كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ ستِين، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(يُوسُفُ يَكْشِفُ عَنْ نَفْسِهِ)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَكْشِفُ يُوسُفُ عَنْ نَفْسِهِ لِإِخْوَتِهِ، وَفِي الْآيَةِ ١٧ يُرْسِلُهُمْ بِالْهَدَايَا إِلَى أَبِيهِمْ لِيَأْتُوا بِهِ إِلَيْهِ؛ وَيَعْقُوبُ فِي الْآيَةِ ٢٦ بِالْكَادِ يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ مِنَ الْفَرَحِ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا (الْآيَاتُ ١–٢٨)
١. لَمْ يَسْتَطِعْ يُوسُفُ أَنْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ بَعْدُ أَمَامَ جَمِيعِ الْوَاقِفِينَ — فَأَمَرَ أَنْ يَخْرُجَ الْجَمِيعُ خَارِجًا، وَأَلَّا يَحْضُرَ أَيُّ غَرِيبٍ عِنْدَ التَّعَارُفِ الْمُتَبَادَلِ. ٢. وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ، فَسَمِعَهُ الْمِصْرِيُّونَ وَكُلُّ بَيْتِ فِرْعَوْنَ. ٣. وَقَالَ لِإِخْوَتِهِ: «أَنَا يُوسُفُ؛ أَمَا زَالَ أَبِي حَيًّا؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ إِخْوَتُهُ أَنْ يُجِيبُوهُ لِأَنَّهُمْ ارْتَاعُوا مِنْهُ رَوْعًا شَدِيدًا. ٤. فَقَالَ لَهُمْ بِرِفْقٍ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ.» وَلَمَّا تَقَدَّمُوا قَالَ: «أَنَا يُوسُفُ أَخُوكُمُ الَّذِي بِعْتُمُوهُ إِلَى مِصْرَ. ٥. لَا تَخَافُوا، وَلَا يَكُنْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَاسِيًا أَنَّكُمْ بِعْتُمُونِي إِلَى هَذِهِ الدِّيَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي قَبْلَكُمْ إِلَى مِصْرَ لِأَجْلِ خَلَاصِكُمْ. ٦. فَمُنْذُ سَنَتَيْنِ بَدَأَتِ الْمَجَاعَةُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا تَزَالُ خَمْسُ سَنَوَاتٍ بَاقِيَةً لَا يُمْكِنُ فِيهَا حَرْثٌ وَلَا حَصَادٌ. ٧. وَقَدْ أَرْسَلَنِيَ اللَّهُ أَمَامَكُمْ لِتُحْفَظُوا عَلَى الْأَرْضِ، وَلِتَكُونَ لَكُمْ أَقْوَاتٌ لِلْحَيَاةِ. ٨. لَمْ أُرْسَلْ إِلَى هُنَا بِمَشُورَتِكُمْ بَلْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَأَبٍ لِفِرْعَوْنَ، وَسَيِّدًا عَلَى كُلِّ بَيْتِهِ، وَحَاكِمًا فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. ٩. أَسْرِعُوا وَاصْعَدُوا إِلَى أَبِي وَقُولُوا لَهُ: هَذَا مَا يُوصِي بِهِ ابْنُكَ يُوسُفُ: اللَّهُ جَعَلَنِي سَيِّدًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ؛ انْزِلْ إِلَيَّ وَلَا تَتَأَخَّرْ، ١٠. وَتَسْكُنُ فِي أَرْضِ جَاسَانَ، وَتَكُونُ قَرِيبًا مِنِّي أَنْتَ وَبَنُوكَ وَبَنُو بَنِيكَ وَغَنَمُكَ وَبَقَرُكَ وَكُلُّ مَا لَكَ. ١١. وَأَعُولُكَ هُنَاكَ (لِأَنَّهُ لَا تَزَالُ خَمْسُ سَنَوَاتِ مَجَاعَةٍ)، لِئَلَّا تَفْتَقِرَ أَنْتَ وَبَيْتُكَ وَكُلُّ مَا لَكَ. ١٢. هُوَذَا عُيُونُكُمْ تَرَى وَعُيُونُ أَخِي بِنْيَامِينَ أَنَّ فَمِي هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُكُمْ. ١٣. أَخْبِرُوا أَبِي بِكُلِّ مَجْدِي، وَبِكُلِّ مَا رَأَيْتُمْ فِي مِصْرَ؛ أَسْرِعُوا وَأْتُوا بِهِ إِلَيَّ.» ١٤. وَسَقَطَ عَلَى عُنُقِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ وَبَكَى، وَبِنْيَامِينُ أَيْضًا بَكَى عَلَى