كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(إِخْوَةُ يُوسُفَ يَأْتُونَ إِلَى مِصْرَ)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَتَعَرَّفُ يُوسُفُ عَلَى إِخْوَتِهِ الْقَادِمِينَ إِلَى مِصْرَ لِشِرَاءِ الْقَمْحِ، وَيُعَامِلُهُمْ بِقَسْوَةٍ، ثُمَّ فِي الْآيَةِ ٢٥ أَخِيرًا، مُحْتَفِظًا بِشِمْعُونَ، يَصْرِفُ الْبَاقِينَ بِشَرْطِ أَنْ يَأْتُوا بِبِنْيَامِينَ إِلَيْهِ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا (التَّكْوِينُ ٤٢: ١–٣٨)
١. فَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّ الطَّعَامَ يُبَاعُ فِي مِصْرَ، قَالَ لِبَنِيهِ: «لِمَاذَا أَنْتُمْ مُتَكَاسِلُونَ؟» ٢. «قَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الْقَمْحَ يُبَاعُ فِي مِصْرَ: اِنْزِلُوا وَاشْتَرُوا لَنَا مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لِكَيْ نَحْيَا وَلَا نَهْلِكَ مِنَ الْعَوَزِ.» ٣. فَنَزَلَ عَشَرَةٌ مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لِشِرَاءِ الْقَمْحِ فِي مِصْرَ، ٤. وَأَبْقَى يَعْقُوبُ بِنْيَامِينَ فِي الْبَيْتِ، إِذْ قَالَ لِإِخْوَتِهِ: «لِئَلَّا يُصِيبَهُ سُوءٌ فِي الطَّرِيقِ.» ٥. وَدَخَلُوا أَرْضَ مِصْرَ مَعَ آخَرِينَ كَانُوا ذَاهِبِينَ لِلشِّرَاءِ. وَكَانَتِ الْمَجَاعَةُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. ٦. وَكَانَ يُوسُفُ حَاكِمًا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَبِأَمْرِهِ كَانَ الْقَمْحُ يُبَاعُ لِلشَّعْبِ. وَلَمَّا سَجَدَ لَهُ إِخْوَتُهُ، ٧. وَعَرَفَهُمْ، كَلَّمَهُمْ بِقَسْوَةٍ كَأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ، سَائِلًا إِيَّاهُمْ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟» فَأَجَابُوا: «مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، لِنَشْتَرِيَ طَعَامًا.» ٨. وَمَعَ أَنَّهُ عَرَفَ إِخْوَتَهُ، لَمْ يَعْرِفُوهُ هُمْ. ٩. فَتَذَكَّرَ الْأَحْلَامَ الَّتِي رَآهَا ذَاتَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ: جِئْتُمْ لِتَرَوْا مَوَاطِنَ الضَّعْفِ فِي الْأَرْضِ.» ١٠. فَقَالُوا: «لَيْسَ كَذَلِكَ يَا سَيِّدِي، بَلْ عَبِيدُكَ جَاءُوا لِشِرَاءِ الطَّعَامِ.» ١١. «نَحْنُ جَمِيعًا أَبْنَاءُ رَجُلٍ وَاحِدٍ: جِئْنَا بِسَلَامٍ، وَعَبِيدُكَ لَا يُدَبِّرُونَ شَرًّا.» ١٢. فَأَجَابَهُمْ: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ: بَلْ جِئْتُمْ لِتَتَفَحَّصُوا الْأَمَاكِنَ غَيْرَ الْمُحَصَّنَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ.» ١٣. فَقَالُوا: «نَحْنُ عَبِيدُكَ اثْنَا عَشَرَ أَخًا، أَبْنَاءُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ: الْأَصْغَرُ مَعَ أَبِينَا، وَالْآخَرُ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا.» ١٤. فَقَالَ: «هَذَا مَا قُلْتُهُ: أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ.» ١٥. «وَالْآنَ سَأَمْتَحِنُكُمْ: بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ، لَنْ تَخْرُجُوا مِنْ هُنَا حَتَّى يَأْتِيَ أَخُوكُمُ الْأَصْغَرُ.» ١٦. «أَرْسِلُوا أَحَدَكُمْ لِيَأْتِيَ بِهِ: وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَبْقَوْنَ فِي الْقُيُودِ حَتَّى يُثْبَتَ مَا قُلْتُمُوهُ، أَصَحِيحٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ: وَإِلَّا فَبِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ، أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ.» ١٧. فَأَوْدَعَهُمُ الْحَبْسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ١٨. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَخْرَجَهُمْ مِنَ السِّجْنِ وَقَالَ: «اِفْعَلُوا مَا قُلْتُهُ وَتَحْيَوْنَ: لِأَنِّي أَخَافُ اللهَ.» ١٩. «إِنْ كُنْتُمْ مُسَالِمِينَ، فَلْيُقَيَّدْ أَحَدُ إِخْوَتِكُمْ فِي السِّجْنِ: وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاذْهَبُوا وَاحْمِلُوا الْقَمْحَ الَّذِي اشْتَرَيْتُمُوهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ، ٢٠. وَأَحْضِرُوا أَخَاكُمُ الْأَصْغَرَ إِلَيَّ، لِأَتَمَكَّنَ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنْ كَلَامِكُمْ، وَلَا تَمُوتُوا.» فَفَعَلُوا كَمَا قَالَ. ٢١. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «نَحْنُ نَسْتَحِقُّ أَنْ نُعَانِيَ هَذِهِ الْأُمُورَ، لِأَنَّنَا أَخْطَأْنَا فِي حَقِّ أَخِينَا، إِذْ رَأَيْنَا ضِيقَ نَفْسِهِ حِينَ كَانَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْنَا، وَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ: لِذَلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الشِّدَّةُ.» ٢٢. فَقَالَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ رَأُوبَيْنُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: لَا تُخْطِئُوا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ، وَلَمْ تَسْمَعُوا لِي؟ هَا إِنَّ دَمَهُ يُطْلَبُ.» ٢٣. وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ يُوسُفَ يَفْهَمُهُمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ بِوَاسِطَةِ تُرْجُمَانٍ. ٢٤. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ قَلِيلًا وَبَكَى: ثُمَّ رَجَعَ وَكَلَّمَهُمْ. ٢٥. فَأَخَذَ شِمْعُونَ وَقَيَّدَهُ أَمَامَهُمْ، وَأَمَرَ خُدَّامَهُ أَنْ يَمْلَأُوا أَكْيَاسَهُمْ قَمْحًا، وَأَنْ يَرُدُّوا فِضَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي كِيسِهِ، مَعَ إِعْطَائِهِمْ أَيْضًا زَادًا لِلطَّرِيقِ: فَفَعَلُوا كَذَلِكَ. ٢٦. فَحَمَلُوا الْقَمْحَ عَلَى حَمِيرِهِمْ وَانْطَلَقُوا. ٢٧. وَفَتَحَ أَحَدُهُمْ كِيسَهُ لِيُعْطِيَ عَلَفًا لِدَابَّتِهِ فِي الْمَنْزِلِ، فَرَأَى الْفِضَّةَ فِي فَمِ الْكِيسِ، ٢٨. وَقَالَ لِإِخْوَتِهِ: «رُدَّتْ إِلَيَّ فِضَّتِي، هَا هِيَ فِي الْكِيسِ.» فَانْدَهَشُوا وَاضْطَرَبُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا هَذَا الَّذِي صَنَعَهُ اللهُ بِنَا؟» ٢٩. فَجَاءُوا إِلَى يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَخْبَرُوهُ بِكُلِّ مَا جَرَى لَهُمْ قَائِلِينَ: ٣٠. «كَلَّمَنَا سَيِّدُ الْأَرْضِ بِقَسْوَةٍ، وَحَسِبَنَا جَوَاسِيسَ عَلَى الْبِلَادِ.» ٣١. «فَأَجَبْنَاهُ: نَحْنُ مُسَالِمُونَ، وَلَا نُدَبِّرُ مَكِيدَةً.» ٣٢. «نَحْنُ اثْنَا عَشَرَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ: وَاحِدٌ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، وَالْأَصْغَرُ مَعَ أَبِينَا فِي أَرْضِ كَنْعَانَ.» ٣٣. «فَقَالَ لَنَا: هَكَذَا أَمْتَحِنُ أَنَّكُمْ مُسَالِمُونَ: اتْرُكُوا أَحَدَ إِخْوَتِكُمْ عِنْدِي، وَخُذُوا الطَّعَامَ اللَّازِمَ لِبُيُوتِكُمْ وَاذْهَبُوا، ٣٤. وَأَحْضِرُوا أَخَاكُمُ الْأَصْغَرَ إِلَيَّ، لِأَعْلَمَ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ جَوَاسِيسَ: وَتَسْتَطِيعُوا اسْتِرْجَاعَ الْمَحْبُوسِ مِنْكُمْ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ لَكُمُ الْإِذْنُ بِشِرَاءِ مَا تَشَاءُونَ.» ٣٥. وَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ، وَكَانُوا يُفْرِغُونَ الْقَمْحَ، وَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِضَّتَهُ مَرْبُوطَةً فِي فَمِ كِيسِهِ: فَفَزِعُوا جَمِيعًا. ٣٦. فَقَالَ أَبُوهُمْ يَعْقُوبُ: «جَعَلْتُمُونِي بِلَا أَوْلَادٍ: يُوسُفُ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا، وَشِمْعُونُ مَحْبُوسٌ، وَسَتَأْخُذُونَ بِنْيَامِينَ: كُلُّ هَذِهِ الشُّرُورِ وَقَعَتْ عَلَيَّ.» ٣٧. فَأَجَابَهُ رَأُوبَيْنُ: «اقْتُلْ وَلَدَيَّ إِنْ لَمْ أَرُدَّهُ إِلَيْكَ؛ سَلِّمْهُ إِلَى يَدِي وَأَنَا أُعِيدُهُ إِلَيْكَ.» ٣٨. فَقَالَ: «لَنْ يَنْزِلَ ابْنِي مَعَكُمْ: أَخُوهُ مَاتَ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَقِيَ: إِنْ أَصَابَهُ سُوءٌ فِي الْأَرْضِ الَّتِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهَا، تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْقَبْرِ.»
