كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
تُوصَفُ رَاحَةُ اللهِ فِي السَّبْتِ وَتَقْدِيسُ السَّبْتِ. ثَانِيًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٨، غَرْسُ الْفِرْدَوْسِ وَأَنْهَارُهُ الْأَرْبَعَةُ. ثَالِثًا، عِنْدَ الْآيَةِ ١٨، تَكْوِينُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ. رَابِعًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٢٣، تَأْسِيسُ الزَّوَاجِ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: تَكْوِين ٢: ١-٢٥
١. فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَكُلُّ زِينَتِهَا. ٢. وَأَكْمَلَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عَمَلَهُ الَّذِي صَنَعَهُ، وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَهُ. ٣. وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابِعَ وَقَدَّسَهُ، لِأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ لِيَصْنَعَهُ. ٤. هَذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي صَنَعَ فِيهِ الرَّبُّ الْإِلَهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ: ٥. وَكُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ فِي الْأَرْضِ، وَكُلُّ عُشْبِ الْحَقْلِ قَبْلَ أَنْ يَنْمُوَ؛ لِأَنَّ الرَّبَّ الْإِلَهَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَمْطَرَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانٌ لِيَفْلَحَ الْأَرْضَ. ٦. وَلَكِنْ كَانَ نَبْعٌ يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ فَيَسْقِي كُلَّ وَجْهِ الْأَرْضِ. ٧. وَجَبَلَ الرَّبُّ الْإِلَهُ الْإِنْسَانَ تُرَابًا مِنَ الْأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي وَجْهِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ الْإِنْسَانُ نَفْسًا حَيَّةً. ٨. وَكَانَ الرَّبُّ الْإِلَهُ قَدْ غَرَسَ فِرْدَوْسَ نَعِيمٍ مُنْذُ الْبَدْءِ، وَوَضَعَ فِيهِ الْإِنْسَانَ الَّذِي جَبَلَهُ. ٩. وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الْإِلَهُ مِنَ الْأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ بَهِيَّةِ الْمَنْظَرِ وَطَيِّبَةِ الْأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ أَيْضًا فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ، وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. ١٠. وَكَانَ نَهْرٌ يَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعِ النَّعِيمِ لِيَسْقِيَ الْفِرْدَوْسَ، وَمِنْ هُنَاكَ يَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ رُؤُوسٍ. ١١. اِسْمُ الْوَاحِدِ فِيشُونُ، وَهُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ حَوِيلَةَ حَيْثُ يَكُونُ الذَّهَبُ. ١٢. وَذَهَبُ تِلْكَ الْأَرْضِ جَيِّدٌ جِدًّا؛ هُنَاكَ يُوجَدُ الْمُقْلُ وَحَجَرُ الْجَزْعِ. ١٣. وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ الْحَبَشَةِ. ١٤. وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ دِجْلَةُ، وَهُوَ الَّذِي يَجْرِي تُجَاهَ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابِعُ هُوَ الْفُرَاتُ. ١٥. وَأَخَذَ الرَّبُّ الْإِلَهُ الْإِنْسَانَ وَوَضَعَهُ فِي فِرْدَوْسِ النَّعِيمِ لِيَعْمَلَهُ وَيَحْفَظَهُ. ١٦. وَأَوْصَاهُ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْفِرْدَوْسِ تَأْكُلُ أَكْلًا: ١٧. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا، لِأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ. ١٨. وَقَالَ الرَّبُّ الْإِلَهُ: لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ، فَنَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ. ١٩. وَجَبَلَ الرَّبُّ الْإِلَهُ مِنَ الْأَرْضِ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَجَمِيعَ طُيُورِ السَّمَاءِ، وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا؛ وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. ٢٠. فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ؛ وَأَمَّا لِآدَمَ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مُعِينٌ نَظِيرُهُ. ٢١. فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الْإِلَهُ سُبَاتًا عَمِيقًا عَلَى آدَمَ، فَنَامَ؛ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. ٢٢. وَبَنَى الرَّبُّ الْإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً، وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. ٢٣. فَقَالَ آدَمُ: هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي؛ هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لِأَنَّهَا مِنِ امْرِئٍ أُخِذَتْ. ٢٤. لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٢٥. وَكَانَا كِلَاهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَلَمْ يَخْجَلَا.
يَتَضَمَّنُ هَذَا الْإِصْحَاحُ تَلْخِيصًا وَإِعَادَةَ سَرْدٍ: إِذْ إِنَّ تَكْوِينَ الْفِرْدَوْسِ جَرَى فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ؛ وَخَلْقَ حَوَّاءَ وَتَأْسِيسَ الزَّوَاجِ جَرَيَا قَبْلَ السَّبْتِ، فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ، أَيْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ آدَمُ. لِذَلِكَ يَشْرَحُ مُوسَى هُنَا بِتَوَسُّعٍ أَكْبَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ وَغَيْرَهَا مِمَّا كَانَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِاخْتِصَارٍ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ.
الْآيَةُ ١: فَأُكْمِلَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَكُلُّ زِينَتِهَا
١. كُلُّ زِينَتِهَا — أَيِ النُّجُومُ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ السَّمَاءَ، كَمَا تُزَيِّنُ الطُّيُورُ الْهَوَاءَ، وَالْأَسْمَاكُ الْبَحْرَ، وَالنَّبَاتَاتُ وَالْحَيَوَانَاتُ الْأَرْضَ. فَإِنَّ كَلِمَةَ «زِينَة» (ornatus) بِالْعِبْرِيَّةِ هِيَ «تْسَابَا»، أَيْ جَيْشٌ، صَفُّ قِتَالٍ، جُنْدٌ، قُوَّةٌ، زِينَةٌ؛ إِذْ لَا شَيْءَ أَكْثَرُ بَهَاءً مِنْ صَفِّ قِتَالٍ مُنَظَّمٍ. وَمِنْ هُنَا يُدْعَى اللهُ رَبَّ الْجُنُودِ (Deus exercituum)، أَيْ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ وَالنُّجُومِ الَّتِي تَخْدُمُ اللهَ كَالْجُنُودِ فِي نِظَامٍ ثَابِتٍ، تَتَحَرَّكُ وَتَشْرُقُ وَتَغْرُبُ، بَلْ كَثِيرًا مَا تُحَارِبُ عَنِ اللهِ ضِدَّ الْأَشْرَارِ، كَمَا أَشَرْتُ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ٥: ٢٠.
الْآيَةُ ٢: وَأَكْمَلَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عَمَلَهُ
٢. وَأَكْمَلَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ عَمَلَهُ. — «فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ»، أَيْ حَصْرِيًّا: لِأَنَّ اللهَ شُمُولِيًّا أَكْمَلَ عَمَلَهُ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ، كَمَا جَاءَ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ. فَقَدْ بَدَأَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَأَكْمَلَهُ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ، أَيْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِيَسْتَرِيحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ التَّالِي، الَّذِي سُمِّيَ سَبْتًا مِنْ رَاحَةِ اللهِ هَذِهِ. وَالسَّبَبُ الرَّمْزِيُّ وَالْحِسَابِيُّ لِكَوْنِ الْعَالَمِ قَدْ كَمُلَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يُقَدِّمُهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْل ١؛ وَبِيدَا، وَفِيلُونُ فِي كِتَابِ «خَلْقِ الْعَالَمِ»؛ وَهُوَ أَنَّ الْعَدَدَ سِتَّةَ هُوَ أَوَّلُ عَدَدٍ كَامِلٍ: لِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُ مِنْ أَجْزَائِهِ الْأُولَى، أَيِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً تُسَاوِي سِتَّةً.
رَمْزِيًّا، تَدُلُّ الْأَيَّامُ السِّتَّةُ عَلَى سِتَّةِ آلَافِ سَنَةٍ سَتَدُومُ فِيهَا هَذِهِ بِنْيَةُ الْعَالَمِ (لِأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ عِنْدَ اللهِ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ، مَزْمُور ٨٩: ٤)، حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَتْ يَأْتِي الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ وَيَوْمُ الدَّيْنُونَةِ وَالسَّبْتُ، أَيْ رَاحَةُ الْقِدِّيسِينَ فِي السَّمَاءِ. هَكَذَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي شَرْحِهِ لِلْمَزْمُورِ ٨٩، الْمُوَجَّهِ إِلَى كِبْرِيَانُوسَ؛ وَإِيرِينَاوُسُ، الْكِتَاب ٥، الْفَصْلُ الْأَخِيرُ؛ وَيُوسْطِينُوسُ، السُّؤَال ٧١ إِلَى الْأُمَمِ؛ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَاب ٢٠ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْل ٧، وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا مَاتَ الْآبَاءُ السِّتَّةُ الْأَوَائِلُ — آدَمُ وَشِيثُ وَأَنُوشُ وَقِينَانُ وَمَهْلَلْئِيلُ وَيَارِدُ — لَكِنَّ السَّابِعَ، أَخْنُوخَ، نُقِلَ حَيًّا إِلَى السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ بَعْدَ سِتَّةِ آلَافِ سَنَةٍ مِنَ الْكَدِّ وَالْمَوْتِ سَتَعْقُبُهَا الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ، كَمَا يَقُولُ إِيسِيدُورُسُ فِي الْحَاشِيَةِ، الْفَصْل ٥. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي رُؤْيَا ٢٠: ٦.
«عَمَلَهُ» — أَيْ عَمَلَ خَلْقِ الْأَنْوَاعِ الْجَدِيدَةِ؛ أَمَّا عَمَلُ التَّدْبِيرِ وَالْحِفْظِ وَإِنْتَاجِ أَفْرَادٍ جُدُدٍ فَلَا يَزَالُ اللهُ يُمَارِسُهُ حَتَّى الْآنَ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ يُوحَنَّا ٥: ١٧.
اسْتَرَاحَ — لَا مِنْ تَعَبٍ، بَلْ مِنَ الْعَمَلِ؛ وَلِذَلِكَ بِالْعِبْرِيَّةِ «شَبَتَ»، أَيْ كَفَّ. وَأَرِيسْتُوبُولُوسُ، الَّذِي ذَكَرَهُ أُوسَابِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٣ مِنْ «الْإِعْدَادِ الْإِنْجِيلِيِّ»، الْفَصْل ٦، يُفَسِّرُ «اسْتَرَاحَ» تَفْسِيرًا مُغَايِرًا: يَقُولُ إِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ مَنَحَ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي خَلَقَهَا رَاحَةً، أَيْ ثَبَاتًا وَدَوَامًا وَأَبَدِيَّةً وَنِظَامًا ثَابِتًا رَاسِخًا لَا يَتَغَيَّرُ. وَبِالتَّالِي فَإِنَّ كَلِمَةَ «اسْتَرَاحَ» تَدُلُّ ضِمْنِيًّا عَلَى حِفْظِ الْمَخْلُوقَاتِ، مَعَ تَعَاوُنِ اللهِ الدَّائِمِ مَعَهَا فِي أَفْعَالِهَا وَحَرَكَاتِهَا الْخَاصَّةِ. فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْحِكَمِ، رَقْم ٢٧٧: «إِنَّ قُدْرَةَ الْخَالِقِ الْكُلِّيِّ الْقُدْرَةِ هِيَ عِلَّةُ قِيَامِ كُلِّ مَخْلُوقٍ؛ وَلَوْ كَفَّتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ يَوْمًا عَنْ تَدْبِيرِ مَا خَلَقَتْهُ، لَانْهَارَتْ فِي الْحَالِ هَيْئَةُ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَطَبِيعَتُهَا. فَمَا يَقُولُهُ الرَّبُّ: أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الْآنَ، يُبَيِّنُ اسْتِمْرَارًا مَا لِعَمَلِهِ، بِهِ يَضْبِطُ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ وَيُدَبِّرُهَا. وَفِي هَذَا الْعَمَلِ أَيْضًا تَسْتَمِرُّ حِكْمَتُهُ الَّتِي قِيلَ عَنْهَا: تَبْلُغُ مِنْ طَرَفٍ إِلَى طَرَفٍ بِشِدَّةٍ وَتُدَبِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِعُذُوبَةٍ. وَالرَّسُولُ أَيْضًا يَعْتَقِدُ الِاعْتِقَادَ نَفْسَهُ حِينَ يَقُولُ وَاعِظًا الْأَثِينِيِّينَ: فِيهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. لِأَنَّهُ لَوْ سَحَبَ عَمَلَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَحْيَا أَوْ نَتَحَرَّكَ أَوْ نُوجَدَ. وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ اللهَ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَنْ يَخْلُقَ مَخْلُوقًا جَدِيدًا، لَا أَنَّهُ يَكُفُّ عَنْ رِعَايَةِ مَا خَلَقَهُ وَتَدْبِيرِهِ.»
وَيُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ نَفْسُهُ بِبَرَاعَةٍ فِي الْحِكَمِ، رَقْم ١٤٥، أَنَّ اللهَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْتَرِيحًا أَمْ عَامِلًا. «لِذَلِكَ»، يَقُولُ، «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَصَوَّرَ فِي اللهِ عُطْلَةٌ كَسُولَةٌ وَلَا نَشَاطٌ مُرْهِقٌ، فَهُوَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَعْمَلُ وَهُوَ مُسْتَرِيحٌ وَيَسْتَرِيحُ وَهُوَ عَامِلٌ؛ وَمَا فِي أَعْمَالِهِ مِنْ تَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ فَإِنَّمَا يُنْسَبُ لَا إِلَى الصَّانِعِ بَلْ إِلَى الْمَصْنُوعَاتِ. فَإِنَّ إِرَادَتَهُ أَبَدِيَّةٌ وَلَا تَتَغَيَّرُ، وَلَا تَتَبَدَّلُ بِتَدْبِيرٍ مُتَقَلِّبٍ.» وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ فِيلُونَ فِي كِتَابِ الرُّمُوزِ يُتَرْجِمُ لَيْسَ «اسْتَرَاحَ» بَلْ «أَرَاحَ مَا كَانَ قَدِ ابْتَدَأَهُ»؛ لِأَنَّ اللهَ، كَمَا يَقُولُ، لَا يَسْتَرِيحُ أَبَدًا، بَلْ كَمَا أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ النَّارِ أَنْ تُحْرِقَ وَمِنْ طَبِيعَةِ الثَّلْجِ أَنْ يُبَرِّدَ، كَذَلِكَ مِنْ طَبِيعَةِ اللهِ أَنْ يَعْمَلَ. لَكِنَّ النَّصَّ الْعِبْرِيَّ يَعْنِي حَقِيقَةً «اسْتَرَاحَ»، كَمَا تُتَرْجِمُهُ التَّرْجَمَةُ الْكَلْدَانِيَّةُ وَالْفُولْغَاتَا وَالسَّبْعِينِيَّةُ.
رَمْزِيًّا، يُعَلِّمُ يُونِيلِيُوسُ وَبِيدَا وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (الْكِتَاب ٤ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْل ١٢) أَنَّ رَاحَةَ اللهِ هَذِهِ فِي السَّبْتِ كَانَتْ رَمْزًا لِرَاحَةِ الْمَسِيحِ فِي الْقَبْرِ يَوْمَ السَّبْتِ، بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ عَمَلَ فِدَائِنَا فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ بِآلَامِهِ وَمَوْتِهِ.
مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ (anagogice)، كَانَ هَذَا رَمْزًا لِرَاحَةِ الْقِدِّيسِينَ فِي السَّمَاءِ: فَهُنَاكَ سَيُقِيمُونَ سَبْتًا أَبَدِيًّا، يُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِتَوَسُّعٍ فِي سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ٥: ١٢.
الْآيَةُ ٣: وَبَارَكَ الْيَوْمَ السَّابِعَ
٣. وَبَارَكَ الْيَوْمَ السَّابِعَ — أَيْ مَدَحَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَهُ، كَمَا يَقُولُ فِيلُونُ: هَكَذَا نُبَارِكُ اللهَ حِينَ نَحْمَدُهُ. ثَانِيًا وَالْأَفْضَلُ، «بَارَكَ» تَعْنِي، كَمَا يَلِي، قَدَّسَهُ — أَيْ قَضَى بِأَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ السَّابِعُ مُقَدَّسًا وَعِيدًا. فَكَمَا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْبَرَكَاتِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُقَدَّسَ، كَذَلِكَ لِيَوْمِ الْعِيدِ.
وَقَدَّسَهُ. — لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ السَّابِعِ بِعَيْنِهِ، الَّذِي كَانَ أَوَّلَ سَبْتٍ فِي الْعَالَمِ، بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ، فِي زَمَنِ مُوسَى، وَفْقًا لِسِفْرِ الْخُرُوجِ ٢٠: ٨. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ (الطُّوسْطَانِيُّ)، الَّذِي يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُقَالُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبَاقِ. ثَانِيًا وَالْأَفْضَلُ، يَرَى آخَرُونَ أَنَّ اللهَ قَدَّسَ السَّبْتَ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ، لَا فِعْلًا وَوَاقِعًا، بَلْ بِقَضَائِهِ وَقَصْدِهِ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِأَنَّ اللهَ اسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، فَقَدْ عَيَّنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مُقَدَّسًا لَهُ، لِيُقَرِّرَهُ مُوسَى يَوْمَ عِيدٍ يَحْفَظُهُ الْيَهُودُ. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَبِيدَا وَإِيرُونِيمُوسُ بْرَادُو فِي شَرْحِ الْفَصْلِ ٢٠ مِنْ سِفْرِ حِزْقِيَالَ. ثَالِثًا وَالْأَوْضَحُ، أَنَّ اللهَ مُنْذُ بِدَايَةِ الْعَالَمِ ذَاتِهَا، فِي أَوَّلِ يَوْمِ سَبْتٍ هَذَا...
«قَدَّسَهُ»، أَيْ أَسَّسَهُ فِعْلًا عِيدًا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْفَظَهُ آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ بِرَاحَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَعِبَادَةِ اللهِ، وَلَا سِيَّمَا بِتَذَكُّرِ نِعْمَةِ خَلْقِهِ وَخَلْقِ الْعَالَمِ كُلِّهِ الَّذِي أُكْمِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ السَّبْتَ كَانَ عِيدًا أَسَّسَهُ وَأَقَرَّهُ أَصْلًا لَا مُوسَى (سِفْرُ الْخُرُوجِ ٢٠: ٨)، بَلِ اللهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، أَيْ مُنْذُ أَصْلِ الْعَالَمِ، فِي أَوَّلِ سَبْتٍ فِي الْعَالَمِ هَذَا. وَيُسْتَخْلَصُ الْأَمْرُ ذَاتُهُ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ ١٦: ٢٣ وَالرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ ٤: ٣، كَمَا بَيَّنْتُ هُنَاكَ. هَكَذَا يَقُولُ رِيبِيرَا فِي الْمَوْضِعِ نَفْسِهِ، وَفِيلُونُ، وَكَاثَارِينُوسُ هُنَا. لِذَلِكَ كَانَتْ وَصِيَّةُ السَّبْتِ هَذِهِ إِلَهِيَّةً، لَيْسَتْ طَبِيعِيَّةً بَلْ وَضْعِيَّةً؛ وَمِنْ ثَمَّ نَقَلَ الْمَسِيحُ وَالرُّسُلُ الْعِيدَ مِنَ السَّبْتِ إِلَى يَوْمِ الْأَحَدِ.
الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ لِيَصْنَعَهُ — أَيِ الَّذِي خَلَقَهُ بِالصُّنْعِ، وَبِالْخَلْقِ صَنَعَهُ وَأَتَمَّهُ: فَإِنَّ تَكْرَارَ الْفِعْلِ ذَاتِهِ بِطَرِيقَةِ التَّرَادُفِ، حَيْثُ يُقَالُ «خَلَقَ لِيَصْنَعَ»، يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْعَمَلِ.
الْآيَةُ ٤: هَذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
٤. هَذِهِ مَبَادِئُ (أَيْ مَخْلُوقَاتُ) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. — وَمِنْ ثَمَّ يَتْبَعُ: «حِينَ خُلِقَتْ فِي الْيَوْمِ»، أَيْ فِي كَامِلِ زَمَنِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، الَّتِي تُحُدِّثَ عَنْهَا فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ. هَكَذَا يَقُولُ بِيدَا وَغَيْرُهُ.
تَرْجِعُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَى مَا سَبَقَ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، مُكَوِّنَةً كَأَنَّهَا خَاتِمَةً لَهُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ: وَهَكَذَا كَانَتْ بِالْفِعْلِ أُصُولُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ. وَالْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «تُولِيدُوتْ» مِنَ الْفِعْلِ «يَلَدَ» تَدُلُّ حَقِيقَةً عَلَى «الْأَجْيَالِ»؛ لَكِنْ لِأَنَّ التَّارِيخَ الْعِبْرِيَّ كَانَ يُمْزَجُ عَادَةً بِجَدَاوِلِ الْأَنْسَابِ، فَإِنَّ «تُولِيدُوتْ» بِمَعْنًى أَوْسَعَ تَدُلُّ عَلَى السَّرْدِ وَالتَّارِيخِ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلتَّوَالُدِ. قَارِنْ تَكْوِين ٣٧: ٢.
الْآيَةُ ٥: وَكُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ
٥. وَكُلُّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ. — صِلْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِالْآيَةِ ٤ هَكَذَا: «فِي الْيَوْمِ الَّذِي صَنَعَ فِيهِ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَكُلَّ شَجَرِ الْبَرِّيَّةِ» (وَالْعِبْرِيَّةُ «سِيَاحْ» تَعْنِي شَيْئًا نَابِتًا أَوْ نَامِيًا) «قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ فِي الْأَرْضِ»، أَيْ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَبِقُوَّةِ الْبَذْرِ كَمَا يَنْبُتُ الْآنَ. فَإِنَّمَا يُرِيدُ مُوسَى أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْإِنْتَاجَ الْأَوَّلَ لِلْأَشْجَارِ وَالْفِرْدَوْسِ — الَّذِي يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ تَدْرِيجِيًّا — لَا يُنْسَبُ إِلَى الطَّبِيعَةِ وَلَا إِلَى الْأَرْضِ وَلَا إِلَى الْبَذْرِ، بَلْ إِلَى قُدْرَةِ اللهِ وَعَمَلِهِ. وَيَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ، بِمَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَعْشَابِ وَالْأَشْجَارِ تَنْبُتُ بِتَأْثِيرِ السَّمَاءِ وَبِجُهْدِ الْإِنْسَانِ وَزِرَاعَتِهِ، فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إِنْسَانٌ لِيَزْرَعَ الْأَرْضَ وَيَفْلَحَهَا؛ وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ مَطَرٌ لِيَسْقِيَ الزَّرْعَ.
ثَانِيًا، مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجَمَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ هَكَذَا: فِي الْيَوْمِ (الْأَوَّلِ مِنَ الْعَالَمِ) الَّذِي صَنَعَ فِيهِ اللهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، لَمْ يَكُنْ بَعْدُ (وَهَذَا مَعْنَى «تِيرِمْ»، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٩: ٣٠: «عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَمْ تَخَافُوا بَعْدُ [بِالْعِبْرِيَّةِ تِيرِمْ] الرَّبَّ») أَيُّ شَجَرٍ لِلْبَرِّيَّةِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَيُّ عُشْبٍ لِلْحَقْلِ نَابِتًا، لَكِنْ كَانَ نَبْعٌ يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ.
يُتَرْجِمُ سَعْدِيَا بِالْعَرَبِيَّةِ: وَلَمْ يَكُنْ نَبْعٌ يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ، مُعِيدًا أَدَاةَ النَّفْيِ مِنْ أَعْلَاهُ.
فَإِنَّ اللهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَ أَوَّلًا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَهَذَا النَّبْعَ أَوْ لُجَّةَ الْمِيَاهِ الَّتِي فِي حِضْنِهَا وَبَطْنِهَا — الَّذِي احْتَوَى مِيَاهَ الْمِنْطَقَةِ كُلِّهَا — أَغْرَقَتِ الْأَرْضَ كُلَّهَا بِسَقْيِهَا فِي وَقْتٍ مَا؛ ثُمَّ يَسْرُدُ بِتَوَسُّعٍ أَكْبَرَ كُلَّ شَجَرٍ وَالْأُمُورَ الْأُخْرَى الَّتِي كَانَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا بِاخْتِصَارٍ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ.
الْآيَةُ ٦: وَلَكِنْ كَانَ يَنْبُعُ نَبْعٌ مِنَ الْأَرْضِ
٦. وَلَكِنْ كَانَ نَبْعٌ قَدْ صَعِدَ مِنَ الْأَرْضِ. — قَدْ تَسْأَلُ: مَا هَذَا النَّبْعُ؟
الرَّأْيُ الْأَوَّلُ. أَوَّلًا، أَكِيلَا وَالْكَلْدَانِيُّ وَبَعْضُ الْعِبْرَانِيِّينَ، وَكَذَلِكَ مُولِينَا وَبِيرِيرِيُوسُ وَدِيلْرِيُو، يُتَرْجِمُونَ الْعِبْرِيَّةَ «إِدْ» بِمَعْنَى «بُخَارٍ» — أَيِ الْبُخَارُ الَّذِي جَذَبَتْهُ الشَّمْسُ مِنَ الْأَرْضِ بِقُوَّتِهَا، وَالَّذِي تَكَاثَفَ بَعْدَ ذَلِكَ بِبَرْدِ اللَّيْلِ وَتَحَلَّلَ إِلَى نَدًى وَرُطُوبَةٍ، فَسَقَى الْأَرْضَ وَنَبَاتَاتِهَا فِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ، حَتَّى أَعْطَى اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ أَمْطَارًا لِلْأَرْضِ لِسَقْيِهَا.
هَذَا الْبُخَارُ وَالنَّدَى كَانَا إِذَنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بَدِيلًا عَنِ الْمَطَرِ وَالرُّطُوبَةِ الَّتِي كَانَتِ النَّبَاتَاتُ الْمَخْلُوقَةُ حَدِيثًا تَتَغَذَّى بِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِالْأَيَّامِ الْأُولَى مِنَ الْعَالَمِ أَنْ تَكُونَ صَافِيَةً وَصَحْوَةً.
قَدْ تَسْأَلُ: كَيْفَ يُسَمَّى هَذَا الْبُخَارُ نَبْعًا عِنْدَ مُتَرْجِمِنَا وَعِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ؟ أُجِيبُ: لِأَنَّهُ كَانَ يُغْمِرُ الْأَرْضَ كَالنَّبْعِ. فَهَكَذَا أَرِسْطُو فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ «الْأَرْصَادِ الْجَوِّيَّةِ»، الْفَصْل ١، يُسَمِّي السُّحُبَ الَّتِي تَنْشَأُ مِنَ الْمِيَاهِ وَتَعْتَادُ أَنْ تَعُودَ إِلَى مِيَاهٍ نَهْرًا دَائِرِيًّا دَائِمًا، أَوْ مُحِيطًا، يَجْرِي وَيَطْفُو فِي الْهَوَاءِ.
دَحْضٌ. لَكِنَّ هَذَا الرَّأْيَ يُعَارِضُهُ أَنَّ مُوسَى فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ نَفَى وُجُودَ أَيِّ مَطَرٍ أَوْ رُطُوبَةٍ سَمَاوِيَّةٍ مُمَاثِلَةٍ آنَذَاكَ لِسَقْيِ الْأَرْضِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ «بُخَارٍ» تَسْمِيَةٌ غَيْرُ مُنَاسِبَةٍ جِدًّا لِ«نَبْعٍ»؛ وَالْعِبْرِيَّةُ «إِدْ» لَا تَعْنِي بُخَارًا، بَلْ تَعْنِي بِالْأَحْرَى سَيْلًا مِنَ الْمِيَاهِ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَيُّوبَ ٣٦: ٢٧)، وَمِنْ ثَمَّ كَارِثَةً وَمُصِيبَةً تَغْمُرُ النَّاسَ وَتَبْتَلِعُهُمْ كَالسَّيْلِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ إِرْمِيَا ٤٧: ١٦ وَغَيْرِهِ. لِذَلِكَ يُتَرْجِمُ أُولِيَاسْتِرُ «إِدْ» بِمَعْنَى «فَيَضَانٍ».
الرَّأْيُ الثَّانِي (مُسْتَبْعَدٌ). ثَانِيًا، الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَاب ٥ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْل ٩ وَ١٠: يَقُولُ إِنَّهُ فِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ كَانَ هُنَاكَ حَقِيقَةً نَبْعٌ وَاحِدٌ كَانَ يَفِيضُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَالنِّيلِ فَيَسْقِي نَبَاتَاتِ الْأَرْضِ. لَكِنَّ وُجُودَ نَبْعٍ كَهَذَا يَسْقِي الْأَرْضَ كُلَّهَا بِإِغْرَاقِهَا بِالْكَادِ يُصَدَّقُ.
وَأَبْعَدُ مِنَ التَّصْدِيقِ مَا تُضِيفُهُ الْحَاشِيَةُ بَيْنَ السُّطُورِ مِنْ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا كَانَتْ تُسْقَى بِفَيَضَانِ هَذَا النَّبْعِ حَتَّى زَمَنِ نُوحٍ، بِحَيْثُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَمْطَارٌ قَطُّ فِي الْعَالَمِ قَبْلَ نُوحٍ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ (مُرَجَّحٌ). ثَالِثًا إِذَنْ وَالْأَفْضَلُ، فِي الْمَوْضِعِ ذَاتِهِ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَفِيلُونُ وَالْبَابَا نِيقُولَاوُسُ كَاتِبًا إِلَى الْإِمْبِرَاطُورِ مِيخَائِيلَ: النَّبْعُ، يَقُولُ، أَيِ الْيَنَابِيعُ وَالْجَدَاوِلُ وَالْأَنْهَارُ كَانَتْ تَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ: فَإِنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَة ٩، جُمِعَتْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ كَنَبْعٍ وَاحِدٍ أَوْ أُمٍّ لِلْمِيَاهِ. فَإِنَّ مُوسَى هُنَا يَسْتَعْرِضُ إِجْمَالًا وَيُرَاجِعُ بِعُمُومٍ خَلْقَ الْأَشْيَاءِ الَّذِي كَانَ قَدْ سَرَدَهُ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللهُ وَحْدَهُ فِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ أَنْبَتَ كُلَّ شَجَرٍ فِي كُلِّ مَكَانٍ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا؛ وَأُثْبِتُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ آنَذَاكَ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ إِنْسَانٌ لِيَغْرِسَ هَذِهِ الْأَشْجَارَ، وَلَا مَطَرٌ لِيَسْقِيَهَا؛ وَلَكِنَّ نَبْعًا فَقَطْ، أَيْ أَنْهَارًا وَيَنَابِيعَ مُتَنَوِّعَةً مُنْبَثِقَةً مِنْ مَصْدَرٍ أُمٍّ وَاحِدٍ عَظِيمٍ (تَحَدَّثْتُ عَنْهُ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَة ٩) كَانَتْ تَسْقِي الْأَرْضَ كُلَّهَا هُنَا وَهُنَاكَ. لَكِنَّ هَذِهِ لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ، بِدُونِ مَطَرٍ، أَنْ تُوَفِّرَ الرُّطُوبَةَ لِلْإِنْبَاتِ فِي كُلِّ مَكَانٍ لِلْأَرَاضِي الْبَعِيدَةِ عَنْهَا؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ وَحْدَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَخْرَجَ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارَ.
الرَّأْيُ الرَّابِعُ (الصَّحِيحُ). رَابِعًا، مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِوُضُوحٍ وَرُسُوخٍ أَكْبَرَ هَكَذَا: «نَبْعٌ» بِالْعِبْرِيَّةِ «إِدْ»، أَيْ سَيْلٌ أَوْ فَيَضَانٌ — وَهُوَ تِلْكَ اللُّجَّةُ الْبِدَائِيَّةُ مِنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحَدَّثْتُ عَنْهَا فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَة ٢ — كَانَ يَسْقِي الْأَرْضَ كُلَّهَا وَيُغَطِّيهَا، كَأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا كَانَتْ نَبْعًا وَاحِدًا. فَإِنَّ مُوسَى يُلَخِّصُ هَذَا فَحَسْبُ بِاعْتِبَارِهِ الْأُمَّ الْأُولَى لِكُلِّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا أَنَّهُ قَبْلَ قَلِيلٍ فِي الْآيَةِ ٤ لَخَّصَ خَلْقَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَإِنَّ اللهَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَ أَوَّلًا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَهَذَا النَّبْعَ أَوْ لُجَّةَ الْمِيَاهِ. فَالْمَعْنَى إِذَنْ هُوَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَلُجَّةَ الْمِيَاهِ، فَهُوَ وَحْدَهُ فَصَلَ الْمَاءَ عَنِ الْأَرْضِ وَكَشَفَ الْيَابِسَةَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا النَّبَاتَاتِ وَالْفِرْدَوْسَ وَالْإِنْسَانَ وَسَائِرَ الْأَشْيَاءِ، الَّتِي حَفِظَهَا وَنَشَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَطَرِ وَالنَّدَى. لِذَلِكَ، كَمَا قُلْتُ فِي الْآيَةِ ٥، مِنَ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُكَ أَنْ تُتَرْجِمَ بِوُضُوحٍ وَجَلَاءٍ هَكَذَا: «فِي الْيَوْمِ الَّذِي صَنَعَ فِيهِ اللهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَيُّ شَجَرٍ لِلْبَرِّيَّةِ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَيُّ عُشْبٍ لِلْحَقْلِ نَابِتًا، لَكِنْ نَبْعًا» — أَيْ فَيَضَانًا، وَهُوَ لُجَّةُ الْمِيَاهِ الَّتِي كَانَتْ تَبْدُو كَأَنَّهَا تَخْرُجُ وَتَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ — «كَانَ يَسْقِي الْأَرْضَ كُلَّهَا وَيُغَطِّيهَا.»
