كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُوَلِّدُ يَهُوذَا عِيرًا وَأُونَانَ، اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا اللهُ بِسَبَبِ رَذِيلَتِهِمَا الْمُنَافِيَةِ لِلطَّبِيعَةِ وَالِانْسِحَابِ فِي الْفِعْلِ الزَّوْجِيِّ. ثَانِيًا، مِنَ الْآيَةِ ١٦، تَحْبَلُ ثَامَارُ مِنْ يَهُوذَا بِحِيلَةٍ وَتَلِدُ فَارِصَ وَزَارَحَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا (التَّكْوِينُ ٣٨: ١–٣٠)
١. فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ نَزَلَ يَهُوذَا مِنْ عِنْدِ إِخْوَتِهِ وَمَالَ إِلَى رَجُلٍ عَدُلَّامِيٍّ اسْمُهُ حِيرَةُ. ٢. وَرَأَى هُنَاكَ ابْنَةَ رَجُلٍ كَنْعَانِيٍّ اسْمُهُ شُوعُ، فَأَخَذَهَا زَوْجَةً لَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهَا. ٣. فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ عِيرًا. ٤. وَحَبِلَتْ أَيْضًا وَدَعَتِ الِابْنَ الَّذِي وُلِدَ أُونَانَ. ٥. وَوَلَدَتْ أَيْضًا ابْنًا ثَالِثًا دَعَتْهُ شِيلَةَ. وَحِينَ وُلِدَ كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ. ٦. وَأَخَذَ يَهُوذَا زَوْجَةً لِعِيرٍ بِكْرِهِ اسْمُهَا ثَامَارُ. ٧. وَكَانَ عِيرٌ بِكْرُ يَهُوذَا شِرِّيرًا فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، فَأَمَاتَهُ. ٨. فَقَالَ يَهُوذَا لِأُونَانَ ابْنِهِ: ادْخُلْ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيكَ وَتَزَوَّجْهَا وَأَقِمْ نَسْلًا لِأَخِيكَ. ٩. فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لَنْ يَكُونَ لَهُ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أَفْسَدَ زَرْعَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِئَلَّا يُولَدَ بَنُونَ بِاسْمِ أَخِيهِ. ١٠. فَلِذَلِكَ ضَرَبَهُ الرَّبُّ لِأَنَّهُ فَعَلَ أَمْرًا مَكْرُوهًا. ١١. فَقَالَ يَهُوذَا لِثَامَارَ كَنَّتِهِ: اجْلِسِي أَرْمَلَةً فِي بَيْتِ أَبِيكِ حَتَّى يَكْبُرَ شِيلَةُ ابْنِي — لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَمُوتَ هُوَ أَيْضًا مِثْلَ إِخْوَتِهِ. فَمَضَتْ وَأَقَامَتْ فِي بَيْتِ أَبِيهَا. ١٢. وَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ مَاتَتِ ابْنَةُ شُوعَ زَوْجَةُ يَهُوذَا. وَبَعْدَ حِدَادِهِ، إِذْ تَعَزَّى، صَعِدَ إِلَى جَازِّي غَنَمِهِ هُوَ وَحِيرَةُ رَاعِي الْقَطِيعِ الْعَدُلَّامِيُّ إِلَى تِمْنَةَ. ١٣. فَأُخْبِرَتْ ثَامَارُ أَنَّ حَمَاهَا صَاعِدٌ إِلَى تِمْنَةَ لِجَزِّ غَنَمِهِ. ١٤. فَخَلَعَتْ ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا وَأَخَذَتْ بُرْقُعًا وَغَيَّرَتْ زِيَّهَا وَجَلَسَتْ عَلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تِمْنَةَ، لِأَنَّ شِيلَةَ كَانَ قَدْ كَبُرَ وَلَمْ تُعْطَ لَهُ زَوْجَةً. ١٥. فَلَمَّا رَآهَا يَهُوذَا ظَنَّهَا زَانِيَةً، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ غَطَّتْ وَجْهَهَا لِئَلَّا تُعْرَفَ. ١٦. فَمَالَ إِلَيْهَا وَقَالَ: دَعِينِي أَضْطَجِعُ مَعَكِ — لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَنَّتُهُ. فَأَجَابَتْ: مَاذَا تُعْطِينِي لِتَتَمَتَّعَ بِصُحْبَتِي؟ ١٧. قَالَ: أُرْسِلُ إِلَيْكِ جَدْيًا مِنَ الْقُطْعَانِ. فَقَالَتْ: أَسْمَحُ بِمَا تُرِيدُ إِنْ أَعْطَيْتَنِي رَهْنًا حَتَّى تُرْسِلَ مَا وَعَدْتَ بِهِ. ١٨. قَالَ يَهُوذَا: مَاذَا تُرِيدِينَ أَنْ يُعْطَى رَهْنًا؟ فَأَجَابَتْ: خَاتَمُكَ وَسِوَارُكَ وَالْعَصَا الَّتِي فِي يَدِكَ. فَمِنْ مُضَاجَعَةٍ وَاحِدَةٍ حَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، ١٩. فَقَامَتْ وَمَضَتْ، وَخَلَعَتِ الثَّوْبَ الَّذِي اتَّخَذَتْهُ وَلَبِسَتْ ثِيَابَ تَرَمُّلِهَا. ٢٠. وَأَرْسَلَ يَهُوذَا الْجَدْيَ بِوَاسِطَةِ رَاعِيهِ الْعَدُلَّامِيِّ لِيَسْتَرِدَّ الرَّهْنَ الَّذِي أَعْطَاهُ لِلْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَجِدْهَا. ٢١. فَسَأَلَ رِجَالَ الْمَكَانِ: أَيْنَ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَلَسَتْ عَلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ؟ فَأَجَابُوا جَمِيعًا: لَمْ تَكُنْ فِي هَذَا الْمَكَانِ زَانِيَةٌ. ٢٢. فَرَجَعَ إِلَى يَهُوذَا وَقَالَ: لَمْ أَجِدْهَا، وَفَوْقَ ذَلِكَ قَالَ لِي رِجَالُ الْمَكَانِ إِنَّهُ لَمْ تَجْلِسْ هُنَاكَ زَانِيَةٌ قَطُّ. ٢٣. قَالَ يَهُوذَا: لِتَحْتَفِظْ بِمَا عِنْدَهَا؛ بِالتَّأْكِيدِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّهِمَنَا بِالْكَذِبِ. أَرْسَلْتُ الْجَدْيَ الَّذِي وَعَدْتُ بِهِ وَأَنْتَ لَمْ تَجِدْهَا. ٢٤. وَإِذَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أُخْبِرَ يَهُوذَا: ثَامَارُ كَنَّتُكَ قَدْ زَنَتْ وَيَبْدُو أَنَّ بَطْنَهَا قَدِ انْتَفَخَ. فَقَالَ يَهُوذَا: أَخْرِجُوهَا لِتُحْرَقَ. ٢٥. وَلَمَّا كَانَتْ تُقَادُ إِلَى الْعِقَابِ أَرْسَلَتْ إِلَى حَمِيهَا قَائِلَةً: مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَبِلْتُ. اعْرِفْ لِمَنْ هَذَا الْخَاتَمُ وَالسِّوَارُ وَالْعَصَا. ٢٦. فَلَمَّا عَرَفَ الْهَدَايَا قَالَ: هِيَ أَبَرُّ مِنِّي لِأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ ابْنِي. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا بَعْدُ. ٢٧. وَلَمَّا حَانَ وَقْتُ الْوِلَادَةِ ظَهَرَ تَوْأَمَانِ فِي بَطْنِهَا؛ وَفِي أَثْنَاءِ الْوِلَادَةِ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ، فَرَبَطَتِ الْقَابِلَةُ عَلَيْهَا خَيْطًا قِرْمِزِيًّا قَائِلَةً: ٢٨. هَذَا يَخْرُجُ أَوَّلًا. ٢٩. وَلَكِنْ لَمَّا رَدَّ يَدَهُ خَرَجَ الْآخَرُ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لِمَاذَا انْثَلَمَ الْجِدَارُ بِسَبَبِكَ؟ وَلِهَذَا السَّبَبِ دَعَتِ اسْمَهُ فَارِصَ. ٣٠. وَبَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ أَخُوهُ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدِهِ الْخَيْطُ الْقِرْمِزِيُّ، فَدَعَتْهُ زَارَحَ.
الْآيَةُ ١: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ
يَصِفُ مُوسَى هُنَا نَسَبَ يَهُوذَا دُونَ سَائِرِ الْإِخْوَةِ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ سَيُولَدُ مِنْ يَهُوذَا مِنْ خِلَالِ ثَامَارَ. ثَانِيًا، لِكَيْ لَا يَحْتَقِرَ الْيَهُودُ الْأُمَمَ، إِذْ إِنَّ سِبْطَ يَهُوذَا، الَّذِي كَانَ أَشْرَفَهَا، انْحَدَرَ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ثَامَارَ. هَكَذَا يَقُولُ جِنَادِيُوسُ.
أَيْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِ يُوسُفَ، بَعْدَ بَيْعِهِ بِقَلِيلٍ، تَزَوَّجَ يَهُوذَا. وَكَانَ يَهُوذَا إِذَنْ فِي التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَكْبُرُ يُوسُفَ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، إِذْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِ أَبِيهِ يَعْقُوبَ، وَيُوسُفُ فِي الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّلَاثِينَ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حَصْرُونَ وَحَامُولَ، حَفِيدَيْ يَهُوذَا مِنْ ثَامَارَ وَفَارِصَ، لَمْ يَكُنْ بِوُسْعِهِمَا أَنْ يُولَدَا فِي كَنْعَانَ قَبْلَ نُزُولِ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ، الَّذِي حَدَثَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ بَيْعِ يُوسُفَ، أَيْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِ يُوسُفَ؛ بَلْ وُلِدَا بَعْدَ نُزُولِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ مُقِيمٌ فِي مِصْرَ. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَسْأَلَةِ ١٢٨ يَرَى الْعَكْسَ، بِحُجَّةِ أَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ يَهُوذَا لَمْ يَتَزَوَّجْ فِي نَفْسِ سَنَةِ بَيْعِ يُوسُفَ، بَلْ قَبْلَهَا بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ.
لَكِنَّ الرَّأْيَ الْأَوَّلَ أَصَحُّ. فَحَتَّى لَوْ سَلَّمْنَا لِلْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ بِأَنَّ عِيرًا وُلِدَ لِيَهُوذَا قَبْلَ بَيْعِ يُوسُفَ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، فَإِنَّ عِيرًا لَمْ يَكُنْ بِوُسْعِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ثَامَارَ قَبْلَ عَامِهِ السَّادِسَ عَشَرَ، وَبَعْدَهُ تَزَوَّجَتْ ثَامَارُ أُونَانَ؛ ثُمَّ انْتَظَرَتْ بِضْعَ سَنَوَاتٍ لِبُلُوغِ شِيلَةَ؛ وَأَخِيرًا، إِذْ بَاعَتْ نَفْسَهَا لِيَهُوذَا، وَلَدَتْ فَارِصَ. وَكَانَ فَارِصُ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهِ عَلَى الْأَقَلِّ حِينَ وَلَدَ حَصْرُونَ وَحَامُولَ. وَكُلُّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ لَا ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ أَوْ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، بَلْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً عَلَى الْأَقَلِّ، وَقَبْلَ انْتِهَائِهَا كَانَ يَعْقُوبُ قَدْ نَزَلَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ — أَيْ قَبْلَ تِسْعِ سَنَوَاتٍ — مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ.
أَمَّا ادِّعَاءُ الْيَهُودِ بِأَنَّ فَارِصَ وَلَدَ حَصْرُونَ فِي التَّاسِعَةِ مِنْ عُمْرِهِ فَأَمْرٌ لَا يُصَدَّقُ وَمُسْتَحِيلٌ.
الْآيَةُ ٢: وَرَأَى
٢. وَرَأَى — أَيِ اشْتَهَى.
شُوعُ. هَذَا لَيْسَ اسْمَ الِابْنَةِ بَلِ اسْمَ أَبِيهَا، حَمِيِّ يَهُوذَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ النَّصِّ الْعِبْرِيِّ.
الْآيَةُ ٣: وَدَعَتِ اسْمَهُ عِيرًا
٣. وَدَعَتِ اسْمَهُ عِيرًا. فِي الْعِبْرِيَّةِ الْفِعْلُ مُذَكَّرٌ، وَيِّقْرَا، أَيْ «وَدَعَا» — أَيِ الْأَبُ يَهُوذَا. لَكِنْ لِلِابْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْفِعْلُ مُؤَنَّثٌ، وَتِّقْرَا، أَيْ «وَدَعَتْ» — أَيِ الْأُمُّ زَوْجَةُ يَهُوذَا. مِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْأَبَ أَعْطَى الِاسْمَ لِبِكْرِهِ عِيرٍ، بَيْنَمَا سَمَّتِ الْأُمُّ الِابْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ الْمَوْلُودَيْنِ بَعْدَهُ. هَكَذَا دَعَتْ رَاحِيلُ ابْنَهَا الْأَصْغَرَ بَنْأُونِي، لَكِنَّ الْأَبَ غَيَّرَ الِاسْمَ وَدَعَاهُ بِنْيَامِينَ.
الْآيَةُ ٥: كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ
٥. كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ وَهَايَا بِكْزِيبْ، وَهُوَ مَا تُتَرْجِمُهُ السَّبْعِينِيَّةُ وَالتَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ بِعِبَارَةِ «كَانَ فِي كَزِيبَ حِينَ وَلَدَتْهُ»، كَأَنَّ كَزِيبَ اسْمٌ عَلَمٌ لِمَدِينَةٍ فِي فِلَسْطِينَ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي مَسَائِلِهِ عَلَى سِفْرِ التَّكْوِينِ، أَنَّ مُتَرْجِمَنَا [الْفُولْغَاتَا] أَخَذَ كَسِيبْ لَا كَاسْمِ عَلَمٍ بَلْ كَاسْمٍ نَكِرَةٍ يَعْنِي الْكَذِبَ أَوِ التَّوَقُّفَ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَانَتْ فِي تَوَقُّفِ الْوِلَادَةِ، فَخَذَلَهَا الْحَبَلُ وَالْوِلَادَةُ، وَكَفَّتْ عَنِ الْإِنْجَابِ. وَمِنْ ثَمَّ تُرْجِمَ أَكِيلَا أَيْضًا: «تَوَقَّفَ إِنْجَابُهَا». وَالْكَلِمَاتُ الَّتِي تَلِي تَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى، إِذْ تُشِيرُ بِوُضُوحٍ إِلَى أَنَّ هَذَا كَانَ ابْنَهَا الْأَخِيرَ.
الْآيَةُ ٧: كَانَ عِيرٌ أَيْضًا شِرِّيرًا
٧. كَانَ عِيرٌ أَيْضًا شِرِّيرًا. يَتَّفِقُ الْيَهُودُ وَالْمَسِيحِيُّونَ عَلَى أَنَّ عِيرًا وَأُونَانَ كِلَيْهِمَا أَخْطَآ بِخَطِيئَةِ الرَّذِيلَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلطَّبِيعَةِ وَالِانْسِحَابِ، وَهِيَ ضِدَّ طَبِيعَةِ الْإِنْجَابِ وَالزَّوَاجِ، لِأَنَّهَا تُهْلِكُ النَّسْلَ وَالْحَبَلَ فِي بَذْرَتِهِ. وَلِذَلِكَ يُشَبِّهُ الْيَهُودُ هَذِهِ الْخَطِيئَةَ بِالْقَتْلِ، وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِي الْآيَةِ ١٠ يُسَمِّيهَا مَكْرُوهَةً. فَعِيرٌ إِذَنْ لَمْ يُخْطِئْ بِالْقَسَاوَةِ كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ، الْإِصْحَاحِ ٤٨، بَلْ بِالشَّهْوَةِ — أَيْ بِالِانْسِحَابِ فِي الْفِعْلِ الزَّوْجِيِّ لِيُهْرِقَ بَذْرَتَهُ خَارِجَ الْوِعَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِزَوْجَتِهِ. وَفَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شَهْوَةٍ جَامِحَةٍ لِئَلَّا تَنْتَقِصَ الْوِلَادَةُ وَتَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ مِنْ جَمَالِ زَوْجَتِهِ، وَبِالتَّالِي مِنْ لَذَّتِهِ الْجِنْسِيَّةِ. أَمَّا أُونَانُ أَخُو عِيرٍ فَأَخْطَأَ بِنَفْسِ الْخَطِيئَةِ لَكِنْ بِدَافِعٍ مُخْتَلِفٍ وَأَشَدَّ إِجْرَامًا، أَلَا وَهُوَ الْحَسَدُ، لِئَلَّا يُنْجِبَ بَنِينَ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِأَخِيهِ. وَمِنَ الْجَمِيلِ أَنَّ «عِيرَ» فِي الْعِبْرِيَّةِ بِالْقَلْبِ يَصِيرُ «رَعْ» أَيْ شِرِّيرٌ فَاسِدٌ: فَإِنَّ مَنْ دَعَاهُ أَبُوهُ «عِيرَ» أَيِ الْيَقِظَ، تَحَوَّلَ بِالْخَطِيئَةِ إِلَى «رَعْ» أَيْ فَاسِدٍ. وَ«أُونَانُ» فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي الْإِثْمَ وَالْحُزْنَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يُلَازِمُ الْأَوَّلَ وَيَتْبَعُهُ تَبَعِيَّةً لَا تَنْفَصِلُ، كَمَا يَتْبَعُ الِابْنُ أُمَّهُ.
«وَأَمَاتَهُ.» — كِلَا عِيرٍ وَأُونَانَ أَمَاتَهُمَا اللهُ بِسَبَبِ خَطِيئَةِ الْإِفْسَادِ، بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ شِرِّيرٍ كَمَا يَبْدُو، أَلَا وَهُوَ أَشْمُودَايُ. فَإِنَّهُ قَتَلَ أَزْوَاجَ سَارَةَ الْمُتَشَهِّوِينَ، طُوبِيَّا ٣: ٧. وَأَيْضًا، يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ إِنَّ اللهَ قَتَلَهُمَا بِإِرْسَالِ وَبَاءٍ مُرَوِّعٍ عَلَيْهِمَا، بِحَيْثُ كَانَ وَاضِحًا أَنَّهُمَا لَمْ يَمُوتَا مَوْتًا طَبِيعِيًّا بَلِ اخْتَطَفَهُمَا اللهُ عِقَابًا عَلَى آثَامِهِمَا.
