كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ ستِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(الرِّحْلَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى مِصْرَ)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَذْهَبُ الْإِخْوَةُ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مَعَ بِنْيَامِينَ إِلَى مِصْرَ لِشِرَاءِ الْحُبُوبِ؛ وَيَسْتَقْبِلُهُمْ يُوسُفُ، الْآيَةُ ٢٧، بِلُطْفٍ وَيُضِيفُهُمْ بِمَأْدُبَةٍ فَاخِرَةٍ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا
١. وَفِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ كَانَتِ الْمَجَاعَةُ تَضْغَطُ بِشِدَّةٍ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا. ٢. وَلَمَّا نَفِدَ الطَّعَامُ الَّذِي جَلَبُوهُ مِنْ مِصْرَ، قَالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ: «ارْجِعُوا وَاشْتَرُوا لَنَا قَلِيلًا مِنَ الطَّعَامِ.» ٣. فَأَجَابَ يَهُوذَا: «ذَلِكَ الرَّجُلُ أَعْلَنَ لَنَا تَحْتَ الْقَسَمِ قَائِلًا: لَنْ تَرَوْا وَجْهِي مَا لَمْ تُحْضِرُوا أَخَاكُمُ الْأَصْغَرَ مَعَكُمْ. ٤. فَإِنْ كُنْتَ رَاضِيًا بِإِرْسَالِهِ مَعَنَا، نَنْطَلِقُ مَعًا وَنَشْتَرِي لَكَ مَا يَلْزَمُ. ٥. وَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ رَاضٍ، فَلَنْ نَذْهَبَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ، كَمَا قُلْنَا مِرَارًا، أَعْلَنَ لَنَا قَائِلًا: لَنْ تَرَوْا وَجْهِي بِدُونِ أَخِيكُمُ الْأَصْغَرِ.» ٦. فَقَالَ لَهُمْ إِسْرَائِيلُ: «لَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذَا لِشَقَائِي، إِذْ أَخْبَرْتُمُوهُ أَنَّ لَكُمْ أَخًا آخَرَ.» ٧. فَأَجَابُوا: «سَأَلَنَا الرَّجُلُ بِالتَّرْتِيبِ عَنْ عَائِلَتِنَا: هَلْ أَبُونَا حَيٌّ، وَهَلْ لَنَا أَخٌ؛ فَأَجَبْنَاهُ بِحَسَبِ مَا سَأَلَ: أَكَانَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ سَيَقُولُ: أَحْضِرُوا أَخَاكُمْ مَعَكُمْ؟» ٨. وَقَالَ يَهُوذَا أَيْضًا لِأَبِيهِ: «أَرْسِلِ الْغُلَامَ مَعِي، لِنَنْطَلِقَ وَنَسْتَطِيعَ أَنْ نَحْيَا، لِئَلَّا نَمُوتَ نَحْنُ وَأَطْفَالُنَا. ٩. أَنَا أَتَكَفَّلُ بِالْغُلَامِ، مِنْ يَدِي اطْلُبْهُ: إِنْ لَمْ أَرُدَّهُ وَأُعِدْهُ إِلَيْكَ، أَكُونُ مُذْنِبًا إِلَيْكَ كُلَّ الْأَيَّامِ. ١٠. لَوْلَا هَذَا التَّأْخِيرُ لَكُنَّا قَدْ رَجَعْنَا مَرَّةً ثَانِيَةً.» ١١. فَقَالَ لَهُمْ إِسْرَائِيلُ أَبُوهُمْ: «إِنْ كَانَ لَا بُدَّ، فَافْعَلُوا مَا تَشَاءُونَ؛ خُذُوا مِنْ أَجْوَدِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ فِي أَوْعِيَتِكُمْ، وَاحْمِلُوا لِلرَّجُلِ هَدَايَا: قَلِيلًا مِنَ الْبَلَسَمِ، وَالْعَسَلِ، وَالْإِسْطَرَكِ، وَالسَّائِلِ الصَّافِي، وَالْبُطْمِ، وَاللَّوْزِ. ١٢. وَخُذُوا مَعَكُمْ ضِعْفَ الْفِضَّةِ، وَأَعِيدُوا مَا وَجَدْتُمُوهُ فِي أَكْيَاسِكُمْ، لَعَلَّهُ كَانَ سَهْوًا. ١٣. وَخُذُوا أَخَاكُمْ وَاذْهَبُوا إِلَى الرَّجُلِ. ١٤. وَلْيَجْعَلْهُ لَكُمْ إِلَهِيَ الْقَدِيرُ رَحِيمًا، وَلْيُرْسِلْ مَعَكُمْ أَخَاكُمُ الَّذِي يَحْتَجِزُهُ، وَهَذَا بِنْيَامِينَ. أَمَّا أَنَا فَسَأَكُونُ كَمَنْ ثَكِلَ أَوْلَادَهُ.» ١٥. فَأَخَذَ الرِّجَالُ الْهَدَايَا وَضِعْفَ الْفِضَّةِ وَبِنْيَامِينَ، وَنَزَلُوا إِلَى مِصْرَ، وَوَقَفُوا أَمَامَ يُوسُفَ. ١٦. فَلَمَّا رَآهُمْ وَبِنْيَامِينَ مَعَهُمْ، أَمَرَ وَكِيلَ بَيْتِهِ قَائِلًا: «أَدْخِلْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ إِلَى الْبَيْتِ، وَاذْبَحْ ذَبَائِحَ، وَأَعِدَّ مَأْدُبَةً؛ لِأَنَّهُمْ سَيَأْكُلُونَ مَعِي عِنْدَ الظَّهِيرَةِ.» ١٧. فَفَعَلَ كَمَا أُمِرَ، وَأَدْخَلَ الرِّجَالَ إِلَى الْبَيْتِ. ١٨. وَهُنَاكَ ارْتَعَبُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «بِسَبَبِ الْفِضَّةِ الَّتِي أَعَدْنَاهَا فِي أَكْيَاسِنَا مِنْ قَبْلُ أُدْخِلْنَا، لِيَدْحَرِجَ عَلَيْنَا تُهْمَةً بَاطِلَةً، وَيُخْضِعَنَا بِالْعُنْفِ لِلْعُبُودِيَّةِ نَحْنُ وَحَمِيرَنَا.» ١٩. فَلِذَلِكَ عِنْدَ الْبَابِ تَقَدَّمُوا إِلَى وَكِيلِ الْبَيْتِ ٢٠. وَتَكَلَّمُوا: «نَرْجُوكَ يَا سَيِّدُ أَنْ تَسْمَعَنَا. قَدْ نَزَلْنَا مِنْ قَبْلُ لِنَشْتَرِيَ طَعَامًا؛ ٢١. وَلَمَّا اشْتَرَيْنَاهُ وَوَصَلْنَا إِلَى الْمَنْزِلِ، فَتَحْنَا أَكْيَاسَنَا فَوَجَدْنَا الْفِضَّةَ فِي أَفْوَاهِ أَكْيَاسِنَا، وَقَدْ أَعَدْنَاهَا الْآنَ بِنَفْسِ الْوَزْنِ. ٢٢. وَأَحْضَرْنَا فِضَّةً أُخْرَى لِنَشْتَرِيَ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ: لَسْنَا نَعْلَمُ مَنْ وَضَعَهَا فِي أَكْيَاسِنَا.» ٢٣. فَأَجَابَ: «سَلَامٌ لَكُمْ، لَا تَخَافُوا. إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ أَبِيكُمْ أَعْطَاكُمْ كُنُوزًا فِي أَكْيَاسِكُمْ؛ أَمَّا الْفِضَّةُ الَّتِي دَفَعْتُمُوهَا لِي، فَهِيَ عِنْدِي مُخْتَبَرَةٌ وَجَيِّدَةٌ.» وَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ شِمْعُونَ. ٢٤. وَلَمَّا أَدْخَلَهُمْ إِلَى الْبَيْتِ أَحْضَرَ مَاءً فَغَسَلُوا أَرْجُلَهُمْ، وَأَعْطَى عَلَفًا لِحَمِيرِهِمْ. ٢٥. وَأَعَدُّوا الْهَدَايَا لِمَجِيءِ يُوسُفَ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُمْ سَيَأْكُلُونَ خُبْزًا هُنَاكَ. ٢٦. فَدَخَلَ يُوسُفُ إِلَى بَيْتِهِ، فَقَدَّمُوا لَهُ الْهَدَايَا مُمْسِكِينَ بِهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَسَجَدُوا إِلَى الْأَرْضِ. ٢٧. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِلُطْفٍ وَسَأَلَهُمْ قَائِلًا: «أَسَالِمٌ أَبُوكُمُ الشَّيْخُ الَّذِي حَدَّثْتُمُونِي عَنْهُ؟ أَلَا يَزَالُ حَيًّا؟» ٢٨. فَأَجَابُوا: «عَبْدُكَ أَبُونَا سَالِمٌ، لَا يَزَالُ حَيًّا.» وَانْحَنَوْا وَسَجَدُوا لَهُ. ٢٩. وَرَفَعَ يُوسُفُ عَيْنَيْهِ فَرَأَى بِنْيَامِينَ أَخَاهُ مِنْ أُمِّهِ، وَقَالَ: «أَهَذَا أَخُوكُمُ الصَّغِيرُ الَّذِي حَدَّثْتُمُونِي عَنْهُ؟» ثُمَّ قَالَ: «لِيَرْحَمْكَ اللهُ يَا بُنَيَّ.» ٣٠. وَأَسْرَعَ، لِأَنَّ أَحْشَاءَهُ تَحَرَّكَتْ حُنُوًّا عَلَى أَخِيهِ، وَانْدَفَعَتِ الدُّمُوعُ، فَدَخَلَ إِلَى مُخْدَعِهِ وَبَكَى. ٣١. ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَخَرَجَ وَتَمَالَكَ نَفْسَهُ وَقَالَ: «قَدِّمُوا الطَّعَامَ.» ٣٢. وَلَمَّا قُدِّمَ، جَلَسَ يُوسُفُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْإِخْوَةُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْمِصْرِيُّونَ الَّذِينَ أَكَلُوا مَعَهُمْ عَلَى حِدَةٍ أَيْضًا (لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَيَعُدُّونَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَأْدُبَةِ نَجِسَةً)، ٣٣. فَجَلَسُوا أَمَامَهُ: الْبِكْرُ بِحَسَبِ بُكُورِيَّتِهِ، وَالْأَصْغَرُ بِحَسَبِ سِنِّهِ. وَتَعَجَّبُوا جِدًّا. ٣٤. وَأَخَذُوا الْأَنْصِبَةَ الَّتِي تَلَقَّوْهَا مِنْهُ، فَكَانَ نَصِيبُ بِنْيَامِينَ الْأَكْبَرَ بِحَيْثُ فَاقَ بِخَمْسَةِ أَضْعَافٍ. وَشَرِبُوا وَسَكِرُوا مَعَهُ.
الْآيَةُ ٢
«قَلِيلًا مِنَ الطَّعَامِ» — أَيْ مَا يَكْفِي لِسَدِّ جُوعِنَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. لَمْ يَكُنْ يَعْقُوبُ يَعْلَمُ بَعْدُ أَنَّ خَمْسَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْجَدْبِ وَالْمَجَاعَةِ لَا تَزَالُ بَاقِيَةً؛ لِأَنَّ يَعْقُوبَ قَالَ وَفَعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْجَدْبِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ، الْآيَةِ ٩.
