعَ اللَّهِ. فَالْكَبْشُ أَوِ الْخَرُوفُ يُشِيرُ إِلَى بَرَاءَةِ الْمَسِيحِ؛ وَالْعَنْزَةُ تُشِيرُ إِلَى شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيئَةِ فِي الْمَسِيحِ؛ وَالْعِجْلَةُ تُشِيرُ إِلَى قُوَّةِ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ فِي تَحَمُّلِ الْأَتْعَابِ؛ وَالْيَمَامَةُ تُشِيرُ إِلَى طَهَارَةِ الْمَسِيحِ وَعَفَافِهِ؛ وَالْحَمَامَةُ الَّتِي بِلَا مَرَارَةٍ تُشِيرُ إِلَى وَدَاعَةِ الْمَسِيحِ الَّتِي لَا مَثِيلَ لَهَا، الَّتِي أَرَادَ مِنَّا بِالْأَخَصِّ أَنْ نُحِبَّهَا وَنَقْتَدِيَ بِهَا قَائِلًا: «تَعَلَّمُوا مِنِّي فَإِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ.» هَكَذَا يَقُولُ لِيرَانُوسُ.


الْآيَةُ ١٠: شَقَّهَا مِنَ الْوَسَطِ

«شَقَّهَا مِنَ الْوَسَطِ.» قَطَعَهَا بِالشَّقِّ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الذَّنَبِ. يَبْدُو أَنَّ اللَّهَ هُنَا يُؤَسِّسُ طَقْسَ إِبْرَامِ الْعَهْدِ، بِحَيْثُ يَشُقُّونَ فِي الْعَهْدِ الْحَيَوَانَاتِ — أَيْ ذَبَائِحَ الْعَهْدِ — وَيَمُرُّونَ بَيْنَ الْأَجْزَاءِ الْمَشْقُوقَةِ، دَاعِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَوْتٍ وَشَقٍّ مُمَاثِلَيْنِ إِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ. وَلِذَلِكَ حَفِظَ الْيَهُودُ هَذَا الطَّقْسَ فِيمَا بَعْدُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ إِرْمِيَا الْإِصْحَاحِ ٣٤، الْآيَةِ ١٨. وَكَذَلِكَ الْكَلْدَانِيُّونَ: فَعِنْدَ الْكَلْدَانِيِّينَ — كَمَا يَقُولُ دِيُودُورُسُ الطَّرْسُوسِيُّ — يُعْتَبَرُ الْقَسَمُ أَوْثَقَ حِينَ يُثَبِّتُونَهُ بِقَطْعِ الْحَيَوَانَاتِ، دَاعِينَ بِالْمِثْلِ عَلَى النَّاقِضِينَ. وَهَكَذَا الرُّومَانُ وَاللَّاتِينُ: «وَقَفُوا وَثَبَّتُوا الْعَهْدَ عَلَى خِنْزِيرَةٍ ذَبِيحَةٍ.» وَقَدْ قُلْتُ الْمَزِيدَ عَنْ هَذَا فِي ١ كُورِنْثُوسَ الْإِصْحَاحِ ١١، الْآيَةِ ٢٥، وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ فِي الْخُرُوجِ ٢٤: ٨.

«الْأَجْزَاءُ مُقَابِلَ بَعْضِهَا.» وَضَعَ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ الْمُتَقَابِلَةَ عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ، تَارِكًا مَسَافَةً بَيْنَهُمَا لِلْمُرُورِ. فَعَلَ أَبْرَامُ كُلَّ هَذَا بِإِلْهَامٍ وَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ مُوسَى بِذَلِكَ.

«لَمْ يَشُقَّ الطَّيْرَ» — لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْدُمُ الْغَرَضَ الرَّمْزِيَّ لِلْعَهْدِ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْإِصْحَاحُ ٨: «فَإِنَّ الْأَبْرَارَ لَا يَنْقَسِمُونَ؛ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا بُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ. لِأَنَّ عَقْلًا مُوَجَّهًا إِلَى نِعْمَةِ الْمَسِيحِ رَأَى أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مَلِيءٌ بِالْإِثْمِ؛ وَأَنَّ الْحَشْمَةَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ لَا تَخْضَعُ لِأَيِّ أَهْوَاءٍ؛ بَيْنَمَا الطَّمَعُ وَهُمُومُ الدُّنْيَا — الَّتِي بِهَا يَخْتَنِقُ مَنْ يَمْلِكُونَ مَلَذَّاتِ الْغِنَى — تُمَزَّقُ وَتَنْقَسِمُ. وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الثَّرْوَاتُ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُقَسِّمُ الْعَقْلَ وَتَشُقُّهُ وَتَجْذِبُهُ فِي اتِّجَاهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا تَتْرُكُهُ سَلِيمًا وَكَامِلًا.»


الْآيَةُ ١١: طَرَدَ أَبْرَامُ الطُّيُورَ

«طَرَدَهَا.» صَحِيحٌ: فَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبْرِيَّةُ مِنَ الْجَذْرِ «نَشَبْ» أَيْ أَزَالَ وَطَرَدَ. هَكَذَا يَقُولُ الْكَلْدَانِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ وَغَيْرُهُمَا، وَهَذِهِ هِيَ التَّرْجَمَةُ الصَّحِيحَةُ وَالْأَصِيلَةُ. فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ أَبْرَامَ طَرَدَ الطُّيُورَ عَنْ ذَبَائِحِهِ، وَإِلَّا لَأَكَلَتْهَا. لَكِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ بِقِرَاءَةٍ مُخْتَلِفَةِ التَّشْكِيلِ تُتَرْجِمُ عَلَى الْعَكْسِ: «جَلَسَ أَبْرَامُ مَعَهَا»، وَهُوَ أَيْضًا صَحِيحٌ؛ إِذْ جَلَسَ أَبْرَامُ عَلَى مَسَافَةٍ مَعَ الطُّيُورِ الَّتِي طَرَدَهَا: فَإِنَّ هَذِهِ بَعْدَ طَرْدِهَا جَلَسَتْ بَعِيدًا تَتَطَلَّعُ إِلَى الذَّبَائِحِ وَتَرْغَبُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.

بِالْمِثْلِ، حِينَ يُقِيمُ الْأُسْقُفُ قُدَّاسًا احْتِفَالِيًّا، يَحْمِلُ الشَّمَامِسَةُ عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ مَرَاوِحَ لِطَرْدِ الذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ فِي الْكَأْسِ: كَمَا كَانَ أَبْرَامُ يَطْرُدُ الطُّيُورَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَى الذَّبَائِحِ، كَمَا يَقُولُ تُورِّيَانُوسُ فِي الدَّسَاتِيرِ الرَّسُولِيَّةِ لِلْقِدِّيسِ إِكْلِيمَنْضُسَ، الْكِتَابُ الثَّامِنُ، الْإِصْحَاحُ ١٢.

وَيُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَيُّ تَوْصِيَةٍ لِلْعِرَافَةِ الَّتِي كَانَ الْوَثَنِيُّونَ يَتَكَهَّنُونَ بِهَا مِنْ طَيَرَانِ الطُّيُورِ أَوْ صِيَاحِهَا، وَإِنْ كَانَ فَالِيسِيُوسُ يُلَمِّحُ إِلَى ذَلِكَ فِي فَلْسَفَتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، الْإِصْحَاحُ ٣٠، حَيْثُ يَبْدُو أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَى الْوَثَنِيَّةِ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ تَحْتَ رَقَابَةِ فِهْرِسِ رُومَا.


الْآيَةُ ١٢: وَقَعَ سُبَاتٌ عَمِيقٌ عَلَى أَبْرَامَ

«وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَعَ سُبَاتٌ عَمِيقٌ عَلَى أَبْرَامَ.» هَذَا السُّبَاتُ كَانَ جُزْئِيًّا طَبِيعِيًّا مِنْ فَرْطِ التَّعَبِ خِلَالَ النَّهَارِ فِي ذَبْحِ الْحَيَوَانَاتِ وَشَقِّهَا وَتَقْدِيمِهَا ذَبِيحَةً وَطَرْدِ الطُّيُورِ عَنْهَا؛ وَجُزْئِيًّا مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَمَا أَرْسَلَ سُبَاتًا عَمِيقًا عَلَى آدَمَ فِي التَّكْوِينِ ٢: ٢١. فَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ تَظْهَرُ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ نَفْسُهَا «تَرْدِمَا» الَّتِي تُتَرْجِمُهَا السَّبْعِينِيَّةُ «غَيْبُوبَة.» فَأَبْرَامُ إِذْ خُطِفَ فِي غَيْبُوبَةٍ رَأَى عُبُودِيَّةَ نَسْلِهِ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ التَّالِيَةِ) فِي مِصْرَ، وَإِذْ رَأَى ذَلِكَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الرُّعْبُ وَالْكَرْبُ. هَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا.

رَمْزِيًّا، هَذَا السُّبَاتُ كَانَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ كَأَنَّهُ نَائِمٌ وَمُتَجَاهِلٌ سَيَسْمَحُ لِوَقْتٍ مَا بِمِحْنَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ: وَلِذَلِكَ حَدَثَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَيْ عِنْدَ مَوْتِ يُوسُفَ الَّذِي كَانَ شَفِيعَهُمْ عِنْدَ فِرْعَوْنَ. ثَانِيًا، يَرَى بِيرِيرِيُوسُ أَنَّ سُبَاتَ إِبْرَاهِيمَ هَذَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَبْرَامَ سَيَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَنْ يَرَى مِحْنَةَ شَعْبِهِ.

