كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(يُوسُفُ يُفَسِّرُ أَحْلَامَ فِرْعَوْنَ)
مُلَخَّصُ الْفَصْلِ
يُفَسِّرُ يُوسُفُ لِفِرْعَوْنَ حُلْمَ الْبَقَرَاتِ السَّبْعِ وَالسَّنَابِلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَبْعِ سِنِينَ الْخِصْبِ وَسَبْعِ سِنِينَ الْقَحْطِ الْآتِيَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، عِنْدَ الْآيَةِ ٤٠، يُعَيِّنُهُ الْمَلِكُ عَلَى مِصْرَ؛ وَعِنْدَ الْآيَةِ ٤٦، يَدْفَعُ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ الْمَجَاعَةَ الَّتِي دَامَتْ سَبْعَ سِنِينَ عَنْ مِصْرَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا (التَّكْوِينُ ٤١: ١–٥٧)
١. بَعْدَ سَنَتَيْنِ رَأَى فِرْعَوْنُ حُلْمًا. ظَنَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَى النَّهْرِ، ٢. فَصَعِدَتْ مِنْهُ سَبْعُ بَقَرَاتٍ حَسَنَةِ الْمَنْظَرِ وَسَمِينَةٍ جِدًّا، وَكَانَتْ تَرْعَى فِي الْأَمَاكِنِ الْمُسْتَنْقَعِيَّةِ. ٣. وَصَعِدَتْ أَيْضًا مِنَ النَّهْرِ سَبْعٌ أُخْرَى قَبِيحَةٌ وَهَزِيلَةٌ مَنْهُوكَةٌ بِالنُّحُولِ، وَكَانَتْ تَرْعَى عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ ذَاتِهَا فِي مَوَاضِعَ خَضْرَاءَ: ٤. فَابْتَلَعَتِ الَّتِي كَانَ مَنْظَرُهَا عَجِيبًا وَحَالُ أَجْسَادِهَا رَائِعًا. فَاسْتَيْقَظَ فِرْعَوْنُ، ٥. ثُمَّ عَادَ وَنَامَ وَرَأَى حُلْمًا آخَرَ: سَبْعُ سَنَابِلَ كَانَتْ تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدَةٍ، مُمْتَلِئَةً وَحَسَنَةً؛ ٦. وَسَبْعٌ أُخْرَى نَحِيفَةٌ وَمَضْرُوبَةٌ بِاللَّفْحِ كَانَتْ تَطْلُعُ، ٧. تَبْتَلِعُ كُلَّ جَمَالِ الْأُولَى. وَاسْتَيْقَظَ فِرْعَوْنُ مِنْ نَوْمِهِ، ٨. وَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ، مُرْتَاعًا مِنَ الْخَوْفِ، أَرْسَلَ فِي طَلَبِ جَمِيعِ مُفَسِّرِي مِصْرَ وَكُلِّ حُكَمَائِهَا؛ وَلَمَّا دُعُوا قَصَّ عَلَيْهِمْ حُلْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْ يُفَسِّرُهُ. ٩. فَحِينَئِذٍ تَذَكَّرَ رَئِيسُ السُّقَاةِ وَقَالَ: أَعْتَرِفُ بِخَطِيئَتِي. ١٠. الْمَلِكُ إِذْ غَضِبَ عَلَى عَبِيدِهِ أَمَرَ بِأَنْ أُلْقَى أَنَا وَرَئِيسُ الْخَبَّازِينَ فِي سِجْنِ رَئِيسِ الْجُنْدِ: ١١. حَيْثُ رَأَى كُلٌّ مِنَّا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ حُلْمًا يُنْبِئُ بِالْمُسْتَقْبَلِ. ١٢. وَكَانَ هُنَاكَ شَابٌّ عِبْرَانِيٌّ، خَادِمٌ لِنَفْسِ رَئِيسِ الْجُنْدِ، فَقَصَصْنَا عَلَيْهِ أَحْلَامَنَا، ١٣. فَسَمِعْنَا مِنْهُ مَا أَثْبَتَتِ الْوَقَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ صِدْقَهُ. فَإِنِّي رُدِدْتُ إِلَى وَظِيفَتِي، وَهُوَ عُلِّقَ عَلَى صَلِيبٍ. ١٤. وَفِي الْحَالِ بِأَمْرِ الْمَلِكِ أُخْرِجَ يُوسُفُ مِنَ السِّجْنِ وَحُلِقَ وَغُيِّرَتْ ثِيَابُهُ وَقُدِّمَ لَهُ. ١٥. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: رَأَيْتُ أَحْلَامًا وَلَيْسَ مَنْ يُفَسِّرُهَا: وَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّكَ أَحْكَمُ مَنْ يُفَسِّرُ. ١٦. أَجَابَ يُوسُفُ: لَيْسَ مِنِّي، بَلِ اللهُ يُجِيبُ فِرْعَوْنَ بِالْخَيْرِ. ١٧. فَرَوَى فِرْعَوْنُ مَا رَآهُ: ظَنَنْتُ أَنَّنِي وَاقِفٌ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ، ١٨. فَصَعِدَتْ مِنَ النَّهْرِ سَبْعُ بَقَرَاتٍ حَسَنَةِ الْمَنْظَرِ جِدًّا وَسَمِينَةِ اللَّحْمِ، وَكَانَتْ تَرْعَى فِي مَرَاعِي الْمُسْتَنْقَعَاتِ الْخَضْرَاءِ؛ ١٩. وَإِذَا بِسَبْعِ بَقَرَاتٍ أُخْرَى تَبِعَتْهَا، قَبِيحَةٍ وَهَزِيلَةٍ جِدًّا لَمْ أَرَ مِثْلَهَا فِي أَرْضِ مِصْرَ قَطُّ: ٢٠. فَلَمَّا ابْتَلَعَتِ الْأُولَى وَأَكَلَتْهَا، ٢١. لَمْ تُعْطِ أَيَّ عَلَامَةٍ عَلَى الشِّبَعِ؛ بَلْ ظَلَّتْ فِي نَفْسِ الْهُزَالِ وَالنُّحُولِ. وَاسْتَيْقَظْتُ، ثُمَّ غَلَبَنِي النَّوْمُ مِنْ جَدِيدٍ، ٢٢. فَرَأَيْتُ حُلْمًا: سَبْعُ سَنَابِلَ كَانَتْ تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ وَاحِدَةٍ، مُمْتَلِئَةً وَفِي غَايَةِ الْجَمَالِ. ٢٣. وَسَبْعُ سَنَابِلَ أُخْرَى نَحِيفَةٌ وَمَضْرُوبَةٌ بِاللَّفْحِ كَانَتْ تَطْلُعُ مِنَ السَّاقِ: ٢٤. فَابْتَلَعَتْ جَمَالَ الْأُولَى. قَصَصْتُ الْحُلْمَ عَلَى الْمُفَسِّرِينَ وَلَيْسَ مَنْ يُفَسِّرُهُ. ٢٥. أَجَابَ يُوسُفُ: حُلْمُ الْمَلِكِ وَاحِدٌ: مَا اللهُ فَاعِلُهُ قَدْ أَظْهَرَهُ لِفِرْعَوْنَ. ٢٦. الْبَقَرَاتُ السَّبْعُ الْحَسَنَةُ وَالسَّنَابِلُ السَّبْعُ الْمُمْتَلِئَةُ هِيَ سَبْعُ سِنِي خِصْبٍ، وَتَحْمِلُ نَفْسَ مَعْنَى الْحُلْمِ. ٢٧. وَالْبَقَرَاتُ السَّبْعُ النَّحِيفَةُ الْهَزِيلَةُ الَّتِي صَعِدَتْ بَعْدَهَا، وَالسَّنَابِلُ السَّبْعُ النَّحِيفَةُ الْمَضْرُوبَةُ بِالرِّيحِ الْحَارَّةِ، هِيَ سَبْعُ سِنِينَ آتِيَةٌ مِنَ الْمَجَاعَةِ. ٢٨. وَسَتَتِمُّ بِهَذَا التَّرْتِيبِ: ٢٩. هَا سَبْعُ سِنِينَ تَأْتِي بِخِصْبٍ عَظِيمٍ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ: ٣٠. وَيَعْقُبُهَا سَبْعُ سِنِينَ أُخْرَى مِنَ الْقَحْطِ الشَّدِيدِ بِحَيْثُ يُنْسَى كُلُّ الْخِصْبِ السَّابِقِ: إِذِ الْمَجَاعَةُ تَأْكُلُ كُلَّ الْأَرْضِ، ٣١. وَعِظَمُ الْعَوَزِ يُفْنِي عِظَمَ الْخِصْبِ. ٣٢. وَأَمَّا أَنَّكَ رَأَيْتَ حُلْمًا ثَانِيًا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْأَمْرِ فَهَذَا عَلَامَةُ ثَبَاتٍ، لِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ سَتَتِمُّ وَتَتَحَقَّقُ سَرِيعًا. ٣٣. فَالْآنَ لِيَخْتَرِ الْمَلِكُ رَجُلًا حَكِيمًا وَمُجْتَهِدًا وَيُقِمْهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، ٣٤. فَيُعَيِّنَ وُلَاةً عَلَى جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ، وَيَجْمَعَ خُمْسَ الثِّمَارِ فِي سَبْعِ سِنِي الْخِصْبِ، ٣٥. الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تَأْتِيَ، فِي مَخَازِنَ: وَلْيُخْزَنْ كُلُّ الْحِنْطَةِ تَحْتَ سُلْطَةِ فِرْعَوْنَ، وَتُحْفَظْ فِي الْمُدُنِ. ٣٦. وَتُعَدَّ لِمَجَاعَةِ السَّبْعِ سِنِينَ الْآتِيَةِ الَّتِي سَتَضْغَطُ عَلَى مِصْرَ، فَلَا تَهْلِكَ الْأَرْضُ بِالْعَوَزِ. ٣٧. فَحَسُنَ الرَّأْيُ فِي عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ وَجَمِيعِ وُزَرَائِهِ: ٣٨. فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ نَجِدُ رَجُلًا مِثْلَ هَذَا مَمْلُوءًا مِنْ رُوحِ اللهِ؟ ٣٩. فَقَالَ لِيُوسُفَ: بِمَا أَنَّ اللهَ أَرَاكَ كُلَّ مَا قُلْتَ، هَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِدَ مَنْ هُوَ أَحْكَمُ وَأَشْبَهُ بِكَ؟ ٤٠. أَنْتَ تَكُونُ عَلَى بَيْتِي، وَبِأَمْرِ فَمِكَ يُطِيعُ كُلُّ الشَّعْبِ: فَقَطْ بِعَرْشِ الْمُلْكِ أَكُونُ فَوْقَكَ. ٤١. وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَيْضًا لِيُوسُفَ: هَا أَنَا أُقِيمُكَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. ٤٢. وَنَزَعَ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ؛ وَأَلْبَسَهُ حُلَّةً مِنَ الْكَتَّانِ الرَّقِيقِ، وَوَضَعَ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ حَوْلَ عُنُقِهِ. ٤٣. وَأَرْكَبَهُ فِي مَرْكَبَتِهِ الثَّانِيَةِ، وَنَادَى مُنَادٍ أَنِ اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ أَمَامَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ أُقِيمَ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. ٤٤. وَقَالَ الْمَلِكُ لِيُوسُفَ: أَنَا فِرْعَوْنُ؛ بِدُونِ أَمْرِكَ لَا يُحَرِّكُ أَحَدٌ يَدًا أَوْ رِجْلًا فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. ٤٥. وَغَيَّرَ اسْمَهُ وَدَعَاهُ بِالْمِصْرِيَّةِ مُخَلِّصَ الْعَالَمِ. وَأَعْطَاهُ أَسْنَاتَ بِنْتَ فُوطِي فَارَعَ كَاهِنِ أُونَ زَوْجَةً لَهُ. فَخَرَجَ يُوسُفُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ ٤٦. (وَكَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً حِينَ وَقَفَ أَمَامَ فِرْعَوْنَ الْمَلِكِ)، وَطَافَ فِي جَمِيعِ أَقَالِيمِ مِصْرَ. ٤٧. وَجَاءَ الْخِصْبُ فِي السَّبْعِ سِنِينَ، وَجُمِعَ الْحَصَادُ حُزَمًا فِي مَخَازِنِ مِصْرَ. ٤٨. وَخُزِنَتْ أَيْضًا كُلُّ وَفْرَةِ الثِّمَارِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ. ٤٩. وَكَانَ وَفْرُ الْحِنْطَةِ عَظِيمًا لِدَرَجَةِ أَنَّهُ سَاوَى رَمْلَ الْبَحْرِ، وَفَاقَتِ الْكَثْرَةُ كُلَّ مِقْيَاسٍ. ٥٠. وَقَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ الْمَجَاعَةُ وُلِدَ لِيُوسُفَ ابْنَانِ وَلَدَتْهُمَا لَهُ أَسْنَاتُ بِنْتُ فُوطِي فَارَعَ كَاهِنِ أُونَ. ٥١. وَسَمَّى الْبِكْرَ مَنَسَّى قَائِلًا: أَنْسَانِيَ اللهُ كُلَّ مَشَقَّاتِي وَكُلَّ بَيْتِ أَبِي. ٥٢. وَسَمَّى الثَّانِيَ أَفْرَايِمَ قَائِلًا: أَنْمَانِيَ اللهُ فِي أَرْضِ مَذَلَّتِي. ٥٣. وَلَمَّا انْقَضَتْ سَبْعُ سِنِي الْخِصْبِ الَّتِي كَانَتْ فِي مِصْرَ، ٥٤. بَدَأَتْ سَبْعُ سِنِي الْقَحْطِ تَأْتِي كَمَا أَنْبَأَ يُوسُفُ: وَعَمَّتِ الْمَجَاعَةُ كُلَّ الْعَالَمِ، وَلَكِنْ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ كَانَ هُنَاكَ خُبْزٌ. ٥٥. وَلَمَّا جَاعَ الشَّعْبُ صَرَخُوا إِلَى فِرْعَوْنَ يَطْلُبُونَ الطَّعَامَ. فَأَجَابَهُمْ: «اذْهَبُوا إِلَى يُوسُفَ: وَمَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ.» ٥٦. وَكَانَتِ الْمَجَاعَةُ تَشْتَدُّ كُلَّ يَوْمٍ فِي كُلِّ الْأَرْضِ: فَفَتَحَ يُوسُفُ جَمِيعَ الْمَخَازِنِ وَبَاعَ لِلْمِصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْمَجَاعَةَ ضَغَطَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا. ٥٧. وَجَاءَتْ جَمِيعُ الْأَقَالِيمِ إِلَى مِصْرَ لِتَشْتَرِيَ طَعَامًا وَتُخَفِّفَ شَرَّ الْعَوَزِ.
الْآيَةُ ١
بَعْدَ سَنَتَيْنِ — مِنْ إِطْلَاقِ سَرَاحِ رَئِيسِ السُّقَاةِ، إِذْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ مُدَّةَ سَنَةٍ، كَمَا بَيَّنْتُ فِي الْفَصْلِ ٤٠، الْآيَةِ ٤. مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يُوسُفَ مَكَثَ فِي السِّجْنِ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَهَذَا بِتَدْبِيرِ اللهِ: لِكَيْ يُكَفِّرَ عَنْ بَعْضِ الْهَفَوَاتِ الطَّفِيفَةِ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا حَتَّى الْقِدِّيسُونَ (هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْمَوْعِظَةُ ٨٢ عَنِ الْأَزْمِنَةِ)؛ وَلِكَيْ يُمَحَّصَ صَبْرُهُ وَفَضِيلَتُهُ وَتُشْحَذَ؛ وَلِكَيْ يَكُونَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي كَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي آلَامِهِ وَمَوْتِهِ.
وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي نَفْسِ الْمَوْضِعِ مُلَاحَظَةً عَجِيبَةً وَجَدِيرَةً بِالِانْتِبَاهِ، وَهِيَ أَنَّ يُوسُفَ عُوقِبَ بِسَنَتَيْنِ فِي السِّجْنِ لِأَنَّهُ وَثِقَ بِالْإِنْسَانِ أَكْثَرَ مِنَ اللهِ، حِينَ وَضَعَ رَجَاءَ نَجَاتِهِ فِي رَئِيسِ السُّقَاةِ، فَجَعَلَ اللهُ ذَلِكَ الرَّجُلَ يَنْسَاهُ لِمُدَّةِ سَنَتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «أَنَا أُرِيكَ أَنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَطْلُبَ الْعَوْنَ مِنِّي أَنَا لَا مِنَ الْإِنْسَانِ.» حَادَّةٌ هُنَا عَيْنُ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ، وَأَحَدُّ مِنْهَا عَيْنُ اللهِ.
رَأَى فِرْعَوْنُ حُلْمًا: ظَنَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَى النَّهْرِ — عَلَى ضِفَّةِ النِّيلِ. لَاحِظْ: فِي مِصْرَ يَنْشَأُ الْخِصْبُ مِنْ فَيَضَانِ النِّيلِ (لِأَنَّهُ بِالْكَادِ يُمْطِرُ فِي مِصْرَ)، وَالنِّيلُ بِمَائِهِ الْعَكِرِ الْخَصِبِ يُغَطِّي الْحُقُولَ بِالطَّمْيِ فَيُسَمِّنُهَا وَيُخْصِبُهَا كَأَنَّمَا يُسَمِّدُهَا. وَلِهَذَا كُلَّمَا زَادَ فَيَضَانُ النِّيلِ وَعَلَا وَامْتَدَّ بَعِيدًا، كَانَ الْخِصْبُ أَعْظَمَ فِي مِصْرَ. وَمِنِ ارْتِفَاعِ فَيَضَانِ النِّيلِ يَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ يَقِينًا مِقْدَارَ الْخِصْبِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. اسْمَعْ بِلِينِيُوسَ، الْكِتَابُ الْخَامِسُ، الْفَصْلُ التَّاسِعُ: «مِصْرُ،» يَقُولُ، «عِنْدَ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا (مِنِ ارْتِفَاعِ النِّيلِ) تَشْعُرُ بِالْمَجَاعَةِ؛ وَعِنْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ لَا تَزَالُ تَجُوعُ؛ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا تَجْلِبُ الْبَهْجَةَ، خَمْسَةَ عَشَرَ الْأَمَانَ، سِتَّةَ عَشَرَ الْمَسَرَّةَ.» لِهَذَا السَّبَبِ رَأَى فِرْعَوْنُ هُنَا بَقَرَاتٍ هَزِيلَةً تَرْعَى عَلَى ضِفَّةِ النِّيلِ: لِأَنَّهَا كَانَتْ تُنْذِرُ بِفَيَضَانٍ ضَعِيفٍ لِلنِّيلِ، وَبِالتَّالِي بِمَرَاعٍ شَحِيحَةٍ، وَتِلْكَ تَقْرِيبًا فَقَطْ فِي جِوَارِ النِّيلِ. وَعَلَى الْعَكْسِ، رَأَى فِرْعَوْنُ بَقَرَاتٍ سَمِينَةً تَرْعَى فِي الْمُسْتَنْقَعَاتِ الْبَعِيدَةِ عَنِ النِّيلِ، لِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ تُنْذِرُ بِالْخِصْبِ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ.
الْآيَةُ ٤
فَابْتَلَعَتْهَا. الْبَقَرَاتُ الْهَزِيلَةُ أَكَلَتِ الْبَقَرَاتِ السَّمِينَةَ الْمُعَلَّفَةَ. الَّتِي كَانَ مَنْظَرُهَا عَجِيبًا وَحَالُ أَجْسَادِهَا رَائِعًا — أَيِ الَّتِي كَانَتْ ذَاتَ هَيْئَةٍ جَمِيلَةٍ وَسِمَنٍ وَامْتِلَاءٍ، هَكَذَا النَّصُّ الْعِبْرِيُّ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَعْنِي أَنَّ سَبْعَ سِنِي الْقَحْطِ سَتَلْتَهِمُ كُلَّ مَحْصُولِ سَبْعِ سِنِي الْخِصْبِ السَّابِقَةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣٠. وَبِذَكَاءٍ يَسْتَنْتِجُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ مِنَ الْبَقَرَاتِ السَّبْعِ السَّمِينَةِ أَنَّ سَبْعًا هَزِيلَةً سَتَتْبَعُهَا — أَيْ أَنَّ مِنَ الْوَفْرَةِ وَالتَّرَفِ سَتُولَدُ الْمَجَاعَةُ — فِي كِتَابِهِ «عَنْ يُوسُفَ»، الْفَصْلُ ٧:
«وَإِنْ لَمْ أَكُنْ يُوسُفَ،» يَقُولُ، «فَإِنَّنِي مَعَ ذَلِكَ كُنْتُ أُعْلِنُ أَنَّ تِلْكَ الْبَقَرَاتِ السَّمِينَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى التَّرَفِ فَحَسْبُ بَلْ أَيْضًا عَلَى الْإِهْمَالِ لِلتَّقْوَى الْإِلَهِيَّةِ. فَإِنَّهُ قِيلَ عَنِ الْأَشْرَارِ: ‹ثِيرَانٌ سَمِينَةٌ حَاصَرَتْنِي.› وَكُتِبَ عَنْ شَعْبِ الْيَهُودِ: ‹سَمِنَ وَغَلُظَ وَاتَّسَعَ وَتَرَكَ اللهَ صَانِعَهُ.› وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُلْمُ بِالْوَفْرَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَدُومَ إِلَى الْأَبَدِ؛ بَلْ سَيَأْتِي زَمَنٌ تَعْقُبُ فِيهِ مَجَاعَةٌ قَاسِيَةٌ هَذِهِ الْأُمُورَ.»
الْآيَةُ ٥
سَبْعُ سَنَابِلَ. لَاحِظْ أَنَّ الْخِصْبَ وَالْقَحْطَ يُنْذَرُ بِهِمَا وَيُرْمَزُ إِلَيْهِمَا هُنَا بِحُلْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنِ السَّنَابِلِ وَالْآخَرُ عَنِ الْبَقَرَاتِ؛ وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِأَنَّ الْخِصْبَ يَتَكَوَّنُ بِصُورَةٍ رَئِيسِيَّةٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، أَيِ الْحُبُوبِ وَالْمَوَاشِي. فَإِنَّ الْفِلَاحَةَ الْجَيِّدَةَ وَاسْتِصْلَاحَ الْأَرْضِ (وَهُوَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْبَقَرَاتُ السَّمِينَةُ، يَقُولُ يُوسِيفُوسُ)، وَبَذْرُ الْبَذْرِ الْجَيِّدِ (وَهُوَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ السَّنَابِلُ الْجَمِيلَةُ الْمُمْتَلِئَةُ) هُمَا السَّبَبَانِ الْكَامِلَانِ الْكَافِيَانِ لِلْخِصْبِ. هَكَذَا أَبُولِنْسِيسُ.
الْآيَةُ ٦
مَضْرُوبَةٌ بِاللَّفْحِ — بِرِيحٍ حَارَّةٍ، رِيحِ الشَّرْقِ الْمُجَفِّفَةِ.
الْآيَةُ ٩
أَعْتَرِفُ بِخَطِيئَتِي — خَطِيئَةِ الْجُحُودِ وَالنِّسْيَانِ، إِذْ تَرَكْتُ نَبِيِّي يُوسُفَ، الَّذِي تَنَبَّأَ لِي بِهَذِهِ الْبِشَارَاتِ، فِي السِّجْنِ وَأَسْلَمْتُهُ لِلنِّسْيَانِ.
وَيَفْهَمُ آخَرُونَ أَنَّهَا خَطِيئَتُهُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي ارْتَكَبَهَا ضِدَّ الْمَلِكِ قَبْلَ سَنَتَيْنِ، وَالَّتِي بِسَبَبِهَا أُلْقِيَ فِي السِّجْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بِهَذَا الِاعْتِرَافِ بِذَنْبِهِ قَدْ تَمَلَّقَ الْمَلِكَ وَأَثْنَى عَلَى رَحْمَتِهِ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
الْآيَةُ ١٢
شَابٌّ — فَتًى فِي الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ: لِأَنَّ يُوسُفَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْعُمُرِ حِينَهَا.
الْآيَةُ ١٤
فَأُخْرِجَ يُوسُفُ مِنَ السِّجْنِ وَحُلِقَ وَغُيِّرَتْ ثِيَابُهُ وَقُدِّمَ لَهُ. لَاحِظْ هُنَا أَنَّ يُوسُفَ حُلِقَ وَغَيَّرَ ثِيَابَهُ، لِأَنَّ الْقُدَمَاءَ كَانُوا يَتْرُكُونَ الْمَسْجُونِينَ فِي الْحَبْسِ يُطِيلُونَ شُعُورَهُمْ وَلِحَاهُمْ كَأَنَّمَا هُمْ فِي حِدَادٍ وَقَذَارَةٍ، كَمَا يَقُولُ بْلُوتَرْخُسُ عَنْ مِيلُونَ. أَمَّا الْمُبَرَّؤُونَ الْمُحَرَّرُونَ فَكَانُوا يَقُصُّونَ شُعُورَهُمْ وَلِحَاهُمْ وَيُبَدِّلُونَ ثِيَابَهُمْ عَلَامَةً عَلَى الْفَرَحِ وَحُسْنِ الطَّالِعِ.
الْآيَةُ ١٦
لَيْسَ مِنِّي، اللهُ يُجِيبُ فِرْعَوْنَ بِالْخَيْرِ. ظَنَّ فِرْعَوْنُ (وَكَذَلِكَ ظَنَّ الْمُؤَرِّخُ يُوسْتِينُوسُ، الْكِتَابُ ٣٦) أَنَّ يُوسُفَ يُفَسِّرُ الْأَحْلَامَ بِذَكَاءٍ طَبِيعِيٍّ، مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي قَالَ عَنْهُ شِيشَرُونُ: «مَنْ يُحْسِنُ الْحَدْسَ فَاعْتَبِرْهُ أَفْضَلَ نَبِيٍّ.» فَيُزِيلُ يُوسُفُ هَذَا الظَّنَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَنْسُبُ كُلَّ مَعْرِفَتِهِ وَعِلْمِهِ بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا إِلَى نَفْسِهِ وَلَا إِلَى فِطْنَتِهِ، بَلْ إِلَى اللهِ وَإِلَى وَحْيِهِ، لِكَيْ يَعْرِفَهُ فِرْعَوْنُ وَيَعْبُدَهُ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «لَيْسَ مِنْ حِكْمَتِي، بَلْ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ يُجَابُ فِرْعَوْنُ بِالسَّلَامِ»؛ وَسِيمَاخُوسُ: «لَيْسَ أَنَا، بَلِ اللهُ يُجِيبُ فِرْعَوْنَ بِالْخَيْرِ»؛ وَفَاتَابْلُوسُ: «هُنَاكَ آخَرُ غَيْرِي سَيُفَسِّرُ الْحُلْمَ، أَلَا وَهُوَ اللهُ الَّذِي يُفَسِّرُ لِفِرْعَوْنَ الْخَيْرَ.»
الْآيَةُ ٢٥
هُوَ وَاحِدٌ — فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ كِلَا الْحُلْمَيْنِ وَالرَّمْزَيْنِ، سَوَاءَ السَّنَابِلِ أَوِ الْبَقَرَاتِ، يَدُلَّانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ: فَكَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٥، هُنَاكَ سَبَبَانِ لِلْخِصْبِ: الْفِلَاحَةُ الَّتِي تَتِمُّ بِوَاسِطَةِ الْبَقَرِ وَالثِّيرَانِ، وَالزَّرَاعَةُ الَّتِي تَتِمُّ بِوَاسِطَةِ بَذْرِ الْحُبُوبِ. وَعَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ انْعِدَامَ الْحِرَاثَةِ وَالْبَذْرِ هُوَ سَبَبٌ مُزْدَوَجٌ وَكَافٍ لِلْقَحْطِ: الْأَوَّلَ تُمَثِّلُهُ الْبَقَرَاتُ الْهَزِيلَةُ، وَالثَّانِيَ السَّنَابِلُ النَّحِيفَةُ الرَّقِيقَةُ.
الْآيَةُ ٢٦
تَحْمِلُ نَفْسَ مَعْنَى الْحُلْمِ. «مَعْنَى» — أَيِ الدَّلَالَةَ وَالْمَغْزَى، كَأَنَّمَا يَقُولُ: الْبَقَرَاتُ السَّبْعُ السَّمِينَةُ تَدُلُّ عَلَى نَفْسِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ السَّنَابِلُ السَّبْعُ الْمُمْتَلِئَةُ.
الْآيَةُ ٢٩
سَتَأْتِي سَبْعُ سِنِينَ مِنَ الْخِصْبِ. هَذَا الْخِصْبُ الْمُتَوَاصِلُ الْمُتَعَاقِبُ لِسَبْعِ سِنِينَ وَالْقَحْطُ لِسَبْعِ سِنِينَ لَمْ يَحْدُثْ بِقُوَّةِ النُّجُومِ أَوِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِصُنْعِ اللهِ الَّذِي أَطْلَقَ النِّيلَ فِي السَّبْعِ سِنِينَ الْأُولَى وَحَبَسَهُ فِي السَّبْعِ الْأَخِيرَةِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ مَعْرِفَتُهُ مُسْبَقًا وَالتَّنَبُّؤُ بِهِ إِلَّا مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٦.
الْآيَةُ ٣٠
لِأَنَّ الْمَجَاعَةَ تَأْكُلُ كُلَّ الْأَرْضِ — أَرْضَ مِصْرَ وَالْمَنَاطِقِ الْمُجَاوِرَةِ.
الْآيَةُ ٣٢
هُوَ عَلَامَةُ ثَبَاتٍ — كَأَنَّمَا يَقُولُ: الْحُلْمُ الثَّانِي يُؤَكِّدُ الْأَوَّلَ الَّذِي كَانَ عَنْ نَفْسِ الْأَمْرِ. وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ، هَذَا التَّكْرَارُ لِلْحُلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْحُلْمُ سَيَتَحَقَّقُ قَرِيبًا فِي الْوَاقِعِ، كَمَا يَلِي.
الْآيَتَانِ ٣٤ وَ٣٥
خُمْسُ الثِّمَارِ، إِلَخْ. لِيَجْمَعْ فِي مَخَازِنَ — أَيِ الْمَخَازِنِ الْعَامَّةِ لِلْمَلِكِ، الْمُوَزَّعَةِ وَالْمُقَسَّمَةِ عَلَى الْمُدُنِ الْمُخْتَلِفَةِ. فَإِنَّ الْأَثْرِيَاءَ الْآخَرِينَ مِنَ الْخَاصَّةِ اسْتَطَاعَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَخْزِنَ حُبُوبَهُ الْخَاصَّةَ: وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْعُرْ الْجَمِيعُ بِالْمَجَاعَةِ، عَلَى الْأَقَلِّ فِي السَّنَوَاتِ الْأُولَى مِنَ الْقَحْطِ؛ وَفِي الْمَجَاعَةِ أَيْضًا يَعِيشُ النَّاسُ بِتَقْتِيرٍ أَكْثَرَ. فَكَفَى إِذَنْ خُمْسُ ثِمَارِ سَبْعِ سِنِي الْخِصْبِ، الْمَخْزُونُ فِي أَهْرَاءِ الْمَلِكِ، لِتَخْفِيفِ الْمَجَاعَةِ الْعَامَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَعَامَّةِ الشَّعْبِ الَّتِي تَلَتْ. لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْخِصْبِ الْعَظِيمِ كَانَتْ كَمِّيَّةُ الْحُبُوبِ هَائِلَةً وَشِبْهَ لَا حَصْرَ لَهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٤٩. وَأَخِيرًا، حَتَّى فِي زَمَنِ الْمَجَاعَةِ نَبَتَتْ بَعْضُ الْمَحَاصِيلِ، خَاصَّةً بِالْقُرْبِ مِنَ النِّيلِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ قَلِيلَةً فَحُسِبَتْ كَلَا شَيْءٍ تَقْرِيبًا؛ حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ فِي الْفَصْلِ ٤٥، الْآيَةِ ٦: «لَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ حِرَاثَةٌ وَلَا زِرَاعَةٌ.»
