كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ — الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ

(يُوسُفُ وَامْرَأَةُ فُوطِيفَارَ)



مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

تُمْتَحَنُ عِفَّةُ يُوسُفَ مِنْ قِبَلِ سَيِّدَتِهِ: فَيَتْرُكُ لَهَا رِدَاءَهُ وَيَهْرُبُ، وَبِسَبَبِ اتِّهَامِ سَيِّدَتِهِ الْكَاذِبِ يُلْقَى فِي السِّجْنِ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا (التَّكْوِينُ ٣٩: ١–٢٣)

١. فَأُنْزِلَ يُوسُفُ إِلَى مِصْرَ، وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ، خَصِيُّ فِرْعَوْنَ وَرَئِيسُ الْجُنْدِ، رَجُلٌ مِصْرِيٌّ، مِنْ يَدِ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ الَّذِينَ أَنْزَلُوهُ إِلَى هُنَاكَ. ٢. وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ، فَكَانَ رَجُلًا نَاجِحًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَقَامَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ، ٣. الَّذِي عَرَفَ جَيِّدًا أَنَّ الرَّبَّ مَعَهُ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَصْنَعُهُ يُوَجِّهُهُ الرَّبُّ فِي يَدِهِ. ٤. فَوَجَدَ يُوسُفُ نِعْمَةً أَمَامَ سَيِّدِهِ وَكَانَ يَخْدُمُهُ، وَإِذْ أَقَامَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ كَانَ يُدَبِّرُ الْبَيْتَ الْمُوكَلَ إِلَيْهِ وَكُلَّ مَا سُلِّمَ لَهُ. ٥. فَبَارَكَ الرَّبُّ بَيْتَ الْمِصْرِيِّ مِنْ أَجْلِ يُوسُفَ، وَكَثَّرَ كُلَّ مُمْتَلَكَاتِهِ فِي الْأَبْنِيَةِ وَالْحُقُولِ. ٦. وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا آخَرَ إِلَّا الْخُبْزَ الَّذِي يَأْكُلُهُ. وَكَانَ يُوسُفُ جَمِيلَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْمَنْظَرِ. ٧. فَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ أَلْقَتْ سَيِّدَتُهُ عَيْنَيْهَا عَلَى يُوسُفَ وَقَالَتْ: اضْطَجِعْ مَعِي. ٨. فَلَمْ يَرْضَ هُوَ أَلْبَتَّةَ بِالْعَمَلِ الْفَاجِرِ، وَقَالَ لَهَا: هُوَذَا سَيِّدِي قَدْ سَلَّمَنِي كُلَّ شَيْءٍ وَلَا يَعْرِفُ مَا فِي بَيْتِهِ. ٩. وَلَيْسَ شَيْءٌ لَيْسَ فِي سُلْطَتِي أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيَّ، إِلَّا أَنْتِ لِأَنَّكِ زَوْجَتُهُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى إِلَهِي؟ ١٠. وَبِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُضَايِقُ الْفَتَى وَهُوَ يَرْفُضُ الزِّنَا. ١١. وَحَدَثَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ أَنَّ يُوسُفَ دَخَلَ الْبَيْتَ لِيَقُومَ بِعَمَلٍ مَا بِدُونِ شُهُودٍ، ١٢. فَأَمْسَكَتْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ وَقَالَتِ: اضْطَجِعْ مَعِي. فَتَرَكَ رِدَاءَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى الْخَارِجِ. ١٣. فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الثَّوْبَ فِي يَدَيْهَا وَأَنَّهَا ازْدُرِيَتْ، ١٤. نَادَتْ رِجَالَ بَيْتِهَا وَقَالَتْ لَهُمْ: اُنْظُرُوا، لَقَدْ أَدْخَلَ لَنَا رَجُلًا عِبْرَانِيًّا لِيَسْخَرَ مِنَّا. دَخَلَ عَلَيَّ لِيَضْطَجِعَ مَعِي، فَلَمَّا صَرَخْتُ ١٥. وَسَمِعَ صَوْتِي تَرَكَ الرِّدَاءَ الَّذِي كُنْتُ أُمْسِكُهُ وَهَرَبَ إِلَى الْخَارِجِ. ١٦. فَأَبْقَتِ الرِّدَاءَ عِنْدَهَا دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهَا وَأَرَتْهُ لِزَوْجِهَا حِينَ عَادَ إِلَى الْبَيْتِ، ١٧. وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ الْعَبْدُ الْعِبْرَانِيُّ الَّذِي أَحْضَرْتَهُ لِيَسْخَرَ مِنِّي. ١٨. فَلَمَّا سَمِعَنِي أَصْرُخُ تَرَكَ الرِّدَاءَ الَّذِي كُنْتُ أُمْسِكُهُ وَهَرَبَ إِلَى الْخَارِجِ. ١٩. فَلَمَّا سَمِعَ سَيِّدُهُ هَذَا وَكَانَ سَرِيعَ التَّصْدِيقِ لِكَلَامِ زَوْجَتِهِ غَضِبَ جِدًّا. ٢٠. فَدَفَعَ يُوسُفَ إِلَى السِّجْنِ حَيْثُ كَانَ مَحْبُوسُو الْمَلِكِ يُحْرَسُونَ، فَكَانَ هُنَاكَ مُقَيَّدًا. ٢١. وَلَكِنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَ يُوسُفَ، وَإِذْ رَحِمَهُ أَعْطَاهُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ رَئِيسِ السِّجْنِ. ٢٢. فَسَلَّمَ إِلَى يَدِهِ جَمِيعَ الْمَسْجُونِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَحْبُوسِينَ، وَكُلُّ مَا كَانَ يُعْمَلُ كَانَ تَحْتَ إِشْرَافِهِ. ٢٣. وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مُوكَلًا إِلَيْهِ، لِأَنَّ الرَّبَّ كَانَ مَعَهُ وَكَانَ يُوَجِّهُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ.


الْآيَةُ ١: يُوسُفُ أُنْزِلَ إِلَى مِصْرَ

هُنَا يَعُودُ مُوسَى إِلَى تَارِيخِ يُوسُفَ الَّذِي انْقَطَعَ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ بِتَارِيخِ نَسَبِ يَهُوذَا؛ إِذْ إِنَّ مُوسَى يَتَتَبَّعُ أَعْمَالَ يُوسُفَ وَيَهُوذَا دُونَ سَائِرِ الْإِخْوَةِ، لِأَنَّ يَهُوذَا وَيُوسُفَ اقْتَسَمَا بَكُورِيَّةَ رَأُوبَيْنَ الَّتِي سَقَطَ مِنْهَا هُوَ نَفْسُهُ بِسَبَبِ الزِّنَا بِالْمَحَارِمِ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ وَالْأَرْبَعِينَ، الْآيَتَيْنِ ٣ وَ٤.

وَاشْتَرَاهُ فُوطِيفَارُ — يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، أَنَّ فُوطِيفَارَ اشْتَرَى يُوسُفَ بِسَبَبِ جَمَالِهِ الْفَائِقِ لِغَرَضٍ مُخْزٍ، وَلِذَلِكَ بِانْتِقَامٍ إِلَهِيٍّ ذَبُلَتْ أَعْضَاؤُهُ التَّنَاسُلِيَّةُ فَصَارَ خَصِيًّا، وَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتِيرَ كَاهِنًا لِأُونَ (هِيلِيُوبُولِيسَ)، وَأَنَّ ابْنَتَهُ هِيَ أَسْنَاتُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا يُوسُفُ فِيمَا بَعْدُ. وَيَبْدُو أَنَّ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ يُؤَيِّدُ هَذَا التَّقْلِيدَ، وَيَتْبَعُهُ رُوبِرْتُوسُ. لَكِنَّ آخَرِينَ عُمُومًا، وَلَيْسَ بِلَا سَبَبٍ، يَعْتَبِرُونَهُ خُرَافَةً اخْتَلَقَهَا الْيَهُودُ عَلَى عَادَتِهِمْ.