مَجَازِيًّا، يُرْجِعُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ هَذِهِ الْأُمُورَ إِلَى الِاضْطِرَابِ الَّذِي سَيَقَعُ فِي نِهَايَةِ الْعَالَمِ، فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللَّهِ، الْإِصْحَاحُ ٢٤.


الْآيَةُ ١٣: أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الضِّيقِ

«فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ.» أَيْ جُزْئِيًّا فِي مِصْرَ وَجُزْئِيًّا فِي كَنْعَانَ.

«وَيُسْتَعْبَدُونَ وَيُضَايَقُونَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.» لَاحِظْ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يَجِبُ أَنْ تُنْسَبَ جُزْئِيًّا إِلَى «يُضَايَقُونَ» وَجُزْئِيًّا إِلَى «نَسْلُكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا» الَّتِي سَبَقَتْ. فَالْعِبْرَانِيُّونَ لَمْ يَخْدِمُوا فِي مِصْرَ، بَلْ لَمْ يَسْكُنُوا فِيهَا أَصْلًا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بَلْ ٢١٥ فَقَطْ، كَمَا سَأُبَيِّنُ فِي الْخُرُوجِ ١٢: ٤٠. وَالْمَعْنَى إِذَنْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنْ هَذَا الْوَقْتِ حِينَ سَأُعْطِيكَ قَرِيبًا يَا أَبْرَامُ النَّسْلَ الْمَوْعُودَ وَأُوَلِّدُ لَكَ إِسْحَاقَ، إِلَى خُرُوجِ نَسْلِكَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى كَنْعَانَ، سَتَمُرُّ أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، يَكُونُ فِيهَا إِسْحَاقُ وَنَسْلُكَ جُزْئِيًّا غُرَبَاءَ هُنَا فِي كَنْعَانَ وَفِي مِصْرَ، وَجُزْئِيًّا يَخْدِمُونَ وَيُضَايَقُونَ فِي مِصْرَ.

لَاحِظْ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يَجِبُ أَنْ تُحْسَبَ مِنْ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ (لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَخُصُّ نَسْلَ إِسْحَاقَ لَا إِسْمَاعِيلَ)، الَّذِي وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْمِائَةِ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ بَعْدَ ٢٥ سَنَةً مِنْ دَعْوَتِهِ، التَّكْوِينُ ١٢: ٤. فَمِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الْمِائَةِ لِإِبْرَاهِيمَ إِلَى خُرُوجِ الْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ مِصْرَ مَرَّتْ ٤٠٥ سَنَوَاتٍ. لَكِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُهْمِلُ عَادَةً الْأَعْدَادَ الصَّغِيرَةَ، وَلِذَلِكَ أَهْمَلَ هُنَا خَمْسَ سَنَوَاتٍ. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ مُتَّبِعًا الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ. أَوْ إِنْ أَرَدْتَ حِسَابًا دَقِيقًا، فَابْدَأْ هَذِهِ السَّنَوَاتِ مِنْ طَرْدِ هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ؛ إِذْ حِينَئِذٍ بَقِيَ فِي بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ وَحْدَهُ وَارِثُهُ الْوَحِيدُ وَوَارِثُ هَذِهِ الْمَوَاعِيدِ. وَلِذَلِكَ فِي التَّكْوِينِ ٢١: ١٢، حَيْثُ يُؤْمَرُ بِطَرْدِ إِسْمَاعِيلَ، يَقُولُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. وَلَكِنَّ ابْنَ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً لِأَنَّهُ نَسْلُكَ.» هَكَذَا يَقُولُ تُورْنِيلُّوسُ. فَإِنَّ طَرْدَ إِسْمَاعِيلَ هَذَا وَقَعَ فِي السَّنَةِ ١٠٣ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ كَانَ إِسْحَاقُ فِي الْخَامِسَةِ مِنْ عُمُرِهِ، كَمَا سَأَقُولُ فِي الْإِصْحَاحِ ٢١.


الْآيَةُ ١٤: أَنَا أَدِينُ تِلْكَ الْأُمَّةَ

«أَدِينُ.» سَأُعَاقِبُ بِأَشَدِّ الْعِقَابِ بِالضَّرَبَاتِ الْمِصْرِيَّةِ، الْخُرُوجُ ٧ وَمَا يَلِيهِ.

«بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ» — بِثَرَوَاتٍ كَبِيرَةٍ، مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْمِصْرِيِّينَ. فَإِنَّهُمْ سَيَسْلِبُونَ مِصْرَ، الْخُرُوجُ الْإِصْحَاحُ ١٢، الْآيَةُ ٣٦.