الْآيَةُ ١: طَعَامٌ
فِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ شِبِرْ، أَيْ «مَا يُكْسَرُ»، أَيِ الْقَمْحُ أَوِ الْخُبْزُ الَّذِي يُكْسَرُ وَيُوَزَّعُ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ يُوسُفَ، وَهُوَ يَبِيعُ الْقَمْحَ وَيُوَزِّعُهُ، يُسَمَّى فِي كُلِّ مَكَانٍ هُنَا فِي الْعِبْرِيَّةِ مَشْبِيرْ، أَيْ «كَاسِرٌ» أَوْ «مُفَتِّتٌ»، أَيْ مُوَزِّعٌ وَمُقَسِّمٌ مَا يُكْسَرُ، أَيِ الْمُؤَنَ أَوِ الْقَمْحَ؛ وَمِنْ هُنَا نَشَأَتْ عِبَارَةُ الْمَسِيحِ وَبُولُسَ: «الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ»، كَمَا قُلْتُ فِي ١ كُورِنْثُوسَ ١٠: ١٦؛ فَإِنَّ كَسْرَ الْخُبْزِ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ هُوَ نَفْسُ تَقْسِيمِ الْخُبْزِ وَتَوْزِيعِهِ.
الْآيَةُ ١: لِمَاذَا أَنْتُمْ مُتَكَاسِلُونَ؟
فِي الْعِبْرِيَّةِ: «لِمَاذَا تَنْظُرُونَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ؟» أَيْ لِمَاذَا تَتَكَاسَلُونَ وَتَتَبَاطَأُونَ؟ فَإِنَّ الْكُسَالَى وَالْخَامِلِينَ اعْتَادُوا أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَنْتَظِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَضَعَ الْآخَرُ يَدَهُ فِي الْعَمَلِ وَيُنْجِزَ الْأَمْرَ. «فَإِنَّ كَسَلَ النَّفْسِ يَنْشَأُ مِنْ إِرَادَةٍ نَاقِصَةٍ؛ فَمَا إِنْ تَبْدَأَ فِي إِرَادَةِ الْخَيْرِ حَتَّى يَكُونَ هُنَاكَ حَمَاسَةٌ وَقُوَّةٌ.» وَبَعْدَ مُرُورِ سَبْعِ سِنِينَ الْخِصْبِ، كَانَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ قَدْ بَدَأَتْ بِالْفِعْلِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٤٥، الْآيَةِ ٦.
لِمَاذَا بَقِيَ يُوسُفُ مَجْهُولًا لِمُدَّةِ ٢٣ سَنَةً
قَدْ يُسْأَلُ بِأَيِّ مَنْطِقٍ بَقِيَ يُوسُفُ مَجْهُولًا فِي مِصْرَ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، أَيْ ٢٣ سَنَةً (إِذْ مَرَّتْ تِلْكَ السَّنَوَاتُ مِنْ سَنَتِهِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ إِلَى التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ الَّتِي كَانَ يَعِيشُهَا الْآنَ)، بِحَيْثُ لَمْ يُرْسِلْ طَوَالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ أَيَّ رِسَالَةٍ عَنْ نَفْسِهِ إِلَى أَبِيهِ الَّذِي كَانَ يَحْزَنُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، وَخَاصَّةً فِي السَّنَوَاتِ التِّسْعِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا حَاكِمًا عَلَى مِصْرَ؟
يُجِيبُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَبِيرِيرْيُوسُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُبَلَّغَ يَعْقُوبُ بِذَلِكَ قَبْلَ الزَّمَنِ وَالْمُنَاسَبَةِ الَّتِي رَسَمَهَا اللهُ، أَيْ قَبْلَ هَذِهِ الْمَجَاعَةِ الَّتِي أَجْبَرَتِ الْإِخْوَةَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَى يُوسُفَ فِي مِصْرَ. وَفَهِمَ يُوسُفُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ، سَوَاءٌ مِنْ حُلْمِهِ الَّذِي رَآهُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٧، الْآيَةِ ٧، أَوْ مِنْ مَجْرَى الْأَحْدَاثِ، أَوْ مِنْ إِلْهَامِ اللهِ وَوَحْيِهِ، كَمَا يُشِيرُ يُوسُفُ نَفْسُهُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٥، الْآيَةِ ٨.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَاذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا وَأَنْ يَبْقَى مَخْفِيًّا؟ أُجِيبُ أَوَّلًا، لِأَنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ يُعْطَى لِيَعْقُوبَ، وَإِنْ كَانَ بَارًّا، هَذَا الْمَطْهَرُ شِبْهُ النَّارِيِّ مِنَ الْحُزْنِ بِسَبَبِ بَعْضِ خَطَايَاهُ الْخَفِيفَةِ، مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا أَنَّهُ أَحَبَّ يُوسُفَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي حَتَّى حَسَدِ الْإِخْوَةِ. فَإِنَّ اللهَ اعْتَادَ أَنْ يُعَدِّلَ عَوَاطِفَ الْقِدِّيسِينَ الْمُفْرِطَةَ نَحْوَ شَيْءٍ أَوْ شَخْصٍ مَا بِالْمِحَنِ، كَمَا يُمْزَجُ الْخَمْرُ بِإِضَافَةِ الْمَاءِ، بَلْ يَقْطَعُهَا وَيُمِيتُهَا. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْعِظَةُ ٨٢ عَنِ الْأَزْمِنَةِ.