عُنُقِهِ. ١٥. وَقَبَّلَ يُوسُفُ جَمِيعَ إِخْوَتِهِ وَبَكَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَجَاسَرُوا أَنْ يُكَلِّمُوهُ. ١٦. وَسُمِعَ الْخَبَرُ وَذَاعَ بِحَدِيثٍ عَلَنِيٍّ فِي بَلَاطِ الْمَلِكِ: «قَدْ جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ»، فَفَرِحَ فِرْعَوْنُ وَجَمِيعُ أَهْلِ بَيْتِهِ. ١٧. وَقَالَ لِيُوسُفَ أَنْ يَأْمُرَ إِخْوَتَهُ قَائِلًا: «حَمِّلُوا دَوَابَّكُمْ وَامْضُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ، ١٨. وَخُذُوا مِنْ هُنَاكَ أَبَاكُمْ وَعَشِيرَتَكُمْ وَتَعَالَوْا إِلَيَّ؛ وَأُعْطِيكُمْ كُلَّ خَيْرَاتِ مِصْرَ لِتَأْكُلُوا نُخَاعَ الْأَرْضِ. ١٩. وَمُرْهُمْ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذُوا عَجَلَاتٍ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لِنَقْلِ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ؛ وَقُلْ: خُذُوا أَبَاكُمْ وَأَسْرِعُوا فِي الْمَجِيءِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ. ٢٠. وَلَا تَتْرُكُوا شَيْئًا مِنْ أَمْتِعَتِكُمْ، لِأَنَّ كُلَّ خَيْرَاتِ مِصْرَ تَكُونُ لَكُمْ.» ٢١. وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ كَمَا أُمِرُوا. وَأَعْطَاهُمْ يُوسُفُ عَجَلَاتٍ بِحَسَبِ أَمْرِ فِرْعَوْنَ، وَزَادًا لِلطَّرِيقِ. ٢٢. وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُلَّتَانِ؛ وَأَمَّا بِنْيَامِينُ فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَمِئَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ مَعَ خَمْسِ حُلَلٍ فَاخِرَةٍ. ٢٣. وَأَرْسَلَ لِأَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمَالِ وَالثِّيَابِ، وَأَضَافَ عَشَرَةَ حَمِيرٍ مُحَمَّلَةً بِكُلِّ غَنَائِمِ مِصْرَ، وَعَشَرَ أُتُنٍ تَحْمِلُ قَمْحًا وَخُبْزًا لِلطَّرِيقِ. ٢٤. فَصَرَفَ إِخْوَتَهُ، وَعِنْدَ انْصِرَافِهِمْ قَالَ: «لَا تَتَخَاصَمُوا فِي الطَّرِيقِ.» ٢٥. فَصَعِدُوا مِنْ مِصْرَ وَجَاؤُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ إِلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، ٢٦. وَأَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ: يُوسُفُ ابْنُكَ حَيٌّ، وَهُوَ يَحْكُمُ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. فَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ، كَأَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمٍ عَمِيقٍ، لَمْ يُصَدِّقْهُمْ مَعَ ذَلِكَ. ٢٧. فَعَلَى الْعَكْسِ رَوَوْا لَهُ كُلَّ تَرْتِيبِ الْأَمْرِ. وَلَمَّا رَأَى الْعَجَلَاتِ وَكُلَّ مَا أَرْسَلَهُ، انْتَعَشَتْ رُوحُهُ، ٢٨. وَقَالَ: يَكْفِينِي إِنْ كَانَ يُوسُفُ ابْنِي لَا يَزَالُ حَيًّا: أَذْهَبُ وَأَرَاهُ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ.
الْآيَةُ ٣: «أَنَا يُوسُفُ»
«أَنَا يُوسُفُ.» هَذَا الصَّوْتُ الْمُبَاغِتُ، كَالصَّاعِقَةِ، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ، صَعَقَ الْإِخْوَةَ وَجَعَلَهُمْ مَذْهُولِينَ، عَاجِزِينَ عَنِ الْكَلَامِ، شِبْهَ مَجَانِينَ؛ إِذْ لَمْ يَتَوَقَّعُوا مِنْ سُلْطَةِ يُوسُفَ الْمُرْعِبَةِ إِلَّا الْمَوْتَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ جُرْمُهُمْ.
التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ (الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ)
بِالتَّفْسِيرِ الرَّمْزِيِّ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ يُوسُفَ، الْبَابُ ١٢: «مَاذَا صَرَخَ حِينَئِذٍ غَيْرَ: أَنَا يَسُوعُ، حِينَ قَالَ لِبِيلَاطُسَ: أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ، لِأَنِّي مَلِكٌ. اقْتَرِبُوا إِلَيَّ، لِأَنِّي اقْتَرَبْتُ إِلَيْكُمْ، حَتَّى بِاتِّخَاذِ الْجَسَدِ أَجْعَلَ نَفْسِي شَرِيكًا لِطَبِيعَتِكُمْ.» وَبِالْأَكْثَرِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ أَظْهَرَ نَفْسَهُ لِتَلَامِيذِهِ قَائِلًا: «لَا تَخَافُوا، أَنَا هُوَ. دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الْأَرْضِ.» هَذَا مَا يَقُولُهُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ. وَانْظُرْ أَيْضًا هُوغُو الْكَرْدِينَالَ.
مَحَبَّةُ يُوسُفَ
لَاحِظْ هُنَا مَحَبَّةَ يُوسُفَ الَّذِي، وَقَدْ أُسِيءَ إِلَيْهِ حَتَّى الْمَوْتِ، انْتَقَمَ لِظُلْمِهِ أَوَّلًا بِالنِّسْيَانِ وَالصَّمْتِ؛ ثُمَّ بِالْمُلَاطَفَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالْقُبُلَاتِ وَالدُّمُوعِ وَالتَّنَهُّدَاتِ؛ ثُمَّ بِإِعَالَةِ إِخْوَتِهِ الدَّائِمَةِ وَالنَّافِعَةِ. «فَكَانَ يُقَبِّلُ كُلَّ وَاحِدٍ، وَيَبْكِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَغْسِلُ بِدُمُوعِهِ الْجَارِيَةِ أَعْنَاقَ الْمُرْتَعِشِينَ، وَهَكَذَا غَسَلَ بَغْضَاءَ إِخْوَتِهِ بِدُمُوعِ الْمَحَبَّةِ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ ٨٣ عَنِ الْأَزْمِنَةِ. تَعَلَّمْ مِنْ يُوسُفَ أَنَّ أَنْجَعَ إِكْسِيرٍ لِلْمَحَبَّةِ هُوَ: «لِكَيْ تُحَبَّ، أَحِبَّ.» حَقًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ١٣ إِلَى الشَّعْبِ: «أَتُرِيدُ أَنْ تُمْدَحَ؟ امْدَحْ غَيْرَكَ. أَتُرِيدُ أَنْ تُحَبَّ؟ أَحِبَّ. أَتُرِيدُ أَنْ تَنَالَ الْمَرَاتِبَ الْأُولَى؟ تَنَازَلْ عَنْهَا أَوَّلًا لِغَيْرِكَ.»