الْآيَةُ ٢: وَكَانَ الرَّبُّ مَعَهُ

وَكَانَ الرَّبُّ مَعَهُ — يُوَجِّهُهُ وَيُنْجِحُهُ هُوَ وَجَمِيعَ أَعْمَالِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجْعَلُهُ مَحْبُوبًا وَمَقْبُولًا عِنْدَ الْجَمِيعِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. وَمِنْ هُنَا يَتْبَعُ: «وَكَانَ رَجُلًا (لَا فِي السِّنِّ، إِذْ كَانَ شَابًّا فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، بَلْ فِي الْحِكْمَةِ وَالرَّزَانَةِ) نَاجِحًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.» مَا أَسْعَدَ وَأَحْظَى مَنْ يُوَجِّهُ اللهُ كُلَّ أَعْمَالِهِ!

لَاحِظْ أَنَّ يُوسُفَ وَجَدَ اللهَ حَتَّى فِي مِصْرَ: فَإِنَّ الْإِنْسَانَ التَّقِيَّ الْقِدِّيسَ أَيْنَمَا كَانَ يَجِدُ اللهَ، وَفْقًا لِقَوْلِ الْمَزْمُورِ ١٣٩: «إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْتَ هُنَاكَ.» اُنْظُرْ أَمَانَةَ اللهِ الَّذِي لَا يَتْرُكُ أَبَدًا أَحِبَّاءَهُ فِي الشَّدَائِدِ، كَمَا يَفْعَلُ الْعَالَمُ.

اُنْظُرْ أَيْضًا كَيْفَ أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ هِيَ وَطَنٌ لِلشُّجَاعِ. سْتِيلْبُو، حِينَ أَسَرَهُ دِيمِيتْرِيُوسُ فِي مِيغَارَا وَسُئِلَ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا، أَجَابَ: «لَا تَنْتَزِعُ الْحَرْبُ غَنَائِمَ مِنَ الْفَضِيلَةِ.» وَبِيَاسُ، حِينَ سُبِيَ وَطَنُهُ، قَالَ وَهُوَ فَارٌّ: «أَحْمِلُ جَمِيعَ مُمْتَلَكَاتِي مَعِي.» وَيُوسُفُ هُنَا شَعَرَ بِالْمِثْلِ وَفَعَلَ كَذَلِكَ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٦٢ أَنَّ يُوسُفَ فِي مَصَائِبِهِ الْكَثِيرَةِ الْعَظِيمَةِ لَمْ يَيْأَسْ وَلَمْ يَشُكَّ فِي حُلْمِهِ وَلَا فِي وَعْدِ اللهِ بِرِفْعَتِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ اللهَ قَدْ تَخَلَّى عَنْهُ؛ بَلْ «احْتَمَلَ كُلَّ شَيْءٍ، يَقُولُ، بِشَجَاعَةٍ وَوَدَاعَةٍ، رَاجِيًا مِنَ اللهِ نَصِيبًا أَفْضَلَ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّهُ سَيُرْفَعُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. فَهَذِهِ عَادَةُ اللهِ، يَقُولُ، أَنْ لَا يُعْفِيَ الرِّجَالَ الْمُمْتَازِينَ بِالْفَضِيلَةِ مِنَ التَّجَارِبِ وَالْأَخْطَارِ، بَلْ يُظْهِرَ قُدْرَتَهُ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ ذَاتِهَا، بِحَيْثُ تَصِيرُ التَّجَارِبُ نَفْسُهَا لَهُمْ مُنَاسَبَةً لِفَرَحٍ عَظِيمٍ. وَلِهَذَا يَقُولُ الطُّوبَاوِيُّ دَاوُدُ أَيْضًا: فِي الضِّيقِ رَحَّبْتَ لِي؛ لَمْ يَقُلْ: خَلَّصْتَنِي، بَلْ رَحَّبْتَ لِي، أَيْ وَسَّعْتَنِي أَنَا نَفْسِي. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ يُوسُفَ، الْفَصْلِ الرَّابِعِ: كُلُّ خَطِيئَةٍ، يَقُولُ، عُبُودِيَّةٌ، وَالْبَرَاءَةُ حُرِّيَّةٌ. وَكَيْفَ لَا يَكُونُ عَبْدًا مَنْ هُوَ خَاضِعٌ لِلشَّهْوَةِ؟ يَتَحَمَّلُ كُلَّ خَوْفٍ، وَيَتَرَصَّدُ أَحْلَامَ كُلِّ فَرْدٍ: لِيُشْبِعَ رَغْبَةَ شَخْصٍ وَاحِدٍ يَصِيرُ عَبْدًا لِلْجَمِيعِ.» ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ: «أَلَا يَبْدُو لَكَ أَنَّ هَذَا يَسُودُ فِي الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَمَا ذَاكَ يَخْدُمُ فِي الْحُرِّيَّةِ؟ كَانَ يُوسُفُ عَبْدًا وَفِرْعَوْنُ مَلِكًا: عُبُودِيَّةُ الْأَوَّلِ كَانَتْ أَكْثَرَ بَرَكَةً مِنْ مُلْكِ الثَّانِي. بَلْ إِنَّ مِصْرَ كُلَّهَا لَكَانَتْ هَلَكَتْ مِنَ الْمَجَاعَةِ لَوْ لَمْ تُخْضِعْ مَمْلَكَتَهَا لِمَشُورَةِ عَبْدٍ. إِذَنْ لِلْعَبِيدِ بِالْوِلَادَةِ مَا يَفْتَخِرُونَ بِهِ: فَيُوسُفُ أَيْضًا كَانَ عَبْدًا؛ وَلَدَيْهِمْ مَنْ يَقْتَدُونَ بِهِ، لِيَتَعَلَّمُوا أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا حَالَتَهُمْ لَا أَخْلَاقَهُمْ، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَوْجُودَةٌ حَتَّى بَيْنَ خَدَمِ الْبُيُوتِ، وَالثَّبَاتَ مَوْجُودٌ حَتَّى فِي الْعُبُودِيَّةِ.»


الْآيَةُ ٦: لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلَّا الْخُبْزَ الَّذِي يَأْكُلُهُ

لَيْسَ فُوطِيفَارُ بَلْ يُوسُفُ، كَمَا يَقُولُ إِيرُونِيمُوسْ بْرَادُو فِي تَفْسِيرِ حِزْقِيَالَ، الْإِصْحَاحِ التَّاسِعَ عَشَرَ، الْآيَةِ ٣٩، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَسْتَحْوِذْ يُوسُفُ عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقًا مِنْ تِلْكَ الثَّرْوَةِ الْوَافِرَةِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا سَيِّدُهُ، إِلَّا الْقُوتَ الضَّرُورِيَّ لِلْحَيَاةِ؛ بِحَيْثُ إِنَّ «يَعْرِفُ» هُنَا تَعْنِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ، يَعْتَرِفُ بِهِ كَمِلْكٍ لَهُ، يَنْسُبُهُ إِلَى ذَاتِهِ، كَأَنَّ يُوسُفَ يُمْدَحُ هُنَا عَلَى ضَبْطٍ نَادِرٍ لِلنَّفْسِ أَوْ زُهْدٍ.

وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الشَّيْءَ نَفْسَهُ يُقَالُ فِي الْآيَةِ ١٣، لَا عَنْ يُوسُفَ بَلْ عَنْ حَارِسِ السِّجْنِ، أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ شُؤُونِهِ بَلْ أَوْكَلَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يُوسُفَ: لِذَلِكَ مِنَ الْأَفْضَلِ هُنَا أَيْضًا أَنْ نَفْهَمَ الْعِبَارَةَ نَفْسَهَا بِالْمَعْنَى ذَاتِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: ائْتَمَنَ فُوطِيفَارُ يُوسُفَ عَلَى جَمِيعِ مُمْتَلَكَاتِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ وَلَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا وَلَمْ يَهْتَمَّ بِشَيْءٍ، إِلَّا فَقَطْ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى الْمَائِدَةِ وَيَتَمَتَّعَ بِمَا كَانَ يُدَبِّرُهُ يُوسُفُ وَيُوَفِّرُهُ. هَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.


الْآيَةُ ٧: بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ

بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ — أَيْ نَحْوَ السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ أَسْرِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ فِي مِصْرَ، حِينَ كَانَ قَدْ بَلَغَ السَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ. فَفِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ أُنْزِلَ يُوسُفُ إِلَى مِصْرَ، وَفِي الثَّلَاثِينَ أُطْلِقَ مِنَ السِّجْنِ الَّذِي مَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ بِسَبَبِ هَذَا الِاتِّهَامِ الْكَاذِبِ مِنْ سَيِّدَتِهِ، كَمَا سَأُبَيِّنُ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَرْبَعِينَ، الْآيَةِ ٤؛ إِذَنْ أُلْقِيَ فِي السِّجْنِ وَهُوَ فِي السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ.

أَلْقَتْ سَيِّدَتُهُ عَيْنَيْهَا عَلَى يُوسُفَ — لَا عَجَبَ، فَالْعُيُونُ هِيَ الْقَائِدَةُ فِي الْحُبِّ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا فَلْيَقْتَدِ بِأَيُّوبَ الْقَائِلِ فِي الْإِصْحَاحِ ٣١: «عَاهَدْتُ عَيْنَيَّ أَنْ لَا أَتَفَكَّرَ حَتَّى فِي عَذْرَاءَ.» وَأَيْضًا لِيَتَعَلَّمِ الشَّبَابُ هُنَا، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، أَنْ يَحْذَرُوا عُيُونَ النِّسَاءِ: فَحَتَّى الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُحَبُّوا يُحَبُّونَ.


الْآيَةُ ٩: كَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ؟

كَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ؟ — أَيْ أَنْ أَكُونَ نَاكِرًا لِلْجَمِيلِ وَغَادِرًا وَظَالِمًا لِسَيِّدِيَ الَّذِي هُوَ حَسَنُ الظَّنِّ بِي إِلَى هَذَا الْحَدِّ؟

وَأُخْطِئَ إِلَى إِلَهِي — الَّذِي أَرَاهُ وَأُوَقِّرُهُ بِاعْتِبَارِهِ حَاضِرًا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأُحِبُّهُ كَأَبٍ وَأَخَافُهُ كَمُنْتَقِمٍ.

يُلَاحِظُ بِيرِيرِيُوسُ هُنَا بِتَقْوَى أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةَ رَوَابِطَ يَشْعُرُ بِهَا الرِّجَالُ الْقِدِّيسُونَ أَنَّهَا تَشُدُّهُمْ بِأَقْوَى مَا يَكُونُ عَنْ إِمْكَانِ إِهَانَةِ اللهِ. الرَّابِطُ الْأَوَّلُ هُوَ تَوْقِيرُ الْجَلَالِ الْإِلَهِيِّ الْحَاضِرِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالنَّاظِرِ كُلَّ شَيْءٍ. فَالرِّجَالُ الْقِدِّيسُونَ، إِذْ يَسِيرُونَ دَائِمًا فِي حَضْرَةِ اللهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ إِلَّا أَنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِطَهَارَةٍ وَقَدَاسَةٍ، وَلِذَلِكَ يَحْتَرِسُونَ بِأَشَدِّ التَّدَيُّنِ مِنْ كُلِّ مَا يُسْخِطُهُ لِئَلَّا يُهِينُوا الْأُلُوهِيَّةَ الْحَاضِرَةَ فِي أَيِّ أَمْرٍ. وَالْأَشْرَارُ يَفْعَلُونَ الْعَكْسَ، وَعَنْهُمْ يُقَالُ فِي الْمَزْمُورِ ١٠: «اللهُ لَيْسَ فِي مَرْأَاهُ، طُرُقُهُ نَجِسَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ، أَحْكَامُكَ بَعِيدَةٌ عَنْ وَجْهِهِ.» مِثْلَ هَؤُلَاءِ كَانَ الشَّيْخَانِ اللَّذَانِ تَآمَرَا عَلَى سُوسَنَّةَ، وَعَنْهُمَا يُقَالُ فِي دَانِيَالَ ١٣: ٩: «حَرَّفَا عَقْلَيْهِمَا وَحَوَّلَا عَيْنَيْهِمَا لِئَلَّا يَنْظُرَا إِلَى السَّمَاءِ وَلَا يَتَذَكَّرَا الْأَحْكَامَ الْعَادِلَةَ.»

الرَّابِطُ الثَّانِي هُوَ تَذَكُّرُ إِحْسَانِ اللهِ وَبِرِّهِ تُجَاهَنَا. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ الرَّبُّ فِي هُوشَعَ ١١: «بِحِبَالِ آدَمَ (أَيْ تِلْكَ الَّتِي يُجْذَبُ بِهَا النَّاسُ عَادَةً، أَعْنِي الْحُبَّ وَالْإِحْسَانَ) أَجْذِبُهُمْ بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ.» مَنْ لَا يَعْتَبِرُ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْطِئَ إِلَى اللهِ، إِنْ تَأَمَّلَ بِجِدِّيَّةٍ فِي نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِ الْكَثِيرَةِ الْعَظِيمَةِ، الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا أَحِبَّاءَهُ؟ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي فِيهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ، وَعَطِيَّتُهُ هِيَ كُلُّ خَيْرٍ نَمْلِكُهُ فِي الْجَسَدِ وَالرُّوحِ؟ وَأَخِيرًا إِنْ تَأَمَّلَ أَنَّ اللهَ فِي ذَاتِهِ هُوَ الْأَصْلَحُ وَالْأَجْمَلُ وَالْأَعْذَبُ وَالْأَحَقُّ بِالْمَحَبَّةِ، وَيُظْهِرُ نَفْسَهُ لَنَا كَذَلِكَ الْآنَ وَسَيُظْهِرُ أَكْثَرَ فِي السَّمَاءِ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِهِ بِثَبَاتٍ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ أَغُسْطِينُوسَ، الْعِظَةَ ٨٣ مِنْ عِظَاتِ الْأَزْمِنَةِ، حَيْثُ يَتَحَدَّثُ عَنْ يُوسُفِنَا هَذَا، فَيُورِدُ مِنَ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ هَذَا الْقَوْلَ الذَّهَبِيَّ: «مُحِبُّ اللهِ الْأَعَزِّ لَا يُغْلَبُ بِحُبِّ امْرَأَةٍ؛ الشَّبَابُ الَّذِي يُثِيرُ نَفْسًا عَفِيفَةً لَا يُحَرِّكُهَا، وَلَا سُلْطَةُ مَنْ تُحِبُّهُ: حَقًّا رَجُلٌ عَظِيمٌ، هُوَ الَّذِي لَمَّا بِيعَ لَمْ يَعْرِفْ حِينَئِذٍ كَيْفَ يَخْدُمُ، وَلَمَّا أُحِبَّ لَمْ يُبَادِلِ الْحُبَّ، وَلَمَّا طُلِبَ مِنْهُ لَمْ يَرْضَخْ، وَلَمَّا أُمْسِكَ هَرَبَ.»

