كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُقَدِّمُ يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ، الَّذِي يُعْطِيهِمْ أَرْضَ جَاسَانَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٥، يَبِيعُ الْمِصْرِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجَاعَةِ مَوَاشِيَهُمْ وَحُقُولَهُمْ لِيُوسُفَ وَفِرْعَوْنَ مُقَابِلَ الْحُبُوبِ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٧، يَعْقُوبُ وَهُوَ يَحْتَضِرُ يُحَلِّفُ يُوسُفَ أَنْ يَدْفِنَهُ فِي كَنْعَانَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا
١. «فَدَخَلَ يُوسُفُ وَأَخْبَرَ فِرْعَوْنَ قَائِلًا: أَبِي وَإِخْوَتِي وَغَنَمُهُمْ وَبَقَرُهُمْ وَكُلُّ مَا يَمْلِكُونَ جَاؤُوا مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ، وَهَا هُمْ فِي أَرْضِ جَاسَانَ.» ٢. «وَقَدَّمَ خَمْسَةَ رِجَالٍ مِنْ أَصْغَرِ إِخْوَتِهِ أَمَامَ الْمَلِكِ،» ٣. «فَسَأَلَهُمْ: مَا عَمَلُكُمْ؟ فَأَجَابُوا: عَبِيدُكَ رُعَاةُ غَنَمٍ، نَحْنُ وَآبَاؤُنَا.» ٤. «جِئْنَا لِنَتَغَرَّبَ فِي أَرْضِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَرْعًى لِغَنَمِ عَبِيدِكَ، إِذْ تَشْتَدُّ الْمَجَاعَةُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ؛ وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَأْمُرَ بِأَنْ يُقِيمَ عَبِيدُكَ فِي أَرْضِ جَاسَانَ.» ٥. «فَقَالَ الْمَلِكُ لِيُوسُفَ: أَبُوكَ وَإِخْوَتُكَ جَاؤُوا إِلَيْكَ.» ٦. «أَرْضُ مِصْرَ أَمَامَكَ، أَسْكِنْهُمْ فِي أَحْسَنِ مَوْضِعٍ، وَأَعْطِهِمْ أَرْضَ جَاسَانَ. وَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّ فِيهِمْ رِجَالًا أَكْفَاءَ، فَأَقِمْهُمْ رُؤَسَاءَ عَلَى مَوَاشِيَّ.» ٧. «ثُمَّ أَدْخَلَ يُوسُفُ أَبَاهُ إِلَى الْمَلِكِ وَأَوْقَفَهُ أَمَامَهُ، فَبَارَكَهُ،» ٨. «وَسَأَلَهُ: كَمْ هِيَ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِكَ؟» ٩. «فَأَجَابَ: أَيَّامُ غُرْبَتِي مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، قَلِيلَةٌ وَشِرِّيرَةٌ، وَلَمْ تَبْلُغْ أَيَّامَ آبَائِي فِي أَيَّامِ غُرْبَتِهِمْ.» ١٠. «وَبَارَكَ الْمَلِكَ وَخَرَجَ.» ١١. «وَأَعْطَى يُوسُفُ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ مِلْكًا فِي مِصْرَ، فِي أَحْسَنِ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، فِي رَعَمْسِيسَ، كَمَا أَمَرَ فِرْعَوْنُ.» ١٢. «وَعَالَهُمْ وَكُلَّ بَيْتِ أَبِيهِ، مُقَدِّمًا طَعَامًا لِكُلِّ وَاحِدٍ.» ١٣. «إِذْ لَمْ يَكُنْ خُبْزٌ فِي كُلِّ الْأَرْضِ، وَكَانَتِ الْمَجَاعَةُ قَدْ ضَغَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا سِيَّمَا مِصْرَ وَكَنْعَانَ.» ١٤. «فَجَمَعَ مِنْهَا كُلَّ الْفِضَّةِ مِنْ بَيْعِ الْحُبُوبِ، وَأَدْخَلَهَا فِي خِزَانَةِ الْمَلِكِ.» ١٥. «وَلَمَّا نَفِدَتْ فِضَّةُ الْمُشْتَرِينَ، جَاءَتْ كُلُّ مِصْرَ إِلَى يُوسُفَ قَائِلَةً: أَعْطِنَا خُبْزًا، لِمَاذَا نَمُوتُ أَمَامَكَ وَقَدْ نَفِدَتْ فِضَّتُنَا؟» ١٦. «فَأَجَابَهُمْ: أَحْضِرُوا مَوَاشِيَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ طَعَامًا بَدَلًا مِنْهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكُمْ فِضَّةٌ.» ١٧. «فَلَمَّا أَحْضَرُوهَا، أَعْطَاهُمْ طَعَامًا بَدَلًا مِنْ خُيُولِهِمْ وَغَنَمِهِمْ وَبَقَرِهِمْ وَحَمِيرِهِمْ؛ وَأَعَالَهُمْ تِلْكَ السَّنَةَ بَدَلًا مِنْ مَوَاشِيهِمْ.» ١٨. «وَجَاؤُوا أَيْضًا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَقَالُوا لَهُ: لَا نَكْتُمُ عَنْ سَيِّدِنَا أَنَّ فِضَّتَنَا قَدْ نَفِدَتْ، وَكَذَلِكَ مَوَاشِينَا؛ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَدَيْنَا سِوَى أَجْسَادِنَا وَأَرَاضِينَا.» ١٩. «فَلِمَاذَا نَمُوتُ أَمَامَ عَيْنَيْكَ؟ نَحْنُ وَأَرْضُنَا لَكَ، اشْتَرِنَا لِلْعُبُودِيَّةِ الْمَلَكِيَّةِ، وَأَعْطِنَا بَذْرًا، لِئَلَّا تَصِيرَ الْأَرْضُ خَرَابًا لِعَدَمِ الزُّرَّاعِ.» ٢٠. «فَاشْتَرَى يُوسُفُ كُلَّ أَرْضِ مِصْرَ، إِذْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ أَمْلَاكَهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْمَجَاعَةِ. وَأَخْضَعَهَا لِفِرْعَوْنَ،» ٢١. «وَجَمِيعَ شُعُوبِهَا مِنْ أَقْصَى حُدُودِ مِصْرَ إِلَى أَقْصَى أَطْرَافِهَا،» ٢٢. «مَا عَدَا أَرْضَ الْكَهَنَةِ الَّتِي أَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا الْمَلِكُ؛ وَكَانَ يُقَدَّمُ لَهُمْ أَيْضًا حِصَّةٌ ثَابِتَةٌ مِنَ الطَّعَامِ مِنَ الْمَخَازِنِ الْعَامَّةِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُضْطَرُّوا إِلَى بَيْعِ أَمْلَاكِهِمْ.» ٢٣. «فَقَالَ يُوسُفُ لِلشُّعُوبِ: هَا كَمَا تَرَوْنَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ يَمْلِكُكُمْ وَأَرْضَكُمْ؛ خُذُوا بَذْرًا وَازْرَعُوا الْحُقُولَ،» ٢٤. «لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ مَحْصُولٌ. تُعْطُونَ خُمُسًا لِلْمَلِكِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ أُبِيحُهَا لَكُمْ لِلزِّرَاعَةِ وَلِطَعَامِ عَائِلَاتِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ.» ٢٥. «فَأَجَابُوا: خَلَاصُنَا فِي يَدِكَ؛ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْنَا سَيِّدُنَا فَقَطْ، وَنَخْدِمُ الْمَلِكَ بِفَرَحٍ.» ٢٦. «مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْيَوْمِ الْحَاضِرِ، فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ، يُدْفَعُ الْخُمُسُ لِلْمُلُوكِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ شَرِيعَةٌ، مَا عَدَا أَرْضَ الْكَهَنَةِ الَّتِي كَانَتْ مُعْفَاةً مِنْ هَذَا الشَّرْطِ.» ٢٧. «فَسَكَنَ إِسْرَائِيلُ فِي مِصْرَ، أَيْ فِي أَرْضِ جَاسَانَ، وَتَمَلَّكَهَا، وَنَمَا وَتَكَاثَرَ جِدًّا.» ٢٨. «وَعَاشَ فِيهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ حَيَاتِهِ مِئَةً وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.» ٢٩. «وَلَمَّا رَأَى يَوْمَ مَوْتِهِ يَقْتَرِبُ، دَعَا ابْنَهُ يُوسُفَ وَقَالَ لَهُ: إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخِذِي، وَتَصْنَعُ مَعِي رَحْمَةً وَحَقًّا، أَنْ لَا تَدْفِنَنِي فِي مِصْرَ؛» ٣٠. «بَلْ أَرْقُدُ مَعَ آبَائِي، وَتَنْقُلُنِي مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ وَتَضَعُنِي فِي قَبْرِ أَجْدَادِي. فَأَجَابَ يُوسُفُ: أَفْعَلُ كَمَا أَمَرْتَ.» ٣١. «فَقَالَ: احْلِفْ لِي إِذَنْ. وَلَمَّا حَلَفَ، سَجَدَ إِسْرَائِيلُ للهِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ رَأْسِ سَرِيرِهِ.»