بِهَذَا الْإِكْسِيرِ أَثَّرَ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ فِي أَهْلِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ الْكَاثُولِيكِيِّينَ؛ إِذْ حِينَ كَانُوا، بَعْدَ أَنِ اضْطَهَدَهُمُ الْآرِيُوسِيُّونَ وَقَهَرُوهُمْ فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ الْآرِيُوسِيِّ فَالَنْسَ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ، فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ الْأُرْثُوذُكْسِيِّ ثِيُودُوسِيُوسَ، يُفَكِّرُونَ فِي رَدِّ الصَّاعِ صَاعَيْنِ وَإِلْحَاقِ مَتَاعِبَ مُمَاثِلَةٍ بِهِمْ، قَالَ لَهُمُ النَّزْيَنْزِيُّ هَذَا: «لَيْسَ هَذَا مَا يَطْلُبُهُ مِنَّا الْمَسِيحُ، يَا رَعِيَّتِي، وَلَا هَكَذَا يُعَلِّمُنَا الْإِنْجِيلُ. لَقَدْ أُتِيحَتْ لَنَا الْآنَ فُرْصَةُ هِدَايَةِ الَّذِينَ ضَلُّوا بِالْخَطَأِ. فَلْيَعْتَرِفُوا بَعْدَ تَعْلِيمِهِمْ بِخَطَايَاهُمْ، وَلْيَسْجُدُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَلْيُقِرُّوا بِنِفَاقِهِمْ، وَلْيَنْدَمِجُوا فِي قَطِيعِنَا. فَلْيَكُنْ هَذَا انْتِقَامِي: أَنَّ الَّذِينَ أَسَاؤُوا إِلَيْنَا يَنَالُونَ الْخَلَاصَ، وَيَعْتَرِفُونَ بِنُبْلِ مَا كَانُوا يَضْطَهِدُونَهُ قَبْلًا. كُونُوا وُدَعَاءَ الرُّوحِ، يَا أَبْنَائِي. مَنْ كَانَ ذَا نَفْسٍ حَلِيمَةٍ صَبُورَةٍ يَتَفَوَّقُ فِي الْحِكْمَةِ. أَحْسِنُوا إِلَى الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ بِالْبَغْضَاءِ، وَاغْفِرُوا لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ كُلِّيًّا. وَإِنْ كَانَتِ النَّفْسُ تَتَّقِدُ بِشِدَّةٍ وَلَا تَسْمَحُ بِكَبْحِ الْغَضَبِ، فَاقْبَلُوا عَلَى الْأَقَلِّ هَذَا الْبَدِيلَ: أَنْ تُسَلِّمُوا هَذِهِ الْأُمُورَ لِلْمَسِيحِ وَتَدَّخِرُوهَا لِلدَّيْنُونَةِ الْآتِيَةِ. «لِأَنَّ الِانْتِقَامَ لِي، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ.»» بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ هَدَّأَ الشَّعْبَ وَجَذَبَهُمْ إِلَى رَأْيِهِ، كَمَا يَرْوِي غْرِيغُورِيُوسُ الْقَسُّ فِي سِيرَةِ غْرِيغُورِيُوسَ النَّزْيَنْزِيِّ.
وَهَكَذَا رَفَضَ الْقِدِّيسُ مَارْتِينُوسُ أَنْ يَحْرِمَ الْقَسَّ بْرِيكْتِيُو، الَّذِي كَانَ يَفْتَرِي عَلَيْهِ، مِنْ مَنْصِبِهِ، قَائِلًا: «إِنِ احْتَمَلَ الْمَسِيحُ يَهُوذَا، فَلِمَاذَا لَا أَحْتَمِلُ أَنَا بْرِيكْتِيُو؟» وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ سِفِيرُوسُ سُولْبِيكِيُوسُ فِي الْحِوَارِ الثَّالِثِ.
بِهَذَا الْإِكْسِيرِ حَوَّلَ الشُّهَدَاءُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ جَلَّادِيهِمْ، حِينَ أَعَادُوا بِصَلَوَاتِهِمُ الصِّحَّةَ لِمَنْ عَاقَبَهُمُ اللَّهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِيرَةِ الْقِدِّيسَةِ أَغْنِيسَ الَّتِي أَقَامَتِ ابْنَ الْوَالِي الَّذِي هَاجَمَهَا؛ وَمِنْ سِيرَةِ الْقِدِّيسَيْنِ يُوحَنَّا وَبُولُسَ اللَّذَيْنِ حَرَّرَا ابْنَ الْوَالِي تِيرِنْتِيَانُوسَ مِنْ شَيْطَانٍ؛ وَمِنْ سِيرَةِ الْقِدِّيسَيْنِ لَوْرِنْتِيُوسَ وَبِرْجِنْتِينُوسَ اللَّذَيْنِ أَعَادَا بِالصَّلَاةِ الْحَيَوِيَّةَ لِجَلَّادِيهِمَا الَّذِينَ تَيَبَّسُوا؛ وَمِنْ سِيرَةِ الْقِدِّيسِ سَابِينُوسَ الَّذِي شَفَى الْحَاكِمَ فِينُوسْتِيَانُوسَ الَّذِي ضُرِبَ بِأَلَمٍ فِي عَيْنَيْهِ؛ وَمِنْ سِيرَةِ الْقِدِّيسَةِ بُوتَامِيِينَا وَالْقِدِّيسَةِ كْرِيسْتِينَا وَالْقِدِّيسَةِ أَنَاتُولِيَا وَالْقِدِّيسَةِ أُوجِينِيَا وَدَارِيَا وَكَثِيرِينَ غَيْرِهِمْ.