الْآيَةُ ١٥: تَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلَامٍ

«تَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلَامٍ» — تَمُوتُ مَوْتًا هَادِئًا وَسَلِيمًا وَسَعِيدًا. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْإِصْحَاحُ ٩: «ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْآبَاءَ هُمُ الْعَنَاصِرُ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا جَسَدُنَا مَا دُمْنَا أَحْيَاءً وَالَّتِي نَتَحَلَّلُ إِلَيْهَا. لَكِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ نَتَذَكَّرُ أَنَّ أُمَّنَا هِيَ أُورُشَلِيمُ الَّتِي فَوْقُ، نُؤَكِّدُ أَنَّ الْآبَاءَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُونَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَيَاةِ وَفِي التَّرْتِيبِ. كَانَ هُنَاكَ هَابِيلُ الضَّحِيَّةُ التَّقِيَّةُ؛ وَكَانَ أَخْنُوخُ التَّقِيُّ وَالْقِدِّيسُ؛ وَكَانَ نُوحُ: إِلَى هَؤُلَاءِ يُوعَدُ بِانْتِقَالِ إِبْرَاهِيمَ.»

«فِي شَيْخُوخَةٍ صَالِحَةٍ» — مُتَقَدِّمَةٍ نَاضِجَةٍ، عَنْ عُمُرِ ١٧٥ سَنَةً.


الْآيَةُ ١٦: فِي الْجِيلِ الرَّابِعِ

«وَفِي الْجِيلِ الرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هَاهُنَا.» «فِي الْجِيلِ الرَّابِعِ» أَيْ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ أَوِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ السَّنَوَاتِ، أَيْ بَعْدَ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ. فَإِنَّ الْجِيلَ أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ تُحَدَّدُ بِمِائَةِ سَنَةٍ، يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ١٧: ٨.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ثَانِيًا، مَعَ بِيرِيرِيُوسَ، بِمَعْنَى «الْجِيلِ» حَقِيقَةً كَمَا يَلِدُ الْأَبُ ابْنًا؛ فَبَعْدَ نُزُولِ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ كَانَتْ هُنَاكَ أَرْبَعَةُ أَجْيَالٍ فِي خَطِّ يَهُوذَا، مِمَّنْ وُلِدُوا مِنْ يَهُوذَا فِي مِصْرَ: حَصْرُونُ وَهُوَ حَفِيدُ يَهُوذَا وَلَدَ رَامَ (الْأَوَّلُ). رَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ (الثَّانِي). عَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ (الثَّالِثُ). نَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ الَّذِي دَخَلَ أَرْضَ كَنْعَانَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ بِهَا الْيَهُودَ (الرَّابِعُ).

تَقُولُ: إِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ فِي الْخُرُوجِ ١٣: ١٨ تَحْسِبُ هُنَا لَا أَرْبَعَةً بَلْ خَمْسَةَ أَجْيَالٍ. أُجِيبُ: إِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ تَحْسِبُ مِنْ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ حَصْرِيًّا؛ إِذْ يَعُدُّونَ فَارِصَ نَفْسَهُ ابْنَ يَهُوذَا. فَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ لَكِنْ لَيْسَ فِي مِصْرَ بَلْ فِي كَنْعَانَ. فَحَصْرُونُ دَخَلَ مِصْرَ مَعَ أَبِيهِ فَارِصَ وَجَدِّهِ يَهُوذَا وَجَدِّهِ الْأَكْبَرِ يَعْقُوبَ مِنْ كَنْعَانَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ التَّكْوِينِ ٤٦: ١٢ وَ٢٦. وَلِذَلِكَ حُذِفَ هَذَا الْجِيلُ الْخَامِسُ هُنَا.

«لِأَنَّ آثَامَ الْأَمُورِيِّينَ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ.» لَاحِظْ: أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ احْتَمَلَ اللَّهُ خَطَايَا الْكَنْعَانِيِّينَ حَتَّى امْتَلَأَ مِقْيَاسُ الْخَطَايَا الَّذِي حَدَّدَهُ اللَّهُ لِعِقَابِهِمْ وَإِبَادَتِهِمْ. وَحِينَ امْتَلَأَ وَطُرِدَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَأُبِيدُوا، أَحَلَّ الْعِبْرَانِيِّينَ مَكَانَهُمْ وَفِي أَرْضِهِمْ.

لَاحِظْ ثَانِيًا: إِنَّ آثَامَ الْأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ اللَّاوِيِّينَ ١٨ وَالتَّثْنِيَةِ ٩ وَ١٢) كَانَتْ بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى ثَلَاثًا. أَوَّلًا، عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ الَّتِي بِهَا كَانُوا يُقَدِّمُونَ حَتَّى أَبْنَاءَهُمْ ذَبِيحَةً بِإِحْرَاقِهِمْ فِي النَّارِ لِآلِهَتِهِمْ. ثَانِيًا، الْمَظَالِمُ الْجَائِرَةُ ضِدَّ الْغُرَبَاءِ وَالْفُقَرَاءِ. ثَالِثًا، الزِّيجَاتُ الْعَشْوَائِيَّةُ مَعَ الْأَقَارِبِ وَذَوِي الدَّمِ. فَضْلًا عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي لَا تُوصَفُ، لَا بَيْنَ الذُّكُورِ وَالذُّكُورِ فَحَسْبُ بَلْ حَتَّى مَعَ الْبَهَائِمِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنَ الرَّجَاسَةِ بِحَيْثُ لَمْ تَعُدِ الْأَرْضُ قَادِرَةً عَلَى احْتِمَالِهِمْ، بَلِ اضْطُرَّتْ أَنْ تَقْذِفَهُمْ، كَمَا يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ.

