كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ

(رِحْلَةُ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ)



مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَرْتَحِلُ يَعْقُوبُ بِكُلِّ ذُرِّيَّتِهِ، الَّتِي تُعَدَّدُ هُنَا، إِلَى مِصْرَ. ثَانِيًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٢٩، يَلْقَاهُ يُوسُفُ وَيَسْتَقْبِلُهُ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا

١. «فَارْتَحَلَ إِسْرَائِيلُ بِكُلِّ مَا كَانَ لَهُ، وَجَاءَ إِلَى بِئْرِ الْقَسَمِ، وَذَبَحَ هُنَاكَ ذَبَائِحَ لِإِلَهِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، ٢. فَسَمِعَهُ يُنَادِيهِ فِي رُؤْيَا اللَّيْلِ، وَيَقُولُ لَهُ: يَعْقُوبُ، يَعْقُوبُ؛ فَأَجَابَ: هَا أَنَا ذَا. ٣. قَالَ لَهُ اللَّهُ: أَنَا إِلَهُ أَبِيكَ الْأَقْوَى؛ لَا تَخَفْ، اِنْزِلْ إِلَى مِصْرَ، فَإِنِّي سَأَجْعَلُكَ هُنَاكَ أُمَّةً عَظِيمَةً. ٤. أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى هُنَاكَ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ رَاجِعًا مِنْ هُنَاكَ: وَيُوسُفُ أَيْضًا يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى عَيْنَيْكَ. ٥. فَقَامَ يَعْقُوبُ مِنْ بِئْرِ الْقَسَمِ: وَحَمَلَهُ أَبْنَاؤُهُ مَعَ أَطْفَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فِي الْعَرَبَاتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا فِرْعَوْنُ لِحَمْلِ الشَّيْخِ، ٦. وَكُلَّ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ: وَجَاءَ إِلَى مِصْرَ بِكُلِّ نَسْلِهِ، ٧. أَبْنَاؤُهُ، وَأَحْفَادُهُ، وَبَنَاتُهُ وَكُلُّ ذُرِّيَّتِهِ مَعًا. ٨. وَهَذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ، هُوَ مَعَ أَبْنَائِهِ. الْبِكْرُ رَأُوبَيْنُ. ٩. أَبْنَاءُ رَأُوبَيْنَ: حَنُوكُ وَفَلُّوا وَحَصْرُونُ وَكَرْمِي. ١٠. أَبْنَاءُ شِمْعُونَ: يَمُوئِيلُ وَيَامِينُ وَأَهُودُ، وَيَاكِينُ وَصُوحَرُ، وَشَاوُلُ ابْنُ الْكَنْعَانِيَّةِ. ١١. أَبْنَاءُ لَاوِي: جِرْشُونُ وَقَهَاتُ وَمَرَارِي. ١٢. أَبْنَاءُ يَهُوذَا: عِيرُ وَأُونَانُ وَشِيلَةُ وَفَارِصُ وَزَارَحُ. لَكِنَّ عِيرَ وَأُونَانَ مَاتَا فِي أَرْضِ كَنْعَانَ: وَقَدْ وُلِدَ ابْنَا فَارِصَ، حَصْرُونُ وَحَامُولُ. ١٣. أَبْنَاءُ يَسَّاكَرَ: تُولَعُ وَفُوَّةُ وَيَاشُوبُ وَشِمْرُونُ. ١٤. أَبْنَاءُ زَبُولُونَ: سَارِدُ وَأَيْلُونُ وَيَحْلِئِيلُ. ١٥. هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ لَيْئَةَ، الَّتِي وَلَدَتْهُمْ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ مِنْ سُورِيَّةَ، مَعَ دِينَةَ ابْنَتِهِ. جَمِيعُ نُفُوسِ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ، ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ. ١٦. أَبْنَاءُ جَادَ: صِفْيُونُ وَحَجِّي وَشُونِي وَأَصْبُونُ وَعِيرِي وَأَرُودِي وَأَرْئِيلِي. ١٧. أَبْنَاءُ أَشِيرَ: يِمْنَةُ وَيِشْوَةُ وَيِشْوِي وَبَرِيعَةُ، وَسَارَةُ أُخْتُهُمْ. أَبْنَاءُ بَرِيعَةَ: حَابِرُ وَمَلْكِيئِيلُ. ١٨. هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ زِلْفَةَ، الَّتِي أَعْطَاهَا لَابَانُ لِلَيْئَةَ ابْنَتِهِ، وَهَؤُلَاءِ وَلَدَتْهُمْ لِيَعْقُوبَ، سِتَّ عَشْرَةَ نَفْسًا. ١٩. ابْنَا رَاحِيلَ زَوْجَةِ يَعْقُوبَ: يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ. ٢٠. وَوُلِدَ لِيُوسُفَ أَبْنَاءٌ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَلَدَتْهُمْ لَهُ أَسْنَاتُ بِنْتُ فُوطِي فَارِعَ كَاهِنِ أُونَ: مَنَسَّى وَأَفْرَايِمُ. ٢١. أَبْنَاءُ بِنْيَامِينَ: بَالِعُ وَبَاكِرُ وَأَشْبِيلُ وَجِيرَا وَنَعْمَانُ وَإِيحِي وَرُوشُ وَمُفِّيمُ وَحُفِّيمُ وَأَرْدُ. ٢٢. هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ رَاحِيلَ الَّتِي وَلَدَتْهُمْ لِيَعْقُوبَ: جَمِيعُ النُّفُوسِ، أَرْبَعَ عَشْرَةَ. ٢٣. أَبْنَاءُ دَانَ: حُوشِيمُ. ٢٤. أَبْنَاءُ نَفْتَالِي: يَحْصِئِيلُ وَجُونِي وَيِصِرُ وَشِلِّيمُ. ٢٥. هَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ بِلْهَةَ، الَّتِي أَعْطَاهَا لَابَانُ لِرَاحِيلَ ابْنَتِهِ، وَهَؤُلَاءِ وَلَدَتْهُمْ لِيَعْقُوبَ: جَمِيعُ النُّفُوسِ، سَبْعٌ. ٢٦. جَمِيعُ النُّفُوسِ الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ، وَالَّتِي خَرَجَتْ مِنْ صُلْبِهِ، بِدُونِ زَوْجَاتِ أَبْنَائِهِ، سِتَّةٌ وَسِتُّونَ. ٢٧. وَابْنَا يُوسُفَ اللَّذَانِ وُلِدَا لَهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، نَفْسَانِ. جَمِيعُ نُفُوسِ بَيْتِ يَعْقُوبَ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ كَانُوا سَبْعِينَ. ٢٨. وَأَرْسَلَ يَهُوذَا أَمَامَهُ إِلَى يُوسُفَ لِيُخْبِرَهُ وَيَلْقَاهُ فِي جَاسَانَ. ٢٩. وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى هُنَاكَ، شَدَّ يُوسُفُ مَرْكَبَتَهُ وَصَعِدَ لِمُلَاقَاةِ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَيْنِهِ: فَلَمَّا رَآهُ ارْتَمَى عَلَى عُنُقِهِ، وَبَكَى بَيْنَ أَحْضَانِهِ. ٣٠. فَقَالَ الْأَبُ لِيُوسُفَ: الْآنَ أَمُوتُ سَعِيدًا، لِأَنِّي رَأَيْتُ وَجْهَكَ، وَأَتْرُكُكَ حَيًّا بَعْدِي. ٣١. ثُمَّ كَلَّمَ إِخْوَتَهُ وَكُلَّ بَيْتِ أَبِيهِ: سَأَصْعَدُ وَأُخْبِرُ فِرْعَوْنَ، وَأَقُولُ لَهُ: إِخْوَتِي وَبَيْتُ أَبِي، الَّذِينَ كَانُوا فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، جَاءُوا إِلَيَّ: ٣٢. وَهُمْ رُعَاةُ غَنَمٍ، وَيَعْتَنُونَ بِتَرْبِيَةِ الْقُطْعَانِ: مَوَاشِيهِمْ وَقُطْعَانُهُمْ وَكُلُّ مَا اسْتَطَاعُوا اقْتِنَاءَهُ جَلَبُوهُ مَعَهُمْ. ٣٣. وَمَتَى دَعَاكُمْ وَقَالَ: مَا صَنْعَتُكُمْ؟ ٣٤. فَأَجِيبُوا: عَبِيدُكَ رُعَاةٌ مُنْذُ صِبَانَا حَتَّى الْآنَ، نَحْنُ وَآبَاؤُنَا. وَتَقُولُونَ هَذَا لِكَيْ تَسْكُنُوا فِي أَرْضِ جَاسَانَ: لِأَنَّ الْمِصْرِيِّينَ يَمْقُتُونَ كُلَّ رُعَاةِ الْغَنَمِ.»