فَلْيَنْتَبِهِ الْمُعَرِّفُونَ إِلَى هَذَا الِانْتِقَامِ الْإِلَهِيِّ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَمِنَ الْأَزْوَاجِ الَّذِينَ يَنْسَحِبُونَ مِنَ الْفِعْلِ الزَّوْجِيِّ، وَلْيُرَسِّخُوهُ فِي نُفُوسِ تَائِبِيهِمْ. فَإِنْ كَانَ اللهُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْفَظِّ الْغَلِيظِ الْمُتَرَوِّكِ قَدْ عَاقَبَ عِيرًا وَأُونَانَ هَكَذَا، فَكَيْفَ سَيُعَاقِبُ فِي نُورِ الْإِنْجِيلِ وَشَرِيعَتِهِ مَسِيحِيِّينَ يُدَنِّسُونَ أَنْفُسَهُمْ؟ رَأَتِ الْقِدِّيسَةُ كْرِيسْتِينَا الْمُذْهِلَةُ بِالرُّوحِ أَنَّ الْعَالَمَ مُمْتَلِئٌ وَغَارِقٌ فِي هَذِهِ الْخَطِيئَةِ، وَأَنَّ اللهَ لِذَلِكَ كَانَ يُهَدِّدُ الْعَالَمَ كُلَّهُ بِأَشَدِّ الْبَلَايَا؛ وَلِدَرْءِ ذَلِكَ عَذَّبَتْ نَفْسَهَا بِطُرُقٍ عَجِيبَةٍ وَمُرَوِّعَةٍ. وَيُورِدُ يُوحَنَّا بِنِدِكْتُوسُ فِي خُلَاصَةِ الْقَضَايَا، عِنْدَ الْوَصِيَّةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْوَصَايَا الْعَشْرِ، نَقْلًا عَنْ كُونْرَادُ كْلِينْغ شَيْئًا لَافِتًا عَنْ هَذِهِ الْخَطِيئَةِ (وَلْيَتَحَمَّلُوا مَسْؤُولِيَّةَ مِصْدَاقِيَّتِهِ)، سَوَاءٌ أُوتِيَ بِوَحْيٍ أَمْ بِتَجْرِبَةٍ: أَلَا وَهُوَ أَنَّ مَنْ يُثَابِرُ عَلَى هَذِهِ الْخَطِيئَةِ سَنَوَاتٍ بِقَدْرِ مَا عَاشَ الْمَسِيحُ، أَيْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، يَصِيرُ عَدِيمَ الشِّفَاءِ، وَيَكَادُ يَكُونُ مَيْئُوسًا مِنْ خَلَاصِهِ، مَا لَمْ تَأْتِهِ نِعْمَةُ اللهِ الْعَجِيبَةُ النَّادِرَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ فَتُعِينَهُ وَتُحَوِّلَهُ. فَلْيَنْظُرْ إِذَنْ مَنْ سَقَطَ فِي هَذِهِ الْخَطِيئَةِ أَنْ يَقُومَ مِنْهَا فَوْرًا بِالتَّوْبَةِ، لِئَلَّا يَكْتَسِبَ عَادَةً تَمِيلُ الطَّبِيعَةُ إِلَيْهَا بِذَاتِهَا أَشَدَّ الْمَيْلِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهَا التَّخَلُّصَ مِنْهَا، فَيَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَيَنْسُجُ حِبَالَ الشَّهْوَةِ الَّتِي لَا تَنْحَلُّ، تَجُرُّهُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَتَرْبِطُهُ رِبَاطًا لَا يَنْفَصِلُ بِنَارِ الْجَحِيمِ.
الْآيَةُ ٩: أَلَّا يُولَدَ لَهُ بَنُونَ
٩. «أَلَّا يُولَدَ لَهُ بَنُونَ.» — لَاحِظْ أَنَّهُ قَبْلَ شَرِيعَةِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢٥: ٥، كَانَتِ الْعَادَةُ بَيْنَ الْآبَاءِ أَنَّ الْأَخَ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةَ أَخِيهِ الَّذِي مَاتَ بِلَا أَوْلَادٍ وَيُقِيمُ نَسْلًا لَهُ، أَيْ ذُرِّيَّةً، لِئَلَّا يَفْنَى اسْمُهُ وَعَائِلَتُهُ؛ أَيْ أَنَّ الْبِكْرَ الَّذِي يُنْجِبُهُ مِنِ امْرَأَةِ أَخِيهِ يُنْسَبُ لَا إِلَى نَفْسِهِ بَلْ إِلَى الْأَخِ الْمَيِّتِ، بَيْنَمَا يُنْسَبُ الْبَاقُونَ الْمَوْلُودُونَ بَعْدَهُ إِلَيْهِ هُوَ وَيُدْعَوْنَ بِاسْمِهِ. فَالْبِكْرُ الَّذِي كَانَ سَيُنْجِبُهُ أُونَانُ كَانَ سَيُدْعَى ابْنَ عِيرٍ، أَمَّا الْبَاقُونَ فَكَانُوا سَيُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ أُونَانَ. لَكِنَّ أُونَانَ الْحَسُودَ الْكَافِرَ، لِكَيْ لَا يَتَأَلَّقَ أَخُوهُ، أَطْفَأَ مِصْبَاحَهُ هُوَ حِينَ أَهْرَقَ بَذْرَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَأَضَاعَهَا.
لَاحِظْ ثَانِيًا أَنَّ هُنَاكَ مَجَازًا نَحْوِيًّا: «بَنُونَ» أَيِ ابْنًا وَاحِدًا، هُوَ الْبِكْرُ كَمَا قُلْتُ، وَإِنْ مَاتَ فَالْمَوْلُودُ الثَّانِي الَّذِي يَخْلُفُهُ مَقَامَ الْبِكْرِ.
لَاحِظْ ثَالِثًا أَنَّ بَعْضَ الْعَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً قَبْلَ مُوسَى: فَمِنْهَا هَذَا التَّبَنِّي وَالِاسْتِلْحَاقُ؛ وَمِنْهَا أَيْضًا حِفْظُ السَّبْتِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ وَالْخِتَانُ وَأُمُورٌ أُخْرَى حَفِظَهَا الْآبَاءُ قَبْلَ مُوسَى وَالشَّرِيعَةِ بِإِلْهَامٍ أَوْ أَمْرٍ مِنَ اللهِ.
الْآيَةُ ١١: اجْلِسِي أَرْمَلَةً
١١. «اجْلِسِي أَرْمَلَةً.» — مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمِنَ الْآيَةِ ٨ يُسْتَفَادُ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي عَائِلَةٍ مَا صَارَتْ كَأَنَّهَا مَرْبُوطَةٌ بِهَا، بِحَيْثُ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا تَزَوَّجَتْ رَجُلًا آخَرَ مِنْ نَفْسِ الْعَائِلَةِ يُقِيمُ نَسْلًا لِلْأَخِ الْمَيِّتِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ، حِينَئِذٍ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَّخِذَ زَوْجًا مِنْ عَائِلَةٍ أُخْرَى. وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ ارْتَبَطَتْ ثَامَارُ بِعَائِلَةِ يَهُوذَا وَلَمِ تَنْتَقِلْ مِنْهَا إِلَى عَائِلَةٍ أُخْرَى.
«لِأَنَّهُ خَافَ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «لِأَنَّهُ قَالَ» (افْهَمْ: لَنْ أُعْطِيَ ابْنِيَ الثَّالِثَ شِيلَةَ لِثَامَارَ زَوْجًا)، لِئَلَّا يَمُوتَ هُوَ أَيْضًا كَمَا مَاتَ أَخَوَاهُ الْأَكْبَرَانِ اللَّذَانِ كَانَا زَوْجَيْنِ لِثَامَارَ فِي زَوَاجِهِمَا مِنْهَا. وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَهُوذَا، بِهَذِهِ الْحُجَّةِ وَبِالْخِدَاعِ، أَرَادَ أَنْ يُبْعِدَ ثَامَارَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَائِلَتِهِ الَّتِي كَانَتْ قَدِ اندَمَجَتْ فِيهَا بِزَوَاجَيْنِ اثْنَيْنِ، قَائِلًا إِنَّ ابْنَهُ شِيلَةَ لَا يَزَالُ صَغِيرًا، وَهَكَذَا بِحَبْكِ الْمَمَاطَلَاتِ تَمَلَّصَ مِنْ ثَامَارَ؛ لِأَنَّهُ خَافَ أَنَّ ثَامَارَ، بِسَبَبِ خَطَايَاهَا أَوْ سُوءِ طَالِعِهَا، كَانَتْ سَبَبًا أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ مُنَاسَبَةً لِمَوْتِ أَزْوَاجِهَا: فَإِنَّ هَذَا نَفْسَهُ عِيبَ عَلَى سَارَةَ زَوْجَةِ طُوبِيَّا مِنْ شُبْهَةٍ مُمَاثِلَةٍ، طُوبِيَّا ٣: ٩.