الرَّابِطُ الثَّالِثُ هُوَ خَوْفُ اللهِ، الْمُنْبَثِقُ مِنْ تَأَمُّلِ الدَّيْنُونَةِ الصَّارِمَةِ وَالْعِقَابِ الَّذِي يُمَارِسُهُ اللهُ كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَسَيُمَارِسُهُ حَتْمًا وَبِأَشَدِّ الصَّرَامَةِ فِي يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ، حَيْثُ لَا يَتْرُكُ خَطِيئَةً وَاحِدَةً حَتَّى أَصْغَرَهَا دُونَ عِقَابٍ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ دَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ ١١٩: «سَمِّرْ لَحْمِي بِخَوْفِكَ، فَإِنِّي مِنْ أَحْكَامِكَ خِفْتُ.»

وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ فِي تَفْسِيرِ نَصِّ الْمَزْمُورِ ٣٤: «هَلُمَّ أَيُّهَا الْبَنُونَ اسْمَعُوا لِي، مَخَافَةَ الرَّبِّ أُعَلِّمُكُمْ: حِينَ تَغْزُوكَ شَهْوَةُ الْخَطِيئَةِ، يَقُولُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَتَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ الدَّيَّانِ الرَّهِيبِ لِلْمَسِيحِ، حَيْثُ يَجْلِسُ الدَّيَّانُ عَلَى عَرْشٍ مُرْتَفِعٍ، وَتَقِفُ خَلِيقَتُهُ كُلُّهَا مُرْتَعِدَةً أَمَامَ حُضُورِهِ الْمَجِيدِ. وَنَحْنُ أَيْضًا لَا بُدَّ أَنْ نُقَدَّمَ فَرْدًا فَرْدًا لِنُقَدِّمَ حِسَابًا عَمَّا فَعَلْنَاهُ فِي الْحَيَاةِ. ثُمَّ لِلَّذِينَ ارْتَكَبُوا الشُّرُورَ، يَحْضُرُ مَلَائِكَةٌ مُرْعِبُونَ بَشِعُونَ ذَوُو وُجُوهٍ نَارِيَّةٍ يَنْفُخُونَ نَارًا عَلَى النَّاسِ، أَيِ الْأَشْرَارِ. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، تَأَمَّلِ الْهَاوِيَةَ الْعَمِيقَةَ، وَالظُّلُمَاتِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ مِنْهَا، وَالنَّارَ الْمُعْدَمَةَ الضِّيَاءِ الَّتِي لَهَا قُوَّةُ الْإِحْرَاقِ لَكِنَّهَا مَحْرُومَةٌ مِنَ النُّورِ؛ ثُمَّ أَجْنَاسَ الدُّودِ الَّتِي تَبُثُّ السُّمَّ وَتَلْتَهِمُ اللَّحْمَ، جَائِعَةً لَا تَشْبَعُ أَبَدًا، تُلْحِقُ آلَامًا لَا تُطَاقُ بِنَهْشِهَا ذَاتِهِ. وَأَخِيرًا مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: ذَلِكَ الْعَارُ وَالْخِزْيُ الْأَبَدِيُّ. خَفْ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَبِهَذَا الْخَوْفِ كَلِجَامٍ اكْبَحْ نَفْسَكَ عَنْ شَهْوَةِ الْخَطَايَا.» هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ.

اقْتَدَتْ سُوسَنَّةُ الْعَفِيفَةُ بِيُوسُفَ الْعَفِيفِ، حِينَ طُلِبَ مِنْهَا الْإِثْمُ فَقَالَتْ: «ضِيقٌ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ وَلَكِنَّهُ خَيْرٌ لِي أَنْ أَقَعَ فِي أَيْدِيكُمْ دُونَ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ، مِنْ أَنْ أُخْطِئَ أَمَامَ الرَّبِّ.» هَكَذَا قَاوَمَ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ الْخَطِيئَةَ حَتَّى الْمَوْتِ. بُولُسُ فِي رُومِيَةَ ٨: «مَنْ يَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيقٌ، إِلَى آخِرِهِ. إِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لَا مَوْتَ وَلَا حَيَاةَ» إِلَى آخِرِهِ. قَالَ رُوفِّينُوسُ لِلْإِمْبِرَاطُورِ ثِيُودُوسِيُوسَ إِنَّهُ سَيُعَالِجُ الْأَمْرَ لِيُحَرِّرَ أَمْبْرُوسِيُوسُ الْقُيُودَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ. فَأَجَابَ ثِيُودُوسِيُوسُ: «أَعْرِفُ ثَبَاتَ أَمْبْرُوسِيُوسَ، وَأَنَّهُ لَنْ يَتَجَاوَزَ شَرِيعَةَ اللهِ بِأَيِّ رُعْبٍ مِنَ الْجَلَالِ الْمَلَكِيِّ.» وَلِلْإِمْبِرَاطُورَةِ أُوذُكْسِيَا الَّتِي كَانَتْ تُهَدِّدُ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ، قَالَ أَتْبَاعُهُ: «عَبَثًا تُخِيفِينَ ذَلِكَ الرَّجُلَ؛ فَهُوَ لَا يَخَافُ شَيْئًا إِلَّا الْخَطِيئَةَ.» تَعَلَّمَ الْقِدِّيسُ لُوِيسُ مَلِكُ فَرَنْسَا وَهُوَ صَبِيٌّ مِنْ أُمِّهِ بْلَانْشَ «أَنْ يُقَابِلَ الْمَوْتَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُوَافِقَ عَلَى خَطِيئَةٍ مُمِيتَةٍ.» وَقَالَ طُوبِيَّا لِابْنِهِ: «احْذَرْ أَنْ تُوَافِقَ أَبَدًا عَلَى الْخَطِيئَةِ؛ فَسَتَكُونُ لَكَ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ إِنِ اتَّقَيْتَ اللهَ.» وَالْقِدِّيسُ إِدْمُنْدُ رَئِيسُ أَسَاقِفَةِ كَانْتِرْبِرِي: «أَفْضَلُ عِنْدِي أَنْ أَقْفِزَ فِي مُحْرَقَةٍ مُتَّقِدَةٍ مِنْ أَنْ أَرْتَكِبَ عَنْ عِلْمٍ أَيَّ خَطِيئَةٍ ضِدَّ اللهِ.» وَالْحَكِيمُ: «اهْرُبْ مِنَ الْخَطِيئَةِ كَمَا مِنْ وَجْهِ حَيَّةٍ.» وَالْقِدِّيسُ أَنْسِلْمُوسُ: «لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَرَى بِجَسَدِي مِنْ جِهَةٍ هَوْلَ الْخَطِيئَةِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى عَذَابَ جَهَنَّمَ، وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أُغْمَرَ حَتْمًا فِي أَحَدِهِمَا، لَاخْتَرْتُ جَهَنَّمَ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ.» هَكَذَا الْمَكَّابِيُّونَ، وَهَكَذَا الشُّهَدَاءُ، فَضَّلُوا الْعَذَابَاتِ عَلَى الْخَطِيئَةِ.