الْآيَةُ ٢
«وَقَدَّمَ خَمْسَةَ رِجَالٍ مِنْ أَصْغَرِ إِخْوَتِهِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «مِنْ طَرَفِ إِخْوَتِهِ أَخَذَ خَمْسَةَ رِجَالٍ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَمْ يَخْتَرْ يُوسُفُ بِعِنَايَةٍ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ، مُحَدِّدًا هَذَا أَوْ ذَاكَ مِنْ وَسَطِ الْإِخْوَةِ، بَلْ أَخَذَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الطَّرَفِ وَالْأَكْثَرَ تَوَافُرًا. هَكَذَا قَالَ فَاتَابْلُوسُ. ثَانِيًا، يُفَسِّرُ لِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ وَتُومَا الْإِنْجِلِيزِيُّ «الْأَصْغَرَ» بِمَعْنَى الْأَفْضَلَ. ثَالِثًا، يَفْهَمُ الْعِبْرَانِيُّونَ وَأُولِيسْتَرُ وَهَامِرُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ مِنْ كَلِمَةِ «الْأَصْغَرِ» الْأَقَلَّ جَمَالًا وَالْأَكْثَرَ تَوَاضُعًا فِي الْمَظْهَرِ؛ فَقَدْ عَرَضَ يُوسُفُ هَؤُلَاءِ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْرِضِ الْأَجْمَلَ وَالْأَكْثَرَ أَنَاقَةً، لِئَلَّا يُجَنِّدَهُمْ فِرْعَوْنُ فِي بَلَاطِهِ أَوْ جَيْشِهِ، وَهُوَ مَا لَمْ يُرِدْهُ يُوسُفُ، كَيْ لَا يَتَشَبَّعَ إِخْوَتُهُ بِعَقَائِدِ الْمِصْرِيِّينَ وَعَادَاتِهِمْ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ هُوَ الْأَبْسَطُ وَالْأَكْثَرُ مُوَافَقَةً لِلتَّعْبِيرِ الْعِبْرِيِّ.
الْآيَةُ ٤
«لَيْسَ مَرْعًى لِلْغَنَمِ.» إِنْ كَانَ هَذَا كَذَلِكَ فِي كَنْعَانَ، فَلِمَاذَا لَيْسَ أَيْضًا فِي مِصْرَ؟ إِذْ كَانَ هَذَا جَفَافًا عَامًّا شَامِلًا وَجَدْبًا. يُجِيبُ أَبُولِنْسِيسُ بِأَنَّ حَالَةَ كَنْعَانَ وَمِصْرَ مُخْتَلِفَةٌ، لِأَنَّ مِصْرَ تُرْوَى بِقَنَوَاتٍ كَثِيرَةٍ مُشْتَقَّةٍ مِنَ النِّيلِ، وَهُوَ مَا تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَنْعَانُ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي السُّؤَالِ ١٦٠، أَنَّ مُسْتَنْقَعَاتِ مِصْرَ رَطْبَةٌ بِذَاتِهَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، بِحَيْثُ أَنَّهُ كُلَّمَا قَلَّ فَيَضَانُ النِّيلِ، كَثُرَ الْعُشْبُ فِي تِلْكَ الْمُسْتَنْقَعَاتِ؛ وَلَكِنْ كُلَّمَا زَادَ فَيَضَانُ النِّيلِ، قَلَّ مَا تُنْتِجُهُ مِنَ الْعُشْبِ.
الْآيَةُ ٦
«أَمَامَكَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُقَدِّمُ لَكَ كُلَّ مِصْرَ؛ اخْتَرْ أَيَّ جُزْءٍ تَشَاءُ لِأَبِيكَ. «فَأَقِمْهُمْ رُؤَسَاءَ عَلَى مَوَاشِيَّ.» يُؤَكِّدُ فِيلُونُ وَيُوسِيفُوسُ أَنَّ هَذَا قَدْ تَمَّ بِالْفِعْلِ.
الْآيَةُ ٧
«فَبَارَكَهُ»، أَيْ سَلَّمَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَتَمَنَّى لَهُ الْخَيْرَ، قَائِلًا مَثَلًا: «لِيَحْيَ الْمَلِكُ إِلَى الْأَبَدِ، لِيَحْفَظْكَ اللهُ وَيُبَارِكْكَ.» وَيَحْدُثُ أَمْرٌ مُمَاثِلٌ فِي الْآيَةِ ١٠. انْظُرْ مَارْتِينُ دِي رُوَّا، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ، الْفَصْلُ التَّاسِعُ، حَوْلَ هَذَا التَّعْبِيرِ.
الْآيَةُ ٩: أَيَّامُ غُرْبَتِي
«أَيَّامُ غُرْبَةِ حَيَاتِي»، لِأَنَّ يَعْقُوبَ غَيَّرَ مَقَرَّ إِقَامَتِهِ مِرَارًا. فَمِنْ كَنْعَانَ ذَهَبَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَعِنْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ هُنَاكَ تَغَرَّبَ مَرَّةً أُخْرَى فِي كَنْعَانَ، بِحَيْثُ بَدَتْ حَيَاتُهُ كُلُّهَا غُرْبَةً مُتَوَاصِلَةً. يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أَنَّ الصَّالِحِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ غُرَبَاءُ، لِأَنَّ وَطَنَهُمُ السَّمَاءُ؛ وَعَلَى الْعَكْسِ، يُدْعَى الْخَاطِئُونَ وَهُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ. انْظُرِ التَّعْلِيقَاتِ عَلَى الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، الْإِصْحَاحِ ١١، الْآيَةِ ١٣، وَهُنَا الْإِصْحَاحِ ١٢، الْآيَةِ ١، فِي نِهَايَتِهَا.
«مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً.» فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، كَانَ يُوسُفُ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنَ الْعُمُرِ، وَرَأُوبِينُ فِي السَّادِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَشَمْعُونُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَلَاوِي فِي الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، وَيَهُوذَا فِي الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا ذُكِرَ فِي الْإِصْحَاحَيْنِ ٢٩ وَ٣٠. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ نُزُولَ يَعْقُوبَ إِلَى مِصْرَ وَقَعَ بَعْدَ ٢١٥ سَنَةً مِنْ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ كَلْدَةَ إِلَى كَنْعَانَ: فَعِنْدَمَا دُعِيَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى هُنَاكَ كَانَ فِي الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنَ الْعُمُرِ؛ وَفِي السَّنَةِ الْمِئَةِ مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ وُلِدَ إِسْحَاقُ؛ وَإِسْحَاقُ فِي السَّنَةِ السِّتِّينَ مِنْ عُمُرِهِ وَلَدَ يَعْقُوبَ؛ وَيَعْقُوبُ عِنْدَ نُزُولِهِ إِلَى مِصْرَ كَانَ فِي الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنَ الْعُمُرِ. فَإِنْ أَضَفْتَ إِلَى هَذِهِ الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ تِلْكَ الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى مَوْلِدِ إِسْحَاقَ، وَالسِّتِّينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ إِسْحَاقَ حَتَّى مَوْلِدِ يَعْقُوبَ، حَصَلْتَ عَلَى الْمِئَتَيْنِ وَالْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الْمَذْكُورَةِ آنِفًا.
«قَلِيلَةٌ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «هِيَ قَلِيلَةٌ»، أَيْ إِذَا قُورِنَتْ بِالسِّنِينَ الْأَكْثَرِ عَدَدًا بِكَثِيرٍ لِإِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمَ وَتَارَحَ وَسَائِرِ أَجْدَادِي.
أَخْلَاقِيًّا، تَعَلَّمْ هُنَا كَمْ هُوَ قَصِيرٌ كُلُّ عُمْرِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الطَّوِيلِ. فَإِنَّنَا جَمِيعًا نُولَدُ فِي الْحَيَاةِ بِهَذَا الشَّرْطِ: أَنْ نَمْكُثَ فِيهَا قَلِيلًا ثُمَّ نَرْحَلَ فَوْرًا، وَيُمْكِنُ أَنْ نُطَبِّقَ هُنَا قَوْلَ دَاوُدَ لِإِتَّايَ: «أَمْسِ جِئْتَ، وَالْيَوْمَ تُضْطَرُّ أَنْ تَخْرُجَ مَعَنَا.» يَسْأَلُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ: مَا الْحَيَاةُ إِلَّا سِبَاقٌ نَحْوَ الْمَوْتِ؟ وَالْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَانْزِيُّ يَقُولُ: «هَذِهِ الْحَيَاةُ الَّتِي أَحْيَاهَا هِيَ كَنَهْرٍ سَرِيعٍ جِدًّا، يَنْبُعُ مِنَ الْأَعَالِي وَيَسِيلُ دَائِمًا نَحْوَ الْأَعْمَاقِ.» وَيَقُولُ أَيْضًا: «مِنْ قَبْرٍ أُسْرِعُ إِلَى قَبْرٍ»، أَيْ مِنْ رَحِمِ أُمِّي أَتَّجِهُ نَحْوَ اللَّحْدِ؛ بَلْ حَتَّى سِينِيكَا يَقُولُ فِي الرِّسَالَةِ ٥٩: «كُلَّ يَوْمٍ يُنْتَزَعُ جُزْءٌ مِنَ الْحَيَاةِ، وَحَتَّى حِينَ نَنْمُو، تَتَنَاقَصُ الْحَيَاةُ؛ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي نَعِيشُهُ، نَتَقَاسَمُهُ مَعَ الْمَوْتِ؛ بِمُجَرَّدِ أَنْ نَدْخُلَ الْحَيَاةَ، نَبْدَأُ فَوْرًا بِالْخُرُوجِ مِنْ بَابٍ آخَرَ.» اذْهَبُوا الْآنَ أَيُّهَا الْفَانُونَ، اجْمَعُوا الثَّرَوَاتِ وَالْمَرَاتِبَ وَالْأَمْلَاكَ — غَدًا تَمُوتُونَ.
«شِرِّيرَةٌ»، أَيْ بَائِسَةٌ، شَاقَّةٌ، مَلِيئَةٌ بِالْمَشَقَّاتِ. هَكَذَا يَقُولُ الْمَسِيحُ: «يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ»، أَيْ بُؤْسُهُ. فَلِكَيْ نَتَجَاوَزَ أُمُورًا أُخْرَى، أَوَّلًا، اضْطُرَّ يَعْقُوبُ بِسَبَبِ غَضَبِ أَخِيهِ عِيسُو الَّذِي كَانَ يَتَآمَرُ عَلَى قَتْلِهِ، أَنْ يَهْرُبَ مِنْ وَطَنِهِ وَحِيدًا كَفَقِيرٍ إِلَى حَارَانَ. ثَانِيًا، فِي حَارَانَ خَدَمَ لَابَانَ عِشْرِينَ سَنَةً بِأَشَدِّ الْقَسْوَةِ، تَكْوِينُ ٣١. ثَالِثًا، أَصَابَهُ خَوْفٌ عَظِيمٌ وَتَعِبَ كَثِيرًا لِيُسْتَرْضِيَ عِيسُو الْقَادِمَ لِمُلَاقَاتِهِ بِأَرْبَعِمِئَةِ رَجُلٍ، تَكْوِينُ ٣٢. رَابِعًا، تَأَلَّمَ بِسَبَبِ انْتِهَاكِ دِينَةَ وَمَذْبَحَةِ شَكِيمَ الَّتِي ارْتَكَبَهَا أَبْنَاؤُهُ، وَخَافَ أَنْ يُبَادَ عَلَى يَدِ الْكَنْعَانِيِّينَ الْمُهَاجِمِينَ، تَكْوِينُ ٣٤. خَامِسًا، أَصَابَهُ مَوْتُ رَاحِيلَ. سَادِسًا، أَحْزَنَهُ زِنَا رَأُوبِينَ مَعَ بِلْهَةَ زَوْجَتِهِ، تَكْوِينُ ٣٥. سَابِعًا، يُوسُفُ الْمَبِيعُ وَالْمَفْقُودُ لِمُدَّةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً أَلَّمَهُ أَلَمًا عَجِيبًا. ثَامِنًا، شَمْعُونُ الْمُحْتَجَزُ فِي السِّجْنِ وَبِنْيَامِينُ الْمَأْخُوذُ إِلَى مِصْرَ جَرَحَا رُوحَهُ. تَاسِعًا، بِسَبَبِ ضَرُورَةِ الْمَجَاعَةِ، وَهُوَ شَيْخٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ، اضْطُرَّ أَنْ يَرْحَلَ مِنْ كَنْعَانَ الْمَوْعُودَةِ لَهُ وَلِنَسْلِهِ، إِلَى مِصْرَ الَّتِي كَانَتْ مَكْرُوهَةً عِنْدَهُ وَعِنْدَ آبَائِهِ، فَحَزِنَ.
الْآيَةُ ١٠
«وَبَارَكَ الْمَلِكَ»، أَيْ حَيَّا الْمَلِكَ وَوَدَّعَهُ؛ فَ«يُبَارِكُ» هُنَا تَعْنِي يُسَلِّمُ وَيُوَدِّعُ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٧. هَكَذَا بَارَكَ يُوآبُ، أَيْ وَدَّعَ دَاوُدَ، ٢ صَمُوئِيلَ ١٤: ٢١. وَهَكَذَا فِي ٢ مُلُوكَ ٤: ٢٩، يَأْمُرُ أَلِيشَعُ جِيحَزِي أَلَّا يُسَلِّمَ عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ، حَيْثُ تَقُولُ الْعِبْرِيَّةُ «أَلَّا يُبَارِكَ أَحَدًا»؛ فَحِينَ نَقُولُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ «وَدَاعًا»، فَإِنَّنَا بِهَذَا الْفِعْلِ ذَاتِهِ، إِذْ نَتَمَنَّى الصِّحَّةَ الْجَيِّدَةَ، كَأَنَّنَا نُبَارِكُ الْآخَرَ؛ فَ«يُبَارِكُ» تَعْنِي يَتَمَنَّى الْخَيْرَ، أَوْ يَتَمَنَّى أُمُورًا حَسَنَةً وَسَعِيدَةً.
