كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ

(بَرَكَاتُ يَعْقُوبَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ)



مُلَخَّصُ الْفَصْلِ

يَعْقُوبُ، وَهُوَ عَلَى وَشْكِ الْمَوْتِ، بَعْدَ أَنْ جَمَعَ أَبْنَاءَهُ، يُبَارِكُهُمْ وَيَتَنَبَّأُ بِمَا سَيَحِلُّ بِذُرِّيَّتِهِمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. ثَانِيًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٢٩، يَأْمُرُ بِدَفْنِهِ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ ثُمَّ يَمُوتُ. بَعْضُهُمْ يُعَنْوِنُ هَذَا الْفَصْلَ: بَرَكَاتُ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ؛ وَآخَرُونَ: النُّبُوءَةُ عَنِ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ. كِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَسَدِيدٌ: فَيَعْقُوبُ يَفْعَلُ كِلَيْهِمَا هُنَا.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا (الْآيَاتُ ١–٣٢)

١. «فَدَعَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ وَقَالَ لَهُمْ: اجْتَمِعُوا لِأُخْبِرَكُمْ بِمَا سَيَحِلُّ بِكُمْ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ. ٢. اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا يَا بَنِي يَعْقُوبَ، وَاسْمَعُوا إِسْرَائِيلَ أَبَاكُمْ. ٣. رَأُوبِينُ، بِكْرِي، أَنْتَ قُوَّتِي وَبَاكُورَةُ حُزْنِي: الْأَوَّلُ فِي الْعَطَايَا، الْأَعْظَمُ فِي السُّلْطَانِ. ٤. اِنْسَكَبْتَ كَالْمَاءِ، فَلَا تَزِدْ؛ لِأَنَّكَ صَعِدْتَ إِلَى فِرَاشِ أَبِيكَ وَنَجَّسْتَ مَضْجَعَهُ. ٥. شِمْعُونُ وَلَاوِي أَخَوَانِ، أَوْعِيَةُ إِثْمٍ مُحَارِبَةٌ. ٦. فِي مَشُورَتِهِمَا لَا تَدْخُلْ يَا نَفْسِي، وَفِي جَمَاعَتِهِمَا لَا يَكُنْ مَجْدِي؛ لِأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلَا رَجُلًا، وَفِي إِرَادَتِهِمَا هَدَمَا سُورًا. ٧. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا لِأَنَّهُ عَنِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا لِأَنَّهُ قَاسٍ: أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ وَأُبَدِّدُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ. ٨. يَهُوذَا، إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ: يَدُكَ عَلَى أَقْفِيَةِ أَعْدَائِكَ؛ يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ. ٩. يَهُوذَا شِبْلُ أَسَدٍ: إِلَى الْفَرِيسَةِ صَعِدْتَ يَا ابْنِي. رَبَضَ وَاتَّكَأَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْؤَةٍ — مَنْ يُوقِظُهُ؟ ١٠. لَا يَزُولُ الصَّوْلَجَانُ مِنْ يَهُوذَا وَلَا الْقَائِدُ مِنْ صُلْبِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي يُرْسَلُ، وَهُوَ يَكُونُ رَجَاءَ الْأُمَمِ. ١١. يَرْبِطُ بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالدَّالِيَةِ أَتَانَهُ، يَا ابْنِي. يَغْسِلُ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ رِدَاءَهُ. ١٢. عَيْنَاهُ أَجْمَلُ مِنَ الْخَمْرِ، وَأَسْنَانُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ. ١٣. زَبُولُونُ يَسْكُنُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَعِنْدَ مَرْفَأِ السُّفُنِ، مُمْتَدًّا إِلَى صَيْدَا. ١٤. يَسَاكَرُ حِمَارٌ قَوِيٌّ رَابِضٌ بَيْنَ الْحُدُودِ. ١٥. رَأَى أَنَّ الرَّاحَةَ حَسَنَةٌ وَأَنَّ الْأَرْضَ طَيِّبَةٌ، فَأَحْنَى كَتِفَهُ لِلْحَمْلِ وَصَارَ عَبْدًا لِلْجِزْيَةِ. ١٦. دَانُ يَدِينُ شَعْبَهُ كَأَيِّ سِبْطٍ آخَرَ فِي إِسْرَائِيلَ. ١٧. لِيَكُنْ دَانُ حَيَّةً فِي الطَّرِيقِ، أُفْعُوَانًا ذَا قَرْنَيْنِ فِي الْمَسْلَكِ، يَلْدَغُ أَعْقَابَ الْفَرَسِ فَيَسْقُطُ رَاكِبُهُ إِلَى الْوَرَاءِ. ١٨. خَلَاصَكَ أَنْتَظِرُ يَا رَبُّ. ١٩. جَادُ، مُتَحَزِّمًا يُحَارِبُ أَمَامَهُ، وَهُوَ يَتَحَزَّمُ مِنَ الْخَلْفِ. ٢٠. أَشِيرُ، خُبْزُهُ سَمِينٌ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَطَايِبَ لِلْمُلُوكِ. ٢١. نَفْتَالِي، أَيِّلَةٌ مُطْلَقَةٌ، يُعْطِي أَقْوَالَ جَمَالٍ. ٢٢. يُوسُفُ ابْنٌ مُثْمِرٌ، ابْنٌ مُثْمِرٌ وَحَسَنُ الْمَنْظَرِ: الْبَنَاتُ تَرَاكَضْنَ عَلَى السُّورِ. ٢٣. لَكِنَّهُمْ أَمَرُّوهُ وَخَاصَمُوهُ وَحَسَدُوهُ ذَوُو السِّهَامِ. ٢٤. ثَبَتَتْ قَوْسُهُ بِقُوَّةٍ، وَانْحَلَّتْ رُبُطُ ذِرَاعَيْهِ وَيَدَيْهِ بِأَيْدِي عَزِيزِ يَعْقُوبَ: مِنْ هُنَاكَ خَرَجَ الرَّاعِي، حَجَرُ إِسْرَائِيلَ. ٢٥. إِلَهُ أَبِيكَ يَكُونُ مُعِينَكَ، وَالْقَدِيرُ يُبَارِكُكَ بِبَرَكَاتِ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبِبَرَكَاتِ الْغَمْرِ الرَّابِضِ فِي الْأَسْفَلِ، وَبِبَرَكَاتِ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ. ٢٦. بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ بَرَكَاتِ آبَائِهِ إِلَى مُنْتَهَى شَهْوَةِ التِّلَالِ الْأَبَدِيَّةِ: لِتَكُنْ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ وَعَلَى هَامَةِ النَّذِيرِ بَيْنَ إِخْوَتِهِ. ٢٧. بِنْيَامِينُ ذِئْبٌ خَاطِفٌ، فِي الصَّبَاحِ يَأْكُلُ فَرِيسَةً، وَفِي الْمَسَاءِ يُقَسِّمُ غَنِيمَةً.» ٢٨. كُلُّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَسْبَاطُ الِاثْنَا عَشَرَ لِإِسْرَائِيلَ؛ هَذَا مَا قَالَهُ لَهُمْ أَبُوهُمْ، وَبَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِبَرَكَتِهِ الْخَاصَّةِ. ٢٩. وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: «أَنَا أُجْمَعُ إِلَى شَعْبِي: اِدْفِنُونِي مَعَ آبَائِي فِي الْمَغَارَةِ الْمُزْدَوَجَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ عِفْرُونَ الْحِثِّيِّ، ٣٠. مُقَابِلَ مَمْرَا فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، الَّتِي اشْتَرَاهَا إِبْرَاهِيمُ مَعَ الْحَقْلِ مِنْ عِفْرُونَ الْحِثِّيِّ مُلْكًا لِلدَّفْنِ.» ٣١. هُنَاكَ دَفَنُوهُ وَسَارَةَ زَوْجَتَهُ؛ هُنَاكَ دُفِنَ إِسْحَاقُ مَعَ رِفْقَةَ زَوْجَتِهِ؛ وَهُنَاكَ تَرْقُدُ لَيْئَةُ مَدْفُونَةً. ٣٢. وَلَمَّا أَتَمَّ الْوَصَايَا الَّتِي أَوْصَى بِهَا بَنِيهِ، ضَمَّ رِجْلَيْهِ إِلَى السَّرِيرِ وَمَاتَ وَانْضَمَّ إِلَى شَعْبِهِ.

لَاحِظْ هُنَا فِي يَعْقُوبَ الْعَادَةَ الْقَدِيمَةَ الَّتِي كَانَ بِمُوجَبِهَا الْآبَاءُ الْمُشْرِفُونَ عَلَى الْمَوْتِ يُلْقُونَ عَلَى أَبْنَائِهِمْ أَوْ مَرْؤُوسِيهِمْ كَلِمَاتِهِمُ الْأَخِيرَةَ — إِمَّا نُبُوءَاتٍ أَوْ نَصَائِحَ لِلْخَلَاصِ — ثُمَّ يُبَارِكُونَهُمْ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ مُوسَى فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ، الْفُصُولِ ٣١ وَ٣٢ وَ٣٣؛ وَيَشُوعُ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ؛ وَصَمُوئِيلُ فِي سِفْرِ الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ، الْفَصْلِ ١٢؛ وَطُوبِيَّا فِي الْفَصْلِ ٣؛ وَمَتَّاثِيَّا فِي سِفْرِ الْمَكَّابِيِّينَ الْأَوَّلِ ٢؛ وَالْمَسِيحُ الرَّبُّ فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، الْفَصْلَيْنِ ١٤ وَ١٥.

يُوجَدُ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ مِنْ مَكْتَبَةِ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ «وَصِيَّةُ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ»، أَيْ وَصِيَّةُ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ الِاثْنَيْ عَشَرَ هَؤُلَاءِ، وَفِيهَا تُشْرَحُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تَخُصُّ هَذَا الْفَصْلَ. تُرْوَى فِيهَا نُبُوءَاتٌ عَدِيدَةٌ وَحَثٌّ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَعِبَادَةِ اللهِ؛ كَمَا أُدْرِجَتْ فِيهَا نُبُوءَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سِفْرِ أَخْنُوخَ. وَهِيَ قَدِيمَةٌ؛ إِذْ يَذْكُرُهَا أُورِيجَانِسُ فِي الْعِظَةِ ١٥ عَلَى سِفْرِ يَشُوعَ، وَبْرُوكُوبِيُوسُ الْغَزِّيُّ فِي الْفَصْلِ ٣٣ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ. وَقَدْ تَرْجَمَهَا رُوبِرْتُ، أُسْقُفُ لِنْكُولْنَ، مِنَ الْيُونَانِيَّةِ إِلَى اللَّاتِينِيَّةِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ مَجْهُولَةُ الْمُؤَلِّفِ وَمَشْكُوكٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْوِي أُمُورًا عَجِيبَةً وَجَدِيدَةً كَثِيرَةً تُشْبِهُ الْخُرَافَاتِ الْيَهُودِيَّةَ.


الْآيَةُ ١: فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ

«فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ.» — أَيْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُقْبِلَةِ. فَالْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ אַחֲרִית (أَحَرِيت)، الَّتِي تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا بِـ«الْأَخِيرَةِ»، تَعْنِي التَّالِيَ، اللَّاحِقَ، مَا سَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَيَعْقُوبُ هُنَا يَتَنَبَّأُ بِأُمُورٍ تَحَقَّقَتْ سَرِيعًا، وَأُخْرَى وَقَعَتْ فِي عَهْدِ يَشُوعَ، وَأُخْرَى فِي عَهْدِ الْقُضَاةِ، وَأُخْرَى تَمَّتْ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ، وَبَعْضُهَا سَيَقَعُ فِي عَهْدِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.


نُبُوءَةُ رَأُوبِينَ وَبَرَكَتُهُ

٣. «رَأُوبِينُ، بِكْرِي» — مِنْ حَيْثُ الْوِلَادَةُ وَالنَّسَبُ؛ فَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يُجَرِّدُهُ يَعْقُوبُ هُنَا مِنْ حَقِّ الْبِكْرِيَّةِ بِسَبَبِ زِنَاهُ مَعَ بِلْهَةَ. وَكَانَ رَأُوبِينُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ — وَهِيَ سَنَةُ يَعْقُوبَ الْـ١٤٧ وَالْأَخِيرَةُ — يَبْلُغُ مِنَ الْعُمْرِ ٦٢ سَنَةً، وَشِمْعُونُ ٦١، وَلَاوِي ٦٠، وَيَهُوذَا ٥٩، وَيُوسُفُ ٥٦، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا وَرَدَ فِي الْفَصْلِ ٣٠.

«أَنْتَ قُوَّتِي» — أَيِ الَّذِي وَلَدْتُهُ أَوَّلًا فِي عُنْفُوَانِ عُمْرِي.

«وَبَاكُورَةُ حُزْنِي.» — لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ الْمَوْلُودِينَ يَجْلِبُونَ لِآبَائِهِمْ هُمُومًا وَأَحْزَانًا وَقَلَقًا جَدِيدًا؛ أَوْ بِالْأَحْرَى، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ كُنْتَ لِي السَّبَبَ الرَّئِيسِيَّ لِلْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ بِسَبَبِ زِنَاكَ. وَبِالْعِبْرِيَّةِ רֵאשִׁית אוֹנִי (رِيشِيت أُونِي)، وَالَّتِي يُمْكِنُ ثَانِيًا، مَعَ الْكَلْدَانِيِّ وَفَاتَابْلُوسَ وَغَيْرِهِمْ، أَنْ تُتَرْجَمَ: بَاكُورَةُ قُوَّتِي، أَيْ قُدْرَتِي التَّنَاسُلِيَّةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فِي إِنْجَابِكَ أَوَّلًا أَظْهَرْتُ فُحُولَتِي وَقُدْرَتِي عَلَى الْإِنْجَابِ. وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَ السَّبْعُونَ: بَاكُورَةُ أَبْنَائِي. وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢١: ١٧. وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَعْقُوبَ، قَبْلَ زَوَاجِهِ مِنْ لَيْئَةَ، عَاشَ عَفِيفًا وَلَمْ يَعْرِفِ امْرَأَةً قَطُّ.

«الْأَوَّلُ فِي الْعَطَايَا، الْأَعْظَمُ فِي السُّلْطَانِ» — أَيْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ بِصِفَتِكَ الْبِكْرَ؛ وَهَذَا مَا يُوَضِّحُهُ الْكَلْدَانِيُّ صَرَاحَةً حِينَ يُتَرْجِمُ هَكَذَا: كُنْتَ سَتَنَالُ ثَلَاثَةَ حُظُوظٍ، وَهِيَ الْبِكْرِيَّةُ وَالْكَهَنُوتُ وَالْمُلْكُ؛ لَكِنَّكَ لَنْ تَنَالَهَا لِأَنَّكَ أَخْطَأْتَ مَعَ بِلْهَةَ. فَالْكَهَنُوتُ نُقِلَ مِنْ رَأُوبِينَ إِلَى لَاوِي؛ وَمُلْكُ السِّبْطَيْنِ أُعْطِيَ لِيَهُوذَا، وَمُلْكُ الْأَسْبَاطِ الْعَشَرَةِ أُعْطِيَ لِأَفْرَايِمَ؛ وَالْبِكْرِيَّةُ، أَيِ الْحِصَّةُ الْمُضَاعَفَةُ مِنَ الْمِيرَاثِ فِي كَنْعَانَ، وَبِالتَّالِي السِّبْطُ الْمُضَاعَفُ، خُصِّصَتْ لِيُوسُفَ، أَيْ لِابْنَيْهِ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى. وَمِنْ هُنَا فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأَوَّلِ ٥: ١، يُقَالُ إِنَّ الْبِكْرِيَّةَ نُقِلَتْ مِنْ رَأُوبِينَ إِلَى يُوسُفَ.

فَهِمَ مُتَرْجِمُنَا حَقَّ الْبِكْرِيَّةِ هَذَا، وَكَذَلِكَ حَقَّ الْكَهَنُوتِ، حِينَ تَرْجَمَ «الْأَوَّلُ فِي الْعَطَايَا»؛ كَمَا فَهِمَ حَقَّ الْمُلْكِ حِينَ تَرْجَمَ «الْأَعْظَمُ فِي السُّلْطَانِ». وَالْعِبْرِيَّةُ تَقُولُ יֶתֶר שְׂאֵת וְיֶתֶר עָז (يِتِرْ سِئِيتْ وَيِتِرْ عُز)، وَالَّتِي يُتَرْجِمُهَا بَانْيِينُوسُ بِوُضُوحٍ: مُتَفَوِّقٌ فِي الْكَرَامَةِ (أَوْ فِي الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ)، مُتَفَوِّقٌ فِي الْقُوَّةِ — أَيْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ.

مُلَاحَظَةٌ: بَعْدَ أَنْ جُرِّدَ رَأُوبِينُ مِنَ الْبِكْرِيَّةِ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُفَهُ فِيهَا شِمْعُونُ، الْمَوْلُودُ الثَّانِي؛ لَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ كَانَ شِرِّيرًا تُجَاهَ يُوسُفَ، وَلِأَنَّ سِبْطَهُ مَعَ قَائِدِهِ عَبَدَ بَعْلَ فَغُورَ (سِفْرُ الْعَدَدِ ٢٥: ١٤)، لِذَلِكَ نُقِلَتِ الْكَرَامَةُ الْأَنْبَلُ مِنَ الْبِكْرِيَّةِ — أَيِ الْكَهَنُوتُ — إِلَى الْمَوْلُودِ الثَّالِثِ، أَيْ لَاوِي، وَنُقِلَ الْحَقُّ الْآخَرُ مِنَ الْبِكْرِيَّةِ — أَيِ الْمُلْكُ — إِلَى الْمَوْلُودِ الرَّابِعِ، أَيْ يَهُوذَا.

«الْأَعْظَمُ فِي السُّلْطَانِ.» — فَقَدْ كَانَ لِلْبِكْرِ نَوْعٌ مِنَ الرِّئَاسَةِ الْمَلَكِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ عَلَى جَمِيعِ إِخْوَتِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ ٢٧: ٢٩. يَذْكُرُ بِيرِيرِيُوسُ ثَمَانِيَ مَزَايَا لِلْبِكْرِ كَانَتْ سَائِدَةً فِي شَعْبِ اللهِ حَتَّى قَبْلَ شَرِيعَةِ مُوسَى. الْأُولَى: كَانُوا كَهَنَةً. الثَّانِيَةُ: كَانَ الْبِكْرُ يَجْلِسُ أَوَّلًا عَلَى الْمَائِدَةِ وَيُعْطَى حِصَّةً أَكْبَرَ (سِفْرُ التَّكْوِينِ ٤٣: ٣٣). الثَّالِثَةُ: كَانَ يُبَارِكُ إِخْوَتَهُ الْآخَرِينَ، وَكَانُوا يَخْضَعُونَ لَهُ وَيَسْجُدُونَ لَهُ (سِفْرُ التَّكْوِينِ ٢٧: ٢٩). الرَّابِعَةُ: كَانَتْ لَهُ السُّلْطَةُ وَالسِّيَادَةُ عَلَى إِخْوَتِهِ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ. الْخَامِسَةُ: كَانَ يَنَالُ حِصَّةً مُضَاعَفَةً مِنَ الْمِيرَاثِ الْأَبَوِيِّ (سِفْرُ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢١: ١٧). السَّادِسَةُ: كَانَ الْأَبْكَارُ يُفْتَدَوْنَ بِخَمْسَةِ شَوَاقِلَ، بَيْنَمَا لَمْ يُفْتَدَ الْأَبْنَاءُ الْآخَرُونَ أَبَدًا، وَكَأَنَّ الْأَبْكَارَ كَانُوا مُكَرَّسِينَ وَمُخَصَّصِينَ للهِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ. السَّابِعَةُ: كَانُوا، كَمَا يَقُولُ، يَسْتَعْمِلُونَ نَوْعًا مُمَيَّزًا مِنَ اللِّبَاسِ، أَيْ أَرَقَّ وَأَثْمَنَ مِنْ لِبَاسِ إِخْوَتِهِمُ الْآخَرِينَ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ لَبِسَ يَعْقُوبُ — حِينَ طَلَبَ الْبِكْرِيَّةَ مِنْ عِيسُو — ثِيَابَهُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يُثْبِتُ الْمَسْأَلَةَ بِشَكْلٍ كَافٍ. الثَّامِنَةُ: كَانَ الْبِكْرُ يُبَارَكُ بَرَكَةً خَاصَّةً مِنَ الْأَبِ وَهُوَ يَحْتَضِرُ. وَقَدْ خَسِرَ رَأُوبِينُ كُلَّ هَذِهِ الْمَزَايَا تَقْرِيبًا.

٤. «اِنْسَكَبْتَ كَالْمَاءِ.» — أَيْ ذُبْتَ فِي الشَّهْوَةِ وَالزِّنَا؛ كَانَتْ شَهْوَتُكَ مُسْرِفَةً. يُتَرْجِمُ لِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ بِشَكْلٍ أَقَلَّ تَعْبِيرًا: «اِنْخَفَضْتَ وَسَقَطْتَ كَالْمَاءِ». فَمُتَرْجِمُنَا يُتَرْجِمُ بِعِبَارَةٍ أَبْلَغَ بِكَثِيرٍ: «اِنْسَكَبْتَ كَالْمَاءِ»، لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ حِينَ يُسْكَبُ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْكَأْسِ أَوِ الدَّلْوِ — لَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَلَا طَعْمٌ — كَذَلِكَ الشَّهْوَةُ كَثِيرًا مَا تَسْكُبُ وَتُبَدِّدُ قُوَّةَ الرَّجُلِ وَحُكْمَهُ وَعَقْلَهُ وَحِكْمَتَهُ وَسُمْعَتَهُ وَثَرْوَتَهُ وَضَمِيرَهُ وَجَمِيعَ خَيْرَاتِهِ مَعَ نَسْلِهِ وَدَمِهِ.

«فَلَا تَزِدْ» — لَنْ تَزِيدَ: فَهَذِهِ نُبُوءَةٌ أَكْثَرَ مِنْهَا لَعْنَةً، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّكَ أَخْطَأْتَ بِالزِّنَا، فَسَيُعَاقِبُكَ اللهُ بِالْعُقْمِ حَتَّى لَا تَزِيدَ فِي عَدَدِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ، وَلَا فِي الْمَكَانَةِ وَالثَّرْوَةِ وَالْمَجْدِ. وَلِذَلِكَ كَانَ سِبْطُ رَأُوبِينَ مِنْ أَصْغَرِ الْأَسْبَاطِ. وَقَدْ تَنَبَّأَ مُوسَى بِالْأَمْرِ ذَاتِهِ فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ، الْفَصْلِ ٣٣، الْآيَةِ ٦.

«صَعِدْتَ إِلَى فِرَاشِ أَبِيكَ» — ارْتَكَبْتَ الزِّنَا مَعَ بِلْهَةَ زَوْجَةِ أَبِيكَ. وَعَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَعَنْ تَوْبَةِ رَأُوبِينَ الْعَجِيبَةِ (لَيْتَهَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً)، يُورِدُ وَصِيَّةُ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْأَبُوكْرِيفِيَّةُ مَعْلُومَاتٍ ذَكَرْتُهَا فِي بِدَايَةِ الْفَصْلِ.

بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ: يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ إِنَّ رَأُوبِينَ يُمَثِّلُ الْيَهُودِيَّ الَّذِي انْتَهَكَ وَقَتَلَ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ — الَّذِي هُوَ كَفِرَاشِ لَاهُوتِهِ — وَلِذَلِكَ لُعِنَ مِنَ اللهِ.

وَبِالْمِثْلِ، بِالْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ: يُمَثِّلُ رَأُوبِينُ الْأُوطَاخِيِّينَ وَالنَّسْطُورِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْهَرَاطِقَةِ، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ؛ وَكَذَلِكَ الرُّؤَسَاءَ الْأَشْرَارَ وَالْأُمَرَاءَ الَّذِينَ، وَقَدِ انْسَكَبُوا فِي مَلَذَّاتِ الْجَسَدِ، يَفْضَحُونَ الْكَنِيسَةَ وَيَنْتَهِكُونَهَا وَيُدَنِّسُونَهَا.

وَأَخِيرًا، تَعَلَّمْ هُنَا أَوَّلًا أَنَّ انْتِقَامَ اللهِ بَطِيءٌ لَكِنَّهُ لَا يَضِيعُ أَبَدًا. فَهَا هُوَ عِقَابُ جَرِيمَةِ رَأُوبِينَ قَدْ أُعْلِنَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنِ ارْتِكَابِهِ لَهَا وَتَغَاضِي يَعْقُوبَ عَنْهَا. ثَانِيًا، تَعَلَّمْ لِأَيِّ سَبَبٍ حَقِيرٍ يَخْسَرُ النَّاسُ أَعْظَمَ الْخَيْرَاتِ. أَلَمْ يَخْسَرْ رَأُوبِينُ جَمِيعَ خَيْرَاتِ الْبِكْرِيَّةِ مُقَابِلَ أَقْبَحِ ثَمَنٍ لِأَقْصَرِ لَذَّةٍ؟ أَلَمْ يَخْسَرْ عِيسُو الشَّيْءَ نَفْسَهُ مُقَابِلَ طَبَقِ عَدَسٍ؟ ثَالِثًا، مَا أَعْظَمَ جُرْمَ مَنْ يَكُونُ عَاصِيًا وَمُهِينًا لِوَالِدَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْثِلَةٍ بَارِزَةٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: الْأَوَّلُ حَامُ بْنُ نُوحٍ، وَالثَّانِي رَأُوبِينُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَالثَّالِثُ أَبْشَالُومُ بْنُ دَاوُدَ.


نُبُوءَةُ شِمْعُونَ وَلَاوِي وَبَرَكَتُهُمَا

٥. «شِمْعُونُ وَلَاوِي أَخَوَانِ» — لَيْسَا أَخَوَيْنِ بِالطَّبِيعَةِ فَحَسْبُ، بَلْ أَشَدُّ تَشَابُهًا وَأَوْثَقُ ارْتِبَاطًا فِي الْجُرْمِ، أَيْ فِي وَحْشِيَّتِهِمَا وَجُرْأَتِهِمَا وَخِدَاعِهِمَا وَقَسَاوَتِهِمَا تُجَاهَ الشَّكِيمِيِّينَ.

«أَوْعِيَةُ إِثْمٍ» — أَيْ أَدَوَاتُ إِثْمٍ وَذَبْحٍ ظَالِمٍ وَإِبَادَةٍ لِلشَّكِيمِيِّينَ. فَالْعِبْرَانِيُّونَ يُسَمُّونَ كُلَّ أَدَاةٍ כְּלִי (كِلِي)، أَيْ وِعَاءً. وَيُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ بِلَا أَمَانَةٍ وَبِشَكْلٍ خَاطِئٍ: شِمْعُونُ وَلَاوِي رِجَالٌ أَشِدَّاءُ، فِي أَرْضِ غُرْبَتِهِمَا أَظْهَرَا بَأْسًا — وَكَأَنَّ يَعْقُوبَ يَمْدَحُهُمَا هُنَا لِقُوَّتِهِمَا، بَيْنَمَا هُوَ فِي الْوَاقِعِ يَسْتَنْكِرُ غَضَبَهُمَا وَقَسَاوَتَهُمَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي.

«مُحَارِبَةٌ.» — لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَوْعِيَةُ — أَوِ الْأَدَوَاتُ — خَامِلَةً، بَلْ أَلْحَقَتْ حَرْبًا ظَالِمَةً وَمَجْزَرَةً بِالشَّكِيمِيِّينَ. وَبِالْعِبْرِيَّةِ מְכֵרֹתֵיהֶם (مِخِيرُوتِيهِمْ)، وَالَّتِي يُتَرْجِمُهَا أَرِيَّاسُ وَأُولِيَاسْتِرُ وَفَاتَابْلُوسُ: سُيُوفُهُمَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: سُيُوفُهُمَا كَانَتْ أَوْعِيَةً — أَيْ أَسْلِحَةَ إِثْمٍ. وَهَذَا مُنَاسِبٌ جِدًّا، وَيَبْدُو أَنَّ كَلِمَةَ مَخَايِرَا (سَيْفٌ) مُشْتَقَّةٌ، كَغَيْرِهَا مِنَ الْكَلِمَاتِ اللَّاتِينِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ الْكَثِيرَةِ، مِنَ الْعِبْرِيَّةِ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أُوغُوبِينُوسُ.

٦. «فِي مَشُورَتِهِمَا لَا تَدْخُلْ يَا نَفْسِي.» — أَيْ فِي الْمَشُورَةِ الَّتِي دَبَّرَا بِهَا غَدْرًا إِبَادَةَ الشَّكِيمِيِّينَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ كَرِهْتُ هَذِهِ الْمَشُورَةَ وَهَذَا الْجُرْمَ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَلَا أَزَالُ أَكْرَهُهُمَا. ثَانِيًا، بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، رَأَى يَعْقُوبُ هُنَا مُسْبَقًا الْمَشُورَةَ الَّتِي عَقَدَهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ — الَّذِينَ انْحَدَرُوا مِنْ شِمْعُونَ — وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَهَنَةُ — الَّذِينَ انْحَدَرُوا مِنْ لَاوِي — ضِدَّ الْمَسِيحِ. فَيَعْقُوبُ هُنَا يَمْقُتُ وَيَلْعَنُ الْمَشُورَةَ الَّتِي دَبَّرُوا بِهَا مَوْتَ الْمَسِيحِ، وَبِذَلِكَ قَلَّدُوا جَرِيمَةَ سَلَفَيْهِمْ شِمْعُونَ وَلَاوِي؛ فَهَذِهِ نُبُوءَةٌ: هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَإِيسِيذُورُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَغَيْرُهُمْ.

«وَفِي جَمَاعَتِهِمَا لَا يَكُنْ مَجْدِي» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدِ افْتَخَرَا بِهَذِهِ الْمَجْزَرَةِ كَأَنَّهَا عَلَامَةُ قُوَّتِهِمَا؛ حَاشَايَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الشَّرَفِ وَالْمَجْدِ. وَيُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ: «فِي جَمَاعَتِهِمَا لَا تُجَاهِدْ أَحْشَائِي»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يَكُنْ حُبِّي وَلَا قَلْبِي وَلَا كَبِدِي فِي جَمَاعَتِهِمَا؛ فَالْكَبِدُ مَوْضِعُ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ؛ وَالْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ כָּבוֹד (كَابُود)، إِذَا قُرِئَتْ بِتَنْقِيطٍ مُخْتَلِفٍ כָּבֵד (كَابِيد)، تَعْنِي الْكَبِدَ.

«قَتَلَا رَجُلًا» — أَيْ رِجَالًا، وَهُمُ الشَّكِيمِيُّونَ مَعَ أَمِيرِهِمْ وَسَبَبِ الشَّرِّ شَكِيمَ. وَهَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ.

«وَفِي إِرَادَتِهِمَا.» — أَيْ فِي رَغْبَتِهِمَا فِي الْبَطْشِ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ: «فِي شَهْوَتِهِمَا.»

«هَدَمَا سُورًا» — أَيْ أَسْوَارًا، كَأَنَّهُمَا قَلَبَا وَخَرَّبَا مَدِينَةَ شَكِيمَ الْمُسَوَّرَةَ وَهَدَمَا أَسْوَارَهَا. فَمِنْ هَذَا النَّصِّ إِذَنْ يَتَبَيَّنُ أَنَّ شِمْعُونَ وَلَاوِي وَرِجَالَهُمَا، حِينَ اقْتَحَمُوا مَدِينَةَ شَكِيمَ بِضَرَاوَةٍ، لَمْ يَقْتُلُوا مُوَاطِنِيهَا فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا هَدَمُوا أَسْوَارَهَا.

وَهَكَذَا بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، هَدَمَ الْكَتَبَةُ وَالْكَهَنَةُ — الْمُنْحَدِرُونَ مِنْ شِمْعُونَ وَلَاوِي — أُورُشَلِيمَ عَلَى يَدِ تِيطُسَ، لِأَنَّهُمْ بِقَتْلِهِمُ الْمَسِيحَ أَعْطَوُا السَّبَبَ لِتَدْمِيرِهَا، وَكَأَنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا تِيطُسَ لِتَنْفِيذِهِ.

وَيَفْهَمُ آخَرُونَ، مِثْلُ بْرُوكُوبِيُوسَ، بِالْأَسْوَارِ حَمُورَ وَشَكِيمَ أَمِيرَيِ الْمَدِينَةِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَحْمِيَانِهَا كَالسُّورِ بِقُوَّتِهِمَا. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا السَّبْعُونَ، إِذْ قَرَأُوا שׁוֹר (شُور) أَيْ ثَوْرٌ بَدَلَ שׁוּר (شُور) أَيْ سُورٌ، يُتَرْجِمُونَ: عَرْقَبَا ثَوْرًا، أَيْ قَطَعَا وَقَتَلَا شَكِيمَ نَفْسَهُ.

وَأَخِيرًا، يُتَرْجِمُ التَّرْجُومُ الْأُورُشَلِيمِيُّ: بَاعَا يُوسُفَ الَّذِي شُبِّهَ بِالثَّوْرِ. فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَإِنَّ شِمْعُونَ وَلَاوِي كَانَا زَعِيمَيْ بَيْعِ يُوسُفَ، حَتَّى إِنَّ يُوسُفَ بِحَقٍّ حَبَسَ شِمْعُونَ وَحْدَهُ فِي السِّجْنِ (الْفَصْلُ ٤٢، الْآيَةُ ٢٥).

٧. «مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا.» — رُفِعَتْ هَذِهِ اللَّعْنَةُ عَنْ لَاوِي وَاللَّاوِيِّينَ بِفَضْلِ غَيْرَتِهِمْ: غَيْرَةِ مُوسَى وَهَارُونَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ اللَّاوِيِّينَ فِي ذَبْحِ عَابِدِي الْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ؛ وَغَيْرَةِ فِينْحَاسَ اللَّاوِيِّ الَّذِي قَتَلَ الْعِبْرَانِيَّ الزَّانِيَ مَعَ الْمِدْيَانِيَّةِ وَقَضَى عَلَى بَعْلِ فَغُورَ (سِفْرُ الْعَدَدِ ٢٥، الْآيَتَانِ ٥ وَ٦)؛ وَلِذَلِكَ نَالَ سِبْطُ لَاوِي الْكَهَنُوتَ وَالْبَرَكَةَ مِنْ مُوسَى (سِفْرُ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٣٣: ١٠). أَمَّا فِي شِمْعُونَ فَبَقِيَتْ هَذِهِ اللَّعْنَةُ بِسَبَبِ زِنَا وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا زِمْرِي قَائِدُ سِبْطِ شِمْعُونَ، الَّذِي قَتَلَهُ فِينْحَاسُ (سِفْرُ الْعَدَدِ ٢٥). وَلِذَلِكَ لَمْ يُبَارِكْ مُوسَى شِمْعُونَ وَحْدَهُ فِي سِفْرِ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٣٣: هَكَذَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ.

«أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ وَأُبَدِّدُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ» — لِئَلَّا يَضُمَّا رُؤُوسَهُمَا ثَانِيَةً وَيَتَآمَرَا عَلَى هَلَاكِ الْآخَرِينَ. وَقَدْ تَحَقَّقَ هَذَا فِي لَاوِي لِأَنَّ اللَّاوِيِّينَ لَمْ يَنَالُوا مِيرَاثًا فِي كَنْعَانَ، بَلْ تَشَتَّتُوا فِي جَمِيعِ الْأَسْبَاطِ؛ وَفِي شِمْعُونَ أَيْضًا لِأَنَّهُ أُعْطِيَ نَصِيبًا وَمَسْكَنًا وَسَطَ سِبْطِ يَهُوذَا (سِفْرُ يَشُوعَ ١٩، الْآيَتَانِ ٢ وَ٩). وَأَيْضًا حِينَ نَمَا سِبْطُ شِمْعُونَ طَلَبَ أَرَاضِيَ جَدِيدَةً، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَدُورَ وَبَعْضُهُمْ إِلَى جَبَلِ سِعِيرَ (سِفْرُ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأَوَّلِ ٤، الْآيَاتِ ٢٧ وَ٣٩ وَ٤٢). وَأَخِيرًا، تَشَتَّتَ الْكَتَبَةُ وَعُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ — الْمُنْحَدِرُونَ مِنْ شِمْعُونَ — كَالْكَهَنَةِ فِي جَمِيعِ الْأَسْبَاطِ لِتَعْلِيمِ الشَّعْبِ الشَّرِيعَةَ، إِذْ حَوَّلَ اللهُ هَذَا الْعِقَابَ إِلَى مَدْحِهِمْ وَخَيْرِ الشَّعْبِ. وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ تَكُونُ هَذِهِ النُّبُوءَةُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بَرَكَةً لِشِمْعُونَ وَلَاوِي؛ مَعَ أَنَّ التَّوْبِيخَ السَّابِقَ أَيْضًا — بِمَا أَنَّهُ أَبَوِيٌّ — يُمْكِنُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ بَرَكَةً، كَمَا سَأُبَيِّنُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢٨.