الْآيَةُ ٧: وَجَبَلَ الرَّبُّ الْإِلَهُ الْإِنْسَانَ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ
٧. وَجَبَلَ الرَّبُّ الْإِلَهُ الْإِنْسَانَ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي وَجْهِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ، فَصَارَ الْإِنْسَانُ نَفْسًا حَيَّةً. — يُعِيدُ التَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ الصِّيَاغَةَ: فَصَارَ الْإِنْسَانُ نَفْسًا نَاطِقَةً؛ لِأَنَّ النُّطْقَ، شَأْنُهُ شَأْنُ الْعَقْلِ، خَاصٌّ بِالْإِنْسَانِ.
هُنَا يَعُودُ مُوسَى إِلَى عَمَلِ الْيَوْمِ السَّادِسِ، لِيُوَضِّحَ تَكْوِينَ الْإِنْسَانِ بِمَزِيدٍ مِنَ الْجَلَاءِ.
الْعِلَلُ الْخَمْسُ لِلْإِنْسَانِ. لَاحِظْ أَوَّلًا: يُعَيِّنُ مُوسَى هُنَا الْعِلَلَ الْخَمْسَ لِلْإِنْسَانِ. الْعِلَّةُ الْفَاعِلَةُ هِيَ اللهُ. الْمَادَّةُ هِيَ طِينُ الْأَرْضِ، أَيْ تُرَابٌ مَمْزُوجٌ بِالْمَاءِ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ جُثَّةَ الْإِنْسَانِ تَتَحَلَّلُ إِلَى تُرَابٍ وَمَاءٍ، كَعُنْصُرَيْهَا الْمُكَوِّنَيْنِ. الصُّورَةُ هِيَ نَسَمَةُ الْحَيَاةِ. الْمِثَالُ هُوَ اللهُ: إِذِ الْإِنْسَانُ صُورَةُ اللهِ. الْغَايَةُ هِيَ أَنْ يَكُونَ نَفْسًا حَيَّةً، أَيْ كَائِنًا حَيًّا أَوْ حَيَوَانًا، يَعْنِي مُدْرِكًا بِالْحِسِّ، مُتَحَرِّكًا بِذَاتِهِ، عَارِفًا نَفْسَهُ وَالْأَشْيَاءَ الْأُخْرَى، وَمُمَارِسًا جَمِيعَ أَعْمَالِ الْحَيَاةِ (وَهَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ)، وَأَنْ يَسُودَ عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْعَالَمِ بِأَسْرِهِ.
كَيْفَ جُبِلَ آدَمُ؟ لَاحِظْ ثَانِيًا: تَقْرَأُ الْكَلِمَاتُ الْعِبْرِيَّةُ حَرْفِيًّا هَكَذَا: جَبَلَ — صَوَّرَ — اللهُ الْإِنْسَانَ تُرَابًا، أَوْ طِينًا مِنَ الْأَرْضِ. فَالْعِبْرِيُّ يِتْصَرْ وَالْيُونَانِيُّ إِبْلَاسِنْ يَنْتَمِيَانِ فِي الْأَصْلِ إِلَى حِرْفَةِ الْفَخَّارِ وَيُفِيدَانِ مَعْنَى «صَوَّرَ». وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو أَنَّ اللهَ قَدْ شَكَّلَ أَوَّلًا جَسَدَ الْإِنْسَانِ عَلَى هَيْئَةِ تِمْثَالٍ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ (كَمَا يُلَمِّحُ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، وَمِنْهُ القِدِّيسُ تُومَا، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْمَسْأَلَةُ ٩١، الْمَقَالَةُ ٢، الْجَوَابُ عَلَى الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ)، كَمَا يَصْنَعُ النَّحَّاتُونَ تَمَاثِيلَ مِنَ الطِّينِ. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ أَيُّوبُ ١٠: ٩: «اذْكُرْ أَنَّكَ جَبَلْتَنِي كَالطِّينِ.» وَيُشَبِّهُ إِرْمِيَا ١٨: ٢ اللهَ بِالْفَخَّارِيِّ وَالْإِنْسَانَ بِالطِّينِ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا فِي الْحِكْمَةِ ٧: ١ يُدْعَى آدَمُ بْرُوتُوبْلَاسْتُوسْ كَايْ غِيغِينِيسْ — أَيْ «أَوَّلَ الْمَجْبُولِينَ» وَ«الْمَوْلُودَ مِنَ الْأَرْضِ»؛ وَيُسَمِّيهِ الرَّسُولُ فِي ١ كُورِنْثُوسَ ١٥: ٤٧ «مِنَ الْأَرْضِ تُرَابِيًّا».
ثُمَّ أَدْخَلَ اللهُ تَدْرِيجِيًّا فِي هَذَا الْإِنْسَانِ الطِّينِيِّ اسْتِعْدَادَاتِ اللَّحْمِ وَالْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ، وَأَخِيرًا أَدْخَلَ فِيهِ، مَعَ آخِرِ اسْتِعْدَادٍ، الصُّوَرَ الْمُتَبَايِنَةَ لِلْأَجْزَاءِ الْفَرْدِيَّةِ مِنَ الْجَسَدِ؛ وَمَعَهَا نَفَخَ — بِالْخَلْقِ — وَخَلَقَ — بِالنَّفْخِ — النَّفْسَ النَّاطِقَةَ. وَهَكَذَا صَارَ الْإِنْسَانُ كَامِلًا، مُؤَلَّفًا مِنْ جَسَدٍ بَشَرِيٍّ وَنَفْسٍ نَاطِقَةٍ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا فِي الْعِظَةِ ١٢، وَجِنَّادِيُوسُ فِي السِّلْسِلَةِ؛ وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ وَحْدَهُ هَذَا بِذَاتِهِ. وَلِذَلِكَ يُعَلِّمُ القِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَالقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَكِيرِلُّسُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ خُلِقَ مِنَ الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ وَحْدَهُ، دُونَ أَيِّ مُعِينٍ آخَرَ: وَيُسَمُّونَ الرَّأْيَ الْمُخَالِفَ خَطَأً يَهُودِيًّا.
القِدِّيسُ إِكْلِيمَنْضُسُ فِي بُنْيَانِ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ. عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَصِفُ القِدِّيسُ إِكْلِيمَنْضُسُ، فِي الْكِتَابِ الثَّامِنِ مِنَ الِاعْتِرَافَاتِ، بَيَانًا حَيًّا الْبُنْيَةَ الْعَجِيبَةَ وَالْإِلَهِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ وَلِكُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ: «تَأَمَّلْ فِي جَسَدِ الْإِنْسَانِ صُنْعَ الصَّانِعِ: كَيْفَ أَدْخَلَ الْعِظَامَ كَأَعْمِدَةٍ يُسْتَنَدُ عَلَيْهَا اللَّحْمُ وَيُحْمَلُ؛ ثُمَّ كَيْفَ حُفِظَ مِقْدَارٌ مُتَسَاوٍ فِي كُلِّ جَانِبٍ، أَيِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ؛ بِحَيْثُ تُطَابِقُ الْقَدَمُ الْقَدَمَ، وَالْيَدُ الْيَدَ، وَالْأَصَابِعُ الْأَصَابِعَ، فَيَتَّفِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ نَظِيرِهِ فِي مُسَاوَاةٍ تَامَّةٍ. وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ مَعَ الْعَيْنِ، وَالْأُذُنُ مَعَ الْأُذُنِ، وَهُمَا مُتَنَاسِقَتَانِ وَمُتَوَافِقَتَانِ لَيْسَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَحَسْبُ، بَلْ مُلَائِمَتَانِ لِلْاسْتِعْمَالَاتِ الضَّرُورِيَّةِ أَيْضًا. فَالْيَدَانِ صُمِّمَتَا لِتَكُونَا نَافِعَتَيْنِ لِلْعَمَلِ، وَالْقَدَمَانِ لِلْمَشْيِ، وَالْعَيْنَانِ لِخِدْمَةِ الْبَصَرِ تَحْرُسُهُمَا حَرَاسَةُ الْحَاجِبَيْنِ؛ وَالْأُذُنَانِ مُشَكَّلَتَانِ لِلسَّمْعِ بِحَيْثُ تُشْبِهَانِ الصَّنْجَ، فَتُعِيدَانِ صَدَى صَوْتِ الْكَلِمَةِ الْمُتَلَقَّاةِ أَعْلَى، وَتُوصِلَانِهِ إِلَى حِسِّ الْقَلْبِ.»
اسْمَعِ التَّالِيَ، الَّذِي لَا يَقِلُّ إِتْقَانًا وَإِعْجَابًا: «أَمَّا اللِّسَانُ فَبِضَرْبِهِ عَلَى الْأَسْنَانِ يُؤَدِّي وَظِيفَةَ الرِّيشَةِ لِلنُّطْقِ؛ وَالْأَسْنَانُ ذَاتُهَا — بَعْضُهَا لِقَطْعِ الطَّعَامِ وَتَقْسِيمِهِ وَتَمْرِيرِهِ إِلَى الدَّاخِلِيَّةِ، بَيْنَمَا الدَّاخِلِيَّةُ تَطْحَنُهُ وَتَسْحَقُهُ كَالرَّحَى، لِيُطْبَخَ مَا يُسَلَّمُ إِلَى الْمَعِدَةِ بِيُسْرٍ أَكْبَرَ — وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَضْرَاسًا. وَالْمِنْخَرَانِ مَصْنُوعَانِ لِمُرُورِ النَّفَسِ، وَلِإِخْرَاجِ الْهَوَاءِ وَاسْتِقْبَالِهِ، بِحَيْثُ يُشْعَلُ أَوْ يُبَرَّدُ بِتَجْدِيدِ الْهَوَاءِ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ النَّابِعَةُ مِنَ الْقَلْبِ حَسَبَ الْحَاجَةِ، بِوَاسِطَةِ وَظِيفَةِ الرِّئَةِ؛ الَّتِي وُضِعَتْ مُلَاصِقَةً لِلْقَلْبِ لِكَيْ تُلَطِّفَ بِطَرَاوَتِهَا وَتَرْعَى قُوَّةَ الْقَلْبِ الَّتِي يَبْدُو أَنَّ الْحَيَاةَ تَقُومُ فِيهَا — أَقُولُ الْحَيَاةَ لَا النَّفْسَ. إِذْ مَاذَا أَقُولُ عَنْ جَوْهَرِ الدَّمِ الَّذِي كَنَهْرٍ صَادِرٍ مِنْ نَبْعٍ، يُحْمَلُ أَوَّلًا فِي قَنَاةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يُوَزَّعُ عَبْرَ عُرُوقٍ لَا تُحْصَى كَقَنَوَاتِ الرَّيِّ، فَيَسْقِي أَرْضَ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ بِأَكْمَلِهَا بِمَجَارٍ حَيَوِيَّةٍ، بِإِدَارَةِ الْكَبِدِ؛ الَّذِي يَرْقُدُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِأَجْلِ الْهَضْمِ الْفَعَّالِ لِلطَّعَامِ وَتَحْوِيلِهِ إِلَى دَمٍ؟»
مَنْ مِنْ كُلِّ هَذَا لَا يُدْرِكُ بِوُضُوحٍ صُنْعَ الْعَقْلِ وَحِكْمَةَ الْخَالِقِ؟
القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ عَنِ الْجَسَدِ بِوَصْفِهِ عَالَمًا مُصَغَّرًا. وَيَصِفُ خَلْقَ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِبَلَاغَةٍ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ مِنَ الْهِكْسَامِيرُونَ، الْفَصْلِ التَّاسِعِ، حَيْثُ يُعَلِّمُ مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى أَنَّ «بُنْيَةَ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ تُشْبِهُ الْعَالَمَ. فَكَمَا تَعْلُو السَّمَاءُ فَوْقَ الْهَوَاءِ، وَالْبِحَارُ فَوْقَ الْأَرَاضِي — الَّتِي هِيَ كَأَعْضَاءِ الْعَالَمِ — كَذَلِكَ نَرَى الرَّأْسَ يَعْلُو فَوْقَ سَائِرِ أَجْزَاءِ جَسَدِنَا؛ وَفِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ تَسْكُنُ حِكْمَةٌ مَلَكِيَّةٌ. وَمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ، فَالْعَيْنَانِ هُمَا فِي الْإِنْسَانِ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ نَيِّرَانِ لِلْعَالَمِ؛ وَالْعَيْنَانِ تَلْمَعَانِ فِي الْجَسَدِ كَنَجْمَتَيْنِ مِنْ أَعْلَى، وَتُنِيرَانِ الْأَجْزَاءَ السُّفْلَى بِنُورٍ وَاضِحٍ — حَارِسَتَانِ تَسْهَرَانِ لَنَا لَيْلَ نَهَارَ. مَا أَجْمَلَ الشَّعْرَ! وَمَا الْإِنْسَانُ بِدُونِ رَأْسٍ، وَكُلُّهُ فِي رَأْسِهِ؟ جَبْهَتُهُ مَفْتُوحَةٌ تَكْشِفُ بِمَظْهَرِهَا عَنْ حَالِ النَّفْسِ. صُورَةٌ مِنَ الرُّوحِ تَنْطِقُ فِي الْوَجْهِ. وَصَفَّا الْحَاجِبَيْنِ يَمُدَّانِ حِمَايَتَهُمَا عَلَى الْعَيْنَيْنِ وَيُضْفِيَانِ عَلَيْهِمَا جَمَالًا. يَقُولُ الْأَطِبَّاءُ الْعَالِمُونَ إِنَّ دِمَاغَ الْإِنْسَانِ وُضِعَ فِي الرَّأْسِ بِسَبَبِ الْعَيْنَيْنِ. فَالدِّمَاغُ أَصْلُ الْأَعْصَابِ وَجَمِيعِ الْحَوَاسِّ. وَيَعْتَقِدُ أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّ الْقَلْبَ أَصْلُ الشَّرَايِينِ وَالْحَرَارَةِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي تُحْيِي الْأَعْضَاءَ الْحَيَوِيَّةَ وَتُدَفِّئُهَا. وَالْأَعْصَابُ هِيَ كَأَدَاةٍ لِكُلِّ حَاسَّةٍ؛ كَالْأَوْتَارِ وَالْحِبَالِ تَنْشَأُ مِنَ الدِّمَاغِ وَتَتَوَزَّعُ فِي أَجْزَاءِ الْجَسَدِ إِلَى وَظَائِفِهَا الْفَرْدِيَّةِ. وَلِذَلِكَ فَالدِّمَاغُ أَلْيَنُ، لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ جَمِيعَ الْحَوَاسِّ: فَالْأَعْصَابُ تُبَلِّغُهُ كُلَّ مَا رَأَتْهُ الْعَيْنُ، وَسَمِعَتْهُ الْأُذُنُ، وَاسْتَنْشَقَتْهُ حَاسَّةُ الشَّمِّ، وَأَصْدَرَهُ اللِّسَانُ، أَوْ ذَاقَهُ الْفَمُ. وَتَلَافِيفُ الْأُذُنَيْنِ الدَّاخِلِيَّتَيْنِ تُوَفِّرُ إِيقَاعًا وَمِيزَانًا لِلتَّرْنِيمِ. فَمِنْ خِلَالِ الْتِوَاءَاتِ الْأُذُنَيْنِ يَنْشَأُ إِيقَاعٌ مُعَيَّنٌ، وَصَوْتُ الْكَلَامِ الدَّاخِلُ عَبْرَ قَنَوَاتٍ مَخْصُوصَةٍ يُنَطَّقُ وَيُوَضَّحُ. لِمَاذَا أَصِفُ سِيَاجَ الْأَسْنَانِ الَّذِي يُكَسَّرُ بِهِ الطَّعَامُ وَيَكْتَمِلُ بِهِ التَّعْبِيرُ الصَّوْتِيُّ؟ اللِّسَانُ كَرِيشَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَكَيَدٍ لِلْآكِلِ تُقَدِّمُ الطَّعَامَ الْمُنْسَابَ لِلْأَسْنَانِ وَتَخْدِمُهَا. وَالصَّوْتُ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى ضَرْبَةِ مِجْدَافٍ مِنَ الْهَوَاءِ، تَارَةً يُحَرِّكُ وَتَارَةً يُهَدِّئُ مَشَاعِرَ السَّامِعِ. وَهَكَذَا تُمَيَّزُ أَفْكَارُ الْعَقْلِ الصَّامِتَةُ بِكَلَامِ الْفَمِ. فَمَا هُوَ فَمُ الْإِنْسَانِ إِذَنْ، إِلَّا حَرَمٌ لِلْكَلَامِ، وَنَبْعٌ لِلْخِطَابِ، وَقَاعَةٌ لِلْكَلِمَاتِ، وَمُسْتَوْدَعٌ لِلْإِرَادَةِ؟»
ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْأَعْضَاءِ الْأُخْرَى، فَيَقُولُ: «الْيَدُ حِصْنُ الْجَسَدِ كُلِّهِ، وَحَامِيَةُ الرَّأْسِ، تَتَأَلَّقُ فِي الْأَعْمَالِ النَّبِيلَةِ، وَبِهَا نُقَدِّمُ وَنَتَنَاوَلُ وَنُوَزِّعُ الْأَسْرَارَ السَّمَاوِيَّةَ. مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَحَ حَقَّ الشَّرْحِ هَيْكَلَ الصَّدْرِ وَلِينَ الْبَطْنِ؟ وَمَا أَنْفَعَ أَنْ تَكُونَ الرِّئَةُ مُتَّصِلَةً بِالْقَلْبِ بِحَدٍّ قَرِيبٍ، حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَ الْقَلْبُ بِالْغَضَبِ وَالسُّخْطِ، يُعَدَّلَ سَرِيعًا بِدَمِ الرِّئَةِ وَرُطُوبَتِهَا! وَلِذَلِكَ الرِّئَةُ أَلْيَنُ، لِأَنَّهَا رَطْبَةٌ دَائِمًا، لِتُلَيِّنَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ صَلَابَةَ السُّخْطِ. وَلِلطِّحَالِ أَيْضًا جِوَارٌ مُثْمِرٌ مَعَ الْكَبِدِ؛ فَبَيْنَمَا يَأْخُذُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ، يُنَقِّي كُلَّ مَا يَجِدُهُ مِنْ شَوَائِبَ، لِكَيْ تَمُرَّ عَبْرَ أَلْيَافِ الْكَبِدِ الدَّقِيقَةِ بَقَايَا الطَّعَامِ الرَّقِيقَةُ وَالنَّاعِمَةُ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى دَمٍ وَتُسْهِمَ فِي قُوَّةِ الْجَسَدِ. أَمَّا الْتِفَافَاتُ الْأَمْعَاءِ الْمُلْتَفَّةِ، الَّتِي بِلَا عُقْدَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ مُرْتَبِطَةٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ — فَمَاذَا تَدُلُّ عَلَيْهِ إِلَّا عِنَايَةَ الْخَالِقِ الْإِلَهِيَّةَ، لِكَيْ لَا يَمُرَّ الطَّعَامُ سَرِيعًا وَيَنْحَدِرَ حَالًا مِنَ الْمَعِدَةِ! فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ، لَتَوَلَّدَ فِي الْبَشَرِ جُوعٌ دَائِمٌ وَنَهَمٌ مُتَوَاصِلٌ لِلْأَكْلِ.»
وَبَعْدَ كَلَامٍ آخَرَ: «نَبْضُ الْعُرُوقِ رَسُولٌ إِمَّا لِلْمَرَضِ أَوْ لِلصِّحَّةِ؛ وَمَعَ أَنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ، فَلَيْسَتْ عَارِيَةً وَلَا مَكْشُوفَةً، وَمَكْسُوَّةٌ بِأَغْشِيَةٍ رَقِيقَةٍ بِحَيْثُ تَتَوَفَّرُ فُرْصَةُ فَحْصِهَا وَسُرْعَةُ الْإِحْسَاسِ بِهَا، إِذْ لَا غِلَظَ فِي الْأَنْسِجَةِ يُمْكِنُ أَنْ يُخْفِيَ النَّبْضَ. وَجَمِيعُ الْعِظَامِ أَيْضًا مُغَطَّاةٌ بِغِشَاءٍ رَقِيقٍ وَمَرْبُوطَةٌ بِأَوْتَارٍ، وَلَا سِيَّمَا عِظَامُ الرَّأْسِ الْمُغَطَّاةُ بِجِلْدٍ خَفِيفٍ، وَمِنْ ثَمَّ، لِكَيْ يَكُونَ لَهَا بَعْضُ الْوِقَايَةِ مِنَ الظِّلَالِ وَالْبَرْدِ، كُسِيَتْ بِشَعْرٍ أَكْثَفَ. وَمَاذَا أَقُولُ عَنْ خِدْمَةِ الْقَدَمَيْنِ اللَّتَيْنِ تَحْمِلَانِ الْجَسَدَ كُلَّهُ دُونَ أَيِّ ضَرَرٍ مِنَ الْحِمْلِ؟ الرُّكْبَةُ الْمَرِنَةُ الَّتِي بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ يُسْتَرْضَى غَضَبُ الرَّبِّ، لِكَيْ بِاسْمِ يَسُوعَ تَجْثُوَ كُلُّ رُكْبَةٍ. فَثَمَّةَ أَمْرَانِ يُرْضِيَانِ اللهَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ: التَّوَاضُعُ وَالْإِيمَانُ. لِلْإِنْسَانِ قَدَمَانِ؛ فَلِلْوُحُوشِ وَالْبَهَائِمِ أَرْبَعُ أَقْدَامٍ، وَلِلطُّيُورِ اثْنَتَانِ. وَلِذَلِكَ فَالْإِنْسَانُ كَأَحَدِ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ، يَطْلُبُ الْعُلَا بِبَصَرِهِ، وَيُحَلِّقُ بِضَرْبَةِ جَنَاحٍ مِنَ الْأَفْكَارِ السَّامِيَةِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ: يَتَجَدَّدُ كَالنَّسْرِ شَبَابُكَ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى السَّمَاوِيَّاتِ وَأَسْمَى مِنَ النُّسُورِ، هُوَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: سِيرَتُنَا فِي السَّمَاوَاتِ.»
آدَمُ بِالْعِبْرِيَّةِ = التُّرَابُ الْأَحْمَرُ. لَاحِظْ ثَالِثًا: بَدَلَ «طِينِ الْأَرْضِ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ عَفَرْ مِنْ هَاأَدَامَا، أَيْ «تُرَابٌ مِنَ الْأَرْضِ»؛ وَتُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «آخِذًا تُرَابًا مِنَ الْأَرْضِ». لَكِنَّ هَذَا التُّرَابَ، يَقُولُ تِرْتُولِّيَانُوسُ، جَمَّدَهُ اللهُ إِلَى طِينٍ وَنَوْعٍ مِنَ الصَّلْصَالِ بِإِضَافَةِ سَائِلٍ مُمْتَازٍ. فَالتُّرَابُ الْجَافُّ لَا يَصْلُحُ لِلتَّشْكِيلِ: لِذَلِكَ بُلِّلَ هَذَا التُّرَابُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ طِينًا.
آدَمُ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ الْأَحْمَرِ فِي حَبْرُونَ. وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، أَدَامَا (الَّتِي مِنْهَا جُبِلَ وَسُمِّيَ «آدَمَ») تَعْنِي الْأَرْضَ الْحَمْرَاءَ. وَمِنْ ثَمَّ فَتَقْلِيدُ كَثِيرِينَ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنَ التُّرَابِ الْأَحْمَرِ الْمَوْجُودِ فِي حَقْلِ دِمَشْقَ — لَا مَدِينَةِ دِمَشْقَ، بَلْ حَقْلٍ مُعَيَّنٍ سُمِّيَ كَذَلِكَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ حَبْرُونَ. فَالْعِبْرَانِيُّونَ يَرْوُونَ هَذَا، وَمِنْهُمُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي مَسَائِلِهِ الْعِبْرِيَّةِ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلِيرَانُوسُ، وَهُوغُو، وَأَبُولِنْسِيسُ هُنَا، وَفِي الْفَصْلِ ١٣، الْمَسْأَلَةِ ١٣٨، وَبُورْشَارْدُوسُ، وَبْرِيدِنْبَاخِيُوسُ، وَسَالِينْيَاكُوسُ، وَأَدْرِيكُومِيُوسُ فِي وَصْفِهِ لِلْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، تَحْتَ «حَبْرُونَ»؛ حَيْثُ يُشِيرُونَ أَيْضًا إِلَى وَادِي الدُّمُوعِ قُرْبَ حَبْرُونَ، الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّ آدَمَ بَكَى فِيهِ مِئَةَ سَنَةٍ عَلَى مَوْتِ هَابِيلَ. وَيُؤَكِّدُونَ هَذَا مِنْ يَشُوعَ ١٤: ١٥، حَيْثُ يُقَالُ: «وَاسْمُ حَبْرُونَ كَانَ قَبْلًا يُدْعَى قِرْيَةَ أَرْبَعَ. آدَمُ، أَعْظَمُ الْعَنَاقِيِّينَ، دُفِنَ هُنَاكَ.»
لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَصِيلَ لِتِلْكَ الْآيَةِ مُخْتَلِفٌ جِدًّا، كَمَا سَأَقُولُ هُنَاكَ: فَآدَمُ لَمْ يَكُنْ ذَا قَامَةٍ عِمْلَاقِيَّةٍ بَلْ عَادِيَّةٍ؛ وَإِلَّا لَكَانَ مَسْخًا مِنَ الْبَشَرِ. لِذَلِكَ يُخْطِئُ يُوحَنَّا لُوسِيدُوسُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ظَنُّوا أَنَّ آدَمَ كَانَ عِمْلَاقًا. وَلَكِنْ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ: أَنَا شَخْصِيًّا، بِمَعْزِلٍ عَنِ الْعِبْرَانِيِّينَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ أَحْيَانًا إِلَى الْخُرَافَاتِ، أَوَدُّ أَنْ يَكُونَ لِي شَوَاهِدُ قَدِيمَةٌ أُخْرَى عَلَى هَذَا التَّقْلِيدِ.
أَخْلَاقِيًّا، أُرْسِلَ إِرْمِيَا بِحَقٍّ مِنَ اللهِ (وَنَحْنُ مَعَهُ)، فِي الْفَصْلِ ١٨، إِلَى بَيْتِ الْفَخَّارِيِّ، لِيَتَأَمَّلَ أَصْلَهُ وَمَنْشَأَهُ، أَيِ الطِّينَ، لِكَيْ يَتَوَاضَعَ، وَلِكَيْ يَتَعَلَّمَ وَيُعَلِّمَ أَنَّ جَمِيعَ الْبَشَرِ فِي يَدِ اللهِ، كَمَا الطِّينُ فِي يَدِ الْفَخَّارِيِّ. وَبِبَلَاغَةٍ أَجَابَ الْفَيْلَسُوفُ سِكُونْدُوسُ، حِينَ سَأَلَهُ الْإِمْبَرَاطُورُ هَادْرِيَانُوسُ: «مَا الْإِنْسَانُ؟» قَالَ: «عَقْلٌ مُتَجَسِّدٌ، شَبَحُ الزَّمَنِ، حَارِسُ الْحَيَاةِ، عَابِرُ سَبِيلٍ، نَفْسٌ كَادِحَةٌ.» وَيَقُولُ إِبِكْتِيتُوسُ: «الْإِنْسَانُ سِرَاجٌ مَوْضُوعٌ فِي الرِّيحِ، ضَيْفُ مَكَانِهِ، صُورَةُ الشَّرِيعَةِ، حِكَايَةُ الْبَلَاءِ، عَبْدُ الْمَوْتِ.»
نَسَمَةُ الْحَيَاةِ. لَاحِظْ رَابِعًا: «نَسَمَةُ الْحَيَاةِ» لَيْسَتِ الرُّوحَ الْقُدُسَ، كَمَا زَعَمَ فِيلَاسْتِرِيُوسُ فِي فِهْرِسِ الْبِدَعِ، الْفَصْلِ ٩٩، وَقَدْ دَحَضَ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ خَطَأَهُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٢٤؛ بَلْ هِيَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ ذَاتُهَا، الَّتِي فِي الْإِنْسَانِ تَكُونُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ نَبَاتِيَّةً وَحِسِّيَّةً. فَمِنْهَا يَنْشَأُ الشَّهِيقُ وَالزَّفِيرُ، وَهُوَ عَلَامَةٌ وَأَثَرٌ لِلْحَيَاةِ مَعًا؛ وَلِذَلِكَ تُسَمَّى النَّفْسُ بْسِيخِي مِنْ بْسِيخَاتْسُو، أَيْ «أَتَبَرَّدُ»، لِأَنَّنَا نَتَبَرَّدُ بِالتَّنَفُّسِ. وَفِي الْعِبْرِيَّةِ تُسَمَّى نِشَامَا، وَنِفِشْ، مِنَ الْجَذْرِ نَفَشْ، أَيْ «تَنَفَّسَ».
بَدَلَ «حَيَاةٍ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ حَيِّيمْ، أَيْ «حَيَوَاتٍ»، لِأَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ حَيَاةً ثُلَاثِيَّةً: حَيَاةَ النَّبَاتَاتِ، وَحَيَاةَ الْبَهَائِمِ، وَحَيَاةَ الْمَلَائِكَةِ. وَيَقُولُ آخَرُونَ «حَيَوَاتٍ» لِأَنَّ فَتْحَتَيِ الْمِنْخَرَيْنِ اثْنَتَانِ، يُسْتَنْشَقُ مِنْهُمَا الْحَيَاةُ أَيِ الْهَوَاءُ بِالتَّنَفُّسِ. لَكِنَّ الْمِنْخَرَيْنِ لَيْسَا نَسَمَةَ الْحَيَوَاتِ بَلْ وِعَاءَهَا، كَمَا سَأَقُولُ بَعْدَ قَلِيلٍ. وَتُسَمَّى «نَسَمَةَ الْحَيَاةِ» لِأَنَّ التَّنَفُّسَ ضَرُورِيٌّ لِلْحَيَاةِ إِلَى حَدِّ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْيَا لَحْظَةً وَاحِدَةً بِدُونِهِ، يَقُولُ جَالِينُوسُ فِي كِتَابِهِ فِي فَائِدَةِ التَّنَفُّسِ، الْفَصْلِ ١١. وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُ: قَالَ أَسْكْلِيبِيَادِيسُ إِنَّ التَّنَفُّسَ هُوَ تَوْلِيدُ النَّفْسِ؛ وَقَالَ بْرَاكْسَاغُورَاسُ إِنَّهُ لَيْسَ تَوْلِيدَ النَّفْسِ بَلْ تَقْوِيَتُهَا.
النَّفْسُ النَّاطِقَةُ مَخْلُوقَةٌ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ. لَاحِظْ خَامِسًا: مِنْ هَذَا النَّصِّ يَتَّضِحُ أَنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ لَا تُسْتَخْرَجُ مِنَ الْمَادَّةِ، وَلَا هِيَ مِنَ التَّرَادُوسِيَّةِ، أَيْ لَا تُوَلَّدُ وَتُنْقَلُ مِنْ نَفْسِ الْوَالِدِ، كَمَا يَنْشُرُ النُّورُ نُورًا وَيَبُثُّهُ، كَمَا ظَنَّ تِرْتُولِّيَانُوسُ، وَكَمَا شَكَّ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ مِنْ فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلِ ١ وَمَا يَلِيهِ. فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ، كَمَا يُعَلِّمُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَجَمِيعُ الْآبَاءِ الْآخَرِينَ (وَهَذَا هُوَ فَهْمُ الْكَنِيسَةِ)، أَنَّ النَّفْسَ لَا تُخْلَقُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا زَعَمَ السَّلُوقِيُّونَ، بَلْ تُخْلَقُ مِنْ خَارِجٍ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ وَتُنْفَخُ فِي الْكَائِنِ الْبَشَرِيِّ. فَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ كَلِمَةُ «نَفَخَ»، أَوْ كَمَا يَقْرَأُ قُبْرِيَانُوسُ «نَفَخَ فِي الْوَجْهِ»، أَيْ فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ. وَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ: فَمِنَ الْوَجْهِ، الَّذِي تَزْدَهِرُ فِيهِ جَمِيعُ الْعَمَلِيَّاتِ الْحَيَوِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا التَّنَفُّسِ، بِوَصْفِهِ الْجُزْءَ الْأَنْبَلَ، يُفْهَمُ الْجَسَدُ كُلُّهُ.