فَأُجْبِرَ إِذَنْ جَمِيعُ الْمِصْرِيِّينَ فِي سَبْعِ سِنِي الْخِصْبِ هَذِهِ، بِأَمْرِ الْمَلِكِ، عَلَى بَيْعِ خُمْسِ مَحَاصِيلِهِمْ لِلْمَلِكِ لِتُحْفَظَ لِسَبْعِ سِنِي الْقَحْطِ؛ أَوْ بِالتَّأْكِيدِ، كَمَا يَرَى تُوسْتَاتُوسُ، فِي أَثْنَاءِ سَبْعِ سِنِي الْخِصْبِ هَذِهِ مَنَعَ الْمَلِكُ تَصْدِيرَ الْحُبُوبِ مِنْ مِصْرَ وَبَيْعَهَا لِلْأَجَانِبِ: وَبِمَا أَنَّ كَمِّيَّةَ الْحُبُوبِ كَانَتْ هَائِلَةً، بَاعَ بَعْضُهُمْ رُبْعًا وَآخَرُونَ خُمْسًا مِنْ مَحَاصِيلِهِمْ، وَكَانَ يُوسُفُ يَشْتَرِيهَا لِلْمَلِكِ.
وَلْيُخْزَنْ كُلُّ الْحِنْطَةِ تَحْتَ سُلْطَةِ فِرْعَوْنَ. اعْلَمْ أَنَّ الْحِنْطَةَ لَمْ تُدْرَسْ وَلَمْ تُفْصَلْ، بَلْ بَقِيَتْ مُلْتَصِقَةً بِسَنَابِلِهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٤٧. وَذَلِكَ أَوَّلًا، لِكَيْ يُخْزَنَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَلَفُ الْمَوَاشِي — أَيِ التِّبْنُ وَالْقَشُّ. وَثَانِيًا، لِكَيْ تُحْفَظَ الْحُبُوبُ نَفْسُهَا بِشَكْلٍ أَفْضَلَ فِي قُشُورِهَا وَسِيقَانِهَا: إِذْ كَانَ يَجِبُ حِفْظُهَا لِسَبْعِ سِنِينَ، بِحَيْثُ أَنَّ مَا خُزِنَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْخِصْبِ يُوَزَّعُ وَيُؤْكَلُ بَعْدَ السَّبْعِ سِنِينَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْقَحْطِ؛ وَمَا خُزِنَ فِي الثَّانِيَةِ يُؤْكَلُ فِي الثَّانِيَةِ؛ وَمَا فِي الثَّالِثَةِ فِي الثَّالِثَةِ، وَهَكَذَا. فَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَمْكَنَ حِفْظُ الْحُبُوبِ سَلِيمَةً بِسُهُولَةٍ لِسَبْعِ سِنِينَ. هَكَذَا فِيلُونُ.
كُلُّ الْحِنْطَةِ — مِنْ ذَلِكَ الْخُمْسِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي كَانَ يَجِبُ حِفْظُهُ.
الْآيَةُ ٤٠
بِأَمْرِ فَمِكَ يُطِيعُ كُلُّ الشَّعْبِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: كُلُّ الشَّعْبِ يُقَبِّلُ عَلَى فَمِكَ — أَيْ يُقَبِّلُ أَمْرَ فَمِكَ وَيُجِلُّهُ وَيَخْضَعُ لَهُ فَوْرًا وَيُطِيعُهُ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ. كَذَلِكَ فِي الْمَزْمُورِ ٢، الْآيَةِ ١٢، بَدَلًا مِنْ «تَمَسَّكُوا بِالتَّأْدِيبِ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ: «قَبِّلُوا الِابْنَ» — أَيْ أَجِلُّوا الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ وَاقْبَلُوهُ بِتَوْقِيرٍ وَمَحَبَّةٍ وَطَاعَةٍ، كَأَنَّكُمْ تُقَبِّلُونَهُ.
ثَانِيًا، يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ: بِأَمْرِكَ يَتَنَاوَلُ كُلُّ الشَّعْبِ الطَّعَامَ، أَوْ يَتَسَلَّحُ — كَأَنَّمَا يَقُولُ: أُعَيِّنُكَ ثَانِيًا بَعْدِي، أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ، لِتَكُونَ قَائِدَ الْجَيْشِ. لَكِنَّ الْعِبْرِيَّةَ نَاشَقْ تَعْنِي حَقِيقَةً «يُقَبِّلُ»: فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: بِكَلِمَتِكَ يُحْكَمُ كُلُّ شَعْبِي. وَعِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ كَمَا عِنْدَ مُتَرْجِمِنَا: «يُطِيعُ».
وَيُضِيفُ الْمُرَنِّمُ فِي الْمَزْمُورِ ١٠٤ [١٠٥]، الْآيَةِ ٢٢، أَنَّ فِرْعَوْنَ «أَقَامَهُ (يُوسُفَ) سَيِّدًا عَلَى بَيْتِهِ، إِلَخْ، لِيُعَلِّمَ أُمَرَاءَهُ كَنَفْسِهِ، وَيُلَقِّنَ شُيُوخَهُ الْحِكْمَةَ.» مِنْ هَذَا النَّصِّ يَتَّضِحُ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ، أَمْثَالَ هِرْمِسَ الْمُثَلَّثِ الْعَظَمَةِ، اسْتَقَوْا حِكْمَتَهُمْ وَفِطْنَتَهُمْ مِنْ يُوسُفَ وَالْعِبْرَانِيِّينَ. وَسَيَتَّضِحُ هَذَا أَكْثَرَ عِنْدَ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٢: ١، فِي النِّهَايَةِ.
انْظُرْ هُنَا كَيْفَ تَرْفَعُ الْحِكْمَةُ وَالْفَضِيلَةُ يُوسُفَ وَتُنَبِّلُهُ. حَقًّا قَالَ الْبَابَا أُورْبَانُوسُ لِشَخْصٍ عَيَّرَهُ بِتَوَاضُعِ أَصْلِهِ: «الرِّجَالُ الْعِظَامُ لَا يُولَدُونَ بَلْ تَصْنَعُهُمُ الْفَضِيلَةُ»؛ وَقَالَ الْإِمْبِرَاطُورُ مَكْسِيمِلْيَانُوسُ لِرَجُلٍ ثَرِيٍّ عَرَضَ آلَافًا كَثِيرَةً مِنَ الذَّهَبِ لِيُعَيَّنَ نَبِيلًا: «أَسْتَطِيعُ أَنْ أُغْنِيَكَ، لَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَبِّلَكَ إِلَّا فَضِيلَتُكَ الْخَاصَّةُ.»
الْآيَةُ ٤٢
وَنَزَعَ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِهِ. كَانَ هَذَا الْخَاتَمُ إِذَنْ خَاتَمَ تَوْقِيعٍ أَعْطَاهُ الْمَلِكُ لِيُوسُفَ لِيُصْدِرَ بِاسْمِهِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَوَامِرِ وَيَخْتِمَهَا. وَيَلْبَسُ الْمَلِكُ الْخَاتَمَ لِلتَّوْقِيعِ وَلِلْخِطْبَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّهُ بِهِ يُخَاطِبُ الدَّوْلَةَ كَأَنَّمَا يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ، يَقُولُ فِيلُونُ.
طَوْقٌ مِنْ ذَهَبٍ. الطَّوْقُ، يَقُولُ فِيلُونُ، يُقَدِّمُهُ الشَّعْبُ رَمْزِيًّا لِلْمَلِكِ، كَأَنَّ الشَّعْبَ يَقُولُ لَهُ: أُقَدِّمُ لَكَ هَذَا الطَّوْقَ حِلْيَةً فِي اسْتِقَامَتِكَ وَرَخَائِكَ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ قَيْدٌ وَسِلْسِلَةٌ تُقَيِّدُكَ فِي الشَّرِّ وَالضِّيقِ.
وَيُلَاحِظُ أَيْضًا فِيلُونُ وَرُوبِرْتُوسُ أَنَّ هُنَاكَ أَرْبَعَةَ شِعَارَاتٍ وَحُلِيٍّ مَلَكِيَّةٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْقَدِيمِ شَارَكَ بِهَا الْمَلِكُ يُوسُفَ. فَأَوَّلًا، بَدَلًا مِنْ قُيُودِ السِّجْنِ، تَلَقَّى مِنَ الْمَلِكِ طَوْقًا ذَهَبِيًّا. ثَانِيًا، بَدَلًا مِنْ رِبَاطِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخَاتَمِ الْحَدِيدِيِّ، تَلَقَّى خَاتَمًا مَلَكِيًّا. ثَالِثًا، بَدَلًا مِنَ اللِّبَاسِ الْقَذِرِ، أُلْبِسَ حُلَّةً مِنَ الْكَتَّانِ الرَّقِيقِ. رَابِعًا، بَدَلًا مِنْ قَذَارَةِ الزِّنْزَانَةِ، حَصَلَ عَلَى مَرْكَبَةِ الْمُلْكِ الْفَخْمَةِ. وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةَ يُطَبِّقُهَا رُوبِرْتُوسُ رَمْزِيًّا عَلَى الْمَسِيحِ الْقَائِمِ مِنَ الْأَمْوَاتِ.
وَرُوحِيًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ «عَنْ يُوسُفَ»: «مَاذَا يَعْنِي الْخَاتَمُ الْمَوْضُوعُ فِي الْإِصْبَعِ، إِلَّا أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ الْكَهَنُوتَ عُهِدَ بِهِ إِلَى أَمَانَتِهِ لِيَخْتِمَ الْآخَرِينَ بِنَفْسِهِ؟ مَاذَا تَعْنِي الْحُلَّةُ الَّتِي هِيَ رِدَاءُ الْحِكْمَةِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمَلِكَ مَنَحَهُ الصَّدَارَةَ فِي الْحِكْمَةِ السَّمَاوِيَّةِ؟ الطَّوْقُ الذَّهَبِيُّ يَبْدُو أَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنِ الْفَهْمِ الصَّالِحِ. وَالْمَرْكَبَةُ تُشِيرُ إِلَى قِمَّةِ الِاسْتِحْقَاقَاتِ السَّامِيَةِ.»