أَدْرَكَتْ ثَامَارُ خِدَاعَ يَهُوذَا هَذَا، لِأَنَّهَا لَمْ تَطْلُبِ النَّسْلَ مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ سِوَى ذُرِّيَّةِ يَهُوذَا وَإِبْرَاهِيمَ الْمُبَارَكَةِ مِنَ اللهِ؛ وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ شِيلَةَ الزَّوْجَ الْمَوْعُودَ لَهَا قَدْ كَبُرَ وَبَلَغَ وَلَا يُزَالُ يُحْرَمُ عَلَيْهَا، تَغَلَّبَتْ بِحِيلَةٍ بَدِيعَةٍ عَلَى خِدَاعِ يَهُوذَا وَرَدَّتْهُ عَلَى رَأْسِ يَهُوذَا نَفْسِهِ.
الْآيَةُ ١٤: أَخَذَتِ الْبُرْقُعَ
١٤. «أَخَذَتِ الْبُرْقُعَ» — تَلَفَّعَتْ بِعَبَاءَةٍ لِكَيْلَا تُعْرَفَ. وَكَانَ الثِّيرِسْتْرُومُ حِجَابًا صَيْفِيًّا، كَمَا يَقُولُ سُوِيدَاسُ، سُمِّيَ كَذَلِكَ مِنَ اللَّفْظِ الْيُونَانِيِّ لِلصَّيْفِ وَالْحَرَارَةِ الَّتِي يَقِي مِنْهَا. وَكَانَتِ النِّسَاءُ الْعِبْرَانِيَّاتُ قَدِيمًا (كَمَا تَفْعَلُ الْإِيطَالِيَّاتُ الْآنَ) يُغَطِّينَ رُؤُوسَهُنَّ وَأَجْسَادَهُنَّ كُلَّهَا بِعَبَاءَةٍ أَوْ حِجَابٍ مِنَ الْحَرِيرِ، كَمَا شَرَحْتُ فِي حِزْقِيَالَ ١٦: ٤٠؛ وَذَلِكَ جُزْئِيًّا لِلْحِشْمَةِ، وَجُزْئِيًّا لِلزِّينَةِ (لِأَنَّ الثِّيرِسْتْرُومَ هُنَا يُقَابَلُ بِثِيَابِ التَّرَمُّلِ وَالْحِدَادِ)، وَجُزْئِيًّا لِلْوِقَايَةِ مِنَ الْحَرِّ.
«جَلَسَتْ عَلَى مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ جَلَسَتْ بِفِتَاحْ عِينَايِمْ، وَهُوَ مَا تُتَرْجِمُهُ السَّبْعِينِيَّةُ: «جَلَسَتْ عِنْدَ بَوَّابَاتِ عَيْنَانَ.» لَكِنْ لَاحِظْ: يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ مُفْتَرَقَ الطُّرُقِ فِتَاحْ عِينَايِمْ، أَيْ فَتْحًا، وَكَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: انْقِسَامَ عَيْنَيْنِ، لِأَنَّنَا عِنْدَ مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ نُدِيرُ أَعْيُنَنَا عَادَةً فِي اتِّجَاهَيْنِ، أَيْ نَحْوَ طَرِيقَيْنِ. وَهَكَذَا تَجْلِسُ الزَّانِيَاتُ عِنْدَ مُفْتَرَقَاتِ الطُّرُقِ لِاصْطِيَادِ الْمَارَّةِ مِنْ كِلَا الِاتِّجَاهَيْنِ: وَلِذَلِكَ جَلَسَتْ ثَامَارُ عِنْدَ مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ لِاصْطِيَادِ يَهُوذَا.
الْآيَةُ ١٦: فَدَخَلَ عَلَيْهَا
١٦. «فَدَخَلَ عَلَيْهَا.» — أَخْطَأَ يَهُوذَا هُنَا بِالزِّنَا الْبَسِيطِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَنَّتَهُ: وَكَانَتْ زَوْجَةُ يَهُوذَا قَدْ مَاتَتْ بِالْفِعْلِ كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٢، وَبِالتَّالِي كَانَ يَهُوذَا أَرْمَلًا حُرًّا؛ لَكِنَّ ثَامَارَ أَخْطَأَتْ بِالزِّنَا وَبِنَوْعٍ مِنَ الْخِيَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ (لِأَنَّهَا كَانَتْ مَخْطُوبَةً لِشِيلَةَ ابْنِ يَهُوذَا كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١١)، وَبِزِنَا الْمَحَارِمِ أَيْضًا، لِأَنَّهَا اتَّصَلَتْ بِيَهُوذَا حَمِيهَا. وَلِذَلِكَ يُخْطِئُ فْرَنْسِيسْكُوسُ جُورْجِيُوسُ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ، الْمَسْأَلَةِ ٢٦٥، حَيْثُ يَزْعُمُ أَنَّ ثَامَارَ لَمْ تُخْطِئْ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِسِرٍّ إِلَهِيٍّ. وَيُخْطِئُ خَطَأً أَشَدَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ٢٦٧، كَمَا يُخْطِئُ أَيْضًا الْحَاخَامُ مُوسَى فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ دَلَالَةِ الْحَائِرِينَ، الْإِصْحَاحِ ٥٠، حِينَ يُبَرِّئَانِ زِنَا يَهُوذَا بِثَامَارَ بِحُجَّةِ أَنَّ الْبِغَاءَ قَبْلَ شَرِيعَةِ مُوسَى لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا وَبِالتَّالِي كَانَ جَائِزًا. فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ الزِّنَا الْبَسِيطَ خَطِيئَةٌ ضِدَّ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي كُلِّ زَمَانٍ، حَتَّى قَبْلَ شَرِيعَةِ مُوسَى، مَحْظُورًا وَغَيْرَ جَائِزٍ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ) وَالْقِدِّيسُ تُومَا وَلِيرَا وَالْأَبُولِنْسِيُّ وَغَيْرُهُمْ عُمُومًا.
قَدْ تَقُولُ: الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ يُبَرِّئَانِ ثَامَارَ وَيَهُوذَا هُنَا. أُجِيبُ: إِنَّهُمَا لَا يُبَرِّئَانِ الْفِعْلَ بَلِ النِّيَّةَ وَرَاءَ الْفِعْلِ عِنْدَ ثَامَارَ، لِأَنَّ ثَامَارَ قَصَدَتْ لَا الشَّهْوَةَ كَمَا فَعَلَ يَهُوذَا، بَلِ النَّسْلَ. ثَانِيًا، إِنَّهُمَا يُبَرِّئَانِ هَذَا الْفِعْلَ نَوْعًا مَا بِقَدْرِ مَا يَنْسِبَانِهِ إِلَى تَدْبِيرِ اللهِ، أَيْ إِذْنِهِ وَتَرْتِيبِهِ. فَإِنَّ اللهَ سَمَحَ بِهَذِهِ الْخَطِيئَةِ وَبِهَذَا الزِّنَا مِنْ يَهُوذَا لِكَيْ يُولَدَ مِنْهُ فَارِصُ، وَمِنْ فَارِصَ يُولَدُ الْمَسِيحُ: فَوَجَّهَهُ إِذَنْ نَحْوَ الْمَسِيحِ.
وَهَكَذَا يَرْفَعُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بَيْعَ يُوسُفَ بِاعْتِبَارِهِ رَمْزًا لِبَيْعِ الْمَسِيحِ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ كَانَ خَطِيئَةً فَادِحَةً: لِأَنَّ اللهَ يَعْرِفُ كَيْفَ يُوَجِّهُ جَمِيعَ خَطَايَا الْبَشَرِ وَشُرُورِهِمْ نَحْوَ غَايَةٍ صَالِحَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ يَسْتَخْرِجُ دَائِمًا خَيْرًا مِنَ الشُّرُورِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ الْحَاخَامُ شِمْعُونُ بْنُ يُوحَايْ مِنْ أَنَّ ثَامَارَ زَنَتْ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ لِكَيْ تَحْبَلَ بِالْمَسِيحِ مِنْ يَهُوذَا — كَمَا تَزَوَّجَ هُوشَعُ بِأَمْرِ اللهِ وَإِلْهَامِهِ زَانِيَةً وَأَنْجَبَ مِنْهَا بَنِينَ يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ الزِّنَا — أَمْرٌ بَاطِلٌ. فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَذْكُرُ ذَلِكَ صَرَاحَةً عَنْ هُوشَعَ، بَيْنَمَا لَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ ثَامَارَ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ هَذِهِ الزَّانِيَةَ بِأَمْرِ اللهِ صَارَتْ زَوْجَةَ هُوشَعَ: لَكِنَّ مِنَ الثَّابِتِ أَنَّ ثَامَارَ لَمْ تَصِرْ زَوْجَةَ يَهُوذَا، بَلْ إِنَّ يَهُوذَا كَفَّ عَنْهَا مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٦.
الْآيَةُ ١٨: وَالْعَصَا
١٨. «وَالْعَصَا» — عَصَا سَفَرٍ مِنْ قَبِيلِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا يَعْقُوبُ فِي الطَّرِيقِ، الْإِصْحَاحُ ٣٢، الْآيَةُ ١٠.
