كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(كَأْسُ الْفِضَّةِ فِي عِدْلِ بِنْيَامِينَ)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَأْمُرُ يُوسُفُ بِأَنْ تُوضَعَ كَأْسُهُ سِرًّا فِي عِدْلِ بِنْيَامِينَ. وَمِنْ ثَمَّ يَدَّعِي أَنَّ بِنْيَامِينَ عَبْدُهُ بِسَبَبِ السَّرِقَةِ الْمَزْعُومَةِ؛ وَيَعْرِضُ يَهُوذَا، فِي الْآيَةِ ١٨، نَفْسَهُ لِلْعُبُودِيَّةِ بَدَلًا مِنْهُ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا
١. فَأَمَرَ يُوسُفُ وَكِيلَ بَيْتِهِ قَائِلًا: «امْلَأْ أَعْدَالَهُمْ طَعَامًا بِقَدْرِ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ، وَضَعْ فِضَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي فَمِ عِدْلِهِ. ٢. وَضَعْ كَأْسِي الْفِضِّيَّةَ، وَثَمَنَ الْقَمْحِ الَّذِي دَفَعَهُ، فِي فَمِ عِدْلِ الْأَصْغَرِ.» فَفُعِلَ كَذَلِكَ. ٣. وَلَمَّا أَشْرَقَ الصَّبَاحُ، أُرْسِلُوا هُمْ وَحَمِيرُهُمْ. ٤. وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَارُوا مَسَافَةً قَصِيرَةً، قَالَ يُوسُفُ لِوَكِيلِ بَيْتِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَدْعَاهُ: «قُمْ وَاتْبَعِ الرِّجَالَ؛ وَحِينَ تُدْرِكُهُمْ قُلْ لَهُمْ: لِمَاذَا كَافَأْتُمُ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ؟ ٥. الْكَأْسُ الَّتِي سَرَقْتُمُوهَا هِيَ الَّتِي يَشْرَبُ مِنْهَا سَيِّدِي، وَالَّتِي اعْتَادَ أَنْ يَتَفَرَّسَ بِهَا. لَقَدْ فَعَلْتُمْ أَمْرًا شِرِّيرًا جِدًّا.» ٦. فَفَعَلَ كَمَا أُمِرَ. وَلَمَّا أَدْرَكَهُمْ كَلَّمَهُمْ بِالتَّرْتِيبِ. ٧. فَأَجَابُوا: «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ سَيِّدُنَا هَكَذَا، وَكَأَنَّ عَبِيدَكَ قَدِ ارْتَكَبُوا مِثْلَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ؟ ٨. إِنَّ الْفِضَّةَ الَّتِي وَجَدْنَاهَا فِي أَفْوَاهِ أَعْدَالِنَا رَدَدْنَاهَا إِلَيْكَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ؛ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّنَا سَرَقْنَا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مِنْ بَيْتِ سَيِّدِكَ؟ ٩. أَيُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِكَ يُوجَدُ مَعَهُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ فَلْيَمُتْ، وَنَحْنُ نَكُونُ عَبِيدًا لِسَيِّدِنَا.» ١٠. فَقَالَ لَهُمْ: «لِيَكُنْ بِحَسَبِ قَوْلِكُمْ: مَنْ يُوجَدْ مَعَهُ فَهُوَ عَبْدِي، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَبْرِيَاءُ.» ١١. فَأَنْزَلُوا أَعْدَالَهُمْ سَرِيعًا إِلَى الْأَرْضِ وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ عِدْلَهُ. ١٢. فَفَتَّشَهُمْ مُبْتَدِئًا مِنَ الْأَكْبَرِ إِلَى الْأَصْغَرِ، فَوَجَدَ الْكَأْسَ فِي عِدْلِ بِنْيَامِينَ. ١٣. فَمَزَّقُوا ثِيَابَهُمْ، وَحَمَّلُوا حَمِيرَهُمْ ثَانِيَةً، وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ. ١٤. وَدَخَلَ يَهُوذَا أَوَّلًا مَعَ إِخْوَتِهِ إِلَى يُوسُفَ (إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ غَادَرَ الْمَكَانَ بَعْدُ)، فَسَقَطُوا جَمِيعًا عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَهُ. ١٥. فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا هَذَا؟ أَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ يُمَاثِلُنِي فِي عِلْمِ التَّفَرُّسِ؟» ١٦. فَقَالَ لَهُ يَهُوذَا: «مَاذَا نُجِيبُ سَيِّدِي؟ أَوْ مَاذَا نَقُولُ؟ أَوْ بِمَاذَا نَحْتَجُّ بِعَدْلٍ؟ لَقَدْ كَشَفَ اللهُ إِثْمَ عَبِيدِكَ. هَا نَحْنُ جَمِيعًا عَبِيدٌ لِسَيِّدِي، نَحْنُ وَمَنْ وُجِدَتِ الْكَأْسُ مَعَهُ.» ١٧. فَأَجَابَ يُوسُفُ: «حَاشَا لِي أَنْ أَفْعَلَ هَذَا. مَنْ سَرَقَ الْكَأْسَ فَلْيَكُنْ عَبْدِي؛ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَاذْهَبُوا أَحْرَارًا إِلَى أَبِيكُمْ.» ١٨. فَتَقَدَّمَ يَهُوذَا وَقَالَ بِجُرْأَةٍ: «أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي، دَعْ عَبْدَكَ يَتَكَلَّمُ كَلِمَةً فِي أُذُنَيْكَ، وَلَا تَغْضَبْ عَلَى عَبْدِكَ، فَإِنَّكَ كَفِرْعَوْنَ، ١٩. يَا سَيِّدِي. أَنْتَ سَأَلْتَ عَبِيدَكَ أَوَّلًا: هَلْ لَكُمْ أَبٌ أَوْ أَخٌ؟ ٢٠. فَأَجَبْنَاكَ يَا سَيِّدِي: لَنَا أَبٌ شَيْخٌ وَغُلَامٌ صَغِيرٌ وُلِدَ فِي شَيْخُوخَتِهِ؛ وَأَخُوهُ الشَّقِيقُ قَدْ مَاتَ، وَهُوَ وَحْدَهُ بَقِيَ مِنْ أُمِّهِ، وَأَبُوهُ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا. ٢١. فَقُلْتَ لِعَبِيدِكَ: أَحْضِرُوهُ إِلَيَّ فَأَجْعَلَ نَظَرِي عَلَيْهِ. ٢٢. فَقُلْنَا لِسَيِّدِي: لَا يَقْدِرُ الْغُلَامُ أَنْ يَتْرُكَ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهُ يَمُوتُ. ٢٣. فَقُلْتَ لِعَبِيدِكَ: إِنْ لَمْ يَنْزِلْ أَخُوكُمُ الْأَصْغَرُ مَعَكُمْ، فَلَنْ تَرَوْا وَجْهِي بَعْدُ. ٢٤. فَلَمَّا صَعِدْنَا إِلَى عَبْدِكَ أَبِينَا، أَخْبَرْنَاهُ بِكُلِّ مَا قَالَهُ سَيِّدِي. ٢٥. فَقَالَ أَبُونَا: ارْجِعُوا وَاشْتَرُوا لَنَا قَلِيلًا مِنَ الْقَمْحِ. ٢٦. فَقُلْنَا: لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَذْهَبَ؛ إِنْ ذَهَبَ أَخُونَا الْأَصْغَرُ مَعَنَا نَنْطَلِقُ جَمِيعًا؛ وَإِلَّا فَفِي غِيَابِهِ لَا نَجْرُؤُ أَنْ نَرَى وَجْهَ الرَّجُلِ. ٢٧. فَأَجَابَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ لِي ابْنَيْنِ. ٢٨. خَرَجَ أَحَدُهُمَا، وَقُلْتُمْ: افْتَرَسَهُ وَحْشٌ؛ وَلَمْ يَظْهَرْ مُنْذُ ذَلِكَ. ٢٩. فَإِنْ أَخَذْتُمْ هَذَا أَيْضًا، وَحَدَثَ لَهُ شَيْءٌ فِي الطَّرِيقِ، تُنْزِلُونَ شَيْبَتِي بِحُزْنٍ إِلَى الْقَبْرِ. ٣٠. فَإِذَا ذَهَبْتُ إِلَى عَبْدِكَ أَبِينَا وَالْغُلَامُ لَيْسَ مَعَنَا (إِذْ حَيَاتُهُ مُعَلَّقَةٌ بِحَيَاةِ الْغُلَامِ)، ٣١. وَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ مَعَنَا، يَمُوتُ، وَيُنْزِلُ عَبِيدُكَ شَيْبَةَ أَبِينَا بِحُزْنٍ إِلَى الْقَبْرِ. ٣٢. فَلْأَكُنْ أَنَا عَبْدَكَ حَقًّا، لِأَنِّي تَكَفَّلْتُ بِالْغُلَامِ وَتَعَهَّدْتُ قَائِلًا: إِنْ لَمْ أُرْجِعْهُ إِلَيْكَ، أَكُونُ مُذْنِبًا أَمَامَ أَبِي إِلَى الْأَبَدِ. ٣٣. فَأَبْقَى أَنَا عَبْدًا لِسَيِّدِي بَدَلَ الْغُلَامِ، وَلْيَصْعَدِ الْغُلَامُ مَعَ إِخْوَتِهِ. ٣٤. لِأَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَبِي بِدُونِ الْغُلَامِ، لِئَلَّا أَكُونَ شَاهِدًا عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأَبِي.»