خَمْسَةُ أَسْبَابٍ لِـ«نَفَخَ». نَفَخَ إِذَنْ، أَوَّلًا، لِيُبَيِّنَ، كَمَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ، أَنَّهُ مِنَ السَّهْلِ عَلَى اللهِ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسًا بِقَدْرِ مَا هُوَ سَهْلٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَنْفُخَ. ثَانِيًا، لِنَفْهَمَ أَنَّ النَّفْسَ لَمْ تُسْتَخْرَجْ مِنَ الْمَادَّةِ، وَلَا هِيَ مِنَ التَّرَادُوسِيَّةِ، كَمَا ظَنَّ تِرْتُولِّيَانُوسُ (الَّذِي لِهَذَا السَّبَبِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّفْسَ، شَأْنَهَا شَأْنَ اللهِ، جِسْمَانِيَّةٌ، بَلْ ذَاتُ شَكْلٍ وَلَوْنٍ، بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَا جِسْمَانِيَّ)، وَكَمَا شَكَّ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ مِنْ فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلِ ١، بَلْ خُلِقَتْ مِنْ خَارِجٍ مِنَ اللهِ. ثَالِثًا، أَنَّ نَفْسَنَا شَيْءٌ إِلَهِيٌّ، كَأَنَّهَا نَفْخَةٌ مِنَ اللهِ — لَا لِتَعْتَقِدَ أَنَّهَا جُزْءٌ مُنْتَزَعٌ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ، كَمَا يَبْدُو أَنَّ إِبِكْتِيتُوسَ قَدْ رَأَى، فِي الْمُحَادَثَاتِ ١، الْفَصْلِ ١٤؛ وَسِينِيكَا، الرِّسَالَةِ ٩٢؛ وَشِيشِرُونَ، الْمُحَاوَرَاتِ التُّوسْكُولِيَّةِ ١ وَفِي الْعِرَافَةِ ١ — بَلْ لِأَنَّ النَّفْسَ هِيَ أَسْمَى مُشَارَكَةٍ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ طَبِيعَتُهَا الرُّوحَانِيَّةُ. رَابِعًا، أَنَّ الشَّهِيقَ وَالزَّفِيرَ ضَرُورِيَّانِ لِلْحَيَاةِ إِلَى حَدٍّ لَا نَسْتَطِيعُ مَعَهُ أَنْ نَحْيَا لَحْظَةً وَاحِدَةً بِدُونِهِمَا؛ وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُ جَالِينُوسُ فِي كِتَابِهِ فِي فَائِدَةِ التَّنَفُّسِ، الْفَصْلِ ١: «قَالَ أَسْكْلِيبِيَادِيسُ إِنَّ التَّنَفُّسَ تَوْلِيدُ النَّفْسِ، وَنِيكَارْخُوسُ تَقْوِيَتُهَا، وَأَبُقْرَاطُ غِذَاؤُهَا.» فَبِالنَّفْخِ إِذَنْ يَخْلُقُ اللهُ الْإِنْسَانَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الْإِنْسَانِ لِإِتْمَامِ الْكَوْنِ، كَمَا لَا يَسْتَغْنِي الْإِنْسَانُ عَنِ التَّنَفُّسِ. وَأَخِيرًا، حِينَ أَوْصَلَ اللهُ نَفْخَتَهُ وَنَفْسَهُ إِلَى الْإِنْسَانِ، أَوْصَلَ ذَاتَهُ، كَأَنَّهُ وَضَعَ قَلْبَهُ فِيهِ.
بَدَلَ «فِي الْوَجْهِ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ بِأَفَّيْوْ، وَيُتَرْجِمُهُ أَكِيلَا وَسِيمَّاخُوسُ إِيسْ مِيكْتِيرَاسْ، أَيْ «فِي الْمِنْخَرَيْنِ»: فَفِي الْمِنْخَرَيْنِ يَنْشَطُ التَّنَفُّسُ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ النَّفْسِ السَّاكِنَةِ فِي الدَّاخِلِ. لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا أَحْسَنَ تَرْجَمَةً بِقَوْلِهِ «فِي الْوَجْهِ»: فَالنَّفْسُ حَاضِرَةٌ وَمُتَأَلِّقَةٌ لَيْسَ فِي الْمِنْخَرَيْنِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي الْوَجْهِ كُلِّهِ، وَبِالتَّالِي فِي الشَّخْصِ كُلِّهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسِ مِنَ الْهِكْسَامِيرُونَ، الْفَصْلِ ٩، إِنَّ بُنْيَةَ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ تُشْبِهُ الْعَالَمَ. فَكَمَا تَعْلُو السَّمَاءُ فَوْقَ الْهَوَاءِ، وَالْبِحَارُ فَوْقَ الْأَرَاضِي الَّتِي هِيَ كَأَعْضَاءِ الْعَالَمِ: كَذَلِكَ نَرَى الرَّأْسَ يَعْلُو فَوْقَ سَائِرِ أَجْزَاءِ جَسَدِنَا، وَهُوَ أَنْبَلُهَا جَمِيعًا، كَالسَّمَاءِ بَيْنَ الْعَنَاصِرِ، كَقَلْعَةٍ بَيْنَ سَائِرِ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ. وَفِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ، يَقُولُ، تَسْكُنُ حِكْمَةٌ مَلَكِيَّةٌ. وَلِذَلِكَ قَالَ سُلَيْمَانُ: «عَيْنَا الْحَكِيمِ فِي رَأْسِهِ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يَقُولُ لَاكْتَانْتِيُوسُ فِي كِتَابِهِ فِي صُنْعِ اللهِ، الْفَصْلِ ٥: فِي قِمَّةِ بُنْيَانِ الْجَسَدِ وَضَعَ اللهُ نَفْسُهُ الرَّأْسَ، الَّذِي فِيهِ يَكُونُ مَقَرُّ حُكْمِ الْكَائِنِ الْحَيِّ بِأَكْمَلِهِ؛ وَقَدْ أُعْطِيَ لَهُ هَذَا الِاسْمَ، كَمَا يَكْتُبُ فَارُّو إِلَى شِيشِرُونَ، لِأَنَّ مِنْ هُنَا تَبْدَأُ الْحَوَاسُّ وَالْأَعْصَابُ.
النَّفْسُ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ. ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ نَفْسَنَا جُزْءٌ مِنَ الْجَوْهَرِ الْإِلَهِيِّ، كَأَنَّهُ يُقَالُ إِنَّ اللهَ هُنَا نَفَخَ، أَيْ أَوْصَلَ جُزْءًا مِنْ نَفْخَتِهِ وَرُوحِهِ وَنَفْسِهِ إِلَى الْإِنْسَانِ. لَكِنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ قَدِيمَةٌ، وَخَطَأُ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ النَّفْسَ «جُزَيْءٌ مِنَ النَّفْخَةِ الْإِلَهِيَّةِ» وَأَبُوسْبَاسْمَا (أَيْ جُزْءٌ مُنْتَزَعٌ) مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ. هَكَذَا رَأَى إِبِكْتِيتُوسُ، الْمُحَادَثَاتِ ١، الْفَصْلِ ١٤؛ وَسِينِيكَا، الرِّسَالَةِ ٩٢؛ وَشِيشِرُونَ، الْمُحَاوَرَاتِ التُّوسْكُولِيَّةِ ١ وَالْكِتَابِ ١ فِي الْعِرَافَةِ. فَ«نَفَخَ» إِذَنْ يَعْنِي أَنَّ اللهَ خَلَقَ النَّفْخَةَ وَالرُّوحَ وَالنَّفْسَ، كَأَثَرٍ لِقُدْرَتِهِ الْكُلِّيَّةِ، مِنَ الْعَدَمِ فِي الْإِنْسَانِ.
سَبْعَةُ تَعْرِيفَاتٍ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يُعَرِّفُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَأُوشِيرِيُوسُ وَلِيرَانُوسُ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ هَكَذَا: «النَّفْسُ نَسَمَةُ حَيَاةٍ عَلَى صُورَةِ اللهِ.» ثَانِيًا، مُؤَلِّفُ كِتَابِ فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ، الْمَوْجُودِ ضِمْنَ مُؤَلَّفَاتِ القِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ، الْمُجَلَّدِ الثَّالِثِ: «النَّفْسُ، يَقُولُ، جَوْهَرٌ غَيْرُ جِسْمَانِيٍّ، شَرِيكَةُ الْعَقْلِ، مُهَيَّأَةٌ لِتَدْبِيرِ الْجَسَدِ.» ثَالِثًا، كَاسِّيُودُورُوسُ: «النَّفْسُ، يَقُولُ، جَوْهَرٌ رُوحَانِيٌّ، خَلَقَهُ اللهُ، مُحْيِيَةٌ لِجَسَدِهَا.» رَابِعًا، سِينِيكَا: «النَّفْسُ، يَقُولُ، رُوحٌ عَقْلِيَّةٌ، مُوَجَّهَةٌ نَحْوَ الطُّوبَى فِي ذَاتِهَا وَفِي الْجَسَدِ.» خَامِسًا، الدِّمَشْقِيُّ: «النَّفْسُ، يَقُولُ، رُوحٌ عَقْلِيَّةٌ، حَيَّةٌ دَائِمًا، مُتَحَرِّكَةٌ دَائِمًا، قَابِلَةٌ لِلْإِرَادَةِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ.» سَادِسًا، مُؤَلِّفُ فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ: «النَّفْسُ، يَقُولُ، مِثَالُ كُلِّ الْأَشْيَاءِ.» سَابِعًا، آخَرُونَ: «النَّفْسُ، يَقُولُونَ، جَوْهَرٌ رُوحَانِيٌّ، بَسِيطٌ لَا يَتَحَلَّلُ، قَابِلٌ لِلتَّأَثُّرِ وَالتَّغَيُّرِ فِي الْجَسَدِ.»
كَمَا مَيَّزَ الْيُونَانِيُّونَ بَيْنَ بْسِيخِي (النَّفْسِ) الَّتِي لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ، وَنُوسْ (الْعَقْلِ) الَّذِي يَخُصُّ الْإِنْسَانَ وَالشَّيَاطِينَ؛ وَكَمَا مَيَّزَ اللَّاتِينُ بَيْنَ أَنِيمَا (النَّفْسِ) وَأَنِيمُوسْ أَوْ مِنْسْ (الْعَقْلِ): كَذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ بِـ«نِشْمَتْ حَيِّيمْ» يَقْصِدُونَ النَّفْسَ الْحَيَوِيَّةَ مَهْمَا كَانَ نَوْعُهَا، وَبِـ«نِفِشْ» النَّفْسَ النَّاطِقَةَ.
الْآيَةُ ٨: وَغَرَسَ الرَّبُّ الْإِلَهُ فِرْدَوْسَ نَعِيمٍ
وَلِكَيْ يَشْتَاقُوا إِلَى الْفِرْدَوْسِ السَّمَاوِيِّ، الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الْأَرْضِيُّ رَمْزًا لَهُ وَصُورَةً عَنْهُ.
وَكَانَ الرَّبُّ الْإِلَهُ قَدْ غَرَسَ فِرْدَوْسَ نَعِيمٍ مِنَ الْبَدْءِ.
«غَرَسَ»، أَيْ زَوَّدَهُ وَزَيَّنَهُ بِالنَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَجَمِيعِ الْمَسَرَّاتِ الَّتِي خَلَقَهَا بِنَفْسِهِ.
أَصْلُ كَلِمَةِ «فِرْدَوْسٍ». فِرْدَوْسًا. — لَاحِظْ: «فِرْدَوْسٌ» لَيْسَتْ كَلِمَةً يُونَانِيَّةً مِنْ بَارَا وَدِيُو، أَيْ «أَسْقِي»، كَمَا يُرِيدُ سُوِيدَاسُ؛ وَلَا كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ مِنْ بَارَا تِنْ دِيَايْتَانْ بُويِيسْثَايْ، أَيْ مِنْ جَمْعِ الْأَعْشَابِ، فَسُمِّيَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هِيَ كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ، يَقُولُ بُولُّوكْسُ، أَوْ بِالْأَحْرَى عِبْرِيَّةٌ: فَـبَرْدِيسْ بِالْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي مَكَانَ الْمَسَرَّةِ، مِنَ الْجَذْرِ بَارَا، أَيْ «أَثْمَرَ»، وَهَدَسْ، أَيْ «آسٌ» — كَأَنَّكَ تَقُولُ: حَدِيقَةُ الْآسِ، أَوْ حَدِيقَةٌ يُثْمِرُ فِيهَا الْآسُ. فَإِنَّ الْآسَ يَفُوقُ سَائِرَ الْأَشْجَارِ فِي عِطْرِهِ وَنَكْهَتِهِ وَمَسَرَّاتِهِ.
الْفِرْدَوْسُ كَانَ فِي عَدْنٍ. نَعِيمٍ. — تَحْتَفِظُ السَّبْعِينِيَّةُ بِالْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ وَتُتَرْجِمُهَا «فِي عَدْنٍ»، وَهُوَ اسْمٌ عَلَمٌ لِمَكَانٍ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَرْفُ الْبَاءِ الْعِبْرِيُّ، أَيْ «فِي»، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ عَدْنَ اسْمُ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ الْفِرْدَوْسُ فِيهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٠ فِي الْعِبْرِيِّ، وَسَيَكُونُ أَوْضَحَ فِيمَا يَلِي. لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا وَسِيمَّاخُوسَ يَأْخُذَانِ عَدْنَ لَا كَاسْمِ عَلَمٍ بَلْ كَاسْمِ جِنْسٍ، وَعِنْدَئِذٍ يَعْنِي «النَّعِيمَ». وَمِنَ الْعِبْرِيِّ «عَدْنٌ» اشْتَقَّ بَعْضُهُمُ الْيُونَانِيَّ هِيدُونِي، أَيِ اللَّذَّةَ. وَيَظُنُّ ثِيُودُورِيطُسُ فِي الْمَسْأَلَةِ ٢٥ أَنَّ آدَمَ جُبِلَ فِي عَدْنٍ وَسُمِّيَ مِنْ عَدْنٍ. فَعَدْنٌ، يَقُولُ، تَعْنِي «أَحْمَرَ». لَكِنَّهُ يُخْطِئُ: فَعَدْنٌ لَا تَعْنِي «أَحْمَرَ» بِالْعِبْرِيَّةِ بَلْ «النَّعِيمَ». وَكَذَلِكَ آدَمُ سُمِّيَ مِنْ أَدَامَا، أَيِ التُّرَابِ الْأَحْمَرِ الَّذِي جُبِلَ مِنْهُ، لَا مِنْ عَدْنٍ: فَآدَمُ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَعَدْنٌ بِالْعَيْنِ.
مِنَ الْبَدْءِ — أَيْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا قُلْتُ فِي الْفَصْلِ ١، الْآيَةِ ١١. لِذَلِكَ يُخْطِئُ مُؤَلِّفُ ٤ عَزْرَا، الْفَصْلِ ٢، الْآيَةِ ٦، الَّذِي يُفَسِّرُهَا بِحَيْثُ يَزْعُمُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ غُرِسَ قَبْلَ الْأَرْضِ. وَتُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ «نَحْوَ الشَّرْقِ»؛ وَمِنْ ثَمَّ يَتَّضِحُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ نَحْوَ الشَّرْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ (فَمُوسَى يَكْتُبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهَكَذَا يُحَدِّدُ جِهَاتِ الْعَالَمِ)، وَأَنَّ الْمِنْطَقَةَ الشَّرْقِيَّةَ كَانَتْ أَوَّلَ مَا بَدَأَ آدَمُ وَالْبَشَرُ يَسْكُنُونَهُ.
وَمِنْ ثَمَّ يُعَلِّمُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ وَالدِّمَشْقِيُّ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنْ فِي الْإِيمَانِ، الْفَصْلِ ١٣، أَنَّ الْمَسِيحِيِّينَ يُصَلُّونَ مُتَّجِهِينَ نَحْوَ الشَّرْقِ، لِكَيْ يَتَذَكَّرُوا الْفِرْدَوْسَ الَّذِي طُرِدُوا مِنْهُ بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ.
مَوْقِعُ الْفِرْدَوْسِ
يُمْكِنُ أَنْ يُسْأَلَ: مَا هُوَ الْفِرْدَوْسُ، وَمَا نَوْعُهُ، وَأَيْنَ هُوَ؟
الرَّأْيُ الْأَوَّلُ. أَوَّلًا، يَظُنُّ أُورِيجَانِيسُ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ هُوَ السَّمَاءُ الثَّالِثَةُ الَّتِي اخْتُطِفَ إِلَيْهَا القِدِّيسُ بُولُسُ؛ وَأَنَّ الْأَشْجَارَ هِيَ الْفَضَائِلُ الْمَلَائِكِيَّةُ؛ وَأَنَّ الْأَنْهَارَ هِيَ الْمِيَاهُ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَبِهَذَا يَقُولُ أَيْضًا فِيلُونُ وَالسَّلُوقِيُّونَ الْهَرَاطِقَةُ، بَلْ وَالقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ. لَكِنَّ القِدِّيسَ إِبِيفَانِيُوسَ وَأُغُسْطِينُوسَ وَإِيرُونِيمُوسَ وَغَيْرَهُمْ يَدِينُونَ هَذَا التَّفْسِيرَ بِاعْتِبَارِهِ هَرْطَقَةً: فَهُوَ يَلْوِي التَّارِيخَ الْوَاضِحَ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ إِلَى أَوْهَامِ الرُّمُوزِ. وَلِذَلِكَ يَجِبُ إِعْذَارُ القِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ فِي أَنَّهُ يَفْتَرِضُ النَّصَّ الْحَرْفِيَّ وَمَعْنَاهُ الْحَرْفِيَّ، وَلَا يَتَتَبَّعُ إِلَّا رَمْزِيَّةَ الْفِرْدَوْسِ.
الرَّأْيُ الثَّانِي. ثَانِيًا، يَظُنُّ آخَرُونَ عِنْدَ هُوغُو الْفِيكْتُورِيِّ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ الْعَالَمَ كُلَّهُ؛ وَأَنَّ النَّهْرَ هُوَ الْمُحِيطُ الَّذِي تَنْبُعُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ الشَّهِيرَةُ. لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا خَطَأٌ؛ فَهَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْفِرْدَوْسِ. وَكَذَلِكَ آدَمُ بَعْدَ خَطِيئَتِهِ طُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ؛ وَلَكِنَّ آدَمَ لَمْ يُطْرَدْ مِنَ الْعَالَمِ: إِذَنِ الْعَالَمُ لَيْسَ الْفِرْدَوْسَ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ. ثَالِثًا، يَرَى آخَرُونَ عِنْدَ مُعَلِّمِ الْأَحْكَامِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْمِيزَةِ ١٧، أَنَّ الْفِرْدَوْسَ مَكَانٌ مَخْفِيٌّ تَمَامًا وَمُرْتَفِعٌ حَتَّى فَلَكِ الْقَمَرِ: هَكَذَا رَأَى رَابَانُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَسْتْرَابُو؛ أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ، كَمَا يَرَى أَبُولِنْسِيسُ وَأَلِكْسَنْدَرُ الْهَالِيسِيُّ، أَنَّ الْفِرْدَوْسَ مُرْتَفِعٌ فَوْقَ الْمِنْطَقَةِ الْوُسْطَى مِنَ الْهَوَاءِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ تَبْلُغْهُ مِيَاهُ الطُّوفَانِ. لَكِنْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَنْ يَكُونَ الْفِرْدَوْسُ عَلَى الْأَرْضِ بَلْ فِي الْهَوَاءِ أَوِ السَّمَاءِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ سَيَكُونُ بَارِزًا جِدًّا وَمَعْرُوفًا، كَمَا تُرَى الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْمُذَنَّبَاتُ مِنَ الْجَمِيعِ.
الرَّأْيُ الرَّابِعُ. رَابِعًا، يَظُنُّ القِدِّيسُ أَفْرَامُ، الْمُسْتَشْهَدُ بِهِ عِنْدَ مُوسَى بَارْ كِيفَا فِي كِتَابِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ، أَنَّ أَرْضَنَا كُلَّهَا مُحَاطَةٌ بِالْمُحِيطِ، وَأَنَّ الْفِرْدَوْسَ يَقَعُ خَلْفَهُ فِي أَرْضٍ أُخْرَى وَعَالَمٍ آخَرَ. لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا خَطَأٌ: فَأَنْهَارُ الْفِرْدَوْسِ الْأَرْبَعَةُ فِي أَرْضِنَا وَعَالَمِنَا.
الرَّأْيُ الْخَامِسُ. خَامِسًا، يَرَى سِيرْفِيلُوسُ الدَّارُوكِيُّ فِي مُفَارَقَاتِهِ، الْمَسْأَلَةِ ١٥، وَأَلْفُونْسُو مِنْ فِيرَا كْرُوثَ فِي كِتَابِهِ فِي السَّمَاءِ، الْقِسْمِ ١٥، أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ فِي فِلَسْطِينَ، قُرْبَ الْأُرْدُنِّ، فِي أَرْضِ سَدُومَ؛ وَيَحْتَجُّونَ بِالتَّكْوِينِ ١٣: ١٠. وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّهُ كَانَ فِي جَزِيرَةِ تَابْرُوبَانَا، وَآخَرُونَ فِي أَمْرِيكَا. لَكِنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ لَيْسَتْ فِي فِلَسْطِينَ وَلَا فِي تَابْرُوبَانَا وَلَا فِي أَمْرِيكَا.
الرَّأْيُ السَّادِسُ. سَادِسًا، يَرَى القِدِّيسُ بُونَافِنْتُورَا وَدُورَانْدُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْمِيزَةِ ١٧، أَنَّ الْفِرْدَوْسَ يَقَعُ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ. فَهُمْ يَفْتَرِضُونَ أَنَّ هُنَاكَ أَعْظَمَ اعْتِدَالٍ فِي الْمُنَاخِ، حَيْثُ تَتَسَاوَى النَّهَارَاتُ دَائِمًا مَعَ اللَّيَالِي. لَكِنَّ هَذَا غَامِضٌ وَغَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِقَدْرِ مَا هُوَ غَيْرُ حَاسِمٍ.
تَتَوَقَّفُ صُعُوبَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى نَهْرَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا الْفِيشُونُ وَالْجِيحُونُ: فَمَنْ عَرَفَهُمَا، اسْتَطَاعَ بِسُهُولَةٍ أَنْ يَتَتَبَّعَ الْفِرْدَوْسَ مِنْهُمَا.
الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ
أَقُولُ أَوَّلًا: رَأْيُ كَثِيرٍ مِنَ الْآبَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ أَنَّ الْجِيحُونَ هُوَ النِّيلُ، وَالْفِيشُونَ هُوَ نَهْرُ الْغَانْجِ. هَكَذَا يَرَى القِدِّيسُ إِبِيفَانِيُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَيُوسِيفُوسُ وَالدِّمَشْقِيُّ وَإِيسِيدُورُسُ وَأُوشِيرِيُوسُ وَرَابَانُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُهُمُ الْقُنَيْمْبْرِيكِيُّونَ فِي شَرْحِهِمْ لِلْأَرْصَادِ الْجَوِّيَّةِ، الْمَبْحَثِ ٩، الْفَصْلِ ١٠، وَرِيبِيرَا عَلَى عَامُوسَ ٦، الرَّقْمِ ٤٤، وَبِلَّارْمِينُوسُ فِي نِعْمَةِ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ، الْفَصْلِ ١٢. وَيُثْبَتُ أَوَّلًا لِأَنَّ السَّبْعِينِيَّةَ فِي إِرْمِيَا ٢: ١٨ تُتَرْجِمُ «جِيحُونَ» بَدَلَ النِّيلِ: وَمِنْ ثَمَّ لَا يَزَالُ الْأَحْبَاشُ حَتَّى الْيَوْمِ يُسَمُّونَ النِّيلَ «غُوِيجُونَ»، بِشَهَادَةِ فْرَانْسِيسْكُو أَلْفَارِيثَ، تَارِيخِ الْحَبَشَةِ، الْفَصْلِ ١٢٢. وَلَكِنْ يُمْكِنُ الرَّدُّ بِأَنَّ جِيحُونَ اسْمٌ لِعِدَّةِ أَنْهَارٍ: فَقُرْبَ أُورُشَلِيمَ أَيْضًا كَانَ جَدْوَلٌ يُسَمَّى جِيحُونَ أَوْ جِيحُونَ (فَهُمَا وَاحِدٌ، إِذْ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ وَاحِدَةٌ: غِيخُونْ)، حَيْثُ مُسِحَ سُلَيْمَانُ مَلِكًا، ١ مُلُوكٍ ١: ٣٣، ٣٨، ٤٥؛ ٢ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ٣٢: ٣٠.
ثَانِيًا، لِأَنَّ الْغَانْجَ يُحِيطُ حَقًّا بِأَرْضِ حَوِيلَةَ، أَيِ الْهِنْدِ (كَمَا يُعَلِّمُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي التَّكْوِينِ ١٠: ٢٩، وَغَيْرُهُ عُمُومًا)، الَّتِي تَقَعُ دَاخِلَ الْغَانْجِ، حَيْثُ أَفْضَلُ الذَّهَبِ؛ بَلْ إِنَّ الْغَانْجَ نَفْسَهُ، بِحَسَبِ بْلِينِيُوسَ، يَحْمِلُ الذَّهَبَ وَالْجَوَاهِرَ. وَيُسَمَّى الْغَانْجُ فِيشُونَ، أَيْ «وَفْرَةً»، مِنَ الْجَذْرِ بُوسْ، أَيْ «يُزْهِرُ، يَتَكَاثَرُ»، لِأَنَّ عَشْرَةَ أَنْهَارٍ كَبِيرَةٍ تَصُبُّ فِي الْغَانْجِ. هَكَذَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ الْآثَارِ، الْفَصْلِ ٢، وَإِيسِيدُورُسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الِاشْتِقَاقَاتِ، الْفَصْلِ ٢١. وَبِالْمِثْلِ، الْجِيحُونُ أَيِ النِّيلُ يُحِيطُ بِالْحَبَشَةِ أَيِ الْأَبِيسِّينِيَا، حَيْثُ يَحْكُمُ الْقَسُّ يُوحَنَّا. وَفَيَضَانُ النِّيلِ أَيْضًا شَهِيرٌ جِدًّا: وَيَنْسُبُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ هَذَا الْفَيَضَانَ بِعَيْنِهِ إِلَى الْجِيحُونِ فِي الْفَصْلِ ٢٤، الْآيَتَيْنِ ٣٥ وَ٣٧.
قَدْ تَقُولُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلْغَانْجِ وَالنِّيلِ، اللَّذَيْنِ هُمَا بَعِيدَانِ جِدًّا عَنْ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، أَنْ يَنْبُعَا مِنَ الْمَنْبَعِ وَالنَّهْرِ نَفْسِهِ لِلْفِرْدَوْسِ كَمَا هُمَا؟ فَالْغَانْجُ يَنْبُعُ مِنْ جَبَلِ الْقَوْقَازِ فِي الْهِنْدِ؛ وَالْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ مِنْ جِبَالِ أَرْمِينِيَا؛ وَالنِّيلُ مِنْ جِبَالِ الْقَمَرِ نَحْوَ رَأْسِ الرَّجَاءِ الصَّالِحِ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى مِنْ بُحَيْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي مَمْلَكَةِ الْكُونْغُو، كَمَا لَاحَظَ الَّذِينَ اسْتَكْشَفُوا تِلْكَ الْأَمَاكِنَ فِي هَذَا الْقَرْنِ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَنَابِعَ مُتَبَاعِدَةٌ جِدًّا بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَبِالتَّالِي عَنْ نَهْرِ الْفِرْدَوْسِ.
هَذِهِ بِالْفِعْلِ صُعُوبَةٌ كَبِيرَةٌ، يُجِيبُ عَنْهَا القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنِ مِنْ فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلِ ٧، مَعَ ثِيُودُورِيطُسَ وَرُوبِرْتُوسَ وَغَيْرِهِمْ، بِأَنَّ الْغَانْجَ وَالنِّيلَ يَنْبُعَانِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ الْأَرْضِيِّ، لَكِنَّهُمَا يَخْتَفِيَانِ فِي أَنْفَاقٍ وَمَجَارٍ تَحْتَ أَرْضِيَّةٍ، حَتَّى يَنْبُعَا فِي الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَهَذَا بِتَدْبِيرِ اللهِ لِإِخْفَاءِ الْفِرْدَوْسِ. بَلْ إِنَّ بَوْسَانِيَاسَ فِي وَصْفِهِ لِكُورِنْثُوسَ، وَفِيلُوسْتْرَاتُوسَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ حَيَاةِ أَبُولُّونِيُوسَ، الْفَصْلِ ١٤، يَقُولَانِ إِنَّ ثَمَّةَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْفُرَاتَ يَخْتَفِي تَحْتَ الْأَرْضِ ثُمَّ يَظْهَرُ فَوْقَ الْحَبَشَةِ فَيَصِيرُ النِّيلَ، وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ جَيِّدًا مَعَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُنَا فِي الْفَصْلِ ٢ الَّذِي يُوحِي بِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ تَنْبُعُ مِنْ مَنْبَعٍ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَغْرَبِ أَنْ يَخْتَفِيَ الْغَانْجُ وَالنِّيلُ هَكَذَا وَيَظْهَرَا بَعِيدًا جِدًّا؛ فَبَحْرُ قَزْوِينَ أَيْضًا يُغَذَّى مِنَ الْمُحِيطِ الْمُتَجَمِّدِ الشَّمَالِيِّ الْبَعِيدِ جِدًّا عَبْرَ مَمَرَّاتٍ تَحْتَ أَرْضِيَّةٍ، كَمَا يُعَلِّمُ القِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَسْتْرَابُو وَبْلِينِيُوسُ وَدِيُونِيسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ فِي مَوْقِعِ الْأَرْضِ. بَلْ يَعْتَقِدُ كَثِيرُونَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْهَارِ وَالْيَنَابِيعِ وَالْمِيَاهِ، حَتَّى الْأَبْعَدَ، تَنْشَأُ مِنَ الْبَحْرِ وَذَلِكَ الْعُمْقِ تَحْتَ الْأَرْضِيِّ، عَبْرَ عُرُوقٍ جَوْفِيَّةٍ، كَمَا قُلْتُ فِي الْفَصْلِ ١، الْآيَةِ ٩. مِنْ هَذَا الْعُمْقِ إِذَنْ نَبَعَ أَوَّلًا نَهْرٌ عَظِيمٌ فِي الْفِرْدَوْسِ؛ فَاللهُ أَرَادَ لِجَمَالِ الْفِرْدَوْسِ أَنْ يَنْبُعَ مِنْهُ كَأُمٍّ لِسَائِرِ الْأَنْهَارِ وَيَتَفَرَّعَ إِلَى هَذِهِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ؛ لَكِنْ بَعْدَ خَطِيئَةِ آدَمَ، أَخْفَى اللهُ هَذَا النَّهْرَ كُلِّيًّا تَحْتَ الْأَرْضِ، أَوْ أَرَادَهُ مَخْفِيًّا، لِيَكُونَ الْفِرْدَوْسُ أَكْثَرَ اسْتِتَارًا.
لَكِنْ يَبْدُو مِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنَّ هَذَا النَّهْرَ الْفِرْدَوْسِيَّ — أَوْ بِالْأَحْرَى الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ — تَخْتَفِي تَحْتَ الْأَرْضِ عَلَى مَسَافَةٍ شَاسِعَةٍ كَهَذِهِ، ثُمَّ تَظْهَرُ فِي أَمَاكِنَ مُتَبَاعِدَةٍ إِلَى هَذَا الْحَدِّ. فَكَمَا يُعَلِّمُ بَطْلَيْمُوسُ، بَيْنَ الْفُرَاتِ وَالْغَانْجِ مَسَافَةُ ٧٠ دَرَجَةً، أَيْ أَكْثَرُ مِنْ ٤٣٠٠ مِيلٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمِثْلُ عَنِ النِّيلِ.
يُثْبَتُ أَنَّ النِّيلَ لَيْسَ الْجِيحُونَ وَلَا الْغَانْجُ الْفِيشُونَ. ثَانِيًا، هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ تَنْبُعُ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمَعْرُوفَةِ بِتَوَاضُعٍ شَدِيدٍ، بِحَيْثُ يَبْدُو فَوْرًا أَنَّهَا تُوَلدُ هُنَاكَ أَوَّلًا، ثُمَّ تَكْبُرُ تَدْرِيجِيًّا بِانْضِمَامِ الْجَدَاوِلِ إِلَيْهَا مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ؛ إِذَنْ لَا تُوَلدُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ الْوَاحِدِ لِلْفِرْدَوْسِ.
ثَالِثًا، لَاحَظَ فِيغَاسُ عَلَى سِفْرِ الرُّؤْيَا، الْفَصْلِ ١١، الْقِسْمِ ٥، وَرِجَالٌ آخَرُونَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ لَا الْهِنْدَ وَلَا الْغَانْجَ وَلَا الْمَنَاطِقَ أَوِ الْأَنْهَارَ الْأُخْرَى الَّتِي وَرَاءَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ تُسَمَّى فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ شَرْقِيَّةً أَوْ شَرْقًا، بَلْ فَقَطْ الَّتِي دُونَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ كَأَرْمِينِيَا وَالْعَرَبِيَّةِ وَبَيْنِ النَّهْرَيْنِ. وَسُكَّانُهَا — أَيِ الْعَرَبُ وَالْأَدُومِيُّونَ وَالْمَدْيَانِيُّونَ وَالْأَرْمَنُ — يُسَمَّوْنَ شَرْقِيِّينَ أَوْ أَبْنَاءَ الشَّرْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْيَهُودِ: وَالْفِرْدَوْسُ كَانَ فِي الشَّرْقِ، كَمَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ.
رَابِعًا، إِذَا كَانَ الْجِيحُونُ هُوَ النِّيلُ وَالْفِيشُونُ هُوَ الْغَانْجُ، فَإِنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ يَشْمُلُ جَمِيعَ الْمَنَاطِقِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَالْغَانْجِ، أَيْ بَابِلَ وَأَرْمِينِيَا وَبَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَسُورِيَا وَمِيدِيَا وَفَارِسَ وَمَنَاطِقَ كَثِيرَةً أُخْرَى. يَقْبَلُ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ، لَكِنْ بِاحْتِمَالٍ ضَعِيفٍ كَمَا يَبْدُو: فَالْفِرْدَوْسُ يُسَمَّى هُنَا حَدِيقَةَ نَعِيمٍ؛ فَمَنْ رَأَى يَوْمًا حَدِيقَةً بِهَذِهِ الضَّخَامَةِ؟
وَمِنْ ثَمَّ يَنْتُجُ أَنَّ الْفِيشُونَ لَيْسَ الْغَانْجَ، وَلَا الْجِيحُونَ النِّيلَ. وَعَلَيْهِ —
الْفِرْدَوْسُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ وَأَرْمِينِيَا. أَقُولُ ثَانِيًا: يَبْدُو أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ قَرِيبًا مِنْ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ وَأَرْمِينِيَا. يُثْبَتُ أَوَّلًا لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ تُسَمَّى شَرْقِيَّةً فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كَمَا قُلْتُ آنِفًا؛ ثَانِيًا لِأَنَّ الْبَشَرَ الْمَطْرُودِينَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ بَدَأُوا أَوَّلًا يَسْكُنُونَ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ، سَوَاءً قَبْلَ الطُّوفَانِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ قَايِنَ الَّذِي سَكَنَ فِي عَدْنٍ، التَّكْوِينِ الْفَصْلِ ٤، الْآيَةِ ١٦، أَوْ بَعْدَ الطُّوفَانِ، بِاعْتِبَارِهَا وَاقِعَةً بِقُرْبِ الْفِرْدَوْسِ وَبِالتَّالِي أَخْصَبَ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ التَّكْوِينِ ٨ وَ١١، الْآيَةِ ٢. ثَالِثًا لِأَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ فِي عَدْنٍ، كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ. وَعَدْنُ كَانَتْ قُرْبَ حَارَانَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ حِزْقِيَالَ ٢٧: ٢٣ وَإِشَعْيَاءَ ٣٧: ١٢. وَحَارَانُ قُرْبَ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ: فَحَارَانُ أَوْ كَارِّهَايْ مَدِينَةٌ لِلْبَارْثِيِّينَ، حَيْثُ قُتِلَ كْرَاسُوسُ. رَابِعًا لِأَنَّ الْفِرْدَوْسَ حَيْثُ يُوجَدُ الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٤ هُنَا؛ وَهُمَا فِي بَيْنِ النَّهْرَيْنِ وَأَرْمِينِيَا: فَالْفُرَاتُ نَهْرُ بَابِلَ، وَالْمِنْطَقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِجْلَةَ تُسَمَّى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ (كَأَنَّكَ تَقُولُ: الْوَاقِعَةُ فِي وَسَطِ نَهْرَيْنِ). خَامِسًا لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَاطِقَ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْخِصْبِ. سَادِسًا لِأَنَّ الْفِرْدَوْسَ لَا يَبْدُو أَنَّهُ كَانَ بَعِيدًا جِدًّا عَنِ الْيَهُودِيَّةِ؛ كَمَا أَنَّ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدًّا عَنِ الْيَهُودِيَّةِ. فَالْآبَاءُ يَرْوُونَ أَنَّ آدَمَ بَعْدَ طَرْدِهِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، وَبَعْدَ تَجْوَالِهِ فِي أَمَاكِنَ عِدَّةٍ، جَاءَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَهُنَاكَ مَاتَ وَدُفِنَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي سَمَّاهُ أَحْفَادُهُ جَبَلَ الْجُلْجُثَةِ، لِأَنَّ رَأْسَ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ كَانَ مَدْفُونًا فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ كَفَّرَ الْمَسِيحُ الْمَصْلُوبُ عَنْ خَطِيئَةِ آدَمَ وَاسْتَغْفَرَهَا. هَكَذَا يَرْوِي أُورِيجَانِيسُ وَقُبْرِيَانُوسُ وَأَثَنَاسِيُوسُ وَبَاسِيلِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ عُمُومًا، بِاسْتِثْنَاءِ القِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ وَحْدَهُ الَّذِي خَالَفَ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ مَتَّى ٢٧: ٣٣.
الْفِيشُونُ وَالْجِيحُونُ. أَقُولُ ثَالِثًا: لَيْسَ مِنَ الثَّابِتِ أَيُّ الْأَنْهَارِ هُمَا الْفِيشُونُ وَالْجِيحُونُ؛ وَلَكِنْ أَنَّهُمَا لَا يَزَالَانِ مَوْجُودَيْنِ وَاضِحٌ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ، الْفَصْلِ ٢٤، الْآيَةِ ٣٥. وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الثَّابِتِ هَلْ تَنْبُعُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ نَهْرِ الْفِرْدَوْسِ؛ أَمْ أَنَّ نَهْرَ الْفِرْدَوْسِ يَصُبُّ فِيهَا فَقَطْ أَوْ يَتَفَرَّعُ إِلَيْهَا. فَمُوسَى يَقُولُ فَقَطْ إِنَّ هَذَا النَّهْرَ يَتَفَرَّعُ إِلَى أَرْبَعَةِ رُؤُوسٍ: وَبِالرُّؤُوسِ الْأَرْبَعَةِ يَعْنِي الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ ذَاتَهَا الَّتِي تُقَسِّمُ هَذَا النَّهْرَ الْوَاحِدَ لِلْفِرْدَوْسِ إِلَى أَرْبَعَةِ فُرُوعٍ أَوْ رُؤُوسٍ، سَوَاءٌ نَبَعَتْ مِنْهُ أَمْ لَا. فَمُوسَى نَفْسُهُ يَبْدُو أَنَّهُ سَيُفَسِّرُهَا هَكَذَا. وَمَعَ ذَلِكَ فَرَأْيُ بِيرِيرِيُوسَ وَأُولِيَاسْتْرُو وَأُوغُوبِينُوسَ وَفَاتَابْلُوسَ هُنَا وَيَانْسِينِيُوسَ فِي الْفَصْلِ ١٤٣ مِنْ تَنْسِيقِ الْأَنَاجِيلِ مُحْتَمَلٌ: وَهُوَ أَنَّ الْفِيشُونَ وَالْجِيحُونَ نَهْرَانِ يَنْشَآنِ مِنِ الْتِقَاءِ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ.
الْفِيشُونُ هُوَ الْفَاسِيتِيغْرِيسُ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَاحِظْ أَنَّ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ فَوْقَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ يَلْتَقِيَانِ أَخِيرًا فِي وَاحِدٍ، ثُمَّ يَتَفَرَّقَانِ مِنْ جَدِيدٍ وَيُغَيِّرَانِ اسْمَهُمَا. فَالْوَاحِدُ الْمُنْحَدِرُ إِلَى الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ يُسَمَّى الْفَاسِيسُ أَوِ الْفَاسِيتِيغْرِيسُ (وَهُوَ الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ الْفِيشُونُ)، الْمَشْهُورُ عِنْدَ كُورْتِيُوسَ وَبْلِينِيُوسَ وَغَيْرِهِمَا؛ وَهَذَا يُحِيطُ بِأَرْضِ حَوِيلَةَ، أَيْ خَوِيلَا، أَيِ الْكُولَاطَائِيِّينَ، الَّذِينَ يَضَعُهُمْ سْتْرَابُو فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ، قُرْبَ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ. أَمَّا الْآخَرُ الْمُتَّجِهُ نَحْوَ الْعَرَبِيَّةِ الصَّحْرَاوِيَّةِ وَالْمَنَاطِقِ الْمُجَاوِرَةِ فَيَبْدُو أَنَّهُ الَّذِي يُسَمَّى هُنَا الْجِيحُونَ: وَهَذَا يُحِيطُ بِالْحَبَشَةِ، لَا حَبَشَةِ الْأَبِيسِّينِيِّينَ الَّتِي تَقَعُ تَحْتَ مِصْرَ، بَلِ الَّتِي حَوْلَ الْعَرَبِيَّةِ. فَفِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يُسَمَّى الْمَدْيَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ السَّاكِنِينَ قُرْبَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ أَوِ الْعَرَبِيِّ أَحْبَاشًا.
الْفِرْدَوْسُ كَانَ عِنْدَ مُلْتَقَى دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الِالْتِقَاءِ يَتَفَرَّقَانِ وَيَنْفَصِلَانِ إِلَى هَذِهِ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ: فَفِي الْأَعْلَى الْفُرَاتُ وَدِجْلَةُ، وَفِي الْأَسْفَلِ الْجِيحُونُ وَالْفَاسِيتِيغْرِيسُ أَيِ الْفِيشُونُ. وَأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ بَعْدَ الْتِقَائِهَا تَتَفَرَّقُ مِنْ جَدِيدٍ وَاضِحٌ بِجَلَاءٍ مِنَ الْخَرَائِطِ الْأَدَقِّ لِجِيرَارْدُو مِيرْكَاتُورَ وَأُورْتِيلِيُوسَ وَغَيْرِهِمَا. فَمِيرْكَاتُورُ فِي خَرِيطَتِهِ الرَّابِعَةِ لِآسِيَا يُبَيِّنُ بِوُضُوحٍ أَنَّ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ يَلْتَقِيَانِ قُرْبَ أَبَامِيَا، وَيَتَفَرَّقَانِ مِنْ جَدِيدٍ قُرْبَ الْمَدِينَةِ الْمُسَمَّاةِ «آسِيَا»، وَيُشَكِّلَانِ جَزِيرَةً كَبِيرَةً نَوْعًا مَا تُسَمَّى تِيرِيدُونَ؛ ثُمَّ يَصُبَّانِ أَخِيرًا مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ وَهُنَاكَ يَنْتَهِيَانِ.
أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ فِي زَمَنِ مُوسَى كَانَتْ أَكْثَرَ تَفَرُّعًا، لِأَنَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ غَيَّرَتْ مَجْرَاهَا وَالْتَقَتْ أَكْثَرَ، كَمَا أَنَّ أَنْهَارًا وَبِحَارًا كَثِيرَةً أُخْرَى غَيَّرَتْ مَوْقِعَهَا وَمَجْرَاهَا مُنْذُ زَمَنِ مُوسَى، كَمَا لَاحَظَ تُورْنِيلُّوسُ. فَأَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ لِلْفِرْدَوْسِ كَانَتْ مُتَفَرِّعَةً بِوُضُوحٍ فِي زَمَنِ مُوسَى يَتَّضِحُ مِنْ أَنَّهُ يَصِفُهَا كَأَرْبَعَةِ أَنْهَارٍ مُنْفَصِلَةٍ وَمَعْرُوفَةٍ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى الْيَهُودِ لِيَعْرِفُوا مِنْهَا أَيْنَ كَانَ الْفِرْدَوْسُ.
أَقُولُ رَابِعًا: حَتَّى لَوْ لَمْ يَثْبُتْ تَحْدِيدًا فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ الْفِرْدَوْسُ، فَمِنَ الْمُؤَكَّدِ إِيمَانِيًّا أَنَّ الْفِرْدَوْسَ كَانَ مَكَانًا جِسْمَانِيًّا، وَاقِعًا فِي جُزْءٍ مِنْ أَرْضِنَا نَحْوَ الشَّرْقِ، كَمَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ. وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ كَانَ فِي غَايَةِ الْبَهْجَةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَذَلِكَ جُزْئِيًّا مِنْ ذَاتِهِ وَمَوْقِعِهِ الطَّبِيعِيِّ، وَجُزْئِيًّا مِنَ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي أَبْعَدَتِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَكُلَّ اخْتِلَالٍ آخَرَ عَنِ الْفِرْدَوْسِ: مَكَانًا، أَقُولُ، لِلْبَشَرِ وَلِسَائِرِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ أَيْضًا.
هَلْ كَانَتْ فِي الْفِرْدَوْسِ حَيَوَانَاتٌ؟ يُنْكِرُ ذَلِكَ الدِّمَشْقِيُّ وَالقِدِّيسُ تُومَا وَأَبُولِنْسِيسُ فِي الْفَصْلِ ١٣، الْمَسْأَلَةِ ٨٧. فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْفِرْدَوْسِ حَيَوَانَاتٌ ذَاتُ أَرْبَعٍ، بَلْ بَشَرٌ فَقَطْ. وَلَكِنَّ أَبُولِنْسِيسَ يَقْبَلُ أَيْضًا وُجُودَ الطُّيُورِ فِي الْفِرْدَوْسِ لِلتَّرْنِيمِ، وَالْأَسْمَاكِ فِي الْأَنْهَارِ. لَكِنَّ آخَرِينَ يُعَلِّمُونَ الْعَكْسَ عُمُومًا، مَعَ القِدِّيسِ بَاسِيلِيُوسَ فِي كِتَابِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ، وَالقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ١١. فَتَنَوُّعُ الْحَيَوَانَاتِ وَجَمَالُهَا جَلَبَا لِلْإِنْسَانِ فِي الْفِرْدَوْسِ سُرُورًا عَظِيمًا. وَكَذَلِكَ مِنَ الثَّابِتِ أَنَّ الْحَيَّةَ كَانَتْ فِي الْفِرْدَوْسِ.
«فِي الْفِرْدَوْسِ، يَقُولُ بَاسِيلِيُوسُ، كَانَتْ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الطُّيُورِ، الَّتِي بِجَمَالِ أَلْوَانِهَا وَمُوسِيقَاهَا الطَّبِيعِيَّةِ وَعُذُوبَةِ تَنَاغُمِهَا أَسْعَدَتِ الْإِنْسَانَ بِشَكْلٍ لَا يُوصَفُ. وَكَانَتْ هُنَاكَ أَيْضًا مَنَاظِرُ لِحَيَوَانَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ. لَكِنَّهَا كَانَتْ كُلُّهَا وَدِيعَةً، مُطِيعَةً لِلْإِنْسَانِ، تَعِيشُ فِيمَا بَيْنَهَا بِوِئَامٍ وَسَلَامٍ، تَسْمَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَنْطِقُ بِمَعْقُولِيَّةٍ. وَالْحَيَّةُ لَمْ تَكُنْ آنَذَاكَ مُرْعِبَةً بَلْ وَدِيعَةً وَأَلِيفَةً، وَلَمْ تَكُنْ تَزْحَفُ مُرَوِّعَةً عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ كَأَنَّهَا تَسْبَحُ، بَلْ كَانَتْ تَمْشِي مُنْتَصِبَةً وَعَالِيَةً وَاقِفَةً عَلَى قَدَمَيْهَا.»
وَلَاحِظْ هُنَا أَنَّ القِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ يَبْدُو أَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيَّةَ فِي الْفِرْدَوْسِ كَانَ لَهَا عَقْلٌ وَكَلَامٌ بَشَرِيٌّ؛ وَكَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّةَ لَمْ تَكُنْ تَزْحَفُ بَلْ تَمْشِي مُنْتَصِبَةً: وَكِلَاهُمَا لَا يَبْدُو مُحْتَمَلًا. وَلَا يَقِلُّ غَرَابَةً مَا يُؤَكِّدُهُ رُوبِرْتُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ فِي الثَّالُوثِ، الْفَصْلَيْنِ ٢٤ وَ٢٩، مِنْ أَنَّ الْمِيَاهَ بِطَبِيعَتِهَا مَالِحَةٌ؛ وَلَكِنْ كَمَا أَنَّ الْكَبِدَ يَنْبُوعُ الدَّمِ، كَذَلِكَ النَّبْعُ — أَيْ نَبْعُ الْفِرْدَوْسِ الْآنَ — مَصْدَرُ جَمِيعِ الْمِيَاهِ الْعَذْبَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ؛ وَبِالتَّالِي فَذَلِكَ النَّبْعُ نَفْسُهُ أَبٌ وَمُنْشِئُ جَمِيعِ النَّبَاتَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْأَطْيَابِ.
هَلْ لَا يَزَالُ الْفِرْدَوْسُ قَائِمًا
يُمْكِنُ أَنْ يُسْأَلَ ثَانِيًا: هَلْ لَا يَزَالُ مَكَانُ الْفِرْدَوْسِ وَبَهَاؤُهُ قَائِمَيْنِ؟ أُجِيبُ: مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ الْمَكَانَ لَا يَزَالُ قَائِمًا، أَمَّا عَنِ الْبَهَاءِ فَغَيْرُ مُؤَكَّدٍ.
يُؤَكِّدُ ذَلِكَ القِدِّيسُ يُوسْتِينُوسُ وَتِرْتُولِّيَانُوسُ وَإِبِيفَانِيُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَالدِّمَشْقِيُّ وَالقِدِّيسُ تُومَا وَأَبُولِنْسِيسُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ فِيغَاسُ أَعْلَاهُ؛ فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ حُفِظَ سَالِمًا مِنَ الطُّوفَانِ فِي زَمَنِ نُوحٍ بِعِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ خَاصَّةٍ. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ مَاءَ الطُّوفَانِ تَجَاوَزَ الْجِبَالَ الْعَادِيَّةَ الْأُخْرَى لِلْبَشَرِ، كَمَا يُقَالُ فِي التَّكْوِينِ الْفَصْلِ ٧، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزِ الْفِرْدَوْسَ؛ أَوْ إِذَا تَجَاوَزَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُفْسِدْهُ، لِأَنَّ هَذَا مَكَانُ الْبَرَاءَةِ الَّذِي يَحْيَا فِيهِ الْآنَ إِيلِيَّا وَأَخْنُوخُ حَيَاةً فِي غَايَةِ الْقَدَاسَةِ وَالسَّكِينَةِ. هَكَذَا يَقُولُ جَمِيعُ الْآبَاءِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِمْ.
وَيُضِيفُ إِيرِينَاوُسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ، الْفَصْلِ ٥، أَنَّ جَمِيعَ أَرْوَاحِ الْأَبْرَارِ تُحْتَجَزُ فِي هَذَا الْفِرْدَوْسِ الْأَرْضِيِّ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ، لِتَدْخُلَ عِنْدَئِذٍ السَّمَاءَ وَتَرَى اللهَ. لَكِنَّ هَذَا خَطَأٌ لِلْأَرْمَنِ أُدِينَ فِي مَجْمَعِ فْلُورَنْسَا.
وَيَرَى آخَرُونَ — وَرُبَّمَا بِاحْتِمَالٍ أَكْبَرَ — أَنَّ الْفِرْدَوْسَ ظَلَّ فِي جَمَالِهِ الْبِكْرِ حَتَّى الطُّوفَانِ: فَحِينَ طَرَدَ اللهُ آدَمَ مِنْهُ، وَضَعَ أَمَامَهُ كَرُوبِيمَ لِحِرَاسَتِهِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ إِنَّ أَخْنُوخَ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ — لَا السَّمَاوِيِّ بَلِ الْأَرْضِيِّ (سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ٤٤: ١٦). لَكِنْ فِي طُوفَانِ نُوحٍ، حِينَ غَمَرَتِ الْمِيَاهُ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَنَةً كَامِلَةً، يَرَى هَؤُلَاءُ أَنْفُسُهُمْ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ أَيْضًا غَمَرَتْهُ تِلْكَ الْمِيَاهُ وَانْتُهِكَ وَدُمِّرَ، وَمُوسَى يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ بِكِفَايَةٍ فِي الْفَصْلِ ٧، الْآيَةِ ١٩. أَضِفْ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ لَا يُمْكِنُ الْعُثُورُ عَلَيْهِ فِي أَيِّ مَكَانٍ الْآنَ، مَعَ أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا، لَا سِيَّمَا حَوْلَ بَيْنِ النَّهْرَيْنِ وَأَرْمِينِيَا، مَعْرُوفَةٌ تَمَامًا وَمَأْهُولَةٌ. هَكَذَا يَرَى أُولِيَاسْتْرُو وَأُوغُوبِينُوسُ وَكَاثَارِينُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَيَانْسِينِيُوسُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهِمْ أَعْلَاهُ، وَفْرَانْسِيسْكُو سُوَارِيثُ (الْجُزْءِ الثَّالِثِ، الْمَسْأَلَةِ ٥٩، الْمَقَالَةِ ٦، الْمُنَاظَرَةِ ٥٥، الْقِسْمِ ١)، وَفِيغَاسُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهِ آنِفًا، وَغَيْرُهُمْ. فَمِيَاهُ الطُّوفَانِ الْمُتَدَفِّقَةُ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ طِوَالَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَالذَّاهِبَةُ وَالرَّاجِعَةُ كَمَا يَقُولُ مُوسَى، سَوَّتْ جَمِيعَ الْأَشْجَارِ وَالْبُيُوتِ وَالْمُدُنِ بَلْ وَالتِّلَالِ أَيْضًا بِالْأَرْضِ، وَأَزَاحَتْ تَقْرِيبًا سَطْحَ الْأَرْضِ بِأَكْمَلِهِ: وَلِذَلِكَ قَلَبَتْ أَيْضًا شَكْلَ الْفِرْدَوْسِ وَجَمَالَهُ.
انْظُرْ هُوِيهْ، فِي مَوْقِعِ الْفِرْدَوْسِ الْأَرْضِيِّ؛ الْأَبُ كَالْمِيه، كِتَابُ فَانْسَ الْمُقَدَّسُ، الْمُجَلَّدُ الْأَوَّلُ؛ وَفَوْقَ الْكُلِّ الْعَمَلُ الْمَكْتُوبُ بِأَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ، مَهْدُ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ عِنْدَ الْهُنُودِ وَالْفُرْسِ وَالْعِبْرَانِيِّينَ، لِلْأَبِ أُوبْرِي، ١٨٥٨.
التَّفْسِيرُ التَّرُوبُولُوجِيُّ. تَرُوبُولُوجِيًّا، الْفِرْدَوْسُ هُوَ النَّفْسُ الْمُزَيَّنَةُ بِكُلِّ تَنَوُّعِ الْأَشْجَارِ، أَيِ الْفَضَائِلِ. وَمِنْ هُنَا قَوْلُ زُرَادَشْتَ: «اطْلُبِ الْفِرْدَوْسَ»، أَيْ جَوْقَةَ الْفَضَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، يَقُولُ بْسِيلُّوسُ. وَمِنَ الْمَصْدَرِ نَفْسِهِ قَوْلُهُ: «النَّفْسُ مُجَنَّحَةٌ؛ وَحِينَ تَسْقُطُ أَجْنِحَتُهَا تَنْدَفِعُ إِلَى الْجَسَدِ؛ ثُمَّ حِينَ تَنْمُو مِنْ جَدِيدٍ تَطِيرُ عَائِدَةً إِلَى الْعُلَا.» وَحِينَ سَأَلَهُ تَلَامِيذُهُ كَيْفَ يَحْصُلُونَ بِأَجْنِحَةٍ حَسَنَةِ الرِّيشِ عَلَى أَرْوَاحٍ مُجَنَّحَةٍ، قَالَ: «اسْقُوا أَجْنِحَتَكُمْ بِمِيَاهِ الْحَيَاةِ.» وَحِينَ سَأَلُوهُ مِنْ جَدِيدٍ أَيْنَ يَجِدُونَ هَذِهِ الْمِيَاهَ، أَجَابَهُمْ بِمَثَلٍ: «فِرْدَوْسُ اللهِ تَغْسِلُهُ أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ وَتَسْقِيهِ: مِنْ هُنَاكَ تَنْهَلُونَ الْمِيَاهَ الْمُنْقِذَةَ. اسْمُ النَّهْرِ الْآتِي مِنَ الشَّمَالِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ؛ وَمِنَ الْغَرْبِ عَلَى الْكَفَّارَةِ؛ وَمِنَ الشَّرْقِ عَلَى النُّورِ؛ وَمِنَ الْجَنُوبِ عَلَى التَّقْوَى.»
التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ. رَمْزِيًّا، يَقُولُ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (الْكِتَابِ ١٣ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٢١) وَأَمْبْرُوسِيُوسُ (كِتَابِ فِي الْفِرْدَوْسِ): الْفِرْدَوْسُ هُوَ الْكَنِيسَةُ؛ وَالْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْأَنَاجِيلُ الْأَرْبَعَةُ؛ وَالْأَشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ هُمُ الْقِدِّيسُونَ؛ وَالثِّمَارُ هِيَ أَعْمَالُ الْقِدِّيسِينَ؛ وَشَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْمَسِيحُ قُدُّوسُ الْأَقْدَاسِ، أَوْ هِيَ الْحِكْمَةُ ذَاتُهَا أُمُّ كُلِّ خَيْرٍ (يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٢٤: ٤١، الْأَمْثَالِ ٣: ١٨)؛ وَشَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ هِيَ الْإِرَادَةُ الْحُرَّةُ، أَوْ خِبْرَةُ تَعَدِّي وَصِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ الْفِرْدَوْسُ هُوَ الْحَيَاةُ الرُّهْبَانِيَّةُ الَّتِي يَزْدَهِرُ فِيهَا التَّوَاضُعُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْقَدَاسَةُ. اسْمَعِ القِدِّيسَ بَاسِيلِيُوسَ فِي كِتَابِهِ، أَوْ بِالْأَحْرَى عِظَتِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ، قُرْبَ النِّهَايَةِ: «لَوْ تَصَوَّرْتَ مَكَانًا لَائِقًا بِالْقِدِّيسِينَ، يَتَمَتَّعُ فِيهِ جَمِيعُ الَّذِينَ تَأَلَّقُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عَلَى الْأَرْضِ بِنِعْمَةِ اللهِ وَيَحْيَوْنَ فِي فَرَحٍ حَقِيقِيٍّ وَرُوحَانِيٍّ، لَمَا ابْتَعَدْتَ عَنْ تَشْبِيهٍ لَائِقٍ بِالْفِرْدَوْسِ.» وَكَذَلِكَ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٦٩ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، مُتَحَدِّثًا عَنْ سَعَادَةِ الرُّهْبَانِ، يُقَارِنُهُمْ بِآدَمَ سَاكِنًا فِي الْفِرْدَوْسِ. انْظُرِ القِدِّيسَ بِرْنَارْدُسَ إِلَى الْإِكْلِيرُوسِ، الْفَصْلِ ٢١، وَهِيرُونِيمُوسُ بْلَاتُوسُ، الْكِتَابِ ٣، فِي خَيْرِ الْحَالَةِ الرُّهْبَانِيَّةِ، الْفَصْلِ ١٩.
التَّفْسِيرُ الْأَنَاغُوجِيُّ. أَنَاغُوجِيًّا، يَقُولُ الْمُؤَلِّفُونَ أَنْفُسُهُمْ: الْفِرْدَوْسُ هُوَ السَّمَاءُ وَحَيَاةُ الطُّوبَاوِيِّينَ؛ وَالْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْفَضَائِلُ الْأَرْبَعُ الرَّئِيسِيَّةُ: أَيِ الْغَانْجُ هُوَ الْحِكْمَةُ، وَالنِّيلُ الِاعْتِدَالُ، وَدِجْلَةُ الشَّجَاعَةُ، وَالْفُرَاتُ الْعَدَالَةُ. انْظُرْ بِيِيرِيُوسُ، الْهِيرُوغْلِيفِيكَا، ٢١.
أَوْ بِالْأَحْرَى، الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ الْمَوَاهِبُ الْأَرْبَعُ لِلْجَسَدِ الْمُمَجَّدِ (سِفْرُ الرُّؤْيَا، الْفَصْلُ الْأَخِيرُ، الْآيَةُ ٢). هَكَذَا الْقِدِّيسَةُ دُورُوثِيَا، حِينَ كَانَتْ تُسَاقُ إِلَى الِاسْتِشْهَادِ مِنَ الْوَالِي فَابْرِيقِيُوسَ، فَرِحَتْ لِأَنَّهَا قَالَتْ إِنَّهَا ذَاهِبَةٌ إِلَى عَرِيسِهَا الَّذِي يَزْدَهِرُ فِرْدَوْسُهُ بِجَمَالِ كُلِّ الْأَزْهَارِ وَالثِّمَارِ. وَحِينَ سَأَلَهَا الْكَاتِبُ ثِيُوفِيلُوسُ سَاخِرًا أَنْ تُرْسِلَ لَهُ بَعْضَ الْوُرُودِ حِينَ تَصِلُ هُنَاكَ، قَالَتْ: «سَأُرْسِلُهَا.» وَبَعْدَ أَنْ قُطِعَ رَأْسُهَا، ظَهَرَ لِثِيُوفِيلُوسَ صَبِيٌّ بِسَلَّةِ وُرُودٍ طَازَجَةٍ — بَلْ فِي فَصْلِ الشِّتَاءِ (إِذِ اسْتُشْهِدَتْ فِي السَّادِسِ مِنْ شُبَاطَ) — وَقَالَ إِنَّ دُورُوثِيَا أَرْسَلَتْهَا لَهُ مِنْ فِرْدَوْسِ عَرِيسِهَا. وَبَعْدَ أَنْ قَدَّمَهَا، اخْتَفَى الصَّبِيُّ عَنِ الْأَنْظَارِ. فَتَحَوَّلَ ثِيُوفِيلُوسُ إِلَى إِيمَانِ الْمَسِيحِ وَنَالَ الشَّهَادَةَ.
الْآيَةُ ٩: كُلُّ شَجَرَةٍ بَهِيَّةِ الْمَنْظَرِ
كُلُّ شَجَرَةٍ بَهِيَّةِ الْمَنْظَرِ وَلَذِيذَةِ الْأَكْلِ. — «وَ» هُنَا بِمَعْنَى «أَوْ»: فَمُوسَى يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فِي الْفِرْدَوْسِ كَانَتْ أَشْجَارٌ جَمِيلَةٌ وَبَهِيجَةٌ كَالْأَرْزِ وَالسَّرْوِ وَالصَّنَوْبَرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، وَكَذَلِكَ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ صَالِحَةٌ لِلْأَكْلِ.
شَجَرَةُ الْحَيَاةِ
وَشَجَرَةُ الْحَيَاةِ أَيْضًا — أَيْ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ. يُسْأَلُ: مَا نَوْعُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَمَا طَبِيعَتُهَا؟
أَقُولُ أَوَّلًا: مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ شَجَرَةً حَقِيقِيَّةً؛ إِذْ يُسَمِّيهَا الْعِبْرَانِيُّونَ «شَجَرَةً»، وَرِوَايَةُ مُوسَى الْبَسِيطَةُ التَّارِيخِيَّةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ. هَكَذَا يَقُولُ جَمِيعُ الْقُدَمَاءِ، خِلَافًا لِأُورِيجَانُوسَ وَأُوغُوبِينُوسَ اللَّذَيْنِ يَظُنَّانِ أَنَّ شَجَرَةَ الْحَيَاةِ كَانَتْ رَمْزِيَّةً، وَأَنَّهَا رَمَزَتْ فَقَطْ إِلَى الْحَيَاةِ وَالْخُلُودِ الْمَوْعُودَيْنِ لِآدَمَ إِنْ أَطَاعَ اللهَ.
أَقُولُ ثَانِيًا: سُمِّيَتْ شَجَرَةَ الْحَيَاةِ لَا لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى الْحَيَاةِ الَّتِي مَنَحَهَا اللهُ لِآدَمَ، كَمَا يُرِيدُ أَرْتُوبُويُوسُ؛ بَلْ «الْحَيَاةِ» تَعْنِي الْمُحْيِيَةَ، سَبَبَ الْحَيَاةِ، حَافِظَةَ الْحَيَاةِ وَمُطِيلَتَهَا، لِأَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ كَانَتْ تَمُدُّ حَيَاةَ آكِلِهَا إِلَى أَطْوَلِ مُدَّةٍ، وَتَحْفَظُهَا مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالشَّيْخُوخَةِ، صَحِيحَةً هَادِئَةً وَسَعِيدَةً. اُنْظُرْ بِيرِيرِيُوسَ وَفَالِيسِيُوسَ، الْفَلْسَفَةُ الْمُقَدَّسَةُ، الْفَصْلُ ٦.
أَرْبَعَةُ آثَارٍ لِلشَّجَرَةِ. أَوَّلًا إِذَنْ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ كَانَتْ سَتَجْعَلُ الْحَيَاةَ طَوِيلَةَ الْعُمْرِ؛ ثَانِيًا، قَوِيَّةً وَمَتِينَةً؛ ثَالِثًا، ثَابِتَةً بِحَيْثُ لَا يَقَعُ الْمَرْءُ أَبَدًا فِي مَرَضٍ أَوْ شَيْخُوخَةٍ؛ رَابِعًا، مُبْتَهِجَةً وَسَعِيدَةً — إِذْ كَانَتْ سَتَطْرُدُ كُلَّ حُزْنٍ وَسَوْدَاءَ.
أَقُولُ ثَالِثًا: هَذِهِ الْقُوَّةُ وَالْفَضِيلَةُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ لَمْ تَكُنْ فَوْقَ طَبِيعِيَّةٍ، وَبِالتَّالِي لَمْ تُنْزَعْ بَعْدَ خَطِيئَةِ آدَمَ، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ بُونَافَنْتُورَا وَغَبْرِيَالُ (فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، التَّمْيِيزُ ١٩)؛ بَلْ كَانَتْ طَبِيعِيَّةً لَهَا، كَمَا أَنَّ قُوَّةَ الشِّفَاءِ مَوْجُودَةٌ فِي ثِمَارٍ وَأَشْجَارٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّهَا تُسَمَّى شَجَرَةَ الْحَيَاةِ مِنْ طَبِيعَتِهَا وَقُوَّتِهَا الْفِطْرِيَّةِ. وَلِذَلِكَ بَقِيَتْ هَذِهِ الْقُوَّةُ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أُبْعِدَ آدَمُ عَنْهَا وَعَنِ الْفِرْدَوْسِ بَعْدَ أَنْ أَخْطَأَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ٢٢. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَهُوغُو وَبِيرِيرِيُوسُ.
لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي الْفِرْدَوْسِ لِيُؤْذِيَ أَوْ يُفْسِدَ الْإِنْسَانَ الْبَاقِيَ فِي الْبَرَاءَةِ. فَضِدَّ فِعْلِ الْعَنَاصِرِ وَاسْتِهْلَاكِ الرُّطُوبَةِ الْجَذْرِيَّةِ، كَانَ لَدَيْهِ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي كَانَتْ سَتُعِيدُ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ بِالْكَامِلِ. وَضِدَّ عُنْفِ الشَّيَاطِينِ، كَانَ لَدَيْهِ حِرَاسَةُ الْمَلَائِكَةِ. وَضِدَّ هُجُومِ الْوُحُوشِ، كَانَ لَدَيْهِ سُلْطَانٌ كَامِلٌ عَلَيْهَا. وَضِدَّ قُوَّةِ بَنِي الْبَشَرِ الْآخَرِينَ، كَانَ لَدَيْهِ الْفِرْدَوْسُ: فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُؤْذِيَ آخَرَ لَسَقَطَتْ عَنْهُ الْبِرُّ وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فَوْرًا، كَمَا حَدَثَ لِآدَمَ. وَضِدَّ تَلَوُّثِ الْهَوَاءِ، كَانَ لَدَيْهِ أَنْسَبُ مُنَاخٍ مُعْتَدِلٍ. وَضِدَّ النَّبَاتَاتِ السَّامَّةِ وَالنِّيرَانِ وَغَيْرِهَا مِمَّا قَدْ يُؤْذِيهِ أَوْ يُغْرِقُهُ بِالصُّدْفَةِ، كَانَ لَدَيْهِ حِكْمَةٌ تَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَبَصِيرَةٌ لِلْحَذَرِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ — وَالَّتِي لَوْ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا لَمَا كَانَ بَرِيئًا بَلْ غَيْرَ حَكِيمٍ وَمُتَهَوِّرًا وَمُذْنِبًا، وَعِنْدَئِذٍ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُصَابَ بِالْأَذَى. وَأَخِيرًا، كَانَتْ حِمَايَةُ اللهِ تُحِيطُ بِهِ وَتَحْرُسُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الضَّارَّةِ.
كَيْفَ كَانَتْ سَتُطِيلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ؟ يُسْأَلُ ثَانِيًا: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ كَانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ سَتُطِيلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ؟ كَثِيرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ ثَمَرَةَ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، بِمُجَرَّدِ تَذَوُّقِهَا وَأَكْلِهَا، كَانَتْ سَتَجْلِبُ الْخُلُودَ لِآكِلِهَا. فَكَمَا أَنَّ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ — كَمَا يَقُولُونَ — كَانَتْ شَجَرَةَ الْمَوْتِ وَأُجْرَةَ الْمَوْتِ، بِحَيْثُ إِنَّهَا بِمُجَرَّدِ تَذَوُّقِهَا جَلَبَتْ ضَرُورَةَ الْمَوْتِ، فَبِالْعَكْسِ كَانَتْ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ ثَوَابَ الطَّاعَةِ الَّذِي كَانَ سَيَنْقُلُ الْبَشَرَ مِنْ حَالَةِ الْفَنَاءِ إِلَى الْخُلُودِ. وَمِنْ هُنَا يَرَى بِلَّارْمِينُوسُ (كِتَابُ نِعْمَةِ الْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ، الْفَصْلُ ١٨) أَنَّ الْبَشَرَ كَانُوا سَيَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ هَذِهِ فَقَطْ عِنْدَمَا يَكُونُونَ عَلَى وَشْكِ الِانْتِقَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ إِلَى حَالَةِ الْمَجْدِ. يُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيوُدُورِيتُوسُ وَإِيرِينَاوُسُ وَرُوبِرْتُوسُ، الَّذِينَ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُهُمْ أَبُولِنْسِيسُ فِي الْفَصْلِ ١٣، حَيْثُ يُعَالِجُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ كُلَّهَا بِالتَّفْصِيلِ.
أَقُولُ أَوَّلًا: مِنَ الْأَرْجَحِ أَنَّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ، بِمُجَرَّدِ تَذَوُّقِهَا، كَانَتْ فِعْلًا سَتُطِيلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ لِزَمَنٍ طَوِيلٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِتَجْعَلَهُ خَالِدًا بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ. وَالسَّبَبُ أَنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ كَانَتْ طَبِيعِيَّةً لِهَذِهِ الثَّمَرَةِ، وَمُتَنَاهِيَةً؛ وَلِذَلِكَ بِفِعْلِ الْحَرَارَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الْمُسْتَمِرِّ فِي الْإِنْسَانِ كَانَتْ سَتُسْتَنْفَدُ فِي النِّهَايَةِ. وَأَيْضًا، هَذِهِ الثَّمَرَةُ، كَأَيِّ ثَمَرَةٍ أُخْرَى، كَانَتْ بِطَبِيعَتِهَا قَابِلَةً لِلْفَسَادِ؛ فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْعَلَ الْإِنْسَانَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْفَسَادِ تَمَامًا، بَلْ فَقَطْ كَانَتْ سَتُطِيلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ عِنْدَ أَكْلِهَا مِرَارًا. هَكَذَا يَرَى سْكُوتُسُ وَدُورَانْدُوسُ وَكَايِيتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ.
أَقُولُ ثَانِيًا: ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ كَانَتْ تُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ كَامِلَ عَافِيَتِهِ: أَوَّلًا، بِتَوْفِيرِ الرُّطُوبَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا؛ ثَانِيًا، بِشَحْذِ الْحَرَارَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي أُضْعِفَتْ بِالْفِعْلِ الْمُسْتَمِرِّ وَالصِّرَاعِ مَعَ أَطْعِمَةٍ أُخْرَى (الَّتِي كَانَ الْإِنْسَانُ سَيَسْتَخْدِمُهَا عَادَةً حَتَّى حِينَئِذٍ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٣ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٢٠)، وَتَقْوِيَتِهَا وَإِعَادَتِهَا إِلَى حَالَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَصِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَكَلَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ عَلَى فَتَرَاتٍ مُحَدَّدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَبَاعِدَةً، لَمَا وَقَعَ فِي الْمَوْتِ وَلَا الشَّيْخُوخَةِ. لِذَلِكَ يُخْطِئُ أَرِسْطُو الَّذِي فِي الْكِتَابِ ٣ مِنَ الْمِيتَافِيزِيقَا، النَّصِّ ١٥، يُعَاتِبُ ضِمْنِيًّا هِيسِيُودَ لِقَوْلِهِ إِنَّ الْآلِهَةَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْأَمْبْرُوسِيَا خَالِدُونَ، بَيْنَمَا الَّذِينَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْهَا فَانُونَ. فَكُلُّ مَا يَتَغَذَّى بِالطَّعَامِ — يَقُولُ أَرِسْطُو — يَشِيخُ بِطَبِيعَتِهِ وَيَتَحَلَّلُ وَيَمُوتُ. لَكِنَّ هَذَا بَاطِلٌ فِي شَجَرَةِ الْحَيَاةِ هَذِهِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا أَرِسْطُو؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ مُوسَى فِي الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ٢٢، يُعَلِّمُ صَرَاحَةً أَنَّ آدَمَ طُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ لِئَلَّا يَعِيشَ إِلَى الْأَبَدِ بِتَذَوُّقِهِ شَجَرَةَ الْحَيَاةِ: إِذَنْ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى إِطَالَةِ الْحَيَاةِ إِلَى الْأَبَدِ.
سَتَعْتَرِضُ: الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ فِي الْإِنْسَانِ تَتَنَاقَصُ تَدْرِيجِيًّا بِالْفِعْلِ الْمُسْتَمِرِّ، وَبِتَأْثِيرِهَا عَلَى ثَمَرَةِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ كَانَتْ سَتَضْعُفُ. لَكِنَّ هَذَا الضَّعْفَ يَبْدُو أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ بِالْغِذَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ إِلَّا بِتَحْوِيلِ الْغِذَاءِ، أَيِ الْمَادَّةِ الْمُغَذِّيَةِ، إِلَى جَوْهَرِ الْجِسْمِ الْمُتَغَذِّي. لَكِنْ عِنْدَئِذٍ يَصِيرُ الْغِذَاءُ مُشَابِهًا لِلْجِسْمِ الْمُتَغَذِّي، وَبِالتَّالِي لَا يَمْلِكُ قُوَّةً أَعْظَمَ مِنَ الْجِسْمِ الْمُتَغَذِّي: فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْلِحَ قُوَاهُ الضَّعِيفَةَ وَالْمُتَنَاقِصَةَ إِصْلَاحًا كَامِلًا.
أُجِيبُ أَوَّلًا: مِنَ الْبَاطِلِ أَنَّ الْغِذَاءَ حِينَ يَتَحَوَّلُ وَيَصِيرُ مُشَابِهًا لِلْجِسْمِ الْمُتَغَذِّي لَا يَمْلِكُ قُوَّةً أَعْظَمَ مِنْهُ. فَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الضُّعَفَاءَ حِينَ يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ يُنْعَشُونَ سَرِيعًا وَيَقْوَوْنَ وَيَتَعَافَوْنَ.
أُجِيبُ ثَانِيًا: ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ هَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ غِذَاءٍ، بَلْ كَانَتْ أَيْضًا دَوَاءً ذَا قُوَّةٍ عَجِيبَةٍ، كَانَ يُنَقِّي الْجِسْمَ وَالْحَرَارَةَ الطَّبِيعِيَّةَ وَيُجَدِّدُهُمَا وَيُقَوِّيهِمَا قَبْلَ تَحَوُّلِهِ إِلَى جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ تِلْكَ الْمَادَّةَ نَفْسَهَا بَعْدَ تَحَوُّلِهَا إِلَى جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ كَانَتْ سَتَحْتَفِظُ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ ذَاتِهَا. وَلِذَلِكَ بِقُوَّتِهَا الطَّبِيعِيَّةِ هَذِهِ، كَانَتْ سَتُصْلِحُ وَتُعِيدُ قُوَى الْإِنْسَانِ الْغِذَائِيَّةَ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ فِعْلُ الْحَرَارَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَضَعْفُهَا بِالطَّعَامِ وَالتَّغْذِيَةِ سَيُنْقِصُهَا. هَكَذَا يَقُولُ لُودُوفِيكُوسُ مُولِينَا.
أَيُّ نَوْعٍ مِنْ خُلُودِ الْحَيَاةِ؟ يُسْأَلُ ثَالِثًا: مَا نَوْعُ هَذَا الْخُلُودِ الَّذِي كَانَ أَكْلُ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ سَيَمْنَحُهُ — مُطْلَقٌ أَمْ مُقَيَّدٌ وَنِسْبِيٌّ؟ يَرَى لُودُوفِيكُوسُ مُولِينَا أَنَّهُ كَانَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ — كَمَا يَقُولُ — كَانَتْ سَتُعِيدُ الْإِنْسَانَ دَائِمًا إِلَى عَافِيَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ. لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنَّ سْكُوتُسَ وَفَالِيسِيُوسَ وَكَايِيتَانُوسَ يَرَوْنَ أَنَّهُ كَانَ مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ كَانَتْ سَتُطِيلُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَعَافِيَتَهُ لِبِضْعَةِ آلَافٍ مِنَ السِّنِينَ، حَتَّى يَنْقُلَهُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْخُلُودِ. فَالْعِبْرَانِيُّونَ، وَفْقًا لِلِاسْتِعْمَالِ الشَّائِعِ، يُسَمُّونَ عُولَام (أَيْ «أَبَدِيًّا») زَمَنًا طَوِيلًا جِدًّا لَا يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ نِهَايَتَهُ؛ اُنْظُرِ الْقَانُونَ ٤. هَكَذَا فِي الْإِصْحَاحِ ٦، الْآيَةِ ٣، يَقُولُ الرَّبُّ: «لَا يَبْقَى رُوحِي فِي الْإِنْسَانِ إِلَى الْأَبَدِ (أَيْ إِلَى الْعُمْرِ الطَّوِيلِ لِلْآبَاءِ الْأَوَّلِينَ)، وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.» وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ لِتُطِيلَ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ. وَالسَّبَبُ أَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُرَكَّبٍ، بِمَا أَنَّهُ يَتَكَوَّنُ مِنْ عَنَاصِرَ مُتَضَادَّةٍ يُحَارِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَهُوَ بِطَبِيعَتِهِ قَابِلٌ لِلْفَسَادِ. وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ اللَّذِيذَةُ الْجَمِيلَةُ كَانَتْ جِسْمًا مُرَكَّبًا: فَكَانَتْ فِي ذَاتِهَا قَابِلَةً لِلْفَسَادِ، وَكَانَتْ سَتَضْعُفُ تَدْرِيجِيًّا وَإِنْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، وَتَفْقِدُ عَافِيَتَهَا الْأَصْلِيَّةَ، وَتَهْلِكُ فِي النِّهَايَةِ — كَمَا أَنَّ أَشْجَارَ الْبَلُّوطِ، رَغْمَ صَلَابَتِهَا الشَّدِيدَةِ، تَهْلِكُ تَدْرِيجِيًّا. فَلَمْ تَكُنْ لِتَحْفَظَ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَسَادِ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ. فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْنَحَ الْإِنْسَانَ مَا لَا تَمْلِكُهُ فِي ذَاتِهَا. وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ مَا قَالَهُ أَرِسْطُو صَحِيحٌ: كُلُّ مَا يَتَغَذَّى بِالطَّعَامِ فَانٍ. ثَانِيًا، لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ يَلْزَمُ أَنَّ آدَمَ، بَعْدَ خَطِيئَتِهِ، لَوْ سُمِحَ لَهُ بِالْبَقَاءِ فِي الْفِرْدَوْسِ وَأَكْلِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، لَعَاشَ إِلَى الْأَبَدِ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ. لَكِنَّ هَذَا يَبْدُو غَيْرَ مَعْقُولٍ، لِأَنَّ حُكْمَ الْمَوْتِ كَانَ قَدْ صَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ طَرْدِهِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، وَلِأَنَّ الْجَسَدَ وَالطَّبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةَ بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ ضَعِيفَانِ وَبَائِسَانِ جِدًّا، وَعُرْضَةٌ لِأَمْرَاضٍ وَرَذَائِلَ وَمَصَائِبَ كَثِيرَةٍ تُنْهِكُ الْقُوَى وَتَقُودُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى الْمَوْتِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَوْتُ لَا مَحَالَةَ فِي النِّهَايَةِ.
سَتَعْتَرِضُ: ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ كَانَتْ سَتُعِيدُ دَائِمًا الْحَرَارَةَ الطَّبِيعِيَّةَ وَالرُّطُوبَةَ الْجَذْرِيَّةَ إِلَى عَافِيَتِهِمَا الْأَصْلِيَّةِ؛ فَكَانَ يُمْكِنُهَا إِذَنْ أَنْ تُطِيلَ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ دَائِمًا وَإِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ، لَوْ أَكَلَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُنَاسِبَةِ.
أُجِيبُ: كَلِمَةُ «دَائِمًا» فِي الْمُقَدِّمَةِ يَجِبُ أَنْ تُؤْخَذَ بِمَعْنًى مُقَيَّدٍ، أَيْ دَائِمًا مَا دَامَتِ الْقُوَّةُ وَالْعَافِيَةُ الْكَامِلَةُ لِشَجَرَةِ الْحَيَاةِ بَاقِيَةً. فَبِشَيْخُوخَةِ الشَّجَرَةِ وَهَلَاكِهَا، كَانَ الْإِنْسَانُ أَيْضًا سَيَشِيخُ وَيَهْلِكُ. فَكَمَا أَنَّ بَعْضَ الْمَعَاجِينِ الْعِلَاجِيَّةِ وَالْأَطْعِمَةِ الْغَنِيَّةِ جِدًّا وَالْمُغَذِّيَةِ تُعِيدُ الرُّطُوبَةَ الْجَذْرِيَّةَ وَالْحَرَارَةَ الطَّبِيعِيَّةَ (خَاصَّةً فِي الشَّبَابِ) بِالْكَامِلِ وَتَرُدُّهُمَا إِلَى قُوَّتِهِمَا — لَكِنْ لِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، أَيْ حَتَّى يَشِيخَ الْإِنْسَانُ أَوْ تَضْعُفَ قُوَّةُ الطَّعَامِ وَعَافِيَتُهُ (فَعِنْدَئِذٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِيدَ قُوَى الْإِنْسَانِ دُونَ أَنْ يَضْعُفَ تَدْرِيجِيًّا وَيَمُوتَ) — هَكَذَا كَانَ الْأَمْرُ أَيْضًا مَعَ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ. بِفَارِقٍ وَاحِدٍ: أَنَّ أَطْعِمَتَنَا وَأَدْوِيَتَنَا تُعِيدُ الْعَافِيَةَ لِلْإِنْسَانِ لِوَقْتٍ قَصِيرٍ فَحَسْبُ، بَيْنَمَا شَجَرَةُ الْحَيَاةِ كَانَتْ سَتَفْعَلُ ذَلِكَ لِزَمَنٍ طَوِيلٍ، لِآلَافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السِّنِينَ. وَعِنْدَ انْقِضَائِهَا كَانَ كِلَا الْإِنْسَانِ وَشَجَرَةِ الْحَيَاةِ سَيَشِيخَانِ وَيَمُوتَانِ. لَكِنَّ اللهَ كَانَ سَيَسْبِقُ هَذِهِ الشَّيْخُوخَةَ وَالْمَوْتَ بِنَقْلِ الْإِنْسَانِ إِلَى السَّمَاءِ وَالْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ. فَبِمَا أَنَّ اللهَ لَمْ يُرِدْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ فِي الْفِرْدَوْسِ إِلَى الْأَبَدِ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، بَلْ لِزَمَنٍ طَوِيلٍ فَقَطْ، فَيَبْدُو أَنَّهُ كَذَلِكَ أَوْدَعَ فِي شَجَرَةِ الْحَيَاةِ قُوَّةَ إِطَالَةِ الْحَيَاةِ لَا إِلَى الْأَبَدِ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، بَلْ لِزَمَنٍ طَوِيلٍ فَحَسْبُ. هَكَذَا يُعَلِّمُ سْكُوتُسُ وَأَتْبَاعُهُ.
الرَّحِيقُ وَالْأَمْبْرُوسِيَا مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ. أَخِيرًا، مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ هَذِهِ اخْتَلَقَ الشُّعَرَاءُ خُرَافَاتِهِمْ، وَابْتَدَعُوا رَحِيقَهُمْ وَأَمْبْرُوسِيَاهُمْ وَنِيبِنْثِيسَهُمْ وَمُولِيَهُمْ، كَأَنَّهَا أَطْعِمَةُ الْآلِهَةِ الَّتِي تَجْعَلُهُمْ خَالِدِينَ وَشَبَابًا دَائِمًا وَسُعَدَاءَ وَمُبَارَكِينَ.
لَاحِظْ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَتَذَوَّقْ ثَمَرَةَ الْحَيَاةِ هَذِهِ، إِذْ بَعْدَ خَلْقِهِ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أَخْطَأَ وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ٢٢.
تَفْسِيرَاتٌ رَمْزِيَّةٌ لِشَجَرَةِ الْحَيَاةِ. رَمْزِيًّا إِذَنْ، كَانَتْ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيرُوغْلِيفِيَّةً لِلْأَبَدِيَّةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا قِيلَ.
بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْمَسِيحُ، الَّذِي يَقُولُ: «أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الْأَغْصَانُ» (يُوحَنَّا ١٥). وَأَيْضًا: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» (يُوحَنَّا ١٤). وَأَيْضًا، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ، الَّذِي انْتَصَبَ فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ — أَيِ الْكَنِيسَةِ — وَيُعْطِي الْحَيَاةَ لِلْعَالَمِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْعَرُوسَ، وَهِيَ تَتُوقُ إِلَى تَسَلُّقِهِ، تَقُولُ فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٧: «أَصْعَدُ إِلَى النَّخْلَةِ وَأُمْسِكُ بِعُذُوقِهَا، الْحُلْوَةِ لِذَوْقِي.» وَشَجَرَةُ الْحَيَاةِ أَخِيرًا هِيَ سِرُّ الْقُرْبَانِ الْمُقَدَّسِ (الْإِفْخَارِسْتِيَّا)، الَّذِي يُعْطِي الْحَيَاةَ لِلنَّفْسِ وَالْجَسَدِ؛ إِذْ بِقُوَّتِهِ سَنَقُومُ إِلَى الْحَيَاةِ الْخَالِدَةِ، وَفْقًا لِقَوْلِ الْمَسِيحِ فِي يُوحَنَّا ٦: «مَنْ يَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ يَحْيَا إِلَى الْأَبَدِ.» هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ، الْكِتَابُ ٤، الْفَصْلُ ٣٤، وَالْكِتَابُ ٥، الْفَصْلُ ٢.
بِالْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْعَذْرَاءُ الطُّوبَاوِيَّةُ، الَّتِي وُلِدَتْ مِنْهَا الْحَيَاةُ — اللهُ الْمُتَأَنِّسُ، الْمَسِيحُ يَسُوعُ. وَالْعَذْرَاءُ نَفْسُهَا، كَمَا يَقُولُ جَرْمَانُوسُ بَطْرِيَرْكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، هِيَ رُوحُ الْمَسِيحِيِّينَ وَحَيَاتُهُمْ. وَأَيْضًا، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْإِنْسَانُ الصِّدِّيقُ، الَّذِي يَصْنَعُ أَعْمَالًا مُقَدَّسَةً تُنْتِجُ حَيَاةَ النِّعْمَةِ وَالْمَجْدِ، وَفْقًا لِلْقَوْلِ: «ثَمَرَةُ الصِّدِّيقِ شَجَرَةُ حَيَاةٍ» (أَمْثَالُ ١١: ٣٠). وَفَوْقَ ذَلِكَ، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الْحِكْمَةُ نَفْسُهَا وَالْفَضِيلَةُ وَالْكَمَالُ، وَفْقًا لِلْقَوْلِ عَنْهَا: «هِيَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ لِمَنْ يَتَمَسَّكُ بِهَا» (أَمْثَالُ ٣: ١٨).
بِالْمَعْنَى الْأُخْرَوِيِّ، شَجَرَةُ الْحَيَاةِ هِيَ الطُّوبَى وَرُؤْيَةُ اللهِ، الَّتِي تَمْنَحُ النَّفْسَ حَيَاةً سَعِيدَةً، وَفْقًا لِلْقَوْلِ: «مَنْ يَغْلِبْ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي فِرْدَوْسِ إِلَهِي» (رُؤْيَا ٢: ٧ وَالْإِصْحَاحُ ٢٢: ٢). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ هُنَاكَ.
شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ
وَشَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. — يُسْأَلُ: مَا نَوْعُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ يَتَخَيَّلُ الْيَهُودُ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ خُلِقَا بِلَا اسْتِخْدَامٍ لِلْعَقْلِ كَالْأَطْفَالِ، وَأَنَّهُمَا نَالَا مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ اسْتِخْدَامَ الْعَقْلِ الَّذِي يُمَيِّزُونَ بِهِ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ.
ثَانِيًا، يَرَى يُوسِيفُوسُ (الْكِتَابُ ١ مِنَ الْآثَارِ، الْفَصْلُ ٢) أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ كَانَتْ تَمْلِكُ قُوَّةَ شَحْذِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتْ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الرَّأْيِ نَفْسِهِ الْأُوفِيتِيُّونَ عِنْدَ أَبِيفَانِيُوسَ (الْبِدْعَةُ ٣٧)؛ وَقَدْ عَبَدُوا الْحَيَّةَ بَدَلًا مِنَ الْمَسِيحِ، لِأَنَّ الْحَيَّةَ كَانَتْ صَاحِبَةَ الْفَضْلِ فِي اكْتِسَابِ الْإِنْسَانِ لِلْمَعْرِفَةِ حِينَ أَقْنَعَتْهُ بِالْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
لَكِنِّي أَقُولُ أَوَّلًا: رَأْيُ رُوبِرْتُوسَ وَتُوسْتَاتُوسَ وَبِيرِيرِيُوسَ مُحْتَمَلٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّجَرَةَ سُمِّيَتْ هُنَا بِالِاسْتِبَاقِ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَقَدْ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ لِأَنَّ الْحَيَّةَ وَعَدَتِ الْإِنْسَانَ، إِنْ أَكَلَ مِنْهَا، بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ — وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذِبًا وَخَدِيعَةً — قَائِلَةً: «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»، وَمِنْ ثَمَّ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ آدَمُ مِنْهَا قَالَ اللهُ سَاخِرًا مِنْهُ: «هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.»
أَقُولُ ثَانِيًا: مِنَ الْأَرْجَحِ أَنَّهَا لَمْ تُسَمَّ فِيمَا بَعْدُ، بَلِ الْآنَ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لِأَنَّ اللهَ كَمَا سَمَّى شَجَرَةَ الْحَيَاةِ، سَمَّى هَذِهِ أَيْضًا بِاسْمِهَا وَعَيَّنَهَا لِآدَمَ — إِذْ لَا يُوجَدُ اسْمٌ آخَرُ لِهَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَيْضًا تُسَمَّى فِي الْآيَةِ ١٧ مِنَ اللهِ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ وَأَخِيرًا لِأَنَّ الْحَيَّةَ يَبْدُو أَنَّهَا خَدَعَتْ حَوَّاءَ بِهَذَا الِاسْمِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: هَذِهِ الشَّجَرَةُ تُسَمَّى شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ فَإِنْ أَكَلْتِ مِنْهَا عَرَفْتِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. فَالْحَيَّةُ وَعَدَتْهَا بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْمَعْرِفَةِ، حَتَّى الْمَعْرِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ اللهُ قَدْ قَصَدَ بِهَذَا الِاسْمِ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا. وَمِنْ هُنَا —
أَقُولُ ثَالِثًا: يَبْدُو أَنَّ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ مِنَ اللهِ، مِنْ قَصْدِ اللهِ فِي تَعْيِينِهَا، وَمِنَ الْحَدَثِ الَّذِي تَلَا ذَلِكَ وَالَّذِي كَانَ اللهُ قَدْ عَلِمَهُ مُسْبَقًا. فَقَدْ قَرَّرَ اللهُ، مِنْ أَجْلِ اخْتِبَارِ طَاعَةِ الْإِنْسَانِ، أَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِ أَكْلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَإِنْ أَطَاعَ الْإِنْسَانُ وَامْتَنَعَ عَنْهَا أَنْ يَزِيدَ بِرَّهُ وَسَعَادَتَهُ وَيَحْفَظَهُمَا؛ وَإِنْ عَصَى وَأَكَلَ مِنْهَا أَنْ يُعَاقِبَهُ بِالْمَوْتِ. فَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ تَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ وَعَرَفَ بِالْخِبْرَةِ مَا كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ قَبْلُ بِالنَّظَرِ فَقَطْ — أَيْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ، بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ — وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: الشَّجَرَةُ الَّتِي مِنْهَا سَيَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ بِالْخِبْرَةِ مَا هُوَ الْخَيْرُ وَمَا هُوَ الشَّرُّ. هَكَذَا التَّرْجُمَ الْكَلْدَانِيُّ، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (مَدِينَةُ اللهِ ١٤: ١٧)، وَثِيوُدُورِيتُوسُ، وَأُوشِيرِيُوسُ، وَكِيرِلُّسُ (ضِدَّ يُولِيَانُوسَ ٣). وَكَذَلِكَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنْ بَرِّيَّةِ فَارَانَ سُمِّيَ «قُبُورَ الشَّهْوَةِ»، لِأَنَّ الَّذِينَ اشْتَهَوُا اللَّحْمَ قُتِلُوا وَدُفِنُوا هُنَاكَ (عَدَدُ ١١: ٣٤).
أَقُولُ رَابِعًا: يَرَى ثِيوُدُورِيتُوسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ وَبَارْكِيفَا وَإِيسِيدُورُوسُ الْبِلُوسِيُّ وَجِنَّادِيُوسُ فِي سِلْسِلَةِ لِيبُومَانُوسَ عَلَى الْإِصْحَاحِ ٣: ٧، أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ كَانَتْ عَلَى الْأَرْجَحِ شَجَرَةَ تِينٍ. فَبَعْدَ أَكْلِهِ مِنْهَا مُبَاشَرَةً، خَاطَ آدَمُ لِنَفْسِهِ لِبَاسًا مِنْ وَرَقِ التِّينِ حِينَ رَأَى نَفْسَهُ عُرْيَانًا، كَمَا وَرَدَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣: ٧. فَمِنَ الشَّجَرَةِ الْأَقْرَبِ وَالْأَدْنَى يَبْدُو أَنَّ آدَمَ الْمُرْتَبِكَ أَخَذَ هَذِهِ الْأَوْرَاقَ وَالسُّتُرَ لِعُرْيِهِ؛ وَلَمْ تَكُنْ شَجَرَةٌ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا لِتَوِّهِ؛ إِذَنْ كَانَتْ شَجَرَةَ تِينٍ.
وَيَظُنُّ آخَرُونَ أَنَّهَا كَانَتْ تُفَّاحَةً أَوْ شَجَرَةً مُثْمِرَةً، إِذْ يُقَالُ فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٨: ٥: «تَحْتَ شَجَرَةِ التُّفَّاحِ أَيْقَظْتُكِ.» لَكِنَّ اسْمَ «التُّفَّاحِ» عَامٌّ لِجَمِيعِ الثِّمَارِ ذَاتِ الْقِشْرَةِ اللَّيِّنَةِ، وَمِنْ ثَمَّ فَالتِّينُ أَيْضًا «تُفَّاحٌ»؛ لَكِنْ فِي هَذَا الْأَمْرِ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِشَيْءٍ.
سِرِّيًّا وَأَخْلَاقِيًّا، كَانَتْ شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ هِيرُوغْلِيفِيَّةً لِلْإِرَادَةِ الْحُرَّةِ، كَمَا قُلْتُ سَابِقًا. فَمِنْ سُوءِ اسْتِخْدَامِهَا تَعَلَّمَ آدَمُ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ شَرُّ الْعِصْيَانِ وَالْخَطِيئَةِ؛ كَمَا أَنَّهُ بِالْعَكْسِ مِنْ حُسْنِ اسْتِخْدَامِهَا تَعَلَّمَ الْقِدِّيسُونَ وَلَا يَزَالُونَ يَتَعَلَّمُونَ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ خَيْرُ الطَّاعَةِ وَحِفْظِ الشَّرِيعَةِ. وَلِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ رَمْزًا لِلطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، كَمَا يُلَمِّحُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْفِرْدَوْسِ، الْفَصْلُ ٦، وَالَّذِي جَمَعَ عَنْهُ بِنِدِكْتُوسُ فِرْنَانْدُوسُ مَادَّةً كَثِيرَةً هُنَا. وَلِهَذَا السَّبَبِ وُضِعَتِ الشَّجَرَةُ فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ، أَيْ فِي أَكْثَفِ غَابَةٍ مِنَ الْأَشْجَارِ الْمُتَرَاصَّةِ، حَيْثُ لَا تَكُونُ دَائِمًا أَمَامَ الْأَعْيُنِ، لِئَلَّا تُغْرِيَ الشَّهِيَّةَ بِاسْتِمْرَارٍ بِثَمَرِهَا الْجَمِيلِ — كَمَا كَانَتْ سَتَفْعَلُ لَوْ وُضِعَتْ وَحْدَهَا عَلَى حَافَّةِ الْأَشْجَارِ، أَوْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، حَيْثُ تَكُونُ ظَاهِرَةً لِلْجَمِيعِ فَتَجْذِبُ أَنْظَارَ الْكُلِّ إِلَيْهَا.
الْآيَةُ ١٠: وَخَرَجَ نَهْرٌ مِنْ مَوْضِعِ النَّعِيمِ
بِالْعِبْرِيَّةِ: «مِنْ عَدَنَ». كَانَ الْفِرْدَوْسُ فِي عَدَنَ؛ هَكَذَا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. وَمُتَرْجِمُنَا [الْفُولْغَاتَا] لَا يَأْخُذُ «عَدَنَ» اسْمَ عَلَمٍ بَلِ اسْمًا عَامًّا، وَحِينَئِذٍ يَعْنِي «نَعِيمًا»؛ هَكَذَا تُتَرْجِمُهَا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ فِي الْآيَةِ ٢٣، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ الْمَكَانُ عَدَنَ لِأَنَّهُ كَانَ بَهِيجًا وَلَذِيذًا لِلْغَايَةِ.
يَهْذِي مُؤَلِّفٌ ذَكِيٌّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ حِينَ يُحَاوِلُ أَنْ يُثْبِتَ، مِنْ حُجَجٍ أُخْرَى وَمِنْ تَشَابُهِ الْأَسْمَاءِ، أَنَّ عَدَنَ وَبِالتَّالِي الْفِرْدَوْسَ كَانَا فِي إِيدِينَ أَوْ هِسْدِينَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ فِي أَرْتُوَا.
لِيَسْقِيَ الْفِرْدَوْسَ — إِمَّا بِالتَّلَوِّي فِي انْحِنَاءَاتٍ وَمُنْعَطَفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَنَهْرِ الْمِيَانْدَرِ؛ أَوْ بِتَرْطِيبِ الْفِرْدَوْسِ عَبْرَ قَنَوَاتٍ خَفِيَّةٍ.
الْآيَاتُ ١١-١٤: الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ
الْآيَةُ ١١: حَوِيلَةُ
كَثِيرُونَ يَرَوْنَ أَنَّهَا الْهِنْدُ؛ لَكِنْ كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٨، حَوِيلَةُ هُنَا هِيَ بِالْأَحْرَى مِنْطَقَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ سُوسِيَانَا وَبَاكْتِرِيَا وَفَارِسَ، تَقَعُ بَيْنَ أَشُّورَ وَفِلَسْطِينَ مُقَابِلَ صُورَ. فَهَكَذَا تُفْهَمُ حَوِيلَةُ فِي ١ مُلُوكٍ ١٥: ٧ وَتَكْوِينَ ٢٥: ١٨؛ وَسُمِّيَتْ كَذَلِكَ مِنْ حَوِيلَةَ ابْنِ يُقْطَانَ، الَّذِي اُنْظُرْ عَنْهُ تَكْوِينَ ١٠: ٢٨.
