كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(يَعْقُوبُ يُبَارِكُ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى)
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَتَبَنَّى يَعْقُوبُ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى ابْنَيْنِ لَهُ، وَإِذْ يُبَارِكُهُمَا فِي الْآيَةِ ١٤، يُقَدِّمُ أَفْرَايِمَ عَلَى مَنَسَّى الْأَكْبَرِ، وَفِي الْآيَةِ ٢٢ يُفْرِدُ نَصِيبًا وَاحِدًا لِيُوسُفَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا
١. بَعْدَ أَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ، أُخْبِرَ يُوسُفُ أَنَّ أَبَاهُ مَرِيضٌ؛ فَأَخَذَ ابْنَيْهِ مَنَسَّى وَأَفْرَايِمَ وَذَهَبَ إِلَيْهِ. ٢. فَقِيلَ لِلشَّيْخِ: هُوَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ قَادِمٌ إِلَيْكَ. فَتَقَوَّى وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ. ٣. وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: اللهُ الْقَدِيرُ ظَهَرَ لِي فِي لُوزَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَبَارَكَنِي، ٤. وَقَالَ: «سَأُكَثِّرُكَ وَأُنَمِّيكَ، وَأَجْعَلُكَ جُمْهُورَ شُعُوبٍ؛ وَأُعْطِيكَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ مُلْكًا أَبَدِيًّا.» ٥. فَابْنَاكَ اللَّذَانِ وُلِدَا لَكَ فِي أَرْضِ مِصْرَ قَبْلَ مَجِيئِي إِلَيْكَ هُنَا يَكُونَانِ لِي: أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى يُحْسَبَانِ لِي كَرَأُوبِينَ وَشِمْعُونَ. ٦. وَأَمَّا الْبَاقُونَ الَّذِينَ تَلِدُهُمْ بَعْدَهُمَا فَيَكُونُونَ لَكَ، وَبِاسْمِ إِخْوَتِهِمْ يُدْعَوْنَ فِي أَمْلَاكِهِمْ. ٧. فَإِنِّي حِينَ كُنْتُ آتِيًا مِنْ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، مَاتَتْ لِي رَاحِيلُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهَا، وَكَانَ فَصْلُ الرَّبِيعِ؛ وَكُنْتُ أَدْخُلُ أَفْرَاتَةَ، فَدَفَنْتُهَا بِجَانِبِ طَرِيقِ أَفْرَاتَةَ، الَّتِي تُسَمَّى بِاسْمٍ آخَرَ بَيْتَ لَحْمَ. ٨. فَلَمَّا رَأَى ابْنَيْهِ قَالَ لَهُ: مَنْ هَذَانِ؟ ٩. فَأَجَابَ: هُمَا ابْنَايَ اللَّذَانِ وَهَبَهُمَا لِيَ اللهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ. فَقَالَ: «قَدِّمْهُمَا إِلَيَّ لِأُبَارِكَهُمَا.» ١٠. وَكَانَتْ عَيْنَا إِسْرَائِيلَ قَدْ كَلَّتَا مِنْ فَرْطِ الشَّيْخُوخَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرَى بِوُضُوحٍ. وَلَمَّا قُرِّبَا إِلَيْهِ قَبَّلَهُمَا وَاحْتَضَنَهُمَا، ١١. وَقَالَ لِابْنِهِ: «لَمْ أُحْرَمْ مِنْ رُؤْيَتِكَ؛ بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ أَرَانِيَ اللهُ نَسْلَكَ.» ١٢. وَلَمَّا أَخَذَهُمَا يُوسُفُ مِنْ حِضْنِ أَبِيهِ، سَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْأَرْضِ. ١٣. وَوَضَعَ أَفْرَايِمَ عَنْ يَمِينِهِ، أَيْ عَنْ يَسَارِ إِسْرَائِيلَ؛ وَمَنَسَّى عَنْ يَسَارِهِ، عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَقَرَّبَهُمَا كِلَيْهِمَا إِلَيْهِ. ١٤. فَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى وَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ أَفْرَايِمَ الْأَخِ الْأَصْغَرِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رَأْسِ مَنَسَّى الَّذِي كَانَ الْبِكْرَ، مُصَالِبًا يَدَيْهِ. ١٥. وَبَارَكَ يَعْقُوبُ ابْنَيْ يُوسُفَ وَقَالَ: «اللهُ الَّذِي سَارَ أَمَامَهُ أَبَوَايَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ؛ اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ صِبَايَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ؛ ١٦. الْمَلَاكُ الَّذِي خَلَّصَنِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ، لِيُبَارِكْ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ؛ وَلْيُذْكَرِ اسْمِي عَلَيْهِمَا، وَاسْمَا أَبَوَيَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، وَلْيَكْثُرُوا كَثْرَةً عَلَى الْأَرْضِ.» ١٧. فَلَمَّا رَأَى يُوسُفُ أَنَّ أَبَاهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِ أَفْرَايِمَ، سَاءَهُ ذَلِكَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِ أَبِيهِ وَحَاوَلَ أَنْ يَرْفَعَهَا عَنْ رَأْسِ أَفْرَايِمَ وَيَنْقُلَهَا إِلَى مَنَسَّى. ١٨. وَقَالَ لِأَبِيهِ: «لَيْسَ هَكَذَا يَنْبَغِي يَا أَبِي، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْبِكْرُ؛ ضَعْ يُمْنَاكَ عَلَى رَأْسِهِ.» ١٩. فَأَبَى وَقَالَ: «أَعْلَمُ يَا بُنَيَّ، أَعْلَمُ؛ وَهَذَا أَيْضًا يَصِيرُ شُعُوبًا وَيَتَكَاثَرُ؛ لَكِنَّ أَخَاهُ الْأَصْغَرَ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَنَسْلُهُ يَنْمُو إِلَى أُمَمٍ.» ٢٠. فَبَارَكَهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَائِلًا: «بِكَ يُبَارَكُ إِسْرَائِيلُ» وَيُقَالُ: «لِيَجْعَلْكَ اللهُ كَأَفْرَايِمَ وَكَمَنَسَّى.» وَقَدَّمَ أَفْرَايِمَ عَلَى مَنَسَّى. ٢١. وَقَالَ لِيُوسُفَ ابْنِهِ: «هَأَنَذَا أَمُوتُ، وَسَيَكُونُ اللهُ مَعَكُمْ وَيَرُدُّكُمْ إِلَى أَرْضِ آبَائِكُمْ. ٢٢. أُعْطِيكَ نَصِيبًا وَاحِدًا فَوْقَ إِخْوَتِكَ، أَخَذْتُهُ مِنْ يَدِ الْأَمُورِيِّ بِسَيْفِي وَقَوْسِي.»
الْآيَةُ ٢
«تَقَوَّى» — مِنَ الْفَرَحِ الَّذِي انْبَعَثَ فِي نَفْسِهِ بِقُدُومِ ابْنِهِ الْأَحَبِّ يُوسُفَ، وَمِنَ الْمَوْهِبَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالتَّقْوِيَةِ مِنَ اللهِ، الَّذِي مَنَحَ الْجَسَدَ رُوحَ الْقُوَّةِ، وَكَذَلِكَ مَنَحَ نَفْسَ يَعْقُوبَ — وَهُوَ عَلَى وَشْكِ الْمَوْتِ وَتَوْدِيعِ ذَوِيهِ — رُوحَ النُّبُوَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي.
الْآيَةُ ٤
«أُعْطِيكَ هَذِهِ الْأَرْضَ» — أَيْ كَنْعَانَ. يَعْقُوبُ هُنَا، وَقَدْ تَيَقَّنَ مِنْ وَعْدِ اللهِ أَنَّ كَنْعَانَ سَتُسَلَّمُ لَهُ، أَيْ لِنَسْلِهِ، يُوَزِّعُهَا هُنَا وَفِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ أَبْنَائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
«مُلْكًا أَبَدِيًّا» — لَيْسَ مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سُلَالَتِكَ وَأُمَّتِكَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَا دَامَتْ أُمَّتُكَ قَائِمَةً، وَشَعْبُكَ، وَدَوْلَةُ أَبْنَائِكَ وَمَمْلَكَتُهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَمْتَلِكُونَ كَنْعَانَ؛ وَبِالتَّالِي دَائِمًا، أَيْ طَوَالَ مُدَّةِ دَوْلَتِهِمْ وَمَمْلَكَتِهِمْ سَيَمْتَلِكُونَهَا. فَإِذَا انْقَرَضَتِ الْأُمَّةُ أَوْ هَلَكَتْ، فَمَا الْعَجَبُ إِنْ لَمْ تَعُدْ تَمْتَلِكُ أَرْضَهَا؟ اُنْظُرِ الْقَانُونَ الرَّابِعَ.
الْآيَةُ ٥
«يَكُونَانِ لِي» — أَحْسَبُهُمَا ابْنَيَّ، كَمَا رَأُوبِينَ وَشِمْعُونَ. مُلَاحَظَةٌ: يَعْقُوبُ هُنَا يَتَبَنَّى ابْنَيْ يُوسُفَ، أَيْ حَفِيدَيْهِ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى، ابْنَيْنِ لَهُ، لِكَيْ يُشَكِّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِبْطًا مُنْفَصِلًا، وَيَنَالَ مِيرَاثَهُ الْخَاصَّ فِي كَنْعَانَ، عَلَى قَدَمِ الْمُسَاوَاةِ مَعَ رَأُوبِينَ وَشِمْعُونَ وَسَائِرِ أَبْنَائِهِ. فَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى، بِخِلَافَتِهِمَا لِأَبِيهِمَا يُوسُفَ، قَدْ شَكَّلَا سِبْطَ يُوسُفَ الْوَاحِدَ فَقَطْ، وَنَالَا نَصِيبَ أَبٍ وَاحِدٍ فَقَطْ فِي كَنْعَانَ. لَكِنِ الْآنَ يَعْقُوبُ يَقْسِمُ سِبْطَ يُوسُفَ إِلَى اثْنَيْنِ، أَيْ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى، لِيُحْسَبَا وَيَرِثَا بِحَقٍّ مُسَاوٍ مَعَ رَأُوبِينَ وَيَهُوذَا وَسَائِرِ أَبْنَائِهِ الْمُبَاشِرِينَ.