حَيْثُ لَاحِظْ ثَالِثًا: فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ يُعَاقِبُ اللَّهُ بِالْأَخَصِّ الْخَطَايَا الْعَلَنِيَّةَ وَالْوَقِحَةَ الْمُدَمِّرَةَ لِلْمُجْتَمَعِ الْبَشَرِيِّ. وَالْمُجْتَمَعُ الْبَشَرِيُّ يَتَمَاسَكُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَسَاسًا: أَوَّلًا، الدِّينُ وَالتَّقْوَى نَحْوَ اللَّهِ؛ ثَانِيًا، الْإِنْصَافُ وَالْعَدْلُ؛ ثَالِثًا، الِانْضِبَاطُ السَّلِيمُ فِي الْحَيَاةِ وَحُسْنُ السِّيرَةِ. ضِدَّ الْأَوَّلِ يُخْطِئُ الْإِلْحَادُ وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ؛ ضِدَّ الثَّانِي السَّلْبُ وَاضْطِهَادُ الْأَبْرِيَاءِ؛ ضِدَّ الثَّالِثِ الشَّهْوَةُ الْعَشْوَائِيَّةُ وَالشَّنِيعَةُ.

وَأَخِيرًا، الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي شَرْحِ حِزْقِيَالَ الْإِصْحَاحِ ٣، «إِذَا حَادَ الْبَارُّ عَنْ بِرِّهِ وَارْتَكَبَ إِثْمًا، أَضَعُ عَثْرَةً أَمَامَهُ»، يَقُولُ: «يَجِبُ أَنْ نَتَأَمَّلَ هَذَا بِرِعْدَةٍ: أَنَّ اللَّهَ الْعَادِلَ الْقَدِيرَ حِينَ يَغْضَبُ مِنْ خَطَايَا سَابِقَةٍ، يَسْمَحُ لِلْعَقْلِ الْمُعَمَّى أَنْ يَسْقُطَ فِي خَطَايَا أُخْرَى.» هَكَذَا سَمَحَ لِلْكَنْعَانِيِّينَ أَنْ يَسْقُطُوا فِي جَرِيمَةٍ تِلْوَ جَرِيمَةٍ حَتَّى امْتَلَأَ مِقْيَاسُهُمْ. فَالْعُقُوبَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ اللَّهِ هِيَ الْإِفْلَاتُ مِنَ الْعِقَابِ فِي الذَّنْبِ، الْمَمْنُوحُ لِلْخَاطِئِ لِعِقَابِهِ وَهَلَاكِهِ الْأَشَدِّ. فَتَعَلَّمْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَوَّلًا أَنَّ كُلَّ مَا نُذْنِبُهُ يَأْتِي كَأَنَّهُ فِي كَوْمَةٍ وَاحِدَةٍ أَمَامَ اللَّهِ، بِحَيْثُ إِذَا امْتَلَأَ الْمِقْيَاسُ يَقَعُ عَلَيْنَا الْهَلَاكُ الْمُحَقَّقُ. فَلَا نَحْسَبَنَّ الذُّنُوبَ خَفِيفَةً، حَتَّى الصَّغِيرَةَ مِنْهَا، لِأَنَّهَا تُضِيفُ شَيْئًا إِلَى هَذِهِ الْكَوْمَةِ. تَعَلَّمْ ثَانِيًا أَنَّهَا نِعْمَةٌ حِينَ يُعَاقِبُ اللَّهُ الذُّنُوبَ سَرِيعًا: فَبِهَذَا تَتَنَاقَصُ كَوْمَةُ الذُّنُوبِ. وَعَلَى الْعَكْسِ، إِنَّهُ غَضَبٌ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ حِينَ يُمْهِلُ طَوِيلًا وَيَتَجَاهَلُ: فَحِينَئِذٍ تَكْبُرُ كَوْمَةُ الذَّنْبِ وَتَبَعًا لَهَا الْعُقُوبَةُ. تَعَلَّمْ ثَالِثًا أَنَّ اللَّهَ يَحْتَمِلُ الْفُجَّارَ إِلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَجَاوُزَهُ دُونَ عِقَابِ اللَّهِ. تَعَلَّمْ رَابِعًا أَنَّهُ حِينَ تَبْلُغُ الذُّنُوبُ فِي جُمْهُورِيَّةٍ أَوْ مَدِينَةٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ ذِرْوَتَهَا، فَإِنَّ انْتِقَامَ اللَّهِ الْمُحَقَّقَ يَكُونُ وَشِيكًا. فَلْنَدْرَأْهُ بِالتَّوْبَةِ السَّرِيعَةِ.