يُحِيطُ — لَا بِمَعْنَى الدَّوَرَانِ حَوْلَهَا، بَلْ بِمَعْنَى الِانْسِيَابِ خِلَالَهَا وَاجْتِيَازِهَا. فَهَكَذَا يُسْتَعْمَلُ «يُحِيطُ» بِمَعْنَى «يَجْتَازُ» فِي عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٧ وَمَتَّى ٢٣: ٤٥.
يَبْدُو أَنَّ فِيشُونَ هُوَ النَّهْرُ نَفْسُهُ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْيُونَانِيُّونَ وَالْجُغْرَافِيُّونَ الْقُدَمَاءُ فَاسِيسَ، وَيُعْرَفُ الْآنَ بِالْأَرَاسِ أَوِ الْأَرَاكْسَ. يَنْبُعُ مِنَ الْجُزْءِ الشَّمَالِيِّ مِنْ جِبَالِ أَرْمِينِيَا، وَيَلْتَقِي بِنَهْرِ كُورِ، وَبَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ اسْمَهُ يَصُبُّ فِي بَحْرِ قَزْوِينَ. وَحَوِيلَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا يَجِبُ بِلَا شَكٍّ أَنْ تُمَيَّزَ عَنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَةِ فِي تَكْوِينَ ١٠: ٧ وَعَنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِصْحَاحِ نَفْسِهِ الْآيَةِ ٢٩. فَكِلْتَاهُمَا كَانَتْ فِي الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ. لِذَلِكَ نُفَضِّلُ اتِّبَاعَ الرَّأْيِ الَّذِي طَرَحَهُ مِيخَائِيلِيسُ فِي مُلْحَقِهِ لِلْمُعْجَمِ الْعِبْرِيِّ، الْجُزْءُ ٣، رَقْمُ ٦٨٨. فَفِي جِوَارِ نَهْرِ الْأَرَاكْسَ، الَّذِي كَمَا قُلْنَا يَخْتَلِطُ بِنَهْرِ كُورُوسَ وَيَصُبُّ فِي بَحْرِ قَزْوِينَ، يُوجَدُ شَعْبٌ وَمِنْطَقَةٌ يَتَوَافَقُ اسْمُهُمَا إِلَى حَدٍّ مَا مَعَ اسْمِ حَوِيلَةَ. وَبَحْرُ قَزْوِينَ نَفْسُهُ يُسَمَّى خْفَالِينْسْكُويِي مُورِي، مِنْ شَعْبٍ قَدِيمٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ جَيِّدًا هُمُ الْخْفَالِيسْكِيُّونَ، الَّذِينَ سَكَنُوا قَدِيمًا حَوْلَ هَذَا الْبَحْرِ — كَمَا يَقُولُ مُولَرُوسُ — وَاسْمُهُمْ مُشْتَقٌّ مِنْ خْفَالَا، بِنَفْسِ مَعْنَى سْلَافَا. — عَنْ فِيشُونَ وَجِيحُونَ اُنْظُرْ أُوبْرِي، الْمَرْجِعَ الْمَذْكُورَ؛ هَانِبِرْغُ، تَارِيخُ الْوَحْيِ الْكِتَابِيِّ، الْكِتَابُ ١، الْفَصْلُ ٢، ص. ١٦ وَمَا بَعْدَهَا.
الْآيَةُ ١٢: الْمُقْلُ
هُوَ نَوْعٌ مِنَ الصَّمْغِ أَوِ الرَّاتِينَجِ الشَّفَّافِ الَّذِي يَقْطُرُ مِنْ شَجَرَةٍ سَوْدَاءَ بِحَجْمِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ، ذَاتِ أَوْرَاقٍ كَالْبَلُّوطِ، وَثَمَرٍ وَطَبِيعَةٍ كَالتِّينِ الْبَرِّيِّ. هَكَذَا بِلِينِيُوسُ، الْكِتَابُ ١٢، الْفَصْلُ ٩، وَدِيُوسْقُورِيدِسُ، الْكِتَابُ ١، الْفَصْلُ ٦٩. وَأَفْضَلُ الْمُقْلِ هُوَ الْبَاكْتِرِيَانِيُّ. وَلِلْمُقْلِ بِالْعِبْرِيَّةِ «بَدُولَحُ»، الَّذِي يُتَرْجِمُهُ فَاتَابْلُوسُ وَأُوغُوبِينُوسُ «لُؤْلُؤًا»؛ وَالتَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ تُتَرْجِمُهُ أَنْثْرَاكْسُ، أَيْ «يَاقُوتًا أَحْمَرَ». وَالْمُتَرْجِمُونَ أَنْفُسُهُمْ فِي عَدَدِ ١١: ٧ يُتَرْجِمُونَهُ «بِلَّوْرًا». لَكِنَّ أَنَّ بَدُولَحُ هُوَ الْمُقْلُ يَتَّضِحُ مِنْ حُرُوفِ الْكَلِمَتَيْنِ نَفْسِهِمَا.
لَا يَبْدُو أَنَّ الْمُقْلَ هِبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ بِحَيْثُ تُمْدَحُ مِنْطَقَةٌ لِإِنْتَاجِهِ. لِذَلِكَ ارْتَابَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُودِ خَطَأٍ فِي النَّصِّ. وَيَصْعُبُ تَحْدِيدُ شَيْءٍ مُؤَكَّدٍ عَنْ هَذَا الِاسْمِ.
الْآيَةُ ١٣: جِيحُونُ
يَبْدُو أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِبْرِيِّ «غُوحُ»، أَيْ «بَطْنٌ» أَوْ «صَدْرٌ»، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ بَطْنٌ مَمْلُوءٌ بِالْأَوْسَاخِ وَالطِّينِ. وَمِنْ هُنَا يَظُنُّ كَثِيرُونَ أَنَّ جِيحُونَ هُوَ النِّيلُ، الَّذِي بِنَفْسِهِ كَأَنَّهُ بِصَدْرِهِ يَحْتَضِنُ مِصْرَ وَيُخْصِبُهَا. لَكِنَّنِي بَيَّنْتُ مَا هُوَ جِيحُونُ عِنْدَ الْآيَةِ ٨.
مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْآرَاءِ حَوْلَ نَهْرِ جِيحُونَ، فَإِنَّ الرَّأْيَ الَّذِي طَرَحَهُ مِيخَائِيلِيسُ (الْمَرْجِعُ نَفْسُهُ، الْجُزْءُ ١، ص. ٢٧٧) هُوَ الْأَكْثَرُ تَرْجِيحًا. وَبِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّ النَّهْرَ الْكَبِيرَ فِي خُوَارَزْمَ، الَّذِي يَصُبُّ فِي بَحْرِ أَرَالَ — وَيُسَمِّيهِ الْقُدَمَاءُ أُوكْسُوسَ، وَجُغْرَافِيُّونَا آبِي-آمُو، وَالْعَرَبُ بَلْ وَحَتَّى السُّكَّانُ حَتَّى الْيَوْمِ جِيحُونَ — يَبْدُو أَنَّهُ جِيحُونُ مُوسَى. لَكِنَّ مِيخَائِيلِيسَ نَفْسَهُ لَا يَجْرُؤُ عَلَى تَحْدِيدِ شَيْءٍ مُؤَكَّدٍ، إِذْ لَا تَزَالُ تِلْكَ الْمَنَاطِقُ مَجْهُولَةً لَنَا إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ. قَارِنْ أُوبْرِي، الْمَرْجِعَ الْمَذْكُورَ، ص. ١٢٥.
الْآيَةُ ١٤: دِجْلَةُ
سُمِّيَ هَذَا النَّهْرُ كَذَلِكَ مِنَ النَّمِرِ، أَسْرَعِ الْحَيَوَانَاتِ، كَمَا يَرَى رُوبِرْتُوسُ وَإِيسِيدُورُوسُ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى، كَمَا يَقُولُ كُورْتِيُوسُ وَسْتْرَابُو، مِنْ سُرْعَةِ السَّهْمِ الَّتِي يُحَاكِيهَا فِي جَرَيَانِهِ — فَالْمِيدِيُّونَ يُسَمُّونَ السَّهْمَ «تِجْرِيسَ». وَبِالْعِبْرِيَّةِ يُسَمَّى «حِدَّقِلُ» (وَمِنْهُ بِالتَّحْرِيفِ يُسَمَّى الْآنَ «تِيجِلُ»)، أَيْ «حَادٌّ وَسَرِيعٌ»، بِسَبَبِ جَرَيَانِهِ السَّرِيعِ لِلْغَايَةِ.
الْفُرَاتُ
مِنَ الْعِبْرِيِّ «هُوفِرَاتُ» — كَمَا يَقُولُ جِنِبْرَارْدُوسُ — تَكَوَّنَتْ كَلِمَةُ «يُوفْرَاتِسُ»؛ وَمِنْ هُنَا لَا يَزَالُ يُسَمَّى «فُرَاتَ»، مِنْ جَذْرِ «بَارَا»، أَيْ «أَثْمَرَ»، لِأَنَّهُ مِثْلَ النِّيلِ يَفِيضُ فَيَسْقِي الْأَرَاضِيَ وَيُخْصِبُهَا. لِذَلِكَ يُخْطِئُ الَّذِينَ، تَبَعًا لِأَمْبْرُوسِيُوسَ، يَشْتَقُّونَ يُوفْرَاتِسَ مِنَ الْيُونَانِيَّةِ «أُوفَايْنِسْثَاي»، أَيْ مِنَ «الْإِفْرَاحِ».
قِرَاءَةُ أَنَسْطَاسِيُوسَ السِّينَائِيِّ الْأَنَاغُوجِيَّةُ
كَتَبَ أَنَسْطَاسِيُوسُ السِّينَائِيُّ، بَطْرِيَرْكُ أَنْطَاكِيَةَ فِي عَهْدِ الْإِمْبِرَاطُورِ يُوسْطِينِيَانُوسَ، أَحَدَ عَشَرَ كِتَابًا أَوْ عِظَةً مِنَ التَّأَمُّلَاتِ الْأَنَاغُوجِيَّةِ فِي عَمَلِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُجَلَّدِ الْأَوَّلِ مِنْ مَكْتَبَةِ الْآبَاءِ الْقِدِّيسِينَ؛ لَكِنْ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا بِتَمْيِيزٍ وَحَذَرٍ. فَهُوَ يُؤَكِّدُ فِيهَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا قَبْلَ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ — وَرَغْمَ أَنَّ كَثِيرِينَ ذَهَبُوا إِلَى هَذَا قَدِيمًا، فَإِنَّ الْمُؤَكَّدَ الْآنَ هُوَ الْعَكْسُ، أَيْ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مَعَ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ.
وَأَيْضًا يُلَمِّحُ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُخْلَقُوا عَلَى صُورَةِ اللهِ، بَلِ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ — وَهَذَا بَاطِلٌ مُطْلَقًا؛ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ سِرِّيًّا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ وَحْدَهُ يَتَكَوَّنُ مِنْ نَفْسٍ وَجَسَدٍ، وَبِالتَّالِي الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ الْمُتَجَسِّدِ، أَيِ الْمَسِيحِ الْمُتَأَنِّسِ، كَمَا يُوَضِّحُ هُوَ نَفْسُهُ. وَفَوْقَ ذَلِكَ يُلَمِّحُ مِرَارًا إِلَى أَنَّ الْفِرْدَوْسَ لَمْ يَكُنْ مَكَانًا مَادِّيًّا بَلْ يَجِبُ فَهْمُهُ رُوحِيًّا. وَهَذَا بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ بَاطِلٌ وَخَاطِئٌ؛ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ بِالْمَعْنَى الْأَنَاغُوجِيِّ. وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْعُنْوَانَ نَفْسَهُ، أَيْ أَنَّ هَذِهِ تَأَمُّلَاتُهُ الْأَنَاغُوجِيَّةُ وَالْمَجَازِيَّةُ، لَا تَفْسِيرَاتٌ حَرْفِيَّةٌ. هَكَذَا فِي نِهَايَةِ الْعِظَةِ ٨، يُؤَكِّدُ أَنَّ أَنْهَارَ الْفِرْدَوْسِ الْأَرْبَعَةَ — أَيِ الْكَنِيسَةِ — هُمُ الْإِنْجِيلِيُّونَ الْأَرْبَعَةُ: أَيْ أَنَّ الْفُرَاتَ، بِمَعْنَى «الْخَصِيبِ»، هُوَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا؛ وَدِجْلَةَ، بِمَعْنَى «الْوَاسِعِ»، هُوَ الْقِدِّيسُ لُوقَا؛ وَفِيشُونَ، بِمَعْنَى «تَغْيِيرِ الْفَمِ»، هُوَ الْقِدِّيسُ مَتَّى الَّذِي كَتَبَ بِالْعِبْرِيَّةِ؛ وَجِيحُونَ، بِمَعْنَى «النَّافِعِ»، هُوَ الْقِدِّيسُ مَرْقُسُ.
الْآيَةُ ١٥: أَخَذَ الرَّبُّ الْإِلَهُ الْإِنْسَانَ وَوَضَعَهُ فِي الْفِرْدَوْسِ
مِنْ هَذَا وَمِنَ الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ٢٣، يَتَّضِحُ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ لَا فِي الْفِرْدَوْسِ بَلْ خَارِجَهُ (يَرَى كَثِيرُونَ أَنَّهُ خُلِقَ فِي الْخَلِيلِ)، وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ اللهُ فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ ابْنَ الْفِرْدَوْسِ بَلْ مُسْتَوْطِنٌ أَقَامَهُ اللهُ فِيهِ مَجَّانًا، وَأَنْ يَنْسُبَ مَكَانَ الْفِرْدَوْسِ لَا إِلَى طَبِيعَتِهِ كَأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ، بَلْ إِلَى نِعْمَةِ اللهِ — وَلِذَلِكَ أَيْضًا طُرِدَ مِنْهُ بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِ. وَيُورِدُ فْرَانْسِيسْكُوسُ أَرِيلِينُوسُ أَسْبَابًا أُخْرَى كَثِيرَةً لِذَلِكَ فِي مَسَائِلِهِ حَوْلَ التَّكْوِينِ، ص. ٣٠٠-٣٠١. هَذَا رَأْيُ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ وَرُوبِرْتُوسَ وَأَبُولِنْسِيسَ. أَمَّا حَوَّاءُ فَيَبْدُو أَنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْفِرْدَوْسِ، الْآيَةُ ٢١.
لِيَعْمَلَهَا — لَا لِتَحْصِيلِ الْقُوتِ، بَلْ لِلتَّمْرِينِ الشَّرِيفِ وَالْمُتْعَةِ وَالْخِبْرَةِ؛ بِحَيْثُ لَا يَتْعَبُ وَلَا يَضْعُفُ بِالْكَسَلِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
فِي قِدَمِ الزِّرَاعَةِ
لَاحِظْ هُنَا فِي الزِّرَاعَةِ: أَوَّلًا، قِدَمَهَا — إِذْ بَدَأَتْ مَعَ الْإِنْسَانِ وَالْعَالَمِ؛ ثَانِيًا، كَرَامَتَهَا — لِأَنَّ اللهَ أَسَّسَهَا وَأَمَرَ بِهَا آدَمَ، وَلِأَنَّ آدَمَ — الَّذِي تَنْحَدِرُ مِنْهُ كُلُّ شَرَافَةٍ — مَعَ هَابِيلَ وَشِيثَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعِ أَشْهَرِ رِجَالِ الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ كَانُوا مُزَارِعِينَ.
يَرْوِي بُولُسُ يُوفِيُوسُ فِي سِيرَةِ يَاكُوبُو مُوتْسِيُو، الْفَصْلُ ٨٤، عَنْ سْفُورْتْسَا مِنْ كُوتِينِيُولَا، أَنَّهُ حِينَ طَعَنَ فِيهِ سِرْجِيَانُو كَبِيرُ الْحُجَّابِ بِحِكَايَةِ الْمِعْوَلِ لِيُعَيِّرَهُ بِحَدَاثَةِ نَسَبِهِ، أَجَابَ: «فِي أَصْلِ هَذَا النَّسَبِ — كَمَا أَرَى — نَتَّفِقُ، إِذْ إِنَّ آدَمَ أَوَّلَ الْبَشَرِ حَفَرَ الْأَرْضَ؛ لَكِنِّي يَقِينًا — وَهَذَا مَا لَا تَسْتَطِيعُ بِحَقٍّ إِنْكَارَهُ — صِرْتُ بِمِعْوَلِي أَكْثَرَ نُبْلًا مِنْكَ بِقَلَمِكَ وَعُضْوِكَ.» وَبِهَذِهِ الدُّعَابَةِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ اكْتَسَبَ تِلْكَ الْمَكَانَةَ الْعَالِيَةَ بِالْفُجُورِ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَاتِبًا وَضِيعًا فِي مَحْكَمَةِ الْحَاكِمِ، أُدِينَ بِالتَّزْوِيرِ بَعْدَ تَزْيِيفِهِ وَصِيَّةً.
ثَالِثًا، لَاحِظْ بَرَاءَةَ الزِّرَاعَةِ، إِذْ أُوصِيَ بِهَا لِلْإِنْسَانِ الْبَرِيءِ فِي الْفِرْدَوْسِ فَوْقَ الْحِرَفِ الْأُخْرَى، بِوَصْفِهَا لَا تُؤْذِي أَحَدًا بَلْ تَنْفَعُ الْجَمِيعَ. اِسْمَعْ فِرْجِيلِيُوسَ (الزِّرَاعِيَّاتُ ٢):
يَا لِسَعَادَةِ الْمُزَارِعِينَ الْمُفْرِطَةِ لَوْ عَرَفُوا نِعَمَهُمْ!
لَهُمْ، بَعِيدًا عَنْ صِرَاعِ الْأَسْلِحَةِ،
تَصُبُّ الْأَرْضُ الْعَادِلَةُ مِنْ تُرْبَتِهَا رِزْقًا سَهْلًا.
وَأَيْضًا:
هَذِهِ الْحَيَاةُ عَاشَهَا قَدِيمًا السَّابِينِيُّونَ الْقُدَمَاءُ،
وَعَاشَهَا رِيمُوسُ وَأَخُوهُ. هَكَذَا نَمَتْ إِتْرُورِيَا الْقَوِيَّةُ:
وَصَارَتْ رُومَا أَجْمَلَ شَيْءٍ فِي الْعَالَمِ.
هَذِهِ الْحَيَاةَ الذَّهَبِيَّةَ عَاشَهَا سَاتُورْنُوسُ عَلَى الْأَرْضِ.
اِسْمَعْ شِيشَرُونَ: «مِنْ بَيْنِ كُلِّ الْأُمُورِ الَّتِي يُلْتَمَسُ مِنْهَا رِبْحٌ، لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الزِّرَاعَةِ، وَلَا أَكْثَرَ خِصْبًا، وَلَا أَحْلَى، وَلَا أَلْيَقَ بِالْإِنْسَانِ الْحُرِّ.»
لِذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ بِحَقٍّ: «الزِّرَاعَةُ أَبْرَأُ الْحِرَفِ كُلِّهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ تَجَرَّأَ الْمُنَافِقُ فَاوُسْتُوسُ الْمَانَوِيُّ عَلَى إِدَانَتِهَا»، لِأَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْمُزَارِعِينَ يَنْتَهِكُونَ وَصِيَّةَ اللهِ: «لَا تَقْتُلْ» — إِذْ يُحَرَّمُ بِهَا عَلَيْنَا أَنْ نَحْرِمَ أَيَّ كَائِنٍ حَيٍّ مِنَ الْحَيَاةِ؛ وَإِنَّ الْمُزَارِعِينَ بِحَصْدِ الْمَحَاصِيلِ وَقَطْفِ الْإِجَّاصِ وَالتُّفَّاحِ وَسَائِرِ النَّبَاتَاتِ يَحْرِمُونَهَا حَيَاتَهَا. سَأَقُولُ الْمَزِيدَ عَنِ الزِّرَاعَةِ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٩، الْآيَةِ ٢٠.
أَخْلَاقِيًّا: فِي زِرَاعَةِ النَّفْسِ
أَخْلَاقِيًّا، يُعَلِّمُنَا اللهُ هُنَا أَنَّ خُطَّةَ حَيَاتِنَا كُلَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الزِّرَاعَةِ. فَكَمَا أَنَّ مِنْ بَيْنِ الْمَخْلُوقَاتِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِ الْإِنْسَانِ وَصَنْعَتِهِ إِلَّا الْأَشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ وَالْبُذُورُ، فَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ يَحْتَاجُ إِلَى رِعَايَةِ نَفْسِهِ وَزِرَاعَتِهَا. وَقَدْ أَشَارَ اللهُ إِلَى ذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ حِينَ «وَضَعَهُ فِي الْفِرْدَوْسِ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْرُسَهَا»، وَجَعَلَ النَّيِّرَاتِ «لِتَكُونَ لِآيَاتٍ وَأَوْقَاتٍ» — أَيْ لِتُذَكِّرَنَا بِالْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لِلزَّرْعِ وَالْحَصَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالْحَقْلُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَحْرُثَهُ بِاسْتِمْرَارٍ بِأَمْرِ اللهِ هُوَ النَّفْسُ؛ وَالنَّبَاتَاتُ الْمُثْمِرَةُ هِيَ الِاعْتِدَالُ وَالْعِفَّةُ وَالْمَحَبَّةُ وَسَائِرُ الْفَضَائِلِ؛ وَالزَّوَانُ وَالْأَعْشَابُ الضَّارَّةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ اقْتِلَاعُهَا هِيَ الشَّرَاهَةُ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ وَسَائِرُ الرَّذَائِلِ. وَالْمُزَارِعُ هُوَ الْإِنْسَانُ؛ وَالْمَطَرُ هُوَ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي تُلْقِي وَتَغْرِسُ فِي الْعَقْلِ بُذُورًا صَالِحَةً، أَيْ إِلْهَامَاتٍ مُقَدَّسَةً وَإِنَارَاتٍ وَنَبَضَاتٍ، حَتَّى تَحْمِلَ النَّفْسُ مِنْهَا كَمَا مِنْ بُذُورٍ وَتُنْبِتَ وَتُثْمِرَ أَعْمَالَ الْفَضِيلَةِ؛ وَالرِّيَاحُ هِيَ التَّجَارِبُ الَّتِي تُنَقَّى بِهَا الْأَشْجَارُ — أَيِ الْفَضَائِلُ — وَتَتَقَوَّى. وَالْحَصَادُ هُوَ ثَوَابُ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ؛ وَحَرَارَةُ الشَّمْسِ هِيَ الْحَمَاسُ الَّذِي يُلْهِمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ. فَكَمَا أَنَّ الْمُزَارِعَ يَتْعَبُ فِي الزَّرْعِ لَكِنَّهُ يَفْرَحُ فِي الْحَصَادِ، كَذَلِكَ الْأَبْرَارُ «الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ» أَعْمَالَ التَّوْبَةِ وَالصَّبْرِ وَالْمَشَقَّاتِ «بِالِابْتِهَاجِ يَحْصُدُونَ.» وَأَيْضًا، كَمَا أَنَّ الزَّارِعَ يَنْتَظِرُ الْحَصَادَ بِصَبْرٍ، كَذَلِكَ الْأَبْرَارُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٦: ١٩: «كَالْحَارِثِ وَالزَّارِعِ ادْنُ إِلَيْهَا (الْحِكْمَةِ)، وَانْتَظِرْ (تَوَقَّعْ) ثِمَارَهَا الْجَيِّدَةَ (الْوَفِيرَةَ)؛ فَفِي عَمَلِهَا (زِرَاعَتِهَا) تَتْعَبُ قَلِيلًا، وَسَرِيعًا تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا (نِتَاجِهَا).» وَبُولُسُ فِي غَلَاطِيَّةَ ٦: ٩: «فَلَا نَكِلَّ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ، فَإِنَّنَا فِي أَوَانِهِ سَنَحْصُدُ.»
وَيَحْرُسَهَا — مِنَ الْوُحُوشِ الَّتِي كَانَتْ خَارِجَ الْفِرْدَوْسِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ؛ وَمِنَ الْحَيَوَانَاتِ نَفْسِهَا الَّتِي كَانَتْ فِي الْفِرْدَوْسِ، لِئَلَّا تُتْلِفَ جَمَالَهُ وَبَهَاءَهُ أَوْ تُدَنِّسَهُ.
الْآيَةُ ١٧: مِنْ شَجَرَةِ الْمَعْرِفَةِ لَا تَأْكُلْ
التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «لَا تَأْكُلَا» [بِالْجَمْعِ]، أَيْ أَنْتُمَا يَا آدَمُ وَحَوَّاءُ — إِذْ مِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ (الْأَخْلَاقِيَّاتُ ٣٥، الْفَصْلُ ١٠)، وَإِنْ كَانَ خَلْقُهَا يُرْوَى بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى فِي الْعَالَمِ أُعْطِيَتْ لِحَوَّاءَ بِقَدْرِ مَا أُعْطِيَتْ لِآدَمَ.
يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ (أَوْ مَنْ يَكُونُ الْمُؤَلِّفُ) قَوْلًا بَدِيعًا فِي عِظَتِهِ عَنْ تَحْرِيمِ الشَّجَرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١: «يُعْطِي اللهُ وَصِيَّةً لِيَخْتَبِرَ الطَّاعَةَ؛ يَفْرِضُ شَرِيعَةً لِيَسْتَكْشِفَ إِرَادَةَ الْإِنْسَانِ. فَكَانَتِ الشَّجَرَةُ قَائِمَةً فِي الْوَسَطِ تَخْتَبِرُ إِرَادَةَ الْإِنْسَانِ. كَانَتْ تَخْتَبِرُ هَلْ يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ لِمَنْ يُهَدِّدُ أَمْ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي يُغْوِي. وَكَانَ الْإِنْسَانُ وَاقِفًا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَدُوِّ، بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، بَيْنَ الْهَلَاكِ وَالْخَلَاصِ. فَالْآنَ اللهُ يُهَدِّدُ لِيُخَلِّصَ؛ وَالْآنَ الْحَيَّةُ تُغْوِي لِتُعَذِّبَ؛ الْآنَ بِاللهِ الصَّرَامَةُ تُهَدِّدُ بِالْحَيَاةِ، وَالْآنَ بِالشَّيْطَانِ الْمَلَقُ يُهَدِّدُ بِالْمَوْتِ. وَحَقًّا (يَا لَلْعَارِ!) اللهُ يُهَدِّدُ فَيُحْتَقَرُ؛ وَالشَّيْطَانُ يُغْوِي فَيُطَاعُ. عِنْدَ اللهِ صَرَامَةٌ لَكِنَّهَا خَيِّرَةٌ؛ وَعِنْدَ الشَّيْطَانِ مَلَقٌ لَكِنَّهُ ضَارٌّ.» وَبَعْدَ قَلِيلٍ: «فَكَانَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يُطِيعَ اللهَ الَّذِي أَمَرَ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ يُطِيعَهُ؛ وَأَنْ يَخْدُمَ الرَّبَّ الَّذِي جَعَلَهُ سَيِّدًا عَلَى الْعَالَمِ؛ وَأَنْ يُحَارِبَ الْعَدُوَّ لِيَقْهَرَ خَصْمَهُ؛ وَأَخِيرًا أَنْ يَنَالَ الْجَزَاءَ مِنَ اللهِ الْمُكَافِئِ. فَالْفَضِيلَةُ تَخْمُلُ حَيْثُ يَنْعَدِمُ الْخَصْمُ. فَإِلَى هَذَا الْحَدِّ تَتَقَوَّى الْقُوَى بِالْمُمَارَسَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ.» ثُمَّ: «لَمْ يَسْهَرْ آدَمُ لِيَتَحَرَّزَ مِنْ خُبْثِ الْحَيَّةِ. كَانَ بَسِيطًا؛ لَمْ يَكُنْ فَطِنًا ضِدَّ الشَّيْطَانِ. فَقَدْ وَافَقَ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُغْوِي بَدَلًا مِنَ الرَّبِّ الَّذِي يُهَدِّدُ، فَخَسِرَ الْحَيَاةَ الَّتِي كَانَتْ لَهُ وَنَالَ الْمَوْتَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ.»
مَوْتًا تَمُوتُ — أَيْ تَقَعُ تَحْتَ حُكْمِ الْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ وَضَرُورَتِهِ. وَمِنْ ثَمَّ يُتَرْجِمُهَا سِيمَاخُوسُ: «تَصِيرُ فَانِيًا». هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَثِيوُدُورِيتُوسُ.
مَوْتُ الْجَسَدِ وَالنَّفْسِ عُقُوبَةُ خَطِيئَةِ آدَمَ
لَاحِظْ: يُهَدِّدُ اللهُ هُنَا آدَمَ الْعَاصِيَ بِالْمَوْتِ — لَا بِمَوْتِ الْجَسَدِ الزَّمَنِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا بِمَوْتِ النَّفْسِ الرُّوحِيِّ الْأَبَدِيِّ فِي جَهَنَّمَ، وَذَلِكَ مَوْتٌ مُحَقَّقٌ لَا يُخْطِئُ. فَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ — «مَوْتًا تَمُوتُ»، أَيْ مَوْتًا أَكِيدًا تَمُوتُ. فَآدَمُ بِخَطِيئَتِهِ وَقَعَ فَوْرًا فِيمَا يَخُصُّ جَسَدَهُ تَحْتَ ضَرُورَةِ الْمَوْتِ، وَفِيمَا يَخُصُّ نَفْسَهُ وَقَعَ فِعْلًا وَحَقِيقَةً فِي الْمَوْتِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَوْتَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ فِيهَا لَيْسَ طَبِيعِيًّا، كَمَا ذَهَبَ شِيشَرُونُ وَالْفَلَاسِفَةُ (أَضِفْ إِلَيْهِمِ الْبِيلَاجِيِّينَ)، بَلْ هُوَ عُقُوبَةُ الْخَطِيئَةِ، كَمَا يُقَرِّرُ مَجْمَعُ مِيلِيفِيسَ فِي الْقَانُونِ ١، وَيُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ اسْتِحْقَاقَاتِ الْخَاطِئِينَ، الْكِتَابُ ١، الْفَصْلُ ٢.
وَعَلَى الْعَكْسِ فَإِنَّ الْأَشْرَارَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ الْعِنَانَ لِشَهَوَاتِهِمْ «يَفْعَلُونَ الْإِثْمَ وَيَزْرَعُونَ الْأَحْزَانَ» الْحَاضِرَةَ وَالْأَبَدِيَّةَ، كَمَا يُوَضِّحُ بِينِيدَا بِجَمَالٍ فِي تَفْسِيرِ أَيُّوبَ ٤: ٨، الرَّقْمُ ٤.
فَمَعَ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الطَّبِيعَةِ وَالْعَنَاصِرِ الْمُتَضَادَّةِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنْهَا الْإِنْسَانُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ وَكَانَ فَانِيًا، إِلَّا أَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى قَضَاءِ اللهِ وَمَعُونَتِهِ وَحِفْظِهِ الدَّائِمِ، لَوْ لَمْ يُخْطِئْ لَمَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَمُوتَ وَلَكَانَ خَالِدًا. وَمِنْ ثَمَّ يُعَلِّمُ مُعَلِّمُ الْحُكْمِيَّاتِ (التَّمْيِيزَاتُ ٢، التَّمْيِيزُ ١٩) أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْفِرْدَوْسِ كَانَ لَهُ «الْقُدْرَةُ عَلَى عَدَمِ الْمَوْتِ»، لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَلَّا يُخْطِئَ وَبِالتَّالِي أَلَّا يَمُوتَ؛ وَفِي السَّمَاءِ سَيَكُونُ لَهُ «عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَوْتِ»، لِأَنَّهُ هُنَاكَ بِالْمَجْدِ وَمَوْهِبَةِ عَدَمِ التَّأَلُّمِ سَتَكُونُ اسْتِحَالَةُ الْمَوْتِ؛ وَفِي هَذِهِ الْحَيَاةِ بَعْدَ السُّقُوطِ لَهُ «الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى عَدَمِ الْمَوْتِ»، لِأَنَّ ضَرُورَةَ الْمَوْتِ صَارَتْ فِيهِ. فَنَحْنُ إِذَنْ نُولَدُ مَحْكُومِينَ بِالْمَوْتِ.
تَذَكَّرْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ أَنَّكَ مَوْتًا سَتَمُوتُ، وَذَلِكَ قَرِيبًا.
قَوْلُ أَحْشُوِيرُوشَ (خَشَايَارْشَا) فِي الْمَوْتِ
يَرْوِي الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ أَحْشُوِيرُوشَ (خَشَايَارْشَا)، حِينَ غَطَّى بِجَيْشِهِ الْبَرَّ وَبِأَسَاطِيلِهِ الْبَحْرَ، نَظَرَ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ إِلَى كُلِّ هَذَا الْجَمْعِ فَأَنَّ وَبَكَى، مُرَدِّدًا: «مِنْ كُلِّ هَؤُلَاءِ لَنْ يَبْقَى أَحَدٌ حَيًّا بَعْدَ مِئَةِ سَنَةٍ.»
صَلَاحُ الدِّينِ
صَلَاحُ الدِّينِ، مَلِكُ مِصْرَ وَالشَّامِ، الَّذِي انْتَزَعَ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ مِنَ الصَّلِيبِيِّينَ حَوَالَيِ السَّنَةِ ١١٨٠، حِينَ كَانَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ أَمَرَ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَمٌ مَعَ كَفَنٍ جَنَائِزِيٍّ فِي جَمِيعِ مُعَسْكَرَاتِهِ، وَأَنْ يُنَادِيَ مُنَادٍ: «هَذَا كُلُّ مَا سَيَحْمِلُهُ مَعَهُ صَلَاحُ الدِّينِ حَاكِمُ الشَّامِ وَمِصْرَ مِنْ كُلِّ مُلْكِهِ.»