الْآيَةُ ٣
يَهُوذَا، الَّذِي كَانَ يَتَفَوَّقُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ فِي الْهِمَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالسُّلْطَةِ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ.
«تَحْتَ الْقَسَمِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «مُشْهِدًا أَشْهَدَ عَلَيْنَا»، أَيْ أَعْلَنَ لَنَا بِالْقَسَمِ قَائِلًا: «بِحَيَاةِ فِرْعَوْنَ.»
«لَنْ تَرَوْا وَجْهِي» — أَيْ لَنْ أَسْمَحَ لَكُمْ بِالتَّعَامُلِ مَعِي أَوْ بِشِرَاءِ أَيِّ شَيْءٍ فِي كُلِّ مِصْرَ؛ سَأُعَاقِبُكُمْ بِاعْتِبَارِكُمْ جَوَاسِيسَ. هَكَذَا قَالَ أَبُولِنْسِيسُ.
الْآيَةُ ٦
«لَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذَا لِشَقَائِي» — لَا عَنْ قَصْدٍ، وَلَكِنْ بِإِعْطَاءِ الْفُرْصَةِ بِكَلَامِكُمْ لِهَذَا الشَّقَاءِ الَّذِي أُحْرَمُ بِهِ مِنْ بِنْيَامِينِي. اُنْظُرِ الْقَانُونَ ٢٠.
الْآيَةُ ٧
«سَأَلَنَا الرَّجُلُ، إِلَى آخِرِهِ، هَلْ لَنَا أَخٌ.» يَنْقُلُ يَهُوذَا بِصِدْقٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١٩، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ بِعَيْنِهَا مَسْكُوتًا عَنْهَا فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ، الْآيَةِ ١٣: فَهُنَاكَ يُرْوَى الْأَمْرُ بِإِيجَازٍ فَقَطْ، أَمَّا هُنَا وَفِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي فَيَسْرُدُ الْإِخْوَةُ الْأَمْرَ بِرُمَّتِهِ وَتَرْتِيبَ الْأَحْدَاثِ بِأَدَقَّ وَأَطْوَلَ.
الْآيَةُ ٨
«الْغُلَامَ» — أَيِ الْأَخَ الْأَصْغَرَ؛ وَإِلَّا فَإِنَّ عُمْرَ بِنْيَامِينَ كَانَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ أَنْجَبَ بَنِينَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ السَّادِسِ وَالْأَرْبَعِينَ، الْآيَةِ ٢١. لِأَنَّ بِنْيَامِينَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِ يُوسُفَ، حِينَ بِيعَ إِلَى مِصْرَ؛ وَهَذِهِ الْأَحْدَاثُ وَقَعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْجَدْبِ، حِينَ كَانَ يُوسُفُ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا سَبَقَ وَمِنَ الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ، الْآيَةِ ٩؛ وَالْآنَ أَحْصِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ لِيُوسُفَ إِلَى التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ، تَجِدْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِعُمْرِ بِنْيَامِينَ.
وَكَانَ إِسْحَاقُ فِي نَحْوِ الْعُمْرِ نَفْسِهِ، أَيْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، حِينَ أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِتَقْدِيمِهِ ذَبِيحَةً؛ وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ هُنَا يُضْطَرُّ فِي الْعُمْرِ ذَاتِهِ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ بِنْيَامِينِهِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى يَدَيِ اللهِ.
«لِئَلَّا نَمُوتَ.» كَأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّحْمَةُ الَّتِي نُبْدِيهَا لِلْغُلَامِ سَتَكُونُ سَبَبَ الْمَوْتِ لَنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّنَا سَنَهْلِكُ مِنَ الْجُوعِ إِنْ لَمْ تُرْسِلْهُ مَعَنَا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٦٤.
الْآيَةُ ٩
«أَكُونُ مُذْنِبًا إِلَيْكَ كُلَّ الْأَيَّامِ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَا دُمْتُ حَيًّا عَيِّرْنِي بِهَذَا الذَّنْبِ، وَأَنْزِلْ بِي أَيَّ عِقَابٍ تَشَاءُ.
الْآيَةُ ١٠
«لَوْلَا هَذَا التَّأْخِيرُ» — لَوْلَا هَذَا التَّأَخُّرُ الَّذِي فُرِضَ، حِينَ حَبَسْتَنَا رَافِضًا أَنْ تُعْطِيَنَا رِفْقَةَ بِنْيَامِينَ.
الْآيَةُ ١١
«خُذُوا مِنْ أَجْوَدِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «خُذُوا مِنْ نَشِيدِ الْأَرْضِ.» فَالنَّشِيدُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى الشَّيْءِ الْمُمْتَازِ، النَّبِيلِ، الْمَحْمُودِ، الْجَدِيرِ بِالتَّمْجِيدِ.
«الْبَلَسَمَ» — أَيِ التِّرْيَاقَ، كَمَا يَقُولُ الْيَهُودُ؛ وَلَكِنْ خَطَأً: فَالْبَلَسَمُ عُصَارَةٌ تَسِيلُ مِنْ شَجَرَةٍ. وَثَمَّةَ أَشْجَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُنْتِجُ الْبَلَسَمَ. فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَسُورِيَا يُنْتِجُ الْبَلَسَمَ الشَّجَرَةُ الْمُسَمَّاةُ فِيرُولَا، الَّتِي تُسَمَّى عُصَارَتُهَا أَوْ صَمْغُهَا الْمَيْعَةَ، كَمَا يَقُولُ دِيُوسْقُورِيدِسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْفَصْلِ الْحَادِي وَالثَّمَانِينَ، وَمِنْ بَعْدِهِ أَبُولِنْسِيسُ. اُنْظُرْ أَيْضًا بِلِينِيُوسَ، الْكِتَابَ الثَّانِيَ عَشَرَ، الْفَصْلَ السَّادِسَ وَالْعِشْرِينَ، فِي آخِرِهِ؛ وَيُؤَيِّدُهُ يُوسِيفُوسُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي نَصِّهِ أَنْ يُقْرَأَ «غَالْبَانُونْ» (صَمْغُ الْمَيْعَةِ) بَدَلًا مِنْ «بَالَانُونْ» (الْبَلُّوطُ).
«الْإِسْطَرَكُ.» الْإِسْطَرَكُ هُوَ الصَّمْغُ الرَّاتِينْجِيُّ لِشَجَرَةِ الْإِسْطَرَكِ، وَعَنْهَا اُنْظُرْ دِيُوسْقُورِيدِسَ، الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، الْفَصْلَ الثَّامِنَ وَالسَّبْعِينَ، وَبِلِينِيُوسَ، الْكِتَابَ الثَّانِيَ عَشَرَ، الْفَصْلَ الْخَامِسَ وَالْعِشْرِينَ؛ وَمِنْهُ يُصْنَعُ دُهْنُ الْإِسْطَرَكِ الَّذِي يُضْفِي عَلَى الشَّعْرِ لَا رَائِحَةً طَيِّبَةً فَحَسْبُ، بَلْ لَوْنًا ذَهَبِيًّا أَيْضًا.
«السَّائِلُ الصَّافِي.» السَّائِلُ الصَّافِي هُوَ رَاتِينْجُ الْمُرِّ، أَيْ أَنْقَى سَائِلِ الْمُرِّ وَأَصْفَاهُ.
«الْبُطْمُ.» الْبُطْمُ هُنَا هُوَ الرَّاتِينْجُ أَوِ الْعُصَارَةُ الَّتِي تَقْطُرُ مِنْ شَجَرَةِ الْبُطْمِ: وَيُسَمَّى عُمُومًا زَيْتَ التِّرْبِنْتِينَا.
الْآيَةُ ١٤
«سَأَكُونُ كَمَنْ ثَكِلَ أَوْلَادَهُ»؛ فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ، مَا دُمْتُمْ جَمِيعًا غَائِبِينَ، سَأَبْدُو لِنَفْسِي مَثْكُولًا؛ وَلَعَلِّي أُثْكَلُ فِعْلًا بِبَعْضِكُمْ، أَوْ حَتَّى بِكُمْ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ.
لِيَتَعَلَّمِ الْآبَاءُ هُنَا أَنْ لَا يَضَعُوا آمَالَهُمْ وَأَفْرَاحَهُمْ فِي أَبْنَائِهِمْ. هَا هُوَ يَعْقُوبُ فِي شَيْخُوخَتِهِ، حِينَ كَانَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِأَوْلَادِهِ، يُثْكَلُ بِهِمْ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، حِينَ يَكْبُرُ الْأَبْنَاءُ، كَثِيرًا مَا تَنْمُو رُذَائِلُهُمْ مَعَ السِّنِّ، وَمَعَهَا هُمُومُ آبَائِهِمْ. وَلْيَتَعَلَّمِ الْمُؤْمِنُونَ، ثَانِيًا، أَنْ لَا يَتَّكِئُوا عَلَى شَيْءٍ أَرْضِيٍّ، بَلْ يَعْتَمِدُوا كُلِّيًّا عَلَى اللهِ. هَا هُوَ كُلُّ مَا أَحَبَّهُ يَعْقُوبُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ — أَيْ رَاحِيلُ وَيُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ — لِكَيْ يَسْتَرِدَّ حُبَّهُ مِنْهُمْ وَيَنْقُلَهُ إِلَى اللهِ. وَلْيَتَعَلَّمُوا، ثَالِثًا، أَنْ لَا يَنْكَسِرُوا بِالشَّدَائِدِ، لِأَنَّ السَّعَادَةَ تَكُونُ أَقْرَبَ مَا تَكُونُ حِينَ يَبْدُونَ أَشَدَّ بُؤْسًا. فَهَكَذَا يَعْقُوبُ، الْمُبْتَلَى هُنَا، يُنْقَذُ قَرِيبًا مِنْ جَمِيعِ مِحَنِهِ.
فَحِينَ تَبْدُو مَتْرُوكًا وَضَائِعًا، تَشَجَّعْ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَظَّ السَّعِيدَ يَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ وَيَنْتَظِرُكَ. فَهَا إِنَّ الرَّبَّ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مِنَ الْعَلَاءِ، يُرَاقِبُ الْمُجَاهِدِينَ وَيُقَوِّيهِمْ، وَيُرَتِّبُ الْمُكَافَآتِ وَيُعِدُّهَا، كَمَا قَالَ هُوَ نَفْسُهُ لِلْقِدِّيسِ أَنْطُونِيُوسَ حِينَ كَانَ يُعَذَّبُ عَذَابًا عَجِيبًا مِنَ الشَّيَاطِينِ.