نُبُوءَةُ يَهُوذَا وَبَرَكَتُهُ

يُثْنِي يَعْقُوبُ عَلَى سِبْطِ يَهُوذَا: أَوَّلًا، مِنْ جِهَةِ اسْمِهِ — فَيَهُوذَا مَعْنَاهُ الاعْتِرَافُ وَالتَّسْبِيحُ؛ ثَانِيًا، مِنْ جِهَةِ قُوَّتِهِ الْحَرْبِيَّةِ؛ ثَالِثًا، مِنْ جِهَةِ كَرَامَتِهِ وَوَقَارِهِ، أَيْ إِنَّ إِخْوَتَهُ سَيَسْجُدُونَ لِيَهُوذَا؛ رَابِعًا، مِنْ جِهَةِ انْتِصَارَاتِهِ؛ خَامِسًا، مِنْ جِهَةِ مَمْلَكَتِهِ وَصَوْلَجَانِهِ؛ سَادِسًا، مِنْ جِهَةِ ثَرْوَتِهِ وَوَفْرَةِ غِلَالِهِ؛ سَابِعًا، مِنْ جِهَةِ الْمَسِيحِ الَّذِي سَيُولَدُ مِنْهُ. وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَنَبَّأُ بِهَا وَيُخْبِرُ عَنْهَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْآيَةِ ١٢.

٨. «يَهُوذَا، إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ تَلَاعُبٌ لَفْظِيٌّ أَنِيقٌ بِاسْمِ يَهُوذَا: יְהוּדָה יְהוֹדוּךָ يِهُودَا، يِهُودُوخَا، كَأَنَّمَا يَقُولُ: بِحَقٍّ سُمِّيتَ يَهُوذَا، أَيِ الْحَمْدَ، لِأَنَّ إِخْوَتَكَ سَيَحْمَدُونَكَ. كَانَتْ أُمُّهُ لَيْئَةُ قَدْ سَمَّتْهُ يَهُوذَا فِي الْفَصْلِ ٢٩، الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، كَأَنَّمَا تَشْكُرُ وَتُسَبِّحُ اللهَ عَلَى هَذَا النَّسْلِ؛ وَالْآنَ أَبُوهُ يَعْقُوبُ أَيْضًا يَدْعُوهُ يَهُوذَا، لِسَبَبٍ آخَرَ وَتَلْمِيحٍ مُخْتَلِفٍ، أَيْ أَنَّهُ سَيَكُونُ مَحْمُودًا مِنْ إِخْوَتِهِ. فَسِبْطُ يَهُوذَا كَانَ الْأَوَّلَ بَعْدَ مُوسَى فِي الْجُرْأَةِ عَلَى دُخُولِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ. وَهَذَا السِّبْطُ بَعْدَ وَفَاةِ يَشُوعَ كَانَ قَائِدَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ فِي الْمَعَارِكِ، كَمَا فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ١. مِنْهُ خَرَجَ الْمَلِكُ دَاوُدُ الْأَقْوَى وَالْأَمْجَدُ، وَسُلَيْمَانُ وَمُلُوكٌ آخَرُونَ حَتَّى السَّبْيِ الْبَابِلِيِّ. وَهَذَا السِّبْطُ خَاضَ أَعْظَمَ الْحُرُوبِ ضِدَّ الْإِسْمَاعِيلِيِّينَ وَالْأَدُومِيِّينَ وَالْمُوآبِيِّينَ وَالْعَرَبِ وَجَمِيعِ جِيرَانِهِمْ. وَمِنْهُ وُلِدَ زَرُبَّابِلُ قَائِدُ الشَّعْبِ الْعَائِدِ مِنْ بَابِلَ. وَأَخِيرًا، مِنْهُ وُلِدَ الْمَسِيحُ.

«يَدُكَ عَلَى أَقْفَاءِ أَعْدَائِكَ» — لِتُوَلِّيَهُمُ الْفِرَارَ، وَتُلَاحِقَهُمْ، وَتَأْسِرَهُمْ، وَتَقْتُلَهُمْ؛ وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الْكَلْدَانِيُّ: يَدَاكَ سَتَغْلِبَانِ أَعْدَاءَكَ.

«يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ.» — هَا هُنَا يُنْقَلُ حَقُّ الْبُكُورِيَّةِ مِنْ رَأُوبِينَ وَيُسْنَدُ إِلَى يَهُوذَا. فَالْبِكْرُ بِوَصْفِهِ أَمِيرَ إِخْوَتِهِ كَانَ يُكَرَّمُ وَيُسْجَدُ لَهُ مِنْهُمْ — أَيْ إِنَّ الْإِخْوَةَ كَانُوا يَنْحَنُونَ أَمَامَهُ وَيُبْدُونَ لَهُ التَّبْجِيلَ الْمَدَنِيَّ الَّذِي يُبْدَى لِلْأَبِ أَوِ الْأَمِيرِ. وَيُشَارُ هُنَا أَيْضًا إِلَى السُّلْطَةِ الْمَلَكِيَّةِ الَّتِي سَتُمْنَحُ لِيَهُوذَا؛ فَالْمُلُوكُ يَسْجُدُ لَهُمْ رَعَايَاهُمْ حِينَ يَتَوَاضَعُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَهُمْ تَكْرِيمًا وَتَبْجِيلًا.

بِالتَّأْوِيلِ الرَّمْزِيِّ، يَهُوذَا هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي سَبَّحَ اللهَ بِاسْتِمْرَارٍ، وَكَانَ كَأَنَّهُ تَسْبِيحٌ دَائِمٌ للهِ، وَالَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ حَتَّى الْمَوْتِ، وَالَّذِي يَحْمَدُهُ وَيَسْجُدُ لَهُ جَمِيعُ الْإِخْوَةِ — أَيِ الْمَلَائِكَةُ الْقِدِّيسُونَ وَالْبَشَرُ — وَالَّذِي انْتَشَلَنَا بِأَعْظَمِ الْقُوَّةِ مِنْ بَرَاثِنِ الشَّيْطَانِ. وَلِذَلِكَ «يَدَاهُ عَلَى أَقْفَاءِ» الشَّيْطَانِ وَالْعَالَمِ وَالْجَسَدِ وَالْخَطِيئَةِ الَّتِي غَلَبَهَا بِنَفْسِهِ.

«بَنُو أَبِيكَ.» — لَمْ يَقُلْ أُمِّكَ بَلْ أَبِيكَ، لِأَنَّ إِخْوَةَ يَهُوذَا كَانَتْ لَهُمْ أُمَّهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَكِنَّ الْأَبَ وَاحِدٌ؛ وَيَعْقُوبُ هُنَا يَتَنَبَّأُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ الْمَوْلُودِينَ مِنْ أَيِّ أُمٍّ كَانَتْ سَيَسْجُدُونَ لِيَهُوذَا.


الْآيَةُ ٩: يَهُوذَا شِبْلُ الْأَسَدِ

٩. «يَهُوذَا شِبْلُ أَسَدٍ.» — كَمَا كَانَ يَهُوذَا بَيْنَ إِخْوَتِهِ، كَذَلِكَ كَانَ سِبْطُ يَهُوذَا بَيْنَ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ كَالْأَسَدِ: أَوَّلًا، الْأَشَدَّ قُوَّةً؛ ثَانِيًا، الْأَكْثَرَ جَسَارَةً؛ ثَالِثًا، الْأَكْثَرَ حَرْبِيَّةً؛ رَابِعًا، الْأَكْثَرَ ظَفَرًا؛ خَامِسًا، الْأَنْبَلَ رُوحًا. وَقَدْ لَمَّحَ إِلَى ذَلِكَ الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ بِظَرَافَةٍ حِينَ قَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ مُفْتَرِيًا أَنَّهُ غَالِيٌّ: «لَمْ أُولَدْ غَالِيًّا، بَلْ مِنْ بِلَادِ الْغَالِ؛ أَمَّا أَنْتَ فَأَنْتَ لَاوُنْ (إِذْ كَانَ هَذَا اسْمُهُ)، لَكِنَّكَ لَسْتَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا.» رَوَى ذَلِكَ يُوحَنَّا بِيلِيثُ فِي الْفَصْلِ ٢٢.

فَلْيَكُنْ لِلْقَادَةِ وَالْجُنُودِ الْمُخْلِصِينَ هَذِهِ الرُّوحُ الْأَسَدِيَّةُ الَّتِي لِيَهُوذَا. فَالْقَائِدُ الشُّجَاعُ كَالْمَاسِ الَّذِي لَا يُكْسَرُ بِالْحَدِيدِ وَلَا يُفْنِيهِ النَّارُ. قَالَ الْإِمْبِرَاطُورُ فِرِيدِرِيكُ الثَّانِي حِينَ سَمِعَ تَهْدِيدَاتِ الْأُمَرَاءِ: «ضَجِيجُ التَّهْدِيدَاتِ نَهِيقُ حَمِيرٍ.»

وَكَذَلِكَ أَجَابَ لِيُونِيدَاسُ أَحَدَ الْفُرْسِ الَّذِي كَانَ يُهَدِّدُ بِأَنَّ الْإِسْبَرْطِيِّينَ لَنْ يَرَوُا الشَّمْسَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي بِسَبَبِ وَابِلِ السِّهَامِ: «إِذَنْ سَنُقَاتِلُ فِي الظِّلِّ بِكُلِّ رَاحَةٍ.»

أَلْفُونْسُو مَلِكُ أَرَاغُونَ رَأَى غَرْقَى يَسْتَغِيثُونَ؛ وَبَيْنَمَا كَانَ الْآخَرُونَ خَائِفِينَ، أَبْحَرَ هُوَ بِنَفْسِهِ بِسَفِينَةٍ قَائِلًا: «الْأَفْضَلُ أَنْ أَهْلَكَ مَعَ رِفَاقٍ هُمْ أَشْجَعُ الرِّجَالِ مِنْ أَنْ أَرَاهُمْ يُعَانُونَ أَقْسَى الْمَصَائِبِ فِي الْعَاصِفَةِ.» شَاهِدُ ذَلِكَ بَانُورْمِيتَانُوسُ.

شَارْلُ الْخَامِسُ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي صُفُوفِ الْمَعْرَكَةِ خَلْفَ الْمَتَارِيسِ وَالْمَوَاقِعِ، حِينَ كَانَ الْعَدُوُّ يَقْذِفُ وَابِلًا مِنَ الرَّصَاصِ، وَقَدْ نُصِحَ بِالانْسِحَابِ، أَجَابَ: «الْكِلَابُ الَّتِي تَنْبَحُ لَا تُخِيفُ؛ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يَدْعُوكُمْ لِلْخَوْفِ مَا دُمْنَا مُحَصَّنِينَ بِحِمَايَةِ اللهِ.»

وَأَيْضًا شَارْلُ الْخَامِسُ بِالْقُرْبِ مِنْ إِنْغُولْشْتَادْتْ، حِينَ كَانَ يَتَعَرَّضُ لِنِيرَانٍ كَثِيفَةٍ مِنَ الْعَدُوِّ، قَالَ: «تَشَجَّعُوا — لَمْ يَهْلِكْ إِمْبِرَاطُورٌ قَطُّ بِطَلْقَةِ مِدْفَعٍ.» وَهُوَ نَفْسُهُ، إِذْ كَانَ عَلَى وَشْكِ الْمَسِيرِ إِلَى إِسْبَانِيَا، حِينَ سَمِعَ أَنَّ الطَّاعُونَ يَفْتِكُ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: «لَا بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ، وَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ هَذِهِ الْفُرْصَةِ الطَّيِّبَةِ: الطَّاعُونُ لَمْ يَمَسَّ قَيْصَرًا قَطُّ، الطَّاعُونُ لَمْ يَمَسَّ أُغُسْطُسًا قَطُّ، الطَّاعُونُ لَمْ يَمَسَّ أَيَّ شَارْلٍ قَطُّ.»

لُوِيسُ الثَّانِي عَشَرَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مِيلَانَ، حِينَ عَلِمَ أَنَّ الْبَلْدَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي كَانَ يَعْتَزِمُ الْمَبِيتَ فِيهَا قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْعَدُوُّ، مَضَى قُدُمًا وَقَالَ: «سَآخُذُ مَبِيتِي فَوْقَ أَجْسَادِهِمْ، أَوْ هُمْ فَوْقَ جَسَدِي.»

أَلْبِرْتُ مَرْغْرَافُ بْرَانْدِنْبُورْغ كَانَ قَدْ أَسَرَ لُوِيسَ الْبَافَارِيَّ، وَكَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ أُمُورًا كَثِيرَةً وَيُهَدِّدُهُ؛ فَقَالَ لَهُ لُوِيسُ: «مَا كُنْتَ تَسْتَطِيعُ الْحُصُولَ عَلَيْهِ مِنِّي حُرًّا، اطْلُبْهُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا مِنِّي أَسِيرًا. وَإِنْ أَرَدْتَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَجَسَدِي فِي قَبْضَتِكَ؛ أَمَّا رُوحِي فَسَتَجِدُهَا خَاضِعَةً لِي لَا لَكَ.»

أَمَرَ الْإِمْبِرَاطُورُ أُوتُو الرَّابِعُ بِقَتْلِ فَارِسٍ اتُّهِمَ زُورًا بِالاعْتِدَاءِ عَلَى عِفَّةِ الْإِمْبِرَاطُورَةِ. فَأَقْبَلَتِ الزَّوْجَةُ تَحْمِلُ رَأْسَ زَوْجِهَا فِي حِجْرِهَا عَلَى الْإِمْبِرَاطُورِ، وَسَأَلَتْهُ أَيُّ عُقُوبَةٍ يَسْتَحِقُّهَا الْقَاضِي الظَّالِمُ. قَالَ الْإِمْبِرَاطُورُ: «الْمَوْتُ.» فَقَالَتْ: «إِذَنْ مُتْ أَيُّهَا الْإِمْبِرَاطُورُ، أَنْتَ الَّذِي قَتَلْتَ زَوْجِي الْبَرِيءَ. وَأَنَّهُ كَانَ بَرِيئًا أُثْبِتُهُ بِهَذَا الْحَدِيدِ الْمُحَمَّى الَّذِي أَحْمِلُهُ بِيَدَيَّ دُونَ أَذًى.» هَكَذَا رَوَى بِرْنَارْدُوسُ كُورِيُّوسُ فِي سِيرَةِ أُوتُو.

مُلَاحَظَةٌ: يُعْطِي الْعِبْرَانِيُّونَ الْأَسَدَ أَسْمَاءً كَثِيرَةً يُمَيِّزُونَ بِهَا أَعْمَارَهُ. أَوَّلًا، يُسَمَّى غُورْ حِينَ يَكُونُ شِبْلًا وَكَأَنَّهُ رَضِيعٌ. ثَانِيًا، يُسَمَّى كِفِيرْ حِينَ يَكْبَرُ وَيَصِيرُ بَالِغًا فَيَبْدَأُ فِي الضَّرَاوَةِ وَالافْتِرَاسِ. ثَالِثًا، يُسَمَّى أَرْيِيهْ أَوْ أَرِي حِينَ يَكُونُ فِي تَمَامِ قُوَّتِهِ وَيَصِيرُ أَسَدًا كَامِلًا. رَابِعًا، حِينَ يَبْلُغُ أَوْجَ قُوَّتِهِ وَنُضْجِهِ يُسَمَّى لَابِي، بِمَعْنَى شُجَاعٌ، مِنْ لِبْ أَيِ الْقَلْبُ. خَامِسًا، يُسَمَّى لَايِشْ حِينَ يَبْدَأُ فِي الشَّيْخُوخَةِ، وَكَجُنْدِيٍّ مُخَضْرَمٍ مُتَمَرِّسٍ فِي الصَّيْدِ لَا يَزَالُ نَاضِرًا قَوِيًّا.

مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، أُعْطِيَ ثَلَاثَةٌ هُنَا لِيَهُوذَا: أَوَّلًا، غُورْ — وَتَحْتَهُ يَنْدَرِجُ أَيْضًا كِفِيرْ — وَيُشِيرُ إِلَى طُفُولَةِ سِبْطِ يَهُوذَا وَشَبَابِهِ فِي الْحُرُوبِ زَمَنَ يَشُوعَ. ثَانِيًا، أَرْيِيهْ يُشِيرُ إِلَى قُوَّتِهِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي بَلَغَهَا فِي عَهْدِ دَاوُدَ. ثَالِثًا، لَابِي يُشِيرُ إِلَى قُوَّتِهِ الرَّاسِخَةِ وَسُلْطَانِهِ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ الَّذِي كَانَ لَابِي، أَيْ حَكِيمَ الْقَلْبِ فِي الْحِكْمَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالْعَظَمَةِ.

«مِنْ فَرِيسَةٍ يَا ابْنِي صَعِدْتَ.» — بَدَلَ «إِلَى الْفَرِيسَةِ»، تَقْرَأُ الْعِبْرِيَّةُ وَسِيمَّاخُوسُ وَأَكِيلَا مِطَّرِفْ، أَيْ «مِنَ الْفَرِيسَةِ»، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَوَالِي الْغَنَائِمِ وَالانْتِصَارَاتِ بِلَا انْقِطَاعٍ، كَأَنَّمَا يَقُولُ: مِنْ فَرِيسَةٍ إِلَى فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ؛ تَفْتَرِسُ بِلَا تَوَقُّفٍ؛ وَتَعُودُ بِاسْتِمْرَارٍ مِنْ فَرِيسَةٍ وَبِفَرِيسَةٍ. وَقَدْ تَحَقَّقَ هَذَا أَصْدَقَ تَحَقُّقٍ فِي دَاوُدَ الَّذِي قَضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي الْحُرُوبِ مُسْتَوْلِيًا عَلَى غَنَائِمَ مُتَوَاصِلَةٍ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَصَعِدَ تَدْرِيجِيًّا مِنْ فَرِيسَةٍ أَصْغَرَ إِلَى أَكْبَرَ: فَمِنْ تَمْزِيقِ الدُّبِّ وَالْأَسَدِ انْتَقَلَ إِلَى مُبَارَزَةِ جُلْيَاتَ وَأَسْلَابِهِ؛ ثُمَّ إِلَى قِيَادَةِ الْجَيْشِ وَغَنِيمَةِ مِئَةِ غُلْفَةٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، صَمُوئِيلَ الْأَوَّلِ ١٨: ٤٣؛ وَسُرْعَانَ مَا اسْتَوْلَى عَلَى غَنَائِمَ مُتَوَاصِلَةٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، صَمُوئِيلَ الْأَوَّلِ ٢٧؛ ثُمَّ انْتَزَعَ سِبْطَ يَهُوذَا فِعْلِيًّا مِنْ مَمْلَكَةِ شَاوُلَ، صَمُوئِيلَ الثَّانِي ٢: ٧. وَأَخِيرًا لَمَّا صَارَ مَلِكًا عَلَى جَمِيعِ الْأَسْبَاطِ، اسْتَوْلَى عَلَى أَعْظَمِ الْغَنَائِمِ مِنَ الْعَمُّونِيِّينَ وَالْمُوآبِيِّينَ وَالسُّورِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ. هَكَذَا ذَكَرَ دِلْرِيُو.