الْآيَةُ ٢
«الْكَأْسَ، إِلَخْ، ضَعْهَا فِي فَمِ عِدْلِ الْأَصْغَرِ» — أَيْ بِنْيَامِينَ. فَعَلَ يُوسُفُ هَذَا لِيَخْتَبِرَ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ قُلُوبَ إِخْوَتِهِ: هَلْ يَحْسِدُونَ بِنْيَامِينَ بِاعْتِبَارِهِ ابْنَ رَاحِيلَ، وَبِاعْتِبَارِهِ مَنْ نَالَ حِصَصًا أَكْبَرَ بِخَمْسَةِ أَضْعَافٍ فِي الْمَأْدُبَةِ؛ فَإِنِ اسْتَشْعَرَ هَذَا الْحَسَدَ مِنْ خِلَالِ سُكُوتِ الْإِخْوَةِ وَإِهْمَالِهِمْ لِبِنْيَامِينَ، يُبْقِيهِ عِنْدَهُ لِئَلَّا يَتَآمَرَ الْإِخْوَةُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ كَمَا فَعَلُوا مَعَ يُوسُفَ نَفْسِهِ فِيمَا مَضَى. وَلَكِنْ إِنْ أَظْهَرُوا مَحَبَّةً أَخَوِيَّةً مِنْ خِلَالِ قَلَقِهِمْ وَجُهْدِهِمْ لِتَحْرِيرِهِ، يُرْسِلُهُ مَعَهُمْ. هَكَذَا قَالَ فِيلُونُ وَيُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ.
الْآيَةُ ٥
«الْكَأْسُ الَّتِي سَرَقْتُمُوهَا.» مُلَاحَظَةٌ: كَانَ يُوسُفُ يَسْتَطِيعُ بِعَدْلٍ أَنْ يُعَاقِبَ إِخْوَتَهُ بِإِلْقَاءِ هَذَا الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ فِي قُلُوبِهِمْ، بِسَبَبِ الْجُرْمِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ بِحَقِّهِ، لِيَعُودُوا إِلَى رُشْدِهِمْ بِهَذِهِ الْمِحْنَةِ وَيَعْتَرِفُوا بِخَطِيئَتِهِمْ، كَمَا فَعَلُوا حَقًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصِيبَ بِنْيَامِينَ بِهَذَا. لِذَلِكَ فَإِنَّ اتِّهَامَهُ بِسَرِقَةِ الْكَأْسِ كَانَ افْتِرَاءً خَفِيفًا وَعَرَضِيًّا؛ لَكِنَّهُ دُبِّرَ لِمَصْلَحَةِ بِنْيَامِينَ كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢، وَكَانَ قَصِيرَ الْأَمَدِ، وَسُرْعَانَ مَا عَوَّضَهُ بِالْكَشْفِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَعْظَمِ فَرَحٍ وَأَعْظَمِ الْإِحْسَانِ. وَكَانَ هُنَا أَيْضًا كَذِبٌ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِبَارِ وَالِاسْتِفْهَامِ كَمَا فَعَلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٢، الْآيَةِ ٩، بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ الصَّرِيحِ. وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ هَذَا كَذِبًا مُدَاعِبًا لَا ضَارًّا.
لِذَلِكَ حِينَ يُحَاوِلُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ، فِي الْمَسْأَلَةِ ١٢٥، أَنْ يُبَرِّئَ يُوسُفَ مِنَ الْكَذِبِ، فَافْهَمْ هَذَا عَلَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَذِبِ الْجَادِّ وَالضَّارِّ.