الْآيَةُ ١٩
«اذْبَحْ ذَبَائِحَ وَأَعِدَّ وَلِيمَةً.» تُسَمَّى «الضَّحَايَا» هُنَا وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى حَيَوَانَاتٍ — أَيْ أَغْنَامًا وَعُجُولًا وَدُيُوكًا وَأَسْمَاكًا — ذُبِحَتْ لَا لِلتَّقْدِيمِ بَلْ لِلْوَلِيمَةِ؛ إِذْ فِي الْعِبْرِيَّةِ «طِبُوحْ طِبَاحْ»، أَيْ «اذْبَحْ ذَبِيحَةً»، يَعْنِي اذْبَحْ حَيَوَانَاتٍ تُذْبَحُ لِلْمَأْدُبَةِ. أَضِفْ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تُسَمَّى أَيْضًا ضَحَايَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّبِيحَةِ ذَاتِهَا؛ فَإِنَّ الْقُدَمَاءَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ الذَّبَائِحَ أَثْنَاءَ وَلَائِمِهِمْ. وَهَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِ مِنَ الْإِصْحَاحِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ، حَيْثُ فِي عَشَائِهِمِ الْأَخِيرِ الَّذِي أَقَامُوهُ فِي مِصْرَ، ذَبَحُوا وَأَكَلُوا حَمَلَ الْفِصْحِ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْمَسِيحُ فِي عَشَائِهِ الْأَخِيرِ، الَّذِي كَانَتْ مَأْدُبَتُهُ الْمُقَدَّسَةُ وَلِيمَةً وَذَبِيحَةً مَعًا — أَيِ الْإِفْخَارِسْتِيَّا.
وَالْأَمْرُ ذَاتُهُ وَاضِحٌ بِشَأْنِ الْأُمَمِ مِنْ أَثِينَاوُسَ وَمَاكْرُوبْيُوسَ وَفِيرْجِيلِيُوسَ وَهُومِيرُوسَ. فَقَدْ كَانَتِ الذَّبَائِحُ بِمَثَابَةِ وَلَائِمَ مُقَدَّسَةٍ يَأْكُلُ فِيهَا اللهُ مَعَ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ تُسَمَّى ضَحَايَا.
الْآيَةُ ٢٣
«سَلَامٌ لَكُمْ» — لَا تَخَافُوا؛ أَنَا آمُرُكُمْ أَنْ تَطْمَئِنُّوا.
«اللهُ أَعْطَاكُمْ» — بِوَاسِطَتِي؛ فَإِنَّ يُوسُفَ أَمَرَ بِذَلِكَ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ.
«كُنُوزًا» — أَيِ الْمَالَ الْمُخَبَّأَ سِرًّا مِنِّي فِي أَكْيَاسِكُمْ؛ فَهَذَا يُسَمَّى فِي الْعِبْرِيَّةِ «مَطْمُون»، وَفِي الْكَلْدَانِيَّةِ «مَامُون» وَ«مَامُونَا»، مِنْ جَذْرِ «طَمَنْ»، أَيْ «أَخْفَى، خَبَّأَ».
«الْمَالُ الَّذِي أَعْطَيْتُمُونِي إِيَّاهُ» — ثَمَنًا لِلْحِنْطَةِ الَّتِي اشْتَرَيْتُمُوهَا مِنِّي.
«هُوَ عِنْدِي مُخْتَبَرٌ وَجَيِّدٌ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «مَالُكُمْ جَاءَنِي»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَعْتَرِفُ بِأَنَّنِي اسْتَلَمْتُهُ، وَمَعَ أَنَّنِي أَعَدْتُهُ إِلَيْكُمْ سِرًّا، فَإِنَّنِي لَا أَزَالُ أَعْتَبِرُهُ وَأَحْسِبُهُ مُسْتَلَمًا، وَأُقَدِّرُهُ كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدِي.
لِيَتَعَلَّمِ الْحُكَّامُ وَالْأُمَرَاءُ هُنَا كَيْفَ أَنَّ الْمَنَاصِبَ فِي يُوسُفَ لَمْ تُغَيِّرْ أَخْلَاقَهُ، بَلْ فِي قِمَّةِ السُّلْطَةِ احْتَفَظَ بِلَطَافَتِهِ السَّابِقَةِ مَعَ الْوَقَارِ. وَلْيَتَعَلَّمْ كُلُّ إِنْسَانٍ أَنَّ يُوسُفَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ نَثَرَ بُذُورَ الْفَضِيلَةِ: فَقَدْ كَانَ بَرِيئًا فِي بَيْتِ أَبِيهِ، صَبُورًا فِي الشَّدَائِدِ، أَمِينًا فِي الْخِدْمَةِ، عَفِيفًا فِي التَّجْرِبَةِ، حَكِيمًا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ، حَصِيفًا فِي التَّدْبِيرِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، عَادِلًا فِي تَأْدِيبِ إِخْوَتِهِ، وَالْآنَ تَقِيًّا فِي اسْتِقْبَالِهِمْ.
هَكَذَا فِيلِّيغِيسُ، كَمَا يَشْهَدُ نَاوْكْلِيرُوسْ وَتْسِيغْلِرْ وَغَيْرُهُمْ، وُلِدَ ابْنًا لِصَانِعِ عَرَبَاتٍ، وَتَبَنَّاهُ أُوتُو الثَّالِثُ فَجْأَةً كَأَوَّلِ نَاخِبٍ بَيْنَ النَّاخِبِينَ، فَلِكَيْ لَا يَتَكَبَّرَ، كَانَ يُذَكِّرُ نَفْسَهُ مِرَارًا: «اُنْظُرْ مَنْ أَنْتَ؛ تَذَكَّرْ مَنْ كُنْتَ.» وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِرَسْمِ عَجَلَاتٍ فِي مَكْتَبِهِ، وَكُتِبَ تَحْتَهَا: «يَا فِيلِّيغِيسُ، تَذَكَّرْ حَظَّكَ السَّابِقَ، وَتَأَمَّلْ مَنْ أَنْتَ الْآنَ.» وَصَارَتْ هَذِهِ الْعَجَلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ شِعَارَ أَبْرَشِيَّةِ مَايِنْتْسَ، وَأَكَّدَهَا الْإِمْبِرَاطُورُ هِنْرِيخُ الثَّانِي.
