كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(يُوسُفُ يُفَسِّرُ الْأَحْلَامَ فِي السِّجْنِ)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُفَسِّرُ يُوسُفُ أَحْلَامَ السَّاقِي وَالْخَبَّازِ: وَتُثْبِتُ النَّتِيجَةُ صِحَّةَ التَّفْسِيرِ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا (تَكْوِين ٤٠: ١–٢٣)
١. بَعْدَ هَذِهِ الْأُمُورِ اتَّفَقَ أَنَّ خَصِيَّيْنِ اثْنَيْنِ، سَاقِيَ مَلِكِ مِصْرَ وَخَبَّازَهُ، أَخْطَآ إِلَى سَيِّدِهِمَا. ٢. فَغَضِبَ عَلَيْهِمَا فِرْعَوْنُ (لِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ رَئِيسًا عَلَى السُّقَاةِ، وَالْآخَرَ عَلَى الْخَبَّازِينَ)، ٣. فَأَرْسَلَهُمَا إِلَى سِجْنِ رَئِيسِ الْجُنْدِ الَّذِي كَانَ يُوسُفُ أَيْضًا سَجِينًا فِيهِ. ٤. وَسَلَّمَهُمَا حَارِسُ السِّجْنِ إِلَى يُوسُفَ فَكَانَ يَخْدُمُهُمَا أَيْضًا. وَمَضَى زَمَنٌ وَهُمَا فِي الْحَبْسِ. ٥. وَحَلَمَا كِلَاهُمَا حُلْمًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، كُلٌّ بِحَسَبِ تَفْسِيرٍ يَلِيقُ بِهِ: ٦. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمَا يُوسُفُ فِي الصَّبَاحِ وَرَآهُمَا حَزِينَيْنِ، ٧. سَأَلَهُمَا قَائِلًا: لِمَاذَا وُجُوهُكُمَا أَشَدُّ كَآبَةً الْيَوْمَ مِنَ الْمُعْتَادِ؟ ٨. فَأَجَابَاهُ: حَلَمْنَا حُلْمًا وَلَيْسَ مَنْ يُفَسِّرُهُ لَنَا. فَقَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: أَلَيْسَ لِلَّهِ التَّفْسِيرُ؟ أَخْبِرَانِي مَاذَا رَأَيْتُمَا. ٩. فَرَوَى رَئِيسُ السُّقَاةِ حُلْمَهُ أَوَّلًا: رَأَيْتُ أَمَامِي كَرْمَةً، ١٠. فِيهَا ثَلَاثُ أَغْصَانٍ، تَنْمُو شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى بَرَاعِمَ، وَبَعْدَ الزَّهْرِ تَنْضَجُ عِنَبًا: ١١. وَكَأْسُ فِرْعَوْنَ فِي يَدِي: فَأَخَذْتُ الْعِنَبَ وَعَصَرْتُهُ فِي الْكَأْسِ الَّتِي كُنْتُ أُمْسِكُهَا، وَنَاوَلْتُ الْكَأْسَ لِفِرْعَوْنَ. ١٢. فَأَجَابَ يُوسُفُ: هَذَا تَفْسِيرُ الْحُلْمِ: الْأَغْصَانُ الثَّلَاثَةُ هِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَاقِيَةٌ، ١٣. بَعْدَهَا يَتَذَكَّرُ فِرْعَوْنُ خِدْمَتَكَ، وَيُعِيدُكَ إِلَى مَنْصِبِكَ الْأَوَّلِ: فَتُقَدِّمُ لَهُ الْكَأْسَ بِحَسَبِ وَظِيفَتِكَ كَمَا كُنْتَ مُعْتَادًا مِنْ قَبْلُ. ١٤. فَقَطِ اذْكُرْنِي حِينَ يَكُونُ لَكَ خَيْرٌ، وَاصْنَعْ إِلَيَّ مَعْرُوفًا بِأَنْ تُشِيرَ عَلَى فِرْعَوْنَ أَنْ يُخْرِجَنِي مِنْ هَذَا السِّجْنِ: ١٥. لِأَنِّي خُطِفْتُ مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَهُنَا بَرِيئًا أُلْقِيتُ فِي الْجُبِّ. ١٦. فَلَمَّا رَأَى رَئِيسُ الْخَبَّازِينَ أَنَّهُ فَسَّرَ الْحُلْمَ بِحِكْمَةٍ، قَالَ: أَنَا أَيْضًا رَأَيْتُ حُلْمًا، أَنَّ ثَلَاثَةَ سِلَالٍ مِنَ الدَّقِيقِ فَوْقَ رَأْسِي: ١٧. وَفِي السَّلَّةِ الْعُلْيَا كُنْتُ أَحْمِلُ جَمِيعَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُصْنَعُ بِفَنِّ الْخَبْزِ، وَالطُّيُورُ تَأْكُلُ مِنْهَا. ١٨. فَأَجَابَ يُوسُفُ: هَذَا تَفْسِيرُ الْحُلْمِ: السِّلَالُ الثَّلَاثُ هِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَاقِيَةٌ؛ ١٩. بَعْدَهَا يَنْزِعُ فِرْعَوْنُ رَأْسَكَ، وَيُعَلِّقُكَ عَلَى صَلِيبٍ، وَتُمَزِّقُ الطُّيُورُ لَحْمَكَ. ٢٠. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عِيدُ مِيلَادِ فِرْعَوْنَ؛ فَصَنَعَ وَلِيمَةً عَظِيمَةً لِعَبِيدِهِ، وَتَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْمَأْدُبَةِ رَئِيسَ السُّقَاةِ وَرَئِيسَ الْخَبَّازِينَ. ٢١. فَأَعَادَ أَحَدَهُمَا إِلَى مَكَانِهِ، لِيُنَاوِلَهُ الْكَأْسَ: ٢٢. وَعَلَّقَ الْآخَرَ عَلَى الْمَشْنَقَةِ، لِتَثْبُتَ صِدْقُ الْمُفَسِّرِ. ٢٣. وَمَعَ ذَلِكَ لَمَّا أَعْقَبَتْهُ الْأَيَّامُ السَّعِيدَةُ، نَسِيَ رَئِيسُ السُّقَاةِ مُفَسِّرَهُ.
الْآيَةُ ١: خَصِيَّانِ اثْنَانِ
١. «خَصِيَّانِ اثْنَانِ» — أَيْ وَزِيرَانِ مَلَكِيَّانِ وَمُوَظَّفَانِ، حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُونَا خَصِيَّيْنِ بِالْفِعْلِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٩، الْآيَةِ ٤.
الْآيَةُ ٢: لِأَنَّ أَحَدَهُمَا
٢. «لِأَنَّ أَحَدَهُمَا» — أَيْ: غَضِبَ عَلَيْهِمَا فِرْعَوْنُ، لِأَنَّ خَطِيئَةَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، بِوَصْفِهِمَا مُوَظَّفَيْنِ كِبَارًا، كَانَتْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَثْرَةً وَمِثَالًا سَيِّئًا لِمَرْؤُوسِيهِمَا. وَالنَّصُّ الْعِبْرِيُّ لَيْسَ فِيهِ كَلِمَةُ «لِأَنَّ».
الْآيَةُ ٣: رَئِيسِ الْجُنْدِ
٣. «رَئِيسِ الْجُنْدِ» — أَيْ فُوطِيفَارَ، الَّذِي كَانَ سَيِّدَ يُوسُفَ، الْإِصْحَاحُ ٣٩، الْآيَةُ ٢٠. «مُقَيَّدًا» — أَيْ سَجِينًا: فَقَدْ كَانَ مُحَرَّرًا مِنَ الْقُيُودِ بِالْفِعْلِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، الْآيَةِ ٢٢.