الْآيَةُ ٥: «اللَّهُ أَرْسَلَنِي»
لَاحِظْ ثَانِيًا مَعَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ: يُوسُفُ هُنَا يُخَفِّفُ مِنْ خَطِيئَةِ إِخْوَتِهِ، لَا بِالْقَدَرِ أَوْ بِأَتِي الْهُومِيرِيَّةِ، أَيْ الْإِلَهَةِ الَّتِي كَانَ الْوَثَنِيُّونَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَجْلِبُ الشُّرُورَ وَالْمَضَارَّ، بَلْ بِعِنَايَةِ اللَّهِ الَّذِي وَجَّهَ جَرِيمَتَهُمْ لِمَجْدِ يُوسُفَ، وَلِخَيْرِهِمْ هُمْ وَلِلْخَيْرِ الْعَامِّ. لِذَلِكَ يُعَزِّي يُوسُفُ إِخْوَتَهُ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى أَلَّا يَحْزَنُوا أَوْ يُعَذِّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِسَبَبِ ذَلِكَ، إِذْ هُوَ نَفْسُهُ لَا يَحْزَنُ بَلْ يَفْرَحُ؛ فَيَقُولُ:
٥. «اللَّهُ أَرْسَلَنِي»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُ مِنْ خِلَالِ جَرِيمَتِكُمُ الَّتِي بِعْتُمُونِي بِهَا، أَرْسَلَنِي وَوَجَّهَنِي إِلَى هُنَا، لِكَيْ أُدَبِّرَ شَأْنَ مَجَاعَتِكُمْ وَمَجَاعَةِ غَيْرِكُمْ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ إِثْمَكُمْ فِي حَقِّي لَا يَنْبَغِي إِدَانَتُهُ بِقَدْرِ مَا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ بِعِنَايَةِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَرَحْمَتِهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ٦: الْمَجَاعَةُ وَالنِّيلُ
٦. «وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا حَرْثٌ»، إِلَّا فِي حُقُولٍ قَلِيلَةٍ مُجَاوِرَةٍ لِنَهْرِ النِّيلِ؛ إِذْ سَتَكُونُ سَائِرُ الْحُقُولِ عَقِيمَةً، لِأَنَّ النِّيلَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْمَطَرِ لِمِصْرَ لَنْ يَفِيضَ كَعَادَتِهِ وَلَنْ يُخْصِبَ الْحُقُولَ.
مُلَاحَظَةٌ زَمَنِيَّةٌ
«فَمُنْذُ سَنَتَيْنِ.» مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْدَاثَ وَقَعَتْ، وَأَنَّ الْإِخْوَةَ وَأَبَاهُمْ يَعْقُوبَ نَزَلُوا إِلَى مِصْرَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَجَاعَةِ، حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ فِي سِنِّ الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَيُوسُفُ فِي سِنِّ التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ؛ إِذْ فِي سِنِّ الثَّلَاثِينَ رُفِعَ يُوسُفُ إِلَى الرِّئَاسَةِ: ثُمَّ تَلَتْ ذَلِكَ ٧ سَنَوَاتِ خِصْبٍ وَسَنَتَا مَجَاعَةٍ؛ فَكَانَ إِذَنْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْمَجَاعَةِ فِي سِنِّ التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ، وَبِالتَّالِي وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٩١ مِنْ عُمْرِ يَعْقُوبَ؛ إِذِ اطْرَحْ ٣٩ مِنْ ١٣٠ تَجِدْ ٩١، كَمَا ذَكَرْتُ آنِفًا. هَذَا هُوَ الْأَسَاسُ وَالْمِفْتَاحُ لِلتَّسَلْسُلِ الزَّمَنِيِّ لِهَذِهِ الْحِقْبَةِ: وَلِذَلِكَ يَجِبُ تَكْرَارُهُ مِرَارًا.