الْآيَةُ ٦
«وَأَمَّا الْبَاقُونَ الَّذِينَ تَلِدُهُمْ بَعْدَهُمَا فَيَكُونُونَ لَكَ» — يُحْسَبُونَ لَكَ. فَإِنَّ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى، اللَّذَيْنِ تَبَنَّيْتُهُمَا، يُحْسَبَانِ لِي. وَلَمْ نَقْرَأْ أَنَّ يُوسُفَ أَنْجَبَ غَيْرَهُمَا.
«وَبِاسْمِ إِخْوَتِهِمْ يُدْعَوْنَ فِي أَمْلَاكِهِمْ.» «إِخْوَتِهِمْ» أَيْ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ أَنْجَبْتَ أَبْنَاءً بَعْدَ هَذَيْنِ، فَلَنْ يُشَكِّلُوا سِبْطًا مُنْفَصِلًا، بَلْ يُضَمُّونَ إِلَى سِبْطِ أَفْرَايِمَ أَوْ مَنَسَّى، وَفِي تَقْسِيمِ كَنْعَانَ يَنَالُونَ ذَاتَ النَّصِيبِ مِنَ الْمِيرَاثِ مَعَهُمَا.
الْآيَةُ ٧
«فَإِنِّي حِينَ كُنْتُ آتِيًا مِنْ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، مَاتَتْ رَاحِيلُ.» فَعِوَضًا عَنْ «فَإِنَّ»، يُمْكِنُ تَرْجَمَةُ الْعِبْرِيَّةِ بِـ«لَكِنَّ». هَكَذَا فَاتَابْلُوسْ. يَعْقُوبُ هُنَا يُثِيرُ أَمَامَ يُوسُفَ ذِكْرَ رَاحِيلَ، أَوَّلًا، لِأَنَّ رَاحِيلَ كَانَتْ أُمَّ يُوسُفَ وَأَحَبَّ زَوْجَاتِ يَعْقُوبَ إِلَيْهِ؛ إِذْ مِنْ عَادَةِ الْآبَاءِ أَنْ يَسْتَحْضِرُوا أَمَامَ أَبْنَائِهِمْ ذِكْرَى أُمَّهَاتِهِمْ مِرَارًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَكَلَّمْتُ عَنِ ابْنَيْكَ وَتَبَنَّيْتُهُمَا ابْنَيْنِ لِي؛ أَمَّا رَاحِيلُ أُمُّكَ فَقَدِ اخْتُطِفَتْ مِنِّي قَبْلَ أَوَانِهَا، وَمَاتَتْ وَهِيَ لَا تَزَالُ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَلِدَ لِي مَزِيدًا مِنَ الْأَبْنَاءِ؛ وَلِذَلِكَ أَتَبَنَّى أَبْنَاءَكَ عِوَضًا عَنْهُمْ أَبْنَاءً لِي.
ثَانِيًا، يَبْدُو أَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ لَاحَظَ فِي حَدِيثِهِ مَعَ يُوسُفَ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ بَعْضَ عَلَامَاتِ الِاسْتِغْرَابِ: لِمَاذَا يَرْغَبُ الْأَبُ بِشِدَّةٍ وَبِتَكَالِيفَ بَاهِظَةٍ فِي أَنْ يُدْفَنَ فِي كَنْعَانَ، أَيْ فِي حَبْرُونَ بَيْنَ أَجْدَادِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَدْفِنْ هُنَاكَ رَاحِيلَ أَحَبَّ زَوْجَاتِهِ، بَلْ فِي بَيْتَ لَحْمَ. فَيَعْقُوبُ هُنَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا الِاسْتِغْرَابِ وَيَعْتَذِرُ، بِأَنَّهُ اضْطُرَّ إِلَى دَفْنِ رَاحِيلَ لَا لِتَوْفِيرِ النَّفَقَاتِ أَوْ مَشَقَّاتِ الرِّحْلَةِ، بَلْ بِسَبَبِ فَصْلِ الرَّبِيعِ حَيْثُ تَتَحَلَّلُ الْأَجْسَادُ الْمَيِّتَةُ وَتَتَعَفَّنُ بِسُهُولَةٍ، فَدَفَنَهَا فَوْرًا فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، أَيْ قُرْبَ بَيْتِ لَحْمَ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ كَمَا كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَى حَبْرُونَ. هَكَذَا لِيرَانُوسْ وَأَبُولِنْسِيسْ وَآخَرُونَ.