الْآيَةُ ١٧: التَّنُّورُ الْمُدَخِّنُ وَمِشْعَلُ النَّارِ

«صَارَ ظَلَامٌ.» رَأَى أَبْرَامُ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي غَيْبُوبَةٍ، كَمَا فِي السَّبْعِينِيَّةِ فِي الْآيَةِ ١٢. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنَ الْمُرَاجَعَاتِ، الْإِصْحَاحُ ٤٣.

تَنُّورٌ مُدَخِّنٌ. تَنُّورٌ مُشْتَعِلٌ وَمُنْدَلِعٌ بِلَهَبٍ دُخَانِيٍّ؛ هَذَا التَّنُّورُ هُوَ رَمْزٌ وَصُورَةٌ لِلتَّنُّورِ الْمَجَازِيِّ، أَيِ الْعُبُودِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ فِي الطِّينِ وَالَّلبِنِ الَّذِي كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ يَخْبِزُونَهُ فِي أَفْرَانِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ تُسَمَّى عُبُودِيَّتُهُمْ أَتُونَ الْحَدِيدِ الْمِصْرِيَّ، التَّثْنِيَةُ ٤: ٢٠.

رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْإِصْحَاحُ ٩: «بِشَبَهِ التَّنُّورِ يَبْدُو أَنَّ الْحَيَاةَ الْبَشَرِيَّةَ قَدْ عُبِّرَ عَنْهَا، تِلْكَ الْحَيَاةُ الْمُتَشَابِكَةُ وَالْمُتَلَفِّفَةُ فِي آثَامِ هَذَا الْعَالَمِ، الَّتِي لَيْسَ لَهَا صَفَاءُ الْبَهَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَرَوْنَقُ النُّورِ الصَّافِي، تَغْلِي فِي دَاخِلِهَا كَالتَّنُّورِ بِشَهَوَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَتَتَنَفَّسُ بِنِيرَانِ الرَّغَبَاتِ؛ وَمِنَ الْخَارِجِ تُغَطَّى كَأَنَّمَا بِدُخَانٍ مَا حَتَّى لَا تَرَى وَجْهَ الْحَقِيقَةِ، إِلَى أَنْ يُوَجِّهَ الرَّبُّ يَسُوعُ مَصَابِيحَهُ السَّمَاوِيَّةَ، أَيْ بَهَاءَ مَجْدِهِ.»

مِشْعَلُ نَارٍ. يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ مِشْعَلَ النَّارِ شُعْلَةً أَوْ جِذْوَةً مُلْتَهِبَةً. كَانَ هَذَا الْمِشْعَلُ شُعْلَةً مُلْتَهِبَةً وَعَلَامَةً عَلَى اللَّهِ الَّذِي اعْتَادَ عُمُومًا فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ أَنْ يَظْهَرَ فِي النَّارِ، كَمَا قُلْتُ فِي عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٩.

تَنْبِيهٌ: عِنْدَ إِبْرَامِ الْعُهُودِ كَانَ الْمُتَعَاهِدُونَ يَمُرُّونَ بَيْنَ الذَّبَائِحِ الْمَشْقُوقَةِ، دَاعِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَوْتٍ وَانْقِسَامٍ مُمَاثِلَيْنِ إِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْآيَةِ ١٠. فَبِمُرُورِ هَذَا الْمِشْعَلِ أَوِ الشُّعْلَةِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانَاتِ يُثَبِّتُ اللَّهُ عَهْدَهُ مَعَ أَبْرَامَ: إِذْ بَدَلَ اللَّهِ مَرَّ مَلَاكٌ مُمَثَّلٌ وَمُخْتَفٍ فِي هَذِهِ الشُّعْلَةِ. وَأَبْرَامُ أَيْضًا الَّذِي يَدْخُلُ فِي عَهْدٍ مَعَ اللَّهِ يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّهُ مَرَّ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، أَوْ بِالْأَحْرَى بَدَا لَهُ أَنَّهُ مَرَّ. فَإِنَّ أَبْرَامَ بَدَا لَهُ أَنَّهُ يَرَى كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي رُؤْيَا.

ثَانِيًا، هَذَا الْمِشْعَلُ أَوِ الشُّعْلَةُ كَانَ يُشِيرُ إِلَى عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ الَّذِي بِهِ فَصَلَ اللَّهُ الْعِبْرَانِيِّينَ عَنِ الْمِصْرِيِّينَ عِنْدَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، الْخُرُوجُ الْإِصْحَاحُ ١٣، الْآيَةُ ٢١. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَادَهُمْ عَبْرَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى أَرْضِ الْمِيعَادِ.

عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، الْمِشْعَلُ هُوَ اللَّهُ نَفْسُهُ بِمُرُورِهِ ذَاتِهِ كَأَنَّهُ يَدْعُو الْعِبْرَانِيِّينَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، وَفْقَ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ٥٠: ٣١: «نُورُ اللَّهِ أَثَرُهُ»، أَيْ يَتَّبِعُ الْمَرْءُ خُطُوَاتِ النُّورِ السَّائِرِ أَمَامَهُ، أَيْ نُورِ اللَّهِ. فَاللَّهُ إِذْ سَارَ أَمَامَ مُعَسْكَرِ الْعِبْرَانِيِّينَ فِي عَمُودِ النَّارِ وَالسَّحَابِ قَادَهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمُ الطَّرِيقَ عَبْرَ الْبَرِّيَّةِ وَسَارَ أَمَامَهُمْ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يُمَثِّلُ إِكْلِيمَنْضُسُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي حَثِّهِ لِلْيُونَانِيِّينَ اللَّهَ مُتَكَلِّمًا هَكَذَا لِلشَّعْبِ فِي عَمُودِ النَّارِ الْمُضِيئِ وَالْمُلْتَهِبِ ذَاتِهِ: «إِنْ أَطَعْتُمْ فَنُورٌ؛ وَإِنْ لَمْ تُطِيعُوا فَأُرْسِلُ عَلَيْكُمْ نَارًا.» وَأَخِيرًا، التَّنُّورُ الْمُدَخِّنُ هُوَ الدَّيَّانُ الَّذِي يُزْعِجُ الْفُجَّارَ وَيُعَذِّبُهُمْ فِي يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ؛ وَالْمِشْعَلُ الْعَابِرُ هُوَ الْمَطْهَرُ الْقَصِيرُ الَّذِي يُنَقَّى بِهِ الْأَتْقِيَاءُ لِيَعْبُرُوا إِلَى الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ.

مَجَازِيًّا، هَذِهِ الشُّعْلَةُ الْعَابِرَةُ كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى مَجْدِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي سَتَنْتَقِلُ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْأُمَمِ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِيرْتُسُ.

كَشْفِيًّا، هَذِهِ الشُّعْلَةُ تُشِيرُ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ وَنَارِ احْتِرَاقِ الْعَالَمِ الَّتِي سَتَفْصِلُ الْمُخْتَارِينَ عَنِ الْمَرْفُوضِينَ، الْمُخَلَّصِينَ عَنِ الْهَالِكِينَ. هَكَذَا يَقُولُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللَّهِ، الْإِصْحَاحُ ٢٤.

وَأَخِيرًا، هَذِهِ الشُّعْلَةُ الْعَابِرَةُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَشْقُوقَةِ أَكَلَتْهَا وَأَحْرَقَتْهَا مَعَ الْحَمَامَةِ وَالْيَمَامَةِ؛ وَذَلِكَ لِتَكْتَمِلَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ذَبِيحَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلِيَشْهَدَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ أَنَّ ذَبِيحَةَ إِبْرَاهِيمَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُ. فَهَكَذَا قَبِلَ اللَّهُ بِالنَّارِ ذَبِيحَةَ هَابِيلَ وَجِدْعُونَ وَمَنُوحَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤، الْآيَةِ ٤. هَكَذَا يَقُولُ فَمُّ الذَّهَبِ فِي الْعِظَةِ ٣٧.


الْآيَةُ ١٨: مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى الْفُرَاتِ

«مِنْ نَهْرِ مِصْرَ.» هَذَا النَّهْرُ هُوَ فَرْعٌ مِنَ النِّيلِ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ رِينُوكُولُورَا وَبِيلُوسِيُومَ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَادِي مِصْرَ أَوِ الصَّحْرَاءِ: وَعَنْهُ اُنْظُرْ رِيبِيرَا فِي عَامُوسَ الْإِصْحَاحِ ٦، الْعَدَدِ ١٥.


الْآيَةُ ١٩: الْأُمَمُ الْإِحْدَى عَشْرَةَ

«الْقِينِيِّينَ.» لَاحِظْ: تَحْتَ قِيَادَةِ يَشُوعَ امْتَلَكَ الْعِبْرَانِيُّونَ أَرْضَ سَبْعِ أُمَمٍ فَقَطْ.