الْآيَةُ ٤: بَعْدَ زَمَنٍ — سِجْنُ يُوسُفَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ
٤. «بَعْدَ زَمَنٍ» — أَيْ سَنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَهَذَا مَا تَعْنِيهِ الْعِبَارَةُ الْعِبْرِيَّةُ يَامِيمْ، أَيْ «أَيَّامٌ» بِالْجَمْعِ، كَمَا يُثْبِتُ فْرَنْسِيسْكُو رِيبِيرَا جَيِّدًا فِي عَامُوسَ ٤، رَقْم ٨. وَبَعْدَ سَنَةِ الْأَحْلَامِ هَذِهِ، بَقِيَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ سَنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١؛ فَقَدِ احْتَمَلَ إِذَنْ سِجْنًا مُدَّتُهُ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ. وَفِي هَذَا أَيْضًا كَانَ يُوسُفُ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ؛ فَكَمَا أَنَّ يُوسُفَ، بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنَ السِّجْنِ، رُفِعَ إِلَى الرِّئَاسَةِ، كَذَلِكَ الْمَسِيحُ، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْآلَامِ وَالْمَوْتِ، قَامَ مَجِيدًا. وَالْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ ذَاتُهَا لِقِيَامَةِ الْمَسِيحِ يُرْمَزُ إِلَيْهَا بِالْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ لِإِعَادَةِ سَاقِي فِرْعَوْنَ، الْآيَةُ ١٣. هَكَذَا عَنْ إِيسِيدُورُسَ، بِحَسَبِ لِيبُومَانُوسَ.
الْآيَةُ ٨: أَلَيْسَ لِلَّهِ التَّفْسِيرُ؟
٨. «أَلَيْسَ لِلَّهِ التَّفْسِيرُ؟» — أَيْ: اللَّهُ بِوَاسِطَتِي سَيُفَسِّرُ لَكُمَا حُلْمَكُمَا؛ فَأَخْبِرَانِي بِهِ: وَحِينَمَا تَرَيَانِ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِعْلًا كَمَا فَسَّرْتُهُ، فَاعْلَمَا عِنْدَئِذٍ أَنِّي لَسْتُ مُتَكَهِّنًا بَاطِلًا، بَلْ مُفَسِّرٌ حَقِيقِيٌّ لِلْأَحْلَامِ بِمَوْهِبَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَبِالتَّالِي أَنِّي عَابِدٌ حَقِيقِيٌّ وَصَدِيقٌ لِلْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَكْشِفُ هَذِهِ الْأَسْرَارَ لِغَيْرِ أَصْفِيَائِهِ.
هَلْ يَجُوزُ التَّكَهُّنُ مِنَ الْأَحْلَامِ؟
قَدْ يُسْأَلُ: هَلْ يَجُوزُ التَّكَهُّنُ مِنَ الْأَحْلَامِ بِشَأْنِ الْمُسْتَقْبَلِ؟ لَاحِظْ: الْأَحْلَامُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: فَبَعْضُهَا يَأْتِي مِنَ اللَّهِ؛ وَبَعْضُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ؛ وَبَعْضُهَا مِنَ الطَّبِيعَةِ. وَأَيْضًا، هَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ الَّذِي يَنْشَأُ مِنَ الطَّبِيعَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: فَبَعْضُهُ يَنْشَأُ مِنَ الْأَفْكَارِ النَّهَارِيَّةِ، أَوْ مِنْ عَاطِفَةٍ مُتَّقِدَةٍ نَحْوَ شَيْءٍ مَا. وَمِنْ هُنَا، كَمَا أَنَّ «الْمَلَّاحَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرِّيَاحِ، وَالْحَرَّاثَ عَنِ الثِّيرَانِ»، كَذَلِكَ يَحْلُمُ بِالْأُمُورِ ذَاتِهَا. فَإِنَّ هُنَاكَ أَحْلَامًا مِنَ الْفِكْرِ النَّهَارِيِّ، كَحَرَكَاتِ الْوَتَرِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ أَنْ يَتَوَقَّفَ الْعَزْفُ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَنْتُجُ مِنَ الدَّفْعَةِ وَتَسْتَمِرُّ بَعْدَ تَوَقُّفِهَا لِبَعْضِ الْوَقْتِ، كَمَا يَقُولُ غْرِيغُورِيُوسُ النِّيصِيُّ فِي رِسَالَتِهِ فِي صَنْعِ الْإِنْسَانِ، الْبَابُ ٤٠. أَمَّا بَعْضُ الْأَحْلَامِ الطَّبِيعِيَّةِ فَتَنْشَأُ مِنَ الْمِزَاجِ وَالْخِلْطِ الْغَالِبِ. فَهَكَذَا يَحْلُمُ الصَّفْرَاوِيُّ بِالْمَذَابِحِ وَالضَّرْبِ وَالنِّيرَانِ؛ وَيَحْلُمُ الْبَلْغَمِيُّ بِالْمِيَاهِ وَالْهَاوِيَاتِ وَالِاخْتِنَاقِ وَالْفِرَارِ الْبَطِيءِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الضَّارَّةِ — فَإِنَّ الْبَلْغَمَ اللَّزِجَ يُنْتِجُ هَذِهِ؛ وَيَحْلُمُ الدَّمَوِيُّ بِالْمُوسِيقَى وَالْوَلَائِمِ وَالْمُرُوجِ وَالطُّيُورِ وَالطَّيَرَانِ؛ وَيَحْلُمُ السَّوْدَاوِيُّ بِالْأُمُورِ الْقَاتِمَةِ وَالْحَزِينَةِ، بِالْمَوْتِ وَالْقُبُورِ وَالْأَحْبَاشِ وَالشَّيَاطِينِ.
أَقُولُ أَوَّلًا: مِنَ الْأَحْلَامِ الطَّبِيعِيَّةِ يَجُوزُ التَّكَهُّنُ طَبِيعِيًّا، أَيِ التَّخْمِينُ بِشَأْنِ مِزَاجِ الشَّخْصِ وَصِحَّتِهِ وَعَوَاطِفِهِ وَأَمْرَاضِهِ الْوَشِيكَةِ. وَهَكَذَا كَتَبَ أَبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسُ كُتُبًا عَنِ التَّنَبُّؤَاتِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنَ الْأَحْلَامِ. وَالسَّبَبُ أَنَّ الْآثَارَ تَدُلُّ طَبِيعِيًّا عَلَى سَبَبِهَا: وَهَذِهِ الْأَحْلَامُ هِيَ آثَارُ مِزَاجٍ مُعَيَّنٍ وَخِلْطٍ مُعَيَّنٍ سَائِدٍ فِي الْجَسَدِ.
أَقُولُ ثَانِيًا: مِنَ الْأَحْلَامِ الْمُرْسَلَةِ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَلَاكٍ يَجُوزُ التَّكَهُّنُ؛ وَلَكِنْ فَقَطْ لِمَنْ تَلَقَّى مَعْنَاهَا مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ مَلَاكٍ. هَكَذَا يُوسُفُ هُنَا وَدَانِيَالُ فِي الْإِصْحَاحَيْنِ ٤ وَ٥ يَتَكَهَّنَانِ مِنَ الْأَحْلَامِ.
أَقُولُ ثَالِثًا: الْأَحْلَامُ الْبَاقِيَةُ، وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا مِنْ تَكَهُّنَاتٍ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانِيَّةً، أَوْ خُرَافِيَّةً، أَوْ بَاطِلَةً وَخَادِعَةً وَعَدِيمَةَ الْجَدْوَى: وَلِذَلِكَ فَإِنَّ التَّكَهُّنَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْلَامِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ ١٨: ١٠.