وَيُضِيفُ الْحَاشِيَةُ ثَالِثًا، أَنَّ يَعْقُوبَ رُبَّمَا يُحْيِي نُبُوئِيًّا ذِكْرَى أَنَّ رَاحِيلَ مَدْفُونَةٌ فِي بَيْتِ لَحْمَ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ سَيُولَدُ هُنَاكَ، كَأَنَّ يَعْقُوبَ اسْتَشْرَفَ ذَلِكَ بِالرُّوحِ.
الْآيَةُ ١١
«لَمْ أُحْرَمْ مِنْ رُؤْيَتِكَ.» الْعِبْرِيَّةُ أَبْلَغُ: «أَنْ أَرَى وَجْهَكَ لَمْ أَكُنْ لِأَتَصَوَّرَ قَطُّ، وَهَا قَدْ أَرَانِيَ اللهُ حَتَّى نَسْلَكَ.» هَكَذَا فَاتَابْلُوسْ.
الْآيَةُ ١٢
«مِنْ حِضْنِ أَبِيهِ.» أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى، إِذْ تَقَدَّمَا إِلَى جَدِّهِمَا يَعْقُوبَ الْجَالِسِ عَلَى السَّرِيرِ بِسَبَبِ الشَّيْخُوخَةِ، رَكَعَا وَوَضَعَا رَأْسَيْهِمَا فِي حِضْنِهِ. وَلِكَيْ لَا يُثْقِلَا عَلَى جَدِّهِمَا، وَلِيُبَارِكَهُمَا بِشَكْلٍ أَيْسَرَ، أَزَاحَهُمَا يُوسُفُ مِنْ هُنَاكَ وَوَضَعَهُمَا عَلَى جَانِبَيْ أَبِيهِ.
مُلَاحَظَةٌ: أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى فِي هَذِهِ السَّنَةِ ١٤٧ مِنْ عُمْرِ يَعْقُوبَ، وَهِيَ السَّنَةُ ٥٦ مِنْ عُمْرِ يُوسُفَ، كَانَا عَلَى الْأَرْجَحِ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْعُمْرِ؛ إِذْ وُلِدَا قَبْلَ سَنَوَاتِ الْمَجَاعَةِ السَّبْعِ، بَعْدَ بِدَايَةِ حُكْمِ أَبِيهِمَا بِقَلِيلٍ، وَالَّذِي وَقَعَ فِي سَنَتِهِ الثَّلَاثِينَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٤١، الْآيَةِ ٥٠ وَمَا يَلِيهَا.
«سَجَدَ» — يُوسُفُ سَجَدَ لِأَبِيهِ مُنْحَنِيًا أَمَامَهُ بِتَوْقِيرٍ، وَسَجَدَ كَذَلِكَ للهِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، شَاكِرًا إِيَّاهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَبَرَكَةِ أَبِيهِ. لَاحِظْ هُنَا تَوَاضُعَ يُوسُفَ الْأَمِيرِ وَطَاعَتَهُ وَبِرَّهُ وَمَحَبَّتَهُ تُجَاهَ وَالِدِهِ الْمُتَوَاضِعِ الضَّعِيفِ. هَكَذَا كَانَ الطُّوبَاوِيُّ تُومَاسُ مُورْ حِينَ كَانَ مُسْتَشَارًا لِإِنْجِلْتِرَا، يَطْلُبُ الْبَرَكَةَ مِنْ أَبِيهِ رَاكِعًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَخْدِمُ الْكَاهِنَ الْمُحْتَفِلَ بِتَقْوَى. وَأَلْفُونْسُو مَلِكُ أَرَاغُونَ خَرَجَ لِاسْتِقْبَالِ أَبِيهِ فِرْدِينَانْدَ فَنَزَلَ عَنْ حِصَانِهِ وَرَافَقَهُ مَاشِيًا؛ وَحِينَ نَصَحَهُ أَبُوهُ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُ عَلَى الْحِصَانِ كَسَائِرِ النُّبَلَاءِ، أَجَابَ: «لِغَيْرِي أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ؛ أَمَّا أَنَا فَلَنْ أُسَاقَ أَبَدًا إِلَى عَدَمِ اتِّبَاعِ أَبِي، مَلِكِي، وَهُوَ مَرِيضٌ، عَلَى الْأَقْدَامِ.» وَالشَّاهِدُ بَانُورْمِيتَانُوسْ. وَالْمَلِكُ سُلَيْمَانُ قَامَ وَخَرَجَ لِاسْتِقْبَالِ أُمِّهِ بَثْشَبَعَ، وَانْحَنَى لَهَا تَكْرِيمًا، وَأَمَرَ بِوَضْعِ عَرْشٍ لَهَا عَنْ يَمِينِهِ، مُضِيفًا: «اسْأَلِي يَا أُمِّي؛ فَلَيْسَ مِنَ اللَّائِقِ أَنْ أَصْرِفَ وَجْهَكِ»، ٣ مُلُوكٍ ٢: ٢٠.