الْآيَةُ ١

«إِلَى بِئْرِ الْقَسَمِ،» أَيْ إِلَى بِئْرِ السَّبْعِ، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ؛ إِذْ إِنَّ بِئْرَ السَّبْعِ فِي الْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي بِئْرَ الْقَسَمِ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٢١، الْآيَةِ ٣١.


الْآيَةُ ٣

«لَا تَخَفْ.» كَانَ يُمْكِنُ لِيَعْقُوبَ أَنْ يَخَافَ الرِّحْلَةَ إِلَى مِصْرَ: أَوَّلًا، بِسَبَبِ مَشَاقِّ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ جِدًّا، لِئَلَّا يَمُوتَ هُوَ، وَهُوَ شَيْخٌ، فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَرَى يُوسُفَ. ثَانِيًا، لِئَلَّا يَتَشَرَّبَ أَهْلُهُ رَذَائِلَ الْمِصْرِيِّينَ. ثَالِثًا، لِئَلَّا يَسْتَقِرَّ نَسْلُهُ فِي مِصْرَ، وَهُمُ الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ، فَيُبْطِلُوا بِذَلِكَ مَوَاعِيدَ اللَّهِ وَيُسِيئُوا إِلَى اللَّهِ. لِذَلِكَ يُزِيلُ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الْخَوْفَ فِي الْآيَةِ ٤. كَانَتْ هَذِهِ إِذَنِ الْمِحْنَةَ التَّاسِعَةَ لِيَعْقُوبَ، لَكِنَّ اللَّهَ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ، سُرْعَانَ مَا بَدَّدَهَا بِظُهُورِهِ وَتَعْزِيَتِهِ.


الْآيَةُ ٤

«أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ،» أَنَا أَكُونُ رَفِيقَ رِحْلَتِكَ، بَلْ دَلِيلَكَ؛ سَأَقُودُكَ أَنْتَ وَذَوِيكَ إِلَى مِصْرَ؛ وَمِنْ هُنَاكَ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ أُعِيدُكَ، أَنْتَ مَيِّتًا، وَذُرِّيَّتَكَ أَحْيَاءً. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِتَقْوَى، فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ عَنْ يَعْقُوبَ، الْبَابِ التَّاسِعِ: «مَاذَا كَانَ يَنْقُصُهُ إِذَنْ، وَاللَّهُ حَاضِرٌ مَعَهُ؟ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ فِي دَارِهِ كَهَذَا الرَّجُلِ فِي دِيَارِ الْغُرْبَةِ؟ مَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْوَفْرِ فِي الرَّخَاءِ كَهَذَا الرَّجُلِ فِي الْمَجَاعَةِ؟ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ فِي الشَّبَابِ كَهَذَا الرَّجُلِ فِي الشَّيْخُوخَةِ (إِذْ فِيهِ، كَمَا يَقُولُ الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ، كَانَتْ تَتَنَافَسُ حَيَوِيَّةُ الشَّبَابِ الدَّائِبَةُ وَسَكِينَةُ الشَّيْخُوخَةِ)؟ مَنْ كَانَ بِذَلِكَ النَّشَاطِ فِي الْعَمَلِ كَهَذَا الرَّجُلِ فِي الْفَرَاغِ؟ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ السُّرْعَةِ فِي حَلَبَةِ السِّبَاقِ كَهَذَا الرَّجُلِ عَلَى سَرِيرِهِ؟ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ السَّعَادَةِ فِي رَيْعَانِ الصِّبَا كَهَذَا الرَّجُلِ عَلَى عَتَبَةِ الْمَوْتِ؟ مَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْغِنَى فِي مَمْلَكَةٍ كَهَذَا الرَّجُلِ فِي أَرْضِ الْغُرْبَةِ؟ وَفِي الْمُجْمَلِ، بَارَكَ الْمُلُوكَ. وَمَنْ يَقُولُ عَنْهُ فَقِيرًا، وَمُعَاشَرَتُهُ لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ أَهْلًا لَهَا؟ وَلِذَلِكَ كَانَتْ سِيرَتُهُ فِي السَّمَاءِ.» وَ: «مَا أَسْعَدَ مَنْ يَكُونُ اللَّهُ ذَاتُهُ رَفِيقَ رِحْلَتِهِ!» يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٦٥.