رَمْزِيًّا، كَمَا لَعِبَ يُوسُفُ مَعَ بِنْيَامِينَ الَّذِي تَظَاهَرَ أَوَّلًا بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَتَقْيِيدِهِ كَسَارِقٍ، ثُمَّ أَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ مُدَاعَبَةً، وَعَانَقَهُ وَفَضَّلَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الْإِخْوَةِ: هَكَذَا يَتَعَامَلُ اللهُ مَعَ الْمُتَوَاضِعِينَ. يَسْمَحُ لَهُمْ بِأَنْ يُحْتَقَرُوا وَيُعَانُوا وَيُضَايَقُوا؛ وَلَكِنْ إِنْ تَحَمَّلُوا ذَلِكَ بِتَوَاضُعٍ وَصَبْرٍ، يَتَلَطَّفُ بِهِمْ وَيَرْفَعُهُمْ، فَيَصِيرُونَ أَكْثَرَ مَجْدًا بِقَدْرِ مَا كَانُوا أَكْثَرَ تَوَاضُعًا. لِذَلِكَ فَإِنَّ لُعْبَةَ اللهِ هِيَ التَّوَاضُعُ.
«الَّتِي اعْتَادَ أَنْ يَتَفَرَّسَ بِهَا.» تُتَرْجِمُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «الَّتِي يَتَفَأَّلُ بِهَا.» لِذَلِكَ أَخْطَأَ الرَّابِّي قِمْحِي فِي تَرْجَمَتِهِ: «الَّتِي اسْتَشَارَ مِنْ أَجْلِهَا الْعَرَّافِينَ.»
يَذْكُرُ يُولِيُوسُ سِيرِينِيُوسُ (الْكِتَابُ التَّاسِعُ عَنِ الْقَدَرِ، الْفَصْلُ ١٨) أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ وَالْآشُورِيِّينَ اعْتَادُوا أَنْ يَمْلَأُوا أَحْوَاضًا (وَكَذَلِكَ كُؤُوسًا، كَمَا يَبْدُو) بِالْمَاءِ، ثُمَّ يَسْتَدْعُوا شَيْطَانًا بِكَلِمَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، فَيُصْدِرُ الشَّيْطَانُ إِجَابَاتٍ بِالْفَحِيحِ مِنَ الْمِيَاهِ حَوْلَ الْأُمُورِ الَّتِي يُسْتَشَارُ فِيهَا. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، كَانَ الشَّيْطَانُ أَحْيَانًا يُمَثِّلُ فِي الْمَاءِ هَيْئَةَ أَوْ صُورَةَ الشَّيْءِ أَوِ الشَّخْصِ الْمَطْلُوبِ، كَمَا يُمَثِّلُ الْعَرَّافُونَ فِي أَيَّامِنَا وَيُظْهِرُونَ فِي الْمَاءِ، بِتَعَاوِيذِهِمْ، مُرْتَكِبَ السَّرِقَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ كَانَ يُوسُفُ إِذَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَرَّافٌ كَهَذَا، أَيْ سَاحِرٌ وَمُتَنَبِّئٌ؟ يُؤَكِّدُ كَالْفِنُ ذَلِكَ، وَلِذَا يَزْعُمُ أَنَّ يُوسُفَ أَخْطَأَ بِادِّعَاءٍ خَطِيرٍ ضِدَّ الدِّينِ. وَلَكِنْ مَنْ يُصَدِّقُ هَذَا عَنْ يُوسُفَ، الَّذِي كَانَ نَبِيًّا تَقِيًّا جِدًّا وَقِدِّيسًا جِدًّا؟ لِذَلِكَ يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ أَنَّ يُوسُفَ هُنَا لَا يَتَكَلَّمُ بِجِدِّيَّةٍ بَلْ بِمُدَاعَبَةٍ؛ إِذْ يَبْدُو أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ هَكَذَا فِي الْآيَةِ ٤٥. ثَانِيًا، يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ إِنَّ يُوسُفَ يَتَكَلَّمُ اسْتِفْهَامِيًّا لَا تَأْكِيدِيًّا. ثَالِثًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا إِنَّ يُوسُفَ يَتَكَلَّمُ لَا بِحَسَبِ رَأْيِهِ بَلْ بِحَسَبِ رَأْيِ الْمِصْرِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَظُنُّونَ حَقًّا أَنَّ يُوسُفَ عَرَّافٌ. لَكِنَّ هَذِهِ التَّفْسِيرَاتِ لَا تُرْضِي هَذِهِ الْآيَةَ وَسِيَاقَهَا.