الْآيَةُ ١٤
«وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِ أَفْرَايِمَ.» يَعْقُوبُ هُنَا يُفَضِّلُ نُبُوئِيًّا أَفْرَايِمَ الْأَصْغَرَ عَلَى مَنَسَّى الْأَكْبَرِ. أَوَّلًا، لِأَنَّ مِنْ أَفْرَايِمَ كَانَ سَيُولَدُ مُلُوكُ إِسْرَائِيلَ، أَيْ مُلُوكُ الْأَسْبَاطِ الْعَشَرَةِ. هَكَذَا أُوسَابِيُوسْ. ثَانِيًا، لِأَنَّ هَذَا السِّبْطَ سَيَفُوقُ سِبْطَ مَنَسَّى فِي الْمَجْدِ وَفِي الْعَدَدِ، كَمَا يُنْبِئُ يَعْقُوبُ فِي الْآيَةِ ١٩. ثَالِثًا، لِأَنَّ مِنْ أَفْرَايِمَ كَانَ سَيُولَدُ يَشُوعُ بْنُ نُونَ، الَّذِي كَانَ قَائِدَ إِسْرَائِيلَ وَأَدْخَلَهُمْ إِلَى كَنْعَانَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي يَقُودُنَا إِلَى السَّمَاءِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ.
مُلَاحَظَةٌ: يَعْقُوبُ يُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالتَّقْدِيمِ لِأَفْرَايِمَ عَلَى مَنَسَّى بِالْيَدِ الْيُمْنَى الَّتِي وَضَعَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْيُمْنَى أَشْرَفُ وَأَقْوَى وَأَمْتَنُ مِنَ الْيُسْرَى. وَلَاحِظْ هُنَا أَنَّ الْيَمِينَ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْزٌ: أَوَّلًا، لِلْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ، كَمَا فِي الْمَزْمُورِ ١٠: «لِتَجِدْ يَمِينُكَ كُلَّ مُبْغِضِيكَ»؛ وَالْمَزْمُورِ ٤٣: «لَمْ يُخَلِّصْهُمْ ذِرَاعُهُمْ، بَلْ يَمِينُكَ.» ثَانِيًا، لِلْعَوْنِ وَالْمُسَاعَدَةِ، كَمَا فِي أَيُّوبَ ١٤: «تَمُدُّ يَمِينَكَ إِلَى صُنْعِ يَدَيْكَ.» ثَالِثًا، لِلْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ، كَمَا فِي الْمَزْمُورِ ١٠٩: «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي.» وَفِي إِنْجِيلِ مَتَّى ٢٥ يُقَالُ إِنَّ الْمُخْتَارِينَ يَوْمَ الدَّيْنُونَةِ يُوضَعُونَ عَنْ يَمِينِ الْمَسِيحِ؛ وَسُلَيْمَانُ فِي ٣ مُلُوكٍ ٢، إِذْ أَرَادَ تَكْرِيمَ أُمِّهِ، أَجْلَسَهَا عَلَى عَرْشٍ عَنْ يَمِينِهِ. رَابِعًا، لِلْمَحَبَّةِ الْفَائِقَةِ، كَمَا فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٢: «يَمِينُهُ تُعَانِقُنِي.» خَامِسًا، لِلَّذَّةِ الْعَجِيبَةِ وَالْعُذُوبَةِ، كَمَا فِي الْمَزْمُورِ ١٥: «لَذَّاتٌ فِي يَمِينِكَ.» سَادِسًا، الْيَمِينُ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ تَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ صَالِحٌ وَمُسْتَقِيمٌ وَقُدْسِيٌّ، كَمَا أَنَّ الْيَسَارَ تَدُلُّ عَلَى مَا هُوَ شَرِّيرٌ وَحَقِيرٌ وَمُنْحَرِفٌ، كَمَا فِي الْأَمْثَالِ ١٤: «الرَّبُّ يَعْرِفُ الطُّرُقَ الَّتِي عَنِ الْيَمِينِ؛ أَمَّا الَّتِي عَنِ الْيَسَارِ فَمُنْحَرِفَةٌ.» وَسِفْرِ الْجَامِعَةِ ١٠: «قَلْبُ الْحَكِيمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَلْبُ الْجَاهِلِ عَنْ يَسَارِهِ.» فَنَحْنُ نَقُولُ عَادَةً: ظَنٌّ سَيِّئٌ، وَعَيْنٌ شَرِيرَةٌ، وَحُكْمٌ مُنْحَرِفٌ، أَيْ سَيِّئٌ. سَابِعًا، الْيَمِينُ تَدُلُّ عَلَى الْخَيْرَاتِ الْعُظْمَى، وَهِيَ الْأَبَدِيَّةُ؛ بَيْنَمَا الْيَسَارُ تَدُلُّ عَلَى الْخَيْرَاتِ الصَّغِيرَةِ الزَّهِيدَةِ، وَهِيَ الزَّمَنِيَّةُ، الْأَمْثَالِ ٣: ١٦: «فِي يَمِينِهَا طُولُ الْأَيَّامِ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ.» حَيْثُ بِطُولِ الْأَيَّامِ تُرْمَزُ أَبَدِيَّةُ الْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ الَّتِي تَجْلِبُهَا الْحِكْمَةُ؛ وَبِالْغِنَى وَالْمَجْدِ تُرْمَزُ الْخَيْرَاتُ الْبَشَرِيَّةُ الزَّمَنِيَّةُ لِلْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ. هَكَذَا بِيرِيرِيُوسْ.