وَمِنْ هَذِهِ النُّبُوءَةِ اتَّخَذَ سِبْطُ يَهُوذَا وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ صُورَةَ الْأَسَدِ شِعَارًا لَهُمْ. وَلِذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَلِكَ يُوحَنَّا (بْرِسْتِرُ يُوحَنَّا)، مَلِكَ الْحَبَشَةِ الَّذِي يَتَبَاهَى بِانْحِدَارِهِ مِنْ مَلِكَةِ سَبَأَ وَسُلَيْمَانَ، وَبِالتَّالِي مِنْ يَهُوذَا، يَحْمِلُ شِعَارًا أَوْ رَمْزًا هُوَ أَسَدٌ يُمْسِكُ بِمِخْلَبِهِ صَلِيبًا مُنْتَصِبًا. فَالْأَسَدُ رَمْزُ الانْحِدَارِ مِنْ يَهُوذَا، وَالصَّلِيبُ رَمْزُ الْمَسِيحِيَّةِ.

«جَثَا وَرَبَضَ.» تَرْجَمَ أَكِيلَا: «انْحَنَى وَاتَّكَأَ»؛ وَسِيمَّاخُوسُ: «عَرَجَ وَجَلَسَ»، كَأَنَّمَا يَقُولُ: كَمَا أَنَّ الْأَسَدَ حِينَ يَظْفَرُ بِفَرِيسَتِهِ يَنْخَفِضُ إِلَى الْأَرْضِ، وَكَأَنَّهُ كَسُولٌ وَأَعْرَجُ يَتَّكِئُ لِيَلْتَهِمَهَا، وَلَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِفْزَازِ الْآكِلِ أَوْ إِزْعَاجِهِ — كَذَلِكَ أَنْتَ يَا يَهُوذَا، بَعْدَ أَنْ أَخْضَعْتَ جَمِيعَ الْأَسْبَاطِ بِصَوْلَجَانِكَ عَبْرَ دَاوُدَ وَثَبَّتَّ مَمْلَكَتَكَ، أَسْلَمْتَ نَفْسَكَ بِأَمَانٍ لِلسَّلَامِ وَالسُّكُونِ، وَكَلَبْوَةٍ تُرْضِعُ أَشْبَالَهَا تُشْبِهُ النَّائِمَةَ، اسْتَقَرَرْتَ عَلَى فِرَاشِكَ، كَرَاعٍ صَالِحٍ يَرْعَى شَعْبَهُ وَيَحْتَضِنُهُ، فَلَا يَجْرُؤُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِفْزَازِكَ لِلْحَرْبِ. هَكَذَا ذَكَرَ دِلْرِيُو.

مُلَاحَظَةٌ: جَمِيعُ صِيَغِ الْمَاضِي هَذِهِ يَجِبُ تَفْسِيرُهَا كَمُسْتَقْبَلٍ، فَهِيَ نُبُوءَةٌ.

«كَلَبْوَةٍ» — الَّتِي حِينَ تُرْضِعُ أَشْبَالَهَا تَكُونُ أَشْرَسَ وَأَقْوَى مِنَ الْأَسَدِ.

«مَنْ يُنْهِضُهُ؟» — مَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى إِيقَاظِهِ وَاسْتِفْزَازِهِ لِلْحَرْبِ؟ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَنْ يُفْلِتَ مِنَ الْعِقَابِ، وَسَيُمْنَى بِالْهَزِيمَةِ.

بِالتَّأْوِيلِ الرَّمْزِيِّ، الْمَسِيحُ الْمَوْلُودُ مِنْ يَهُوذَا «صَعِدَ إِلَى الْفَرِيسَةِ» لِأَنَّ اسْمَهُ: «أَسْرِعْ إِلَى السَّلَبِ، بَادِرْ إِلَى النَّهْبِ» (إِشَعِيَا ٨: ٣). وَمِنْ ثَمَّ اسْتَرَاحَ، أَيْ مَاتَ، كَالْأَسَدِ — لِأَنَّهُ فِي مَوْتِهِ زَلْزَلَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، وَبِمَوْتِهِ دَمَّرَ إِبْلِيسَ وَالْمَوْتَ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَرَكَاتِ الْبَطَارِكَةِ، فِي بَرَكَةِ يَهُوذَا: «مَنْ يُنْهِضُهُ، يَقُولُ، أَيْ مَنِ الَّذِي يَقْبَلُهُ الرَّبُّ؟ مَنْ غَيْرُهُ يُقِيمُهُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ نَفْسَهُ بِقُدْرَتِهِ وَقُدْرَةِ الْآبِ؟ أَرَى مَوْلُودًا بِسُلْطَانِهِ الذَّاتِيِّ، أَرَى مَيِّتًا بِإِرَادَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، أَرَى نَائِمًا بِقُدْرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ — فَمَنْ صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ بِمَحْضِ قَرَارِهِ، أَيَّ عَوْنٍ يَحْتَاجُ لِيَقُومَ ثَانِيَةً؟ فَهُوَ إِذَنْ صَاحِبُ قِيَامَتِهِ بِنَفْسِهِ، هُوَ الَّذِي هُوَ حَاكِمُ الْمَوْتِ.»

يَنَامُ شِبْلُ اللَّبْوَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. يَنْقُلُ أَوْكِيرِيُوسُ هُنَا عَنْ عُلَمَاءِ الطَّبِيعَةِ أَنَّ شِبْلَ الْأَسَدِ حِينَ يُولَدُ يَنَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يُوقِظُهُ زَئِيرُ أَبِيهِ الَّذِي يُزَلْزِلُ الْعَرِينَ. هَكَذَا الْمَسِيحُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بِقُدْرَتِهِ وَقُدْرَةِ الْآبِ — الَّتِي أَحْدَثَتْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ زِلْزَالًا — قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ. وَقَدْ أَخْطَأَ أَبِيفَانِيُوسُ وَأَوْكِيرِيُوسُ فِي تَطْبِيقِ هَذَا عَلَى أَشْبَالِ الْأَسَدِ الْمَيِّتَةِ الَّتِي يُحْيِيهَا الْأَبُ بِزَئِيرِهِ، فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ وَخُرَافِيٌّ.


الْآيَةُ ١٠: لَا يَزُولُ الصَّوْلَجَانُ

١٠. «لَا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا.» تَرْجَمَتِ السَّبْعِينِيَّةُ: «لَا يَنْقَطِعُ أَمِيرٌ مِنْ يَهُوذَا»، كَأَنَّمَا يَقُولُ: لَمَّا نَالَ سِبْطُ يَهُوذَا الْمُلْكَ فِي دَاوُدَ، فَسَيَحْفَظُ هَذِهِ الرِّئَاسَةَ وَالْقِيَادَةَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسِيحُ.

أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ الْمُلْكَ وَالرِّئَاسَةَ قَدْ خُصِّصَا هُنَا لِسِبْطِ يَهُوذَا، وَإِنَّهُ حَصَلَ عَلَيْهِمَا فِعْلًا حَتَّى مَجِيءِ الْمَسِيحِ بِسَبَبَيْنِ اثْنَيْنِ. أَوَّلًا، لِأَنَّ سِبْطَ يَهُوذَا وَحْدَهُ حَصَلَ عَلَى الْمُلْكِ مِنْ دَاوُدَ حَتَّى صِدْقِيَّا لِمُدَّةِ ٤٧٠ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي مَجْدٍ عَظِيمٍ وَثَرْوَةٍ وَقُوَّةٍ حَتَّى السَّبْيِ الْبَابِلِيِّ. ثُمَّ لِأَنَّ سِبْطَ يَهُوذَا وَحْدَهُ عَادَ مِنْ هَذَا السَّبْيِ مَعَ قَلِيلِينَ آخَرِينَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ وَلَاوِي وَأَسْبَاطٍ أُخْرَى. وَمِنْ ثَمَّ أَخَذَتِ الْأُمَّةُ الْيَهُودِيَّةُ كُلُّهَا اسْمَهَا مِنْ يَهُوذَا، وَكَانَ الْجَمِيعُ حَتَّى الْمُنْحَدِرُونَ مِنْ أَسْبَاطٍ أُخْرَى يُعْتَبَرُونَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، لِأَنَّهُمُ اخْتَلَطُوا بِيَهُوذَا وَاُنْدَمِجُوا فِي سِبْطِهِ وَدَوْلَتِهِ. وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا يُقَالُ إِنَّ الرُّومَانَ حَكَمُوا؛ وَيُسَمَّى أَبَاطِرَةً رُومَانِيِّينَ كُلُّ مَنْ حَصَلَ عَلَى الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ فِي رُومَا، حَتَّى لَوْ كَانُوا مِنْ تَرَاقِيَا أَوْ إِسْبَانِيَا أَوْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا انْدَمَجُوا مَعَ الرُّومَانِ فِي دَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمْبِرَاطُورِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.

ثَانِيًا وَالْأَهَمُّ، إِنَّ الصَّوْلَجَانَ بِالتَّحْدِيدِ لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْ يَهُوذَا حَتَّى الْمَسِيحِ، لِأَنَّ التَّاجَ أَيْ حَقَّ الْمُلْكِ وَسُلْطَانَهُ ظَلَّ دَائِمًا مِنْ حَقِّ سِبْطِ يَهُوذَا: أَوَّلًا لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ الْمَلَكِيَّ مَنَحَهُ اللهُ لِدَاوُدَ وَأُسْرَتِهِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ يَهُوذَا، بِحَيْثُ يَتَعَاقَبُ نَسْلُ دَاوُدَ فِيهِ دَائِمًا بِحَقِّ الْوِرَاثَةِ فِي سِلْسِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ؛ ثُمَّ لِأَنَّ كُرْسِيَّ الْمَمْلَكَةِ وَدِيَارَهَا وَعَاصِمَتَهَا، أَيْ أُورُشَلِيمَ، كَانَتْ تَابِعَةً لِسِبْطِ يَهُوذَا.

فَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِذَنْ نُقِيمُ الْحُجَّةَ عَلَى الْيَهُودِ وَنُبَرْهِنُ لَهُمْ أَنَّ الْمَسِيحَ قَدْ جَاءَ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّهُ وُلِدَ فِي زَمَنِ هِيرُودُسَ؛ فَآنَذَاكَ زَالَ الصَّوْلَجَانُ مِنْ يَهُوذَا، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ مَسِيحَنَا هُوَ الْمَسِيحُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ يَعْقُوبُ هُنَا وَوَعَدَ بِهِ.

أُجِيبُ بِأَنَّ فَتْرَةً قَصِيرَةً مِقْدَارُهَا ٣٥ سَنَةً فِي مِثْلِ هَذَا الامْتِدَادِ الزَّمَنِيِّ الطَّوِيلِ تُعَدُّ هُنَا كَالْعَدَمِ. فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذِهِ النُّبُوءَةِ أَنَّهُ فِي عَهْدِ الْمَلِكِ هِيرُودُسَ نَفْسِهِ الَّذِي زَالَ فِي عَهْدِهِ الصَّوْلَجَانُ مِنْ يَهُوذَا وُلِدَ الْمَسِيحُ. فَكَلِمَةُ «حَتَّى» لَا تُحَدِّدُ بِدِقَّةٍ سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا مُعَيَّنًا لِمَجِيءِ الْمَسِيحِ، بَلْ تَدُلُّ إِجْمَالًا عَلَى أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ عَيْنِهِ، أَيْ فِي عَهْدِ الْمَلِكِ نَفْسِهِ الَّذِي يَزُولُ فِيهِ الصَّوْلَجَانُ مِنْ يَهُوذَا، سَيُولَدُ الْمَسِيحُ.

بِالْمَعْنَى الْأَنَاغُوجِيِّ، لَنْ يُنْزَعَ صَوْلَجَانُ الْمَسِيحِ مِنْ حَبْرِهِ حَتَّى يَأْتِيَ هُوَ بِنَفْسِهِ فِي مَجِيئِهِ الثَّانِي لِيُسْعِدَنَا وَيُمَجِّدَنَا. هَكَذَا ذَكَرَ بِيرِيرِيُوسُ نَقْلًا عَنِ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ وَأُورِيجَانُوسَ.

«وَالْمُشْتَرِعُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ מְחֹקֵק مِحُوقِيقْ، أَيِ الْمُشَرِّعُ، وَيَعْنِي الْقَائِدَ أَوِ الْأَمِيرَ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَسُنَّ الشَّرَائِعَ وَيَحْكُمَ الشَّعْبَ بِهَا.

«مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ.» — «الْفَخِذُ» كِنَايَةً تَدُلُّ عَلَى الْأَعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَبَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، كَمَا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ.


حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْإِرْسَالُ (شِيلُوه)

«حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْإِرْسَالُ.» — تَرْجَمَ الْكَلْدَانِيُّ صَرَاحَةً: «حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسِيحُ الَّذِي لَهُ الْمُلْكُ»؛ فَإِنَّ اسْمَهُ آنَذَاكَ كَانَ «الَّذِي لَهُ الْإِرْسَالُ» أَوْ «الآتِي». فِي الْعِبْرِيَّةِ: «حَتَّى يَأْتِيَ שִׁילֹה شِيلُوه»، الَّذِي يَشْتَقُّونَهُ وَيُفَسِّرُونَهُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا يُرْجِعُونَهُ إِلَى الْمَسِيحِ.

أَوَّلًا، تَرْجَمَتِ السَّبْعِينِيَّةُ: «حَتَّى يَأْتِيَ (أَيِ الْمَسِيحُ) الَّذِي لَهُ مَا هُوَ مُدَّخَرٌ»، أَيِ الصَّوْلَجَانُ وَمُلْكُ يَهُوذَا، كَمَا يَقْرَأُ وَيَفْهَمُ الْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ وَإِيرِينَاوُسُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ. فَلِلْمَسِيحِ وَحْدَهُ، وَبِالتَّالِي لِيَهُوذَا، ادُّخِرَ: أَوَّلًا، مُلْكُ يَهُوذَا وَيَعْقُوبَ؛ ثَانِيًا، حَقُّ خَلَاصِ إِسْرَائِيلَ؛ ثَالِثًا، جَمِيعُ الْمَوَاعِيدِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَدَاوُدَ؛ رَابِعًا، جَمِيعُ كُنُوزِ النِّعْمَةِ وَالْمَجْدِ؛ خَامِسًا، إِيمَانُ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَطَاعَتُهُمْ؛ سَادِسًا، الدَّيْنُونَةُ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ.

ثَانِيًا، يَقْرَأُ لِيُو كَاسْتْرِيُّوسُ شِيلُوه بِتَنْقِيطٍ مُخْتَلِفٍ فَيَصِيرُ سَايْلَاخْ، أَيْ «هِبَةٌ» أَوْ «مَا وُعِدَ بِهِ.»

ثَالِثًا، يَرَى الْحَاخَامُ دَاوُدُ قِمْحِي أَنَّ شِيلُوه تَعْنِي «ابْنَهُ»، أَيِ ابْنَ يَهُوذَا، وَبِالْأَحْرَى ابْنَ اللهِ؛ كَأَنَّ شِيلُوه هُوَ ذَاكَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ اللهُ الْآبُ: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ» (الْمَزْمُورُ ٢).

رَابِعًا، يَقْرَأُ غَالَاتِينُوسُ وَهَامِيرُوسُ شِيلُوه عَلَى أَنَّهَا شِلَاه، أَيْ «الَّذِي هُوَ ابْنُهَا»، أَيِ ابْنُ الْمَرْأَةِ وَالْعَذْرَاءِ بِلَا أَبٍ — ذَاكَ الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَةَ ٤: «وَلَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ.»

خَامِسًا، يَرَى فَاتَابْلُوسُ وَأُولِيَاسْتِرُ أَنَّ شِيلُوه قِيلَتْ بِتَبَادُلِ الْحُرُوفِ عَنْ شَالُوم، أَيِ «الْمُسَالِمُ»، «صَانِعُ السَّلَامِ». فَالْمَسِيحُ وُلِدَ لِهَذَا: أَنْ يَصْنَعَ السَّلَامَ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ، وَأَنْ يَتْرُكَ السَّلَامَ، وَأَنْ يُعْطِيَنَا سَلَامَهُ.

سَادِسًا، وَهُوَ الْأَرْجَحُ، أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بَدَلَ شِيلُوه שִׁילוֹחַ شِيلُوحْ، أَيِ «الْمَبْعُوثُ، الْمُرْسَلُ أَوِ الْوَاجِبُ إِرْسَالُهُ»، مِنْ جَذْرِ שָׁלַח شَالَاحْ، أَيْ «أَرْسَلَ». فَهَكَذَا تَرْجَمَ مُتَرْجِمُنَا (الْفُولْغَاتَا)، وَقَدْ كَانَ هَذَا مُنْذُ الْقِدَمِ اسْمًا شَائِعًا لِلْمَسِيحِ كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٤: ١٣. وَلِذَلِكَ لَمَّحَ الْمَسِيحُ إِلَى هَذَا الاسْمِ سِيلُوحْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَمْنَحَ الْبَصَرَ لِلْأَعْمَى فَأَرْسَلَهُ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ، الَّتِي تُسَمَّى بِالْعِبْرِيَّةِ سِيلُوحْ، «الَّتِي تُفَسَّرُ بِالْمُرْسَلِ» كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا (يُوحَنَّا ٩: ٧). فَإِنَّ وَظِيفَةَ الْمَسِيحِ الْخَاصَّةَ كَانَتْ أَنْ يَكُونَ مَبْعُوثَ اللهِ إِلَى الْبَشَرِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ اسْمُهُ الْخَاصُّ سِيلُوحْ، أَيِ الْمَبْعُوثُ أَوِ الْمُرْسَلُ.

مُلَاحَظَةٌ: بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ — «لَا يَنْقَطِعُ إلَخْ حَتَّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْإِرْسَالُ» — يَتَنَبَّأُ يَعْقُوبُ ضِمْنِيًّا بِأَنَّ الْمَسِيحَ سَيُولَدُ مِنْ يَهُوذَا. فَيَعْقُوبُ هُنَا، كَمَا يُخَصِّصُ لِكُلِّ ابْنٍ بَرَكَتَهُ الْخَاصَّةَ، كَذَلِكَ يُخَصِّصُ لِيَهُوذَا الْمَسِيحَ وَمِيلَادَ الْمَسِيحِ بِوَصْفِهِ بَرَكَةً فَائِقَةً. هَكَذَا فَهِمَ جَمِيعُ الْعِبْرَانِيِّينَ هَذِهِ النُّبُوءَةَ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ بُولُسُ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ ٧: ١٤: «فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ يَهُوذَا.»