«وَيُوسُفُ أَيْضًا يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى عَيْنَيْكَ،» كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَيُغْلِقُ يُوسُفُ عَيْنَيْكَ عِنْدَ مَوْتِكَ، وَبِالتَّالِي تَتْرُكُ يُوسُفَ حَيًّا هُنَاكَ. مِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ عُرْفُ الْعِبْرَانِيِّينَ الْقَدِيمُ، الَّذِي كَانَ بِمُقْتَضَاهُ أَعَزُّ النَّاسِ يُغْلِقُونَ عُيُونَ أَحَبِّهِمُ الْمُحْتَضَرِينَ. وَقَدْ قَلَّدَ الْيُونَانُ وَالرُّومَانُ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ الْعَادَةَ نَفْسَهَا. لِذَلِكَ تَسْأَلُ أُمُّ أُورِيَالُوسَ عِنْدَ فِرْجِيلِيُوسَ، الْإِنِيَادَةُ ١١: «وَلَمْ أَحْضُرْ جِنَازَتَكَ أَنَا أُمُّكَ، وَلَمْ أُغْمِضْ عَيْنَيْكَ، وَلَمْ أَغْسِلْ جِرَاحَكَ.»

وَتَطْلُبُ بِينِيلُوبِي أَيْضًا مِنَ الْآلِهَةِ هَذَا الشَّيْءَ عَيْنَهُ، إِذْ تَكْتُبُ إِلَى أُولِيسِيسَ أَنْ يُغْلِقَ تِيلِيمَاكُوسُ ابْنُهُمَا عَيْنَيْ كِلَا الْأَبَوَيْنِ؛ إِذْ تَقُولُ هَكَذَا عِنْدَ أُوفِيدِيُوسَ: «أَيُّهَا الْآلِهَةُ، أَتَضَرَّعُ إِلَيْكُمْ، مُرُوا بِهَذَا: أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيَّ وَأَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْكَ، بِحَسَبِ تَرْتِيبِ الْأَقْدَارِ.»


الْآيَةُ ٧

«بَنَاتُهُ.» لَمْ يَكُنْ لِيَعْقُوبَ سِوَى ابْنَةٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ دِينَةُ؛ لِذَلِكَ يُسَمِّي «بَنَاتٍ» هُنَا كُلًّا مِنْ دِينَةَ وَكَنَائِنِهِ، أَيْ زَوْجَاتِ أَبْنَائِهِ.


الْآيَةُ ٨

«الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ.» إِمَّا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ فِي أَجْسَادِ آبَائِهِمْ، الَّذِينَ كَانُوا لَا يَزَالُونَ مُخْتَبِئِينَ فِيهِمْ. إِذْ يَشْمَلُ اسْمُ هَذَا الدُّخُولِ كُلَّ الْمُدَّةِ الَّتِي مَضَتْ مِنْ دُخُولِ يَعْقُوبَ حَتَّى مَوْتِ يُوسُفَ، كَمَا سَيَتَبَيَّنُ الْآنَ.

«هُوَ (أَيْ يَعْقُوبُ) مَعَ أَبْنَائِهِ.» أَكْمِلْ: نَزَلَ إِلَى مِصْرَ. هَكَذَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ.


الْآيَةُ ١٢

«حَصْرُونُ وَحَامُولُ.» وُلِدَ هَذَانِ لَاحِقًا فِي مِصْرَ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِمَّا قِيلَ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٣٨. وَمَعَ ذَلِكَ يُقَالُ إِنَّهُمَا نَزَلَا مَعَ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ، لَا بِشَخْصَيْهِمَا، بَلْ فِي صُلْبِ فَارِصَ أَبِيهِمَا، الَّذِي كَانَا لَا يَزَالَانِ مُخْتَبِئَيْنِ فِيهِ. إِذْ إِنَّ هَذَا النُّزُولَ وَالدُّخُولَ لِيَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ يَشْمَلُ أَيْضًا سَنَوَاتِ حَيَاتِهِ الْسَبْعَ عَشْرَةَ فِي مِصْرَ، كَمَا لَاحَظَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ بِحَقٍّ؛ بَلْ وَسَنَوَاتِ يُوسُفَ الْبَاقِيَةَ أَيْضًا، وَهِيَ ٧١ سَنَةً، لِأَنَّ يَعْقُوبَ نَزَلَ إِلَى مِصْرَ بِدَعْوَةِ يُوسُفَ وَتَدْبِيرِهِ.

مُلَاحَظَةٌ: يُعَدُّ هُنَا أَبْنَاءُ فَارِصَ قَبْلَ أَبْنَاءِ زَارَحَ، لِأَنَّ مِنْ فَارِصَ وَحَصْرُونَ انْحَدَرَ مُلُوكُ يَهُوذَا، وَالْمَسِيحُ الرَّبُّ.