ثَانِيًا، شَاءَ اللهُ أَنْ يُخْفِيَ عَنْ يَعْقُوبَ حَيَاةَ يُوسُفَ وَحَالَهُ، لِيَمْتَحِنَ فَضِيلَةَ كِلَيْهِمَا وَتَسْلِيمَهُمَا وَصَبْرَهُمَا وَمَحَبَّتَهُمَا للهِ، كَمَا امْتَحَنَ طَاعَةَ إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمَ وَفَضِيلَتَهُمَا حِينَ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ إِسْحَاقَ، التَّكْوِينُ ٢٢: ٢.
ثَالِثًا، لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ يَعْقُوبُ أَنَّ ابْنَهُ يُوسُفَ قَدْ أُسِرَ، لَفَدَاهُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ، وَلَمَا رُفِعَ يُوسُفُ أَبَدًا إِلَى الرِّئَاسَةِ فِي مِصْرَ، الَّتِي قَرَّرَ اللهُ أَنْ يُكَافِئَ بِهَا اتِّضَاعَهُ، الْحِكْمَةُ ١٠: ١٣. هَكَذَا ثِيوُدُورِيطُسُ.
رَابِعًا، شَاءَ اللهُ ذَلِكَ لِكَيْ يُحَقِّقَ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ الْحُلْمَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى يُوسُفَ، التَّكْوِينُ ٣٧: ٧، أَيْ أَنَّ الْإِخْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ بِالْمَجَاعَةِ يُجْبَرُونَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَى يُوسُفَ وَالسُّجُودِ لَهُ.
خَامِسًا، شَاءَ اللهُ ذَلِكَ لِكَيْ يَنْزِلَ يَعْقُوبُ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ مَعَ كُلِّ عَائِلَتِهِ إِلَى مِصْرَ، وَيَتَكَاثَرُوا هُنَاكَ، وَلِكَيْ تَحْصُلَ لَهُ فِي مِصْرَ تِلْكَ الْأُمُورُ الْعَظِيمَةُ وَالْعَجِيبَةُ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا جَدَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٥، الْآيَةِ ١٣، وَالَّتِي يَرْوِيهَا سِفْرُ الْخُرُوجِ.
الْآيَةُ ٦: سَجَدُوا
هَا هُنَا يُحَقِّقُ الْإِخْوَةُ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا حُلْمَ يُوسُفَ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى السُّجُودِ لَهُ. هَكَذَا بْرُوكُوبِيُوسُ.
الْآيَةُ ٩: وَتَذَكَّرَ الْأَحْلَامَ
إِذْ رَأَى أَحْلَامَهُ تَتَحَقَّقُ فِي هَذَا السُّجُودِ لَهُ، لَا بِدَافِعِ الِانْتِقَامِ بَلْ لِتَثْبِيتِهَا وَتَأْكِيدِ صِحَّتِهَا، بِأَنْ يَجْعَلَ الْإِخْوَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا مُعَامَلَتَهُ مُتَوَسِّلِينَ إِلَيْهِ؛ لِهَذَا السَّبَبِ يُخَاطِبُهُمْ بِقَسْوَةٍ أَشَدَّ، لِكَيْ يَعْتَرِفُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِظُلْمِهِمْ وَبِصِدْقِ أَحْلَامِ يُوسُفَ؛ فَيَقُولُ إِذَنْ:
الْآيَةُ ٩: أَنْتُمْ جَوَاسِيسُ
قَدْ تَقُولُ: إِنَّ يُوسُفَ يَكْذِبُ هُنَا؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ إِخْوَتَهُ لَيْسُوا جَوَاسِيسَ. يُجِيبُ رُوبِرْتُوسُ أَوَّلًا: «جَوَاسِيسُ»، أَيْ لُصُوصٌ، «أَنْتُمْ»، لِأَنَّكُمْ سَرَقْتُمُونِي مِنْ أَبِي وَبِعْتُمُونِي. لَكِنَّ الْجَاسُوسَ شَيْءٌ وَاللِّصُّ شَيْءٌ آخَرُ: فَإِنَّ يُوسُفَ يَعْنِي بِالْجَاسُوسِ مَنْ يَتَفَحَّصُ الْأَمَاكِنَ الْأَقَلَّ تَحْصِينًا فِي بَلَدٍ مَا لِكَيْ يَخُونَهَا لِلْعَدُوِّ.
ثَانِيًا، يُجِيبُ بِيرِيرْيُوسُ أَنَّ يُوسُفَ لَا يَكْذِبُ هُنَا بَلْ يَمْزَحُ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى سَبِيلِ الْمُزَاحِ وَالتَّظَاهُرِ.
ثَالِثًا وَهُوَ الْأَفْضَلُ، يُجِيبُ الْقِدِّيسُ تُومَا أَنَّ يُوسُفَ لَا يَتَكَلَّمُ تَأْكِيدِيًّا بَلْ اخْتِبَارِيًّا وَامْتِحَانِيًّا، كَمَا يُؤَكِّدُ الْقُضَاةُ الْجَرِيمَةَ حِينَ يَسْتَجْوِبُونَ الْمُتَّهَمَ اخْتِبَارًا لِاسْتِخْرَاجِ الْحَقِيقَةِ. وَبِالْمِثْلِ يَمْتَحِنُ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ هُنَا، لِكَيْ يُلْزِمَهُمْ بِإِخْبَارِهِ بِالْحَقِيقَةِ، إِذْ كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ بِنْيَامِينَ.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يَظْلِمْ يُوسُفُ إِخْوَتَهُ بِتَوْجِيهِ هَذِهِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِمْ وَإِلْقَاءِ الْخَوْفِ فِي قُلُوبِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِقُّونَ أَسْوَأَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَكَانَ يُوسُفُ، بِصِفَتِهِ حَاكِمَ مِصْرَ، قَادِرًا عَلَى مُعَاقَبَتِهِمْ بِالْمَوْتِ بِسَبَبِ مُحَاوَلَةِ الْقَتْلِ وَالِاخْتِطَافِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا بِحَقِّهِ. وَرَأُوبَيْنُ وَإِنْ كَانَ بَرِيئًا مِنْ بَيْعِ يُوسُفَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُخْتَلِطًا بِالْإِخْوَةِ الْمُذْنِبِينَ، اُبْتُلِيَ مَعَهُمْ هُوَ أَيْضًا. فَلَوِ اسْتَثْنَاهُ يُوسُفُ لَعَرَفَهُ الْإِخْوَةُ. هَكَذَا أَبُولِنْسِيسُ. وَهَكَذَا اللهُ، بَلْ وَالْحَاكِمُ، يُشْرِكُ الْبَرِيءَ مَعَ الْمُذْنِبِ فِي بَلِيَّةِ الْحَرْبِ الْمُشْتَرَكَةِ وَيُعَاقِبُهُمْ مَعًا.
لِيُلَاحِظِ الرُّؤَسَاءُ هُنَا أَيَّ اعْتِدَالٍ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعُوا فِي التَّقْوِيمِ، وَلْيَتَعَلَّمُوهُ مِنْ يُوسُفَ. بِتَقْوَى وَحِكْمَةٍ يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْعِظَةُ ٢١ عَلَى حِزْقِيَالَ: «غَلَبَتِ التَّقْوَى عَقْلَهُ [أَيْ عَقْلَ يُوسُفَ]، حِينَ ظَهَرَ أَخُوهُ بَرِيئًا، لَكِنَّ الْقَسْوَةَ ظَلَّتْ فِي الْمَظْهَرِ الْخَارِجِيِّ، لِكَيْ يَتَطَهَّرَ الْإِخْوَةُ الْمُذْنِبُونَ. يُخْفَى كَأْسٌ فِي كِيسِ الْأَصْغَرِ، وَتُرْفَعُ عَلَيْهِمْ تُهْمَةُ السَّرِقَةِ: يُوجَدُ فِي كِيسِ الْأَصْغَرِ؛ يُعَادُ بِنْيَامِينُ؛ يَتْبَعُهُ جَمِيعُ الْإِخْوَةِ الْمَحْزُونِينَ. يَا لَعَذَابَاتِ الرَّحْمَةِ! يُعَذِّبُ وَيُحِبُّ. هَكَذَا سَامَحَ الرَّجُلُ الْقِدِّيسُ جَرِيمَةَ إِخْوَتِهِ وَانْتَقَمَ مِنْهَا فِي آنٍ مَعًا: هَكَذَا حَافَظَ عَلَى الرَّحْمَةِ فِي الصَّرَامَةِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ تُجَاهَ إِخْوَتِهِ الْمُخْطِئِينَ رَحِيمًا بِلَا عِقَابٍ، وَلَا صَارِمًا بِلَا رِقَّةٍ. هَا هُوَ فَنُّ التَّأْدِيبِ: أَنْ يَعْرِفَ كَيْفَ يَتَجَاوَزُ عَنِ الْعُيُوبِ بِحِكْمَةٍ، وَيَقْطَعُهَا بِتَقْوَى.» إِلَى هُنَا الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ.