بِنِدِكْتُسُ الْحَادِيَ عَشَرَ، رُفِعَ مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْبَابَوِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى أُمَّهُ قَادِمَةً إِلَيْهِ وَقَدْ زَيَّنَتْهَا السَّيِّدَاتُ الرُّومَانِيَّاتُ بِثِيَابٍ أَفْخَرَ، تَظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهَا، وَلَمَّا أُخْبِرَ بِحُضُورِ أُمِّهِ قَالَ: «أَأُصَدِّقُ أَنَّ أُمِّي تَلْبَسُ مِثْلَ هَذَا اللِّبَاسِ الْفَاخِرِ؟ لَا أَعْرِفُهَا؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ أُمِّي فَقِيرَةٌ وَوَضِيعَةٌ.» فَخَلَعَتِ الثِّيَابَ الْحَرِيرِيَّةَ وَلَبِسَتْ ثِيَابَهَا الْبَالِيَةَ؛ فَعِنْدَهَا احْتَضَنَهَا الْحَبْرُ الْأَعْظَمُ: «بِهَذَا الزِّيِّ»، قَالَ، «تَرَكْتُ أُمِّي، وَهَكَذَا أَعْرِفُهَا بِسُرُورٍ وَأَسْتَقْبِلُهَا.»
الْمَلِكُ فْرَنْسِيسُ، أَسِيرُ شَارْلَ الْخَامِسِ، كَتَبَ عَلَى الْجِدَارِ: «الْيَوْمَ لِي، وَغَدًا لَكَ.» فَكَتَبَ شَارْلُ تَحْتَهَا: «أَنَا إِنْسَانٌ، وَلَا أَعُدُّ شَيْئًا إِنْسَانِيًّا غَرِيبًا عَنِّي.»
غِلِيمَرُ، مَلِكُ الْوَنْدَالِ، أُسِرَ وَقَادَهُ يُوسْتِينْيَانُوسُ فِي مَوْكِبِ نَصْرِهِ، فَضَحِكَ وَقَالَ: «أَضْحَكُ مِنْ تَقَلُّبَاتِ الْحَظِّ، إِذْ كُنْتُ مَلِكًا مُنْذُ قَلِيلٍ وَأَنَا الْآنَ أَخْدِمُ.»
الْآيَةُ ٢٤
«غَسَلُوا أَرْجُلَهُمْ.» مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ الضُّيُوفَ قَدِيمًا كَانَتْ أَرْجُلُهُمْ تُغْسَلُ قَبْلَ الطَّعَامِ — فِي الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ وَلِيمَةَ يُوسُفَ هَذِهِ كَانَتْ غَدَاءً لَا عَشَاءً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ التَّالِيَةِ. وَكَذَلِكَ غُسِلَتْ أَقْدَامُ خَادِمِ إِبْرَاهِيمَ ضَيْفًا فِي بَيْتِ بَتُوئِيلَ، أَعْلَاهُ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، الْآيَةِ ٣٢.
الْآيَةُ ٢٩
«رَأَى بِنْيَامِينَ.» كَانَ قَدْ رَآهُ مِنْ قَبْلُ، لَكِنْ عَرَضًا وَمُتَظَاهِرًا بِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ؛ أَمَّا الْآنَ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ قَصْدًا وَيُخَاطِبُهُ. وَلِذَلِكَ انْتَزَعَتْ مِنْهُ هَذِهِ النَّظْرَةُ دُمُوعَ الْحُبِّ الرَّقِيقِ وَالْحَنَانِ.
الْآيَةُ ٣٠
«وَأَسْرَعَ» — كَأَنَّمَا دُعِيَ إِلَى شُغْلٍ آخَرَ.
الْآيَةُ ٣٢
«لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمِصْرِيِّينَ أَنْ يَأْكُلُوا مَعَ الْعِبْرَانِيِّينَ.» أَوَّلًا، لِأَنَّ الْمِصْرِيِّينَ، جُزْئِيًّا بِدَافِعِ الْكِبْرِيَاءِ وَجُزْئِيًّا بِدَافِعِ الْخُرَافَةِ، كَانُوا يَنْفِرُونَ مِنَ الرُّعَاةِ وَأَصْحَابِ الْمَوَاشِي، وَكَذَلِكَ كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ. ثَانِيًا، لِأَنَّ الْغَنَمَ وَالْعُجُولَ وَالثِّيرَانَ الَّتِي كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ يَتَغَذَّوْنَ عَلَيْهَا كَانَتْ آلِهَةً لِلْمِصْرِيِّينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُبَاحِ لَهُمْ ذَبْحُهَا أَوْ أَكْلُهَا، سِفْرُ الْخُرُوجِ الثَّامِنُ، الْآيَةُ ٢٦؛ لَيْسَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ قُدِّمَتْ فِي هَذِهِ الْوَلِيمَةِ، بَلْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ اعْتَادُوا أَكْلَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
الْآيَةُ ٣٣
«جَلَسُوا.» مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ عَادَةَ الْجُلُوسِ عَلَى الْمَائِدَةِ هِيَ الْأَقْدَمُ؛ إِذْ إِنَّ عَادَةَ الِاتِّكَاءِ أَوِ الِاسْتِلْقَاءِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ بَدَأَتْ فِي زَمَنٍ مُتَأَخِّرٍ جِدًّا.