«جَمِيعُ نُفُوسِ بَنِيهِ.» «نُفُوسٌ»، أَيِ الْمَوْلُودُونَ، الْمُنْجَبُونَ، أَيِ الْأَبْنَاءُ وَالْأَحْفَادُ: إِذْ كَانَ حَصْرُونُ وَحَامُولُ أَحْفَادًا لَا أَبْنَاءً لِيَعْقُوبَ؛ وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ.


الْآيَةُ ١٥

«ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ،» بِاحْتِسَابِ لَيْئَةَ نَفْسِهَا أَيْضًا؛ أَوْ بِالْأَحْرَى بِاحْتِسَابِ يَعْقُوبَ نَفْسِهِ مَعَ أَبْنَائِهِ وَابْنَتِهِ دِينَةَ. إِذْ لَا يَبْدُو أَنَّ لَيْئَةَ دَخَلَتْ مِصْرَ، بَلْ مَاتَتْ قَبْلَ ذَلِكَ: فَقَدْ دُفِنَتْ فِي حَبْرُونَ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٤٩، الْآيَةِ ٣١. وَيُسْتَبْعَدُ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ عِيرُ وَأُونَانُ، لِكَوْنِهِمَا مَيِّتَيْنِ.


الْآيَةُ ٢١

«أَبْنَاءُ بِنْيَامِينَ.» يُعَدُّ هُنَا عَشَرَةُ أَبْنَاءٍ لِبِنْيَامِينَ، وَقَدْ أَنْجَبَ بَعْضَهُمْ لَاحِقًا فِي مِصْرَ. إِذْ فِي وَقْتِ نُزُولِهِ إِلَى مِصْرَ، لَمْ يَكُنْ بِنْيَامِينُ إِلَّا فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْجَبَ كُلَّ هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاءِ. كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ كُلُّ هَؤُلَاءِ أَبْنَاءً بَلْ بَعْضُهُمْ أَحْفَادٌ لِبِنْيَامِينَ: إِذْ تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ صَرَاحَةً: وَجِيرَا وَلَدَ أَرْدَ. فَأَرْدُ إِذَنْ لَمْ يَكُنِ ابْنًا بَلْ حَفِيدًا لِبِنْيَامِينَ، مِنِ ابْنِهِ جِيرَا.

«رُوشُ.» يَرَى ثِيوُودُورِيطُسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ أَنَّ الرُّومَانَ يَنْحَدِرُونَ مِنْ رُوشَ وَيُسَمَّوْنَ بِاسْمِهِ؛ لَكِنَّهُمَا مُخْطِئَانِ: إِذِ الرُّومَانُ اسْتَمَدُّوا اسْمَهُمْ وَأَصْلَهُمْ مِنْ رُومُولُوسَ.

«أَرْدُ.» مِنْهُ يَنْحَدِرُ الْأَرَادِيُّونَ، كَمَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْأَرَادِيِّينَ يَنْحَدِرُونَ مِنْ أَرَادِيُوسَ، ابْنِ كَنْعَانَ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ١٠، الْآيَةِ ١٨؛ إِذِ الْأَرَادِيُّونَ كَانُوا كَنْعَانِيِّينَ لَا يَهُودًا، شَأْنُهُمْ شَأْنُ الصِّيدُونِيِّينَ وَالصُّورِيِّينَ وَالْجُبَيْلِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ جِيرَانِ الْأَرَادِيِّينَ.


الْآيَةُ ٢٦

«جَمِيعُ النُّفُوسِ،» أَيْ جَمِيعُ النَّاسِ، كُلُّ الذُّرِّيَّةِ؛ وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ. هَكَذَا نُسَمِّي النَّاسَ الْأَدْنِيَاءَ نُفُوسًا دَنِيئَةً: وَعَلَى الْعَكْسِ، يُسَمِّي لُوكَانُوسُ الْأَبْطَالَ الَّذِينَ سَقَطُوا فِي الْحَرْبِ نُفُوسًا شُجَاعَةً، حِينَ يَقُولُ: «وَأَنْتُمْ أَيْضًا أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الشُّجَاعَةُ، وَالْقَتْلَى فِي الْحَرْبِ.»

لَاحِظْ هَذَا، لِئَلَّا يَسْتَنْتِجَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ أَرْوَاحَ الْبَشَرِ، شَأْنَهَا شَأْنَ أَرْوَاحِ الْبَهَائِمِ، تُولَدُ بِالتَّنَاسُلِ، أَيْ مِنْ نُطْفَةِ الْوَالِدَيْنِ وَرُوحِهِمَا، إِذِ الْإِيمَانُ يُعَلِّمُ أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ يَخْلُقُهَا اللَّهُ وَحْدَهُ وَيَنْفُخُهَا فِي الْإِنْسَانِ؛ وَلِذَلِكَ فَهِيَ خَالِدَةٌ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٣٧، الْآيَةِ ٣٥.