اسْمَعْ أَيْضًا الْوَثَنِيِّينَ: أَرِسْطُو فِي الْأَخْلَاقِ الثَّالِثِ: «الْأَفْضَلُ أَنْ يَمُوتَ الْمَرْءُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا ضِدَّ خَيْرِ الْفَضِيلَةِ.» سِينِيكَا: «حَتَّى لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّاسَ لَنْ يَعْلَمُوا وَأَنَّ اللهَ سَيَغْفِرُ، لَمَا أَرَدْتُ أَنْ أُخْطِئَ، بِسَبَبِ قُبْحِ الْخَطِيئَةِ.» فَمَا هِيَ الْخَطِيئَةُ؟ إِنَّهَا جِيفَةٌ، إِنَّهَا بَرَصٌ، إِنَّهَا بَالُوعَةٌ نَتِنَةٌ لِلْغَايَةِ؛ إِنَّهَا مَسْخٌ فِي الطَّبِيعَةِ الْعَاقِلَةِ؛ إِنَّهَا إِهَانَةٌ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى الْجَلَالِ الْإِلَهِيِّ؛ إِنَّهَا اسْتِحْقَاقُ النَّارِ الْأَبَدِيَّةِ؛ إِنَّهَا قَتْلٌ لِلْإِلَهِ وَقَتْلٌ لِلْمَسِيحِ. بَابِينْيَانُوسُ الْفَقِيهُ، مَعَ أَنَّهُ وَثَنِيٌّ، فَضَّلَ الْمَوْتَ عَلَى أَنْ يُدَافِعَ عَنْ جَرِيمَةِ قَتْلِ الْإِمْبِرَاطُورِ كَارَاكَلَّا لِأَخِيهِ غِيتَا: وَالشَّاهِدُ سْبَارْتِيَانُوسُ فِي سِيرَةِ كَارَاكَلَّا. وَالْفَتَى دِيمُوقْلِيسُ، فِي الْحَمَّامَاتِ، لِيَهْرُبَ مِنِ اعْتِدَاءِ الْمَلِكِ دِيمِيتْرِيُوسِ الشَّهْوَانِيِّ، قَفَزَ فِي مَاءٍ مَغْلِيٍّ: فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يُدَنِّسَ نَفْسَهُ فَضَّلَ الْمَوْتَ: وَالشَّاهِدُ بْلُوطَرْخُسُ فِي سِيرَةِ دِيمِيتْرِيُوسَ.


الْآيَةُ ١٠: يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ كَانَتْ تُكَلِّمُهُ

لَاحِظْ هُنَا ثَبَاتَ يُوسُفَ الَّذِي لَا يُقْهَرُ. فَحَتَّى الْأَشْجَارُ الضَّخْمَةُ تَسْقُطُ حِينَ تُضْرَبُ بِضَرَبَاتٍ عَظِيمَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ وَحَتَّى أَصْلَبُ الصُّخُورِ تُجَوَّفُ بِأَصْغَرِ الْقَطَرَاتِ الَّتِي تَسْقُطُ بِاسْتِمْرَارٍ: فَكَمْ بِالْأَحْرَى الْإِنْسَانُ، الَّذِي لَحْمُهُ لَيْسَ بِنُحَاسٍ كَمَا يَقُولُ أَيُّوبُ، وَلَا قُوَّتُهُ قُوَّةُ الْحِجَارَةِ، يُمْكِنُ أَنْ يُغْلَبَ بِعِظَمِ التَّجَارِبِ وَدَوَامِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْضَعْ يُوسُفُ لَا لِضَعْفِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا لِمَيْلِ سِنِّ الشَّبَابِ إِلَى الشَّهْوَةِ، وَلَا لِإِلْحَاحِ سَيِّدَتِهِ الْمُسْتَمِرِّ، وَلَا لِلثَّرْوَاتِ وَالْوُعُودِ الَّتِي كَانَتْ تَعْرِضُهَا، وَلَا لِلتَّهْدِيدَاتِ وَالْأَخْطَارِ الْبَالِغَةِ الَّتِي كَانَ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لَهَا إِنْ رَفَضَ الْفِعْلَ. تَعَلَّمْ هُنَا أَنَّهُ لَا تُوجَدُ تَجْرِبَةٌ مَهْمَا عَظُمَتْ لَا يُمْكِنُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهَا، وَأَنَّكَ سَتَكُونُ بِلَا عُذْرٍ إِنْ سَمَحْتَ لِنَفْسِكَ بِأَنْ تُغْلَبَ مِنْهَا، إِذْ يُمْكِنُكَ وَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَغَلَّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ كَمَا فَعَلَ يُوسُفُ بِنِعْمَةِ اللهِ، خُصُوصًا إِنْ كُنْتَ دَائِمَ التَّذَكُّرِ لِلْأَبَدِيَّةِ وَلِلْمَجْدِ الْأَبَدِيِّ أَوْ لِجَهَنَّمَ: جَاهِدْ مِنْ أَجْلِ الْأَبَدِيَّةِ.

الزِّنَا — أَيِ الْفَاحِشَةُ.


الْآيَةُ ١٢: فَهَرَبَ

١٢. الطَّرَفُ — أَيْ حَاشِيَةُ أَوْ أَقْصَى ثَوْبِهِ. يُضِيفُ يُوسِيفُوسُ أَنَّهَا تَظَاهَرَتْ بِالْمَرَضِ وَرَاوَدَتْ يُوسُفَ فِي يَوْمِ عِيدٍ جَلِيلٍ كَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ فِيهِ غَائِبِينَ عَنِ الدَّارِ. لَكِنَّ يُوسِيفُوسَ يَبْدُو أَنَّهُ أَضَافَ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ، كَمَا أَضَافَ غَيْرَهَا، مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مُتَجَاوِزًا الْحَقِيقَةَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ إِذَنْ صَرَخَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْآيَةِ ١٣، حِينَ أَفْلَتَ يُوسُفُ مِنْهَا، وَنَادَتْ خُدَّامَ الْبَيْتِ؟

فَهَرَبَ. — كَانَ بِإِمْكَانِ يُوسُفَ، بِوَصْفِهِ شَابًّا فِي رَيْعَانِ قُوَّتِهِ، أَنْ يَنْتَزِعَ ثَوْبَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِالْقُوَّةِ، لَكِنَّهُ أَبَى ذَلِكَ: أَوَّلًا، احْتِرَامًا لِسَيِّدَتِهِ كَيْ لَا يَسْتَخْدِمَ أَيَّ عُنْفٍ ضِدَّهَا. ثَانِيًا، لِأَنَّ أَنْجَعَ عِلَاجٍ ضِدَّ تَجَارِبِ الشَّهْوَةِ لَيْسَ الْمُصَارَعَةَ بَلِ الْفِرَارَ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ: «اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا.» اُنْظُرْ فِي هَذَا الْفِرَارِ، وَفِي تَجَنُّبِ أُلْفَةِ النِّسَاءِ، الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ، الْعِظَةُ ٢٣٠ «عَنِ الْأَزْمِنَةِ»، حَيْثُ يَقُولُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقُولُ: «هَرَبَ يُوسُفُ لِيُفْلِتَ مِنْ سَيِّدَتِهِ الْفَاجِرَةِ؛ فَإِذَنْ ضِدَّ هُجُومِ الشَّهْوَةِ اسْتَمْسِكْ بِالْفِرَارِ إِنْ أَرَدْتَ الظَّفَرَ بِالنَّصْرِ؛ وَلَا يَكُنْ عَلَيْكَ عَارًا أَنْ تَفِرَّ إِنْ كُنْتَ تَرْغَبُ فِي نَيْلِ سَعَفَةِ الْعِفَّةِ. فَمِنْ بَيْنِ جَمِيعِ مَعَارِكِ الْمَسِيحِيِّينَ، وَحْدَهَا مَعَارِكُ الْعِفَّةِ هِيَ الْأَشَدُّ صُعُوبَةً، حَيْثُ الْقِتَالُ يَوْمِيٌّ وَالنَّصْرُ نَادِرٌ: فَهُنَا إِذَنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُوَ الْمَسِيحِيُّونَ مِنِ اسْتِشْهَادٍ يَوْمِيٍّ. فَإِنْ كَانَتِ الْعِفَّةُ وَالْحَقُّ وَالْعَدَالَةُ هِيَ الْمَسِيحَ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَتَرَبَّصُ بِهَا مُضْطَهِدًا، فَإِنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهَا فِي غَيْرِهِ وَيَحْفَظَهَا فِي نَفْسِهِ سَيَكُونُ شَهِيدًا.» وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَرْنَرْدُسْ فِي «الْأَقْوَالِ الْمُوجَزَةِ» قَوْلًا صَائِبًا: «الزُّهْدُ فِي الْوَفْرَةِ، وَالسَّخَاءُ فِي الْفَقْرِ، وَالْعِفَّةُ فِي الشَّبَابِ، اسْتِشْهَادٌ بِلَا دَمٍ.»