لَاحِظْ: لِأَنَّ الْأَحْلَامَ الْإِلَهِيَّةَ نَادِرَةٌ، وَيَكَادُ يَسْتَحِيلُ تَمْيِيزُهَا مِنَ الشَّيْطَانِيَّةِ أَوِ الْبَاطِلَةِ، فَإِنَّ الْأَسْلَمَ هُوَ ازْدِرَاءُ جَمِيعِ الْأَحْلَامِ مَهْمَا كَانَتْ، إِلَّا إِذَا كَشَفَ اللَّهُ خِلَافَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ مُعْتَادٌ أَنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ جُزْئِيًّا بِإِنَارَةِ الْحَالِمِينَ أَنْفُسِهِمْ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْحُلْمَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، وَبِتَحْرِيكِهِمْ لِلْبَحْثِ عَنْ تَفْسِيرِ الْحُلْمِ وَالتَّحَرِّي عَنْهُ، كَمَا فَعَلَ مَعَ هَذَيْنِ الْخَصِيَّيْنِ، وَكَذَلِكَ مَعَ نَبُوخَذْنَصَّرَ، دَانِيَالُ ٥، وَمَعَ فِرْعَوْنَ هُنَا فِي الْإِصْحَاحِ ٤١؛ وَجُزْئِيًّا بِإِلْهَامِ تَفْسِيرِ الْأَحْلَامِ لِأَصْدِقَائِهِ وَرِجَالِهِ الْقِدِّيسِينَ، كَمَا أَلْهَمَهُ هُنَا لِيُوسُفَ، وَلِدَانِيَالَ فِي الْإِصْحَاحَيْنِ ٤ وَ٥. اُنْظُرْ كُونِيمْبْرِيكِنْسِيسْ فِي كِتَابِ أَرِسْطُو فِي التَّكَهُّنِ بِالْأَحْلَامِ.
الْآيَةُ ١٢: هَذَا تَفْسِيرُ الْحُلْمِ
١٢. «أَجَابَ يُوسُفُ: هَذَا تَفْسِيرُ الْحُلْمِ.» — رَأَى السَّاقِي هُنَا فِي حُلْمِهِ رَمْزِيًّا أَنَّ مَنْصِبَهُ، أَيْ وَظِيفَتَهُ كَسَاقٍ، يُعَادُ إِلَيْهِ، لِكَيْ يُشِيرَ اللَّهُ بِذَاتِ الْأَمْرِ إِلَى أَنَّ الْمَنَاصِبَ وَالْكَرَامَاتِ، بَلْ وَالْحَيَاةَ ذَاتَهَا، وَجَمِيعَ شُؤُونِ الْبَشَرِ لَيْسَتْ سِوَى حُلْمٍ، وَأَنَّ جَمِيعَ آمَالِ النَّاسِ لَيْسَتْ سِوَى أَحْلَامِ الْيَقَظَانِينَ، كَمَا كَانَ أَفْلَاطُونُ يَقُولُ: هَذَا مَا يُعَلِّمُهُ الْمُفَسِّرُ يُوسُفُ، أَيِ الرَّجُلُ الْحَكِيمُ وَالْفَطِنُ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ — وَلِذَلِكَ يُوَجِّهُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ وَشُؤُونِهِ وَفْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الْفَضِيلَةُ.
«ثَلَاثُ أَغْصَانٍ» — ثَلَاثُ فُرُوعٍ مِنَ الْكَرْمَةِ. «ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَاقِيَةٌ» — «هِيَ»، أَيْ تَعْنِي. فَكَمَا أَنَّ كَيْنُونَةَ الصُّورَةِ هِيَ أَنْ تُمَثِّلَ، كَذَلِكَ كَيْنُونَةُ الْحُلْمِ أَوِ الرَّمْزِ أَوِ الرُّؤْيَا النَّبَوِيَّةِ هِيَ أَنْ تُظَلِّلَ وَتَدُلَّ عَلَى أُمُورٍ غَائِبَةٍ أَوْ آتِيَةٍ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ.
الْآيَةُ ١٥: مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ
١٥. «مِنْ أَرْضِ الْعِبْرَانِيِّينَ» — أَيْ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، الَّتِي كَانَ يَسْكُنُ فِيهَا يَعْقُوبُ وَبَنُوهُ الْعِبْرَانِيُّونَ.
الْآيَةُ ١٦: أَنَّهُ فَسَّرَ الْحُلْمَ بِحِكْمَةٍ
١٦. «أَنَّهُ فَسَّرَ» (أَيْ بِلِيَاقَةٍ وَمُلَاءَمَةٍ وَمَعْقُولِيَّةٍ) «الْحُلْمَ بِحِكْمَةٍ» — فَإِنَّ صِحَّةَ التَّفْسِيرِ لَمْ تَكُنْ قَدْ ثَبَتَتْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا تَأَكَّدَتْ لَاحِقًا بِالْحَدَثِ الْفِعْلِيِّ فِي الْآيَةِ ٢١.