الْآيَةُ ١١
«رَعَمْسِيسَ.» فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ مِنْ جَاسَانَ، الَّتِي بَنَى فِيهَا الْإِسْرَائِيلِيُّونَ لَاحِقًا مَدِينَةً سَمَّوْهَا رَعَمْسِيسَ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.
الْآيَةُ ١٣
«كُلُّ الْأَرْضِ.» جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنَ الْعَالَمِ، أَيِ الشَّرْقُ كُلُّهُ، الَّذِي هُوَ كَأَنَّهُ عَالَمُ كَنْعَانَ وَمِصْرَ، يُحِيطُ بِهِمَا وَيَلُفُّهُمَا. إِنَّهَا مُبَالَغَةٌ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: «مِنْ كُلِّ الْأَرْضِ»، وَهُوَ مَا يُقَيِّدُهُ فَاتَابْلُوسُ خَطَأً بِأَرْضِ مِصْرَ وَحْدَهَا.
الْآيَةُ ١٤
«أَدْخَلَهَا فِي الْخِزَانَةِ»، وَلَمْ يَحْتَفِظْ مِنْهَا بِشَيْءٍ لِنَفْسِهِ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ. انْظُرْ كَمْ كَانَ يُوسُفُ بَعِيدًا عَنِ اخْتِلَاسِ عَصْرِنَا، وَكَمْ كَانَ مُكَرَّسًا لَيْسَ لِمَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ بَلْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
الْآيَةُ ١٥
«خُبْزًا»، أَيْ حُبُوبًا، نَخْبِزُ مِنْهَا الْخُبْزَ.
الْآيَةُ ١٨
«فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ»، مِنْ إِحْضَارِ الْمَوَاشِي وَبَيْعِهَا، وَهِيَ السَّنَةُ الرَّابِعَةُ أَوِ الْخَامِسَةُ مِنْ بِدَايَةِ الْمَجَاعَةِ.
الْآيَةُ ١٩
«اشْتَرِنَا لِلْعُبُودِيَّةِ.» فَبِسَبَبِ الْمَجَاعَةِ كَانَ مُبَاحًا لَيْسَ بَيْعُ النَّفْسِ وَحْدَهَا بَلْ أَيْضًا بَيْعُ الْأَبْنَاءِ فِي الْعُبُودِيَّةِ.
الْآيَةُ ٢٢: إِعْفَاءُ الْكَهَنَةِ
«أَعْطِنَا بَذْرًا.» إِذَنْ كَانَ يُمْكِنُ زِرَاعَةُ شَيْءٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَيْ فِي الْحُقُولِ الْمُجَاوِرَةِ لِلنِّيلِ.
«مَا عَدَا أَرْضَ الْكَهَنَةِ.» لَاحِظْ: هَذَا الْإِعْفَاءُ مِنَ الضَّرِيبَةِ مَنَحَهُ فِرْعَوْنُ لِكَهَنَتِهِ الْوَثَنِيِّينَ، كَمَا تَنُصُّ النُّصُوصُ الْعِبْرِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ وَالسَّبْعِينِيَّةُ، وَلَيْسَ يُوسُفُ عَابِدُ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ، كَمَا يَزْعُمُ ثِيئُودُورِيطُسُ؛ إِلَّا أَنْ تَقُولَ إِنَّ يُوسُفَ مَنَحَهُمْ إِيَّاهُ لَيْسَ بِوَصْفِهِمْ كَهَنَةَ أَوْثَانٍ، بَلْ بِوَصْفِهِمْ فَلَاسِفَةً وَأَسَاتِذَةَ حِكْمَةٍ وَعِلْمِ نُجُومٍ؛ وَلِذَلِكَ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنِ اللَّحْمِ وَالْخَمْرِ وَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ وَالزَّوَاجِ وَجَمِيعِ شُؤُونِ الدُّنْيَا طَوَالَ حَيَاتِهِمْ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ضِدَّ يُوفِينِيَانُوسَ. وَلَعَلَّ يُوسُفَ عَلَّمَهُمْ أَيْضًا الْعِبَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْإِلَهِ الْوَاحِدِ، كَمَا يُشِيرُ الْمُرَنِّمُ فِي الْمَزْمُورِ ١٠٤: ٢٢. لَاحِظْ هَذَا النَّصَّ فِيمَا يَخُصُّ إِعْفَاءَ كَهَنَةِ الْمَسِيحِ الْحَقِيقِيِّينَ مِنَ الضَّرَائِبِ: فَإِذَا مَنَحَ فِرْعَوْنُ هَذَا لِكَهَنَتِهِ الْوَثَنِيِّينَ، فَكَيْفَ لَا يَمْنَحُهُ مَلِكٌ مَسِيحِيٌّ وَأَمِيرٌ لِكَهَنَةِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّ إِكْرَامَهُمْ أَوِ احْتِقَارَهُمْ يَعُودُ إِلَى اللهِ ذَاتِهِ، وَمَا يُقَدَّمُ لَهُمْ يُقَدَّمُ للهِ، الَّذِي سَيُجَازِي بِسَخَاءٍ وَيُكَافِئُ الْأُمَرَاءَ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٦٥.
مَجَازِيًّا، يَقُولُ أُورِيجِنِسُ: إِنَّ كَهَنَةَ اللهِ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَالُوا نَصِيبَهُمْ فِي السَّمَاءِ وَيَرْفُضُونَ الْأُمُورَ الْأَرْضِيَّةَ؛ أَمَّا كَهَنَةُ فِرْعَوْنَ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْأَرْضِ.
الْآيَةُ ٢٣
«فَقَالَ يُوسُفُ» فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَخِيرَةِ مِنَ الْجَدْبِ، لِكَيْ يَزْرَعُوا لِلسَّنَةِ التَّالِيَةِ الَّتِي سَتَعُودُ فِيهَا الْخِصْبُ؛ هَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ، الَّذِي يُضِيفُ أَيْضًا أَنَّ يُوسُفَ عَيَّنَ مُرَاقِبِينَ لِيَتَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْحِصَّةَ تُصْرَفُ فِي الزِّرَاعَةِ، لِئَلَّا يَسْتَهْلِكَهَا أَحَدٌ كَطَعَامٍ.