الْآيَةُ ١٤: هَذَا مَا قُلْتُهُ
كَأَنَّمَا يَقُولُ: أَنْتُمْ تَدَّعُونَ أَنَّكُمُ اثْنَا عَشَرَ أَخًا، وَأَنَّ لَكُمْ أَخًا آخَرَ فِي الْبَيْتِ؛ فَمِنْ هَذَا أَسْتَنْتِجُ أَنَّكُمْ تَخْتَلِقُونَ كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ أَيْضًا، وَأَنَّكُمْ جَوَاسِيسُ؛ لِذَلِكَ، لِكَيْ تُثْبِتُوا الْعَكْسَ، أَحْضِرُوا أَخَاكُمُ الْأَصْغَرَ إِلَيَّ لِأَرَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ قَدْ قُلْتُمُ الصِّدْقَ.
ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ يَقُولُ هَذَا لَا بِصُورَةٍ جَازِمَةٍ بَلْ بِصُورَةٍ اسْتِكْشَافِيَّةٍ؛ وَذَلِكَ لِيَسْتَطْلِعَ مَا حَدَثَ لِبِنْيَامِينَ: إِذْ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْإِخْوَةُ قَدْ فَعَلُوا بِبِنْيَامِينَ شَيْئًا مُمَاثِلًا (لِكَوْنِهِ أَخَاهُ الشَّقِيقَ، وَابْنَ رَاحِيلَ الَّتِي أَحَبَّهَا يَعْقُوبُ أَكْثَرَ مِنْ لَيْئَةَ) لِمَا فَعَلُوهُ بِهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ١٦: بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ
تَسْأَلُ أَوَّلًا: هَلْ عِبَارَةُ «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ» قَسَمٌ، وَهَلْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ؟ يُنْكِرُ كَالْفِينُ أَنَّهَا قَسَمٌ، وَيُضِيفُ أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ تَعْبِيرٍ وَثَنِيٍّ يَنِمُّ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الْمِصْرِيَّةِ. فَهَكَذَا كَانَ الرُّومَانُ يُقْسِمُونَ بِعَبْقَرِيَّةِ قَيْصَرَ لِيَتَمَلَّقُوا قَيْصَرَ بِذَلِكَ وَيُسَاوُوهُ فِعْلِيًّا بِالْآلِهَةِ. ثَانِيًا، يُجِيبُ هَامِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَسَمًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَرَاحَةً بِاسْتِشْهَادِ اللهِ.
أَقُولُ أَوَّلًا: «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ» هُوَ قَسَمٌ. وَذَلِكَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ فِي الْعِبْرِيَّةِ «حَيٌّ فِرْعَوْنُ»، وَهَذِهِ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ صِيغَةُ قَسَمٍ، كَمَا حِينَ يَقُولُونَ «حَيٌّ الرَّبُّ». وَمُتَرْجِمُنَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حِينَ يُتَرْجِمُهَا «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ»؛ فَإِنَّنَا عَلَى نَحْوٍ مُمَاثِلٍ نُقْسِمُ «بِرُوحِي».
أَقُولُ ثَانِيًا: هَذَا الْقَسَمُ مَشْرُوعٌ. وَالسَّبَبُ أَنَّ مَنْ يُقْسِمُ بِالْمَخْلُوقَاتِ يُعْتَبَرُ، بِحَسَبِ الْعُرْفِ الْمُشْتَرَكِ لِلْأُمَمِ وَبِنِيَّةِ الْمُقْسِمِ الضِّمْنِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْسِمُ بِخَالِقِهَا، كَمَا يُوضِحُ الْمَسِيحُ فِي مَتَّى ٢٣: ٢١. لِذَلِكَ لَمْ يُقْسِمْ يُوسُفُ عَلَى سَبِيلِ الْمِزَاحِ كَمَا يُرِيدُ هَامِرُ، بَلْ بِجِدِّيَّةٍ بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبَارِهِ مَلِكَهُ الْمُحْسِنَ الْجَدِيرَ بِالتَّبْجِيلِ وَالْحُبِّ الْمُتَبَادَلِ؛ وَكَأَنَّهُ يُكَرِّمُ اللهَ فِي فِرْعَوْنَ، وَكَذَلِكَ السُّلْطَةَ الْمَلَكِيَّةَ الَّتِي مَنَحَهَا اللهُ لَهُ. إِذَنْ «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ» هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: بِاللهِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ حَيَاةِ فِرْعَوْنَ وَسَلَامَتِهِ وَحَافِظُهُمَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَآخَرُونَ.
فَتَعْتَرِضُ: يَبْدُو أَنَّ يُوسُفَ يَحْنَثُ هُنَا؛ فَحَتَّى لَوْ لَمْ يُحْضِرِ الْإِخْوَةُ بِنْيَامِينَ، فَلَيْسُوا لِهَذَا السَّبَبِ جَوَاسِيسَ.
أُجِيبُ: لَمْ يُقْسِمْ يُوسُفُ أَنَّ إِخْوَتَهُ جَوَاسِيسُ، بَلْ يَقُولُ: «وَإِلَّا فَأَنْتُمْ جَوَاسِيسُ»، أَيْ سَتُعْتَبَرُونَ عِنْدِي، سَيُفْتَرَضُ أَنَّكُمْ جَوَاسِيسُ، كَأَنَّمَا يَقُولُ: مَا لَمْ تُحْضِرُوا بِنْيَامِينَ، وَبِذَلِكَ تُثْبِتُوا صِدْقَ كَلَامِكُمْ، فَسَأُعَامِلُكُمْ وَأُحَاكِمُكُمْ وَأُعَاقِبُكُمْ كَجَوَاسِيسَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.
تَسْأَلُ ثَانِيًا: مَا نَوْعُ هَذَا الْقَسَمِ: «بِحَيَاةِ» فِرْعَوْنَ أَوْ سَلَامَتِهِ؟ أُجِيبُ أَوَّلًا: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا تَأْكِيدِيًّا، إِذَا فَهِمْتَهُ هَكَذَا: «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ»، أَيْ أُقْسِمُ بِاللهِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ حَيَاةِ فِرْعَوْنَ مَلِكِي الْمَحْبُوبِ وَسَلَامَتِهِ وَحَارِسُهُمَا.
فَإِنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ حِينَ يَقُولُونَ: «حَيٌّ الرَّبُّ»، فَالْمَعْنَى هُوَ: أُشْهِدُ اللهَ الْحَيَّ: إِنَّ مَا أَقُولُهُ صَادِقٌ كَصِدْقِ حَيَاةِ اللهِ الَّذِي أَسْتَشْهِدُهُ وَأُقْسِمُ بِهِ.