«خَرَجَتْ مِنْ صُلْبِهِ» [حَرْفِيًّا: فَخْذِهِ]، أَيْ مِنَ الْأَعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ؛ وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ. ثَانِيًا، بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ «مِنَ الْفَخْذِ»، لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ فْرَنْسِيسْكُوسْ فَالِيسِيُوسْ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمُقَدَّسَةِ، الْبَابِ الثَّالِثِ، تُوجَدُ حَقًّا فِي الْفَخْذِ ثَلَاثَةُ عُرُوقٍ مَنَوِيَّةٌ، تَنْشَأُ مِنْ عُرُوقِ الْقَطَنِ، وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى السَّاقَيْنِ تَعُودُ فِي الرِّجَالِ عَبْرَ الْفَخْذَيْنِ إِلَى كِيسِ الصَّفَنِ، وَفِي النِّسَاءِ إِلَى الرَّحِمِ، وَتُمِدُّ الْجُزْءَ الْأَكْثَرَ خُصُوبَةً مِنَ الْمَنِيِّ؛ وَمِنْ هُنَا فِي سِفْرِ الْعَدَدِ ٥: ٢١، فِي لَعْنَةِ الزَّانِيَةِ يُقَالُ: «لِتَتَعَفَّنْ فَخْذُكِ حِينَ يَنْتَفِخُ بَطْنُكِ،» كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِتُعَاقَبِي فِي الْفَخْذِ الَّتِي أَسَأْتِ اسْتِعْمَالَهَا، لِكَيْ تَتَعَفَّنَ الْفَخْذُ الَّتِي تَنَعَّمْتِ بِهَا، وَلِتُبْتَلِي بِالْعُقْمِ وَالْفَسَادِ، أَنْتِ الَّتِي طَلَبْتِ أَبْنَاءً مِنَ الزِّنَا.

«سِتَّةٌ وَسِتُّونَ،» فِي هَذَا الْعَدَدِ لَا يُحْتَسَبُ يَعْقُوبُ، بِاعْتِبَارِهِ أَبَا الْجَمِيعِ، وَلَا يُوسُفُ وَأَبْنَاؤُهُ، بِاعْتِبَارِهِمْ كَانُوا فِي مِصْرَ بِالْفِعْلِ.


الْآيَةُ ٢٧

«سَبْعُونَ.» يَجِبُ هُنَا أَنْ تَحْسِبَ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ وَيُوسُفَ مَعَ ابْنَيْهِ: فَعِنْدَئِذٍ سَتَجِدُ سَبْعِينَ.

فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ إِذَنْ تَحْسِبُ السَّبْعِينِيَّةُ وَمِنْهَا الْقِدِّيسُ لُوقَا، أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٧: ١٤، خَمْسَةً وَسَبْعِينَ؟ أُجِيبُ: إِنَّهُمْ يُضِيفُونَ وَيَحْسِبُونَ فِي سِلْسِلَةِ يُوسُفَ مَاكِيرَ ابْنَ مَنَسَّى، وَحَفِيدَهُ جِلْعَادَ. كَذَلِكَ ابْنَيْ أَفْرَايِمَ، شُوتَالَحَ وَيَعَامَ، وَحَفِيدَهُ إِيدِمَ الَّذِي كَانَ ابْنَ شُوتَالَحَ؛ فَبِإِضَافَةِ هَؤُلَاءِ يَبْلُغُ الْعَدَدُ ٧٥. وَيُضَافُ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا وَيُوسُفُ جَدُّهُمْ لَا يَزَالُ حَيًّا، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ الْإِصْحَاحِ ٥٠، الْآيَةِ ٢٢. إِذْ إِنَّ هَذَا النُّزُولَ وَالدُّخُولَ لِيَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ يَمْتَدُّ حَتَّى مَوْتِ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٨. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللَّهِ، الْبَابِ ٤٠.