انْتِظَارُ الْأُمَمِ

«وَلَهُ يَكُونُ انْتِظَارُ الْأُمَمِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ كَلِمَةُ «انْتِظَارٌ» هِيَ יִקְּהַת يِقَّهَاتْ، الَّتِي تُشْتَقُّ وَتُفَسَّرُ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ. أَوَّلًا، يَشْتَقُّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ جَذْرٍ بِمَعْنَى «جَعَلَهُ بَرِيئًا وَطَاهِرًا وَنَقِيًّا»؛ فَيُتَرْجِمُ: «هُوَ يُطَهِّرُ الْأُمَمَ» مِنْ خَطَايَاهُمْ — فَيَكُونُ جِبْرَائِيلُ قَدْ لَمَّحَ إِلَى هَذَا حِينَ قَالَ عَنِ الْمَسِيحِ الْمُزْمِعِ أَنْ يُولَدَ: «هُوَ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ» (مَتَّى ١). ثَانِيًا، يَشْتَقُّهَا آخَرُونَ مِنْ جَذْرٍ بِمَعْنَى «أَطَاعَ»؛ وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ قِمْحِي وَبَاغِنِينُوسُ وَالْكَلْدَانِيُّ: «تُطِيعُهُ الشُّعُوبُ.» ثَالِثًا، يَشْتَقُّهَا آخَرُونَ بِتَبَادُلِ الْحُرُوفِ مِنْ جَذْرِ קְהִלָּה قِهِلَّا، أَيِ «الْجَمَاعَةُ، الْمَحْفِلُ»، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: الْمَسِيحُ سَيَكُونُ وَاعِظَ الْأُمَمِ وَمُعَلِّمَهُمْ؛ الْمَسِيحُ سَيُبَشِّرُ الْأُمَمَ بِإِنْجِيلِهِ.

رَابِعًا — وَهُوَ الْأَفْضَلُ — يُمْكِنُ أَنْ تُتَرْجَمَ يِقَّهَاتْ بِـ«انْتِظَارٌ»؛ فَهَكَذَا تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا وَالسَّبْعِينِيَّةُ وَأَكِيلَا وَسِيمَّاخُوسُ وَثِيُودُوتِيُونُ مِنْ جَذْرِ קָוָה قَاوَاه، أَيْ «رَجَا، انْتَظَرَ»؛ فَتَكُونُ التَّرْجَمَةُ الْحَرْفِيَّةُ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ: «لَهُ (شِيلُوه أَيِ الْمَسِيحِ) يَكُونُ انْتِظَارُ الْأُمَمِ»، كَأَنَّمَا يَقُولُ: الْمَسِيحُ سَيَنْتَظِرُ إِيمَانَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَطَاعَتَهُمْ وَسِيَادَتَهُ وَمُلْكَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ اللهَ وَعَدَهُ بِذَلِكَ كَمِيرَاثٍ، كَمَا فِي الْمَزْمُورِ ٢: «سَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الْأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الْأَرْضِ مُلْكًا لَكَ.»

فَالْمَعْنَى هُوَ: «وَلَهُ يَكُونُ انْتِظَارُ الْأُمَمِ»، كَأَنَّمَا يَقُولُ: لَيْسَ الْيَهُودُ فَحَسْبُ بَلْ أَيْضًا الْأُمَمُ سَيَسْتَقْبِلُونَ الْمَسِيحَ بِأَشَدِّ الشَّوْقِ بَاعْتِبَارِهِ الْمُنْتَظَرَ أَعْظَمَ انْتِظَارٍ؛ سَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيُطِيعُونَهُ؛ وَفِيهِ سَيَضَعُونَ رَجَاءَ خَلَاصِهِمْ وَقَلْبَهُمْ وَحُبَّهُمْ وَيُثَبِّتُونَهُ. فَالْمَسِيحُ يُدْعَى إِذَنْ «انْتِظَارَ الْأُمَمِ» بِالْفِعْلِ بَعْدَ مِيلَادِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَإِيمَانِ الْأُمَمِ بِهِ. أَمَّا قَبْلَ مِيلَادِهِ، فَكَانَ الْمَسِيحُ «انْتِظَارَ الْأُمَمِ» بِالْقُوَّةِ فَقَطْ، أَوْ بِالْأَحْرَى تَأْوِيلًا، كَأَنَّمَا يَقُولُ: حِينَ تَسْمَعُ الْأُمَمُ بِالْمَسِيحِ وَتَعْرِفُهُ سَتَحْتَضِنُهُ بِشَغَفٍ بَالِغٍ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ دَائِمًا. وَبِاسْتِعَارَةٍ مُمَاثِلَةٍ يُقَالُ إِنَّ أَرْضَ الْمِيعَادِ «تَنْتَظِرُ الْأَمْطَارَ مِنَ السَّمَاءِ» (تَثْنِيَة ١١: ١٤)، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ ذَاتَ رُوحٍ لَانْتَظَرَتِ الْأَمْطَارَ مِنْ هُنَاكَ. فَكَمَا أَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَاجُ إِلَى الْمَطَرِ، كَذَلِكَ الْأُمَمُ كَانَتْ بِحَاجَةٍ إِلَى الْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ أَتَاهَا بِأَعْظَمِ الْخَيْرَاتِ. فَبِحَقٍّ إِذَنْ يُدْعَى الْمَسِيحُ هُنَا وَفِي حَجَّي ٢: ٨ «مُشْتَهَى جَمِيعِ الْأُمَمِ»؛ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ الْآيَةِ ٢٦ يُدْعَى «مُشْتَهَى الرَّوَابِي الْأَبَدِيَّةِ.»


الْآيَتَانِ ١١–١٢: الْكَرْمُ وَالْخَمْرُ

الْآيَتَانِ ١١ وَ١٢. «رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ يَا ابْنِي. يَغْسِلُ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ رِدَاءَهُ. عَيْنَاهُ أَجْمَلُ مِنَ الْخَمْرِ، وَأَسْنَانُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ.» — كَأَنَّمَا يَقُولُ: أَرْضُ يَهُوذَا، أَيِ النَّصِيبُ الَّذِي سَيَقَعُ لَهُ فِي كَنْعَانَ، سَتَكُونُ غَزِيرَةَ الْخَمْرِ إِلَى حَدٍّ أَنَّ الْمَرْءَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْبِطَ حِمَارَهُ بِغُصْنِ كَرْمَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُحَمِّلَ حِمَارَهُ مِنْ ثَمَرِهَا؛ فَكُلُّ كَرْمَةٍ ذَاتُ قُوَّةٍ بَالِغَةٍ وَغَنِيَّةٌ بِالْعِنَبِ وَالْخَمْرِ إِلَى حَدِّ أَنَّهَا لَا تَكْفِي لِلاسْتِعْمَالِ الْمَنْزِلِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ يُمْكِنُ أَيْضًا تَحْمِيلُ حِمَارٍ مِنْهَا لِيُنْقَلَ إِلَى السُّوقِ وَيُبَاعَ هُنَاكَ.

التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ هُوَ لِفَاتَابْلُوسَ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ بَارِدٌ أَرْضِيٌّ يَهُودِيُّ الطَّابِعِ؛ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ قِيلَتْ لَا عَنْ يَهُوذَا بَلْ عَنْ شِيلُوه أَيِ الْمَسِيحِ. وَلِذَلِكَ يَعْقُوبُ الَّذِي كَانَ يُخَاطِبُ يَهُوذَا بِضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ يَنْتَقِلُ مِنْهُ إِلَى ضَمِيرِ الْغَائِبِ، أَيِ الْمَسِيحِ.

ثَانِيًا، كِلَا الْمُتَرْجِمَيْنِ الْكَلْدَانِيَّيْنِ — أُونْكِيلُوسُ وَيُونَاثَانُ — يُرْجِعَانِ هَذِهِ الْأُمُورَ جُزْئِيًّا إِلَى يَهُوذَا وَجُزْئِيًّا إِلَى الْمَسِيحِ. لَكِنَّ هَذِهِ التَّفَاسِيرَ أَيْضًا نَاقِصَةٌ وَغَيْرُ مُتَّسِقَةٍ بِمَا يَكْفِي، وَفِيهَا جَانِبٌ يَهُودِيٌّ.

التَّفْسِيرُ الثَّالِثُ وَالصَّحِيحُ هُوَ لِلْآبَاءِ. أَقُولُ إِذَنْ: جَمِيعُ الْآبَاءِ تَقْرِيبًا، بِاسْتِثْنَاءِ دِيُودُورُسَ وَحْدَهُ، يُفَسِّرُونَ هَذَا الْمَوْضِعَ حَرْفِيًّا عَنِ الْمَسِيحِ، أَيْ تِرْتُولِّيَانُوسُ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَأَغُسْطِينُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَإِكْلِيمَنْضُسُ وَقُبْرِيَانُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَآخَرُونَ أَوْرَدَهُمْ بِيرِيرِيُوسُ — وَبِهَؤُلَاءِ يَنْبَغِي أَنْ نَثِقَ أَكْثَرَ مِنْ كَالْفِينَ الَّذِي يَسْخَرُ مِنْهُمْ. فَلَيْسَ يَهُوذَا إِذَنْ بَلِ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي يَرْبِطُ بِحَبْلِ الْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالْمَحَبَّةِ إِلَى الْكَرْمَةِ — أَيِ الْكَنِيسَةِ الْأُولَى الْمَجْمُوعَةِ مِنَ الْيَهُودِ — جَحْشَهُ، أَيْ شَعْبَ الْأُمَمِ الَّذِي لَمْ يَحْمِلْ بَعْدُ نِيرَ الشَّرِيعَةِ، حِينَ ضَمَّهُ إِلَى الْيَهُودِ فِي كَنِيسَةٍ وَاحِدَةٍ وَوَحَّدَهُمْ؛ وَإِلَى الْجَفْنَةِ — أَيْ إِلَى نَفْسِهِ (فَالْمَسِيحُ هُوَ الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ الْمُثْمِرَةُ، يُوحَنَّا ١٥: ١، الَّتِي مِنْهَا يَتَعَلَّقُ الْكَرْمُ كُلُّهُ وَيَنْمُو) — يَا ابْنِي يَا يَهُوذَا — سَيَرْبِطُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ أَتَانَهُ، أَيْ شَعْبَ الْيَهُودِ الْمُعْتَادَ عَلَى نِيرِ الشَّرِيعَةِ وَالْمُنْهَكَ بِهِ.

يَقُولُ إِيرُونِيمُوسُ إِنَّ الْمَسِيحَ يُقَالُ إِنَّهُ رَبَطَ الْأَتَانَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بِنَفْسِهِ بَشَّرَ الْيَهُودَ؛ أَمَّا الْجَحْشَ فَرَبَطَهُ بِالْكَرْمَةِ لِأَنَّهُ بَشَّرَ الْأُمَمَ عَبْرَ الْيَهُودِ، أَيِ الرُّسُلِ، وَعَبْرَهُمْ جَمَعَ الْأُمَمَ إِلَيْهِ.

«يَغْسِلُ» (الْمَسِيحُ) «بِالْخَمْرِ» (أَيْ خَمْرِ دَمِهِ الْمَسْفُوكِ بِأَعْظَمِ الْمَحَبَّةِ لِلْبَشَرِ) «لِبَاسَهُ» (أَيْ جَسَدَهُ) الْأَطْهَرَ وَالْأَبْرَأَ، لِكَيْ بِهِ لَا يَحْمَرَّ فَحَسْبُ بَلْ يَبْيَضَّ أَيْضًا، أَيْ يَصِيرَ أَنْقَى، بَعْدَ غَسْلِ جَمِيعِ بُؤْسِ الْفَنَاءِ وَشَقَاءِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَيَقُومَ فِي الْمَجْدِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ نَقْلًا عَنْ تِرْتُولِّيَانُوسَ فِي كِتَابِ بَرَكَةِ الْبَطَارِكَةِ، الْفَصْلِ ٤. «وَبِدَمِ الْعِنَبِ رِدَاءَهُ.» — «دَمُ الْعِنَبِ» هُوَ خَمْرُ دَمِ الْمَسِيحِ الْمَذْكُورُ آنِفًا. وَ«رِدَاءُ» الْمَسِيحِ هُوَ الْكَنِيسَةُ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ يَتَّشِحُ بِالْكَنِيسَةِ كَالرِّدَاءِ. فَالْمَسِيحُ غَسَلَ الْكَنِيسَةَ بِدَمِهِ عَلَى الصَّلِيبِ، وَيَغْسِلُهَا كُلَّ يَوْمٍ وَهِيَ تُولَدُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، «مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ.»

١٢. «أَجْمَلُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ חַכְלִילִי حَخْلِيلِي، أَيْ «أَشَدُّ احْمِرَارًا، أَكْثَرُ تَوَهُّجًا، أَكْثَرُ إِشْرَاقًا وَلَمَعَانًا عَيْنَاكَ» (أَيُّهَا الْمَسِيحُ) «مِنَ الْخَمْرِ»؛ لِأَنَّهُمَا مُغْتَسِلَتَانِ بِالآلَامِ، وَبِأَبْهَى مَجْدِ قِيَامَتِكَ الَّذِي يَتَلَأْلَأُ خَاصَّةً فِي الْوَجْهِ وَالْفَمِ وَالْأَسْنَانِ وَالْعَيْنَيْنِ، تَبْرُقَانِ وَتُشِعَّانِ وَتُبْهِجَانِ عُيُونَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ النَّاظِرِينَ بِعَجَبٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُنْعِشُ الْخَمْرُ قَلْبَ الْإِنْسَانِ وَيُبْهِجُهُ. هَكَذَا ذَكَرَ دِيُودُورُسُ وَكِيرِلُّسُ وَثِيُودُورِيطُسُ.

«وَأَسْنَانُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ.» — يُشَارُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ كُلِّهَا إِلَى جَمَالِ الْمَسِيحِ، وَلَا سِيَّمَا الْمَسِيحِ الْقَائِمِ مِنَ الْأَمْوَاتِ. رَمْزِيًّا، بِالْعَيْنَيْنِ يُرْمَزُ إِلَى عِلْمِ الْمَسِيحِ الثَّاقِبِ وَعِنَايَتِهِ الْفَعَّالَةِ الَّتِي بِهَا يَحْكُمُ الْكَنِيسَةَ وَيَحْمِيهَا؛ وَبِالْأَسْنَانِ الْأَشَدِّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ يُرْمَزُ إِلَى عُذُوبَةِ تَعْلِيمِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَبَهَائِهِ فِي التَّبْشِيرِ بِالْإِنْجِيلِ. وَلِذَلِكَ بِالتَّأْوِيلِ الرَّمْزِيِّ، عُيُونُ الْمَسِيحِ هُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ: هَؤُلَاءِ أَجْمَلُ بِوُضُوحِ حِكْمَتِهِمْ وَوَعْظِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ وَغَيْرَتِهِمْ وَمُعْجِزَاتِهِمْ الَّتِي أَنَارُوا بِهَا الْعَالَمَ كُلَّهُ — أَجْمَلُ مِنَ الْخَمْرِ، أَيْ مِنْ حِدَّةِ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ وَصَرَامَتِهَا. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَأَغُسْطِينُوسُ وَأَوْكِيرِيُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ. أَمَّا الْأَسْنَانُ فَهُمُ الْمُعَلِّمُونَ وَالْوَعَّاظُ الَّذِينَ كَالْأَسْنَانِ يَمْضُغُونَ وَيُقَسِّمُونَ طَعَامَ التَّعْلِيمِ وَالْمَوْعِظَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَعَضُّونَ رَذَائِلَهُمْ وَيَقْطَعُونَهَا وَيَطْرَحُونَهَا. وَهَؤُلَاءِ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، أَيْ مِنْ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي كَانَتْ كَاللَّبَنِ وَطَعَامِ الصِّغَارِ. هَكَذَا قَالَ الْآبَاءُ الْمَذْكُورُونَ.


نُبُوءَةُ زَبُولُونَ وَبَرَكَتُهُ

يُقَدِّمُ يَعْقُوبُ زَبُولُونَ عَلَى مَنْ هُمْ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَصْغَرَ (إِذْ كَانَ الاِبْنَ الْعَاشِرَ لِيَعْقُوبَ)، لِأَنَّ الْمَسِيحَ، الَّذِي تَكَلَّمَ عَنْهُ لِتَوِّهِ فِي بَرَكَةِ يَهُوذَا، قَدْ حُبِلَ بِهِ وَعَاشَ فِي أَرْضِ زَبُولُونَ وَنَصِيبِهِ: فَفِي نَصِيبِ زَبُولُونَ أَوَّلًا النَّاصِرَةُ، حَيْثُ حُبِلَ بِالْمَسِيحِ؛ وَثَانِيًا جَبَلُ طَابُورَ، حَيْثُ تَجَلَّى؛ وَثَالِثًا كَفْرَنَاحُومُ، حَيْثُ بَشَّرَ الْمَسِيحُ وَأَقَامَ مُعْظَمَ خِدْمَتِهِ. فَفِي زَبُولُونَ إِذَنْ بَدَأَتْ كِرَازَةُ الْإِنْجِيلِ، كَمَا يَقُولُ إِشَعْيَاءُ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ: «فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ خُفِّفَتْ أَرْضُ زَبُولُونَ» إِلَخْ. وَمِنْ زَبُولُونَ وُلِدَ أَكْثَرُ الرُّسُلِ.

١٣. «زَبُولُونُ يَسْكُنُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ»، أَيْ بِالْقُرْبِ مِنَ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ وَبَحْرِ الْجَلِيلِ، أَوْ بُحَيْرَةِ جِنِّيسَارَتَ: إِذْ تُجَاوِرُهَا كَفْرَنَاحُومُ، الْمَرْكَزُ التِّجَارِيُّ الشَّهِيرُ؛ وَبَيْتُ صَيْدَا، وَطَبَرِيَّةُ، وَمُدُنٌ أُخْرَى كَانَتْ فِي نَصِيبِ زَبُولُونَ. «فِي مَرْسَى السُّفُنِ.» مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُتَرْجَمَ: يَسْكُنُ فِي مِينَاءِ السُّفُنِ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ، بِمَعْنَى أَنَّ زَبُولُونَ سَيَكُونُ لَهُ أَفْضَلُ الْمَوَانِئِ الَّتِي تُسْتَوْرَدُ مِنْ خِلَالِهَا جَمِيعُ الْبَضَائِعِ، فَيَغْتَنِي. «مُمْتَدًّا إِلَى صَيْدَا» — لَيْسَ مُبَاشَرَةً، بَلْ بِوَاسِطَةِ سِبْطِ أَشِيرَ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَهُمَا.