الْآيَةُ ٨: مَشِيئَةُ اللَّهِ وَالْفِعْلُ الْبَشَرِيُّ
٨. «لَمْ أُرْسَلْ إِلَى هُنَا بِمَشُورَتِكُمْ بَلْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.» «بِمَشِيئَةٍ»، أَيْ مُقَدِّرَةٍ سَلَفًا لِرَفْعَتِي، وَمُجِيزَةٍ فَقَطْ لِبَيْعِي لِكَيْ أُرْفَعَ مِنْ خِلَالِهِ: هَكَذَا يَقُولُ سُوَارِيزُ وَغَيْرُهُ عُمُومًا. لِذَلِكَ لَا يَقُولُ: «أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمُونِي»، لِأَنَّكُمْ بِالْإِرْسَالِ أَخْطَأْتُمْ؛ بَلْ يَقُولُ: «أُرْسِلْتُ»، لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ مُسَبِّبُ الْأَلَمِ وَكَذَلِكَ صَبْرِي الَّذِي تَحَمَّلْتُ بِهِ جُرْمَكُمْ وَاحْتَمَلْتُهُ؛ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُسَبِّبَ فِعْلِكُمْ: إِذْ كَانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً. هَكَذَا يَقُولُ بُطْرُسُ عَنِ الْمَسِيحِ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ٢٣: «هَذَا، أُسْلِمَ بِمَشُورَةِ اللَّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، أَخَذْتُمُوهُ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.» فَقَدْ قَضَى اللَّهُ بِآلَامِ الْمَسِيحِ، لَا بِصَلْبِ الْيَهُودِ لَهُ.
لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ اللَّاهُوتِيُّونَ: «الْفِعْلُ (فِعْلُ الْيَهُودِ) كَانَ مَكْرُوهًا، لَكِنَّ الْأَلَمَ (أَلَمُ الْمَسِيحِ) كَانَ مَرْضِيًّا» عِنْدَ اللَّهِ.
الْآيَةُ ٨: «أَبًا لِفِرْعَوْنَ»
«الَّذِي جَعَلَنِي كَأَبٍ لِفِرْعَوْنَ.» «أَبًا»، أَيْ حَاكِمًا، مُسْتَشَارًا، مُدَبِّرًا. فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ يُدِيرُ جَمِيعَ شُؤُونِ فِرْعَوْنَ بِمَشُورَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَبَاهُ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ. وَأَيْضًا كَانَ يُدَبِّرُ الْحُبُوبَ وَالْمُؤَنَ لِلْبَلَاطِ كُلِّهِ، بَلْ لِلْمَمْلَكَةِ كُلِّهَا، كَمَا لَوْ كَانَ رَبَّ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ بِأَسْرِهَا. هَكَذَا يُسَمِّي مَلِكُ صُورَ مُسْتَشَارَهُ الْحَمِيمَ، وَهُوَ حِيرَامُ، أَبَاهُ، فِي أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الثَّانِي ١١:١٣. وَهَامَانُ يُدْعَى أَبَا أَرْتَحْشَسْتَا، أَسْتِيرُ ١٣:٦. فَكَانَ «أَبُو الْمَلِكِ» لَقَبَ شَرَفٍ وَأَعْلَى رُتْبَةٍ فِي بَلَاطَاتِ مُلُوكِ صُورَ وَمِصْرَ وَفَارِسَ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْإِسْبَانِ وَالْإِيطَالِيِّينَ وَالْفَرَنْسِيِّينَ يُوجَدُ النَّاظِرُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ Mayordomo، وَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ مُؤَنَ الْبَلَاطِ وَسَائِرَ حَاجَاتِهِ، كَمَا يُدَبِّرُ رَبُّ الْبَيْتِ بَيْتَهُ. هَكَذَا يَقُولُ بِينِيدَا فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ عَنْ سُلَيْمَانَ، صَفْحَةُ ١٩٧.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِجَمَالٍ فِي الْعِظَةِ ٦٤، عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ: «تِلْكَ الْعُبُودِيَّةُ أَكْسَبَتْنِي هَذِهِ السِّيَادَةَ، وَذَلِكَ الْبَيْعُ رَفَعَنِي إِلَى هَذَا الْمَجْدِ؛ وَتِلْكَ الْمِحْنَةُ كَانَتْ لِي مُنَاسَبَةَ هَذَا الشَّرَفِ؛ وَذَلِكَ الْحَسَدُ وَلَّدَ لِي هَذِهِ الشُّهْرَةَ. فَلْنَسْمَعْ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا فَحَسْبُ، بَلْ لِنُقَلِّدْهَا أَيْضًا، وَلِنُعَزِّيَ هَكَذَا الَّذِينَ أَسَاؤُوا إِلَيْنَا، دُونَ أَنْ نُحَمِّلَهُمْ مَا ارْتَكَبُوهُ فِي حَقِّنَا، وَنَحْتَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ بِحُسْنِ نِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، كَذَلِكَ الرَّجُلِ الْعَجِيبِ.»