ثَالِثًا، هَرَبَ يُوسُفُ كَيْ لَا يَمَسَّ الْمَرْأَةَ وَلَا تَمَسَّهُ هِيَ: لِأَنَّ مُجَرَّدَ لَمْسِ الْمَرْأَةِ، بَاعْتِبَارِهِ مُعْدِيًا وَسَامًّا، يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَجَنَّبَهُ لَا أَقَلَّ مِنْ عَضَّةِ أَشَدِّ الْكِلَابِ سُعَارًا، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ضِدَّ يُوفِينِيَانُوسَ.

لَاحِظْ هُنَا: اِقْتَدِ بِيُوسُفَ وَتَمَسَّكْ مَعَهُ بِدِرْعِ الْعِفَّةِ الْمُزْدَوَجِ. الْأَوَّلُ هُوَ تَذَكُّرُ اللهِ الْحَاضِرِ، وَمَحَبَّتُهُ وَمَخَافَتُهُ، إِنْ تَأَمَّلْتَ حُضُورَ اللهِ، وَدَيْنُونَةَ اللهِ، وَانْتِقَامَ اللهِ وَالْجَحِيمَ؛ وَكَذَلِكَ صَلَاحَ اللهِ وَجَمَالَهُ وَمَسَرَّاتِهِ الَّتِي تَفُوقُ كُلَّ جَمَالِ الْأَجْسَادِ وَلَذَّتِهَا فَوْقًا لَا يُحَدُّ، كَمَا بَيَّنْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٩. الثَّانِي هُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْمُنَاسَبَاتِ وَالتَّجَارِبِ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ النِّسَاءِ. فَهَكَذَا هَرَبَ يُوسُفُ تَارِكًا رِدَاءَهُ وَرَاءَهُ.

لَكِنْ مَاذَا لَوْ لَمْ يَكُنِ الْفِرَارُ مُمْكِنًا؟ اِسْمَعْ مَا فَعَلَتْهُ الْقِدِّيسَةُ إِفْرَاسِيَّةُ الشَّهِيدَةُ، الَّتِي حُكِمَ عَلَيْهَا بِالْإِلْقَاءِ فِي بَيْتِ الدِّعَارَةِ لِرَفْضِهَا تَقْدِيمَ الذَّبَائِحِ لِلْأَصْنَامِ، فَلَمَّا هَجَمَ عَلَيْهَا شَابٌّ فَاجِرٌ، خَدَعَتْهُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ وَحَفِظَتْ عِفَّتَهَا وَنَالَتِ الشَّهَادَةَ. قَالَتْ لَهُ: إِنْ رَحِمْتَنِي عَلَّمْتُكَ دُهْنًا إِذَا تَدَهَّنْتَ بِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْكَ أَيُّ سِلَاحٍ أَوْ سَيْفٍ فِي الْمَعْرَكَةِ. فَوَعَدَهَا إِنْ أَثْبَتَتْ ذَلِكَ؛ فَقَالَتْ: جَرِّبْ عَلَيَّ؛ وَدَهَنَتْ عُنُقَهَا بِشَمْعٍ مَمْزُوجٍ بِالزَّيْتِ وَقَالَتْ: اِضْرِبْ بِأَقْوَى مَا تَسْتَطِيعُ. فَفَعَلَ الشَّابُّ وَقَطَعَ رَأْسَهَا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ تُعْجِبُكَ بِالتَّسَاوِي ذَكَاءُ الْعَذْرَاءِ وَثَبَاتُهَا: وَالشَّاهِدُ نِيكِيفُورُوسْ، التَّارِيخُ، الْكِتَابُ السَّابِعُ، الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ. إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عِلَاجٌ آخَرُ لِحِفْظِ عِفَّتِهَا سِوَى هَذِهِ الْخَدِيعَةِ التَّقِيَّةِ الَّتِي أَرْغَمَهَا عَلَيْهَا الشَّابُّ الطَّامِعُ فِي عِرْضِهَا، وَلِكَيْ تَصُونَهُ آثَرَتِ الْمَوْتَ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ خَدَعَتِ الشَّابَّ بِحَقٍّ، وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ هُوَ سَبَبَ مَوْتِهَا جَسَدِيًّا وَأَدَبِيًّا. فَهِيَ إِذَنْ شَهِيدَةٌ لَا مُنْتَحِرَةٌ.

لَاحِظْ ثَانِيًا، مَعَ رُوبَرْتُوسَ، فَضَائِلَ يُوسُفَ الْبُطُولِيَّةَ: أَوَّلًا، الِاعْتِدَالَ وَالْعِفَّةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَابًّا فِي السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ وَسِيمًا فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ سَيِّدَتُهُ تُحِبُّهُ وَتُرَاوِدُهُ سِرًّا وَتَعِدُهُ بِأَشْيَاءَ عَظِيمَةٍ، فَلَمْ يُبَادِلْهَا الْحُبَّ بَلْ ظَلَّ ثَابِتًا فِي عِفَّتِهِ. ثَانِيًا، الْعَدَالَةَ وَالْأَمَانَةَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقْبَحَ فِرَاشَ سَيِّدِهِ. ثَالِثًا، الْحِكْمَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُمْسِكَ بِهِ هَرَبَ. رَابِعًا، الشَّجَاعَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْشَ ثَوْرَاتِ عَاشِقَتِهِ الْمَجْنُونَةِ، وَلَا السِّجْنَ، وَلَا الْمَوْتَ نَفْسَهُ، بَلِ احْتَقَرَهَا جَمِيعًا مِنْ أَجْلِ عِفَّتِهِ. خَامِسًا، الثَّبَاتَ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ سَيِّدَتُهُ تُلِحُّ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ فَقَاوَمَ وَصَمَدَ كَالْأَلْمَاسِ.

وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ إِنَّهُ يُعْجَبُ بِفِعْلِ يُوسُفَ أَكْثَرَ مِنْ إِعْجَابِهِ بِالْفِتْيَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَقُوا سَالِمِينَ فِي أَتُونِ بَابِلَ. فَكَمَا بَقِيَ أُولَئِكَ، كَذَلِكَ بَقِيَ يُوسُفُ فِي وَسَطِ النِّيرَانِ سَالِمًا، لَمْ يَحْتَرِقْ، بَلْ أَشْرَقَ أَنْقَى وَأَكْمَلَ وَأَقْوَى وَأَسْطَعَ: حَتَّى إِنَّ الْهُتَافَ الَّذِي أُطْلِقَ بِحَقٍّ عَلَى الْقِدِّيسِ دُومِينِيكُوسَ (لَيْسَ مُؤَسِّسَ الرَّهْبَانِيَّةِ، بَلْ آخَرَ مِنَ الرَّهْبَانِيَّةِ نَفْسِهَا) حِينَ انْتَصَرَ فِي تَجْرِبَةٍ مُمَاثِلَةٍ، يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى يُوسُفَ مِنَ الشَّيَاطِينِ: «غَلَبْتَ، غَلَبْتَ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ فِي النَّارِ وَلَمْ تَحْتَرِقْ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يَتَعَجَّبُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسْ مِنْ يُوسُفَ وَهُوَ يَسُودُ هَكَذَا عَلَى الشَّهْوَةِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ. اِسْمَعْهُ فِي كِتَابِ «عَنْ يُوسُفَ»، الْبَابِ الْخَامِسِ: «عَظِيمٌ كَانَ يُوسُفُ، الَّذِي مَعَ أَنَّهُ بِيعَ لَمْ يَعْرِفْ رُوحًا عَبْدِيَّةً، وَحِينَ أُحِبَّ لَمْ يُبَادِلِ الْحُبَّ، وَحِينَ سُئِلَ لَمْ يَرْضَخْ، وَحِينَ أُمْسِكَ بِهِ هَرَبَ. فَحِينَ وَاجَهَتْهُ زَوْجَةُ سَيِّدِهِ أَمْكَنَهَا أَنْ تُمْسِكَ ثَوْبَهُ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَأْسِرَ رُوحَهُ: بَلْ لَمْ يَحْتَمِلْ حَتَّى كَلِمَاتِهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ التَّأَخُّرَ عَدْوَى، لِئَلَّا تَنْتَقِلَ عَبْرَ يَدَيِ الزَّانِيَةِ مُحَرِّضَاتُ الشَّهْوَةِ إِلَيْهِ. فَخَلَعَ ثَوْبَهُ وَنَفَضَ عَنْهُ التُّهْمَةَ. كَانَ هُوَ السَّيِّدَ، الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ مَشَاعِلَ عَاشِقَتِهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِقُيُودِ الْمُغْوِيَةِ، وَلَمْ يُرَوِّعْهُ أَيُّ رُعْبٍ مِنَ الْمَوْتِ، بَلْ آثَرَ أَنْ يَمُوتَ بَرِيئًا مِنَ الْجُرْمِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ رُفْقَةَ السُّلْطَةِ الْآثِمَةِ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسْ فِي الْعِظَةِ ١٥ عَلَى حِزْقِيَالَ: «نَسْعَى لِلتَّغَلُّبِ عَلَى إِغْوَاءِ الْجَسَدِ. فَلْيَحْضُرْ يُوسُفُ إِلَى الذَّاكِرَةِ، الَّذِي حِينَ جَرَّبَتْهُ سَيِّدَتُهُ اجْتَهَدَ فِي حِفْظِ عِفَّةِ الْجَسَدِ وَلَوْ عَلَى خَطَرِ حَيَاتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ جَاءَ أَنَّهُ لِأَنَّهُ عَرَفَ جَيِّدًا كَيْفَ يَحْكُمُ أَعْضَاءَهُ، أُقِيمَ عَلَى مِصْرَ كُلِّهَا لِيَحْكُمَهَا.»

رَمْزِيًّا: يُوسُفُ، كَمَا يَقُولُ رُوبَرْتُوسْ، هُوَ الْمَسِيحُ، وَالْمَرْأَةُ الْمِصْرِيَّةُ هِيَ الْمَجْمَعُ الْيَهُودِيُّ (السِّينَاغُوغُ)، الَّذِي يُحِبُّ الْمَسِيَّا حُبًّا جَسَدِيًّا مُتَوَقِّعًا مَلَكُوتَهُ الْأَرْضِيَّ وَالْجَسَدِيَّ؛ لَكِنَّ الْمَسِيحَ، تَارِكًا لَهُ ثَوْبَهُ، أَيْ طُقُوسَ الشَّرِيعَةِ، فَرَّ إِلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ.

رَمْزِيًّا أَيْضًا، يَقُولُ فِيلُونُ: يُوسُفُ هُوَ الْأَمِيرُ أَوِ الْمَلِكُ؛ وَفُوطِيفَارُ سَيِّدُهُ هُوَ الشَّعْبُ الَّذِي يَكْمُنُ فِيهِ حَقُّ الْمُلْكِ ذَاتُهُ؛ وَالزَّوْجَةُ هِيَ الشَّهْوَةُ وَالنَّزْوَةُ الَّتِي كَثِيرًا مَا يَنْقَادُ بِهَا الشَّعْبُ: يُقَاوِمُهَا يُوسُفُ بِثَبَاتٍ، أَيِ الْأَمِيرُ الْحَقِيقِيُّ، إِذَا كَانَ يُحِبُّ الْخَيْرَ الْعَامَّ وَيُدَافِعُ عَنْهُ بِإِخْلَاصٍ.

وَكَذَلِكَ أَخْلَاقِيًّا، السَّيِّدُ هُوَ الْعَقْلُ، وَالزَّوْجَةُ هِيَ الشَّهْوَةُ: يُقَاوِمُهَا يُوسُفُ، أَيِ الرُّوحُ الْعَفِيفُ الثَّابِتُ.


الْآيَةُ ١٣: فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ

لَاحِظْ هُنَا دَهَاءَ الْمَرْأَةِ الْمُتَقَلِّبَ وَوَقَاحَتَهَا وَخُبْثَهَا، إِذْ: «الْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تُحِبَّ وَإِمَّا أَنْ تَكْرَهَ،» لَا وَسَطَ بَيْنَهُمَا. ثَانِيًا، خَسَاسَتُهَا وَجُرْأَتُهَا وَمَكَائِدُهَا الَّتِي تُحَوِّلُ بِهَا جَرِيمَتَهَا عَلَى يُوسُفَ. ثَالِثًا، ثَوْرَاتُهَا الَّتِي تُعِدُّ بِهَا الْهَلَاكَ لِمَنْ كَانَتْ تُحِبُّهُ مِنْ قَبْلُ، إِذْ: «الْمَرْأَةُ أَشَدُّ قَسَاوَةً حِينَ يُنَخِّسُ الْعَارُ كَرَاهِيَتَهَا.»


الْآيَةُ ١٩: مُفْرِطٌ فِي التَّصْدِيقِ

إِذْ لَمْ يُعْطِ يُوسُفَ فُرْصَةً لِتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُحَقِّقْ فِي الْأَمْرِ؛ بَلْ أَدَانَ الْبَرِيءَ فَوْرًا. ثَانِيًا، لَمْ يَنْتَبِهِ الرَّجُلُ الْغَيُورُ إِلَى أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ نَفْسَهُ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعُنْفَ صَدَرَ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَعَلَى بَرَاءَةِ يُوسُفَ وَاحْتِرَامِهِ. فَلَوْ أَنَّهُ (كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ بِحِكْمَةٍ) أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْقُوَّةَ ضِدَّ سَيِّدَتِهِ، لَكَانَ بِسُهُولَةٍ — بِوَصْفِهِ أَقْوَى مِنِ امْرَأَةٍ — قَدِ احْتَفَظَ بِثَوْبِهِ، بَلِ انْتَزَعَ ثَوْبَهَا هِيَ.


الْآيَةُ ٢٠: وَأَسْلَمَ يُوسُفَ إِلَى السِّجْنِ

«أَذَلُّوا، يَقُولُ دَاوُدُ فِي الْمَزْمُورِ ١٠٤، رِجْلَيْهِ بِالْقُيُودِ، وَنَفَذَ الْحَدِيدُ فِي نَفْسِهِ؛» لَكِنْ بَعْدَ قَلِيلٍ، بِتَدْبِيرِ اللهِ، صَارَ يُوسُفُ حُرًّا بَيْنَ الْمَسْجُونِينَ، بَلْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ. يَقُولُ يُوسِيفُوسُ إِنَّ يُوسُفَ عَزَّى نَفْسَهُ فِي السِّجْنِ مُتَفَكِّرًا فِي أَنَّ اللهَ أَقْوَى مِمَّنْ قَيَّدُوهُ. فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَرْعَاهُ وَيَرْعَى بَرَاءَتَهُ؛ وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ اللهَ سَيُنْقِذُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُيُودِ بِمَجْدٍ حَاضِرٍ أَوْ آتٍ. وَمِنْ ثَمَّ «طَوْعًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسْ، تَحَمَّلَ اسْتِشْهَادَ السِّجْنِ وَالْمَوْتِ هَذَا مِنْ أَجْلِ الْعِفَّةِ.» فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ، بَعْدَ أَنْ سُجِنَ بِتُهْمَةِ الزِّنَا الْبَاطِلَةِ، فِي خَطَرٍ مُحَقَّقٍ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ وَالْمَوْتِ.