الْآيَةُ ١٧: جَمِيعُ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُصْنَعُ بِفَنِّ الْخَبْزِ
١٧. «جَمِيعُ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُصْنَعُ بِفَنِّ الْخَبْزِ» — وَبِالتَّالِي كَعْكٌ وَفَطَائِرُ لَحْمٍ وَمَعْجَنَاتُ لُحُومٍ، فَطَارَتْ إِلَيْهَا الطُّيُورُ الْآكِلَةُ لِلُّحُومِ وَمَزَّقَتْهَا وَالْتَهَمَتْهَا. هَكَذَا يُوسِيفُوسُ. فَإِنَّ هَذِهِ اللُّحُومَ وَالطُّيُورَ كَانَتْ تُنْذِرُ بِأَنَّ لَحْمَ الْحَالِمِ سَيُمَزَّقُ بِالْمِثْلِ وَتَلْتَهِمُهُ الطُّيُورُ عَلَى الصَّلِيبِ.
الْآيَةُ ١٩: بَعْدَهَا — يَنْزِعُ رَأْسَكَ
١٩. «بَعْدَهَا» — أَيْ بَعْدَ بِدَايَتِهَا: فَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ذَاتِهِ عُلِّقَ الْخَبَّازُ، وَهَذَا مَا كَانَتْ تُنْذِرُ بِهِ الطُّيُورُ وَهِيَ تُمَزِّقُ اللَّحْمَ مِنَ السَّلَّةِ الثَّالِثَةِ وَتَأْكُلُهُ. هَكَذَا يُوسِيفُوسُ.
«يَنْزِعُ رَأْسَكَ» — لَا بِقَطْعِ رَأْسِكَ بِالسَّيْفِ، كَمَا يَرَى فِيلُونُ، بَلْ بِتَعْلِيقِكَ بِالْحَبْلِ، وَبِذَلِكَ يَقْتُلُكَ وَيَقْتُلُ رَأْسَكَ. وَمِنْ ثَمَّ يَعْقُبُ: «وَيُعَلِّقُكَ»؛ فَإِنَّ مَنْ يَنْزِعُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ يَنْزِعُ أَيْضًا رَأْسَهُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْيَا وَيَنْشَطُ بِرَأْسِهِ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ وَالْقُوَّةُ تُنْزَعُ مِنَ الرَّأْسِ وَالْإِنْسَانِ بِالْحَبْلِ وَالْمَوْتِ بِقَدْرِ مَا تُنْزَعُ بِالسَّيْفِ.
«وَتُمَزِّقُ الطُّيُورُ لَحْمَكَ.» — مِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ أَجْسَادَ الْمَشْنُوقِينَ، حَتَّى فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَمَا الْآنَ، كَانَتْ تُتْرَكُ عَلَى الْمَشْنَقَةِ، لِتَتَعَفَّنَ هُنَاكَ، أَوْ لِتَجِفَّ وَتَتَحَلَّلَ بِالشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ، أَوْ لِتُمَزِّقَهَا الطُّيُورُ. وَمِنْ هُنَا ذَلِكَ الْقَوْلُ: «لَمْ أَسْرِقْ؛ لَنْ تُطْعِمَ الْغِرْبَانَ عَلَى الصَّلِيبِ.» أَمَّا الْيَهُودُ فَقَدْ أُمِرُوا فِي تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢١، الْآيَةِ ٢٣، بِإِنْزَالِ الْمَشْنُوقِينَ وَدَفْنِهِمْ فِي الْيَوْمِ ذَاتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الرَّمْزِيَّةِ، يَقُولُ بْرُوسْبِيرُوسُ وَرُوبِيرْتُوسُ: إِنَّ هَذَيْنِ الْخَصِيَّيْنِ، اللَّذَيْنِ أُعِيدَ أَحَدُهُمَا إِلَى مَنْصِبِهِ وَعُلِّقَ الْآخَرُ، يَرْمِزَانِ إِلَى صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ، أَيِ الْمُخْتَارِينَ بِالنِّعْمَةِ وَالْمَرْذُولِينَ أَوِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ بِالْعَدَالَةِ. وَأَيْضًا، يُوسُفُ بَيْنَ الْخَصِيَّيْنِ هُوَ الْمَسِيحُ الْمَصْلُوبُ بَيْنَ اللِّصَّيْنِ، يَعِدُ أَحَدَهُمَا بِالسَّمَاءِ وَيَتْرُكُ الْآخَرَ لِلْجَحِيمِ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ كَشَفَ الْأَحْلَامَ وَالرُّؤَى: لِأَنَّهُ أَتَمَّ النُّبُوَّاتِ؛ وَلِأَنَّهُ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ مَشُورَاتِ اللَّهِ الْخَفِيَّةَ وَأَحْكَامَهُ وَمَوَاعِيدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْطَى الرُّسُلَ فَهْمًا لِكَيْ يُدْرِكُوا النُّبُوَّاتِ وَالْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ بِأَكْمَلِهِ.