انْظُرْ هُنَا فِي يُوسُفَ كَيْفَ تَسْبِقُ الْمَجْدَ الذُّلُّ، وَكَمْ هِيَ صَادِقَةٌ تِلْكَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي قَالَهَا الْمَسِيحُ: «مَنْ يَتَوَاضَعُ يُرْفَعُ» — أَيْ بَعْدَ الْغُيُومِ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الظَّلَامِ يَأْتِي النُّورُ. اسْمَعْ سِفْرَ الْحِكْمَةِ، الْفَصْلَ ١٠، الْآيَةَ ١٣: «هِيَ (الْحِكْمَةُ) لَمْ تَتْرُكْهُ (يُوسُفَ) حِينَ بِيعَ، بَلْ أَنْقَذَتْهُ مِنَ الْخُطَاةِ، وَنَزَلَتْ مَعَهُ إِلَى الْجُبِّ (إِلَى الْبِئْرِ الَّتِي أَلْقَاهُ فِيهَا إِخْوَتُهُ)، وَفِي الْقُيُودِ لَمْ تَتْرُكْهُ، حَتَّى أَتَتْ لَهُ بِصَوْلَجَانِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوهُ، وَكَشَفَتْ كَذِبَ الَّذِينَ شَوَّهُوهُ، وَأَعْطَتْهُ مَجْدًا أَبَدِيًّا.» فَلْيُعْطَ إِذَنْ لِيُوسُفَ عَنْ حَقٍّ هَذَا الشِّعَارُ: «الْبَرَاءَةُ الصَّبُورَةُ مَجْدٌ عَظِيمٌ.» وَقَالَ الْقِدِّيسُ إِيجِيدِيُوسُ، رَفِيقُ الْقِدِّيسِ فَرَنْسِيسَ، قَوْلًا بَدِيعًا: «حَتَّى لَوْ أَمْطَرَ الرَّبُّ حِجَارَةً وَصُخُورًا مِنَ السَّمَاءِ، فَلَنْ تَضُرَّنَا إِنْ كُنَّا عَلَى مَا يُرِيدُنَا أَنْ نَكُونَ.» وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْمَوْعِظَةُ ٦٣: «انْظُرْ،» يَقُولُ، «كَيْفَ أَنَّ أَسِيرًا (يُوسُفَ) صَارَ فَجْأَةً مَلِكًا عَلَى كُلِّ مِصْرَ. أَرَأَيْتَ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ احْتِمَالُ التَّجَارِبِ بِالشُّكْرِ؟ وَلِهَذَا قَالَ بُولُسُ أَيْضًا، رُومِيَةَ ٥: ‹الضِّيقُ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ يُنْشِئُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً: وَالرَّجَاءُ لَا يُخْزِي.› فَانْظُرْ إِذَنْ: احْتَمَلَ الضِّيقَاتِ بِصَبْرٍ، وَالصَّبْرُ جَعَلَهُ مُزَكًّى، وَإِذْ صَارَ مُزَكًّى عَاشَ فِي رَجَاءٍ عَظِيمٍ، وَالرَّجَاءُ لَمْ يُخْزِهِ.» وَيَقُولُ أَيْضًا: «كَمَا أَنَّ التُّجَّارَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ جَمْعَ الْمَالِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُنَمُّوا ثَرَوَاتِهِمْ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ أُخْرَى إِلَّا إِذَا تَحَمَّلُوا أَخْطَارًا كَثِيرَةً فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. فَلَا بُدَّ أَنْ يُوَاجِهُوا كَمَائِنَ اللُّصُوصِ وَالْقَرَاصِنَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَحَمَّلُونَ كُلَّ شَيْءٍ بِهِمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَبِسَبَبِ تَوَقُّعِ الرِّبْحِ بِالْكَادِ يَشْعُرُونَ بِمَرَارَةِ مَا يَتَحَمَّلُونَ. كَذَلِكَ نَحْنُ أَيْضًا، إِذْ نُفَكِّرُ فِي الْغِنَى وَالْبَضَائِعِ الرُّوحِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُنَا جَمْعُهَا هُنَا، يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنَبْتَهِجَ، وَلَا نَنْظُرَ إِلَى مَا يُرَى بَلْ إِلَى مَا لَا يُرَى.»
الْآيَةُ ٤٣
مَرْكَبَتَهُ الثَّانِيَةَ — الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا مَنْ هُوَ ثَانٍ بَعْدَ الْمَلِكِ. هَكَذَا لِيبُومَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ: مَرْكَبَةُ الرَّجُلِ الثَّانِي — أَيِ الْمَرْكَبَةُ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا مَنْ كَانَ ثَانِيًا بَعْدَ الْمَلِكِ. بِهَذِهِ الْمَرْكَبَةِ إِذَنْ أُعْلِنَ يُوسُفُ وَصَارَ الشَّخْصَ الثَّانِيَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ، بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الشَّرَفِ وَالرُّتْبَةِ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ. انْظُرْ هُنَا كَيْفَ أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَتَكَبَّرْ فِي الرَّخَاءِ، كَمَا لَمْ يَنْكَسِرْ فِي الشِّدَّةِ. فَحَقًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي أَقْوَالِهِ، الْقَوْلُ ٢٤٦: «لَا تَكْسِرُهُ أَيُّ مِحْنَةٍ مَنْ لَمْ يُفْسِدْهُ أَيُّ نِعْمَةٍ»، وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ.
وَنَادَى مُنَادٍ أَنِ اجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ أَمَامَهُ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: وَنَادَى مُنَادٍ أَبْرِيكْ، الَّذِي يُتَرْجِمُهُ أَكِيلَا وَإِيلِيَّا فِي التِّشْبِي وَمُتَرْجِمُنَا هُنَا بِـ«اجْثُ عَلَى الرُّكْبَةِ»، بِحَيْثُ يَكُونُ أَبْرِيكْ صِيغَةَ أَمْرٍ فِي بَابِ الْهِفْعِيلِ مِنْ جَذْرِ بِرِكْ، أَيْ «رُكْبَةٌ»، وَالْأَلِفُ وُضِعَتْ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ، فَإِنَّ الْأَلِفَ وَالْهَاءَ حَرْفَا حَلْقٍ مُتَجَاوِرَانِ وَمُتَبَادِلَانِ. أَوْ بِالْأَحْرَى أَبْرِيكْ كَلِمَةٌ مِصْرِيَّةٌ لَا عِبْرِيَّةٌ: فَإِنَّ الْمُنَادِيَ الْمِصْرِيَّ كَانَ يُنَادِي لِلْمِصْرِيِّينَ بِالْمِصْرِيَّةِ بِطَبِيعَةِ الْحَالِ أَبْرِيكْ، أَيِ اجْثُ عَلَى الرُّكْبَةِ، كَمَا قُلْتُ. وَيُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي «تَقَالِيدِهِ فِي التَّكْوِينِ» أَبْرِيكْ كَأَنَّهَا تَعْنِي «أَبٌ حَنُونٌ»؛ فَإِنَّ أَبْ فِي الْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي أَبًا، وَرَخْ تَعْنِي حَنُونًا. وَيُفَسِّرُهَا الْكَلْدَانِيُّ بِشَكْلٍ آخَرَ: «نَادَوْا،» يَقُولُ، «أَبْرِيكْ، أَيْ هَذَا أَبُو الْمَلِكِ؛ فَإِنَّ رِيكْ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ تَعْنِي الْمَلِكَ»، يَقُولُ لِيبُومَانُوسُ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ التَّرْجُومِيُّ أَيْضًا هَكَذَا: نَادَوْا: «لِيَحْيَ أَبُو الْمَلِكِ، أَمِيرُ الْحِكْمَةِ وَالْحَدَثُ فِي السِّنِّ.» وَفِيلُونُ فِي كِتَابِهِ «عَنْ يُوسُفَ» يَتَعَجَّبُ مِنْ هَذَا التَّحَوُّلِ الْمُفَاجِئِ الَّذِي رُفِعَ بِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَسْفَلِ إِلَى الْأَعْلَى. «مَنْ كَانَ،» يَقُولُ، «يَتَوَقَّعُ أَنْ يَصِيرَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ الْعَبْدُ سَيِّدًا، وَالْأَسِيرُ أَعْظَمَ النَّاسِ جَمِيعًا، وَنَائِبُ حَارِسِ السِّجْنِ نَائِبًا لِلْمَلِكِ، فَيَسْكُنُ الْقَصْرَ بَدَلَ السِّجْنِ، وَيَصْعَدُ مِنْ أَعْمَقِ الذُّلِّ إِلَى أَعْلَى قِمَّةِ الشَّرَفِ.»
الْآيَةُ ٤٤
أَنَا فِرْعَوْنُ: بِدُونِ أَمْرِكَ لَا يُحَرِّكُ أَحَدٌ يَدًا — كَأَنَّمَا يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَعِدُكَ وَأُقْسِمُ لَكَ أَنَّنِي سَأَجْعَلُ جَمِيعَ رَعَايَايَ خَاضِعِينَ لَكَ بِحَيْثُ لَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى مُقَاوَمَةِ أَوَامِرِكَ؛ بَلْ بِدُونِ إِذْنِكَ بِالْكَادِ يَجْرُؤُونَ عَلَى تَحْرِيكِ قَدَمٍ أَوْ يَدٍ. هَذَا مُبَالَغَةٌ.
وَكَانَ مُلُوكُ مِصْرَ يُلَقَّبُونَ بِالْفَرَاعِنَةِ، مِنَ الْفِرْعَوْنِ الْأَوَّلِ؛ كَمَا كَانَ نَفْسُ الْمُلُوكِ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ يُلَقَّبُونَ بِالْبَطَالِسَةِ، مِنْ بَطْلَيْمُوسَ بْنِ لَاغُوسَ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَلِكٍ لِمِصْرَ بَعْدَ الْإِسْكَنْدَرِ.
الْآيَةُ ٤٥
دَعَاهُ بِالْمِصْرِيَّةِ مُخَلِّصَ الْعَالَمِ — لِأَنَّهُ خَلَّصَ الْعَالَمَ مِنْ هَلَاكِ مَجَاعَةٍ وَشِيكَةٍ. تَرَى هُنَا أَنَّ يُوسُفَ رَمْزٌ لِلْمَسِيحِ، مُخَلِّصِ الْعَالَمِ. لَاحِظْ: بَدَلًا مِنْ «مُخَلِّصِ الْعَالَمِ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ صُفْنَاتْ فَعْنِيحْ، الَّذِي يُقْرَأُ مُحَرَّفًا فِي السَّبْعِينِيَّةِ بْسُونْثُومْفَانِيخْ. يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا كَلِمَةٌ عِبْرِيَّةٌ تَعْنِي «كَاشِفَ الْأَسْرَارِ»، أَيْ أَسْرَارِ الْأَحْلَامِ. هَكَذَا يُوسِيفُوسُ وَفِيلُونُ وَالْكَلْدَانِيُّ وَثِيئُودُورِيطُسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَالْحَاخَامَاتُ. لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نُصَدِّقَ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ، الَّذِي سَكَنَ زَمَنًا طَوِيلًا فِي الْيَهُودِيَّةِ، الَّذِي يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ عِبْرِيَّةً بَلْ مِصْرِيَّةٌ؛ فَلِمَاذَا يَفْرِضُ فِرْعَوْنُ الْمِصْرِيُّ، فِي مِصْرَ، عَلَى يُوسُفَ اسْمًا عِبْرِيًّا لَا مِصْرِيًّا؟ إِذَنْ صُفْنَاتْ فَعْنِيحْ بِالْمِصْرِيَّةِ تَعْنِي مُخَلِّصَ الْعَالَمِ. وَلِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ «بِالْمِصْرِيَّةِ» لَيْسَتْ فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ، فَقَدْ أَضَافَهَا مُتَرْجِمُنَا بِحِكْمَةٍ وَصَوَابٍ مِنْ بَابِ التَّوْضِيحِ.