فَإِنْ سَأَلْتَ: لِمَاذَا يُعَدُّ أَحْفَادُ يُوسُفَ بِالذَّاتِ، دُونَ أَحْفَادِ إِخْوَتِهِ الْآخَرِينَ، فِي هَذَا السِّجِلِّ؟ يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ: أَوَّلًا، لِأَنَّ يُوسُفَ كَانَ سَبَبَ نُزُولِ يَعْقُوبَ وَإِخْوَتِهِ إِلَى مِصْرَ. ثَانِيًا، كَمَا يَحْسِبُ مُوسَى أَحْفَادَ يَهُوذَا، كَذَلِكَ تَحْسِبُ السَّبْعِينِيَّةُ أَحْفَادَ يُوسُفَ، لِأَنَّ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ وَرِثَا بَكُورِيَّةَ رَأُوبَيْنَ؛ وَلِذَلِكَ نَالَتْ ذُرِّيَّتُهُمَا مَمْلَكَةَ يَهُوذَا وَمَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ. فَمِنْ يُوسُفَ، أَيْ مِنْ أَفْرَايِمَ، نَشَأَ مُلُوكُ إِسْرَائِيلَ، وَمِنْ يَهُوذَا مُلُوكُ يَهُوذَا. ثَالِثًا، لِأَنَّ يُوسُفَ كَانَ رَئِيسَ إِخْوَتِهِ، بَلْ رَئِيسَ مِصْرَ. رَابِعًا، لِأَنَّ يَعْقُوبَ تَبَنَّى أَبْنَاءَ يُوسُفَ كَأَبْنَاءٍ لَهُ، كَمَا سَنَرَى فِي الْإِصْحَاحِ ٤٨.

فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يُعَدِّدُ هُنَا سُلَالَةَ يَعْقُوبَ، لِيُبَيِّنَ كَيْفَ نَمَتْ فِي مِصْرَ، وَكَيْفَ تَحَقَّقَ وَعْدُ اللَّهِ: «سَأَجْعَلُكَ هُنَاكَ أُمَّةً عَظِيمَةً،» الْآيَةُ ٣. إِذْ لَمْ يَدْخُلْ مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ سِوَى ٧٠، لَكِنْ خَرَجَ مَعَ مُوسَى نَحْوُ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ رَاجِلٍ، بِدُونِ الْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، سِفْرُ الْخُرُوجِ ١٢: ٣٧. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.


الْآيَةُ ٣٤

«نَحْنُ رُعَاةٌ.» لَاحِظْ تَوَاضُعَ يُوسُفَ وَحِكْمَتَهُ وَبَسَاطَتَهُ. تَوَاضُعَهُ، لِأَنَّهُ فِي بَلَاطِ فِرْعَوْنَ يُرِيدُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ أَخُو رُعَاةٍ. حِكْمَتَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَسْعَى إِلَى إِبْقَاءِ إِخْوَتِهِ فِي الْبَلَاطِ، لِئَلَّا يُفْسِدَهُمْ أَخْلَاقُ الْبَلَاطِ. بَسَاطَتَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ إِخْوَتَهُ إِلَى الْمَنَاصِبِ الرَّفِيعَةِ، بَلْ يُبْقِيهِمْ فِي صَنْعَةِ الرِّعَايَةِ الَّتِي كَانُوا يُجِيدُونَهَا. وَكَمْ يَخْتَلِفُ عَنْ ذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، الَّذِينَ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَحْقَرِ الْأُصُولِ، يُرِيدُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَبْدُوا نُبَلَاءَ، وَالَّذِينَ إِذَا رُفِعُوا إِلَى الْمَنَاصِبِ يَرْفَعُونَ مَعَهُمْ ذَوِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ أَكْفَاءَ، فَيُلْحِقُونَ الضَّرَرَ وَالْعَارَ وَالْخَطَرَ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِأُسْرَتِهِمْ وَبِالْجُمْهُورِيَّةِ.

أَرَادَ يُوسُفُ إِذَنْ أَنْ يَسْكُنَ إِخْوَتُهُ فِي جَاسَانَ فَقَطْ: لِكَيْ يَكُونُوا بِمَعْزِلٍ عَنْ مُعَامَلَاتِ الْمِصْرِيِّينَ وَرَذَائِلِهِمْ؛ وَلِكَيْ يَسْهُلَ عَلَيْهِمْ مِنْ هُنَاكَ الْخُرُوجُ مِنْ مِصْرَ وَالرُّجُوعُ إِلَى كَنْعَانَ بِقِيَادَةِ مُوسَى.