رَمْزِيًّا، زَبُولُونُ، أَيِ «الْمَسْكَنُ»، هُوَ الْكَنِيسَةُ الْغَنِيَّةُ الْهَادِئَةُ الْمُنْصَرِفَةُ إِلَى تِجَارَةِ النُّفُوسِ. فَمِنْ زَبُولُونَ تَقَدَّمَ الْمَسِيحُ وَالرُّسُلُ بِالْكِرَازَةِ حَتَّى صَيْدَا وَصُورَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَرَكَةِ الْآبَاءِ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ.


نُبُوءَةُ يَسَاكَرَ وَبَرَكَتُهُ

١٤. «يَسَاكَرُ حِمَارٌ قَوِيٌّ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: يَسَاكَرُ حِمَارٌ عَظْمِيٌّ، أَيْ مَتِينٌ وَقَوِيٌّ كَالْعَظْمِ، لِأَعْمَالِ الزِّرَاعَةِ وَلِنَقْلِ مَحَاصِيلِهِ وَثِمَارِهِ إِلَى الْبَحْرِ. فَقَدْ كَانَ نَصِيبُ يَسَاكَرَ جَمِيلًا وَخِصْبًا بِالزَّيْتِ وَالْخَمْرِ وَالْحِنْطَةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.

«رَابِضٌ بَيْنَ الْحُدُودِ»، بِمَعْنَى أَنَّ يَسَاكَرَ لَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الْمِلَاحَةِ كَزَبُولُونَ؛ بَلْ يَقْتَاتُ مِنْ نَصِيبِهِ وَأَرْضِهِ، وَيَبْقَى فِي دَارِهِ، وَهُنَاكَ يَسْكُنُ هَادِئًا بَيْنَ حُدُودِ الْأَسْبَاطِ الْأُخْرَى وَتُخُومِهَا. لِذَلِكَ يَقُولُ مُوسَى فِي تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ ٣٣: «اِفْرَحْ يَا يَسَاكَرُ فِي خِيَامِكَ.»

١٥. «رَأَى أَنَّ الرَّاحَةَ حَسَنَةٌ»، أَيْ أَدْرَكَ يَسَاكَرُ، وَلِذَلِكَ فَضَّلَ وَاحْتَضَنَ مَزَايَا الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ الرِّيفِيَّةِ. فَفِي الْحَيَاةِ الْهَادِئَةِ تَزْدَهِرُ الْحِكْمَةُ وَالْفَضِيلَةُ وَالسَّلَامُ وَالزِّرَاعَةُ، وَمِنْهَا ثِمَارُ الْحُقُولِ وَغِنَاهَا. لِذَلِكَ كَانَ أَبْنَاءُ يَسَاكَرَ، بِوَصْفِهِمْ قَوْمًا مُسَالِمِينَ، مُنْصَرِفِينَ إِلَى طَلَبِ الْحِكْمَةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأَوَّلِ ١٢: ٣٢.

«وَالْأَرْضَ أَنَّهَا طَيِّبَةٌ. فَأَحْنَى كَتِفَهُ لِيَحْمِلَ» الْأَعْبَاءَ الرِّيفِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ آنِفًا. «وَصَارَ عَبْدًا لِلْجِزْيَةِ»، أَيْ فَضَّلَ يَسَاكَرُ أَنْ يَعِيشَ حَيَاةً هَادِئَةً مَعَ الْجِزْيَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعْفًى مِنْهَا لَكِنْ مُضْطَرَبًا بِالْحُرُوبِ، أَوْ أَنْ يُجَنَّدَ فِي خِدْمَةِ سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ الْعَسْكَرِيَّةِ؛ إِذْ يُثْقَلُ الْفَلَّاحُونَ عَادَةً بِالضَّرَائِبِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَيْنَمَا يُعْفَى مِنْهَا الْجُنُودُ.

رَمْزِيًّا، بِيَسَاكَرَ يَفْهَمُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ الْمَسِيحَ، وَالْقِدِّيسُ هِيبُّولِيتُوسُ الرُّسُلَ. «يَسَاكَرُ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، مَعْنَاهُ ‹الْمُكَافَأَةُ›، وَلِذَلِكَ يُشِيرُ إِلَى الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ مُكَافَأَتُنَا، لِأَنَّنَا نَسْتَحِقُّهُ لِرَجَاءِ الْخَلَاصِ الْأَبَدِيِّ لَا بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْفِضَّةِ، بَلْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى.»

أَخْلَاقِيًّا، يَسَاكَرُ هُوَ الْمَسِيحِيُّ الْهَادِئُ الْمُسَالِمُ، وَبِخَاصَّةٍ مَنْ يَعِيشُ الْحَيَاةَ الرُّهْبَانِيَّةَ. بِتَقْوًى وَمُنَاسَبَةٍ، حِينَ سُئِلَ الْأَبُّ نِسْتِيرُوسُ فِي سِيَرِ الْآبَاءِ، الْكِتَابُ الْخَامِسُ، الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ، كَيْفَ عَاشَ بِهَذَا السَّلَامِ فِي الدَّيْرِ وَتَعَلَّمَ أَنْ يَحْفَظَ الصَّمْتَ وَالصَّبْرَ فِي كُلِّ ضِيقٍ، أَجَابَ: «حِينَ دَخَلْتُ الْجَمَاعَةَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قُلْتُ لِنَفْسِي: أَنْتِ وَالْحِمَارُ كُونَا وَاحِدًا. فَكَمَا يُضْرَبُ الْحِمَارُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَيُظْلَمُ وَلَا يَرُدُّ، كَذَلِكِ أَنْتِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْمَزْمُورِ: ‹صِرْتُ كَالْبَهِيمَةِ عِنْدَكَ، وَأَنَا دَائِمًا مَعَكَ.›»


نُبُوءَةُ دَانَ وَبَرَكَتُهُ

١٦. «دَانُ يَدِينُ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: دَانْ يَدِين، أَيْ «الدَّيَّانُ يَدِينُ.» هُنَا يُؤَكِّدُ يَعْقُوبُ اسْمَ ابْنِهِ دَانَ، وَلَكِنْ لِسَبَبٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ دَانَ، بِوَاسِطَةِ شَمْشُونَ الَّذِي سَيُولَدُ مِنْهُ، سَيَدِينُ، أَيْ يَنْتَقِمُ وَيُحَرِّرُ إِسْرَائِيلَ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ. فَقَدْ كَانَ شَمْشُونُ قَاضِيًا، أَيْ مُنْقِذًا، لِشَعْبِهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ وَجِينَادِيُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَالتَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ. «كَأَحَدِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ»، الَّذِي أَعْطَى قَاضِيَهُ لِإِسْرَائِيلَ؛ فَلَمْ تُعْطِ جَمِيعُ الْأَسْبَاطِ قُضَاةً: إِذِ الْأَصَحُّ أَنَّ رَأُوبَيْنَ وَجَادَ وَشِمْعُونَ وَأَشِيرَ لَمْ يُعْطُوا قَاضِيًا.

١٧. «لِيَكُنْ دَانُ حَيَّةً فِي الطَّرِيقِ، أَفْعَى ذَاتَ قُرُونٍ فِي السَّبِيلِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ دَانُ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ، فَالْمَعْنَى: سَيَكُونُ دَانُ، أَيْ شَمْشُونُ الدَّانِيُّ، كَحَيَّةٍ وَأَفْعَى ذَاتِ قُرُونٍ. فَأَوَّلًا، كَمَا أَنَّ الْحَيَّاتِ الْكَامِنَةَ فِي الطُّرُقِ وَالسُّبُلِ تَحْتَ الْأَوْرَاقِ أَوْ فِي الرَّمْلِ تَهْجُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ مَكَامِنِهَا وَتَلْدَغُهُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ، كَذَلِكَ شَمْشُونُ هَاجَمَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ سِرًّا بِالْحِيَلِ وَالْمَكَائِدِ فَأَهْلَكَهُمْ وَقَتَلَهُمْ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثِمِئَةِ ثَعْلَبٍ الَّتِي رَبَطَ شَمْشُونُ مَشَاعِلَ مُشْتَعِلَةً بِأَذْنَابِهَا وَأَحْرَقَ بِهَا زُرُوعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ؛ وَأَيْضًا فِي هَدْمِ أَعْمِدَةِ الْبَيْتِ الَّذِي دَفَنَ بِهِ رُؤَسَاءَهُمْ مَعَ نَفْسِهِ، فَقَتَلَ فِي مَوْتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا قَتَلَ فِي حَيَاتِهِ.

«أَفْعَى ذَاتُ قُرُونٍ فِي السَّبِيلِ تَلْدَغُ أَعْقَابَ الْفَرَسِ فَيَسْقُطُ رَاكِبُهَا إِلَى الْوَرَاءِ.» الْأَفْعَى ذَاتُ الْقُرُونِ، يَقُولُ بْلِينِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنِ، الْفَصْلِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، حَيَّةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ قُرُونٍ شَبِيهَةٌ جِدًّا بِقُرُونِ الْكِبَاشِ، وَحِينَ لَا تَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَى الرَّاكِبِ، تَلْدَغُ عَقِبَ الْفَرَسِ لِتَطْرَحَ الْفَرَسَ وَبِالتَّالِي الرَّاكِبَ. وَبِالْمِثْلِ، لَمْ يُهَاجِمْ شَمْشُونُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ بِقُوَّتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا بِالْحِيَلِ وَالْكَمَائِنِ، فَأَطَاحَ بِهِمْ وَقَتَلَهُمْ.

مُلَاحَظَةٌ: تَنَبَّأَ يَعْقُوبُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ حَرْفِيًّا عَنْ شَمْشُونَ، وَرَمْزِيًّا عَنِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ بِوَصْفِهِ النَّمُوذَجَ الْمُقَابِلَ لِشَمْشُونَ. فَمِنْ دَانَ سَيُولَدُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ، كَمَا يُعَلِّمُ الْآبَاءُ عُمُومًا. فَسَيَكُونُ لِلْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قُرُونُ الْحَيَّةِ وَالْأَفْعَى ذَاتِ الْقُرُونِ وَطِبَاعُهُمَا، لِأَنَّهُ بِمَكَائِدِهِ وَحِيَلِهِ وَمُدَاهَنَاتِهِ وَنِفَاقِهِ وَعِلْمِهِ وَبَلَاغَتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الْكَاذِبَةِ وَسُلْطَتِهِ وَعَذَابَاتِهِ سَيَخْدَعُ وَيَطْرَحُ وَيَلْدَغُ وَيَقْتُلُ كَثِيرِينَ جِدًّا مِنَ النَّاسِ، كَالْحَيَّةِ وَالْأَفْعَى ذَاتِ الْقُرُونِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَالْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَبْرُوسْبِرُوسُ وَهِيبُّولِيتُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَأَرِيتَاسُ وَهَايْمُو وَرِيشَارْدُوسُ وَأَنْسِلْمُوسُ، الَّذِينَ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ بِيرِيرِيُوسُ وَيَتْبَعُهُمْ.

١٨. «خَلَاصَكَ أَنْتَظِرُ يَا رَبُّ.» بَدَلَ «خَلَاصَكَ» فِي الْعِبْرِيَّةِ يِشْعَاتْخَا، أَيْ «خَلَاصَكَ» الَّذِي سَيَأْتِي بِهِ مُخَلِّصُنَا شِيلُوهُ، أَيِ الْمَسِيحُ. مُلَاحَظَةٌ: إِنَّ يَعْقُوبَ، إِذْ تَوَقَّعَ أَنَّ تَحْرِيرَ إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدِ شَمْشُونَ سَيَكُونُ ضَئِيلًا وَقَصِيرَ الْأَمَدِ، وَبَعْدَهُ سَيُسْتَعْبَدُ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ مِنْ جَدِيدٍ؛ وَإِذْ تَوَقَّعَ أَيْضًا أَنَّ هَذِهِ الْحَيَّةَ وَالْأَفْعَى ذَاتَ الْقُرُونِ تُشِيرُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ — حَزِنَ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ وَارْتَعَدَ، فَصَرَخَ: «خَلَاصَكَ»، أَيْ مُخَلِّصَكَ، «أَنْتَظِرُ يَا رَبُّ»، بِمَعْنَى: لَيْسَ شَمْشُونُ بَلِ الْمَسِيحُ هُوَ الْمُخَلِّصُ الْحَقِيقِيُّ الثَّابِتُ الدَّائِمُ لِإِسْرَائِيلَ وَلِلْعَالَمِ، وَمَا شَمْشُونُ إِلَّا رَمْزٌ وَظِلٌّ لَهُ. لِذَلِكَ يُتَرْجِمُ التَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ: «لَا أَنْتَظِرُ خَلَاصَ جِدْعُونَ بْنِ يُوآشَ الَّذِي خَلَاصُهُ زَمَنِيٌّ؛ وَلَا خَلَاصَ شَمْشُونَ بْنِ مَنُوحَ الَّذِي خَلَاصُهُ عَابِرٌ؛ بَلْ أَنْتَظِرُ فِدَاءَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ الَّذِي سَيَأْتِي لِيَجْمَعَ إِلَيْهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِدَاءَهُ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ نَفْسِي.»


نُبُوءَةُ جَادَ وَبَرَكَتُهُ

١٩. «جَادُ، مُتَحَزِّمًا، يُحَارِبُ أَمَامَهُ، وَهُوَ يَتَحَزَّمُ فِي الْمُؤَخِّرَةِ.» «أَمَامَهُ»، أَيْ أَمَامَ إِسْرَائِيلَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْبَرَكَةِ السَّابِقَةِ، الْآيَةِ ١٦. فِي الْعِبْرِيَّةِ هُنَاكَ جِنَاسٌ مُتَّصِلٌ وَتَلْمِيحٌ إِلَى أَصْلِ اسْمِ جَادَ. فَجَادُ مُشْتَقٌّ مِنْ جِدُود، أَيْ «مُتَحَزِّمٌ» (مُسَلَّحٌ)، بِمَعْنَى أَنَّ سِبْطَ جَادَ، وَفَاقًا لِاسْمِهِ، سَيَكُونُ مُتَحَزِّمًا مُسَلَّحًا وَحَرْبِيًّا، وَسَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأَوَّلِ ٥: ١٨-١٩)، وَحِينَ يَتَقَدَّمُ السِّبْطُ نَفْسُهُ مُسَلَّحًا أَمَامَ إِسْرَائِيلَ، أَيْ سَائِرِ الْأَسْبَاطِ، كَقَائِدٍ، وَيَقُودُهُمْ عَبْرَ الْأُرْدُنِّ إِلَى كَنْعَانَ. ثُمَّ «يَتَحَزَّمُ فِي الْمُؤَخِّرَةِ»، حِينَ يَسْتَقِرُّ إِخْوَتُهُ فِي أَنْصِبَتِهِمْ وَيَتَمَتَّعُونَ بِسَلَامِهِمْ، وَبَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ قِيَادَتِهِ وَحُرُوبِهِ مِنْ أَجْلِ إِخْوَتِهِ، يَتَحَزَّمُ مِنْ جَدِيدٍ وَيَعُودُ إِلَى دَارِهِ وَنَصِيبِهِ عَبْرَ الْأُرْدُنِّ مُحَمَّلًا بِالْغَنَائِمِ وَالْمَجْدِ. اُنْظُرِ التَّارِيخَ فِي سِفْرِ يَشُوعَ، الْفَصْلِ ٢٢. هَكَذَا يَقُولُ التَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ.

رَمْزِيًّا، جَادُ الْمُتَحَزِّمُ هُوَ الْمَسِيحُ، وَالْكَنِيسَةُ الْمُصْطَفَّةُ كَجَيْشٍ مُنَظَّمٍ لِلْقِتَالِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ، وَبِخَاصَّةٍ الشَّهِيدُ، يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ، الَّذِي يُقَاتِلُ بِشَجَاعَةٍ ضِدَّ الْعَالَمِ وَالْجَسَدِ وَالشَّيْطَانِ، وَلِذَلِكَ سَيَكُونُ مَجِيدًا وَأَسْعَدَ مَا يَكُونُ فِي السَّمَاءِ. فَجَادُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي «الْمُتَحَزِّمَ» وَ«السَّعِيدَ» مَعًا. هَكَذَا كَانَ الْقِدِّيسُ لَوْرِنْسُ، الَّذِي حِينَ كَانَ يُشْوَى قَالَ لِدِيكْيُوسَ: «اقْلِبْنِي وَكُلْ.»

وَيُوحَنَّا فِيشِرُ، أُسْقُفُ رُوشِسْتِرَ، الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ هِنْرِي الثَّامِنُ بِالْمَوْتِ لِرَفْضِهِ الاِعْتِرَافَ بِسِيَادَتِهِ الْكَنَسِيَّةِ، حِينَ اقْتَرَبَ مِنْ مَكَانِ الْإِعْدَامِ، أَلْقَى الْعَصَا الَّتِي كَانَ الشَّيْخُ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا قَائِلًا: «هَيَّا أَيَّتُهَا الْقَدَمَانِ، أَدِّيَا وَاجِبَكُمَا — لَمْ يَبْقَ مِنَ الطَّرِيقِ إِلَّا الْقَلِيلُ.»

قَالَتِ الْقِدِّيسَةُ أَغَاثَا لِكِينْتِيَانُوسَ: «أَلَا تَسْتَحِي، أَيُّهَا الطَّاغِيَةُ الْقَاسِي، أَنْ تَقْطَعَ مِنِّي الثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضَعْتَهُمَا أَنْتَ عِنْدَ أُمِّكَ؟ لَكِنَّكَ لَا تُفِيدُ شَيْئًا؛ فَعِنْدِي ثَدْيَانِ دَاخِلِيَّانِ لِلْإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ لَا تَسْتَطِيعُ انْتِزَاعَهُمَا، وَبِغِذَائِهِمَا تَتَجَدَّدُ فِيَّ فَضِيلَةُ الثَّبَاتِ.» وَقَالَتِ الْقِدِّيسَةُ أَغْنِسُ لِلْجَلَّادِ: «لِمَاذَا تَتَأَخَّرُ؟ فَلْيَهْلِكْ هَذَا الْجَسَدُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تُحِبَّهُ عُيُونٌ لَا أُرِيدُهَا.» وَقَفَتْ، وَصَلَّتْ، وَأَحْنَتْ عُنُقَهَا، فَاحْتَمَلَتْ ذَبِيحَةً وَاحِدَةً اسْتِشْهَادًا مُزْدَوَجًا: اسْتِشْهَادَ الْعِفَّةِ وَاسْتِشْهَادَ الْإِيمَانِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.