ثَانِيًا، وَالْأَرْجَحُ، أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ الشَّائِعِ تَدُلُّ عَلَى لَعْنَةٍ يَرْبِطُ بِهَا الْمَرْءُ نَفْسَهُ أَوْ أَحِبَّتَهُ؛ لِذَا يَبْدُو أَنَّ هَذَا الْقَسَمَ اسْتِلْعَانِيٌّ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ»، أَيْ أُقْسِمُ وَأُشْهِدُ وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلَامَةَ وَالْحَيَاةَ مِنْ فِرْعَوْنَ مَلِكِي الْأَعَزِّ، مَا لَمْ أُعَامِلْكُمْ وَأُعَاقِبْكُمْ كَجَوَاسِيسَ إِنْ لَمْ تُحْضِرُوا بِنْيَامِينَ إِلَيَّ. فَإِنَّنَا عَلَى نَحْوٍ مُمَاثِلٍ وَبِالْمَعْنَى ذَاتِهِ نُقْسِمُ «بِرُوحِي». هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا فِي الْخُلَاصَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ، الْجُزْءُ الثَّانِي مِنَ الثَّانِي، الْمَسْأَلَةُ ٨٠، الْمَقَالَةُ ٦. فَكَمَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَرْهَنَ شَخْصَنَا، كَذَلِكَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَرْبِطَ شَخْصًا آخَرَ مُتَّصِلًا بِنَا بِاللهِ لِيُعَاقِبَنَا فِيهِ إِنْ خَدَعْنَا، بِقَوْلِنَا وَقَسَمِنَا: «بِحَيَاةِ أَبِي؛ بِحَيَاةِ زَوْجَتِي».
فَتَعْتَرِضُ: هَذَا تَمَنِّي الشَّرِّ لِلْأَبِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَلِكِ؛ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَحَبَّةِ. أُجِيبُ: هُوَ مُخَالِفٌ لِلْمَحَبَّةِ إِذَا أَقْسَمْنَا بِالْبَاطِلِ؛ أَمَّا إِذَا كَانَ مَا نَقُولُهُ صَادِقًا، فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِلْمَحَبَّةِ بَلْ مُوَافِقٌ لَهَا: فَإِنَّنَا نُظْهِرُ مَدَى تَقْدِيرِنَا لِمَلِكِنَا أَوْ أَبِينَا، وَنُكَرِّمُهُ بِذَلِكَ، وَلَا نَتَمَنَّى الشَّرَّ فَقَطْ إِنْ خَدَعْنَا، بَلْ أَيْضًا الْخَيْرَ إِنْ لَمْ نَخْدَعْ. وَهَكَذَا فَإِنَّ «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ» هُوَ كَمَا لَوْ قُلْتَ: لِيَحْفَظِ اللهُ فِرْعَوْنَ أَوْ لَا يَحْفَظْهُ. لِيَحْفَظْهُ إِنْ قُلْتُ الصِّدْقَ أَوْ وَفَيْتُ بِمَا أَقُولُ؛ وَلَا يَحْفَظْهُ إِنْ خَدَعْتُ: فَكِلَاهُمَا مُتَضَمَّنٌ، كَمَا يُلَاحِظُ بِفِطْنَةٍ وَعِلْمٍ لَيسِيُوسُنَا فِي بَحْثِهِ عَنِ الْأَيْمَانِ، الشَّكُّ ٢.
الْآيَةُ ١٧: الْحَبْسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
لِكَيْ يُكَفِّرُوا بِذَلِكَ عَنْ جُرْمِهِمِ الثُّلَاثِيِّ: أَوَّلًا، الْمَوْتُ الَّذِي هَدَّدُوا بِهِ؛ ثَانِيًا، إِلْقَاؤُهُ فِي الْجُبِّ؛ ثَالِثًا، بَيْعُ يُوسُفَ؛ وَلِكَيْ يَكُونُوا فِي السِّجْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا كَانَ هُوَ فِي السِّجْنِ ثَلَاثَ سِنِينَ، كَمَا يَقُولُ دِلْرِيُو وَغَيْرُهُ.
الْآيَةُ ١٨: فَإِنِّي أَخَافُ اللهَ
كَأَنَّمَا يَقُولُ: لَا تَخَافُوا، لِأَنِّي لَنْ أَفْعَلَ بِكُمْ شَيْئًا ظَالِمًا، وَلَا غَادِرًا، وَلَا لَا إِنْسَانِيًّا، بَلْ سَأَفِي بِأَمَانَةٍ بِمَا قُلْتُ: فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ حَاكِمًا، فَأَنَا أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْأَرْبَابِ وَأُبَجِّلُهُ، عَالِمًا أَنَّنِي سَأُحَاكَمُ أَمَامَهُ، وَأَنَّ عَلَيَّ أَنْ أُقَدِّمَ لَهُ حِسَابًا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِي.
الْآيَةُ ٢١: نَحْنُ نَسْتَحِقُّ أَنْ نَتَحَمَّلَ هَذِهِ الْأُمُورَ
مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُكَ أَنْ تُتَرْجِمَ: حَقًّا نَحْنُ مَهْجُورُونَ، أَيْ وَحِيدُونَ وَمُجَرَّدُونَ مِنْ كُلِّ عَوْنٍ، بِسَبَبِ أَخِينَا الَّذِي أَقْفَرْنَاهُ وَبِعْنَاهُ وَحِيدًا لِلْأَغْرَابِ. لَاحِظْ هُنَا مَعَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ مَا أَعْظَمَ قُوَّةَ الضَّمِيرِ، الَّذِي تَتَرَاءَى أَمَامَ نَاظِرَيْهِ جَمِيعُ الْخَطَايَا فَوْرًا وَتَتَجَمَّعُ حِينَ نَرَى يَدَ اللهِ الْمُنْتَقِمَةَ وَنَشْعُرُ بِهَا: فَلَمْ يَكُنْ هُنَا أَيُّ ذِكْرٍ لِيُوسُفَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذِكْرَاهُ وَالظُّلْمَ الَّذِي لَحِقَ بِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً حَضَرَا فَوْرًا فِي أَذْهَانِ جَمِيعِ الْإِخْوَةِ، حِينَ أَحَسُّوا أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِسَبَبِهِ.
«كَمَا أَنَّ السِّكِّيرَ،» يَقُولُ، «حِينَ يَبْتَلِعُ كَثِيرًا مِنَ الْخَمْرِ لَا يَشْعُرُ بِضَرَرِ الْخَمْرِ، لَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يُحِسُّ مَا أَعْظَمَ الضَّرَرَ: هَكَذَا الْخَطِيئَةُ، مَا دَامَتْ تُرْتَكَبُ، تُظْلِمُ الْعَقْلَ، وَكَسَحَابَةٍ كَثِيفَةٍ تُفْسِدُ الذِّهْنَ؛ ثُمَّ يَنْهَضُ الضَّمِيرُ وَيَنْخُرُ فِي النَّفْسِ أَشَدَّ مِنْ أَيِّ مُتَّهِمٍ، كَاشِفًا عَنْ قُبْحِ الْفِعْلِ.» بِمَعْنَى أَنَّ «الْعُيُونَ الَّتِي يُغْلِقُهَا الذَّنْبُ يَفْتَحُهَا الْعِقَابُ،» كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ؛ بِمَعْنَى أَنَّ «الضَّمِيرَ أَلْفُ شَاهِدٍ»؛ وَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ فِي خُطْبَتِهِ عَنْ ضَرْبَةِ الْبَرَدِ: «الضَّمِيرُ مَحْكَمَةٌ دَاخِلِيَّةٌ وَحَقِيقِيَّةٌ.» فَكَمَا يَقُولُ سِفْرُ الْحِكْمَةِ ١٧: ١٠: «الضَّمِيرُ الْمُضْطَرِبُ يَفْتَرِضُ دَائِمًا أَقْسَى الْأُمُورِ.» وَعَلَى الْعَكْسِ، يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ١٣: ١٠: «طَيِّبٌ،» يَقُولُ، «الْمَالُ الَّذِي لَيْسَ عَلَى الضَّمِيرِ فِيهِ خَطِيئَةٌ»؛ وَالْإِصْحَاحُ ٣٠، الْآيَةُ ١٧: «لَيْسَ مِنْ لَذَّةٍ فَوْقَ فَرَحِ الْقَلْبِ»؛ وَالرَّسُولُ فِي الرِّسَالَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ١: ١٢: «فَخْرُنَا هُوَ هَذَا: شَهَادَةُ ضَمِيرِنَا، أَنَّنَا بِبَسَاطَةِ قَلْبٍ وَإِخْلَاصِ اللهِ سَلَكْنَا فِي هَذَا الْعَالَمِ»؛ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ: «الضَّمِيرُ الصَّالِحُ لَا يَفِرُّ مِنْ عَيْنِ أَحَدٍ،» بِلَا خَوْفٍ.