الْمَوْتُ وَحِيدُ الْقَرْنِ
وَلِذَلِكَ يُشَبِّهُ بَرْلَعَامُ بِأَنَاقَةٍ وَدِقَّةٍ فِي قِصَّةِ يُوسَافَاطَ الْمَوْتَ بِوَحِيدِ الْقَرْنِ الَّذِي يُطَارِدُ الْإِنْسَانَ بِلَا انْقِطَاعٍ. يَفِرُّ الْإِنْسَانُ، وَفِي فِرَارِهِ يَسْقُطُ فِي حُفْرَةٍ، وَبِالصُّدْفَةِ يَتَعَلَّقُ بِشَجَرَةٍ كَانَ فَأْرَانِ يَقْرِضَانِهَا. وَفِي أَسْفَلِ الْحُفْرَةِ كَانَ تِنِّينٌ نَارِيٌّ فَاغِرًا فَاهُ لِيَبْتَلِعَ الْإِنْسَانَ. رَأَى الْإِنْسَانُ كُلَّ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ بِحَمَاقَةٍ انْكَبَّ عَلَى قَلِيلٍ مِنَ الْعَسَلِ يَقْطُرُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَنَسِيَ كُلَّ خَطَرٍ. يُدْرِكُهُ وَحِيدُ الْقَرْنِ؛ وَالشَّجَرَةُ يَقْرِضُهَا الْفَأْرَانِ؛ فَتَنْهَارُ، وَيَقْبِضُ التِّنِّينُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَيَلْتَهِمُهُ. الْحُفْرَةُ هِيَ الْعَالَمُ؛ وَالشَّجَرَةُ هِيَ الْحَيَاةُ؛ وَالْفَأْرَانِ هُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ؛ وَالتِّنِّينُ النَّارِيُّ هُوَ بَطْنُ جَهَنَّمَ؛ وَقَطْرَةُ الْعَسَلِ هِيَ لَذَّةُ الدُّنْيَا. هَكَذَا يُوحَنَّا الدِّمَشْقِيُّ، الْفَصْلُ ١٢ مِنْ تَارِيخِهِ.
الْآيَةُ ١٨: لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ
كَانَ قَدْ قَالَ — أَيْ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ. فَمَعَ أَنَّ أُورِيجَانُوسَ وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ وَأُوخَارِيُوسَ وَالْقِدِّيسَ تُومَا الْأَكْوِينِيَّ (الْخُلَاصَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْمَسْأَلَةُ ٧٣، الْمَادَّةُ ١، الْجَوَابُ ٣) يَظُنُّونَ أَنَّ مُوسَى يَحْفَظُ هُنَا تَرْتِيبَ السَّرْدِ وَبِالتَّالِي أَنَّ حَوَّاءَ أُنْتِجَتْ بَعْدَ الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنَ الْعَالَمِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ بِكَثِيرٍ أَنَّ مُوسَى يَسْتَخْدِمُ هُنَا، كَمَا فِي الْإِصْحَاحِ كُلِّهِ، أُسْلُوبَ الِاسْتِعَادَةِ، وَبِالتَّالِي أَنَّ حَوَّاءَ، مِثْلَ آدَمَ، خُلِقَتْ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ. أَوَّلًا، لِأَنَّ الْآيَةَ ٢ تَقُولُ إِنَّ اللهَ أَتَمَّ عَمَلَهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ اسْتَرَاحَ مِنْ كُلِّ عَمَلٍ. ثَانِيًا، لِأَنَّ اللهَ فِي الْحَيَوَانَاتِ الْأُخْرَى وَالطُّيُورِ وَالْأَسْمَاكِ خَلَقَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ الْإِنَاثَ كَمَا خَلَقَ الذُّكُورَ. ثَالِثًا، لِأَنَّ مُوسَى فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَةِ ٢٧، فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ آدَمُ، يَقُولُ صَرَاحَةً: «ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ»، أَيْ آدَمَ وَحَوَّاءَ. فَأَرَادَ إِذَنْ فِي هَذَا الْإِصْحَاحِ أَنْ يَرْوِيَ بِإِسْهَابٍ أَكْثَرَ، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَادَةِ، تَكْوِينَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا، الَّذِي كَانَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ. هَكَذَا قَالَ كَايِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ هُنَا، وَالْقِدِّيسُ بُونَافِنْتُورَا (الْأَحْكَامُ، الْكِتَابُ الثَّانِي، التَّقْسِيمُ ١٨، الْمَسْأَلَةُ ٢).
لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ وَحْدَهُ — لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ آدَمُ وَحْدَهُ لَانْقَرَضَ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ حَيَوَانٌ اجْتِمَاعِيٌّ. وَهَكَذَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ ضَرُورِيَّةٌ لِتَكَاثُرِ النَّسْلِ. وَبَعْدَ أَنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ أَنِ امْتَلَأَ الْعَالَمُ بِالنَّاسِ، صَارَ مِنَ الْخَيْرِ لِلرَّجُلِ أَلَّا يَمَسَّ امْرَأَةً، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ (١ كُورِنْثُوسَ ٧)، وَبَدَأَ مَدْحُ الْخِصْيَانِ الرُّوحِيِّينَ (مَتَّى ١٩: ١٢)، وَوُعِدَ بِمُكَافَأَةٍ مَجِيدَةٍ لِلْعَفَافِ، مِنْ قِبَلِ إِشَعْيَاءَ وَالْمَسِيحِ وَالرُّسُلِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي رَدِّهِ عَلَى يُوفِينِيَانُوسَ، وَقُبْرِيَانُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ لِبَاسِ الْعَذَارَى. «الْحُكْمُ الْأَوَّلُ مِنَ اللهِ»، يَقُولُ قُبْرِيَانُوسُ، «أَمَرَ بِالزِّيَادَةِ وَالتَّكَاثُرِ؛ وَالثَّانِي نَصَحَ بِالْعَفَافِ. فَبَيْنَمَا الْعَالَمُ لَا يَزَالُ فَتِيًّا وَفَارِغًا، تُولَّدُ كَثْرَةُ الْخِصْبِ — نَتَكَاثَرُ وَنَنْمُو لِزِيَادَةِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ. وَلَكِنْ حِينَ يَمْتَلِئُ الْعَالَمُ وَتَكْتَظُّ الْأَرْضُ، فَإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَطِيعُونَ مُمَارَسَةَ الْعَفَافِ، عَائِشِينَ عَلَى طَرِيقَةِ الْخِصْيَانِ، يُخْصَوْنَ لِلْمَلَكُوتِ.»
لَاحِظْ كَلِمَةَ «وَحْدَهُ»؛ فَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الَّذِينَ يُخْطِئُونَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَنْتَجُوا مِمَّا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ — «ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ» — أَنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ مُلْتَصِقَيْنِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ فَصَلَهُمَا عَنْ بَعْضِهِمَا فَحَسْبُ. فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَقُولُ إِنَّ آدَمَ كَانَ حِينَئِذٍ وَحْدَهُ، وَإِنَّ حَوَّاءَ لَمْ تُفْصَلْ عَنْ آدَمَ، بَلْ أُنْتِجَتْ بِالْكَامِلِ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ، حِينَ أَخَذَهَا اللهُ مِنْهُ، أَيْ فَصَلَهَا.
لِنَصْنَعْ لَهُ مُعِينًا شَبِيهًا بِهِ — «بِهِ» أَيْ «لَهُ». فَكَلِمَةُ «شَبِيهًا بِهِ» بِالْعِبْرِيَّةِ هِيَ «كِنِگْدُّو»، وَتَعْنِي أَوَّلًا «كَأَنَّهَا أَمَامَهُ»، أَيْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً لِلرَّجُلِ وَرَفِيقَةً لَهُ كَعِلَاجٍ وَعَزَاءٍ لِوَحْدَتِهِ. وَأَيْضًا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي مُتَنَاوَلِ الرَّجُلِ، لِتُعِينَهُ وَتُسَانِدَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «لِنَصْنَعْ لَهُ سَنَدًا يَكُونُ بِجَانِبِهِ».
ثَانِيًا، يُمْكِنُ تَرْجَمَةُ «كِنِگْدُّو» بِمَعْنَى «تُجَاهَهُ» أَوْ «مُقَابِلَهُ»، أَيْ مَوْضُوعَةً قُبَالَتَهُ وَمُتَوَافِقَةً مَعَهُ. وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَ مُتَرْجِمُنَا [الْفُولْغَاتَا] بِوُضُوحٍ «شَبِيهًا بِهِ»، أَيْ فِي الطَّبِيعَةِ وَالْقَامَةِ وَالْكَلَامِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ؛ فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَرْأَةُ شَبِيهَةٌ بِالرَّجُلِ.
فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُعِينَةً لِلرَّجُلِ
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، الْمَرْأَةُ مُعِينَةٌ لِلرَّجُلِ: أَوَّلًا، لِتَكَاثُرِ النَّسْلِ وَتَرْبِيَتِهِ؛ ثَانِيًا، لِإِدَارَةِ شُؤُونِ الْبَيْتِ؛ ثَالِثًا، لِتَخْفِيفِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَتْعَابِ؛ رَابِعًا، لِلتَّخْفِيفِ مِنْ ضَرُورَاتِ الْحَيَاةِ الْأُخْرَى. وَقَدْ حَوَّلَتِ الْخَطِيئَةُ هَذِهِ الْمُعَاوَنَةَ إِلَى مَتَاعِبَ وَخِصَامَاتٍ وَنِزَاعَاتٍ لِلْكَثِيرِينَ.
يُتَرْجِمُ أَلْبِرْتُوسُ شُولْتِنْزُ فِي مُلَاحَظَاتِهِ اللُّغَوِيَّةِ، ص ١١٨، الْعِبَارَةَ بِمَعْنَى «وَفْقًا لِأَعْضَائِهِ الْأَمَامِيَّةِ»، وَيَفْهَمُ مِنْهَا مُعِينًا يَكُونُ لَهُ تَنَاسُبٌ مُنَاسِبٌ مَعَ الرَّجُلِ لِاسْتِعْمَالِ الزَّوَاجِ. وَيُسَمِّي الْأَعْضَاءَ الْخَاصَّةَ «الْأَعْضَاءَ الْأَمَامِيَّةَ» بِأَدَبٍ. وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ التَّفْسِيرِ، فَإِنَّ اللهَ يُرِيدُ فِي الْآيَتَيْنِ ١٩-٢٠ أَنْ يُثِيرَ فِي آدَمَ شَوْقًا إِلَى مَخْلُوقٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ يَكُونُ شَبِيهًا بِهِ. وَبَعْدَ أَنِ اسْتَعْرَضَ مَمْلَكَةَ الْحَيَوَانِ بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَضُمُّهَا إِلَى نَفْسِهِ زَوْجَةً، سَأَلَ آدَمُ اللهَ وَاحِدَةً كَهَذِهِ. «فَأَلْقَى الرَّبُّ الْإِلَهُ» إِلَخْ.
الْآيَةُ ١٩: أَحْضَرَ اللهُ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى آدَمَ
١٩. وَإِذْ كَانَ قَدْ جَبَلَ مِنَ الْأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ — كَلِمَةُ «طُيُورِ» تُرَدُّ إِلَى «جَبَلَ» لَا إِلَى «مِنَ الْأَرْضِ»؛ فَإِنَّ الطُّيُورَ لَمْ تُجْبَلْ مِنَ الْأَرْضِ بَلْ مِنَ الْمَاءِ، كَمَا قُلْتُ عَنِ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَةِ ٢٠. فَإِنَّ مُوسَى يُلَخِّصُ أُمُورًا كَثِيرَةً بِإِيجَازٍ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِعَادَةِ؛ لِذَا يَجِبُ تَفْسِيرُ كَلِمَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِهَا: فَمِمَّا سُرِدَ سَابِقًا يَتَّضِحُ إِلَى مَاذَا تَرْجِعُ كُلُّ كَلِمَةٍ.
أَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ — «أَحْضَرَهَا» لَا بِرُؤْيَةٍ عَقْلِيَّةٍ كَمَا يَرَى كَايِتَانُوسُ، بَلْ حَقِيقَةً وَفِعْلِيًّا، وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ الْمَيْلِ وَالدَّافِعِ الَّذِي طَبَعَهُ فِي مُخَيِّلَةِ كُلِّ حَيَوَانٍ وَعَاطِفَتِهِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنْ «فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ حَرْفِيًّا»، الْفَصْلِ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَغَيْرُهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
ذَلِكَ هُوَ اسْمُهُ — الِاسْمُ الْمُنَاسِبُ لِطَبِيعَتِهِ بِالذَّاتِ، أَيْ أَنَّ آدَمَ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ أَسْمَاءً مُنَاسِبَةً تُعَبِّرُ عَنْ طَبِيعَةِ كُلٍّ مِنْهَا. هَكَذَا قَالَ أُوسَابِيُوسُ، فِي كِتَابِ الِاسْتِعْدَادِ، الْفَصْلِ الرَّابِعِ.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ عِبْرِيَّةً: فَهَذِهِ اللُّغَةُ كَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ لِآدَمَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٣ وَالْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ، الْآيَةِ ١.
اُنْظُرْ هُنَا حِكْمَةَ آدَمَ، الَّتِي بِهَا لَاحَظَ طَبَائِعَ كُلِّ حَيَوَانٍ وَأَعْطَاهَا أَسْمَاءً مُنَاسِبَةً؛ وَانْظُرْ أَيْضًا مُمَارَسَةَ سُلْطَانِهِ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ: فَإِنَّهُ يَفْرِضُ عَلَيْهَا اسْمًا بِاعْتِبَارِهَا رَعَايَا وَمِلْكًا لَهُ. وَلَمْ يُحْضِرِ اللهُ الْأَسْمَاكَ إِلَى آدَمَ لِأَنَّ الْأَسْمَاكَ بِطَبِيعَتِهَا لَا تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ خَارِجَ الْمَاءِ: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَفْرِضْ آدَمُ هُنَا أَسْمَاءً عَلَيْهَا، بَلْ أُعْطِيَتْ لَهَا أَسْمَاءٌ فِيمَا بَعْدُ.
الْآيَةُ ٢٠: وَلَكِنْ لِآدَمَ لَمْ يُوجَدْ مُعِينٌ شَبِيهٌ بِهِ
أَيْ أَنَّ آدَمَ كَانَ وَحْدَهُ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ؛ وَلَمْ تَكُنْ حَوَّاءُ مَوْجُودَةً بَعْدُ وَلَا أَيُّ إِنْسَانٍ آخَرَ يُشَارِكُهُ حَيَاتَهُ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ آدَمَ فَرَضَ الْأَسْمَاءَ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ قَبْلَ خَلْقِ حَوَّاءَ.
الْآيَةُ ٢١: أَلْقَى الرَّبُّ الْإِلَهُ سُبَاتًا عَمِيقًا عَلَى آدَمَ
لِلْكَلِمَةِ «سُبَاتًا» فِي الْعِبْرِيَّةِ «تَرْدِمَا»، أَيْ نَوْمًا ثَقِيلًا وَعَمِيقًا، تَرْجَمَهُ سِيمَّاخُوسُ «كَارُونْ» (ذُهُولًا)، وَالسَّبْعُونَ تَرْجَمُوهُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ «إِكْسْتَاسِنْ» (جَذْبَةً). وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ النَّوْمَ لَمْ يُلْقَ عَلَى آدَمَ فَقَطْ لِكَيْ لَا يَشْعُرَ بِنَزْعِ ضِلَعِهِ فَيَرْتَعِدَ وَيَتَأَلَّمَ؛ بَلْ أَيْضًا لِكَيْ يُخْطَفَ مَعَ النَّوْمِ فِي جَذْبَةٍ عَقْلِيَّةٍ، بِهَا لَمْ يَتَحَرَّرْ ذِهْنُهُ بِالطَّرِيقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فَحَسْبُ مِنْ وَظَائِفِ الْجَسَدِ وَالْحَوَاسِّ، بَلْ رُفِعَ أَيْضًا إِلَهِيًّا لِيَرَى مَا كَانَ يَجْرِي، وَلِيُدْرِكَ بِرُوحِ النُّبُوَّةِ السِّرَّ الْمَرْمُوزَ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَحْدَاثِ: رَأَى، أَقُولُ، بِعَيْنَيِ الْعَقْلِ، ضِلَعَهُ تُنْتَزَعُ مِنْهُ وَحَوَّاءَ تُصَاغُ مِنْهَا؛ وَمِنْ خِلَالِ ذَلِكَ رَأَى مَرْمُوزًا إِلَيْهِ كِلَا الزَّوَاجِ: زَوَاجَهُ الطَّبِيعِيَّ بِحَوَّاءَ، وَزَوَاجَ الْمَسِيحِ السِّرِّيَّ بِالْكَنِيسَةِ: فَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَاتُ آدَمَ فِي الْآيَةِ ٢٣، وَكَلِمَاتُ الْقِدِّيسِ بُولُسَ فِي أَفَسُسَ ٥: ٣٢. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنْ «فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ حَرْفِيًّا»، الْفَصْلِ التَّاسِعَ عَشَرَ، وَبِإِسْهَابٍ فِي الْمَوْعِظَةِ التَّاسِعَةِ عَلَى يُوحَنَّا، وَالْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ فِي مَوْعِظَةِ أَحَدِ السَّبْعِينَ.
لَمْ يَرَ آدَمُ جَوْهَرَ اللهِ
بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ آدَمَ فِي هَذِهِ الْجَذْبَةِ رَأَى جَوْهَرَ اللهِ؛ يَمِيلُ إِلَى ذَلِكَ رِيكَارْدُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، التَّقْسِيمِ ٢٣، الْمَادَّةِ ٢، الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَا يَرْفُضُهُ الْقِدِّيسُ تُومَا، الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، الْمَسْأَلَةِ ٩٤، الْمَادَّةِ ١. لَكِنَّ الْعَكْسَ أَصَحُّ بِكَثِيرٍ، وَهُوَ أَنَّ لَا آدَمَ وَلَا مُوسَى وَلَا بُولُسَ، وَبِالتَّالِي لَا أَحَدَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، رَأَى جَوْهَرَ اللهِ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ ٢ كُورِنْثُوسَ ١٢: ٤.
مَا مَدَى الْعِلْمِ الَّذِي أُوتِيَ آدَمُ
كَانَ آدَمُ إِذَنْ نَبِيًّا وَصَاحِبَ جَذَبَاتٍ. لَاحِظْ مَا مَدَى الْعِلْمِ الَّذِي نَالَهُ آدَمُ مِنَ اللهِ: فَقَدْ نَالَ عِلْمًا مَسْكُوبًا بِكُلِّ الْأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَمِنْهُ أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ اسْمًا، كَمَا قُلْتُ عَنِ الْآيَةِ ١٩؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَنَلْ مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ الْعَرَضِيَّةِ، وَلَا أَسْرَارَ الْقُلُوبِ، وَلَا عَدَدَ الْأَفْرَادِ، فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَثَلًا كَمْ مِنَ الْخِرَافِ أَوْ كَمْ مِنَ الْأُسُودِ فِي الْعَالَمِ، أَوْ كَمْ مِنْ حَبَّاتِ الرَّمْلِ فِي الْبَحْرِ. وَبِالْمِثْلِ، نَالَ آدَمُ إِيمَانًا مَسْكُوبًا وَمَعْرِفَةً بِالْأُمُورِ فَوْقَ الطَّبِيعِيَّةِ: أَيِ الثَّالُوثَ الْأَقْدَسَ، وَتَجَسُّدَ الْمَسِيحِ (وَلَكِنْ لَيْسَ سُقُوطَهُ الْمُسْتَقْبَلِيَّ)، وَكَذَلِكَ سُقُوطَ الْمَلَائِكَةِ. كَذَلِكَ نَالَ حِكْمَةً مَسْكُوبَةً بِشَأْنِ كُلِّ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَتَجَنُّبُهُ. وَأَخِيرًا بَلَغَ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّأَمُّلِ فِي اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ. هَكَذَا قَالَ بِيرِيرِيُوسُ نَقْلًا عَنِ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ وَغْرِيغُورِيُوسَ.
رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْأَحْكَامِ، الْحُكْمِ ٣٢٨: «يَنَامُ آدَمُ»، يَقُولُ، «لِتُصْنَعَ حَوَّاءُ؛ يَمُوتُ الْمَسِيحُ لِتُصْنَعَ الْكَنِيسَةُ. بَيْنَمَا يَنَامُ آدَمُ تُصْنَعُ حَوَّاءُ مِنْ جَنْبِهِ؛ وَحِينَ يَمُوتُ الْمَسِيحُ يُطْعَنُ جَنْبُهُ بِرُمْحٍ، لِتَفِيضَ مِنْهُ الْأَسْرَارُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي بِهَا تُؤَسَّسُ الْكَنِيسَةُ.»
أَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ — لَاحِظْ أَوَّلًا، ضِدَّ كَايِتَانُوسَ، أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا تُقَالُ رَمْزِيًّا بَلْ حَرْفِيًّا كَمَا تَبْدُو. هَكَذَا يُعَلِّمُ الْآبَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
سَتَعْتَرِضُ: إِذَنْ كَانَ آدَمُ مُشَوَّهًا قَبْلَ نَزْعِ هَذَا الضِّلَعِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بَعْدَ نَزْعِهِ بَقِيَ نَاقِصًا وَمَبْتُورَ الضِّلَعِ.
يُجِيبُ كَاتَارِينُوسُ أَنَّ اللهَ أَعَادَ لِآدَمَ ضِلَعًا آخَرَ مَعَ لَحْمٍ بَدَلًا مِنْ هَذَا الضِّلَعِ. لَكِنْ لِأَنَّ مُوسَى يَقُولُ صَرَاحَةً: «أَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلَاعِهِ، وَمَلَأَ» لَا ضِلَعًا بَلْ «لَحْمًا مَكَانَهَا».
مِنْ هُنَا، ثَانِيًا، يُجِيبُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَغَيْرُهُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ أَنَّ ضِلَعَ آدَمَ هَذَا كَانَ كَالْبَذْرَةِ، الَّتِي هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الْفَرْدِ لَكِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ لِتَوْلِيدِ النَّسْلِ. فَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، كَانَ ضِلَعُ آدَمَ هَذَا زَائِدًا عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِهِ شَخْصًا فَرْدًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَرُورِيًّا لَهُ بِاعْتِبَارِهِ رَأْسَ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَشْتَلَ جَمِيعِ الْبَشَرِ الَّذِي مِنْهُ تُنْتَجُ كُلٌّ مِنْ حَوَّاءَ وَسَائِرِ الْبَشَرِ. فَإِنَّ حَوَّاءَ لَمْ يَكُنْ بِالْإِمْكَانِ إِنْتَاجُهَا كَمَا يُنْتَجُ النَّسْلُ الْآنَ بِالْبَذْرَةِ؛ فَقَضَى اللهُ إِذَنْ أَنْ تُنْتَجَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ، لِلسَّبَبِ الَّذِي سَيُذْكَرُ حَالًا.
أَقُولُ ثَانِيًا: يَبْدُو أَنَّ اللهَ مَعَ الضِّلَعِ أَخَذَ أَيْضًا اللَّحْمَ الْمُلْتَصِقَ بِالضِّلَعِ مِنْ آدَمَ: فَإِنَّ آدَمَ نَفْسَهُ يَقُولُ فِي الْآيَةِ ٢٣: «هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي»؛ إِذَنْ حَوَّاءُ لَمْ تُصَغْ مِنْ عَظْمِ آدَمَ وَضِلَعِهِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا مِنَ اللَّحْمِ الْمُلْتَصِقِ بِالضِّلَعِ.
الْآيَةُ ٢٢: بَنَى الضِّلَعَ امْرَأَةً
أَقُولُ ثَالِثًا: مِنْ هَذَا الضِّلَعِ اللَّحْمِيِّ، كَأَسَاسٍ، أَضَافَ إِلَيْهِ اللهُ مَادَّةً أُخْرَى — إِمَّا بِالْخَلْقِ، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ تُومَا، أَوْ بِالْأَحْرَى مِنَ التُّرَابِ وَالْهَوَاءِ الْمُحِيطِ (فَإِنَّهُ بَعْدَ الْخَلْقِ الْحَقِيقِيِّ الْأَوَّلِ فِي الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، لَمْ يُنْتِجِ اللهُ أَيَّ جُزْءٍ جَدِيدٍ مِنَ الْمَادَّةِ) — فَصَاغَ الْمَرْأَةَ بِمَهَارَةٍ عَجِيبَةٍ، كَمَا صَاغَ آدَمَ مِنَ الطِّينِ. وَمِنْ هُنَا تُتَرْجِمُ النُّسْخَةُ الْعَرَبِيَّةُ: أَنْمَى الضِّلَعَ الْمَأْخُوذَ مِنْ آدَمَ امْرَأَةً، أَيْ إِلَى امْرَأَةٍ؛ وَلَيْسَ هَذَا لَحْنًا بَلْ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ. فَإِنَّ الْعَرَبَ يَفْتَقِرُونَ إِلَى حَرْفِ الْجَرِّ «إِلَى» الدَّالِّ عَلَى التَّحَوُّلِ أَوِ الِانْتِقَالِ. فَيَقُولُونَ: ذَهَبَ الْمَدِينَةَ، أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ. حَوَّلَ الْمَاءَ خَمْرًا، أَيْ إِلَى خَمْرٍ. أَنْمَى الضِّلَعَ امْرَأَةً، أَيْ إِلَى امْرَأَةٍ.
أَقُولُ رَابِعًا: مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ الثَّانِي، الْآيَةِ ٢٢، يَبْدُو أَنَّ اللهَ حَمَلَ هَذَا الضِّلَعَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، مُنْفَصِلٍ قَلِيلًا عَنْ آدَمَ النَّائِمِ، وَهُنَاكَ بَنَى حَوَّاءَ مِنْهُ، وَمَلَأَهَا عِلْمًا وَنِعْمَةً كَمَا مَلَأَ آدَمَ، وَهُنَاكَ تَكَلَّمَ مَعَ حَوَّاءَ؛ ثُمَّ حِينَ اسْتَيْقَظَ آدَمُ، قَادَ حَوَّاءَ إِلَيْهِ كَعَرُوسٍ إِلَى عَرِيسِهَا، لِيَجْمَعَهُمَا فِي زَوَاجٍ لَا يَنْحَلُّ، أَيْ لِيَتَّحِدَ رَجُلٌ وَاحِدٌ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِيُلْغِيَ كُلَّ تَعَدُّدٍ لِلزَّوْجَاتِ وَكُلَّ طَلَاقٍ. فَتَعَجَّبَ آدَمُ كَأَنَّهُ فِي جَذْبَتِهِ رَأَى ضِلَعَهُ يُنْتَزَعُ مِنْهُ وَحَوَّاءَ تُصَاغُ مِنْهُ، فَصَرَخَ قَائِلًا: «هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي»، أَيْ أَنَّ حَوَّاءَ هَذِهِ صُنِعَتْ مِنْ أَحَدِ عِظَامِي، لِتَكُونَ عَرُوسِي الْأَحَبَّ وَالْأَشَدَّ ارْتِبَاطًا بِي. فَإِنَّ السَّبَبَ فِي أَنَّ حَوَّاءَ صُنِعَتْ مِنْ جَنْبِ آدَمَ وَضِلَعِهِ كَانَ لِيُعَلِّمَنَا اللهُ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُبُّ الزَّوْجَيْنِ عَظِيمًا، وَكَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الزَّوَاجُ مُقَدَّسًا وَوَثِيقًا وَلَا يَنْحَلُّ؛ أَيْ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ، كَمَا أَنَّهُمَا كَأَنَّهُمَا عَظْمٌ وَاحِدٌ وَجَسَدٌ وَاحِدٌ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُمَا كَأَنَّ لَهُمَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ وَإِرَادَةٌ وَاحِدَةٌ، بِحَيْثُ تَكُونُ لِكِلَيْهِمَا كَأَنَّ لَهُمَا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ، لَا فِي جَسَدَيْنِ بَلْ فِي الْعَظْمِ وَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ الْمُنْقَسِمِ إِلَى جُزْأَيْنِ.
أَسْبَابُ الْقِدِّيسِ تُومَا الْخَمْسَةُ لِمَاذَا صِيغَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ
اسْمَعِ الْقِدِّيسَ تُومَا، الْجُزْءَ الْأَوَّلَ، الْمَسْأَلَةَ ٩٢، الْمَادَّةَ ٢: «كَانَ مِنَ اللَّائِقِ»، يَقُولُ، «أَنْ تُصَاغَ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ، أَكْثَرَ مِمَّا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ.
«أَوَّلًا، لِكَيْ تُحْفَظَ لِلْإِنْسَانِ الْأَوَّلِ كَرَامَةٌ مَا: بِحَيْثُ يَكُونَ هُوَ أَيْضًا، عَلَى مِثَالِ اللهِ، مَبْدَأَ نَوْعِهِ بِأَسْرِهِ، كَمَا أَنَّ اللهَ مَبْدَأُ الْكَوْنِ كُلِّهِ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ بُولُسُ أَيْضًا فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ١٧ إِنَّ اللهَ صَنَعَ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ مِنْ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ.
«ثَانِيًا، لِكَيْ يُحِبَّ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَكْثَرَ وَيَلْتَصِقَ بِهَا الْتِصَاقًا لَا يَنْفَصِلُ، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّهَا أُنْتِجَتْ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ الثَّانِي: مِنَ الرَّجُلِ أُخِذَتْ: لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ. وَهَذَا كَانَ ضَرُورِيًّا بِشَكْلٍ خَاصٍّ فِي الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي يَبْقَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مَعًا طَوَالَ الْحَيَاةِ؛ وَهَذَا لَا يَحْدُثُ فِي الْحَيَوَانَاتِ الْأُخْرَى.
«ثَالِثًا، لِأَنَّهُ كَمَا يَقُولُ الْفَيْلَسُوفُ فِي الْكِتَابِ الثَّامِنِ مِنَ الْأَخْلَاقِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى يَجْتَمِعَانِ عِنْدَ الْبَشَرِ لَا لِضَرُورَةِ التَّنَاسُلِ فَحَسْبُ كَمَا فِي الْحَيَوَانَاتِ الْأُخْرَى، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الْحَيَاةِ الْمَنْزِلِيَّةِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالٌ لِلزَّوْجِ وَأَعْمَالٌ لِلزَّوْجَةِ، وَفِيهَا الرَّجُلُ رَأْسُ الْمَرْأَةِ: فَمِنَ الْمُنَاسِبِ إِذَنْ أَنْ تُصَاغَ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَمَنْ مَبْدَئِهَا.
«الرَّابِعُ هُوَ السَّبَبُ السِّرِّيُّ. فَبِهَذَا يُرْمَزُ إِلَى أَنَّ الْكَنِيسَةَ تَأْخُذُ مَبْدَأَهَا مِنَ الْمَسِيحِ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ فِي أَفَسُسَ ٥: هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَقُولُ فِي الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ.»
وَفِي الْمَادَّةِ ٣: «كَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ»، يَقُولُ، «أَنْ تُصَاغَ الْمَرْأَةُ مِنْ ضِلَعِ الرَّجُلِ. أَوَّلًا، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ شَرَاكَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ. فَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُصَغْ مِنْ رَأْسِهِ؛ وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَحْتَقِرَهَا بِاعْتِبَارِهَا خَادِمَةً مُسْتَعْبَدَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ تُصَغْ مِنْ قَدَمَيْهِ. ثَانِيًا، بِسَبَبِ السِّرِّ الْمُقَدَّسِ: لِأَنَّ مِنْ جَنْبِ الْمَسِيحِ النَّائِمِ عَلَى الصَّلِيبِ جَرَتِ الْأَسْرَارُ الْمُقَدَّسَةُ، أَيِ الدَّمُ وَالْمَاءُ، اللَّذَانِ بِهِمَا تَأَسَّسَتِ الْكَنِيسَةُ.»
أَضِفْ: أَرَادَ اللهُ فِي إِنْتَاجِ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَنْ يُحَاكِيَ وِلَادَتَهُ الْأَزَلِيَّةَ وَانْبِثَاقَهُ؛ فَكَمَا أَنَّهُ مِنَ الْأَزَلِ وَلَدَ الِابْنَ، وَمِنَ الِابْنِ انْبَثَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ، كَذَلِكَ فِي الزَّمَنِ أَنْتَجَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، فَوَلَدَهُ إِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ كَابْنٍ؛ وَمِنْهُ أَنْتَجَ حَوَّاءَ الَّتِي سَتَكُونُ حُبَّ آدَمَ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ هُوَ حُبُّ اللهِ.
وَأَخِيرًا، أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ فِي الْفِرْدَوْسِ يُعَلِّمُهُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَالْقِدِّيسُ تُومَا وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ؛ وَيُؤَيِّدُهُ السِّيَاقُ التَّارِيخِيُّ وَتَسَلْسُلُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.
يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ آدَمَ نُقِلَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ فَوْرَ خَلْقِهِ؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ صِيغَتْ حَوَّاءُ مِنْ ضِلَعِهِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مُوسَى، مُبَاشَرَةً بَعْدَ نَقْلِ آدَمَ هَذَا، يُلْحِقُ تَكْوِينَ حَوَّاءَ مِنْ آدَمَ.