قَارِنِ الْآنَ جَمِيعَ هَذِهِ التَّكْرِيمَاتِ بِمَا عَانَاهُ يُوسُفُ سَابِقًا، وَسَتَرَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ كُوفِئَ عَلَيْهِ (كَمَا يُلَاحِظُ رُوبِرْتُوسُ) مُكَافَأَةً بَارِزَةً. فَأَوَّلًا، بَدَلَ كَرَاهِيَةِ إِخْوَتِهِ، نَالَ رِضَا الْمَلِكِ وَأُمَرَائِهِ. ثَانِيًا، بَدَلَ الْمَنْفَى نَالَ الرِّفْعَةَ. ثَالِثًا، بَدَلَ كَدِّ يَدَيْهِ فِي الْعُبُودِيَّةِ، تَلَقَّى خَاتَمًا ذَهَبِيًّا. رَابِعًا، بَدَلَ الرِّدَاءِ الَّذِي نَزَعَتْهُ مِنْهُ الزَّانِيَةُ، أُلْبِسَ حُلَّةً مِنَ الْكَتَّانِ الرَّقِيقِ. خَامِسًا، بَدَلَ الْقُيُودِ، تُوِّجَ بِطَوْقٍ ذَهَبِيٍّ. سَادِسًا، بَدَلَ خِدْمَتِهِ لِلسُّجَنَاءِ، أُقِيمَ الْآنَ أَمِيرًا. سَابِعًا، بَدَلَ ذُلِّ السِّجْنِ، يَجْلِسُ عَلَى الْمَرْكَبَةِ الْمَلَكِيَّةِ. ثَامِنًا، بَدَلَ الِاحْتِقَارِ، يُكَرَّمُ الْآنَ مِنَ الْجَمِيعِ بِالسُّجُودِ. تَاسِعًا، بَدَلَ اسْمِ الْعَبْدِ، يَتَلَقَّى اسْمًا مَلَكِيًّا وَيُدْعَى مُخَلِّصَ الْعَالَمِ. عَاشِرًا، بَدَلَ الزَّانِيَةِ الْمُحْتَقَرَةِ وَاللَّذَّةِ الدَّنِيئَةِ، يَتَلَقَّى زَوْجَةً شَرِيفَةً جِدًّا. فَإِذَا كَانَ اللهُ يُكَافِئُ أَتْعَابَ أَحِبَّائِهِ وَمِحَنَهُمْ هَكَذَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَمَاذَا يَفْعَلُ فِي الْحَيَاةِ الْآتِيَةِ؟ أَلَا: «عَيْنٌ لَمْ تَرَ وَأُذُنٌ لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.»
رَمْزِيًّا، رَفَعَ الْآبُ يُوسُفَ — أَيِ الْمَسِيحَ — قَائِلًا: «هَذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ.» الْحُلَّةُ الْكَتَّانِيَّةُ هِيَ مَجْدُ الْجَسَدِ الَّذِي تُكْسَى بِهِ بَرَاءَتُهُ. أَعْطَاهُ الْخَاتَمَ لِأَنَّ الْآبَ خَتَمَهُ. الطَّوْقُ الذَّهَبِيُّ يُشِيرُ إِلَى الْمَوَاهِبِ الْمَجِيدَةِ لِلْجَسَدِ. وَضَعَهُ عَلَى الْمَرْكَبَةِ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدَيْهِ. الْمُنَادِي الَّذِي تَقَدَّمَهُ هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ. أَقَامَهُ عَلَى كُلِّ مِصْرَ، أَيِ الْعَالَمِ. أَعْطَاهُ الدَّيْنُونَةَ، وَاسْمَ مُخَلِّصِ الْعَالَمِ، وَالْعَرُوسَ وَهِيَ الْكَنِيسَةُ.
وَأَعْطَاهُ أَسْنَاتَ بِنْتَ فُوطِي فَارَعَ زَوْجَةً. يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ وَإِيرُونِيمُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ أَنَّ فُوطِي فَارَعَ هَذَا هُوَ نَفْسُ سَيِّدِ يُوسُفَ الْأَوَّلِ، الَّذِي كَانَ يُسَمَّى أَيْضًا فُوطِيفَارَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْفَصْلِ ٣٩، الْآيَةِ ٤. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ ذَاكَ: فَهَذَا كَانَ كَاهِنًا وَذَاكَ رَئِيسًا لِلْجُنْدِ؛ هَذَا كَانَ يُقِيمُ فِي هِيلِيُوبُولِيسَ وَذَاكَ فِي مَمْفِيسَ فِي الْبَلَاطِ الْمَلَكِيِّ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَلِيرَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَأُولِيَاسْتَرُ وَبِيرِيرِيُوسُ.
هِيلِيُوبُولِيسَ. سُمِّيَتْ هِيلِيُوبُولِيسَ، أَيْ «مَدِينَةَ الشَّمْسِ»، مِنْ عِبَادَةِ الشَّمْسِ. وَبِالْيُونَانِيَّةِ تُسَمِّيهَا السَّبْعِينِيَّةُ أُونَ، وَعِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ أُونِيُونَ.
الْآيَةُ ٤٦
وَكَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً حِينَ وَقَفَ أَمَامَ الْمَلِكِ. لَاحِظْ: يُسَجِّلُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هَذَا الْعَدَدَ أَوَّلًا مِنْ أَجْلِ التَّأْرِيخِ. ثَانِيًا، لِنَعْلَمَ أَنَّ يُوسُفَ خَدَمَ ١٤ سَنَةً، أَيْ مِنْ سِنِّ ١٦ إِلَى ٣٠. ثَالِثًا، لِنَرَى أَنَّ اللهَ عَوَّضَ يُوسُفَ عَنْ مَشَقَّاتِهِ وَمِحَنِهِ تَعْوِيضًا وَافِرًا: فَإِنَّ نَكَبَتَهُ لَمْ تَدُمْ سِوَى ١٤ سَنَةً، لَكِنَّ وِلَايَتَهُ وَرَخَاءَهُ دَامَا ٨٠ سَنَةً، أَيْ مِنْ سِنِّ ٣٠ إِلَى ١١٠ حِينَ مَاتَ. رَابِعًا، لِنَعْلَمَ أَنَّ فَضِيلَةَ يُوسُفَ فَاقَتْ سِنَّهُ: فَفِي شَبَابِهِ تَحَمَّلَ وَأَنْجَزَ كَثِيرًا جِدًّا. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. خَامِسًا، لِنَعْلَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ سِنًّا نَاضِجًا مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَالتَّعْلِيمِ. فَدَاوُدُ صَارَ مَلِكًا فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ. وَحِزْقِيَالُ بَدَأَ النُّبُوَّةَ فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ. وَيُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ وَالْمَسِيحُ بَدَآ التَّبْشِيرَ فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ.
لَاحِظْ مِنْ أَجْلِ التَّأْرِيخِ: كَانَ يُوسُفُ فِي الثَّلَاثِينَ حِينَ صَارَ أَمِيرَ مِصْرَ؛ ثُمَّ تَلَتْ سَبْعُ سِنِي الْخِصْبِ؛ ثُمَّ سَنَتَانِ مِنَ الْقَحْطِ وَالْمَجَاعَةِ حِينَ جَاءَ إِلَيْهِ إِخْوَتُهُ وَأَبُوهُ؛ جَاؤُوا إِذَنْ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ حُكْمِهِ. وَكَانَ أَبُوهُ حِينَئِذٍ ابْنَ ١٣٠ سَنَةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْفَصْلِ ٤٧، الْآيَةِ ٩. وَيُوسُفُ نَفْسُهُ كَانَ حِينَئِذٍ ابْنَ ٣٩ سَنَةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ.
مِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ أَوَّلًا أَنَّ يُوسُفَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ. فَاطْرَحْ ٣٩ سَنَةً مِنْ حَيَاةِ يُوسُفَ مِنْ ١٣٠ سَنَةً لِيَعْقُوبَ، تَجِدْ ٩١.
وَيَتَبَيَّنُ ثَانِيًا أَنَّ يَعْقُوبَ، فَارًّا مِنْ عِيسُو، جَاءَ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ فِي السَّنَةِ ٧٧ مِنْ عُمُرِهِ، وَعَادَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى كَنْعَانَ فِي السَّنَةِ ٩٧. فَإِنَّ يُوسُفَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٩١ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، وَقَدْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ١٤ بَعْدَ مَجِيءِ يَعْقُوبَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، كَمَا بَيَّنْتُ فِي التَّكْوِينِ ٣٠. وَبَعْدَ وِلَادَةِ يُوسُفَ بَقِيَ يَعْقُوبُ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ سِتَّ سِنِينَ أُخْرَى يَخْدِمُ فِي مَوَاشِي لَابَانَ، بِحَيْثُ فِي السَّنَةِ ٢٠ مِنْ وُصُولِهِ عَادَ إِلَى كَنْعَانَ، التَّكْوِينُ ٣١. جَاءَ إِذَنْ يَعْقُوبُ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ فِي السَّنَةِ ٧٧ مِنْ عُمُرِهِ؛ وَبَعْدَ ٢٠ سَنَةً عَادَ إِلَى كَنْعَانَ، أَيْ فِي السَّنَةِ ٩٧ مِنْ عُمُرِهِ.
الْآيَةُ ٤٩
كَرَمْلِ الْبَحْرِ. هَذَا مُبَالَغَةٌ.
الْآيَةُ ٥١
مَنَسَّى — أَيْ «مُنَسٍّ» أَوْ «نِسْيَانٌ»: فَجَذْرُ نَاسَا يَعْنِي «نَسِيَ».
لَاحِظْ هُنَا تَقْوَى يُوسُفَ وَامْتِنَانَهُ لِلَّهِ: لِكَيْلَا يَنْسَى أَبَدًا الرَّحْمَةَ الَّتِي أَسْبَغَهَا اللهُ عَلَيْهِ، جَعَلَ ابْنَيْهِ تَذْكَارًا دَائِمًا لَهَا يَكُونُ دَائِمًا أَمَامَ عَيْنَيْهِ. وَهَكَذَا فَعَلَ مُوسَى أَيْضًا، سَعِيدًا فِي مَنْفَاهُ، حِينَ سَمَّى ابْنَيْهِ جِرْشُومَ وَأَلِيعَازَرَ، الْخُرُوجُ ٢: ٢٢.
الْآيَةُ ٥٢
أَفْرَايِمُ — أَيْ «مُثْمِرٌ»، «نَامٍ»؛ أَوْ «ثَمَرٌ» وَ«نَمَاءٌ»، مِنْ جَذْرِ بَارَا الَّذِي يَعْنِي «أَثْمَرَ». هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.