«الْبِكْرُ بِحَسَبِ بُكُورِيَّتِهِ» — أَيْ إِنَّ الْبِكْرَ، وَهُوَ رَأُوبَيْنُ، جَلَسَ فِي الْمَكَانِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي فِي الْوِلَادَةِ، وَهُوَ شِمْعُونُ، جَلَسَ فِي الْمَكَانِ الثَّانِي؛ وَالثَّالِثُ فِي الثَّالِثِ؛ وَالْأَصْغَرُ، وَهُوَ بِنْيَامِينُ، جَلَسَ أَخِيرًا. وَيَبْدُو أَنَّ يُوسُفَ نَفْسَهُ هُوَ مَنْ عَيَّنَ هَذَا التَّرْتِيبَ لِكُلِّ أَخٍ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَمَرَ وَكِيلَهُ أَنْ يَسْتَدْعِيَهُمْ وَيُجْلِسَهُمْ عَلَى الْمَائِدَةِ بِهَذَا التَّرْتِيبِ؛ وَلِذَلِكَ تَعَجَّبُوا كَيْفَ عَرَفَ أَعْمَارَهُمْ وَتَرْتِيبَهُمْ.
«وَتَعَجَّبُوا جِدًّا» — بِسَبَبِ التَّرْتِيبِ الْمُنَاسِبِ الَّذِي عُيِّنَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ عَلَى الْمَائِدَةِ بِحَسَبِ أَعْمَارِهِمْ، وَبِسَبَبِ لُطْفِ يُوسُفَ الَّذِي مِنْ طَبَقِهِ الْخَاصِّ أَرْسَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ وَهَدِيَّتَهُ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ أَنَّ بِنْيَامِينَ الْأَصْغَرَ نَالَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِينَ؛ كَمَا يَلِي.
الْآيَةُ ٣٤
«أَخَذُوا الْأَنْصِبَةَ الَّتِي نَالُوهَا مِنْهُ.» الْكَلِمَاتُ الْعِبْرِيَّةُ تَدُلُّ بِوُضُوحٍ أَكْثَرَ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ أَرْسَلَ مِنْ مَائِدَتِهِ الْخَاصَّةِ نَصِيبًا مِنْ أَطْبَاقِهِ، تَكْرِيمًا، إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ الْجَالِسِينَ عَلَى الْمَائِدَةِ الْأُخْرَى.
«بِحَيْثُ زَادَتْ بِخَمْسَةِ أَنْصِبَةٍ.» يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ يُوسُفَ أَرْسَلَ خَمْسَةَ أَطْبَاقٍ إِضَافِيَّةٍ إِلَى بِنْيَامِينَ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِينَ؛ مَعَ أَنَّ يُوسِيفُوسَ وَأَبُولِنْسِيسَ يَظُنَّانِ أَنَّ يُوسُفَ أَرْسَلَ خَمْسَةَ أَطْبَاقٍ لِكُلِّ أَخٍ، وَلَكِنْ بِحَيْثُ أَنَّ بِنْيَامِينَ نَالَ نَصِيبًا مُضَاعَفًا مِنْ كُلِّ طَبَقٍ. وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّ نَصِيبًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ أُعْطِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ نَصِيبَ بِنْيَامِينَ كَانَ أَكْبَرَ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
لَكِنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ أَكْثَرُ تَوَافُقًا مَعَ النَّصِّ الْعِبْرِيِّ. أَرَادَ يُوسُفُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنْ يُكَرِّمَ بِنْيَامِينَ فَوْقَ الْآخَرِينَ بِاعْتِبَارِهِ أَخَاهُ مِنَ الْأُمِّ ذَاتِهَا: وَقَدْ أَعْطَى سَبَبًا رَمْزِيًّا لِذَلِكَ إِسْكَنْدَرُ بُولِيهِسْتُورُ عِنْدَ أُوسَابْيُوسَ، الْكِتَابُ التَّاسِعُ، الْإِصْحَاحُ الْأَخِيرُ: لِأَنَّ لَيْئَةَ وَلَدَتْ سَبْعَةَ أَوْلَادٍ، وَرَاحِيلُ اثْنَيْنِ فَقَطْ؛ فَلِكَيْ لَا تَبْدُوَ رَاحِيلُ أَدْنَى مِنْ لَيْئَةَ، أَضَافَ يُوسُفُ هُنَا فِي ابْنِهَا بِنْيَامِينَ خَمْسَةَ أَنْصِبَةٍ لَهُ، لِيُسَاوِيَهَا بِذَلِكَ بِلَيْئَةَ. فَكَمَا أَنَّ لَيْئَةَ فَاقَتْ رَاحِيلَ بِخَمْسَةِ أَبْنَاءٍ، كَذَلِكَ بِنْيَامِينُ، وَبِالتَّالِي رَاحِيلُ، فَاقَ إِخْوَتَهُ وَأُمَّهُمْ لَيْئَةَ بِخَمْسَةِ أَنْصِبَةٍ أَوْ أَطْبَاقٍ عَلَى مَائِدَةِ يُوسُفَ هَذِهِ.
بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، بِنْيَامِينُ هُوَ الْقِدِّيسُ بُولُسُ الَّذِي انْحَدَرَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، وَالَّذِي مَنَحَهُ اللهُ فَوْقَ سَائِرِ الرُّسُلِ حِكْمَةً وَنِعْمَةً وَفَصَاحَةً وَفَاعِلِيَّةً وَغَيْرَةً. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَبْرُوسْبِرُ. «يُقَادُ بِنْيَامِينُ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ «عَنْ يُوسُفَ»، الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ، «وَيَأْتِي مَصْحُوبًا بِالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ، حَامِلًا مَعَهُ الْبَلَسَمَ، إِلَى آخِرِهِ. فَإِنَّ وَعْظَ بُولُسَ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُزِيلَ الشُّعُورَ الْفَاسِدَ وَيُصَرِّفَ الْخَلْطَ الْمُنْتِنَ بِحِدَّةِ جِدَالِهِ، مُفَضِّلًا أَنْ يَكْوِيَ أَحْشَاءَ الْعَقْلِ الْمَرِيضَةَ عَلَى أَنْ يَقْطَعَهَا. وَقَدْ عَلَّمَنَا دَاوُدُ أَنَّ بَخُورَ الصَّلَاةِ، وَالسَّلِيخَةَ وَقَطَرَاتِ الْمُرِّ هِيَ رُمُوزُ الدَّفْنِ، إِذْ قَالَ: ‹الْمُرُّ وَالْقَطَرَاتُ وَالسَّلِيخَةُ مِنْ ثِيَابِكَ.› فَإِنَّ بُولُسَ جَاءَ لِيَكْرِزَ بِصَلِيبِ الرَّبِّ.» وَفِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ: «وَلِذَلِكَ فِي الْوَلِيمَةِ جُعِلَ نَصِيبُهُ خَمْسَةَ أَضْعَافٍ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْآخَرِينَ لَا فِي حَصَافَةِ الْعَقْلِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا فِي جِهَادِ الْجَسَدِ وَنِعْمَةِ الْعَفَافِ.»