الْآيَةُ ٩: رِسَالَةُ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ
٩. «يُوصِي»، أَيْ يُبَلِّغُ، يُعْلِنُ، يَطْلُبُ: إِذْ لَمْ يَكُنْ يُوسُفُ يَسْتَطِيعُ، وَلَمْ يُرِدْ، أَنْ يَأْمُرَ أَبَاهُ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.
الْآيَةُ ١١: «لِئَلَّا تَهْلِكَ أَنْتَ أَيْضًا»
١١. «لِئَلَّا تَهْلِكَ أَنْتَ أَيْضًا.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: pen tivvaresh، لِئَلَّا تَفْتَقِرَ، أَيْ لِئَلَّا تُعَانِيَ الْعَوَزَ وَالْجُوعَ فَتَهْلِكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. هَكَذَا يَقُولُ الْكَلْدَانِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ.
الْآيَةُ ١٨: «نُخَاعُ الْأَرْضِ»
١٨. «نُخَاعُ الْأَرْضِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: شَحْمُ الْأَرْضِ، أَيْ مَحَاصِيلُهَا وَأَفْضَلُ ثِمَارِهَا وَأَغْنَاهَا.
الْآيَةُ ٢٢: «حُلَّتَيْنِ»
٢٢. «حُلَّتَيْنِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: ثِيَابًا لِلتَّبْدِيلِ: أَيْ عَلَى الْأَقَلِّ حُلَّتَيْنِ، لِكَيْ يَسْتَبْدِلُوا إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مِنْ حِينٍ لِآخَرَ. إِذْ إِنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ تَشْمَلُ الْمُثَنَّى.
مُلَاحَظَةٌ: ثِيَابُ التَّبْدِيلِ يُسَمِّيهَا الْعِبْرَانِيُّونَ ثِيَابًا جَمِيلَةً وَفَاخِرَةً، مِثْلَ الَّتِي نَلْبَسُهَا فِي الْأَعْيَادِ حِينَ نَسْتَبْدِلُ بِالثِّيَابِ الْيَوْمِيَّةِ الرَّخِيصَةِ ثِيَابًا احْتِفَالِيَّةً أَكْرَمَ: وَلِذَلِكَ تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا «حُلَلًا».
ثَلَاثُمِئَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ
«ثَلَاثُمِئَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ.» ثَلَاثُمِئَةِ فِلُورِينٍ بْرَابَانْتِيٍّ؛ إِذْ إِنَّ الشَّاقِلَ الْفِضِّيَّ، أَوِ الْإِسْتَاتِيرَ، كَانَ يُسَاوِي وَيَزِنُ أَرْبَعَةَ رِيَالَاتٍ إِسْبَانِيَّةٍ. وَانْظُرْ الْمَزِيدَ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ ٣٠:٤٣.
الْآيَةُ ٢٤: «لَا تَتَخَاصَمُوا فِي الطَّرِيقِ»
٢٤. «لَا تَتَخَاصَمُوا فِي الطَّرِيقِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: لَا تَتَنَازَعُوا، أَيْ لَا يُلْقِ أَحَدُكُمُ اللَّوْمَ عَلَى الْآخَرِ وَيُعَيِّرُهُ بِالْجَرِيمَةِ الْمُرْتَكَبَةِ فِي حَقِّي. كَمَا كَانَ رَأُوبِينُ قَدْ بَدَأَ يَفْعَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ قَائِلًا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: لَا تَخْطَئُوا إِلَى الْغُلَامِ، فَلَمْ تَسْمَعُوا لِي؟ وَهَا دَمُهُ يُطْلَبُ»، الْإِصْحَاحُ ٤٢، الْآيَةُ ٢٢. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ يُوسُفَ، الْبَابُ ١٣: «يُعَلِّمُ أَنَّ الْخِلَافَ يَجِبُ تَجَنُّبُهُ فِي السَّفَرِ بِخَاصَّةٍ، حَيْثُ إِنَّ رِفْقَةَ الطَّرِيقِ ذَاتَهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَصُونَةً، وَلَهَا شَرِكَةُ النِّعْمَةِ.»