الْآيَةُ ٥٤
فِي كُلِّ الْعَالَمِ — أَيْ فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَقَالِيمِ الْمُجَاوِرَةِ لِمِصْرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْمَجَاعَةُ قَدْ عَمَّتِ الْعَالَمَ كُلَّهُ بِإِطْلَاقٍ، لَمَا كَفَتِ الْمَخَازِنُ وَخُمْسُ مَحَاصِيلِ مِصْرَ لِتَخْفِيفِهَا. هَكَذَا أَبُولِنْسِيسُ.
الْآيَةُ ٥٦
وَفَتَحَ يُوسُفُ جَمِيعَ الْمَخَازِنِ. مِنْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ وَإِعَاشَةِ يُوسُفَ لِلنَّاسِ، يَظُنُّ كَثِيرُونَ أَنَّ يُوسُفَ دُعِيَ سِيرَابِيسَ، وَأَنَّهُ عُبِدَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ تَحْتَ اسْمِ سِيرَابِيسَ، وَأَنَّ سِيرَابِيسَ لَمْ يَكُنْ سِوَى يُوسُفَ. فَقَدْ عَاشَ سِيرَابِيسُ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ يُوسُفُ وَيَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ. إِذْ يَرْوِي إِكْلِيمَنْضُسُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ ١٨ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلَانِ ٤ وَ٥، أَنَّهُ فِي زَمَنِ مَجِيءِ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ، أَبْحَرَ أَبِيسُ مَلِكُ الْأَرْغُوسِيِّينَ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هُنَاكَ، وَدُفِنَ فِي تَابُوتٍ فَسُمِّيَ سِيرَابِيسَ، كَأَنَّمَا سُورُوسْ أَبِيسْ، أَيْ «التَّابُوتُ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ أَبِيسُ»؛ وَأَنَّ هَذَا أَبِيسَ، أَوْ سِيرَابِيسَ، صَارَ أَعْظَمَ آلِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ لِأَنَّهُ أَنْقَذَهُمْ مِنَ الْمَجَاعَةِ وَعَلَّمَهُمْ فُنُونًا مُتَنَوِّعَةً، كَمَا عَلَّمَتْ إِيزِيسُ زَوْجَةُ سِيرَابِيسَ إِيَّاهُمُ الْكِتَابَةَ. وَلِذَلِكَ عَبَدُوا سِيرَابِيسَ فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، وَهُوَ رَمْزُ الْخِصْبِ وَنَذِيرُهُ، كَمَا رَأَيْنَا عِنْدَ الْآيَتَيْنِ ٢ وَ٢٧. وَهَذَا الثَّوْرُ مَا دَامَ حَيًّا كَانَ الْمِصْرِيُّونَ يُطْعِمُونَهُ بِأَفْخَرِ الطَّعَامِ، وَكَانَ يُسَمَّى بِالْمِصْرِيَّةِ أَبِيسَ أَيْ «ثَوْرٌ»؛ وَبَعْدَ مَوْتِهِ يُوضَعُ فِي تَابُوتٍ فَيُسَمَّى سِيرَابِيسَ. وَحِينَ يَمُوتُ هَذَا الثَّوْرُ كَانَ الْمِصْرِيُّونَ يَبْحَثُونَ عَنْ آخَرَ شَبِيهٍ بِهِ مُوَشَّحٍ بِبُقَعٍ بَيْضَاءَ وَيُطْعِمُونَهُ.
هَذَا الثَّوْرُ إِذَنْ، الْمُسَمَّى أَبِيسَ وَسِيرَابِيسَ، كَانَ إِلَهَ الْمِصْرِيِّينَ: وَقَدْ قَلَّدَهُ الْعِبْرَانِيُّونَ الْقَادِمُونَ حَدِيثًا مِنْ مِصْرَ حِينَ صَنَعُوا فِي سِينَاءَ عِجْلًا ذَهَبِيًّا وَعَبَدُوهُ، الْخُرُوجُ ٣٢. أَزِلْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ أَبِيسَ وَسِيرَابِيسَ الزَّعْمَ بِأَنَّهُ كَانَ مَلِكَ الْأَرْغُوسِيِّينَ — وَرُبَّمَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِهِ «الْعِبْرَانِيِّينَ» — وَسَتَجِدُ أَنَّ كُلَّ مَا بَقِيَ يَتَوَافَقُ مَعَ يُوسُفَ. فَإِنَّ الْأُمَمَ حَرَّفُوا تَارِيخَ يُوسُفَ وَسَائِرِ الْعِبْرَانِيِّينَ تَحْرِيفًا عَجِيبًا، وَخَلَطُوهُ وَشَوَّهُوهُ بِأَسَاطِيرِهِمْ وَاخْتِلَاقَاتِهِمْ.
وَلِهَذَا يَرَى يُولِيُوسُ فِرْمِيكُوسُ، وَهُوَ مُؤَلِّفٌ قَدِيمٌ عَاشَ فِي سَنَةِ ٣٣٧ لِلْمَسِيحِ، فِي كِتَابِهِ «عَنْ ضَلَالِ الْأَدْيَانِ الْوَثَنِيَّةِ» (الَّذِي أَهْدَاهُ لِلْإِمْبِرَاطُورَيْنِ كُونْسْتَانْتِيُوسَ وَكُونْسْتَانْسَ، وَالَّذِي يُوجَدُ فِي مَكْتَبَةِ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الْفَصْلُ ١٤)، وَرُوفِينُوسُ، وَمِنْهُمَا بَارُونِيُوسُ، الْمُجَلَّدُ ٤، صَفْحَةُ ٥٢٠، وَبِييرِيُوسُ، الْكِتَابُ ٣ مِنَ «الْهِيرُوغْلِيفِيَّاتِ»، الْوَرَقَةُ ٢٥، الْحَرْفُ و (الَّذِي يُضِيفُ أَنَّ هَذَا تَقْلِيدٌ مِصْرِيٌّ)، وَكَثِيرُونَ غَيْرُهُمْ — يَرَوْنَ أَنَّ يُوسُفَ، بِسَبَبِ هَذَا الْإِحْسَانِ الْعَظِيمِ الَّذِي زَوَّدَ بِهِ الْمِصْرِيِّينَ بِالْحُبُوبِ فِي الْمَجَاعَةِ، دُعِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ سِيرَابِيسَ وَعُبِدَ بِتَكْرِيمَاتٍ إِلَهِيَّةٍ. كَمَا أَنَّ يُوسُفَ لِنَفْسِ السَّبَبِ سَمَّاهُ فِرْعَوْنُ مُخَلِّصَ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ سِيرَابِيسَ. وَلِذَلِكَ يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْمَوْعِظَةُ ٦٧، أَنَّ يُوسُفَ تَنَبَّأَ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا أَوْصَى الْعِبْرَانِيِّينَ بِأَنْ يَحْمِلُوا عِظَامَهُ مَعَهُمْ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ، لِئَلَّا يَعْبُدَهَا الْمِصْرِيُّونَ الْمَيَّالُونَ لِلْخُرَافَةِ بِوَصْفِهَا آثَارَ مُخَلِّصِهِمْ أَوْ آثَارَ إِلَهٍ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ أَنَّ سِيرَابِيسَ يُصَوَّرُ شَابًّا أَمْرَدَ يَحْمِلُ سَلَّةً — أَيْ سَلَّةَ حُبُوبٍ وَخُبْزٍ — عَلَى رَأْسِهِ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا سُمِّيَ الثَّوْرُ الْمُقَدَّسُ أَبِيسَ وَسِيرَابِيسَ: سَوَاءٌ لِأَنَّ يُوسُفَ فَسَّرَ الْبَقَرَاتِ السَّبْعَ السَّمِينَةَ الَّتِي رَآهَا فِرْعَوْنُ بِأَنَّهَا عَلَامَةٌ عَلَى الْخِصْبِ؛ أَوْ لِأَنَّ الثَّوْرَ بِحِرَاثَتِهِ وَتَسْمِيدِهِ وَدِرَاسِهِ هُوَ سَبَبُ الْخِصْبِ — وَلِهَذَا السَّبَبِ شَبَّهَ مُوسَى يُوسُفَ بِثَوْرٍ، التَّثْنِيَةُ ٣٣: ١٧. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُحْتَفَى بِذَلِكَ الْقَوْلِ الْمَأْثُورِ لِسِيرَابِيسَ، الْأَجْدَرِ بِيُوسُفَ:
«فِي الْبَدْءِ اللهُ، ثُمَّ الْكَلِمَةُ، وَمَعَهُمَا الرُّوحُ وَاحِدٌ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَزَلِيَّةٌ مَعًا، كُلُّهَا تَسْعَى نَحْوَ وَاحِدٍ.»
وَمِنْ هُنَا أَخِيرًا يُقَدِّمُ مُؤَلِّفُونَ مُتَنَوِّعُونَ اشْتِقَاقَاتٍ مُتَنَوِّعَةً لِاسْمِ سِيرَابِيسَ، كُلُّهَا تَتَوَافَقُ مَعَ يُوسُفِنَا. فَأَوَّلًا، يَشْتَقُّ بَعْضُهُمْ بِاحْتِمَالٍ كَبِيرٍ اسْمَ سِيرَابِيسَ مِنْ سَارْ، أَيْ «أَمِيرٌ»، وَأَبِيسْ، أَيْ «ثَوْرٌ» — كَأَنَّكَ تَقُولُ «أَمِيرُ الثَّوْرِ» أَوْ «أَمِيرُ الثِّيرَانِ» — الَّتِي أَنْذَرَتْ فِرْعَوْنَ وَيُوسُفَ بِالْخِصْبِ، بِحَيْثُ يَكُونُ سِيرَابِيسُ كَلِمَةً مُرَكَّبَةً مِنَ الْعِبْرِيَّةِ سَارْ وَالْمِصْرِيَّةِ أَبِيسْ. فَيَبْدُو أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ أَعْطَوْا يُوسُفَ اسْمًا مِصْرِيًّا، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ عِبْرِيًّا-مِصْرِيًّا. فَإِنَّ الْعِبْرِيَّةَ سَارْ، وَمِنْهَا سِيرْ وَسَارْ، قَدِ انْتَقَلَتْ إِلَى أُمَمٍ وَلُغَاتٍ كَثِيرَةٍ. فَالسُّرْيَانُ وَالْكَلْدَانِيُّونَ وَالْعَرَبُ وَالرُّوسُ وَالتَّتَرُ وَالْفَرَنْسِيُّونَ وَفِيمَا يَبْدُو الْمِصْرِيُّونَ جَمِيعًا يُسَمُّونَ السَّيِّدَ أَوِ الْأَمِيرَ سَارْ أَوْ سِيرْ. فَدُعِيَ يُوسُفُ إِذَنْ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَبِيسَ، ثُمَّ سِيرَابِيسَ، كَأَنَّكَ تَقُولُ «الْأَمِيرُ أَبِيسُ».