وَكَذَلِكَ كَانَتِ الْقِدِّيسَةُ فِيلِيكِيتَاسُ، الَّتِي اسْتُشْهِدَتْ فِي عَهْدِ أَنْطُونِينُوسَ بِيُوسَ مَعَ أَبْنَائِهَا السَّبْعَةِ. فَحِينَ أَرَادَ الْوَالِي بُوبْلِيُوسُ أَنْ تَعْبُدَ الْآلِهَةَ وَأَضَافَ التَّهْدِيدَاتِ إِلَى التَّوَسُّلَاتِ، أَجَابَتْ: «لَا تُحَرِّكُنِي هَذِهِ الْمُدَاهَنَاتُ، وَلَا تَكْسِرُنِي الْأَهْوَالُ وَالتَّهْدِيدَاتُ. عِنْدِي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي يُمِدُّنِي بِالْقُوَّةِ، فَأَنَا مُسْتَعِدَّةٌ لِأَنْ أَحْتَمِلَ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ.» وَالْتَفَتَتْ إِلَى أَبْنَائِهَا قَائِلَةً: «يَا أَبْنَائِي الْأَعِزَّاءَ، اثْبُتُوا فِي الاِعْتِرَافِ بِالْإِيمَانِ؛ فَالْمَسِيحُ يَنْتَظِرُكُمْ مَعَ قِدِّيسِيهِ؛ جَاهِدُوا مِنْ أَجْلِ نُفُوسِكُمْ وَأَظْهِرُوا أَنْفُسَكُمْ أُمَنَاءَ لِلْمَسِيحِ.»


نُبُوءَةُ أَشِيرَ وَبَرَكَتُهُ

٢٠. «أَشِيرُ، خُبْزُهُ سَمِينٌ، وَهُوَ يُقَدِّمُ أَطَايِبَ الْمُلُوكِ.» هُنَا يَدُلُّ يَعْقُوبُ وَيَتَنَبَّأُ بِغِنَى سِبْطِ أَشِيرَ وَخِصْبِهِ وَثِمَارِهِ الشَّهِيَّةِ اللَّذِيذَةِ الَّتِي سَتَكُونُ مِنْ مَسَرَّاتِ مُلُوكِ يَهُوذَا وَإِسْرَائِيلَ وَصُورَ وَغَيْرِهِمْ؛ وَذَلِكَ جُزْئِيًّا مِنْ جَوْدَةِ التُّرْبَةِ، وَجُزْئِيًّا لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْبَحْرِ، وَجُزْئِيًّا لِأَنَّهُ كَانَ مُجَاوِرًا لِلصُّورِيِّينَ وَالصَّيْدَاوِيِّينَ. يَتَنَبَّأُ مُوسَى بِالْمِثْلِ عَنْ أَشِيرَ فِي تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ ٣٣، حِينَ يَقُولُ: «لِيَغْمِسْ رِجْلَهُ فِي الزَّيْتِ، وَلْيَكُنْ نَعْلُهُ حَدِيدًا وَنُحَاسًا.»

رَمْزِيًّا، أَشِيرُ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي يُفَرِّحُنَا وَيُغْنِينَا وَيُطَوِّبُنَا بِلَذَّاتِ الْإِفْخَارِسْتِيَّا. «فَمَا هُوَ صَلَاحُهُ، يَقُولُ زَكَرِيَّا، الْفَصْلُ التَّاسِعُ، الْآيَةُ ١٧، وَمَا هُوَ جَمَالُهُ، إِلَّا حِنْطَةُ الْمُخْتَارِينَ وَخَمْرٌ تُنْبِتُ الْعَذَارَى؟» هَكَذَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ وَأُوشِيرِيُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِجَمَالٍ: «فَقْرُ الْمَسِيحِ يُغْنِينَا، وَضَعْفُهُ يَشْفِينَا، وَجُوعُهُ يُشْبِعُنَا، وَمَوْتُهُ يُحْيِينَا، وَدَفْنُهُ يُقِيمُنَا.»


نُبُوءَةُ نَفْتَالِي وَبَرَكَتُهُ

٢١. «نَفْتَالِي أَيِّلَةٌ مُطْلَقَةٌ يُعْطِي أَقْوَالًا حَسَنَةً.» بَدَلَ «أَيِّلَةٍ» فِي الْعِبْرِيَّةِ أَيَّالَا، وَتَعْنِي الْأَيِّلَ وَالْأَيِّلَةَ مَعًا. كَمَا أَنَّ الْأَيِّلَ الْمُطْلَقَ الْحُرَّ يَقْفِزُ وَيَلْعَبُ فِي أَرْضٍ عُشْبِيَّةٍ خِصْبَةٍ، كَذَلِكَ سَيَلْعَبُ نَفْتَالِي وَيَبْتَهِجُ فِي نَصِيبِهِ الْخِصْبِ. ثَانِيًا، «يُعْطِي أَقْوَالًا حَسَنَةً»، أَيْ سَيَكُونُ لَطِيفًا رَقِيقًا ظَرِيفًا، وَبِأَدَبِهِ يَسْتَمِيلُ الْجَمِيعَ إِلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ مَا تَنَبَّأَ بِهِ مُوسَى عَنْ نَفْتَالِي فِي تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ ٣٣: «نَفْتَالِي يَشْبَعُ رِضًى وَيَمْتَلِئُ بَرَكَةَ الرَّبِّ.»

ثَالِثًا، بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ وَمُبَاشَرَةٍ، يَنْظُرُ يَعْقُوبُ هُنَا وَيَتَنَبَّأُ بِانْتِصَارِ بَارَاقَ وَدَبُورَةَ عَلَى سِيسَرَا فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ٤. فَقَدْ كَانَ بَارَاقُ قَائِدَ جَيْشِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ مَوَالِيدِ نَفْتَالِي، وَيُقَارَنُ بِحَقٍّ بِالْأَيِّلِ الَّذِي هُوَ بِطَبْعِهِ جَبَانٌ، لَكِنَّهُ حِينَ يَرَى نَفْسَهُ مُحَاصَرًا مِنَ الصَّيَّادِينَ وَالْأَعْدَاءِ وَحَيَاتُهُ فِي خَطَرٍ، يَرْفَعُ مَعْنَوِيَّاتِهِ وَقُرُونَهُ، وَكَالْمَسْعُورِ يَخْتَرِقُ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَسُرْعَةٍ صُفُوفَ الْعَدُوِّ وَيَنْجُو. هَكَذَا بَارَاقُ فِي الْبِدَايَةِ خَافَ كَالْأَيِّلِ وَلَمْ يَجْرُؤْ عَلَى خَوْضِ الْمَعْرَكَةِ إِلَّا مَعَ دَبُورَةَ؛ لَكِنَّهُ بِرِفْقَتِهَا تَشَجَّعَ، وَكَالْأَسَدِ انْقَضَّ عَلَى جُيُوشِ الْعَدُوِّ فَاخْتَرَقَهَا وَأَسْقَطَهَا وَذَبَحَهَا، وَذَلِكَ بِسُرْعَةٍ فَائِقَةٍ كَالْأَيِّلِ وَكَالْبَرْقِ (بَارَاقُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي «صَاعِقَةً»)، حَتَّى أَمْكَنَهُ أَنْ يَقُولَ مَعَ قَيْصَرَ: «جِئْتُ وَرَأَيْتُ وَانْتَصَرْتُ.»

وَمِنْ هُنَا «يُعْطِي أَقْوَالًا حَسَنَةً»، أَيْ سَيُنْشِدُ أَجْمَلَ نَشِيدِ شُكْرٍ وَحَمْدٍ لِلَّهِ صَاحِبِ النَّصْرِ، وَهُوَ نَشِيدُ بَارَاقَ وَدَبُورَةَ الشَّهِيرُ الْمَوْجُودُ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ٥.

رَمْزِيًّا، نَفْتَالِي هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي كَالْأَيِّلِ الْقَافِزِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ (لُوقَا ٤: ١٤)، بِالْقُرْبِ مِنْ جِنِّيسَارَتَ وَحَوْلَهَا، وَهِيَ بُحَيْرَةٌ فِي نَفْتَالِي، اخْتَرَقَ بِنَشَاطٍ وَسُرْعَةٍ مُعَسْكَرَ الشَّيْطَانِ، وَأَعْطَى أَقْوَالًا حَسَنَةً، قَائِلًا فِي إِنْجِيلِهِ: «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» إِلَخْ، وَهُنَاكَ جَمَعَ الرُّسُلَ الَّذِينَ بَشَّرُوا بِهَذِهِ الْأَقْوَالِ الْإِنْجِيلِيَّةِ الْحَسَنَةِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ.


نُبُوءَةُ يُوسُفَ وَبَرَكَتُهُ

الْآيَةُ ٢٢. «يُوسُفُ غُصْنٌ مُثْمِرٌ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ بِنْ فُورَاتْ يُوسُف، أَيْ «ابْنُ الْإِثْمَارِ»، بِمَعْنَى «مُثْمِرٌ، يُوسُفُ.» يُلَمِّحُ يَعْقُوبُ إِلَى اسْمِ أَفْرَايِمَ الَّذِي كَانَ ابْنَ يُوسُفَ. فَأَفْرَايِمُ سُمِّيَ كَأَنَّ مَعْنَاهُ «مُثْمِرٌ»، مِنَ الْجِذْرِ نَفْسِهِ فَارَا، أَيْ «أَثْمَرَ» (تَكْوِينُ ٤١: ٥٢)؛ إِذْ كَانَ سِبْطُ أَفْرَايِمَ أَكْثَرَ الْأَسْبَاطِ إِثْمَارًا وَعَدَدًا وَقُوَّةً وَمَلَكِيَّةً. وَقَدْ كَانَ يُوسُفُ نَامِيًا أَوْ مُثْمِرًا بِسَبَبِ الاِبْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْجَبَهُمَا، وَهُمَا مَنَسَّى وَأَفْرَايِمُ، اللَّذَانِ شَكَّلَا سِبْطَيْنِ فِي إِسْرَائِيلَ: لِذَلِكَ تَكَرَّرَتْ كَلِمَةُ «نَامٍ» مَرَّتَيْنِ هُنَا. فَقَدْ خَلَفَ يُوسُفُ مَعَ يَهُوذَا حَقَّ الْبِكْرِيَّةِ مِنْ رَأُوبَيْنَ؛ فَكَمَا نَالَ يَهُوذَا مَمْلَكَةَ يَهُوذَا، نَالَ يُوسُفُ سِبْطَيْنِ وَنَصِيبَيْنِ فِي كَنْعَانَ، وَالْمُلْكَ فِي إِسْرَائِيلَ.

«حَسَنُ الْمَنْظَرِ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ عَلِي عَايِنْ، وَيُمْكِنُ تَرْجَمَتُهُ بِوَجْهَيْنِ: أَوَّلًا، «عِنْدَ الْيَنْبُوعِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يُوسُفُ هُوَ وَسَيَكُونُ ابْنَ الْإِثْمَارِ، أَيْ مُثْمِرًا كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ تُثْمِرُ بِجَانِبِ يَنْبُوعٍ. ثَانِيًا، يُمْكِنُ تَرْجَمَتُهُ «فَوْقَ الْعَيْنِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَانَ يُوسُفُ بَالِغَ الْجَمَالِ حَتَّى أَنَّهُ سَيْطَرَ عَلَى عُيُونِ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ.

«الْبَنَاتُ (أَيِ الْمِصْرِيَّاتُ) سَعَيْنَ عَلَى السُّورِ» — عَلَى أَسْوَارِ الْبُيُوتِ وَالْمُدُنِ، لِيَرَيْنَكَ يَا يُوسُفُ، أَنْتَ الشَّابَّ الْوَسِيمَ الْمُتَمَيِّزَ بِزِيٍّ مَلَكِيٍّ، كَأَنَّكَ مُنْقِذُ الْوَطَنِ وَالْعَالَمِ، وَلِيَرَاهُنَّ هُوَ بِدَوْرِهِ. هَكَذَا يَقُولُ كَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ.

رَمْزِيًّا، يُوسُفُ هُوَ الْمَسِيحُ، «الْأَبْهَى جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ»، الَّذِي لِذَلِكَ تَاقَ إِبْرَاهِيمُ وَالْآبَاءُ إِلَى رُؤْيَتِهِ.

الْآيَةُ ٢٣. «أَمَرُّوهُ» — أَذَاقَ إِخْوَتُهُ يُوسُفَ الْمَرَارَةَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِهَذَا الْجَمَالِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةِ. «وَخَاصَمُوهُ» — قَائِلِينَ: «أَتَمْلِكُ عَلَيْنَا مُلْكًا؟» وَ: «هُوَذَا صَاحِبُ الْأَحْلَامِ آتٍ؛ تَعَالَوْا نَقْتُلْهُ.» «حَامِلِي السِّهَامِ» — سِهَامَ الْكَلَامِ، أَيِ السُّخْرِيَّاتِ اللَّاذِعَةِ وَالْأَكَاذِيبِ وَالاِفْتِرَاءَاتِ، وَسِهَامَ الضَّرَبَاتِ: فَحِينَ جَرَّدُوهُ وَدَفَعُوهُ وَأَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ وَأَخِيرًا بَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، بِكَمْ مِنْ سِهَامِ الْكَلَامِ وَالضَّرَبَاتِ طَعَنُوهُ!

رَمْزِيًّا، يُوسُفُ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي أَطْلَقَ الْيَهُودُ عَلَيْهِ جَمِيعَ سِهَامِ أَلْسِنَتِهِمْ وَمَسَامِيرِهِمْ وَسِيَاطِهِمْ، صَارِخِينَ: «ارْفَعْهُ، ارْفَعْهُ، اصْلِبْهُ!»

الْآيَةُ ٢٤. «اسْتَقَرَّ قَوْسُهُ عَلَى الْقَوِيِّ.» «الْقَوْسُ»، أَيْ قُوَّتُهُ وَحِصْنُهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فِي مُوَاجَهَةِ كُلِّ هَذَا الْبُغْضِ وَالاضْطِهَادِ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَفِي الْعُبُودِيَّةِ، وَفِي سِجْنِ مِصْرَ، لَمْ يَفْقِدْ يُوسُفُ عَزِيمَتَهُ وَلَمْ يَضْعُفْ، بَلْ وَقَفَ، بَلْ جَلَسَ ثَابِتًا قَوِيًّا، وَكُلُّ رَجَائِهِ مُعَلَّقٌ بِاللَّهِ الْقَدِيرِ. سَلَّمَ يُوسُفُ قَوْسَهُ لِلَّهِ الْقَدِيرِ الْأَمْهَرِ فِي الرِّمَايَةِ، لِيُوَجِّهَهُ بِيَدِهِ.

«انْحَلَّتْ قُيُودُ ذِرَاعَيْهِ وَيَدَيْهِ.» الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ يَفُوزُّو، الَّتِي مَعْنَاهَا الدَّقِيقُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ، تُتَرْجَمُ بِأَشْكَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ. تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا وَالسَّبْعُونَ: «انْحَلَّتِ الْقُيُودُ»، أَيْ سَلَاسِلُ ذِرَاعَيْهِ وَيَدَيْهِ. فَهَا هُوَ الرَّجَاءُ فِي اللَّهِ الْقَدِيرِ لَمْ يَخِبْ بِيُوسُفَ. اسْمَعْ سِفْرَ الْحِكْمَةِ، الْفَصْلَ ١٠: «هِيَ (الْحِكْمَةُ الْأَزَلِيَّةُ غَيْرُ الْمَخْلُوقَةِ، الَّتِي هِيَ اللَّهُ نَفْسُهُ) لَمْ تَتْرُكِ الصِّدِّيقَ حِينَ بِيعَ، وَلَمْ تَتَخَلَّ عَنْهُ فِي الْقُيُودِ، حَتَّى أَتَتْهُ بِالصَّوْلَجَانِ» إِلَخْ.

«بِيَدَيِ الْعَزِيزِ إِلَهِ يَعْقُوبَ.» بَدَلَ «الْعَزِيزِ» فِي الْعِبْرِيَّةِ أَبِّير، وَهُوَ أَحَدُ أَسْمَاءِ اللَّهِ. يُعَلِّمُ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ هَذَا الاسْمَ مَلِيءٌ بِالْأَسْرَارِ؛ فَالْحَرْفُ الْأَوَّلُ أَلِف يَدُلُّ عَلَى أَبْ، أَيِ الْآبُ. وَالْحَرْفُ الثَّانِي بِيت يَدُلُّ عَلَى بِنْ، أَيِ الاِبْنُ. وَالْحَرْفُ الثَّالِثُ رِيش يَدُلُّ عَلَى رُوحْ، أَيِ الرُّوحُ الْقُدُسُ. فَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ الثَّلَاثَةَ فِي الاسْمِ الْوَاحِدِ أَبِّير، كَذَلِكَ هَذِهِ الْأَقَانِيمُ الثَّلَاثَةُ فِي الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ الْوَاحِدِ.

«مِنْ هُنَاكَ خَرَجَ الرَّاعِي، صَخْرَةُ إِسْرَائِيلَ.» كَلِمَةُ «مِنْ هُنَاكَ» لَا تَدُلُّ عَلَى مَكَانٍ بَلْ عَلَى سَبَبٍ، وَمَعْنَاهَا «لِذَلِكَ»: لِأَنَّ يُوسُفَ تَحَصَّنَ بِمَعُونَةِ أَبِّير، أَيِ اللَّهِ الْقَدِيرِ — لِذَلِكَ خَرَجَ رَاعٍ، أَيْ صَارَ حَاكِمًا وَأَمِيرًا عَلَى الْمِصْرِيِّينَ، وَصَخْرَةً، أَيْ دِعَامَةً لِشَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ أَطْعَمَ يُوسُفُ أَبَاهُ إِسْرَائِيلَ وَإِخْوَتَهُ وَعَائِلَاتِهِمْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ مَعَ الْمِصْرِيِّينَ فِي سِنِي الْمَجَاعَةِ السَّبْعِ، وَهَكَذَا ثَبَّتَهُمْ وَأَسْنَدَهُمْ لِئَلَّا يَهْلِكُوا مِنَ الْجُوعِ.

رَمْزِيًّا، يُوسُفُ الرَّاعِي، يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ، هُوَ الْمَسِيحُ، الَّذِي هُوَ الرَّاعِي وَالصَّخْرَةُ وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ لِلْكَنِيسَةِ. وَأَيْضًا، رَاعِي الْكَنِيسَةِ وَصَخْرَتُهَا هُوَ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ وَسَائِرُ الْبَابَوَاتِ نُوَّابِ الْمَسِيحِ. فَقَدْ قَالَ الْمَسِيحُ لِبُطْرُسَ: «ارْعَ غَنَمِي»؛ وَ: «أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي.»