«مُصَالِبًا يَدَيْهِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ سِكِّيلْ إِتْ يَادَافْ، «جَعَلَ يَدَيْهِ تَفْهَمَانِ»، أَيْ طَوْعًا وَعَنْ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ نَقَلَ يَدَيْهِ، أَيْ مُتَصَالِبَتَيْنِ، عَلَى هَيْئَةِ صَلِيبٍ.
وَمِنْ هُنَا رَمْزِيًّا، يَقُولُ رُوبِرْتُسْ: أَفْرَايِمُ يُمَثِّلُ الْأُمَمَ الَّذِينَ، بِتَبْدِيلِ الْيَدَيْنِ — أَيْ بِصَلِيبِ الْمَسِيحِ الَّذِي آمَنُوا بِهِ — فُضِّلُوا عَلَى مَنَسَّى، أَيِ الْيَهُودِ. وَكَذَلِكَ تِرْتُولِّيَانُوسْ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْمَعْمُودِيَّةِ، وَدِمَشْقُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ، الْفَصْلِ الثَّانِيَ عَشَرَ، يُعَلِّمُونَ أَنَّ يَدَيْ يَعْقُوبَ الْمُتَصَالِبَتَيْنِ رَمَزَتَا إِلَى صَلِيبِ الْمَسِيحِ.
الْآيَةُ ١٥
«الَّذِي سَارُوا أَمَامَهُ» — الَّذِي وَقَّرُوهُ كَأَنَّهُ حَاضِرٌ دَائِمًا يَرْقُبُهُمْ؛ وَالَّذِي خَدَمُوهُ كَعَبِيدٍ وَقَامُوا أَمَامَهُ؛ وَالَّذِي عَاشَ آبَائِي أَمَامَهُ دَائِمًا فِي قَدَاسَةٍ وَتَوْقِيرٍ. اُنْظُرِ الْبَحْثَ فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ، الْآيَةِ ٢٢.
«اللهُ الَّذِي رَعَانِي مُنْذُ صِبَايَ.» يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: «هَذِهِ كَلِمَاتُ نَفْسٍ شَاكِرَةٍ تَقِيَّةٍ، تَذْكُرُ نِعَمَ اللهِ حَقَّ الذِّكْرِ.»
الْآيَةُ ١٦
«الْمَلَاكُ» — حَارِسِي، وَأَضِفْ هُنَا كَلِمَةَ «أَيْضًا»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِيُبَارِكِ اللهُ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، وَلْيُبَارِكْهُمَا مَلَاكِي أَيْضًا. هَكَذَا فَاتَابْلُوسْ وَأَبُولِنْسِيسْ.
«وَلْيُذْكَرِ اسْمِي عَلَيْهِمَا» — أَيْ لِيُدْعَوْا أَبْنَائِي، وَبِالتَّالِي أَبْنَاءَ إِسْحَاقَ وَإِبْرَاهِيمَ. هَكَذَا ثِيُودُورِيطُسْ. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى «أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ أَحَدٍ عَلَى آخَرَ» فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَمَا حِينَ يُقَالُ: «اسْمُكَ قَدْ ذُكِرَ عَلَيْنَا»، أَيْ نَحْنُ نُدْعَى بِاسْمِكَ، أَيْ نُدْعَى أَبْنَاءَكَ وَشَعْبَكَ.