الْآيَةُ ٢٢: لِتَثْبُتَ صِدْقُ الْمُفَسِّرِ
٢٢. «لِتَثْبُتَ صِدْقُ الْمُفَسِّرِ.» — كَلِمَةُ «لِتَثْبُتَ» هُنَا لَا تُشِيرُ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي قَصَدَهُ فِرْعَوْنُ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بَلْ إِلَى النَّتِيجَةِ أَوِ الْعَاقِبَةِ، أَيْ: وَهَكَذَا حَدَثَ أَنَّ تَكَهُّنَ يُوسُفَ وَتَفْسِيرَهُ لِلْأَحْلَامِ وُجِدَ صَحِيحًا، وَتَأَكَّدَ بِالْحَدَثِ الْفِعْلِيِّ ذَاتِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا التَّكَهُّنِ مَا كَانَ مِنَ الْقِدِّيسِ أَثَنَاسِيُوسَ، الَّذِي حِينَ دَخَلَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَكَانَ غُرَابٌ يَنْعَبُ وَهُوَ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ، سَأَلَهُ الْوَثَنِيُّونَ مَازِحِينَ مَاذَا يَقُولُ الْغُرَابُ، فَأَجَابَ: «يَصِيحُ 'كْرَاسْ' [غَدًا]؛ وَيَعْنِي أَنَّ غَدًا، أَيِ الْعِيدَ الَّذِي تَحْتَفِلُونَ بِهِ، سَيَكُونُ حُزْنًا لَكُمْ.» وَهَكَذَا حَدَثَ، كَمَا يَشْهَدُ نِيكِيفُورُوسُ، الْكِتَابُ ٩، الْبَابُ ٣٥. وَكَذَلِكَ ذَلِكَ الْمَسِيحِيُّ الَّذِي سَأَلَهُ يُولِيَانُوسُ الْمُرْتَدُّ سَاخِرًا: «مَاذَا يَصْنَعُ نَجَّارُكُمُ الْجَلِيلِيُّ؟» فَأَجَابَ: «يُعِدُّ لَكَ تَابُوتًا» — أَيْ نَعْشًا — وَصَدَقَ: فَبَعْدَ قَلِيلٍ قُتِلَ يُولِيَانُوسُ بِسِلَاحٍ لَيْسَ مِنْ إِنْسَانٍ، بَلْ مِنَ الْمَسِيحِ. وَبِالْمِثْلِ، تَنَبَّأَ إِسْحَاقُ النَّاسِكُ بِالْهَزِيمَةِ وَالْمَوْتِ لِلْإِمْبِرَاطُورِ الْآرِيُوسِيِّ فَالِنْسَ وَهُوَ يَسِيرُ لِمُحَارَبَةِ الْقُوطِ، كَمَا يَشْهَدُ نِيكِيفُورُوسُ، الْكِتَابُ ١١، الْبَابُ ٥٠.