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةَ فِي مِحْنَتِهِمْ يَعُودُونَ إِلَى رُشْدِهِمْ وَيَعْتَرِفُونَ بِجُرْمِهِمْ. هَكَذَا مَنَسَّى الْمَلِكُ الشِّرِّيرُ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ فِي السِّجْنِ، ٢ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ٣٣. وَهَكَذَا نَبُوخَذْنَصَّرُ الْأَكْثَرُ كِبْرِيَاءً، بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ إِلَى حَيَوَانٍ، اعْتَرَفَ بِضَعْفِهِ وَقُدْرَةِ اللهِ «الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُذِلَّ السَّائِرِينَ بِالْكِبْرِيَاءِ،» دَانِيَالُ الْإِصْحَاحُ ٤. وَهَكَذَا أَنْطِيُوخُسُ، أَشَرُّ الْمُلُوكِ، إِذْ ضُرِبَ بِمَرَضٍ مُمِيتٍ: «الْآنَ،» يَقُولُ، «أَتَذَكَّرُ الشُّرُورَ الَّتِي صَنَعْتُهَا فِي أُورُشَلِيمَ. أَعْرِفُ أَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَجَدَتْنِي هَذِهِ الشُّرُورُ، وَهَا أَنَا أَهْلِكُ بِحُزْنٍ عَظِيمٍ فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ،» ١ الْمَكَابِيِّينَ ٦: ١٣. وَهَكَذَا عَلَّمَ الْجُوعُ الِابْنَ الضَّالَّ أَنْ يَقُولَ: «يَا أَبَتِ، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَأَمَامَكَ.» لِذَلِكَ يَدْعُو الْمُرَنِّمُ بِحَقٍّ عَلَى الْأَشْرَارِ قَائِلًا فِي الْمَزْمُورِ ٨٣: «امْلَأْ وُجُوهَهُمْ خِزْيًا فَيَطْلُبُوا اسْمَكَ يَا رَبُّ.»
ثَالِثًا، لَاحِظْ هُنَا عِنَايَةَ اللهِ الْعَجِيبَةَ الْعَادِلَةَ وَانْتِقَامَهُ، الَّذِي يُعَاقِبُ بِهِ إِخْوَةَ يُوسُفَ الْأَبْرِيَاءَ مِنَ التُّهْمَةِ بِالْعُقُوبَةِ ذَاتِهَا — أَيِ السِّجْنِ وَالْأَسْرِ — الَّتِي عَذَّبُوا بِهَا مِنْ قَبْلُ يُوسُفَ الْبَرِيءَ. فَمِنَ الْعَدْلِ، كَمَا يَقُولُ رَادَامَانْتُوسُ، أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْمَرْءُ ظُلْمًا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَمَّلَهُ هُوَ بِعَدْلٍ.
وَيَرْوِي الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ مِثَالًا مُشَابِهًا جَدِيرًا بِالذِّكْرِ، بَلْ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً فِي مُنْتَهَى الْوُضُوحِ، حَدَثَتْ لِشَابٍّ مُسْتَهْتِرٍ مُنْحَلٍّ، تَحَوَّلَ بِسَبَبِهَا إِلَى حَيَاةٍ أَفْضَلَ، بَلْ إِلَى الْحَيَاةِ الرُّهْبَانِيَّةِ. اسْمَعْهُ جُزْئِيًّا فِي اعْتِرَافِهِ وَجُزْئِيًّا فِي رِوَايَةِ تَوْبَتِهِ. أَنَا، يَقُولُ، كُنْتُ أَشُكُّ فِي عِنَايَةِ اللهِ، وَهَلْ لَا تَحْدُثُ الْأُمُورُ كُلُّهَا بِالصُّدْفَةِ وَالِاتِّفَاقِ. هَذَا الشَّكَّ أَزَالَهُ اللهُ مِنِّي لَا بِالْكَلَامِ بَلْ بِالْأَفْعَالِ. فَذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَرْسَلَنِي وَالِدَايَ إِلَى الضَّوَاحِي، طَارَدْتُ بَقَرَةً حُبْلَى بِالْحِجَارَةِ وَأَزْعَجْتُهَا، فَكُنْتُ سَبَبًا فِي أَنِ افْتَرَسَهَا وَحْشٌ؛ ثُمَّ لَقِيتُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْفَقِيرَ الَّذِي كَانَتْ لَهُ الْبَقَرَةُ وَكَانَ يَسْأَلُنِي عَنْهَا، فَكَوَّمْتُ عَلَيْهِ الشَّتَائِمَ أَيْضًا. وَبَعْدَ شَهْرٍ، إِذْ أُرْسِلْتُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى ضَوَاحِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، انْحَرَفْتُ لَيْلًا إِلَى بَعْضِ الرُّعَاةِ، وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ انْقَضَّتْ وُحُوشٌ عَلَى الْحَظِيرَةِ وَشَتَّتَتِ الْقَطِيعَ. فَقَبَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُ الْقَطِيعِ كَأَنَّنِي أَدْخَلْتُ الضَّوَارِيَ، وَسَلَّمُونِي إِلَى الْقَاضِي وَالسِّجْنِ؛ حَيْثُ، بَعْدَ أَنْ قَضَيْتُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَفَ بِجَانِبِي وَأَنَا نَائِمٌ شَابٌّ رَهِيبُ الْمَنْظَرِ وَقَالَ: «مَاذَا تَفْعَلُ فِي هَذَا السِّجْنِ؟» فَلَمَّا رَوَيْتُ لَهُ مَصَائِبِي كَبَرِيءٍ، قَالَ: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ التُّهْمَةِ؛ لَكِنْ تَذَكَّرِ الْمَاضِيَ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ بِمُطَارَدَتِكَ بَهِيمَةَ ذَلِكَ الْفَقِيرِ تَسَبَّبْتَ فِي مَوْتِهَا. فَلِتَتَعَلَّمَ عِنَايَةَ اللهِ وَعَدَالَتَهُ، اسْأَلْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ اتُّهِمَ أَحَدُهُمَا زُورًا بِالْقَتْلِ وَالْآخَرُ بِالزِّنَا وَاللَّذَيْنِ أُلْقِيَا فِي هَذَا السِّجْنِ ذَاتِهِ، وَسَتَفْهَمُ أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْقُيُودِ بِلَا سَبَبٍ؛ لَكِنَّ مُرْتَكِبِي تِلْكَ الْجَرَائِمِ الْحَقِيقِيِّينَ لَنْ يُفْلِتُوا مِنَ الْعِقَابِ أَيْضًا.» وَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ اخْتَفَى. وَفِي الصَّبَاحِ الْتَفَتُّ إِلَى ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ وَقُلْتُ: «لِمَاذَا أَنْتُمَا هُنَا؟» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «أَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْجُرْمِ الَّذِي اتُّهِمْتُ بِهِ؛ لَكِنْ مُؤَخَّرًا، حِينَ أُلْقِيَ رَجُلٌ مِنْ عَلَى جِسْرٍ مِنْ قِبَلِ عَدُوِّهِ فِي شِجَارٍ إِلَى الْأَمْوَاجِ وَإِلَى الْمَوْتِ، لَمْ أُنْقِذْهُ مَعَ أَنَّنِي كُنْتُ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ.» وَقَالَ الْآخَرُ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنَ التُّهْمَةِ؛ لَكِنْ مُؤَخَّرًا قَبِلْتُ خَمْسِينَ قِطْعَةً نَقْدِيَّةً مِنْ جُنْدِيَّيْنِ لِأَحْلِفَ أَنَّ أُخْتَهُمَا ارْتَكَبَتِ الزِّنَا، وَبِذَلِكَ أَنْقُلَ مِيرَاثَ الْفَتَاةِ إِلَى أَخَوَيْهَا. فَحَنِثْتُ وَخَرَّبْتُ تِلْكَ الْمِسْكِينَةَ بِتُهْمَةِ زِنًا مُلَفَّقَةٍ وَجَرَّدْتُهَا مِنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهَا. وَالْآنَ بِدَوْرِكَ أَيُّهَا الشَّابُّ أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ.» فَاسْتَجَبْتُ لِلطَّلَبِ وَأَعْلَنْتُ مَوْتَ الْبَقَرَةِ وَسَبَبَ سَجْنِي. فَبَدَأْتُ حِينَئِذٍ أَشْعُرُ بِالنَّدَمِ وَأَعُودُ إِلَى رُشْدِي، وَفَهِمْتُ أَنَّنَا نَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، رَغْمَ أَنَّنَا نَحْنُ الثَّلَاثَةَ كُنَّا جَاهِلِينَ وَأَبْرِيَاءَ مِنَ الْجُرْمِ الَّذِي قُبِضَ عَلَيْنَا بِسَبَبِهِ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي سُقْنَا إِلَى الْقَاضِي. عُذِّبَا، وَلَمَّا وُجِدَا بَرِيئَيْنِ أُطْلِقَا. وَأُعِدْتُ أَنَا إِلَى السِّجْنِ، حَيْثُ بَعْدَ أَنْ قَضَيْتُ وَحْدِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أُخْرَى، أُحْضِرَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ آخَرِينَ مُقَيَّدِينَ، فَقَضَيْتُ مَعَهُمْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أُخْرَى. ثُمَّ وَقَفَ بِجَانِبِي فِي نَوْمِي ذَاتُ مَنْ ظَهَرَ مِنْ قَبْلُ قَائِلًا: «مَا الْأَمْرُ يَا أَفْرَامُ؟ أَتَرَى حُكْمَ اللهِ الْعَادِلَ؟ وَلِكَيْ تَعْرِفَ مَنْ هُمُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ انْضَمُّوا إِلَيْكَ الْيَوْمَ، اعْلَمْ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمَا اتَّهَمَا أُخْتَهُمَا زُورًا بِالزِّنَا وَسَلَبَاهَا مِيرَاثَهَا؛ وَالْآخَرُ هُوَ الَّذِي أَلْقَى رَجُلًا فِي النَّهْرِ.» وَإِذْ قَالَ هَذَا انْصَرَفَ. فَفِي الصَّبَاحِ سَأَلْتُهُمْ أَنْ يُخْبِرُونِي بِالسَّبَبِ الَّذِي أُلْقُوا مِنْ أَجْلِهِ فِي السِّجْنِ: فَاعْتَرَفَ الْأَخَوَانِ أَنَّهُمَا احْتَالَا عَلَى أُخْتِهِمَا ظُلْمًا، بَيْنَمَا اعْتَرَفَ الْآخَرُ بِإِلْقَاءِ رَجُلٍ فِي الْمَاءِ. فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ، رَوَيْتُ بِدَوْرِي مَا حَدَثَ لِي، وَعَرَضْتُ قَضِيَّتَيِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا حَنِثَ وَالْآخَرُ رَفَضَ يَدَ الْعَوْنِ لِمَنْ كَانَ يَحْتَضِرُ (فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ تَوَاطَأُوا أَوْ تَعَاوَنُوا فِي تِلْكَ الْجَرَائِمِ ذَاتِهَا الَّتِي ارْتَكَبَهَا أُولَئِكَ الْفَاعِلُونَ). ثُمَّ انْتَزَعَ خَوْفُ الدَّيْنُونَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَّا جَمِيعًا دُمُوعًا غَزِيرَةً. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي أُحْضِرْنَا لِلْمُحَاكَمَةِ، فَاعْتَرَفَ الْأَخَوَانِ، فَضْلًا عَنِ الْجَرَائِمِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، بِأَنَّهُمَا كَانَا مُرْتَكِبَيِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ (اللَّذَيْنِ نُسِبَا زُورًا لِلرَّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ سَابِقًا)، فَعُوقِبَا بِالْمَوْتِ؛ وَسُرْعَانَ مَا لَقِيَ الْآخَرُ الْعُقُوبَةَ ذَاتَهَا بِسَبَبِ جَرِيمَتَيِ الْقَتْلِ اللَّتَيْنِ ارْتَكَبَهُمَا. ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِحْضَارِي أَيْضًا، وَأَنَا أَبْكِي بِمَرَارَةٍ وَأُنَادِي اللهَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «خَلِّصْنِي يَا رَبُّ مِنْ هَذِهِ الضِّيقَةِ لِأَسْتَحِقَّ أَنْ أَصِيرَ رَاهِبًا وَأَخْدِمَكَ.» لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَمَرَ الْجَلَّادِينَ أَنْ يَضْرِبُونِي مَمْدُودًا بِأَعْصَابِ الثِّيرَانِ. فَقَالَ مُسَاعِدُ الْقَاضِي: «لِيُحْفَظْ هَذَا لِجَلْسَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ وَقْتَ الْغَدَاءِ قَدْ حَانَ.» وَهَكَذَا أُعِدْتُ إِلَى السِّجْنِ مُقَيَّدًا بِالْحَدِيدِ، حَيْثُ قَضَيْتُ وَحْدِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أُخْرَى. ثُمَّ ظَهَرَ الشَّابُّ لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَقَالَ: «أَمُتَأَكِّدٌ أَنْتَ الْآنَ أَنَّ اللهَ يَحْكُمُ الْعَالَمَ بِحُكْمٍ عَادِلٍ؟» فَقُلْتُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ؛ لَكِنِّي أَرْجُوكَ وَأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ، أَخْرِجْنِي مِنْ هَذَا السِّجْنِ لِأَسْتَحِقَّ أَنْ أَصِيرَ رَاهِبًا وَأَخْدِمَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ.» فَقَالَ مُبْتَسِمًا: «مَرَّةً أُخْرَى سَتُسْتَجْوَبُ، ثُمَّ تُطْلَقُ أَخِيرًا عَلَى يَدِ قَاضٍ آخَرَ؛ لَكِنِ اعْلَمْ أَنَّ ثَمَّةَ عَيْنًا وَاحِدَةً تُرَاقِبُ كُلَّ شَيْءٍ.» وَبَعْدَ ذَلِكَ قَضَيْتُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ قَلِقَةٍ، حَتَّى جَاءَ قَاضٍ جَدِيدٌ وَأَحْضَرَنِي لِلْمُحَاكَمَةِ فَعَرَفَنِي وَأَطْلَقَنِي بِاعْتِبَارِي مُتَّهَمًا زُورًا. فَصَعِدْتُ بِلَا تَأْخِيرٍ إِلَى الْجَبَلِ وَأَلْقَيْتُ بِنَفْسِي عِنْدَ قَدَمَيْ شَيْخٍ مُوَقَّرٍ.
الْآيَةُ ٢٢: دَمُهُ مَطْلُوبٌ
فَقَدْ كَانَ الْإِخْوَةُ يَظُنُّونَ أَنَّ يُوسُفَ فِي عُبُودِيَّتِهِ الْقَاسِيَةِ قَدْ مَاتَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحُزْنِ؛ إِذْ لَمْ يَسْمَعُوا عَنْهُ شَيْئًا طِوَالَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. فَـ«الدَّمُ» هُنَا يُسْتَعْمَلُ مَجَازِيًّا بِالْكِنَايَةِ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ، أَيْ عَنِ الْقَتْلِ وَالْمَوْتِ: فَإِنَّ كُلَّ ذَبْحٍ وَمَوْتٍ عَنِيفٍ — حَتَّى وَإِنْ حَدَثَ بِالْخَنْقِ أَوِ الْغَرَقِ أَوِ السَّحْقِ أَوْ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ أُخْرَى — يُسَمَّى عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ «سَفْكَ دَمٍ»، بِالْمَجَازِ الْجُزْئِيِّ وَالتَّجَوُّزِ، لِأَنَّ الْمَوْتَ الْعَنِيفَ غَالِبًا مَا يَقَعُ عَنْ طَرِيقِ سَفْكِ الدَّمِ.