أَخْلَاقِيًّا، يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٦٦ الْآبَاءَ أَنْ يَتْرُكُوا لِأَوْلَادِهِمْ، عَلَى مِثَالِ يَعْقُوبَ، لَا الثَّرْوَةَ بِقَدْرِ مَا يَتْرُكُونَ لَهُمْ بَرَكَةَ اللهِ. «فَلَا نَضَعْ إِذَنْ،» يَقُولُ، «جُهْدَنَا فِي جَمْعِ الثَّرَوَاتِ لِنَتْرُكَهَا لِأَوْلَادِنَا. بَلْ لِنُعَلِّمْهُمُ الْفَضِيلَةَ، وَلْنَطْلُبْ لَهُمْ بَرَكَةَ اللهِ. هَذِهِ هِيَ الْكُنُوزُ الَّتِي لَا تُوصَفُ وَلَا تُنْفَدُ، الَّتِي تُضَاعِفُ ثَرْوَتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. فَلَا شَيْءَ يُعَادِلُ الْفَضِيلَةَ، وَلَا شَيْءَ أَقْوَى مِنَ الْفَضِيلَةِ: فَمَنْ يَحْمِلُ التَّاجَ دُونَ أَنْ يَمْتَلِكَهَا يَكُونُ أَشْقَى مِنْ أَيِّ فَقِيرٍ يَرْتَدِي الْأَسْمَالَ. فَلْنُعَلِّمْ أَوْلَادَنَا إِذَنْ أَنْ يُقَدِّمُوا الْفَضِيلَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُعِيرُوا وَفْرَةَ الثَّرَوَاتِ اهْتِمَامًا.» فَهَذِهِ الثَّرَوَاتُ كَثِيرًا مَا تَكُونُ لِلشَّبَابِ كَالسِّكِّينِ لِلْأَطْفَالِ، الَّتِي تَنْتَزِعُهَا الْأُمَّهَاتُ مِنْهُمْ لِئَلَّا يُؤْذُوا أَنْفُسَهُمْ. «فَمِنَ الثَّرَوَاتِ يَنْشَأُ التَّرَفُ وَالِانْغِمَاسُ وَالْمَلَذَّاتُ السَّخِيفَةُ وَالشُّرُورُ الَّتِي لَا حَصْرَ لَهَا.»
الْآيَةُ ١٩
«يَنْمُو إِلَى أُمَمٍ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «يَكُونُ مِلْءَ أُمَمٍ أَوْ كَثْرَةَ أُمَمٍ»، أَيْ أُمَمٌ كَامِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَعَدِيدَةٌ وَعَشَائِرُ وَشُعُوبٌ تُولَدُ مِنْهُ، بَلْ وَمُلُوكٌ يَحْكُمُونَ الْأَسْبَاطَ الْعَشَرَةَ كَأَنَّهَا أُمَمٌ كَثِيرَةٌ.
الْآيَةُ ٢٠
«بِكَ يُبَارَكُ إِسْرَائِيلُ.» «بِكَ» أَيْ عَلَى مِثَالِكَ: فَحَرْفُ الْبَاءِ فِي حَرْفِ الْجَرِّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْكَافِ لِلتَّشْبِيهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: حِينَ يُرِيدُ الْآبَاءُ أَنْ يَدْعُوا بِالْخَيْرِ لِأَبْنَائِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَيَقُولُونَ: لِيُكَثِّرْكَ اللهُ كَمَا كَثَّرَ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى.
تَرْبَوِيًّا، يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسْ: تَعَلَّمْ هُنَا أَنَّ اللهَ لَا يَخْتَارُ وَلَا يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ وَالْأَشْرَفَ كَمَا يَفْعَلُ الْبَشَرُ، بَلِ الْأَخِيرَ وَالْأَدْنَى. فَكَذَلِكَ فَضَّلَ اللهُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْمَلَاكِ، وَهَابِيلَ عَلَى قَايِينَ، وَإِسْحَاقَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ، وَيَعْقُوبَ عَلَى عِيسُو، وَيُوسُفَ عَلَى رَأُوبِينَ، وَمُوسَى عَلَى هَارُونَ، وَدَاوُدَ عَلَى إِخْوَتِهِ السَّبْعَةِ.
الْآيَةُ ٢٢
«أُعْطِيكَ نَصِيبًا وَاحِدًا فَوْقَ إِخْوَتِكَ، أَخَذْتُهُ مِنْ يَدِ الْأَمُورِيِّ بِسَيْفِي وَقَوْسِي.» هَذَا النَّصِيبُ الْفَرِيدُ الَّذِي أَفْرَدَهُ يَعْقُوبُ مِنْ تَقْسِيمِ كَنْعَانَ وَأَعْطَاهُ بِهِبَةٍ خَاصَّةٍ لِيُوسُفَ، كَانَ حَقْلَ مَدِينَةِ شَكِيمَ أَوْ سِيخَارَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا ٤: ٥ وَمِنَ التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ الَّتِي تُتَرْجِمُ: «أُعْطِيكَ شَكِيمَ، الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى جَمِيعِ إِخْوَتِكَ»، إِلَخ. فَقَدْ أَخَذُوا الْعِبْرِيَّةَ شِخِمْ اسْمَ عَلَمٍ يَعْنِي شَكِيمَ أَوْ سِيكِيمَا، بَيْنَمَا أَخَذَهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ وَالْكَلْدَانِيُّ وَآخَرُونَ اسْمًا عَامًّا يَعْنِي «كَتِفًا»، أَيْ نَصِيبًا.