«وَسَكِرُوا» — أَيْ شَبِعُوا؛ فَرِحُوا، وَاحْتَدَّتْ أَجْسَادُهُمْ بِالْخَمْرِ، لَكِنْ دُونَ إِفْرَاطٍ أَوْ سُكْرٍ؛ فَإِنَّ يُوسُفَ الْمُعْتَدِلَ الْقِدِّيسَ لَمْ يَكُنْ لِيَسْمَحَ بِذَلِكَ عَلَى مَائِدَتِهِ؛ وَلَا بِهَذَا يُخْلَقُ الْبَشَرُ، بَلْ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، يُغْرِقُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي طُوفَانٍ. اسْمَعْ بْلِينِيُوسَ، الْكِتَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ، الْإِصْحَاحُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: مِنَ الْخَمْرِ، يَقُولُ، وَمِنَ السُّكْرِ يَنْشَأُ الشُّحُوبُ وَالْخُدُودُ الْمُتَدَلِّيَةُ وَقُرُوحُ الْعُيُونِ وَارْتِعَاشُ الْأَيْدِي وَتَرَنُّحُ الْأَقْدَامِ وَالْأَحْلَامُ الْجُنُونِيَّةُ وَالْلَيَالِي الْمُضْطَرِبَةُ، وَالْجَائِزَةُ الْعُظْمَى لِلسُّكْرِ — الشَّهْوَةُ الْوَحْشِيَّةُ وَالرَّذِيلَةُ الْمُسْتَلِذَّةُ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنَ الْفَمِ، وَنِسْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، وَمَوْتُ الذَّاكِرَةِ وَالْحَصَافَةِ وَالْعَقْلِ. أَضِفْ خَسَائِرَ الْوَقْتِ وَالْمَالِ وَالضَّمِيرِ، الَّتِي تَحَدَّثْتُ عَنْهَا فِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي نِهَايَتِهِ.
أَلْفُونْسُو، مَلِكُ أَرَاغُونَ، حِينَ سُئِلَ لِمَاذَا يَمْقُتُ السُّكْرَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، أَجَابَ بِجَلَاءٍ: «لِأَنَّنِي أَعْلَمُ أَنَّ الْغَضَبَ وَالشَّهْوَةَ هُمَا ابْنَتَاهُ. أَعْلَمُ كَمْ أَضَرَّ السُّكْرُ بِمَجْدِ الْإِسْكَنْدَرِ الْأَكْبَرِ.»
إِذَنْ هَذَا «السُّكْرُ» كَانَ شُرْبًا سَعِيدًا وَأَكْثَرَ سَخَاءً لِلْخَمْرِ، لَمْ يُغْرِقِ الْعَقْلَ بَلْ أَفْرَحَهُ: هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَفِيلُونُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْيُونَانِيَّةَ «مِثْيَيْنْ»، أَيِ «السُّكْرُ»، تُقَالُ كَأَنَّهَا مِنْ «مِتَا تُو ثْيَيْنْ» (بَعْدَ الذَّبِيحَةِ)، لِأَنَّ الْقُدَمَاءَ بَعْدَ الشَّعَائِرِ الْمُقَدَّسَةِ كَانُوا يَنْعَمُونَ بِالْكُؤُوسِ بِسُرُورٍ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى مِنْ «أَبُو تِيسْ مِثِيسِيُوسْ»، أَيْ مِنِ اسْتِرْخَاءِ وَرَاحَةِ النَّفْسِ، حَتَّى نَفْسِ الْحَكِيمِ، الَّذِي يَحْدُثُ بِعُذُوبَةِ وَبَهْجَةِ الْخَمْرِ الْمَشْرُوبِ بِسَخَاءٍ أَكْثَرَ بِقَلِيلٍ. هَكَذَا أُوسْتَاثِيُوسُ عَنْ أَثِينَاوُسَ.
قَالَ أَنَاخَرْسِيسُ بِصَوَابٍ إِنَّ فِي الْكَرْمَةِ ثَلَاثَةَ عَنَاقِيدَ وَثَلَاثَةَ كُؤُوسٍ. الْكَأْسُ الْأُولَى، قَالَ، تُشْرَبُ لِلصِّحَّةِ؛ وَالثَّانِيَةُ لِلَّذَّةِ؛ وَالثَّالِثَةُ لِلسُّكْرِ وَالْأَذَى وَالْجُنُونِ. اِزْدَرِ الْمَلَذَّاتِ؛ فَإِنَّ اللَّذَّةَ الْمُشْتَرَاةَ بِالْأَلَمِ مُؤْذِيَةٌ؛ انْتَظِرِ الْمَسَرَّاتِ الْأَبَدِيَّةَ؛ تَأَمَّلْ فِي هَذَا: «فَرِحْتُ بِمَا قِيلَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ.»