يُخْطِئُ إِذَنْ كَاتَارِينُوسُ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّ حَوَّاءَ أُنْتِجَتْ لَا فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ بَلْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. وَيُخْطِئُ أَيْضًا كَايِتَانُوسُ الَّذِي يَرَى أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ أُنْتِجَا مَعًا فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا مِنَ الزَّمَنِ.
الْآيَةُ ٢٣: هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي
هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ — أَيْ أَبْعِدُوا عَنِّي الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي أُحْضِرَتْ أَمَامِي سَابِقًا — لَا تُعْجِبُنِي وَلَا تُنَاسِبُنِي، لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ عَنِّي فِي النَّوْعِ وَوُجُوهُهَا مُنْحَنِيَةٌ نَحْوَ الْأَرْضِ؛ وَهِيَ عَدِيمَةُ الْكَلَامِ وَالْعَقْلِ. أَمَّا حَوَّاءُ هَذِهِ فَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِي، شَرِيكَةٌ فِي الْعَقْلِ وَالْمَشُورَةِ وَالْمُحَادَثَةِ وَالْكَلَامِ، وَأَخِيرًا جُزْءٌ مِنْ لَحْمِي وَعَظْمِي. هَكَذَا قَالَ دِلْرِيُو.
يَرْوِي التَّلْمُودِيُّونَ رِوَايَةً خُرَافِيَّةً، بِحَسَبِ أَبُولِنْسِيسَ، أَنَّ آدَمَ قَبْلَ حَوَّاءَ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى أُنْتِجَتْ مِنْ طِينِ الْأَرْضِ اسْمُهَا لِيلِيثُ، عَاشَ مَعَهَا ١٣٠ سَنَةً خِلَالَهَا كَانَ مَحْرُومًا بِسَبَبِ أَكْلِ الثَّمَرَةِ الْمَمْنُوعَةِ؛ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ طَوَالَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَدَ مِنْهَا لَا بَشَرًا بَلْ شَيَاطِينَ؛ ثُمَّ أَخَذَ حَوَّاءَ الْمُنْتَجَةَ مِنْ ضِلَعِهِ وَمِنْهَا أَنْجَبَ بَشَرًا. هَذِهِ هَذَيَانَاتُهُمْ، الَّتِي بِهَا يُضْطَرُّونَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُمْ إِخْوَةُ الشَّيَاطِينِ، إِذْ إِنَّ أَبَاهُمْ آدَمَ وَلَدَ شَيَاطِينَ.
كَلِمَةُ «الْآنَ» إِذَنْ لَا تُشِيرُ إِلَى زَوْجَةٍ سَابِقَةٍ، بَلْ جُزْئِيًّا إِلَى الْحَيَوَانَاتِ كَمَا قُلْتُ، وَجُزْئِيًّا إِلَى حَوَّاءَ، أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الْآنَ، أَيْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، صِيغَتْ هَكَذَا، أَيْ مِنَ الرَّجُلِ: فَإِنَّ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي سَيَكُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَنْ تُولَدَ أَيٌّ مِنْهُنَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَتُنْجَبُ بِالتَّوَالُدِ الطَّبِيعِيِّ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، فِي الْمَوْعِظَةِ ١٥ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ فِي خُطْبَتِهِ عَنْ يُولِيتَّا، مِنْ كَلِمَاتِ السَّيِّدَةِ يُولِيتَّا وَفِكْرِهَا، الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِالنَّارِ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ، يَقُولُ: «الْمَرْأَةُ خَلَقَهَا الْخَالِقُ قَادِرَةً عَلَى الْفَضِيلَةِ بِالتَّسَاوِي مَعَ الرَّجُلِ. فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ لَحْمٌ فَحَسْبُ لِبِنَاءِ الْمَرْأَةِ، بَلْ أَيْضًا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ؛ وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي لَنَا نَحْنُ النِّسَاءَ أَنْ نَرُدَّ إِلَى الرَّبِّ لَا أَقَلَّ مِنَ الرِّجَالِ ثَبَاتَ الْإِيمَانِ وَالصَّلَابَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّبْرَ فِي الشَّدَائِدِ.» وَبَعْدَ أَنْ قَالَتْ هَذَا مُعَزِّيَةً السَّيِّدَاتِ الْبَاكِيَاتِ، قَفَزَتْ فِي كَوْمَةِ الْحَطَبِ الْمُشْتَعِلَةِ، الَّتِي كَأَنَّهَا حُجْرَةُ عُرْسٍ مُتَأَلِّقَةٌ بِالْبَهَاءِ، احْتَضَنَتْ جَسَدَ الْقِدِّيسَةِ يُولِيتَّا وَأَرْسَلَتْ رُوحَهَا إِلَى السَّمَاءِ بِالْفِعْلِ، بَيْنَمَا حَفِظَتْ جَسَدَهَا الْمُوَقَّرَ بِكَرَامَةٍ فَائِقَةٍ سَلِيمًا دُونَ أَذًى لِأَقَارِبِهَا وَذَوِيهَا؛ بَلْ إِنَّ الْأَرْضَ عِنْدَ وُصُولِ هَذِهِ الطُّوبَاوِيَّةِ أَرْسَلَتْ مَاءً بِغَزَارَةٍ حَتَّى إِنَّ الشَّهِيدَةَ تُقَدِّمُ صُورَةَ أُمٍّ مُحِبَّةٍ جِدًّا، إِذْ تُغَذِّي سُكَّانَ الْمَدِينَةِ بِلُطْفٍ كَمُرْضِعَةٍ، كَأَنَّمَا بِلَبَنٍ يَفِيضُ بِوَفْرَةٍ لِلِاسْتِعْمَالِ الْعَامِّ.
وَمِنْ هُنَا تُسَمَّى امْرَأَةً لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ الرَّجُلِ — لَا يُؤَدِّي الْمُتَرْجِمُ كَامِلَ قُوَّةِ الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ: وَهَكَذَا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ يَتَّضِحُ أَنَّ آدَمَ تَكَلَّمَ بِالْعِبْرِيَّةِ. فَإِنَّ كَلِمَةَ «فِيرَاجُو» بِاللَّاتِينِيَّةِ لَا تَدُلُّ عَلَى الطَّبِيعَةِ أَوِ الْجِنْسِ، بَلْ عَلَى الشَّجَاعَةِ وَالْجَسَارَةِ الذُّكُورِيَّةِ فِي الْمَرْأَةِ. أَمَّا الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «إِشَّاه» فَتَدُلُّ عَلَى طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ وَجِنْسِهَا، لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ «إِيشْ»، أَيْ مِنْ «رَجُلٍ»، بِإِضَافَةِ الْهَاءِ التَّأْنِيثِيَّةِ، بِمَعْنَى: تُسَمَّى «فِيرَا» (كَمَا كَانَ يَقُولُ اللَّاتِينُ الْقُدَمَاءُ، بِحَسَبِ سِكْسْتُوسَ بُومْبِيُوسَ) لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ الرَّجُلِ. هَكَذَا صَنَعَ سِيمَّاخُوسُ بِالْيُونَانِيَّةِ مِنْ «أَنْدْرُوسْ» (رَجُلٍ) صَاغَ «أَنْدْرِيسْ»، بِحَسَبِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ؛ وَثِيُودُوتِيُونُ يُتَرْجِمُ: تُسَمَّى «اتِّخَاذًا» لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنَ الرَّجُلِ؛ فَهُوَ يُشْتِقُّ «إِشَّاه» مِنَ الْجَذْرِ «نَاسَا»، أَيِ اتَّخَذَ، أَخَذَ، حَمَلَ؛ لَكِنَّ التَّرْجَمَةَ الْأُولَى لِلْآخَرِينَ هِيَ الصَّحِيحَةُ.
تَلَاعُبُ الرَّابِّي إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَزْرَا بِكَلِمَتَيْ إِيشْ وَإِشَّاه
رَمْزِيًّا وَبِلَطَافَةٍ، يُلَاحِظُ الرَّابِّي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَزْرَا أَنَّ كَلِمَةَ «إِشَّاه» تَحْتَوِي عَلَى اسْمِ اللهِ الْمُخْتَصَرِ «يَاهْ»، الَّذِي هُوَ مُؤَسِّسُ الزَّوَاجِ؛ وَمَا دَامَ هَذَا الِاسْمُ بَاقِيًا فِي الزَّوَاجِ (وَهُوَ يَبْقَى مَا دَامَ الزَّوْجَانِ يَخَافَانِ اللهَ وَيُحِبُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ)، فَإِنَّ اللهَ يَحْضُرُ الزَّوَاجَ وَيُبَارِكُهُ. أَمَّا إِذَا تَبَاغَضَا وَنَسِيَا اللهَ، فَعِنْدَئِذٍ يَطْرَحُ الزَّوْجَانِ ذَلِكَ الِاسْمَ؛ وَهَكَذَا حِينَ تُنْزَعُ الْيَاءُ وَالْهَاءُ اللَّتَانِ تُكَوِّنَانِ «يَاهْ»، لَا يَبْقَى مِنْ «إِيشْ» وَ«إِشَّاه»، أَيْ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، سِوَى «إِشْ إِشْ»، أَيْ نَارٌ وَنَارٌ — أَيْ نَارُ الْمُشَاجَرَاتِ وَالْمَتَاعِبِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَفِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ النَّارُ الْأَبَدِيَّةُ.
الْآيَةُ ٢٤: لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ
هَذِهِ لَيْسَتْ كَلِمَاتِ مُوسَى كَمَا يَرَى كَالْفِينُوسُ، بَلْ كَلِمَاتِ آدَمَ، أَوْ بِالْأَحْرَى كَلِمَاتِ اللهِ الَّذِي يُؤَكِّدُ كَلِمَاتِ آدَمَ وَيَسْتَخْلِصُ مِنْهَا شَرِيعَةَ الزَّوَاجِ وَيُصَادِقُ عَلَيْهَا بِمَرْسُومِهِ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ نَسَبَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِلَى اللهِ فِي مَتَّى ١٩: ٥. هَذِهِ إِذَنْ هِيَ شَرِيعَةُ الزَّوَاجِ وَشَرَاكَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ، فَالزَّوْجُ مُلْزَمٌ بِأَنْ يَتْرُكَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ مِنْ أَجْلِ الزَّوْجِ الْآخَرِ. وَيُفْهَمُ هَذَا مِنْ حَيْثُ الْمُسَاكَنَةِ وَشَرَاكَةِ الْحَيَاةِ؛ فَإِنَّهُ فِي حَالَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ مِنَ الْمَجَاعَةِ أَوْ ضَرُورَةٍ مُمَاثِلَةٍ، يَنْبَغِي مُسَاعَدَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِالْأَوْلَى، بِاعْتِبَارِهِمَا مَصْدَرَ الْحَيَاةِ، عَلَى مُسَاعَدَةِ الزَّوْجِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ تُومَا، الْجُزْءُ الثَّانِي مِنَ الثَّانِي، الْمَسْأَلَةُ ٢٦، الْمَادَّةُ ١١، الْجَوَابُ ١.
وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ — يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ «بْرُوسْكُولِّيثِيسِتَايْ»، الَّذِي يُتَرْجِمُهُ تِرْتُولِّيَانُوسُ بِمَهَارَةٍ «يُلْصَقُ بِهَا». فَالْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «دَابَاق» تَدُلُّ عَلَى أَوْثَقِ اتِّحَادٍ مُمْكِنٍ. هَكَذَا الْتَصَقَتْ سَارَةُ بِإِبْرَاهِيمَ، وَرِفْقَةُ بِإِسْحَاقَ، وَسَارَةُ بِطُوبِيَّا، وَسُوسَنَّةُ بِيَهُويَاقِيمَ.
أَمْثِلَةٌ عَلَى حُبِّ الْأَزْوَاجِ
اسْمَعْ أَيْضًا الْوَثَنِيِّينَ. ثِيُوجِينَا، زَوْجَةُ أَغَاثُوقْلِيسَ مَلِكِ صِقِلِّيَّةَ، لَمْ تَسْمَحْ بِأَيِّ حَالٍ أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْ زَوْجِهَا الْمَرِيضِ، قَائِلَةً إِنَّهَا بِالزَّوَاجِ دَخَلَتْ شَرَاكَةً لَا لِلرَّخَاءِ فَحَسْبُ بَلْ لِكُلِّ قَدَرٍ، وَإِنَّهَا سَتَشْتَرِي بِطِيبِ خَاطِرٍ بِخَطَرِ حَيَاتِهَا فُرْصَةَ اسْتِقْبَالِ آخِرِ أَنْفَاسِ زَوْجِهَا.
هِيبْسِيقْرَاتِيَا، زَوْجَةُ مِيثْرِيدَاتِسَ مَلِكِ بُنْطُسَ، تَبِعَتْ زَوْجَهَا الْمَهْزُومَ الْفَارَّ فِي جَمِيعِ مِحَنِهِ.
لَا يُنْسَى مَثَلُ نِسَاءِ إِسْبَارْطَةَ اللَّوَاتِي حَرَّرْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الْأَسْرَى بِتَبَادُلِ الثِّيَابِ مَعَهُمْ، وَخَضَعْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ لِيَحْلُلْنَ مَحَلَّ الْأَسْرَى.
هَكَذَا الْتَصَقَتْ بِينِيلُوبِي بِأُولِيسَ؛ اسْمَعِ الشَّاعِرَ:
بِينِيلُوبِي الْمَخْطُوبَةُ أَرَادَتْ أَنْ تَتْبَعَ أُولِيسَ،
إِلَّا أَنَّ أَبَاهَا إِيكَارِيُوسَ فَضَّلَ أَنْ يُبْقِيَهَا مَعَهُ.
ذَاكَ يَعْرِضُ إِيثَاكَا، وَهَذَا يَعْرِضُ إِسْبَارْطَةَ، وَالْعَذْرَاءُ الْقَلِقَةُ تَنْتَظِرُ:
مِنْ جِهَةٍ أَبُوهَا، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى حُبُّ زَوْجِهَا الْمُتَبَادَلُ يَدْفَعُهَا.
فَجَلَسَتْ وَحَجَبَتْ وَجْهَهَا وَسَتَرَتْ عَيْنَيْهَا؛
كَانَتْ هَذِهِ عَلَامَاتِ الْحَيَاءِ الْعَفِيفِ.
بِهَا عَرَفَ إِيكَارِيُوسُ أَنَّ أُولِيسَ فُضِّلَ عَلَيْهِ،
وَأَقَامَ مَذْبَحًا لِلْحَيَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
عَظِيمًا كَانَ مَثَلُ غْرَاكُوسَ الرُّومَانِيِّ، الَّذِي وُجِدَ فِي بَيْتِهِ حَيَّتَانِ؛ فَلَمَّا أَجَابَ الْعَرَّافُونَ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ سَيَعِيشُ إِذَا قُتِلَتِ الْحَيَّةُ مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ: بَلِ اقْتُلُوا حَيَّتِي أَنَا، قَالَ غْرَاكُوسُ؛ فَإِنَّ كُورْنِيلِيَا زَوْجَتِي شَابَّةٌ وَلَا تَزَالُ قَادِرَةً عَلَى الْإِنْجَابِ. وَكَانَ بِذَلِكَ يُبْقِي عَلَى زَوْجَتِهِ وَيَخْدُمُ الْجُمْهُورِيَّةَ، بَيْنَمَا يَظَلُّ دَائِمًا الزَّوْجَ الصَّالِحَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْقُدَمَاءُ رَجُلًا عَظِيمًا فِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ.
دِيدُو، أُخْتُ بِيغْمَالِيُونَ، بَعْدَ أَنْ جَمَعَتْ كَثِيرًا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَبْحَرَتْ إِلَى أَفْرِيقِيَا وَأَسَّسَتْ هُنَاكَ قَرْطَاجَ؛ وَحِينَ خَطَبَهَا هِيَارْبَاسُ مَلِكُ لِيبْيَا لِلزَّوَاجِ، بَنَتْ مَحْرَقَةً تَذْكَارِيَّةً لِزَوْجِهَا الرَّاحِلِ سِيخَايُوسَ وَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا فِيهَا، مُفَضِّلَةً الِاحْتِرَاقَ عَلَى الزَّوَاجِ بِآخَرَ. امْرَأَةٌ عَفِيفَةٌ أَسَّسَتْ قَرْطَاجَ؛ وَمَرَّةً أُخْرَى انْتَهَتِ الْمَدِينَةُ نَفْسُهَا فِي مَدْحِ الْعَفَافِ.
فَإِنَّ زَوْجَةَ هَسْدْرُوبَالَ، حِينَ سُقِطَتْ قَرْطَاجُ وَأُحْرِقَتْ، وَرَأَتْ أَنَّهَا عَلَى وَشْكِ أَنْ يَأْسِرَهَا الرُّومَانُ، أَمْسَكَتْ بِطِفْلَيْهَا الصَّغِيرَيْنِ وَاحِدًا فِي كُلِّ يَدٍ، وَأَلْقَتْ بِنَفْسِهَا فِي النَّارِ الْمُشْتَعِلَةِ تَحْتَ بَيْتِهَا.
زَوْجَةُ نِيقِيرَاتُوسَ، الَّتِي لَمْ تَحْتَمِلِ الظُّلْمَ الْوَاقِعَ عَلَى زَوْجِهَا، أَزْهَقَتْ رُوحَهَا بِنَفْسِهَا، لِئَلَّا تُضْطَرَّ إِلَى احْتِمَالِ شَهْوَةِ الطُّغَاةِ الثَّلَاثِينَ الَّذِينَ فَرَضَهُمْ لِيسَانْدِرُوسُ عَلَى أَثِينَا الْمَهْزُومَةِ.
وَيَكُونَانِ الِاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا — أَيْ أَنَّ الِاثْنَيْنِ، يَعْنِي الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، يَكُونَانِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، أَيْ فِي بَدَنٍ وَاحِدٍ، أَيْ يَقْتَرِنَانِ وَيَمْتَزِجَانِ فِي الْمُسَاكَنَةِ وَالْحَيَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالنَّسْلِ وَالِاتِّحَادِ الزَّوْجِيِّ.
وَهَكَذَا يَكُونُ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ جَسَدًا وَاحِدًا. أَوَّلًا، بِالِاتِّحَادِ الْجَسَدِيِّ؛ هَكَذَا يُفَسِّرُ الرَّسُولُ فِي ١ كُورِنْثُوسَ ٦: ١٦. ثَانِيًا، يَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا مَجَازِيًّا، أَيْ يَكُونَانِ شَخْصًا وَاحِدًا، شَخْصًا مَدَنِيًّا وَاحِدًا. فَإِنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ يُعْتَبَرَانِ مَدَنِيًّا وَاحِدًا وَهُمَا وَاحِدٌ. ثَالِثًا، لِأَنَّ الزَّوْجَ سَيِّدُ جَسَدِ رَفِيقِهِ، وَهَكَذَا فَإِنَّ لَحْمَ الْوَاحِدِ هُوَ لَحْمُ الْآخَرِ، ١ كُورِنْثُوسَ ٧: ٣. رَابِعًا، فِعْلِيًّا: لِأَنَّهُمَا يُوَلِّدَانِ جَسَدًا وَاحِدًا، أَيِ النَّسْلَ.
لَاحِظْ: بَيْنَ الرَّوَابِطِ الْبَشَرِيَّةِ، أَوْثَقُهَا وَأَشَدُّهَا حُرْمَةً هُوَ رَابِطَةُ الزَّوَاجِ. وَلِذَلِكَ صَنَعَ اللهُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ، لِلدَّلَالَةِ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ لَيْسَا اثْنَيْنِ بِقَدْرِ مَا هُمَا وَاحِدٌ. ثَانِيًا، أَنَّهُمَا لَا يَنْقَسِمَانِ وَلَا يَنْفَصِلَانِ؛ فَكَمَا أَنَّ الْجَسَدَ الْوَاحِدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَسِمَ وَيَبْقَى وَاحِدًا، كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فَصْلُ الزَّوْجِ عَنِ الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ جَسَدٌ وَاحِدٌ مَعَ زَوْجِهِ. فَالِانْقِسَامُ، أَيِ الطَّلَاقُ وَتَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، يُنَاقِضَانِ الْوَحْدَةَ. ثَالِثًا، أَنَّهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا وَاحِدًا فِي الْحُبِّ وَالْإِرَادَةِ. اُنْظُرْ رُوبِرْتُوسَ هُنَا. وَلِذَلِكَ قَالَ فِيثَاغُورَسُ إِنَّ فِي صَدَاقَةِ الزَّوَاجِ نَفْسًا وَاحِدَةً فِي جَسَدَيْنِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ نِيصِّينُوسُ (إِنْ كَانَ هُوَ مُؤَلِّفَ الْكِتَابِ حَقًّا) فِي كِتَابِهِ «فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ»، الْفَصْلِ ١٧، وَدِمَشْقِيُّوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي الْإِيمَانِ»، الْفَصْلِ ٣٠، وَأُوثِيمِيُوسُ عَلَى الْمَزْمُورِ ٥٠، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنْ «سِفْرِ التَّكْوِينِ ضِدَّ الْمَانَوِيِّينَ»، الْفَصْلِ ١٩، وَفِي «فِي الدِّينِ الْحَقِيقِيِّ»، الْفَصْلِ ٤٦ — أَيْ أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثَ أَيُّ اتِّحَادٍ جِنْسِيٍّ، بَلْ كَانَ الْبَشَرُ سَيُخْلَقُونَ بِطَرِيقَةٍ مَلَائِكِيَّةٍ مَا — لَيْسَ صَحِيحًا. فَإِنَّهُ هُنَا يُقَالُ صَرَاحَةً إِنَّ «الِاثْنَيْنِ يَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا»، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُهُ الرَّسُولُ بِالِاتِّحَادِ الْجِنْسِيِّ كَمَا قُلْتُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ تَرَاجَعَ عَنْ رَأْيِهِ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ «التَّرَاجُعَاتِ»، الْفَصْلِ ١٠، وَيَتْبَعُهُ الْعُلَمَاءُ عُمُومًا الْآنَ. يُخْطِئُ إِذَنْ فَابِرُ سْتَابُولِنْسِيسُ فِي شَرْحِهِ لِكِتَابِ رِيكَارْدُوسَ الْفِيكْتُورِيِّ «فِي الثَّالُوثِ الْأَقْدَسِ»، الَّذِي يَحْلُمُ وَيَقُولُ إِنَّ آدَمَ لَوْ لَمْ يُخْطِئْ لَكَانَ وَلَدَ مِنْ ذَاتِهِ بِلَا امْرَأَةٍ ذَكَرًا شَبِيهًا بِهِ؛ وَأَلْمَارِيكُوسُ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكُونَ اخْتِلَافٌ فِي الْجِنْسِ.
كَذَلِكَ يَرَى الْقِدِّيسُ تُومَا، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْمَسْأَلَةُ ٩٨، الْمَادَّةُ ٢، أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ، مَعَ بَقَاءِ سَلَامَةِ الْجَسَدِ (الَّتِي تُسَمَّى الْبَتُولِيَّةَ)، كَانَ سَيَحْدُثُ حَمْلٌ وَوِلَادَةٌ. لَكِنْ كَمَا يُلَاحِظُ بِيرِيرِيُوسُ بِحَقٍّ، فَإِنَّ هَذَا أَيْضًا يَتَعَارَضُ مَعَ هَذَا النَّصِّ وَمَعَ طَبِيعَةِ التَّنَاسُلِ الْبَشَرِيِّ. لِذَا كَانَ التَّنَاسُلُ حِينَئِذٍ سَيَكُونُ مُشَابِهًا لِمَا هُوَ الْآنَ، لَكِنْ بِدُونِ شَهْوَةٍ. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَكُنِ الْبَتُولِيَّةُ لِتُوجَدَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِتَكُونَ فَضِيلَةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. فَإِنَّ الْبَتُولِيَّةَ فَضِيلَةٌ الْآنَ لِأَنَّهَا تَكْبَحُ شَهْوَةَ الشَّبَقِ؛ وَلَكِنْ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ لِتُوجَدَ شَهْوَةٌ أَوْ شَبَقٌ يُكْبَحَانِ؛ لِذَا لَمْ يَكُنْ لِيُوجَدَ عَفَافٌ أَوْ بَتُولِيَّةٌ حِينَئِذٍ. وَمِنْ هُنَا يَرَى بِيرِيرِيُوسُ بِوَجَاهَةٍ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَانَ سَيُولَدُ مِنَ الْإِنَاثِ بِقَدْرِ مَا يُولَدُ مِنَ الذُّكُورِ. فَإِنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا سَيَدْخُلُونَ الزَّوَاجَ، وَزَوَاجًا فَرْدِيًّا، أَيْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مَعَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، بِحَسَبِ مَا أَسَّسَهُ اللهُ هُنَا.
الْآيَةُ ٢٥: وَكَانَا كِلَاهُمَا عُرْيَانَيْنِ وَلَمْ يَخْجَلَا
وَكَانَا كِلَاهُمَا عُرْيَانَيْنِ وَلَمْ يَخْجَلَا — لِأَنَّهُ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ شَهْوَةٌ وَلَا طَمَعٌ جَسَدِيٌّ: فَمِنْ هَذَا يَنْشَأُ الْخَجَلُ وَالِارْتِبَاكُ، إِذَا كُشِفَتِ الْأَعْضَاءُ الَّتِي تَسُودُ فِيهَا الشَّهْوَةُ وَعُرِّيَتْ أَمَامَ الْآخَرِينَ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي «سِفْرِ التَّكْوِينِ حَرْفِيًّا» قُرْبَ الْبِدَايَةِ.
لِذَلِكَ فَإِنَّ الْآدَمِيِّينَ حَمْقَى وَوَقِحُونَ وَأَنْجَاسٌ، هُمُ الَّذِينَ مِثْلَ آدَمَ لَا يَخْجَلُونَ مِنَ الْعُرْيِ — مَعَ أَنَّ آدَمَ فَوْرَ خَطِيئَتِهِ خَجِلَ وَسَتَرَ نَفْسَهُ بِالثِّيَابِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَبِيفَانِيُوسُ بِحَقٍّ فِي رَدِّهِ عَلَى أَمْثَالِهِمْ، الْكِتَابُ الثَّانِي، الْبِدْعَةُ ٥٢.
مِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّ أَفْلَاطُونَ فِي «السِّيَاسِيِّ» اسْتَمَدَّ فِكْرَتَهُ عَنِ الْعُرْيِ الَّتِي نَسَبَهَا إِلَى جَمِيعِ بَشَرِ الْعَصْرِ الذَّهَبِيِّ.
كَذَلِكَ يُخْطِئُ إِيسِيدُورُوسُ كْلَارِيُوسُ فِي ظَنِّهِ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ كَانَ لَهُمَا كَلِبَاسٍ بَهَاءٌ إِلَهِيٌّ وَمَجْدٌ مَا، مِثْلُ الَّذِي سَتَرَ بِهِ اللهُ الْقِدِّيسَةَ أَغْنِيسَ وَعَذَارَى أُخْرَيَاتٍ حِينَ قِيدَتْنَ إِلَى بَيْتِ الدَّعَارَةِ وَجُرِّدْنَ، وَمِثْلُ الَّذِي سَيَكْسُو بِهِ أَجْسَادَ الْقِدِّيسِينَ فِي الْقِيَامَةِ. فَإِنَّ هَذَا مُتَخَيَّلٌ بِلَا أَسَاسٍ وَبَاطِلٌ؛ فَحَيْثُ لَا خَجَلَ وَلَا شَهْوَةَ وَلَا بَرْدَ، لَا حَاجَةَ إِلَى لِبَاسٍ أَوْ نُورٍ.
سَبْعُ امْتِيَازَاتٍ لِحَالَةِ الْبَرَاءَةِ
وَأَخِيرًا، يُعَدِّدُ بِيرِيرِيُوسُ بِجَمَالٍ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ الْخَامِسِ سَبْعَ امْتِيَازَاتٍ لِحَالَةِ الْبَرَاءَةِ. الْأَوَّلُ كَانَ الْحِكْمَةَ الْكَامِلَةَ؛ وَالثَّانِي النِّعْمَةَ وَصَدَاقَةَ اللهِ؛ وَالثَّالِثُ الْبِرَّ الْأَصْلِيَّ؛ وَالرَّابِعُ الْخُلُودَ وَعَدَمَ التَّأَلُّمِ فِي النَّفْسِ وَالْجَسَدِ — لَا الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْأَجْسَادِ الْمُمَجَّدَةِ لِلطُّوبَاوِيِّينَ، بَلِ الْخَارِجِيَّ النَّاشِئَ جُزْئِيًّا مِنْ حِمَايَةِ اللهِ، وَجُزْئِيًّا مِنْ حِكْمَةِ الْإِنْسَانِ وَبَصِيرَتِهِ الَّتِي كَانَ بِهَا يَحْتَرِسُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الضَّارَّةِ وَالْمُؤْذِيَةِ. وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ؛ أَمَّا الثَّلَاثُ الْبَاقِيَاتُ فَكَانَتْ خَارِجَ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ: خَامِسًا، السُّكْنَى فِي الْفِرْدَوْسِ وَالْأَكْلُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ؛ سَادِسًا، عِنَايَةُ اللهِ الْخَاصَّةُ بِالْإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا يَتْبَعُ سَابِعًا، أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يَشْتَهِيَ وَلَا أَنْ يُخْطِئَ خَطِيئَةً عَرَضِيَّةً، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا، وَلَا أَنْ يَضِلَّ وَلَا أَنْ يُخْدَعَ — بَلْ فِي الْأُمُورِ غَيْرِ الْيَقِينِيَّةِ كَانَ إِمَّا يُوقِفُ حُكْمَهُ أَوْ يُكَوِّنُ حُكْمًا مَشْكُوكًا فِيهِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَبْدُو أَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِمَلَكَةٍ أَوْ صِفَةٍ مَخْلُوقَةٍ مَغْرُوسَةٍ فِي الْإِنْسَانِ، بَلْ فَقَطْ بِمُسَانَدَةِ اللهِ وَحِمَايَتِهِ.
اِفْهَمْ هَذَا عَنْ حَالَةِ الْبَرَاءَةِ الْكَامِلَةِ وَالتَّامَّةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا آدَمُ، أَيْ أَنَّهُ كَانَ بَرِيئًا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، سَوَاءٌ شَرُّ الذَّنْبِ أَوِ الْعِقَابِ أَوِ الشَّقَاءِ. وَإِلَّا فَلَوْ أَنَّ اللهَ سَمَحَ لَهُ بِأَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى حَالَةِ بَرَاءَةٍ نَاقِصَةٍ وَيَسْقُطَ، لَكَانَ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يُخْطِئَ خَطِيئَةً عَرَضِيَّةً، وَكَذَلِكَ أَنْ يَضِلَّ وَأَنْ يُخْدَعَ، كَمَا يُعَلِّمُ سْكُوتُوسُ بِحَقٍّ. فِي هَذَا الشَّأْنِ اُنْظُرْ فْرَانْسِيسْكُوسَ الْأَرِيتِينِيَّ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، ص ٤٥٠.
سَبْعُ فَضَائِلَ لِلْمَسِيحِ لَمْ تَكُنْ لِتُوجَدَ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ
وَعَلَى الْعَكْسِ، فَقَدْ رُدَّتْ لَنَا بِالْمَسِيحِ نِعْمَةٌ أَعْظَمُ مِمَّا أُعْطِيَتْ لِآدَمَ، وَهَكَذَا صَارَ لَنَا الْآنَ سَبْعُ فَضَائِلَ لَمْ تَكُنْ لِتُوجَدَ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ: الْأُولَى الْبَتُولِيَّةُ؛ وَالثَّانِيَةُ الصَّبْرُ؛ وَالثَّالِثَةُ التَّوْبَةُ؛ وَالرَّابِعَةُ الِاسْتِشْهَادُ؛ وَالْخَامِسَةُ الصَّوْمُ وَالِامْتِنَاعُ وَكُلُّ إِمَاتَةٍ لِلْجَسَدِ؛ وَالسَّادِسَةُ الْفَقْرُ الدِّينِيُّ وَالطَّاعَةُ؛ وَالسَّابِعَةُ الرَّحْمَةُ وَالصَّدَقَةُ — فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِيُوجَدَ فُقَرَاءُ أَوْ بُؤَسَاءُ، الَّذِينَ نَتَوَافَرُ عَلَيْهِمُ الْآنَ لِنُمَارِسَ الرَّحْمَةَ تِجَاهَهُمْ.
وَأَخِيرًا، فَإِنَّ نِعْمَةً أَعْظَمَ وَأَنْجَعَ تُعْطَى الْآنَ لِلْإِنْسَانِ السَّاقِطِ مِمَّا أُعْطِيَتْ لِآدَمَ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقِدِّيسِينَ الْبَارِزِينَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ أَعْظَمُ الْآنَ أَيْضًا، سَوَاءٌ بِسَبَبِ عِظَمِ النِّعْمَةِ أَوْ بِسَبَبِ صُعُوبَةِ الْعَمَلِ — وَإِنْ كَانَتِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ فِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ حَيْثُ جُهُوزِيَّةِ الْإِرَادَةِ. فَإِنَّ الْإِرَادَةَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً تَمَامًا، لَا أَهْوَاءَ لَهَا مُنَاقِضَةً لِلْفَضِيلَةِ، وَكَانَتْ تَنْدَفِعُ بِدَافِعِ الطَّبِيعَةِ وَالنِّعْمَةِ الْمُنْسَابِ نَحْوَ الْفَضَائِلِ، وَهَكَذَا كَانَتْ لِتُصْدِرَ أَفْعَالًا كَثِيرَةً حَارَّةً وَعَظِيمَةً وَبُطُولِيَّةً لِجَمِيعِ الْفَضَائِلِ.