وَقَدْ شَابَهَ يُوسُفَ فِي هَذَا الشَّأْنِ فُوكِيُونُ، الَّذِي لَمَّا رَفَضَ هَدَايَا مِنْ مَبَالِغَ كَبِيرَةٍ مِنَ الْمَالِ مِنَ الْمَلِكِ فِيلِبُّوسَ، وَحَثَّهُ السُّفَرَاءُ عَلَى قَبُولِهَا لِيُوَفِّرَ لِأَبْنَائِهِ عَلَى الْأَقَلِّ، إِذْ يَصْعُبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصُونُوا مَجْدَ أَبِيهِمْ فِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَجَابَ: «إِنْ كَانُوا مِثْلِي، فَإِنَّ هَذَا الْحَقْلَ الصَّغِيرَ نَفْسَهُ سَيُغَذِّيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي أَوْصَلَنِي إِلَى هَذِهِ الْمَكَانَةِ: وَإِنْ كَانُوا مُخَالِفِينَ لِي، فَلَا أُرِيدُ أَنْ تُغَذَّى تَرَفُهُمْ وَتُنَمَّى عَلَى نَفَقَتِي،» كَمَا يَرْوِي بْرُوبُوسُ فِي سِيرَتِهِ. وَقَدْ أَجَابَ الرَّجُلُ نَفْسُهُ، حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ مِينِيلُّوسُ وَالِي أَنْتِيبَاتِرُوسَ هَدِيَّةً: «رَفَضْتُ هَدَايَا الْعَظِيمِ؛ وَأَنْتِيبَاتِرُوسُ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِ.» وَلَمَّا أَلَحَّ مِينِيلُّوسُ أَنْ يَقْبَلَهَا عَلَى الْأَقَلِّ لِابْنِهِ فُوكُوسَ، أَجَابَ: «إِنْ غَيَّرَ فُوكُوسُ حَيَاتَهُ وَعَادَ إِلَى الْفَضِيلَةِ، فَإِنَّ مِيرَاثَهُ يَكْفِيهِ؛ أَمَّا كَمَا هُوَ حَالُهُ الْآنَ، فَلَا شَيْءَ يَكْفِيهِ.» وَأَكْثَرُ شَبَهًا بِيُوسُفَ وَأَعْظَمُ شَأْنًا كَانَ الْإِمْبِرَاطُورُ ثِيُودُوسِيُوسُ، الَّذِي لَمَّا جَاءَ إِلَى الْمَدْرَسَةِ وَرَأَى أَرْكَادِيُوسَ وَهُونُورِيُوسَ ابْنَيْهِ جَالِسَيْنِ بِأُبَّهَةٍ بَيْنَمَا أَرْسَانِيُوسُ مُعَلِّمُهُمَا وَاقِفٌ، جَرَّدَهُمَا مِنْ شَارَاتِ الْأُمَرَاءِ، وَأَضَافَ أَنَّهُمَا إِنْ أَحْسَنَا السُّلُوكَ بِحَيْثُ يُوَافِقَانِ طِبَاعَهُمَا لِلْعِلْمِ وَشَرَائِعِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَمِيلُ إِلَى تَسْلِيمِهِمَا الْإِمْبِرَاطُورِيَّةَ لِصَالِحِ الْجُمْهُورِيَّةِ؛ وَإِلَّا فَإِنَّهُ قَالَ إِنَّ الْأَنْفَعَ لَهُمَا أَنْ يَعِيشَا كَمُوَاطِنِينَ عَادِيِّينَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَحْكُمَا بِلَا عِلْمٍ وَبِخَطَرٍ؛ كَمَا يَشْهَدُ نِيقِيفُورُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ تَارِيخِهِ، الْبَابِ ٢٣.

«يَمْقُتُ الْمِصْرِيُّونَ كُلَّ رُعَاةِ الْغَنَمِ،» لِأَنَّ الرُّعَاةَ اعْتَادُوا ذَبْحَ أَغْنَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَأَكْلَ لُحُومِهَا، وَهِيَ الَّتِي كَانَ الْمِصْرِيُّونَ يَعْبُدُونَهَا كَآلِهَةٍ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٨: ٢٦. وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ الْمِصْرِيُّونَ يُرَبُّونَ الْأَغْنَامَ وَالْأَبْقَارَ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١٧، لَا لِلْأَكْلِ، بَلْ: أَوَّلًا، لِأَجْلِ الصُّوفِ وَالْحَلِيبِ؛ ثَانِيًا، لِمُتْعَتِهِمْ؛ ثَالِثًا، لِتَسْمِيدِ الْحُقُولِ؛ رَابِعًا، لِكَيْ يَبِيعُوهَا لِلْأُمَمِ الْأُخْرَى.