ثَانِيًا، يَشْتَقُّ آخَرُونَ سِيرَابِيسَ مِنْ سِيرُوسْ وَأَبِيسْ، أَيْ «مَخْزَنُ حُبُوبٍ» وَ«أَبِيسُ» — أَيْ أَبِيسُ مَخْزَنِ الْحُبُوبِ. ثَالِثًا، يَقُولُ يُولِيُوسُ فِرْمِيكُوسُ: سِيرَابِيسُ يَعْنِي «أَبِيسُ سَارَةَ»، أَوْ «أَبِيسُ الْأَمِيرُ الْمُنْحَدِرُ مِنْ سَارَةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ». رَابِعًا، يَقُولُ آخَرُونَ: الْمِصْرِيُّونَ حَرَّفُوا اسْمَ يُوسُفَ إِلَى أَسِيفْ، وَبِقَلْبِ الْحُرُوفِ صَارَ أَبِيسَ أَوْ آبِيسَ، كَمَا يَقُولُ الْهُولَنْدِيُّونَ يَابِيكْ بَدَلَ يَعْقُوبَ.
خَامِسًا، يَقُولُ آخَرُونَ: اقْلِبْ أَبْرِيكْ تَجِدْ كِيرَابِيسَ، أَيْ سِيرَابِيسَ. فَقَدْ كَانَ الْمُنَادِي يُنَادِي لِلشَّعْبِ أَمَامَ يُوسُفَ أَبْرِيكْ، أَيِ اجْثُ عَلَى الرُّكْبَةِ، الْآيَةُ ٤٣. سَادِسًا، يَقُولُ آخَرُونَ: سِيرَابِيسُ كَأَنَّمَا شُورْ أَفَّايِمْ، أَيْ «وَجْهُ الثَّوْرِ»؛ فَإِنَّ هَذَا الثَّوْرَ الَّذِي كَانَ رَمْزًا هِيرُوغْلِيفِيًّا لِسِيرَابِيسَ كَانَ يُصَوَّرُ وَيُنْحَتُ بِوَجْهِ ثَوْرٍ فَقَطْ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ سِوَى رَأْسِ ثَوْرٍ أَوْ عِجْلٍ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا سُمِّيَ سِيرَابِيسُ أُوزِيرِيسَ، كَأَنَّمَا مِنْ شُورْ، أَيْ «ثَوْرٌ»؛ وَإِنْ كَانَ أُوسَابِيُوسُ، الْكِتَابُ ١ مِنْ «تَمْهِيدِ الْإِنْجِيلِ»، الْفَصْلُ ٦، يَرَى أَنَّ أُوزِيرِيسَ هُوَ الشَّمْسُ وَإِيزِيسَ هِيَ الْقَمَرُ، وَيَقُولُ إِنَّ أُوزِيرِيسَ يَعْنِي كَأَنَّمَا «كَثِيرُ الْعُيُونِ»؛ فَالشَّمْسُ تَنْشُرُ مِنْهَا أَشِعَّةً كَثِيرَةً كَالْعُيُونِ، وَهِيَ رَمْزٌ لِعِنَايَةِ اللهِ الَّتِي تَسْهَرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا الْجَذْرُ الْعِبْرِيُّ شُورْ يَعْنِي «يُحَدِّقُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ وَمُتَفَحِّصَتَيْنِ»؛ وَلِأَنَّ الثَّوْرَ يُحَدِّقُ هَكَذَا بِعَيْنَيْنِ ثَابِتَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى شُورْ. لَكِنَّ الْمِصْرِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ طَبَّقُوا هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى الشَّمْسِ بِوَصْفِهَا عَيْنَ الْعَالَمِ بِرَمْزٍ هِيرُوغْلِيفِيٍّ جَدِيدٍ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ شَيْءٌ مُؤَكَّدٌ عَنِ اللهِ، بَحَثَ بَعْضُهُمْ عَنْ سِيرَابِيسِهِمْ فِي السَّمَاءِ وَآخَرُونَ فِي الْأَرْضِ، وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ فِي هَيْئَةِ إِنْسَانٍ وَآخَرُونَ فِي هَيْئَةِ ثَوْرٍ؛ وَهَكَذَا ابْتَدَعُوا رَمْزًا هِيرُوغْلِيفِيًّا لِسِيرَابِيسَ وَآخَرَ لِأُوزِيرِيسَ. فَمِنَ الْمُرَجَّحِ جِدًّا أَنَّ سِيرَابِيسَ الْأَوَّلَ، وَكَذَلِكَ يُوبِيتِرَ وَمِرْكُورْيُوسَ وَهِرْقُلَ وَسَائِرَ آلِهَةِ الْوَثَنِيِّينَ، كَانُوا رِجَالًا بَارِزِينَ وَمَشْهُورِينَ، مِثْلَ يُوسُفِنَا هُنَا، أَدْرَجَهُمُ النَّاسُ فِي عِدَادِ الْآلِهَةِ بِسَبَبِ فَضِيلَتِهِمْ أَوْ قُوَّتِهِمْ أَوْ أَفْضَالِهِمْ عَلَى الدَّوْلَةِ، وَعَبَدُوهُمْ عِبَادَةً إِلَهِيَّةً.
وَقَدْ نَاقَشْتُ هَذِهِ الْأُمُورَ عَنْ سِيرَابِيسَ بِشَيْءٍ مِنَ الْإِسْهَابِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِيُوسُفَ، وَلِأَنَّهَا نَادِرَةٌ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا أَحَدٌ. وَيُؤَكِّدُ هَذَا الرَّأْيَ مُؤَلِّفُ كِتَابِ «عَجَائِبِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ»، الْكِتَابُ ١، الْفَصْلُ ١٥: «يُوسُفُ،» يَقُولُ، «بِوَصْفِهِ رَجُلًا نَبَوِيًّا تَنَبَّأَ بِأَنَّ الشَّعْبَ الْمِصْرِيَّ الْمُنْغَمِسَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ سَيُرِيدُ فِي يَوْمٍ مَا عِبَادَتَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ صَانِعَ عَظَمَتِهِمُ الْأَرْضِيَّةِ وَمُنْقِذَهُمْ مِنْ خَطَرِ الْمَجَاعَةِ، وَهَذَا مَا فَعَلُوهُ بِالْفِعْلِ: فَقَدْ نَصَبُوا تِمْثَالَ ثَوْرٍ بِجَانِبِ قَبْرِ يُوسُفَ، لِأَنَّ الثَّوْرَ يُقَارَنُ بِالرَّجُلِ فِي الْفِلَاحَةِ. وَلِنَفْسِ السَّبَبِ، حِينَ أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ صُنْعَ صَنَمٍ فِي الْبَرِّيَّةِ لَمْ يَصْنَعُوا تِمْثَالًا آخَرَ سِوَى عِجْلٍ، أَيْ ثَوْرٍ، لِهَذَا السَّبَبِ بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى، أَنَّهُ كَانَ يُعْبَدُ فِي مِصْرَ بِجَانِبِ قَبْرِ يُوسُفَ؛ فَلِكَيْ لَا يَقَعَ يُوسُفُ ضَحِيَّةَ وَثَنِيَّةِ الْمِصْرِيِّينَ، أَمَرَ بِأَنْ تُنْقَلَ عِظَامُهُ مِنْ مِصْرَ.»
وَمِنْ هُنَا يُقَالُ إِنَّ أُوزِيرِيسَ عَلَّمَ الْمِصْرِيِّينَ فَنَّ الْحِرَاثَةِ وَزِرَاعَةِ الْحُقُولِ، وَهُوَ مَا يَشْهَدُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّ يُوسُفَ فَعَلَهُ هُنَا بِوَاسِطَةِ الثِّيرَانِ. وَبْلُوتَرْخُسُ فِي كِتَابِهِ «عَنْ إِيزِيسَ وَأُوزِيرِيسَ» يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْمَ الْحَقِيقِيَّ لِأُوزِيرِيسَ كَانَ أَرْسَافِسَ، وَهُوَ يَتَشَابَهُ بِوُضُوحٍ مَعَ اسْمِ يُوسُفَ. وَأُوزِيرِيسُ، يَقُولُ، هُوَ نَفْسُهُ بُولِيُوفْثَلْمُوسْ، أَيْ «كَثِيرُ الْعُيُونِ»: فَإِنَّ أُوسْ بِالْمِصْرِيَّةِ تَعْنِي «كَثِيرٌ» وَسِيرِيسْ تَعْنِي «عَيْنٌ». أَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ «كَثِيرَ الْعُيُونِ»، أَيْ وَاسِعَ الْمَعْرِفَةِ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَالَّتِي حَكَمَ بِهَا الْمِصْرِيِّينَ بِأَعْظَمِ فِطْنَةٍ وَعَلَّمَهُمْ لَيْسَ فَقَطْ عِلْمَ الْفَلَكِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، بَلْ أَيْضًا الْإِيمَانَ وَعِبَادَةَ اللهِ، وَفْقًا لِلْمَزْمُورِ ١٠٤ [١٠٥]، الْآيَةِ ٢١: «أَقَامَهُ سَيِّدًا عَلَى بَيْتِهِ وَحَاكِمًا عَلَى كُلِّ مُمْتَلَكَاتِهِ، لِيُعَلِّمَ أُمَرَاءَهُ كَنَفْسِهِ وَيُلَقِّنَ شُيُوخَهُ الْحِكْمَةَ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا نُقِشَ صَلِيبٌ عَلَى مَعْبَدِ سِيرَابِيسَ، بَلْ وَعَلَى صَدْرِ سِيرَابِيسَ نَفْسِهِ، يَقُولُ رُودِيجِينُوسُ، الْكِتَابُ ١٠، الْفَصْلُ ٨. وَكَانَ الصَّلِيبُ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ رَمْزًا لِلْخَلَاصِ وَالْحَيَاةِ الطُّوبَاوِيَّةِ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ عَلَّمَ بِآلَامِهِ وَسَبَقَ فَأَشَارَ إِلَى صَلِيبِ الْمَسِيحِ الَّذِي بِهِ لَنَا الْخَلَاصُ وَالْحَيَاةُ الطُّوبَاوِيَّةُ. وَهَكَذَا كَانَتْ إِدَارَةُ الْمُؤَنِ عِنْدَ الرُّومَانِ لَا تُوكَلُ إِلَّا لِلرِّجَالِ الْعِظَامِ وَالْحُكَمَاءِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ بْلِينِيُوسُ فِي خِطَابِهِ التَّكْرِيمِيِّ: «إِدَارَةُ الْمُؤَنِ أُوكِلَتْ لِبُومْبِيُوسَ الْكَبِيرِ، وَلَمْ تُضِفْ لَهُ مَجْدًا أَقَلَّ مِنْ طَرْدِ الرِّشْوَةِ مِنَ السَّاحَةِ، وَإِقْصَاءِ الْعَدُوِّ مِنَ الْبَحْرِ، وَتَسْكِينِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بِانْتِصَارَاتِهِ.»