الْآيَةُ ٢٦: «كَأَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمٍ عَمِيقٍ»
٢٦. «كَأَنَّهُ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمٍ عَمِيقٍ.» مَذْهُولًا وَمَشْدُوهًا، حَتَّى لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَفْهَمَ أَوْ يَسْتَوْعِبَ أَمْرًا بِهَذِهِ الْعَظَمَةِ: فَهَكَذَا يَكُونُ الَّذِينَ يَسْتَيْقِظُونَ فَجْأَةً؛ فِي الْعِبْرِيَّةِ: خَارَ قَلْبُهُ، أَيْ نَالَ مِنَ التَّعْزِيَةِ مَا كَادَ قَلْبُهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ مِنَ الْفَرَحِ وَالدَّهْشَةِ، وَانْقَطَعَتِ الرُّوحُ الْحَيَوِيَّةُ، فَكَادَ أَنْ يَسْقُطَ فِي غَشْيَةٍ.
الْآيَةُ ٢٧: «فَانْتَعَشَتْ رُوحُهُ»
٢٧. «فَانْتَعَشَتْ رُوحُهُ.» كَلَهَبِ سِرَاجٍ يَكَادُ يَنْطَفِئُ بِنَفَادِ الزَّيْتِ ثُمَّ يَنْتَعِشُ حِينَ يُصَبُّ فِيهِ زَيْتٌ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ. وَلِذَلِكَ يَقْرَأُ مِنَ التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ: «اتَّقَدَ الشَّيْخُ مِنْ جَدِيدٍ (أَيْ، يَقُولُ: مِنْ شَيْخٍ صَارَ شَابًّا)، الْهَرِمُ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ.» وَبِالْمِثْلِ يَعْقُوبُ، الَّذِي كَانَ قَلْبُهُ قَدْ خَارَ سَابِقًا مِنَ الدَّهْشَةِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ وَغَيْرِ قَابِلٍ لِلتَّصْدِيقِ وَخَبَرٍ مَفْرُوحٍ بِهِ غَايَةَ الْفَرَحِ، الْآيَةُ ٢٦، الْآنَ إِذْ رَأَى الْعَجَلَاتِ وَكُلَّ الْعُدَّةِ الْمُرْسَلَةِ إِلَيْهِ مِنْ يُوسُفَ، عَادَ إِلَى نَفْسِهِ وَصَدَّقَ الْخَبَرَ الْمَفْرُوحَ بِهِ عَنْ حَيَاةِ يُوسُفَ، فَكَأَنَّهُ انْتَعَشَ مِنْ جَدِيدٍ. يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى يَعْقُوبَ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ، كَمَا يُفَسِّرُ الْعِبْرَانِيُّونَ، الرُّوحُ الْقُدُسُ لَا يَبْقَى فِي النَّاسِ الْحَزَانَى الْمَكْرُوبِينَ السَّوْدَاوِيِّينَ، وَبِالتَّالِي الْخَامِلِينَ الْكُسَالَى، بَلْ فِي الْمُبْتَهِجِينَ الْفَرِحِينَ النَّشِيطِينَ الْهُمَمِيِّينَ الْفَاعِلِينَ، كَمَا صَارَ يَعْقُوبُ الْآنَ: وَلِذَلِكَ نَالَ رُوحَ النُّبُوَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٤، الَّذِي حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى الْآنَ وَهُوَ يَنُوحُ. هَكَذَا يَقُولُونَ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِمْ.
الْآيَةُ ٢٨: «يَكْفِينِي»
٢٨. «يَكْفِينِي.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: كَثِيرٌ هُوَ لِي، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا أَفْرَحُ فَرَحًا عَظِيمًا؛ هَذَا الْخَبَرُ السَّارُّ يَفُوقُ أُمْنِيَاتِي وَآمَالِي؛ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَمَنَّاهُ أَوْ أَرْجُوهُ. «الْآنَ ذَلِكَ الشَّابُّ رَفَعَ عَقْلِي، وَطَرَدَ ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ، وَقَوَّى عَقْلِي»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٦٥.