لِذَلِكَ أَقُولُ إِنَّ كَلِمَةَ «يَتَفَرَّسُ» فِي الْعِبْرِيَّةِ هِيَ نَحَشْ، وَمَعْنَاهَا التَّنَبُّؤُ وَالتَّفَرُّسُ، سَوَاءٌ بِالْعِرَافَةِ أَوْ بِالْفِطْنَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَيِ التَّخْمِينُ وَالتَّقَصِّي وَالتَّحَرِّي. وَمِنْ ثَمَّ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ وَابْنُ عَزْرَا «لِيَخْتَبِرَ». فَكَانَ يُوسُفُ، بِهَذِهِ الْكَأْسِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا مَمْلُوءَةً خَمْرًا لِضُيُوفِهِ، يَتَفَرَّسُ طَبِيعِيًّا وَيَسْتَكْشِفُ اعْتِدَالَ ضُيُوفِهِ وَفِطْنَتَهُمْ وَأَسْرَارَ قُلُوبِهِمْ (فَإِنَّ فِي الْخَمْرِ حَقِيقَةً)، وَهُنَا كَانَ يَسْتَكْشِفُ مَا لَدَى كُلِّ أَخٍ مِنْ إِخْوَتِهِ مِنْ مَشَاعِرَ تُجَاهَ بِنْيَامِينَ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢. وَلَكِنَّهُ تَرَكَ إِخْوَتَهُ يَنْخَدِعُونَ، لِيَظُنُّوا أَنَّهُ عَرَّافٌ حَقِيقِيٌّ وَبِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ اسْتَخْدَمَ كَلِمَةً مُلْتَبِسَةً.
هَكَذَا يَسْتَخْدِمُ بْلِينْيُوسُ كَلِمَةَ «عِرَافَة» بِمَعْنَى «تَخْمِين» فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ، الرِّسَالَةِ إِلَى كُورْنِيلِيُوسْ تَاكِيتُوسَ، حِينَ يَقُولُ: «أَتَنَبَّأُ، وَلَا يُخْطِئُنِي تَنَبُّئِي، أَنَّ تَوَارِيخَكَ سَتَكُونُ خَالِدَةً.» وَهَكَذَا يُسَمِّي أَرِسْطُو، فِي الْمَسَائِلِ ٩، الْقِسْمِ ٣٣، الْعُطَاسَ «فَأْلًا مُقَدَّسًا لِصِحَّةِ الرَّأْسِ»، لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ سَلِيمٌ، قَادِرٌ عَلَى هَضْمِ الْأَخْلَاطِ الزَّائِدَةِ وَالضَّارَّةِ وَطَرْدِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَتَغَلَّبُ حَرَارَةُ الرَّأْسِ عَلَى الْخِلْطِ الْغَرِيبِ الْخَامِ وَالرِّيحِيِّ وَتَطْرُدُهُ، يَحْدُثُ الْعُطَاسُ عَادَةً.
الْآيَةُ ١٥
«أَنَّهُ لَيْسَ مَنْ يُمَاثِلُنِي فِي عِلْمِ التَّفَرُّسِ.» «التَّفَرُّسُ»، أَيِ التَّنَبُّؤُ وَالتَّخْمِينُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرِيَّةَ هِيَ نَحَشْ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٥. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: بِمَا أَنَّ فِرْعَوْنَ وَكُلَّ مِصْرَ يَعْتَرِفُونَ بِي وَيُكَرِّمُونَنِي بِاعْتِبَارِي عَرَّافًا، أَيْ نَبِيًّا وَمُتَفَرِّسًا، فَكَيْفَ ظَنَنْتُمْ أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ أَنَّكُمْ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تُخْفُوا عَنِّي وَعَنْ فِرَاسَتِي هَذِهِ السَّرِقَةَ؟
الْآيَةُ ١٦
«لَقَدْ كَشَفَ اللهُ إِثْمَ عَبِيدِكَ.» يَفْهَمُ بَعْضُهُمْ، مَعَ الْقِدِّيسِ أَغُسْطِينُوسَ، أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ إِثْمُ بَيْعِ يُوسُفَ؛ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّنَا بِعْنَا يُوسُفَ لِلْعُبُودِيَّةِ، فَنَحْنُ الْآنَ نُخْضَعُ لِلْعُبُودِيَّةِ بِعَدْلٍ. رُبَّمَا شَعَرَ يَهُوذَا بِهَذَا فِي قَلْبِهِ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرِيًّا لَا يَتَكَلَّمُ لِيُوسُفَ عَنْ هَذَا الْإِثْمِ، بَلْ عَنْ إِثْمِ سَرِقَةِ الْكَأْسِ — لِأَنَّ يُوسُفَ اتَّهَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَعَلَى نَفْسِ التُّهْمَةِ أَجَابَ يَهُوذَا بِالِاعْتِرَافِ بِهَا. وَيَبْدُو إِذَنْ أَنَّ يَهُوذَا ظَنَّ وَاشْتَبَهَ أَنَّ بِنْيَامِينَ قَدْ سَرَقَ الْكَأْسَ حَقًّا، خَاصَّةً أَنَّ بِنْيَامِينَ حِينَ قُبِضَ عَلَيْهِ صَمَتَ وَلَمْ يُدَافِعْ عَنْ نَفْسِهِ. أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ، فِي وَضْعٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَغَيْرِ مُؤَكَّدٍ، آثَرَ يَهُوذَا أَنْ يَنْسِبَ الْإِثْمَ إِلَى أَخِيهِ وَيَتَضَرَّعَ بِتَوَاضُعٍ طَالِبًا الْعَفْوَ، وَبِذَلِكَ يُلَيِّنُ غَضَبَ يُوسُفَ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يُثِيرَهُ أَكْثَرَ بِتَبْرِئَةِ بِنْيَامِينَ وَبِإِلْقَاءِ اللَّوْمِ صَرَاحَةً أَوْ ضِمْنِيًّا عَلَى يُوسُفَ وَعَبِيدِهِ وَاتِّهَامِهِمْ بِالْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالِافْتِرَاءِ. لِأَنَّ وُجُودَ الْكَأْسِ فِي عِدْلِ بِنْيَامِينَ كَانَ قَرِينَةً عَلَى سَرِقَتِهِ. هَكَذَا قَالَ أَبُولِنْسِيسُ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ بِحَقٍّ، فِي الْحِكْمَةِ ١١٨: «الِاعْتِرَافُ فِي الشُّرُورِ خَيْرٌ مِنَ التَّفَاخُرِ الْمُتَكَبِّرِ بِالْخَيْرَاتِ.»
وَمِنْ ثَمَّ حِينَ سُئِلَ نَاسِكٌ عَنْ أَضْمَنِ طَرِيقٍ وَجَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، أَجَابَ: «إِذَا اتَّهَمَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ دَائِمًا.» وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ الطُّوبَاوِيُّ دُورُوثَاوُسُ، التَّعْلِيمُ ٧. وَهَكَذَا كَانَتِ الْقِدِّيسَةُ كَاتَرِينَا مِنْ سِيَنَا وَغَيْرُهَا مِنَ الْقِدِّيسِينَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَالْمَشْهُورِينَ، اعْتَادُوا أَنْ يَقُولُوا اسْتِجَابَةً لِكُلِّ الشُّرُورِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ أَوْ تُصِيبُ قَرِيبَهُمْ أَوِ الدَّوْلَةَ: «بِسَبَبِ ذَنْبِي حَدَثَ هَذَا الشَّرُّ.»
الْآيَةُ ٢٠
«هُوَ وَحْدَهُ بَقِيَ مِنْ أُمِّهِ» — أَيْ أَنَّهُ وَحْدَهُ بَقِيَ حَيًّا مِنْ أُمِّهِ؛ فِي الْعِبْرِيَّةِ: «بَقِيَ وَحْدَهُ مِنْ أُمِّهِ»، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا عَمَّنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ رَاحِيلَ، أُمَّ بِنْيَامِينَ، كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ بِالْفِعْلِ.
الْآيَةُ ٢١
«فَأَجْعَلَ نَظَرِي عَلَيْهِ» — أَيْ أَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَطْفٍ، وَأَكُونُ خَيِّرًا مَعَهُ، وَأُفَضِّلُهُ وَأَعْتَنِيَ بِهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ تُتَرْجِمُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «سَأَعْتَنِي بِهِ.»
الْآيَةُ ٣٠
«حَيَاتُهُ» — حَيَاةُ الْأَبِ مُعَلَّقَةٌ بِحَيَاةِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الِابْنُ أَوْ أُخِذَ، لَمَاتَ الْأَبُ حُزْنًا.
الْآيَةُ ٣٢
«فَلْأَكُنْ أَنَا حَقًّا» — دَعْنِي أَكُونُ عَبْدَكَ الشَّخْصِيَّ، لِأَنِّي سَأَكُونُ أَنْفَعَ لَكَ قُوَّةً وَخِبْرَةً مِنَ الْغُلَامِ بِنْيَامِينَ.