الْآيَةُ ٢٣: لِتَحْتَفِظْ بِهَا
٢٣. «لِتَحْتَفِظْ بِهَا لِنَفْسِهَا، بِالتَّأْكِيدِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّهِمَنَا بِالْكَذِبِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: «لِتَأْخُذْ لِنَفْسِهَا (خَاتَمِي وَسِوَارِي وَعَصَايَ)، لِئَلَّا نُفْتَضَحَ: فَإِنَّنَا إِذَا بَحَثْنَا عَنْهَا وَطَالَبْنَا بِاسْتِرْدَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْهَا، فَإِنَّهَا وَقَدْ سَاءَهَا ذَلِكَ سَتُشْهِرُ زِنَايَ، وَهَكَذَا تَجْلِبُ عَلَيَّ خِزْيًا وَعَارًا عَظِيمَيْنِ؛ وَبِخَاصَّةٍ إِذَا أَبْرَزَتْ خَاتَمِي. فَسَيَسْخَرُ النَّاسُ مِنْ تَقَلُّبِي وَخَلَاعَتِي وَسُلُوكِي الْمُخْزِي لِأَنِّي أَعْطَيْتُ خَاتَمِي لِزَانِيَةٍ، وَلِأَنَّهَا بِامْتِلَاكِهَا وَاحْتِفَاظِهَا بِهَذَا الْخَاتَمِ خَدَعَتْنِي إِلَى حَدٍّ تَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَنْ تُزَوِّرَ مَا تَشَاءُ مِنَ الرَّسَائِلِ بِاسْمِي وَتَخْتِمَهَا بِخَاتَمِي. وَأَيْضًا إِذَا طَالَبْتُ بِاسْتِرْدَادِ الْخَاتَمِ، فَإِنَّهَا لِكَيْ تَحْتَفِظَ بِهِ سَتَتَبَاهَى بِأَنِّي لَمْ أَدْفَعْ لَهَا الثَّمَنَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ. وَهَكَذَا سَتَتَّهِمُنِي عَلَنًا بِالْغِشِّ وَالْكَذِبِ وَتُخْزِينِي، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا: لِأَنِّي أَرْسَلْتُ لَهَا الْجَدْيَ الَّذِي وَعَدْتُ بِهِ.» فَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ مَفْهُومَةٌ وَيَجِبُ اسْتِكْمَالُهَا فِي كَلَامِ يَهُوذَا الْمُوجَزِ هَذَا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْعِبْرِيَّةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مُتَرْجِمَنَا، إِذْ أَعَارَ اهْتِمَامَهُ لِمَقْصِدِ يَهُوذَا وَمَعْنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَاظِهِ، تَرْجَمَ بِوُضُوحٍ: «بِالتَّأْكِيدِ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّهِمَنَا بِالْكَذِبِ: أَرْسَلْتُ الْجَدْيَ الَّذِي وَعَدْتُ بِهِ.»
الْآيَةُ ٢٤: أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ
٢٤. «أَخْرِجُوهَا فَتُحْرَقَ.» — يَقُولُ يَهُوذَا هَذَا، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا، كَمَنْ يَتَّهِمُ ثَامَارَ فِي مُحَاكَمَةٍ عَلَنِيَّةٍ وَيُلِحُّ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا الْقَاضِي بِالنَّارِ. ثَانِيًا وَالْأَرْجَحُ أَنَّ يَهُوذَا هُنَا يُصْدِرُ حُكْمَ الْحَرْقِ عَلَى ثَامَارَ بِوَصْفِهِ قَاضِيًا: وَلِذَلِكَ نُفِّذَ فَوْرًا؛ إِذْ يَلِي ذَلِكَ: «وَلَمَّا كَانَتْ تُقَادُ إِلَى الْعِقَابِ.» فَإِنَّ يَهُوذَا كَانَ رَبَّ أُسْرَةٍ كَانَ وَفْقًا لِعَادَةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْقَدِيمِ قَاضِيَ عَائِلَتِهِ: أَوْ بِالْأَحْرَى إِنَّ يَهُوذَا، بِوَصْفِهِ أَشَدَّ الْإِخْوَةِ عَزِيمَةً، كَانَ قَدْ عَيَّنَهُ يَعْقُوبُ أَبُوهُ نَوْعًا مِنَ الْحَاكِمِ عَلَى الْعَائِلَةِ بِأَسْرِهَا الَّتِي كَانَتْ كَثِيرَةَ الْعَدَدِ، أَيْ جَمِيعِ الْعِبْرَانِيِّينَ: لِأَنَّهُمْ مُنْذُ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ لَهُمْ جُمْهُورِيَّتُهُمُ الْخَاصَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ عَنْ جُمْهُورِيَّةِ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَكَانَ فِيهَا الْبَطْرِيَرْكُ وَالرَّئِيسُ هُوَ يَعْقُوبُ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ اخْتَارَهُمُ اللهُ وَمَيَّزَهُمْ عَنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ، وَكَانُوا أَشْبَهَ بِجُمْهُورِيَّةٍ مُتَنَقِّلَةٍ، حَتَّى أَقَامُوا مُسْتَوْطَنَاتِهِمْ فِي كَنْعَانَ تَحْتَ قِيَادَةِ يَشُوعَ. فَيَهُوذَا إِذَنْ بِوَصْفِهِ حَاكِمًا طَالَبَ بِإِحْضَارِ كَنَّتِهِ ثَامَارَ إِلَى الْمِحْرَقَةِ، بِتُهْمَةِ الزِّنَا الْمُؤَكَّدِ وَالْعَلَنِيِّ: لِأَنَّهَا كَانَتْ مَخْطُوبَةً لِشِيلَةَ ابْنِ يَهُوذَا وَانْتَهَكَتْ هَذِهِ الْخُطْبَةَ بِاتِّصَالِهَا بِيَهُوذَا؛ وَبِالتَّالِي كَانَتْ زَانِيَةً.
مِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ عُقُوبَةَ الزِّنَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْقَدِيمِ كَانَتِ الْمَوْتَ، بَلِ الْمَوْتَ حَرْقًا: كَمَا أَمَرَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِقَتْلِ الزُّنَاةِ رَجْمًا، اللَّاوِيِّينَ ٢٠: ١٠. وَكَذَلِكَ فَرَضَ عَلَى الزَّانِيَاتِ مِيَاهَ اللَّعْنَةِ الَّتِي تَجْعَلُ أَرْحَامَهُنَّ تَتَفَتَّقُ، الْعَدَدُ ٥: ٢٧. أَمَّا الْمِصْرِيُّونَ فَكَانُوا يَجْلِدُونَ الزُّنَاةَ بِالْعِصِيِّ أَلْفَ جَلْدَةٍ، وَيَقْطَعُونَ أُنُوفَ الزَّانِيَاتِ لِلْعَارِ الدَّائِمِ. الشَّاهِدُ دِيُودُورُوسُ، الْكِتَابُ ١، الْإِصْحَاحُ ٦.
وَعِنْدَ الْعَرَبِ وَالْبَارِثِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ كَانَتْ عُقُوبَةُ الزُّنَاةِ دَائِمًا الْإِعْدَامَ: وَهَذَا مَا نَقَلَهُ مُعْظَمُ الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ رَأَوْا أَنَّ الزِّنَا جَرِيمَةٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَنْثِ. الشَّاهِدُ إِسْكَنْدَرُ أَبْ إِسْكَنْدْرُو، الْكِتَابُ ٤، الْإِصْحَاحُ ١.
وَأَهْلُ كُومَاي كَانُوا يَعْرِضُونَ الزَّانِيَةَ فِي السَّاحَةِ لِسُخْرِيَةِ الْجَمِيعِ، ثُمَّ يَطُوفُونَ بِهَا فِي الْمَدِينَةِ كُلِّهَا عَلَى حِمَارٍ لِتَكُونَ مَفْضُوحَةً طُولَ حَيَاتِهَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ تُدْعَى أَسِلَّارِيسْ (رَاكِبَةَ الْحِمَارِ) لِأَنَّهَا رَكِبَتْ حِمَارًا؛ الشَّاهِدُ بْلُوتَارْخُوسُ فِي الْمَسَائِلِ. وَسَنَّ الْمَلِكُ تِينِيسُ مَلِكُ تِينِيدُوسَ شَرِيعَةً ضِدَّ الزُّنَاةِ بِأَنْ يُقْطَعَ جَسَدُ كُلِّ مِنْهُمْ بِفَأْسٍ، وَضَرَبَ مَثَلًا بِابْنِهِ هُوَ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ. وَأَفْلَاطُونُ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنَ الْقَوَانِينِ يَحْكُمُ عَلَى الزَّانِي بِعُقُوبَةِ الْإِعْدَامِ؛ وَيُقَرِّرُ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْتُلَ الزَّانِيَ بِلَا عِقَابٍ. وَسَمَحَ صُولُونُ لِمَنْ يَقْبِضُ عَلَى زَانٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، كَمَا يَشْهَدُ بْلُوتَارْخُوسُ فِي سِيرَةِ صُولُونَ.
وَضِدَّ الزُّنَاةِ سَنَّ يُولْيُوسُ قَيْصَرُ وَأُغُسْطُسُ وَطِيبَارِيُوسُ وَدُومِيتِيَانُوسُ وَسِيفِيرُوسُ وَأُورِيلِيَانُوسُ عُقُوبَاتٍ شَدِيدَةً؛ وَابْتَكَرَ أُورِيلِيَانُوسُ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ لِلزَّانِي: يُحْنَى رَأْسَا شَجَرَتَيْنِ وَيُرْبَطَانِ بِقَدَمَيْهِ ثُمَّ يُطْلَقَانِ فَيَبْقَى مُمَزَّقًا مُعَلَّقًا بَيْنَهُمَا. الشَّاهِدُ كِيلِيُوسُ، الْكِتَابُ ١٠، الْإِصْحَاحُ ٦.