الْآيَةُ ٢٥
«خَلَاصُنَا فِي يَدِكَ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «أَحْيَيْتَنَا» (حَفِظْتَ حَيَاتَنَا بِطَعَامِكَ)، «لِنَجِدْ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْ سَيِّدِنَا» (فِي عَيْنَيْكَ يَا يُوسُفُ)، «وَنَكُونَ عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ.» كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَنْتَ صَاحِبُ حَيَاتِنَا وَحَافِظُهَا، أَنْتَ أَعَدْتَنَا إِلَى الْحَيَاةِ؛ وَفِي الْمُقَابِلِ، لِقَاءَ هَذَا الطَّعَامِ وَهَذَا الْخَلَاصِ، نُقَدِّمُ أَنْفُسَنَا عَبِيدًا لَكَ وَلِفِرْعَوْنَ؛ بَلْ سَنَعْتَبِرُهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً أَنْ تَقْبَلَنَا فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَبِالتَّالِي فِي رِعَايَتِكَ وَعِنَايَتِكَ، أَنْتَ وَفِرْعَوْنُ الَّذِي بِوَاسِطَتِكَ دَبَّرَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَجَاعَةِ بِحِكْمَةٍ وَلُطْفٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَأَفْضَلُ أَنْ نَخْدِمَهُ وَأَنْ يَحْكُمَنَا وَنَعْتَمِدَ عَلَيْهِ، مِنْ أَنْ نَتَمَتَّعَ بِحُرِّيَّتِنَا وَنَحْكُمَ أَنْفُسَنَا وَنَعْتَنِيَ بِأَنْفُسِنَا وَأُمُورِنَا؛ لِئَلَّا نَقَعَ مَرَّةً أُخْرَى فِي مَجَاعَةٍ أَوْ بَلِيَّةٍ مُمَاثِلَةٍ.
الْآيَةُ ٢٦
«وَصَارَ كَأَنَّهُ شَرِيعَةٌ.» هَذِهِ الضَّرِيبَةُ الْمَلَكِيَّةُ الَّتِي أَسَّسَهَا يُوسُفُ اكْتَسَبَتْ قُوَّةَ شَرِيعَةٍ دَائِمَةٍ. هَكَذَا تَنُصُّ النُّصُوصُ الْعِبْرِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ وَالْيُونَانِيَّةُ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: أَدْخَلَ يُوسُفُ عُرْفًا لَا يَزَالُ حَتَّى الْيَوْمِ قَائِمًا كَشَرِيعَةٍ، أَنْ يُدْفَعَ خُمُسُ الْمَحَاصِيلِ لِمُلُوكِ مِصْرَ. انْظُرْ كَمْ يَتَعَامَلُ يُوسُفُ مَعَ رَعَايَاهُ بِعَدْلٍ وَرِفْقٍ؛ وَالْيَوْمَ لَا يَنْقُصُ الطُّغَاةُ الَّذِينَ يُطَالِبُونَ بِأَكْثَرَ مِنَ النِّصْفِ وَيَنْتَزِعُونَهُ دُونَ حَقٍّ. وَفَوْقَ ذَلِكَ، دَبَّرَ اللهُ هَذَا لِيُكَافِئَ إِحْسَانَ فِرْعَوْنَ الَّذِي أَسْدَاهُ لِلشَّيْخِ الصَّالِحِ يَعْقُوبَ وَأَبْنَائِهِ.
أَخْلَاقِيًّا، لِيَتَعَلَّمْ مُسْتَشَارُو الْأُمَرَاءِ وَوُلَاتُهُمْ مِنْ يُوسُفَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُكَرَّسِينَ لَيْسَ لِمَصَالِحِهِمُ الْخَاصَّةِ بَلْ لِمَصَالِحِ الدَّوْلَةِ وَأُمَرَائِهِمْ. فَيُوسُفُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ مِصْرَ، رَفَضَ أَنْ يُثْرِيَ نَفْسَهُ أَوْ يَرْفَعَ أَبَاهُ وَإِخْوَتَهُ إِلَى مَنَاصِبَ عَالِيَةٍ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَدُونَ حَسَدٍ، بَلْ إِنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَرْغَبُ فِي ذَلِكَ؛ وَكَانَ هَذَا لِيُظْهِرَ كَمْ كَانَ أَمِينًا فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ، وَكَمْ كَانَ بَعِيدًا عَنِ الطَّمَعِ وَالْحُبِّ الذَّاتِيِّ لِنَفْسِهِ وَذَوِيهِ. فَأَرَادَ لَهُمْ أَنْ يَبْقَوْا فِي نَفْسِ الْحِرْفَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الَّتِي اعْتَادُوهَا، وَأَنْ يَكُونُوا رُعَاةَ غَنَمٍ، وَأَنْ يُحَصِّلُوا رِزْقَهُمْ بِعَمَلِهِمْ وَعِنَايَتِهِمْ. فَلْيَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَسَاقِفَةُ عَصْرِنَا، أُولَئِكَ الَّذِينَ حِينَ يُرْفَعُونَ مِنْ مَنْزِلَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ إِلَى مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ، يُرِيدُونَ أَنْ يَرْفَعُوا مَعَهُمْ أَبْنَاءَ إِخْوَتِهِمْ وَأَقَارِبَهُمْ، حَتَّى يَبْدُو أَنَّهُمْ يُدِيرُونَ شُؤُونًا خَاصَّةً لَا عَامَّةً، وَيُدِيرُونَ ثَرَوَاتِ الْكَنِيسَةِ لَا كَمِلْكٍ لِلْكَنِيسَةِ بَلْ كَمِلْكٍ لَهُمْ، وَيُحَوِّلُونَهَا لِاسْتِخْدَامِ ذَوِيهِمْ بَلْ وَتَرَفِّهِمْ. أَيُّ حِسَابٍ سَيُقَدِّمُهُ هَؤُلَاءِ لِلْمَسِيحِ الرَّبِّ عَنْ وِكَالَتِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعَالَمِ!
مِنْ هَؤُلَاءِ عِنْدَ الرُّومَانِ مَارْكُوسُ أَتِيلِيُوسُ رِيجُولُوسُ، الَّذِي رَغْمَ تَوَلِّيهِ أَعْلَى شُؤُونِ الدَّوْلَةِ، بَقِيَ فَقِيرًا إِلَى حَدِّ أَنَّهُ كَانَ يُعِيلُ نَفْسَهُ وَزَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ مِنْ حَقْلٍ صَغِيرٍ يَزْرَعُهُ خَادِمٌ وَاحِدٌ؛ وَعِنْدَمَا سَمِعَ بِمَوْتِهِ كَتَبَ رِيجُولُوسُ إِلَى مَجْلِسِ الشُّيُوخِ يَطْلُبُ خَلَفًا، إِذْ بِمَوْتِ الْخَادِمِ تُرِكَتْ شُؤُونُهُ مَعْدُومَةً وَأَصْبَحَ حُضُورُهُ الشَّخْصِيُّ ضَرُورِيًّا. وَيَرْوُونَ أَنَّ بُوبْلِيُوسَ سْكِيبْيُو الْأَفْرِيقِيَّ الْأَصْغَرَ، فِي الْأَرْبَعِ وَالْخَمْسِينَ سَنَةً الَّتِي عَاشَهَا، لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا، وَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا، وَلَمْ يَبْنِ شَيْئًا؛ وَلَمْ يَتْرُكْ سِوَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ رِطْلًا مِنَ الْفِضَّةِ فِي تَرِكَةٍ كَبِيرَةٍ، وَرِطْلَيْنِ مِنَ الذَّهَبِ، مَعَ أَنَّ قَرْطَاجَةَ قَدْ غُلِبَتْ تَحْتَ قِيَادَتِهِ، وَأَنَّ الْجُنُودَ أُثْرُوا بِفَضْلِهِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْقُوَّادِ. هَكَذَا يَقُولُ أَيْلِيَانُوسُ فِي الْكِتَابِ ١١. وَأَرِسْتِيدِسُ بْنُ لِيسِيمَاخُوسَ، الَّذِي أَنْجَزَ أَعْمَالًا بَارِزَةً كَثِيرَةً فِي الدَّاخِلِ وَالْحَرْبِ، وَفَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْيُونَانِيِّينَ، لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا يَكْفِي لِتَغْطِيَةِ تَكَالِيفِ جِنَازَتِهِ. هَكَذَا يَقُولُ أَيْلِيَانُوسُ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ. وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ تَمَامًا كَانَ الطُّوبَاوِيُّ تُومَا مُورُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِيرَتِهِ عِنْدَ سْتَابْلِتُونَ. أَرْسَلَ أَرْتَحْشَسْتَا إِلَى إِبَامِينُونْدَاسَ ثِقَلًا كَبِيرًا مِنَ الذَّهَبِ لِاسْتِمَالَتِهِ إِلَى جَانِبِهِ؛ فَقَالَ لِلرُّسُلِ: «لَا حَاجَةَ إِلَى الْمَالِ؛ فَإِنْ أَرَادَ الْمَلِكُ مَا هُوَ نَافِعٌ لِطِيبِيِّيَّ، فَأَنَا مُسْتَعِدٌّ لِفِعْلِهِ مَجَّانًا؛ وَإِنْ أَرَادَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ مَا يَكْفِي، لِأَنِّي أَرْفُضُ قَبُولَ ثَرَوَاتِ الْعَالَمِ كُلِّهِ بَدَلًا مِنْ حُبِّ وَطَنِي. أَنْتُمُ الَّذِينَ جَرَّبْتُمُونِي دُونَ أَنْ تَعْرِفُونِي وَظَنَنْتُمُونِي مِثْلَكُمْ، لَا أَعْجَبُ مِنْكُمْ وَأَغْفِرُ لَكُمْ. لَكِنِ انْصَرِفُوا سَرِيعًا، لِئَلَّا تُفْسِدُوا غَيْرِي، إِذْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا إِفْسَادِي؛ وَإِلَّا سَلَّمْتُكُمْ إِلَى الْقَاضِي.» وَالشَّاهِدُ بْرُوبُوسُ فِي سِيرَتِهِ. وَنَفْسُ إِبَامِينُونْدَاسَ، عِنْدَمَا جَاءَ رُسُلٌ بِهَدَايَا لِإِفْسَادِهِ، دَعَاهُمْ إِلَى الْعَشَاءِ؛ فَقُدِّمَتْ مَائِدَةٌ شَحِيحَةٌ وَنَبِيذٌ حَامِضٌ؛ فَقَالَ إِبَامِينُونْدَاسُ: «اذْهَبُوا وَأَخْبِرُوا سَيِّدَكُمْ عَنْ وَجَبَاتِي، الَّتِي بِمَا أَنَّنِي أَقْنَعُ بِهَا، لَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يُغْرِيَنِي بِهَدَايَاهُ إِلَى الْخِيَانَةِ.»
الْآيَةُ ٢٧
«إِسْرَائِيلُ»، أَيْ يَعْقُوبُ.
الْآيَةُ ٢٨: تَسَلْسُلُ حَيَاةِ يَعْقُوبَ الزَّمَنِيُّ
«مِئَةٌ وَسَبْعٌ وَأَرْبَعُونَ.» لَاحِظْ: هَذَا تَسَلْسُلُ حَيَاةِ يَعْقُوبَ. أَوَّلًا، وُلِدَ يَعْقُوبُ فِي سَنَةِ الْعَالَمِ ٢١٠٩، أَيْ بَعْدَ الطُّوفَانِ بِ ٤٣٢ سَنَةً. ثَانِيًا، بَقِيَ يَعْقُوبُ فِي بَيْتِ أَبِيهِ حَتَّى السَّنَةِ الْسَابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، الَّتِي انْتَزَعَ فِيهَا حَقَّ الْبَكُورِيَّةِ مِنْ عِيسُو؛ وَلِذَلِكَ خَافَ مِنْ مَكَائِدِهِ وَهَرَبَ إِلَى حَارَانَ. ثَالِثًا، فِي حَارَانَ، بَعْدَ السَّبْعِ سِنِينَ الَّتِي خَدَمَ فِيهَا لَابَانَ، تَزَوَّجَ لَيْئَةَ وَرَاحِيلَ. وَمِنْ لَيْئَةَ وَلَدَ رَأُوبِينَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَشَمْعُونَ فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّمَانِينَ، وَلَاوِي فِي السَّادِسَةِ وَالثَّمَانِينَ، وَيَهُوذَا فِي السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ، وَيُوسُفَ فِي الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ. رَابِعًا، بَعْدَ وِلَادَةِ يُوسُفَ وَجَمِيعِ أَبْنَائِهِ عَدَا بِنْيَامِينَ، خَدَمَ يَعْقُوبُ لَابَانَ سِتَّ سِنِينَ أُخْرَى مِنْ أَجْلِ الْقُطْعَانِ، بِحَيْثُ أَقَامَ فِي حَارَانَ وَخَدَمَ عِشْرِينَ سَنَةً إِجْمَالًا؛ وَعِنْدَ إِتْمَامِهَا فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالتِّسْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ عَادَ إِلَى كَنْعَانَ. خَامِسًا، فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ وَلَدَ بِنْيَامِينَ، الَّذِي مَاتَتْ رَاحِيلُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ. سَادِسًا، حَوَالَيِ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ وَقَعَ طُوفَانُ أُوجِيجِسَ الشَّهِيرُ، الَّذِي دَمَّرَ أَرْضَ أَتِّيكَةَ تَدْمِيرًا شَدِيدًا حَتَّى بَقِيَتْ لِمُدَّةِ ١٩٩ سَنَةً حَتَّى كِيكْرُوبْسَ بِلَا مَلِكٍ وَشِبْهَ مَهْجُورَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أُوسَابِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٠ مِنَ التَّحْضِيرِ، الْفَصْلِ الْأَخِيرِ، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٨ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ١٨، حَيْثُ يُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ أُعْجُوبَةً أُخْرَى مِنْ نَفْسِ الزَّمَنِ، وَهِيَ أَنَّ كَوْكَبَ الزُّهْرَةِ رُئِيَ وَهُوَ يُغَيِّرُ لَوْنَهُ وَحَجْمَهُ وَشَكْلَهُ وَمَسَارَهُ. سَابِعًا، بِيعَ يُوسُفُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، أَيِ السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ. فَقَدْ نَاحَ عَلَيْهِ الْأَبُ كَمَيِّتٍ لِمُدَّةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، أَيْ حَتَّى السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، حِينَ اسْتَدْعَاهُ يُوسُفُ مَعَ أَبْنَائِهِ فَنَزَلَ مِنْ كَنْعَانَ إِلَى مِصْرَ. ثَامِنًا، مَاتَ إِسْحَاقُ حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ. تَاسِعًا، مَاتَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّادِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، حِينَ كَانَ يُوسُفُ فِي السَّادِسَةِ وَالْخَمْسِينَ مِنَ الْعُمُرِ، أَيْ فِي سَنَةِ الْعَالَمِ ٢٢٥٦. عَاشِرًا، سَبَقَ مَوْتُ يَعْقُوبَ خُرُوجَ الْعِبْرَانِيِّينَ مِنْ مِصْرَ بِ ١٩٧ سَنَةً، وَمَوْلِدَ مُوسَى بِ ١١٨ سَنَةً. وَأَخِيرًا، بَيْنَمَا كَانَ يَعْقُوبُ يُقِيمُ فِي مِصْرَ، وُلِدَ أَيُّوبُ الْقِدِّيسُ، مِرْآةُ الصَّبْرِ.
الْآيَةُ ٢٩
«ضَعْ يَدَكَ تَحْتَ فَخِذِي.» لَقَدْ تَحَدَّثْتُ عَنْ طَقْسِ الْقَسَمِ هَذَا فِي الْإِصْحَاحِ ٢٤، الْآيَةِ ٢.