الْآيَةُ ٢٥. «إِلَهُ أَبِيكَ» — اللَّهُ الَّذِي وَجَّهَ أَبَاكَ يَعْقُوبَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، سَيُعِينُكَ أَيْضًا وَيُوَجِّهُكَ بِوَصْفِكَ ابْنَ يَعْقُوبَ وَوَارِثَ إِيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ. «يُبَارِكُكَ بِبَرَكَاتِ السَّمَاءِ» — فَيُعْطِيكَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا فِي أَوَانِهِ وَنَدًى وَثَلْجًا وَصَحْوًا وَنُفُوذَ الشَّمْسِ وَالسَّمَاءِ الطَّيِّبَ لِتَخْصِبَ أَرْضُكَ. «بِبَرَكَاتِ الْغَمْرِ الرَّابِضِ فِي الْأَسْفَلِ» — الْغَمْرُ حَقِيقَةً هُوَ تِلْكَ الْهُوَّةُ مِنَ الْمِيَاهِ الْمُخْتَبِئَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ، الْمُتَّصِلَةِ بِالْبَحْرِ، الَّتِي تَسْقِي الْأَرْضَ وَتُخْصِبُهَا عَبْرَ عُرُوقِهَا وَقَنَوَاتِهَا. «بِبَرَكَاتِ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ» — لِيَكُونَ لَكَ لَبَنٌ وَنَسْلٌ وَذُرِّيَّةٌ وَافِرَةٌ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْبَشَرِ.

رَمْزِيًّا، يُوسُفُ هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي تُبَارِكُهُ وَتَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ فِي السَّمَاءِ وَتَحْتَهَا، وَجَمِيعُ الْمَلَائِكَةِ وَالْقِدِّيسِينَ فِي السَّمَاءِ، وَالْآبَاءُ فِي الْجَحِيمِ الْأَعْلَى، وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَهُ قَائِلِينَ مَعَ أَلِيصَابَاتَ: «مُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ»؛ وَمَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي صَرَخَتْ فِي الْجَمْعِ: «طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْضَعَاكَ.»

الْآيَةُ ٢٦. «بَرَكَاتُ أَبِيكَ تَعَزَّزَتْ بِبَرَكَاتِ آبَائِهِ.» كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا يَعْقُوبُ، فَوْقَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ، بُورِكْتُ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَمِنَ اللَّهِ؛ وَهَكَذَا أَنَا بِدَوْرِي أُبَارِكُكَ يَا يُوسُفُ، وَبِالتَّالِي سَتَكُونُ أَكْثَرَ بَرَكَةً مِنْ آبَائِي وَمِنِّي أَنَا نَفْسِي، لِأَنَّكَ سَتَنَالُ لَا بَرَكَاتِ الْآبَاءِ فَحَسْبُ كَمَا نِلْتُ أَنَا، بَلْ بَرَكَتِي أَيْضًا. هَكَذَا يَقُولُ لِيرَانُوسُ وَالْأَبُولِنْسِيسُ وَبِيرِيرِيُوسُ.

«إِلَى أَنْ يَأْتِيَ شَوْقُ الْأَكَمَاتِ الْأَبَدِيَّةِ» — أَيِ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ آخِرُ الْبَرَكَاتِ وَالْمَوَاعِيدِ كُلِّهَا وَأَعْظَمُهَا، وَخَاتِمَتُهَا جَمِيعًا، الَّذِي لِذَلِكَ يَنْتَظِرُهُ جَمِيعُ النَّاسِ، بَلْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ غَيْرِ الْعَاقِلَةِ — الْأَرْضُ وَالْبَحْرُ وَالْأَكَمَاتُ وَالْجِبَالُ — مِنْ بَدْئِهَا بِأَشَدِّ الشَّوْقِ، بِوَصْفِهِ فَادِيَ الْبَشَرِ وَمُجَدِّدَ الْكَوْنِ كُلِّهِ وَمُصْلِحَهُ. فَالْمَعْنَى إِذَنْ كَأَنَّ يَعْقُوبَ يَقُولُ: بَرَكَتِي هَذِهِ يَا يُوسُفُ أَعْظَمُ مِنْ بَرَكَةِ الْآبَاءِ، وَسَتَدُومُ حَتَّى الْمَسِيحِ الَّذِي سَيَجْلِبُ أَعْظَمَ بَرَكَةٍ لَكَ وَلِلْعَالَمِ كُلِّهِ.

ثَانِيًا، رَمْزِيًّا، الْمَسِيحُ هُوَ شَوْقُ الْأَكَمَاتِ الْأَبَدِيَّةِ، أَيِ الْآبَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ الْعِظَامِ، الَّذِينَ يَفُوقُونَ سَائِرَ النَّاسِ حِكْمَةً وَفَضِيلَةً وَقَدَاسَةً، وَسَيَظَلُّونَ بَارِزِينَ فِي السَّمَاءِ إِلَى الْأَبَدِ، كَمَا تَبْرُزُ الْأَكَمَاتُ فَوْقَ الْأَوْدِيَةِ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ وَكَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ.

«لِتَكُنْ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ وَعَلَى هَامَةِ النَّذِيرِ بَيْنَ إِخْوَتِهِ.» مُلَاحَظَةٌ: يُسَمَّى يُوسُفُ هُنَا نَذِيرًا، أَيْ «مُفْرَزًا»، كَمَا يُتَرْجِمُ التَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ، «مُتَوَّجًا وَمُكَرَّسًا». فَكَلِمَةُ نِيزِرْ تَعْنِي الاِفْتِرَازَ وَالتَّاجَ وَالتَّكْرِيسَ. فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ مُفْرَزًا عَنْ إِخْوَتِهِ: أَوَّلًا، بِأَخْلَاقِهِ وَبَرَاءَتِهِ؛ ثَانِيًا، بِالْمَكَانِ وَأُسْلُوبِ الْحَيَاةِ؛ ثَالِثًا، بِالسِّجْنِ، حَيْثُ تُرِكَ يُوسُفُ بِشَعْرٍ غَيْرِ مَقْصُوصٍ، مَوْقُوفًا وَمُكَرَّسًا لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَالنُّذُرِ الَّذِينَ كَانُوا يَنْذِرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَامْتِنَاعَهُمْ وَشَعْرَهُمْ لِلَّهِ (سِفْرُ الْعَدَدِ ٦). رَابِعًا، بِتَاجِ الْمُلْكِ فِي مِصْرَ. بِالتَّأْكِيدِ كَانَ يُوسُفُ النَّذِيرُ رَمْزًا صَرِيحًا لِلْمَسِيحِ النَّذِيرِ، أَيِ الْمُفْرَزِ عَنِ الْيَهُودِ وَعَنِ الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ لِلْبَشَرِ، الْمُكَرَّسِ لِلَّهِ، وَالْمُتَوَّجِ مَلِكًا أَعْظَمَ وَحَبْرًا أَعْلَى لِلْعَالَمِ.


نُبُوءَةُ بِنْيَامِينَ وَبَرَكَتُهُ

الْآيَةُ ٢٧. «بِنْيَامِينُ ذِئْبٌ خَاطِفٌ: فِي الصَّبَاحِ يَأْكُلُ الْفَرِيسَةَ، وَفِي الْمَسَاءِ يُقَسِّمُ الْغَنِيمَةَ.» يَتَنَبَّأُ يَعْقُوبُ هُنَا حَرْفِيًّا بِأَنَّ سِبْطَ بِنْيَامِينَ سَيَكُونُ خَاطِفًا وَحَرْبِيًّا كَالذِّئْبِ، يَجْعَلُ حَقَّهُ فِي الْقُوَّةِ وَالسِّلَاحِ. وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ فِعْلًا فِي حَرْبِ جِبْعَةَ، الَّتِي خَاضَهَا الْبِنْيَامِينِيُّونَ وَحْدَهُمْ، بِسَبَبِ اغْتِصَابِهِمْ لِامْرَأَةِ اللَّاوِيِّ، ضِدَّ جَمِيعِ الْأَسْبَاطِ الْأُخْرَى وَصَمَدُوا حَتَّى الْفَنَاءِ؛ وَأَخِيرًا اخْتَطَفُوا بَنَاتِ شِيلُوهَ (سِفْرُ الْقُضَاةِ ٢٠). هَكَذَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَثِيؤُدُورِيطُسُ وَالْأَبُولِنْسِيسُ وَغَيْرُهُمْ.

وَأَيْضًا، يُلَمِّحُ يَعْقُوبُ هُنَا وَيَتَنَبَّأُ بِغَنَائِمِ وَانْتِصَارَاتِ شَاوُلَ أَوَّلِ مُلُوكِ الْيَهُودِ، وَكَذَلِكَ أَسْتِيرَ وَمُرْدَخَايَ؛ فَقَدْ كَانُوا جَمِيعًا مِنْ نَسْلِ بِنْيَامِينَ.

رَمْزِيًّا، يَفْهَمُ جَمِيعُ الْآبَاءِ اللَّاتِينِ تَقْرِيبًا — وَهُمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَأُوشِيرِيُوسُ وَبِيدَا وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْعِظَةِ الْأُولَى عَنِ اهْتِدَاءِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ — هَذَا الذِّئْبَ عَلَى أَنَّهُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ، الَّذِي كَانَ مِنْ نَسْلِ بِنْيَامِينَ وَسُمِّيَ شَاوُلَ، وَفِي «الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ»، أَيْ فِي شَبَابِهِ، هَاجَ كَالذِّئْبِ ضِدَّ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحِيِّينَ، فَسَاقَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَى السُّجُونِ، وَرَجَمَ إِسْتِفَانُوسَ بِأَيْدِي غَيْرِهِ، وَنَفَخَ تَهْدِيدًا وَقَتْلًا ضِدَّ الْجَمِيعِ. لَكِنَّهُ بَعْدَ أَنِ اهْتَدَى بِالْمَسِيحِ وَتَحَوَّلَ مِنْ شَاوُلَ إِلَى بُولُسَ، وَمِنْ ذِئْبِ الشَّيْطَانِ إِلَى ذِئْبِ اللَّهِ، فَ«فِي الْمَسَاءِ»، أَيْ حِينَ صَارَ أَكْبَرَ سِنًّا، قَسَّمَ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ الْغَنَائِمَ الْمَنْزُوعَةَ مِنَ الْأُمَمِ وَالْمَسْلُوبَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ. «بُولُسُ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، كَانَ ذِئْبًا حِينَ كَانَ يَفْتَرِسُ خِرَافَ الْكَنِيسَةِ؛ لَكِنَّ الَّذِي جَاءَ ذِئْبًا صَارَ رَاعِيًا. لِذَلِكَ رَاحِيلُ حِينَ وَلَدَتْ بِنْيَامِينَ سَمَّتْهُ ‹ابْنَ وَجَعِي›، مُتَنَبِّئَةً بِأَنَّ مِنْ ذَلِكَ السِّبْطِ سَيَأْتِي بُولُسُ الَّذِي سَيُؤْلِمُ أَبْنَاءَ الْكَنِيسَةِ وَيُحْزِنُ أُمَّهُمْ حُزْنًا عَظِيمًا؛ لَكِنَّهُ فِيمَا بَعْدُ قَسَّمَ الطَّعَامَ، مُبَشِّرًا الْأُمَمَ وَدَاعِيًا كَثِيرِينَ جِدًّا إِلَى الْإِيمَانِ.»


الْآيَةُ ٢٨: الْأَسْبَاطُ الِاثْنَا عَشَرَ

«كُلُّ هَؤُلَاءِ أَسْبَاطُ إِسْرَائِيلَ الاثْنَا عَشَرَ.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «كُلُّ هَذِهِ أَسْبَاطُ إِسْرَائِيلَ اثْنَتَا عَشْرَةَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ لِيَعْقُوبَ انْحَدَرَتْ وَتَسَمَّتْ أَسْبَاطُ إِسْرَائِيلَ الاثْنَا عَشَرَ. إِذْ يُعَدُّ هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ (وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ عَدَدًا)، وَبِالتَّالِي يُعَدُّ لَاوِي وَيُوسُفُ مَعًا، بِحَيْثُ يُشَكِّلُ كُلُّ ابْنٍ مِنْ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ سِبْطًا وَاحِدًا. أَمَّا فِي تَقْسِيمِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَلَا يُعَدُّ لَاوِي لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا؛ إِذْ كَانَ نَصِيبُ لَاوِي هُوَ الرَّبُّ، أَيِ الذَّبَائِحُ وَالْبَاكُورَاتُ الْمُقَدَّمَةُ لِلرَّبِّ. وَلَا يُعَدُّ يُوسُفُ، بَلْ ابْنَاهُ أَفْرَايِمُ وَمَنَسَّى؛ إِذْ قَامَا مَقَامَ لَاوِي وَيُوسُفَ، فَنَالَا سِبْطَيْنِ وَبِالتَّالِي نَصِيبَيْنِ فِي كَنْعَانَ.

«وَبَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ بِبَرَكَتِهِ الْخَاصَّةِ.» وَمِنْ هُنَا الْمَعْنَى: «بَارَكَ كُلَّ وَاحِدٍ»، أَيْ أَنَّ الْبَرَكَاتِ الْمَرْوِيَّةَ آنِفًا أَعْلَنَهَا وَخَصَّصَهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِهَا لَهُ. فَمَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِكْ شِمْعُونَ وَلَاوِي بَرَكَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ وَبَّخَهُمَا، فَإِنَّ تَوْبِيخَ الْأَبِ هَذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بَرَكَةً. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَكَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ.


الْآيَاتُ ٢٩–٣٢: مَوْتُ يَعْقُوبَ

الْآيَةُ ٣١. «هُنَاكَ دُفِنَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا.» فِي الْعِبْرِيَّةِ: «وَهُنَاكَ دَفَنْتُ لَيْئَةَ.» مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ لَيْئَةَ مَاتَتْ فِي كَنْعَانَ وَدُفِنَتْ هُنَاكَ بِيَدِ يَعْقُوبَ، وَلَمْ تَمُتْ فِي مِصْرَ وَيُنْقَلْ جُثْمَانُهَا مِنْ هُنَاكَ إِلَى كَنْعَانَ مَعَ جُثْمَانِ زَوْجِهَا، كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ.

الْآيَةُ ٣٢. «وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وَصَايَاهُ.» يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ أَوْصَى أَبْنَاءَهُ بِالسَّلَامِ وَالْوِئَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَبِخَشْيَةِ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْحَقِّ وَطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَبِالْفِرَارِ مِنْ عِبَادَةِ أَصْنَامِ الْمِصْرِيِّينَ.

«ضَمَّ رِجْلَيْهِ إِلَى السَّرِيرِ.» كَانَ يَعْقُوبُ وَهُوَ يَتَنَبَّأُ وَيُبَارِكُ أَبْنَاءَهُ قَدْ رَفَعَ نَفْسَهُ وَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ وَرِجْلَاهُ مُتَدَلِّيَتَانِ؛ وَالْآنَ، بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ كَلَامَهُ وَوَدَّعَ أَهْلَهُ، يَضُمُّ رِجْلَيْهِ إِلَى السَّرِيرِ وَيَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.

اُنْظُرْ هُنَا كَمْ هُوَ هَادِئٌ مَوْتُ الصِّدِّيقِينَ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ لُوكِيُوسُ الشَّهِيدُ، حِينَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، شَكَرَ الْوَالِيَ أُورْبِيكِيُوسَ قَائِلًا: «أُعْتَقُ مِنْ سَادَةٍ أَشْرَارٍ وَأَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ الْأَبِ الصَّالِحِ.» وَبَابِيلَاسُ الشَّهِيدُ، حِينَ أَمَالَ عُنُقَهُ لِلضَّرْبِ، قَالَ: «ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، فَإِنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ. أَنْقَذَ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ، وَعَيْنَيَّ مِنَ الدُّمُوعِ، وَرِجْلَيَّ مِنَ الزَّلَلِ. أَسِيرُ أَمَامَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الْأَحْيَاءِ.» فَالْمَوْتُ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، هُوَ مِينَاءٌ هَادِئٌ، وَرَاحَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَنَوْمٌ، وَانْتِقَالٌ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ، وَتَحَرُّرٌ مِنَ الشُّرُورِ، وَرِحْلَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَمِنَ الْبَشَرِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، وَإِلَى رَبِّ الْمَلَائِكَةِ نَفْسِهِ.

«انْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ» — مَاتَ، وَأَمَّا رُوحُهُ فَنَزَلَتْ إِلَى الْآبَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ الْمُقِيمِينَ فِي الْجَحِيمِ الْأَعْلَى وَحِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. يَتَكَلَّمُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هَكَذَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَرْوَاحَ الْقِدِّيسِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَعِيشُ حَيَاةً مُنْفَرِدَةً حَزِينَةً بَلْ حَيَاةً اجْتِمَاعِيَّةً فَرِحَةً؛ أَمَّا أَرْوَاحُ الْأَشْرَارِ، فَمَعَ أَنَّهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّهَا مُتَخَاصِمَةٌ بِأَحْقَادٍ أَبَدِيَّةٍ وَمُشَاجَرَاتٍ، يُمَزِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِاللَّعَنَاتِ وَالتَّجَادِيفِ كَالْكِلَابِ.

مُلَاحَظَةٌ عَنْ فَتْرَةِ حَيَاةِ يَعْقُوبَ: وُلِدَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ ٤٥٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ. فَرَّ مِنْ عِيسُو فَذَهَبَ إِلَى حَارَانَ عِنْدَ لَابَانَ فِي السَّنَةِ ٧٧ مِنْ عُمْرِهِ؛ وَبَعْدَ ٢٠ سَنَةً، أَيْ فِي السَّنَةِ ٩٧، عَادَ إِلَى كَنْعَانَ. وَبَعْدَ ١٠ سَنَوَاتٍ، أَيْ فِي السَّنَةِ ١٠٧، مَاتَتْ رَاحِيلُ وَوُلِدَ بِنْيَامِينُ وَبِيعَ يُوسُفُ إِلَى مِصْرَ. بَقِيَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَنْعَانَ ٢٣ سَنَةً. فَفِي السَّنَةِ ١٣٠ مِنْ عُمْرِهِ، اسْتَدْعَاهُ يُوسُفُ فَانْتَقَلَ مَعَ عَائِلَتِهِ كُلِّهَا إِلَى مِصْرَ، وَعَاشَ هُنَاكَ ١٧ سَنَةً، وَمَاتَ فِي السَّنَةِ ١٤٧ مِنْ عُمْرِهِ، الْمُوَافِقَةِ لِلسَّنَةِ ٢٢٥٦ مِنْ بَدْءِ الْعَالَمِ. لِلاطِّلَاعِ عَلَى شَاهِدَةِ قَبْرِ يَعْقُوبَ وَمَدَائِحِهِ، اُنْظُرْ سِفْرَ الْحِكْمَةِ، الْفَصْلَ ١٠، الْآيَةَ ١٠، وَسِفْرَ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ، الْفَصْلَ ٤٤، الْآيَةَ ٢٥.