تَقُولُ: كَيْفَ إِذَنْ تُوعَدُ لَهُمْ هُنَا أَرْضُ إِحْدَى عَشْرَةَ أُمَّةً؟ فَعَشْرٌ مَذْكُورَةٌ هُنَا، وَإِنْ أَضَفْتَ الْحِوِّيِّينَ الَّذِينَ يَذْكُرُهُمُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى تَكُونُ إِحْدَى عَشْرَةَ. يُجِيبُ الْأَبُولِيَنْسِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْوَعْدَ يَخُصُّ لَا الْعِبْرَانِيِّينَ وَحْدَهُمْ بَلْ جَمِيعَ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَهَكَذَا يَشْمَلُ اللَّهُ هُنَا أَيْضًا نَصِيبَ الْأَرْضِ الَّذِي سَيَئُولُ إِلَى عِيسُو حَفِيدِ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَدُومِيِّينَ؛ وَكَذَلِكَ النَّصِيبَ الَّذِي سَيَئُولُ إِلَى بَنِي عَمُّونَ وَمُوآبَ الَّذِينَ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ إِكْرَامًا لِإِبْرَاهِيمَ عَمِّهِمْ أَرْضَ أُمَّتَيْنِ. فَإِذَا حُذِفَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ بَقِيَ ثَمَانِيَةٌ، وَمِنْ هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ أَرْضُ الرَّفَائِيِّينَ أَوِ الْعَمَالِقَةِ مَشْمُولَةٌ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى تَحْتَ الْأَمُورِيِّينَ؛ وَبِحَذْفِ هَؤُلَاءِ يَبْقَى سَبْعُ أُمَمٍ فَقَطْ وَهِيَ الَّتِي امْتَلَكَهَا الْعِبْرَانِيُّونَ وَفْقَ مَوَاعِيدِ اللَّهِ.

لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ كُلَّ هَذَا يَخُصُّ لَا الْأَدُومِيِّينَ وَلَا الْعَمُّونِيِّينَ وَالْمُوآبِيِّينَ، بَلِ الْعِبْرَانِيِّينَ وَحْدَهُمْ نَسْلَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِينَ يُوَجِّهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَوَاعِيدَهُ. وَلِذَلِكَ يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي السُّؤَالِ ٢١ مِنْ أَسْئِلَتِهِ عَنْ يَشُوعَ جَوَابًا أَفْضَلَ — وَبِيرِيرِيُوسُ مُتَّبِعًا لَهُ — بِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَضَعُ أَرْضَيْنِ مَوْعُودَتَيْنِ: الْأُولَى الَّتِي امْتَلَكَهَا الْعِبْرَانِيُّونَ تَحْتَ قِيَادَةِ يَشُوعَ وَتَضُمُّ سَبْعَ أُمَمٍ فَقَطْ؛ وَالثَّانِيَةُ الَّتِي امْتَلَكَهَا الْعِبْرَانِيُّونَ أَنْفُسُهُمْ تَحْتَ قِيَادَةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ حِينَ كَانَتْ مَمْلَكَةُ الْيَهُودِ فِي أَوْجِ ازْدِهَارِهَا، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ تَشْمَلُ الْأُمَمَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ الَّتِي وُعِدَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ هُنَا؛ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ سَكَنُوا كُلَّ هَذِهِ الْأَرْضِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا كُلَّهَا كَانَتْ خَاضِعَةً لَهُمْ وَتَدْفَعُ لَهُمُ الْجِزْيَةَ.

ثَالِثًا وَهُوَ الْأَفْضَلُ، يُجِيبُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَنْدْرِيَاسُ مَاسِيُوسُ فِي شَرْحِهِمَا لِيَشُوعَ الْإِصْحَاحِ ١، الْآيَةِ ٤، بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ الْعِبْرَانِيِّينَ كُلَّ الْأَرْضِ الْمَوْعُودَةِ هُنَا لِأَنَّهُمْ هُمْ أَنْفُسُهُمْ لَمْ يُرَاعُوا شُرُوطَ الْوَعْدِ وَالْعَهْدِ، أَيِ الشَّرِيعَةَ وَعِبَادَةَ اللَّهِ. وَلِذَلِكَ يُقَالُ مِرَارًا فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ إِنَّ الْكَنْعَانِيَّ كَانَ لَا يَزَالُ يَسْكُنُ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَرَكَ لَهُمُ الْيَبُوسِيَّ لِيَمْتَحِنَ إِسْرَائِيلَ. وَلِهَذَا السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَمُ فِي مَجْمُوعِهَا إِحْدَى عَشْرَةَ، فَإِنَّهُ عَادَةً لَا يُذْكَرُ مِنْهَا إِلَّا سَبْعٌ، كَمَا يُرَى فِي التَّثْنِيَةِ ٧: ١ وَيَشُوعَ ٢٤: ١١. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، أَحْيَانًا لَا يُذْكَرُ مِنْهَا إِلَّا سِتٌّ: إِذْ يُحْذَفُ الْجِرْجَاشِيُّونَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَقَلَّ عَدَدًا وَأَقَلَّ شَأْنًا؛ وَلِذَلِكَ يُدْرِجُهُمُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ تَحْتَ غَيْرِهِمْ.