وَأُوبِيلِيُوسُ مَكْرِينُوسُ كَانَ يُحْرِقُ الزُّنَاةَ بِالنَّارِ، كَمَا يَشْهَدُ إِسْكَنْدَرُ أَبْ إِسْكَنْدْرُو الْمَذْكُورُ آنِفًا.
وَالسَّكْسُونُ، حِينَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ وَثَنِيِّينَ، كَانُوا يُجْبِرُونَ الزَّانِيَةَ عَلَى شَنْقِ نَفْسِهَا، وَفَوْقَ مِحْرَقَتِهَا وَحَرْقِ جُثَّتِهَا يُعَلِّقُونَ الزَّانِيَ؛ الشَّاهِدُ الْقِدِّيسُ بُونِيفَاسُ كَمَا نَقَلَهُ وِلْيَمُ الْمَالْمْزْبِرِيُّ، الْكِتَابُ ١، الْإِصْحَاحُ ٦٤، فِي تَارِيخِ الْإِنْكِلِيزِ.
وَفَوْقَ ذَلِكَ فَرَضَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُجْلَدَ الزَّانِي عَلَنًا مِئَةَ جَلْدَةٍ.
وَأَهْلُ الْبَرَازِيلِ إِمَّا يَقْتُلُونَ الزَّانِيَاتِ أَوْ يَبِيعُونَهُنَّ جَوَارِيَ: الشَّاهِدُ أُوسُورِيُوسُ، الْكِتَابُ ٢ مِنْ أَعْمَالِ عِمَّانُوئِيلَ.
مُلَاحَظَةٌ: يَهُوذَا هُنَا يَتَسَرَّعُ فِي الْحُكْمِ بِدَافِعِ الْغَضَبِ: لِأَنَّهُ يُدِينُ ثَامَارَ دُونَ سَمَاعِهَا؛ وَيُدِينُ أَيْضًا لَا ثَامَارَ وَحْدَهَا بَلْ جَنِينَهَا الْبَرِيءَ أَيْضًا. فَإِنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ تُحْرَقَ ثَامَارُ وَهِيَ حُبْلَى بِجَنِينٍ عُمْرُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ قَدْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ؛ وَبِذَلِكَ يُقْتَلُ الْجَنِينُ جَسَدًا وَرُوحًا، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ طَبِيعِيَّةٍ وَدَوْلِيَّةٍ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ. فَمَا يُفَسِّرُهُ الْبَعْضُ هَكَذَا: «أَخْرِجُوهَا» أَيْ لَا إِلَى الْمِحْرَقَةِ فَوْرًا بَلْ إِلَى السِّجْنِ لِتُحْفَظَ فِيهِ حَتَّى تَلِدَ ثُمَّ تُحْرَقَ، لَا يَتَّسِقُ كِفَايَةً مَعَ النَّصِّ الَّذِي يَقُولُ: «أَخْرِجُوهَا» لَا لِتُسْجَنَ بَلْ «لِتُحْرَقَ.» وَلِذَلِكَ جُرَّتْ ثَامَارُ فَوْرًا إِلَى النَّارِ. فَإِنَّ مُوسَى يُضِيفُ عَلَى الْفَوْرِ قَائِلًا: «وَلَمَّا كَانَتْ تُقَادُ إِلَى الْعِقَابِ.» فَثَامَارُ لَا تَلِدُ إِلَّا فِي الْآيَةِ ٢٧.
الْآيَةُ ٢٦: هِيَ أَبَرُّ مِنِّي
٢٦. «هِيَ أَبَرُّ مِنِّي.» — لَا يَقُولُ «هِيَ أَقْدَسُ مِنِّي» أَوْ «أَعَفُّ» بَلْ «أَبَرُّ»؛ لِأَنَّ ثَامَارَ أَخْطَأَتْ خَطِيئَةً أَشَدَّ مِنْ يَهُوذَا: فَهُوَ أَخْطَأَ بِالزِّنَا الْبَسِيطِ وَحْدَهُ، بَيْنَمَا هِيَ أَخْطَأَتْ بِالزِّنَا وَالْخِيَانَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَزِنَا الْمَحَارِمِ. وَمَعَ ذَلِكَ كَانَتْ أَبَرَّ، أَيْ أَكْثَرَ إِنْصَافًا وَعَدْلًا: فَقَدْ عَامَلَتْ ثَامَارُ يَهُوذَا بِعَدْلٍ أَكْثَرَ مِمَّا عَامَلَ يَهُوذَا ثَامَارَ: لِأَنَّ يَهُوذَا لَمْ يُوفِ بِوُعُودِهِ وَاتِّفَاقَاتِهِ مَعَهَا، إِذْ حَرَمَهَا مِنَ الزَّوَاجِ الْمَوْعُودِ بِشِيلَةَ؛ وَهَكَذَا اسْتَفَزَّهَا وَدَفَعَهَا إِلَى ابْتِكَارِ هَذِهِ الْحِيلَةِ ضِدَّ يَهُوذَا، فَالنَّسْلُ الَّذِي كَانَتْ تَرْجُوهُ مِنْ شِيلَةَ وَمَنَعَهُ يَهُوذَا ظُلْمًا، طَلَبَتْهُ مِنْ يَهُوذَا نَفْسِهِ. فَلَمَّا كَانَتْ ثَامَارُ قَدِ ارْتَبَطَتْ بِعَائِلَةِ يَهُوذَا وَإِبْرَاهِيمَ وَتَوَّاقَةً بِشِدَّةٍ إِلَى نَسْلٍ مِنْهَا، وَشِيلَةُ الَّذِي هُوَ لَهَا حُرِمَتْ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا سَبِيلٌ آخَرُ لِتَحْقِيقِ رَغْبَتِهَا الْمَشْرُوعَةِ سِوَى أَنْ تَطْلُبَ النَّسْلَ بِحِيلَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَبْرَ جَرِيمَةٍ، مِنْ يَهُوذَا نَفْسِهِ: فَكَانَتْ ثَامَارُ إِذَنْ أَكْثَرَ خَطِيئَةً أَمَامَ اللهِ، لَكِنَّهَا أَبَرُّ أَمَامَ يَهُوذَا.
«لِأَنِّي لَمْ أُعْطِهَا لِشِيلَةَ.» — افْهَمْ: لِذَلِكَ فَعَلَتْ هَذَا، لِتَرُدَّ عَلَيَّ الضَّرْبَةَ.
«وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا بَعْدُ.» — فَبَقِيَتْ ثَامَارُ عَزْبَاءَ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، قَانِعَةً بِالنَّسْلِ الَّذِي نَالَتْهُ مِنْ يَهُوذَا، كَمَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ؛ لِأَنَّ شِيلَةَ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَهَا زَوْجَةً وَقَدْ تَنَجَّسَتْ بِزِنَا الْمَحَارِمِ مَعَ أَبِيهِ، بَلْ تَزَوَّجَ أُخْرَى كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعَدَدِ ٢٦: ١٩، وَمِنْهَا وَلَدَ أَبْنَاءً مُتَعَدِّدِينَ، وَمِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ أَوْقَفَ الشَّمْسَ، كَمَا يُذْكَرُ فِي أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأُولَى ٤: ٢٢، فَلْيُرَاجَعْ هُنَاكَ.
الْآيَةُ ٢٧: ظَهَرَا
٢٧. «ظَهَرَا.» — وَضَعَتِ الْقَابِلَةُ يَدَهَا عَلَى الرَّحِمِ فَأَدْرَكَتْ أَنَّ اثْنَيْنِ يَتَحَرَّكَانِ فِي الدَّاخِلِ وَيَتَنَازَعَانِ كَأَنَّمَا عَلَى أَيِّهِمَا يَخْرُجُ أَوَّلًا.
الْآيَةُ ٢٨: هَذَا يَخْرُجُ أَوَّلًا
٢٨. «هَذَا يَخْرُجُ أَوَّلًا.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «هَذَا خَرَجَ أَوَّلًا»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا هُوَ الْبِكْرُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ يَدَهُ أَوَّلًا؛ فَلِذَلِكَ سَأَرْبِطُهُ وَأُعَلِّمُهُ بِخَيْطٍ قِرْمِزِيٍّ أَوْ حَبْلٍ، حَتَّى إِذَا نَشَأَ شَكٌّ أَوِ الْتِبَاسٌ عُرِفَ مِنَ الْخَيْطِ أَنَّ هَذَا أَخْرَجَ يَدَهُ أَوَّلًا وَأَنَّهُ الْبِكْرُ.
الْآيَةُ ٢٩: لَمَّا رَدَّ يَدَهُ
٢٩. «لَمَّا رَدَّ يَدَهُ.» — يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ حَدَثَتْ بِتَوْجِيهِ اللهِ وَتَدْبِيرِهِ؛ أَيْ أَنَّ اللهَ أَرَادَ أَلَّا يُولَدَ زَارَحُ بَلْ فَارِصُ أَوَّلًا وَيَكُونَ الْبِكْرَ، لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُولَدَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ مِنْ فَارِصَ.
«فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ» — أَيِ الْقَابِلَةُ الْمُنْزَعِجَةُ لِأَنَّهَا خُدِعَتْ، وَأَيْضًا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُؤْذِيَ هَذَا النِّزَاعُ الْعَنِيفُ وَالِانْدِفَاعُ الْأُمَّ أَوِ التَّوْأَمَيْنِ، قَالَتْ:
«لِمَاذَا انْثَلَمَ الْجِدَارُ بِسَبَبِكَ؟» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: «لِمَاذَا اخْتَرَقْتَ ثَغْرَةً عَلَى نَفْسِكَ» أَوْ «جِدَارًا»، أَيْ لِمَاذَا كَسَرْتَ الْغِشَاءَ الَّذِي يُغَلِّفُكَ لِتَخْرُجَ قَبْلَ أَخِيكَ؟ أَيْ لِمَاذَا شَقَقْتَ الْأَغْشِيَةَ وَخَرَجْتَ أَوَّلًا وَسَبَقْتَ أَخَاكَ؟
فَالتَّوَائِمُ لَهُمْ نَفْسُ أَغْشِيَةِ الْمَشِيمَةِ. اسْمَعْ فِيرْنِيلِيُوسَ، الْكِتَابُ ٧ مِنْ عِلْمِ وَظَائِفِ الْأَعْضَاءِ، الْإِصْحَاحُ ١٢: «التَّوَائِمُ مِنْ نَفْسِ الْجِنْسِ يُلَفُّونَ فِي نَفْسِ الْمَشِيمَةِ، وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ سِوَى غِشَاءٍ بَسِيطٍ (يُسَمُّونَهُ الْأَمْنِيُونَ، أَيْ جِلْدَ الْحَمَلِ)؛ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَبْلُهُ السُّرِّيُّ الْخَاصُّ وَأَوْرِدَتُهُ وَشَرَايِينُهُ الْخَاصَّةُ؛ أَمَّا مَنْ هُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَهُمَا أَغْشِيَةُ مَشِيمَةٍ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا، وَمُنْفَصِلَةٌ تَمَامًا.» وَنَفْسُ الشَّيْءِ يُعَلِّمُهُ رُودْرِيغُو دِي كَاسْتْرُو فِي الْكِتَابِ ٣ عَنْ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ، الْإِصْحَاحُ ١٣، وَيَعْتَرِفُ أَطِبَّاؤُنَا بِأَنَّهُمْ وَجَدُوا نَفْسَ الشَّيْءِ بِالتَّجْرِبَةِ.
مُلَاحَظَةٌ: هَذِهِ كَلِمَاتُ الْقَابِلَةِ الْمُنْزَعِجَةِ كَمَا قُلْتُ لِأَنَّ خُرُوجَ زَارَحَ مِنَ الرَّحِمِ وَحَقَّ بُكُورِيَّتِهِ انْتُزِعَا مِنْهُ بِوَاسِطَةِ فَارِصَ. لَاحِظْ: بَدَلَ «الْجِدَارِ» (مَاكِيرِيَا)، فِي الْعِبْرِيَّةِ فَارِصُ، أَيْ ثَغْرَةٌ، وَأَيْضًا جِدَارٌ أَوْ سِيَاجٌ (كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ) يُثْلَمُ؛ وَهَذَا الْجِدَارُ هُوَ الْغِشَاءُ الَّذِي يُحِيطُ بِالْجَنِينِ فِي رَحِمِ أُمِّهِ كَالْجِدَارِ وَيُغَلِّفُهُ، وَبِاخْتِرَاقِهِ يَخْرُجُ. وَهَذَا الْغِشَاءُ يُسَمَّى الْمَشِيمَةَ (سِيكُونْدِينَاي) لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْوَلِيدَ وَيُطْرَدُ مِنَ الرَّحِمِ. وَمِنْ هُنَا دُعِيَ الطِّفْلُ فَارِصَ، أَيِ الِانْقِسَامَ أَوِ الْمُنْقَسِمَ أَوِ الْكَاسِرَ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ كَسَرَ وَشَقَّ أَغْشِيَةَ الْمَشِيمَةِ كَجِدَارٍ يَعْتَرِضُ طَرِيقَهُ لِيُولَدَ أَوَّلًا. يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ: «مِنْ فَارِصَ، مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ شَقَّ غِشَاءَ الْمَشِيمَةِ الرَّقِيقَ، نَالَ اسْمَ الِانْقِسَامِ: وَمِنْ هُنَا أَيْضًا الْفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ فَصَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الشَّعْبِ كَأَنَّهُمْ أَبْرَارٌ دُعُوا فَرِّيسِيِّينَ أَيِ الْمُنْفَصِلِينَ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا ذَلِكَ النَّقْشُ لِبِلْشَاصَّرَ، دَانِيَالُ ٥: ٢٨: «مَنَا، تَقِيلْ، فَرِسْ»، أَيْ «عُدَّتْ مَمْلَكَتُكَ وَوُزِنَتْ وَقُسِمَتْ» وَأُعْطِيَتْ لِلْفُرْسِ وَالْمَادِيِّينَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.
لَاحِظْ ثَانِيًا أَنَّ فَارِصَ اعْتُبِرَ بِكْرَ يَهُوذَا وَحَمَلَ حُقُوقَ الْبُكُورِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ يُتَتَبَّعُ نَسَبُ يَهُوذَا مِنْ خِلَالِ فَارِصَ: وَدَاوُدُ وَجَمِيعُ الْمُلُوكِ، وَالْمَسِيحُ نَفْسُهُ الَّذِي وُعِدَ بِهِ يَهُوذَا فِي التَّكْوِينِ ٤٩: ١٠، انْحَدَرُوا مِنْهُ عَبْرَ فَارِصَ.
قَدْ تَقُولُ: شِيلَةُ الِابْنُ الشَّرْعِيُّ لِيَهُوذَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ فَارِصَ، لِأَنَّهُ وُلِدَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ عِيرٍ وَأُونَانَ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا مَاتَا آلَ حَقُّ الْبُكُورِيَّةِ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ شِيلَةَ تَرَكَ أَبْنَاءً ذُكِرَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأُولَى ٤: ٢١. أُجِيبُ: كَانَ عِيرٌ بِكْرَ يَهُوذَا، وَلَمَّا مَاتَ كَانَ يَنْبَغِي لِأُونَانَ ثُمَّ لِشِيلَةَ أَنْ يَتَزَوَّجَا أَرْمَلَتَهُ ثَامَارَ وَيُقِيمَا نَسْلًا لِعِيرٍ أَخِيهِمَا وَيَنْسِبَا الْبِكْرَ إِلَى اسْمِهِ، أَيْ يَدْعُوَاهُ ابْنَ عِيرٍ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٩. لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَفْعَلْ شِيلَةُ ذَلِكَ، بَلْ فَعَلَهُ يَهُوذَا بِإِنْجَابِهِ فَارِصَ مِنْ ثَامَارَ، فَإِنَّ فَارِصَ يُعَدُّ الْبِكْرَ بِوَصْفِهِ ابْنَ ثَامَارَ زَوْجَةِ عِيرٍ الْبِكْرِ، وَبِالتَّالِي خَلَفًا لِعِيرٍ الْبِكْرِ وَفْقَ عَادَةِ ذَلِكَ الْعَصْرِ وَشَرِيعَتِهِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ يُسْرَدُ هُنَا بِإِسْهَابٍ خَبَرُ وِلَادَةِ فَارِصَ قَبْلَ زَارَحَ، لِأَنَّهُ لَوْ وُلِدَ زَارَحُ قَبْلَ فَارِصَ لَكَانَ هُوَ بِكْرَ يَهُوذَا: وَلِذَلِكَ تَنَازَعَ فِي الرَّحِمِ مَعَ فَارِصَ لِيُولَدَ أَوَّلًا.
وَهُنَا نَرَى أَيْضًا السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ طَلَبَتْ ثَامَارُ بِإِلْحَاحٍ شَدِيدٍ نَسْلًا مِنْ شِيلَةَ، وَحِينَ حُرِمَتْ مِنْهُ مِنْ يَهُوذَا؛ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يُولَدَ مِنْهَا الْبِكْرُ الْوَارِثُ وَأَمِيرُ أَنْبَلِ عَائِلَةٍ فِي يَهُوذَا. فَمَعَ أَنَّ شَرِيعَةَ إِقَامَةِ النَّسْلِ لِلْأَخِ الْمَيِّتِ كَانَتْ تَذْكُرُ وَتُلْزِمُ الْإِخْوَةَ فَقَطْ لَا الْآبَاءَ، لِأَنَّ اتِّصَالَ الْكَنَّةِ بِالْأَبِ أَيْ بِالْحَمِيِّ كَانَ مُحَرَّمًا: وَلَكِنْ إِذَا حَرَمَ الْأَبُ ابْنَهُ مِنَ الْكَنَّةِ الْأَرْمَلَةِ الْعَقِيمِ، وَهُوَ ابْنٌ كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهَا بِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ، فَطَالَبَتْ بِحَقِّهَا وَإِنْ عَبْرَ جَرِيمَةٍ مِنَ الْأَبِ أَيِ الْحَمِيِّ، كَمَا فَعَلَتْ ثَامَارُ هُنَا، فَإِنَّ النَّسْلَ الْأَوَّلَ الْمَوْلُودَ مِنْهَا كَانَ يُعَدُّ الْبِكْرَ، لِأَنَّ الْأَبَ بِتَفْسِيرٍ قَانُونِيٍّ وَافْتِرَاضِيٍّ يُعَدُّ كَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَدَّى الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلْكَنَّةِ وَلِبِكْرِهِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ بَدَلَ ابْنِهِ الْحَيِّ. فَمَا دَامَتْ قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ تَقُولُ: «مَا يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ بِوَاسِطَةِ آخَرَ يُعَدُّ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ»؛ فَبِالْأَوْلَى مَا كَانَ مُلْزَمًا بِفِعْلِهِ بِوَاسِطَةِ آخَرَ إِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ يَجِبُ أَنْ يُعَدَّ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْفِعْلِ. وَيُضِيفُ الْبَعْضُ أَنَّ سُلَالَةَ شِيلَةَ يَبْدُو أَنَّهَا انْقَرَضَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ، إِذْ لَا يُذْكَرُ لَهَا أَثَرٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَكِنَّ سُلَالَةَ فَارِصَ بَقِيَتْ حَتَّى الْمَسِيحِ. فَلَمَّا انْقَرَضَتْ سُلَالَةُ شِيلَةَ آلَتِ الْبُكُورِيَّةُ بِكُلِّ حَقٍّ إِلَى سُلَالَةِ فَارِصَ بِوَصْفِهَا الْأَقْرَبَ. لَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مُؤَكَّدٍ وَلَا يَكْفِي. فَمُنْذُ الْبِدَايَةِ ذَاتِهَا، وَسُلَالَةُ شِيلَةَ لَا تَزَالُ قَائِمَةً، كَانَ عَمِّينَادَابُ الَّذِي هُوَ ثَانِي أَحْفَادِ فَارِصَ (لِأَنَّ فَارِصَ وَلَدَ حَصْرُونَ، وَحَصْرُونَ وَلَدَ رَامَ، وَرَامَ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ، وَابْنُهُ نَحْشُونُ) أُمَرَاءَ فِي سِبْطِ يَهُوذَا بِوَصْفِهِمْ أَبْنَاءَ الْبِكْرِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعَدَدِ ١: ٧.