الْآيَةُ ٢٥: شِمْعُونُ
أَوْثَقَ يُوسُفُ شِمْعُونَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْإِخْوَةِ، لِأَنَّ ذَنْبَ بَيْعِ يُوسُفَ كَانَ مُتَمَرْكِزًا بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ فِي شِمْعُونَ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَجِنَادِيُوسُ. فَلَوْ أَنَّ شِمْعُونَ — الْمَوْلُودَ الثَّانِيَ — انْضَمَّ إِلَى رَأُوبَيْنَ الْبِكْرِ وَيَهُوذَا الَّذِي كَانَ يَتَفَوَّقُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ فِي النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ، لَكَانَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ بِسُلْطَتِهِمْ قَدْ كَبَحُوا بَقِيَّةَ الْإِخْوَةِ بِسُهُولَةٍ وَحَرَّرُوا يُوسُفَ؛ وَرُبَّمَا كَانَ شِمْعُونُ أَيْضًا الْأَكْثَرَ وَقَاحَةً وَظُلْمًا بَيْنَ الْإِخْوَةِ تُجَاهَ يُوسُفَ: فَإِنَّ طَبْعَهُ الْجَرِيءَ الْوَقِحَ ظَهَرَ جَلِيًّا فِي مَذْبَحَةِ الشَّكِيمِيِّينَ، التَّكْوِينُ ٣٤: ٢٥.
الْآيَةُ ٢٩: أَخْبَرُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ
طَوْعًا وَمِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، لِئَلَّا يَبْقَى أَبُوهُمْ فِي حَيْرَةٍ بِشَأْنِ مَكَانِ بَقَاءِ شِمْعُونَ؛ لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ بِحِكْمَةٍ، فِي الْمَصَائِبِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعَةِ، الْمَعْرِفَةُ أَخَفُّ مِنَ الشَّكِّ: إِذْ بِمَعْرِفَةِ الْأَمْرِ يُمْكِنُ إِيجَادُ طَرِيقٍ لِلسَّلَامَةِ؛ أَمَّا التَّرَدُّدُ فَلَا يُجْدِي شَيْئًا. وَصَدَقَ الشَّاعِرُ إِذْ قَالَ: «الْخَوْفُ مِنَ الْحَرْبِ أَسْوَأُ مِنَ الْحَرْبِ ذَاتِهَا.»
تَأَمُّلَاتٌ أَخْلَاقِيَّةٌ جَمِيلَةٌ فِي فَائِدَةِ الضِّيقِ، وَكَيْفَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَعْرِفَ أَوَّلًا، اللهَ؛ ثَانِيًا، أَنْفُسَنَا وَهَشَاشَتَنَا؛ ثَالِثًا، بَاطِلَ الْعَالَمِ وَجَمِيعَ أَعْمَالِهِ وَخَيْرَاتِهِ: يُورِدُ بِيرِيرِيُوسُ هَذِهِ التَّأَمُّلَاتِ فِي الرَّقْمِ ٢٢ وَمَا يَلِيهِ.
الْآيَةُ ٣٥: فَارْتَعَبُوا جَمِيعًا
كَانَ الْأَبْنَاءُ قَدْ فَتَحُوا الْأَكْيَاسَ فِي الطَّرِيقِ وَعَلِمُوا أَنَّ الْمَالَ فِيهَا؛ وَلَكِنَّ الْأَبَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَتَظَاهَرَ الْأَبْنَاءُ أَمَامَ أَبِيهِمْ بِأَنَّهُمْ هُمْ أَيْضًا لَا يَعْلَمُونَ، لِئَلَّا يُوَبِّخَهُمْ أَبُوهُمْ. فَارْتَعَبَ الْأَبْنَاءُ هُنَا بِخَوْفٍ كَانُوا قَدْ تَصَوَّرُوهُ مِنْ قَبْلُ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بِخَوْفٍ مُصْطَنَعٍ وَمُتَظَاهَرٍ بِهِ: أَمَّا يَعْقُوبُ فَقَدْ أَصَابَهُ خَوْفٌ جَدِيدٌ وَحَقِيقِيٌّ، إِذْ خَشِيَ أَنْ يُلْحَقَ بِشِمْعُونَ أَذًى بِسَبَبِ هَذَا الْمَالِ إِنْ لَمْ يَعُودُوا؛ أَوْ إِنْ عَادُوا، أَنْ يُلْحَقَ بِهِمْ أَنْفُسِهِمُ الْأَذَى مِنْ يُوسُفَ.
الْآيَةُ ٣٦: أَعْدَمْتُمُونِي الْأَوْلَادَ
هَذَا صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ، كَمَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ، لِأَنَّ الْمُتَوَجِّعِينَ يُطْلِقُونَ أَحْكَامًا عَامَّةً عَلَى أُمُورٍ يَسِيرَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَدَيْهِمْ شُرُورٌ قَلِيلَةٌ قَالُوا إِنَّ لَدَيْهِمْ كُلَّ الشُّرُورِ؛ وَإِنْ نَقَصَتْهُمْ خَيْرَاتٌ قَلِيلَةٌ قَالُوا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنْقُصُهُمْ: هَكَذَا يَعْقُوبُ، إِذْ أَحَسَّ بِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَبْنَاءٍ فَقَطْ سَيَغِيبُونَ عَنْهُ، قَالَ مِنْ شِدَّةِ حُزْنِهِ إِنَّ جَمِيعَهُمْ سَيَضِيعُونَ مِنْهُ، مَعَ أَنَّ تِسْعَةً آخَرِينَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ بَاقِينَ عِنْدَهُ. وَنَشَأَ هَذَا الْحُزْنُ مِنَ الْمَحَبَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَحَبَّ بِهَا يُوسُفَ الْمَفْقُودَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَبِنْيَامِينَ الَّذِي كَانَ سَيُؤْخَذُ.
الْآيَةُ ٣٧: اقْتُلِ ابْنَيَّ
عَرْضُ رَأُوبَيْنَ هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ وَمُضْطَرِبٌ وَمَلِيءٌ بِالِانْفِعَالِ: إِذْ لَا يَحِلُّ لِلْجَدِّ أَنْ يَقْتُلَ أَحْفَادَهُ، وَحَتَّى لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَمَا خَفَّفَ حُزْنَهُ بَلْ زَادَهُ. لَكِنَّ رَأُوبَيْنَ أَرَادَ بِهَذَا الْعَرْضِ الْمُرْتَبِكِ وَغَيْرِ الْمَعْقُولِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ سَيُعِيدُ بِنْيَامِينَ قَطْعًا وَيَقِينًا.
زَادُ الطَّرِيقِ
«إِذْ أَعْطَاهُمْ زَادًا لِلطَّرِيقِ» — أَيْ أَعْطَاهُمْ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْقَمْحِ، طَعَامًا لِلسَّفَرِ، أَيْ خُبْزًا وَأَطْعِمَةً أُخْرَى لِلرِّجَالِ وَالْحَمِيرِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، لِكَيْ يَحْمِلُوا الْقَمْحَ كَامِلًا وَسَلِيمًا إِلَى بَيْتِ أَبِيهِمْ فِي كَنْعَانَ.
الْآيَةُ ٣٨: تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْهَاوِيَةِ
أَيْ سَتَتَسَبَّبُونَ فِي أَنْ أَمُوتَ أَنَا الشَّيْخُ مِنَ الْغَمِّ وَالْحُزْنِ؛ بَلْ سَتُعَجِّلُونَ مَوْتَ شَيْخُوخَتِي. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ. وَكَانَ هَذَا الصَّلِيبُ الثَّامِنُ لِيَعْقُوبَ.