فَإِنْ قُلْتَ: يَعْقُوبُ اشْتَرَى هَذَا الْحَقْلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٣، الْآيَةِ ١٩، وَيَشُوعُ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَخِيرِ، الْآيَةِ ٣٢. فَكَيْفَ يُقَالُ هُنَا إِنَّهُ اكْتَسَبَهُ بِالسَّيْفِ؟ أَوَّلًا، يُجِيبُ أُوسَابِيُوسْ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ شِمْعُونَ وَلَاوِي أَخْضَعَا مَدِينَةَ شَكِيمَ وَحَقْلَهَا لِأَنْفُسِهِمَا وَلِأَبِيهِمَا بِحَقِّ الْحَرْبِ، بِسَبَبِ اغْتِصَابِ دِينَةَ مِنْ قِبَلِ الشَّكِيمِيِّينَ. لَكِنَّ الْأَبَ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ أَدَانَ هَذَا الْعُنْفَ وَهَذِهِ الْحَرْبَ، لَيْسَ فِي حَيَاتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ وَعِنْدَ مَوْتِهِ أَيْضًا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٦.
ثَانِيًا، يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ، وَعَنْهُ أَبُولِنْسِيسْ وَابْنُ عَزْرَا: «الَّتِي أَخَذْتُهَا بِالسَّيْفِ»، أَيْ بِالصَّلَاةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ أَسْلِحَةُ الْأَتْقِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ وَسُيُوفُهُمْ، كَمَا كَانَ يَعْقُوبُ.
ثَالِثًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسْ: «بِسَيْفٍ وَقَوْسٍ»، أَيْ بِالْقُوَّةِ، أَيْ بِمَالٍ اكْتَسَبْتُهُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْجُهْدِ وَالْعَرَقِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْعِبْرِيَّةَ قِشِتْ، الَّتِي تُتَرْجِمُهَا الْفُولْغَاتَا «قَوْسًا»، إِذَا كُتِبَتْ بِحَرْفِ الطَّاءِ فَتَعْنِي عُمْلَةً. وَكَذَلِكَ فِي اللَّاتِينِيَّةِ كَلِمَةُ سَاجِتَّارِيُوسْ لَفْظَةٌ مُلْتَبِسَةٌ: فَهِيَ تَعْنِي رَجُلًا (رَامِيَ سِهَامٍ) وَعُمْلَةً فَارِسِيَّةً أَيْضًا، سُمِّيَتْ كَذَلِكَ مِنْ شَكْلِ النَّقْشِ عَلَيْهَا. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعُمْلَةِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُسَمَّى أَيْضًا الدَّارِيكَ، كَمَا يَشْهَدُ بْلُوتَارْخُوسْ فِي الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ قَوْلُ أَجِيسِيلَاوُسْ الشَّهِيرُ أَنَّهُ «طُرِدَ مِنْ آسِيَا بِثَلَاثِينَ أَلْفَ رَامِي سِهَامٍ»، حِينَ رَشَا مَلِكُ الْفُرْسِ الْأَثِينِيِّينَ بِوَاسِطَةِ تِيمُوقْرَاطِسَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ مِنَ الْعُمُلَاتِ لِيَنْسَحِبَ مِنَ الْوِلَايَةِ.
رَابِعًا، يَرَى بَعْضُ الْعِبْرِيِّينَ أَنَّهُ اسْتِبَاقٌ وَتَبَادُلٌ فِي الزَّمَنِ: «الَّتِي أَخَذْتُهَا»، أَيِ الَّتِي سَآخُذُهَا وَأَقْبَلُهَا، أَيْ عَنْ طَرِيقِ أَحْفَادِي وَذُرِّيَّتِي، الَّذِينَ تَحْتَ قِيَادَةِ يَشُوعَ سَيَغْزُونَ شَكِيمَ وَكُلَّ كَنْعَانَ وَيُخْضِعُونَهَا لِأَنْفُسِهِمْ.
خَامِسًا، وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَقْوَالِ جَمِيعِهَا: يَعْقُوبُ اشْتَرَى أَوَّلًا الْحَقْلَ الْوَاقِعَ فِي شَكِيمَ بِالْمَالِ مِنْ حَمُورَ، الْإِصْحَاحِ ٣٣، الْآيَةِ ١٩. لَكِنْ حِينَ غَادَرَ الْمَكَانَ بَعْدَ الْمَذْبَحَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا أَبْنَاؤُهُ بِشَكِيمَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ الْكَنْعَانِيُّونَ بِدَوْرِهِمْ، عِنْدَئِذٍ اسْتَوْلَى الْأَمُورِيُّونَ الْمُجَاوِرُونَ عَلَى هَذَا الْحَقْلِ الشَّكِيمِيِّ. وَلَمَّا عَادَ يَعْقُوبُ طَرَدَهُمْ بِالْقُوَّةِ وَالسِّلَاحِ، وَاسْتَرَدَّ حَقْلَهُ بِالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ. فَهَذَا مَا يُذْكَرُ هُنَا بِوُضُوحٍ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَادِثَةُ لَمْ تُرْوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. هَكَذَا بِيرِيرِيُوسْ نَقْلًا عَنْ أَنْدِرِيَاسْ مَاسِيُوسْ.