الْآيَةُ ٣٠: زَارَحُ
٣٠. «زَارَحُ.» — «زَارَحُ» فِي الْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الشُّرُوقَ، لِأَنَّ هَذَا الِابْنَ إِذْ كَانَ قَدْ مَدَّ يَدَهُ أَوَّلًا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ طَبِيعِيًّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَشْرُقُ وَيُولَدُ. وَسُمِّيَ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ «زَارَحَ» أَيِ الشُّرُوقَ، إِمَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَوَّلًا، أَوْ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّالِحِينَ وُلِدُوا مِنْهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأُولَى الْإِصْحَاحِ ٢ وَمَا بَعْدَهُ.
رَمْزِيًّا، زَارَحُ الَّذِي مَدَّ يَدَهُ أَوَّلًا يُمَثِّلُ الْيَهُودِيَّ الَّذِي تَلَقَّى الشَّرِيعَةَ أَوَّلًا، لَكِنَّهُ رَدَّ يَدَهُ مَرْبُوطَةً بِالْخَيْطِ الْقِرْمِزِيِّ، لِأَنَّهُ حَوَّلَ ضَمِيرَهُ الْمُلَطَّخَ بِدَمِ الْمَسِيحِ بَعِيدًا عَنِ اللهِ وَالْخَلَاصِ: فَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَيْهِ فَارِصُ، أَيِ الشَّعْبُ الْأُمَمِيُّ، الَّذِي وَصَلَ أَوَّلًا إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَوُلِدَ لِلَّهِ وَهَدَمَ جِدَارَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ بِدَمِ الْمَسِيحِ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ وَكِيرِلُّسُ. لَكِنْ عَلَى الْعَكْسِ، يَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَإِيرِينَاوُسُ وَثِيُودُورِيطُسُ أَنَّ زَارَحَ يُمَثِّلُ الْمَسِيحِيِّينَ مِنَ الْأُمَمِ، وَفَارِصَ يُمَثِّلُ الْيَهُودَ.
تَأَمُّلٌ أَخْلَاقِيٌّ: فِي أَصْلِ النَّبَالَةِ
أَخْلَاقِيًّا، انْظُرْ هُنَا كَيْفَ هُوَ أَصْلُ أَنْبَلِ الْعَائِلَاتِ، وَمَا هِيَ النَّبَالَةُ حَقًّا. فَهَا إِنَّهُ مِنْ زِنَا الْمَحَارِمِ هَذَا بَيْنَ يَهُوذَا وَثَامَارَ انْحَدَرَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَجَمِيعُ مُلُوكِ يَهُوذَا، وَالْمَسِيحُ الرَّبُّ نَفْسُهُ: لِأَنَّهُ انْحَدَرَ مِنْ يَهُوذَا عَبْرَ فَارِصَ وَثَامَارَ. فَجَمِيعُ أَبْنَاءِ يَهُوذَا الشَّرْعِيِّينَ إِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسْلٌ كَعِيرٍ وَأُونَانَ، أَوْ كَانَ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ قَلِيلَةٌ وَعَادِيَّةٌ كَشِيلَةَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأُولَى ٤: ٢١. وَبِالْمِثْلِ لَا يُوجَدُ مَلِكٌ أَوْ أَمِيرٌ لَوْ تَتَبَّعَ أَسْلَافَهُ أَلْفَيْ سَنَةٍ إِلَى الْوَرَاءِ إِلَّا وَلَوَجَدَ بَيْنَهُمْ كَثِيرًا مِنَ اللُّقَطَاءِ وَالرِّيفِيِّينَ وَالْإِسْكَافِيِّينَ أَوْ مَنْ هُمْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ كَثِيرُونَ جِدًّا رُفِعُوا إِلَى الْمُلْكِ مِنْ أَحْقَرِ أَصْلٍ. هَكَذَا ارْتَقَى شَاوُلُ مِنَ الْحَمِيرِ، وَدَاوُدُ مِنَ الْغَنَمِ إِلَى الْمُلْكِ. وَيَفْتَاحُ مِنْ قَاطِعِ طَرِيقٍ صَارَ رَئِيسًا، وَأَرْشَاكِيسُ مِنْ لِصٍّ صَارَ مَلِكَ الْبَارِثِيِّينَ، وَجِيجِسُ مِنْ رَاعٍ صَارَ مَلِكَ اللِّيدِيِّينَ. وَدَارِيُوسُ هُسْتَاسْبِيسُ كَانَ حَامِلَ جَعْبَةِ قُورُشَ. وَفَالِنْتِينِيَانُوسُ الْأَوَّلُ الْإِمْبِرَاطُورُ كَانَ أَبُوهُ صَانِعَ حِبَالٍ. وَتَيْمُورْلَنْكُ مِنْ رَاعِي بَقَرٍ صَارَ مَلِكَ التَّتَارِ. وَأَغَاثُوكْلِيسُ طَاغِيَةُ سِرَاقُوسَةَ كَانَ أَبُوهُ خَزَّافًا. وَتُولُّوسُ هُوسْتِيلِيُوسُ مِنْ رَاعٍ صَارَ مَلِكَ الرُّومَانِ. وَأُورِيلِيَانُوسُ وَدِيُوقْلِيتِيَانُوسُ وُلِدَا مِنْ أَصْلٍ وَضِيعٍ. وَمَكْسِيمِينُوسُ كَانَ رَاعِيًا. وَمَكْسِيمُوسُ بُوبِيَانُوسُ كَانَ أَبُوهُ حَدَّادًا. وَيُوسْتِينُوسُ الْأَوَّلُ الْإِمْبِرَاطُورُ كَانَ أَوَّلًا رَاعِيَ خَنَازِيرَ، ثُمَّ رَاعِيَ بَقَرٍ، ثُمَّ نَجَّارًا، ثُمَّ جُنْدِيًّا، وَمِنْ ثَمَّ إِمْبِرَاطُورًا. وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ كَانَ سَائِقَ جِمَالٍ. وَعُثْمَانُ أَوَّلُ أَمِيرٍ لِلتُّرْكِ وُلِدَ مِنْ أَبَوَيْنِ مُزَارِعَيْنِ، وَذُرِّيَّتُهُ لَا تَزَالُ أَبَاطِرَةَ التُّرْكِ. وَسَلَاطِينُ مِصْرَ بِمُوجِبِ نِظَامِ الْأُمَّةِ وَالْمَمْلَكَةِ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ يَرْتَقُوا إِلَى ذَلِكَ الشَّرَفِ. بِاخْتِصَارٍ، كُلُّ نَبَالَةٍ كَانَتْ لَهَا بِدَايَةٌ غَيْرُ نَبِيلَةٍ: وَمَنْ يَفْتَخِرُ بِنَبَالَةِ أَسْلَافِهِ إِنَّمَا يَفْتَخِرُ لَا بِفَضِيلَتِهِ بَلْ بِفَضِيلَةِ غَيْرِهِ. وَهَذَا إِذَنْ بَاطِلٌ.
وَقَدْ أَحْسَنَ إِيفِيكْرَاتِيسُ حِينَ قَالَ لِمَنْ عَيَّرَهُ بِدَنَاءَةِ أَصْلِهِ: «نَسَبِي يَبْدَأُ بِي، وَنَسَبُكَ يَنْتَهِي بِكَ.» هَكَذَا يَقُولُ بْلُوتَارْخُوسُ فِي الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ. وَأَعْطَى شِيشِرُونُ مُنَافِسِيهِ نَفْسَ الْجَوَابِ: «أَنَا أَنَرْتُ أَسْلَافِي بِفَضِيلَتِي.»