رَمْزِيًّا، يُوسُفُ هُوَ الْمَسِيحُ، الَّذِي أُسْلِمَ بَرِيئًا عَلَى يَدِ يَهُوذَا وَالْيَهُودِ وَحُبِسَ فِي سِجْنِ الْمَوْتِ، لَكِنَّهُ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ صَارَ كَأَنَّهُ حُرٌّ بِقُدْرَةِ اللهِ الْآبِ، وَنَالَ السُّلْطَانَ وَالسِّيَادَةَ عَلَى جَمِيعِ الْمُقَيَّدِينَ، وَبِذَلِكَ عَلَى الْجَحِيمِ ذَاتِهِ. هَكَذَا يَقُولُ بْرُوسْبِيرُوسْ وَرُوبَرْتُوسْ. اِسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسْ فِي كِتَابِ «عَنْ يُوسُفَ»، الْبَابِ السَّادِسِ: «تَأَمَّلِ الْآنَ ذَلِكَ الْعِبْرَانِيَّ الْحَقِيقِيَّ (الْمَسِيحَ)، ذَلِكَ الْمُفَسِّرَ لَا لِحُلْمٍ بَلْ لِلْحَقِّ وَلِرُؤْيَا مَجِيدَةٍ، الَّذِي مِنْ ذَلِكَ مِلْءِ اللَّاهُوتِ، وَمِنْ وَفْرَةِ النِّعْمَةِ السَّمَاوِيَّةِ قَدْ جَاءَ إِلَى سِجْنِ هَذَا الْجَسَدِ؛ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ إِغْوَاءُ هَذَا الْعَالَمِ أَنْ يُغَيِّرَهُ، إِلَى آخِرِهِ؛ وَأَخِيرًا، إِذْ قَبَضَتْ عَلَيْهِ يَدُ الْمَجْمَعِ الْيَهُودِيِّ الزَّانِيَةُ كَمَا يُقَالُ مِنْ خِلَالِ ثَوْبِ جَسَدِهِ، خَلَعَ الْجَسَدَ وَصَعِدَ حُرًّا مِنَ الْمَوْتِ. اِفْتَرَتْ عَلَيْهِ الزَّانِيَةُ حِينَ لَمْ تَعُدْ تَرَاهُ: لَمْ يُرَوِّعْهُ السِّجْنُ، وَلَمْ يُمْسِكْهُ الْعَالَمُ السُّفْلِيُّ؛ بَلْ حَيْثُ نَزَلَ كَأَنَّهُ لِيُعَاقَبَ، مِنْ هُنَاكَ حَرَّرَ الْآخَرِينَ؛ وَحَيْثُ كَانُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ مُقَيَّدِينَ بِأَغْلَالِ الْمَوْتِ، هُنَاكَ حَلَّ هُوَ قُيُودَ الْمَوْتَى.»

كَذَلِكَ إِنَّ يُوسُفَ أَبَانَا هَذَا بِعِفَّتِهِ وَبَرَاءَتِهِ وَصَبْرِهِ وَنِعْمَتِهِ رَمَزَ إِلَى يُوسُفَ خَطِيبِ الْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ، الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ كَرَامَتِهِ وَقَدَاسَتِهِ الَّتِي تَفُوقُ مُعْظَمَ الْقِدِّيسِينَ الْآخَرِينَ حَتَّى مِنْ هَذَا: أَنَّهُ كَانَ مُرَبِّيَ الْمَسِيحِ وَالْعَذْرَاءِ، وَأَنَّهُ دُعِيَ وَاعْتُقِدَ أَنَّهُ أَبُو الْمَسِيحِ. فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَرْنَرْدُسْ فِي الْعِظَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ «أُرْسِلَ الْمَلَاكُ»: «ذَلِكَ يُوسُفُ الَّذِي بِيعَ بِسَبَبِ حَسَدِ إِخْوَتِهِ وَأُخِذَ إِلَى مِصْرَ، رَمَزَ مُسْبَقًا إِلَى بَيْعِ الْمَسِيحِ: وَهَذَا يُوسُفُ الَّذِي فَرَّ مِنْ حَسَدِ هِيرُودُسَ حَمَلَ الْمَسِيحَ إِلَى مِصْرَ. ذَاكَ حَفِظَ الْأَمَانَةَ لِسَيِّدِهِ فَرَفَضَ الِاقْتِرَانَ بِسَيِّدَتِهِ: وَهَذَا أَعْرَفَ سَيِّدَتَهُ، أُمَّ رَبِّهِ، عَذْرَاءَ، وَكَانَ هُوَ نَفْسُهُ عَفِيفًا وَحَرَسَهَا بِأَمَانَةٍ. ذَاكَ أُعْطِيَ فَهْمَ أَسْرَارِ الْأَحْلَامِ: وَهَذَا أُعْطِيَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْأَسْرَارِ السَّمَاوِيَّةِ وَيُشَارِكَ فِيهَا. ذَاكَ حَفِظَ الْحِنْطَةَ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ: وَهَذَا تَلَقَّى الْخُبْزَ الْحَيَّ مِنَ السَّمَاءِ لِيَحْفَظَهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْعَالَمِ أَجْمَعَ.»


الْآيَةُ ٢٣: وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا

لَيْسَ يُوسُفُ، بَلْ حَارِسُ السِّجْنِ، الَّذِي ائْتَمَنَ يُوسُفَ عَلَى الْمَسْجُونِينَ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي السِّجْنِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ٦. يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ (أَوْ مَنْ كَانَ الْمُؤَلِّفُ: فَإِنَّ الْأُسْلُوبَ يُوحِي بِأَنَّهُ كَاتِبٌ لَاتِينِيٌّ) بِبَلَاغَةٍ فِي الْعِظَةِ «عَنْ بَيْعِ يُوسُفَ»، الْمُجَلَّدِ ١: «يَدْخُلُ يُوسُفُ الْأَقْدَسُ الْحَبْسَ، زَائِرًا أَكْثَرَ مِنْهُ مُتَّهَمًا؛ مُدَبِّرًا لَا شَرِيكًا فِي الْجُرْمِ؛ طَبِيبًا لَا مَرِيضًا. فَيَصِيرُ مُشْرِفًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَصِيرُ وَكِيلًا لِتَعْزِيَةِ الْمُتَّهَمِينَ. اِفْرَحِي أَيَّتُهَا الْبَرَاءَةُ وَابْتَهِجِي؛ افْرَحِي أَقُولُ لِأَنَّكِ فِي كُلِّ مَكَانٍ سَالِمَةٌ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ آمِنَةٌ. إِنْ جُرِّبْتِ تَقَدَّمْتِ؛ وَإِنْ أُذْلِلْتِ ارْتَفَعْتِ؛ وَإِنْ حَارَبْتِ غَلَبْتِ؛ وَإِنْ قُتِلْتِ تُوِّجْتِ. أَنْتِ فِي الْعُبُودِيَّةِ حُرَّةٌ، وَفِي الْخَطَرِ آمِنَةٌ، وَفِي الْحَبْسِ فَرِحَةٌ. الْأَقْوِيَاءُ يُكْرِمُونَكِ، وَالرُّؤَسَاءُ يَرْفَعُونَ إِلَيْكِ أَنْظَارَهُمْ، وَالْعُظَمَاءُ يَطْلُبُونَكِ. الصَّالِحُونَ يُطِيعُونَكِ، وَالْأَشْرَارُ يَحْسُدُونَكِ، وَالْمُنَافِسُونَ يَغَارُونَ مِنْكِ، وَالْأَعْدَاءُ يَخْضَعُونَ لَكِ. وَلَا يُمْكِنُكِ أَبَدًا أَنْ لَا تَكُونِي مُنْتَصِرَةً، حَتَّى وَإِنْ أُعْوِزَكِ بَيْنَ النَّاسِ قَاضٍ عَادِلٌ.»