«تَصْنَعُ مَعِي رَحْمَةً وَحَقًّا.» «الرَّحْمَةُ» تَعْنِي النِّعْمَةَ وَالْإِحْسَانَ الْمَجَّانِيَّ؛ وَ«الْحَقُّ» يَعْنِي الْأَمَانَةَ وَالتَّنْفِيذَ الصَّادِقَ لِلْإِحْسَانِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَمْنَحُنِي هَذِهِ النِّعْمَةَ أَنْ لَا تَدْفِنَنِي هُنَا بَلْ فِي كَنْعَانَ، وَتُنَفِّذُهَا بِأَمَانَةٍ وَصِدْقٍ.
الْآيَتَانِ ٢٩–٣٠: الدَّفْنُ فِي كَنْعَانَ
«أَنْ لَا تَدْفِنَنِي فِي مِصْرَ، بَلْ أَرْقُدُ مَعَ آبَائِي.» تَمَنَّى يُوسُفُ الْأَمْرَ نَفْسَهُ لِذَاتِهِ وَأَوْصَى بِأَنْ يُفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ، الْإِصْحَاحُ ٥٠، الْآيَةُ ٢١. وَسَبَبُ هَذِهِ الْأُمْنِيَةِ كَانَ أَوَّلًا أَنَّ يَعْقُوبَ أَرَادَ أَنْ يُدْفَنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي كَانَتْ وَحْدَهَا سَتَكُونُ فِيهَا عِبَادَةُ اللهِ، بَيْنَ أَجْدَادِهِ الْقِدِّيسِينَ، أَيْ مَعَ إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمَ، لِيُدْفَنَ فِي حِبْرُونَ. انْظُرْ كَمْ كَانَ اهْتِمَامُ الْأَقْدَمِينَ بِقُبُورِهِمْ عَظِيمًا، وَكَمْ هُوَ مَرْغُوبٌ أَنْ يُدْفَنَ الْمَرْءُ بَيْنَ الْقِدِّيسِينَ. ثَانِيًا، أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يُدْفَنَ فِي كَنْعَانَ لِيَنْتَزِعَ قُلُوبَ نَسْلِهِ مِنْ ثَرَوَاتِ مِصْرَ وَرَذَائِلِهَا، وَلِيُعْطِيَهُمْ رَجَاءً رَاسِخًا بِالْعَوْدَةِ وَالتَّحَرُّرِ مِنْ مِصْرَ، وَبِنَيْلِ الْأَرْضِ الْمَوْعُودَةِ، أَيْ كَنْعَانَ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيئُودُورِيطُسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَرُوبِرْتُوسُ. ثَالِثًا، أَرَادَ ذَلِكَ لِكَيْ تَكُونَ قُبُورُهُ وَقُبُورُ الْآبَاءِ عِنْدَ أَحْفَادِهِ السَّاكِنِينَ فِي كَنْعَانَ شَوَاهِدَ حَيَّةً عَلَى إِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ وَفَضِيلَتِهِمْ وَحَوَافِزَ لَهَا. رَابِعًا، كَانَ يَعْقُوبُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَسِيحَ سَيُولَدُ وَيَمُوتُ وَيَقُومُ فِي كَنْعَانَ؛ فَأَرَادَ أَنْ يُدْفَنَ هُنَاكَ لِكَيْ يَقُومَ مَعَ الْمَسِيحِ. هَكَذَا يَقُولُ لِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ وَغَيْرُهُمَا. وَلِذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ، يُؤْمِنُ جَمِيعُ الْكَاثُولِيكِ أَنَّهُ مِنْ بَيْنِ الَّذِينَ قَامُوا مَعَ الْمَسِيحِ يَوْمَ الْفِصْحِ، قَامَ يَعْقُوبُ أَيْضًا.
يُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ مَجَازِيًّا أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ يَرْغَبُ فِي غُفْرَانِ الْخَطَايَا، خَطَايَاهُ وَخَطَايَا الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلِّهِ، بِوَاسِطَةِ مَوْتِ الْمَسِيحِ الَّذِي سَيُعَانَى فِي كَنْعَانَ؛ وَلِذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يُدْفَنَ هُنَاكَ. وَلِسَبَبٍ مُمَاثِلٍ أَرَادَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسَةُ بَوْلَةُ وَكَثِيرُونَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ أَنْ يَعِيشُوا وَيَمُوتُوا فِي كَنْعَانَ، أَيْ فِي بَيْتَ لَحْمَ. وَأَخِيرًا، أَرَادَ الْآبَاءُ أَنْ يُدْفَنُوا فِي كَنْعَانَ لِيُشَارِكُوا فِي الصَّلَوَاتِ وَالذَّبَائِحِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدَّمُ هُنَاكَ؛ فَقَدْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الْمَطْهَرِ.
تَمْثِيلِيًّا، يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ: يَعْقُوبُ بِمَوْتِهِ أَعْطَى الْأَحْيَاءَ مِثَالًا، لِكَيْ يُحِبُّوا فِي رَجَاءِ الْوَطَنِ السَّمَاوِيِّ عُرْبُونَ الْمِيرَاثِ الْأَبَدِيِّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يُدْفَنَ فِي كَنْعَانَ لِكَيْ يَشْتَاقَ نَسْلُهُ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ كَنْعَانُ رَمْزًا لَهَا.
«فِي قَبْرِ أَجْدَادِي»، فِي الْمَغَارَةِ الْمُزْدَوَجَةِ فِي حِبْرُونَ، الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٣، الْآيَةِ ١٧. وَمِنْ هُنَا اعْتَادَ الْمُؤْمِنُونَ مُنْذُ الْقِدَمِ أَنْ يُدْفَنُوا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقِدِّيسِينَ، فِي الْأَمَاكِنِ الْمُقَدَّسَةِ. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ دِيُونِيسِيُوسَ، التَّرَاتُبِيَّةُ الْكَنَسِيَّةُ، الْفَصْلُ ٧: «بَعْدَ إِتْمَامِ هَذِهِ الْأُمُورِ»، يَقُولُ، «يَضَعُ الْأُسْقُفُ الْجَسَدَ فِي أَكْرَمِ مَكَانٍ، مَعَ أَجْسَادٍ مُقَدَّسَةٍ أُخْرَى مِنْ رُتْبَتِهِ.» وَإِقْلِيمَنْدِسُ الرُّومَانِيُّ، الْكِتَابُ ٦ مِنَ الدَّسَاتِيرِ الرَّسُولِيَّةِ، الْفَصْلُ ٣٠: «اجْتَمِعُوا»، يَقُولُ، «فِي الْمَقَابِرِ، تَقْرَؤُونَ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ فِيهَا، وَتُرَتِّلُونَ مَزَامِيرَ لِلرَّاقِدِينَ.» وَيُعَلِّمُ غْرِيغُورِيُوسُ التُّورُونِيُّ، فِي مَجْدِ الْمُعْتَرِفِينَ، الْفَصْلُ ١٠٦، أَنَّ الْكَهَنَةَ كَانُوا يُكَرِّسُونَهَا عَادَةً. وَتُسَمَّى كُويمِيتِيرْيُونْ، أَيْ مَوَاضِعَ الرُّقَادِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ يُقَالُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِنَّهُمْ يَرْقُدُونَ فِيهَا، لِيُقَامُوا فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ لِلدَّيْنُونَةِ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ١٢٢. وَيُوَبِّخُ الْقِدِّيسُ قُبْرِيَانُوسُ، الْكِتَابُ ١، الرِّسَالَةُ ٤، شَخْصًا يُدْعَى مَارْسِيَالِيسَ لِأَنَّهُ دَفَنَ أَبْنَاءَهُ، عَلَى طَرِيقَةِ الْأُمَمِ الْأَجْنَبِيَّةِ، «فِي مَقَابِرَ دَنِسَةٍ.» وَبِهَذَا ذَاتِهِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ هُنَاكَ بِالْفِعْلِ أَمَاكِنُ دَفْنٍ مُقَدَّسَةٌ لِلْمَسِيحِيِّينَ. وَيَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ ١ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ ٣؛ وَإِيرُونِيمُوسُ فِي سِيرَةِ بَوْلَةَ وَفَابِيُولَةَ؛ وَأُغُسْطِينُوسُ فِي كِتَابِ الْعِنَايَةِ بِالْمَوْتَى، الْفَصْلُ ١، أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُدْفَنُونَ كَثِيرًا فِي الْكَنَائِسِ.
الْآيَةُ ٣١
«احْلِفْ لِي إِذَنْ.» لَمْ يَشُكَّ يَعْقُوبُ فِي كَلِمَةِ يُوسُفَ، لَكِنَّهُ طَلَبَ قَسَمًا لِكَيْ يَتَّخِذَهُ يُوسُفُ حُجَّةً أَمَامَ فِرْعَوْنَ، إِنْ أَرَادَ الِاحْتِفَاظَ بِجَسَدِ يَعْقُوبَ فِي مِصْرَ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ. وَيُضِيفُ أَبُولِنْسِيسُ: كَانَ يَعْقُوبُ يَعْلَمُ، كَمَا يَقُولُ، أَنَّ يُوسُفَ لَوْ لَمْ يُلْزِمْهُ بِهَذَا الشَّكْلِ الصَّارِمِ، كَانَ يَنْوِي أَنْ يَبْنِيَ لَهُ قَبْرًا ثَمِينًا وَمَشْهُورًا فِي مِصْرَ. فَطَلَبَ مِنْهُ الْقَسَمَ، لِكَيْ يَشْعُرَ بِالْتِزَامِهِ بِهِ فَيَتْرُكَ ذَلِكَ الْقَصْدَ تَمَامًا، وَيَدْفِنَهُ بِتَوَاضُعٍ فِي مَقْبَرَةِ الْآبَاءِ الْمَوْرُوثَةِ فِي كَنْعَانَ. وَهُنَا تَأَمَّلْ وَاقْتَدِ بِتَوَاضُعِ يَعْقُوبَ وَحُبِّهِ لِلْبَسَاطَةِ.
«مُتَوَجِّهًا نَحْوَ رَأْسِ سَرِيرِهِ.» وَهَكَذَا تَرْجَمَ أَيْضًا أَكِيلَا وَسِيمَاخُوسُ. وَقَدْ تَوَجَّهَ يَعْقُوبُ نَحْوَ رَأْسِ السَّرِيرِ بِاتِّجَاهِ يُوسُفَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ نَحْوَ الشَّرْقِ، الَّذِي يَتَّجِهُ إِلَيْهِ الْمُصَلُّونَ عَادَةً، وَلِهَذَا السَّبَبِ تُبْنَى الْمَذَابِحُ مُوَاجِهَةً لِلشَّرْقِ؛ أَوْ، كَمَا يَرَى لِيرَانُوسُ، لِأَنَّ رَأْسَ السَّرِيرِ هَذَا كَانَ يُوَاجِهُ الْأَرْضَ الْمَوْعُودَةَ، الَّتِي كَانَ الْمُصَلُّونَ يَتَّجِهُونَ إِلَيْهَا حِينَ يَكُونُونَ خَارِجَهَا، كَمَا يَتَّضِحُ فِي دَانِيَالَ ٦: ١٠ وَالْمُلُوكِ الْأَوَّلِ ٨: ٤٤. وَهَكَذَا أَيْضًا رِيبِيرَا فِي الْإِصْحَاحِ ١١ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، وَأَبُولِنْسِيسُ وَغَيْرُهُمَا هُنَا.
سَتَقُولُ: كَيْفَ إِذَنْ يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ وَمِنْهُمُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ: «سَجَدَ يَعْقُوبُ عَلَى رَأْسِ عَصَاهُ»، أَيْ صَوْلَجَانِ يُوسُفَ؟ أُجِيبُ: نَشَأَ هَذَا مِنْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ مِطَّا، إِنْ قَرَأْتَهَا مِطَّا، تَعْنِي سَرِيرًا؛ وَلَكِنْ إِنْ قَرَأْتَهَا بِتَنْقِيطٍ مُخْتَلِفٍ مَطِّي، فَتَعْنِي عَصًا: يُمْكِنُ قِرَاءَتُهَا هُنَا بِكِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ وَالتَّرْجَمَتَيْنِ قَانُونِيَّتَانِ. إِذَنْ فَعَلَ يَعْقُوبُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ: أَيْ بَعْدَ أَنْ نَالَ مُرَادَهُ وَفَرِحَ بِالْوَعْدِ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ يُوسُفُ بِأَنْ يَدْفِنَهُ فِي كَنْعَانَ عِنْدَ آبَائِهِ، شَكَرَهُ وَ«سَجَدَ»، أَيِ انْحَنَى مُظْهِرًا الِاحْتِرَامَ وَوَقَّرَ الصَّوْلَجَانَ، أَيِ السُّلْطَةَ الْمَلَكِيَّةَ لِيُوسُفَ، الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا فِرْعَوْنُ، أَوْ بِالْأَحْرَى اللهُ.
ثَانِيًا وَبِشَكْلٍ أَصْدَقَ، سَجَدَ يَعْقُوبُ شَاكِرًا للهِ وَسَبَّحَهُ، لِأَنَّهُ أَعْطَى يُوسُفَ هَذِهِ السُّلْطَةَ وَهَذِهِ النِّيَّةَ أَيْضًا لِدَفْنِهِ فِي كَنْعَانَ؛ وَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ نَحْوَ رَأْسِ السَّرِيرِ، إِمَّا لِأَنَّ هَذَا الرَّأْسَ كَانَ نَحْوَ الشَّرْقِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُوَاجِهُ أَرْضَ كَنْعَانَ، كَمَا ذَكَرْتُ. وَقَدْ بَسَطْتُ هَذَا الْمَوْضُوعَ أَكْثَرَ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ ١١: ٢١.
انْظُرْ هُنَا تَحَقُّقَ حُلْمِ يُوسُفَ، الْإِصْحَاحُ ٣٧، الْآيَةُ ٩، بِأَنَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ سَيَسْجُدَانِ لَهُ. سَتَقُولُ: رَاحِيلُ أُمُّهُ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ يُوسُفُ مِنْ إِخْوَتِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣٥، الْآيَةِ ١٩. فَلَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْجُدَ لَهُ. يُجِيبُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِأَنَّ الزَّوْجَةَ تُعَدُّ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَدَنِيَّةِ شَخْصًا وَاحِدًا مَعَ زَوْجِهَا، بِحَسَبِ قَوْلِ التَّكْوِينِ ٢: «يَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.» فَحِينَ يَسْجُدُ الزَّوْجُ، تُعَدُّ الزَّوْجَةُ أَيْضًا سَاجِدَةً لِلِابْنِ. «فَإِنْ فَعَلَ الْأَبُ هَذَا»، يَقُولُ، «فَكَمْ بِالْأَحْرَى كَانَتْ هِيَ سَتَفْعَلُهُ، لَوْلَا أَنَّهَا اخْتُطِفَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ.» أَضِفْ أَنَّ رَاحِيلَ أَقَامَتْ بِلْهَةَ مَقَامَهَا، وَقَدْ سَجَدَتْ لِيُوسُفَ، كَمَا ذَكَرْتُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٣٧، الْآيَةِ ٩.