كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
الْحَيَّةُ تُجَرِّبُ حَوَّاءَ؛ فَتُخْطِئُ هِيَ مَعَ آدَمَ: وَمِنْ ثَمَّ فِي الْآيَةِ ٨ يُوَبِّخُهُمَا اللهُ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ١٤، تُلْعَنُ الْحَيَّةُ مِنَ اللهِ، وَيُوعَدُ بِالْمَسِيحِ الْفَادِي. رَابِعًا، حَوَّاءُ وَآدَمُ، فِي الْآيَةِ ١٦، يُحْكَمُ عَلَيْهِمَا بِالْأَتْعَابِ وَالْأَحْزَانِ وَالْمَوْتِ. وَأَخِيرًا، فِي الْآيَةِ ٢٣، يُطْرَدَانِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، وَيُوضَعُ أَمَامَهُ حَارِسٌ مِنَ الْكَرُوبِيمِ بِسَيْفٍ مُلْتَهِبٍ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: تَكْوِين ٣: ١-٢٤
١. وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَمْكَرَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي صَنَعَهَا الرَّبُّ الْإِلَهُ. فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «لِمَاذَا أَمَرَكُمُ اللهُ أَنْ لَا تَأْكُلَا مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْفِرْدَوْسِ؟» ٢. فَأَجَابَتْهَا الْمَرْأَةُ: «مِنْ ثَمَرِ أَشْجَارِ الْفِرْدَوْسِ نَأْكُلُ: ٣. وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ، فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ أَنْ لَا نَأْكُلَ مِنْهُ، وَأَنْ لَا نَمَسَّهُ، لِئَلَّا نَمُوتَ.» ٤. فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا مَوْتًا.» ٥. «بَلْ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّكُمَا فِي يَوْمِ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا، وَتَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفِينَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.» ٦. فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلْأَكْلِ، وَبَهِيَّةٌ لِلْعُيُونِ، وَشَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ: فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ أَيْضًا رَجُلَهَا فَأَكَلَ. ٧. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا كِلَيْهِمَا: وَلَمَّا عَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ، خَاطَا وَرَقَ تِينٍ وَصَنَعَا لِأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. ٨. وَلَمَّا سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الْإِلَهِ مَاشِيًا فِي الْفِرْدَوْسِ عِنْدَ نَسِيمِ مَا بَعْدَ الظَّهِيرَةِ، اخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الْإِلَهِ فِي وَسَطِ أَشْجَارِ الْفِرْدَوْسِ. ٩. فَنَادَى الرَّبُّ الْإِلَهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟» ١٠. فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْفِرْدَوْسِ، فَخِفْتُ لِأَنِّي عُرْيَانٌ، فَاخْتَبَأْتُ.» ١١. فَقَالَ لَهُ: «مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْهَا؟» ١٢. فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي أَعْطَيْتَنِي إِيَّاهَا رَفِيقَةً، هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ.» ١٣. فَقَالَ الرَّبُّ الْإِلَهُ لِلْمَرْأَةِ: «لِمَاذَا فَعَلْتِ هَذَا؟» فَأَجَابَتْ: «الْحَيَّةُ خَدَعَتْنِي فَأَكَلْتُ.» ١٤. فَقَالَ الرَّبُّ الْإِلَهُ لِلْحَيَّةِ: «لِأَنَّكِ فَعَلْتِ هَذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَحَيَوَانَاتِ الْأَرْضِ: عَلَى صَدْرِكِ تَمْشِينَ، وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. ١٥. وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا: هِيَ تَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَرْصُدِينَ عَقِبَهَا.» ١٦. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا: «أُكَثِّرُ أَتْعَابَكِ وَحَبَلَكِ: بِالْأَوْجَاعِ تَلِدِينَ أَوْلَادًا، وَتَكُونِينَ تَحْتَ سُلْطَةِ رَجُلِكِ، وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ.» ١٧. وَقَالَ لِآدَمَ: «لِأَنَّكَ سَمِعْتَ لِصَوْتِ امْرَأَتِكَ، وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَمَرْتُكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ بِسَبَبِكَ: بِالتَّعَبِ وَالْكَدِّ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. ١٨. شَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْأَرْضِ. ١٩. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا: لِأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ.» ٢٠. وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ كُلِّ حَيٍّ. ٢١. وَصَنَعَ الرَّبُّ الْإِلَهُ لِآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا. ٢٢. وَقَالَ: «هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ: فَالْآنَ لِئَلَّا يَمُدَّ يَدَهُ وَيَأْخُذَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلَ وَيَحْيَا إِلَى الْأَبَدِ.» ٢٣. فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الْإِلَهُ مِنْ فِرْدَوْسِ النَّعِيمِ لِيَفْلَحَ الْأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. ٢٤. فَطَرَدَ آدَمَ، وَأَقَامَ أَمَامَ فِرْدَوْسِ النَّعِيمِ الْكَرُوبِيمَ وَسَيْفًا مُلْتَهِبًا مُتَقَلِّبًا لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ.
الْآيَةُ ١: كَانَتِ الْحَيَّةُ أَمْكَرَ مِنْ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ
يُمْكِنُ، ثَانِيًا، أَنْ تُتَرْجَمَ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ هَكَذَا: كَانَتِ الْحَيَّةُ مُلْتَفَّةً وَمُلْتَوِيَةً فِي طَيَّاتٍ وَانْعِطَافَاتٍ كَثِيرَةٍ؛ إِذْ تَدُلُّ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «عَرَم» عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: وَمِنْ هُنَا تُسَمَّى «عَرَمِيم» أَكْوَامَ حُزَمِ الْحُبُوبِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الِالْتِفَافَاتِ عَلَامَاتُ مَكْرِ الْحَيَّةِ الْبَاطِنِيِّ الَّذِي بِهِ أَوْقَعَتِ الْإِنْسَانَ فِي شِرَاكِهَا.
أَوَّلًا، يَفْهَمُ كَاجِيتَانُوسُ بِـ«الْحَيَّةِ» إِبْلِيسَ، الَّذِي جَرَّبَ حَوَّاءَ لَا بِصَوْتٍ خَارِجِيٍّ، بَلْ بِوَسْوَسَةٍ دَاخِلِيَّةٍ فَحَسْبُ.
ثَانِيًا، يَرَى كِيرِلُّسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ ضِدَّ يُولِيَانُوسَ، وَأُوغُوبِينُوسُ فِي كِتَابِهِ «كُوسْمُوبُويِيَا»، أَنَّ الشَّيْطَانَ هُنَا لَمْ يَتَّخِذْ حَيَّةً حَقِيقِيَّةً، بَلِ اتَّخَذَ مَظْهَرَ الْحَيَّةِ وَهَيْئَتَهَا فَقَطْ: كَمَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ حِينَ تَتَّخِذُ جَسَدًا بَشَرِيًّا لَا تَتَّخِذُ جَسَدًا حَقِيقِيًّا، بَلْ جَسَدًا مِنْ هَوَاءٍ لَهُ مَظْهَرُ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ الْحَقِيقِيِّ.
لَكِنَّ جَمِيعَ السُّلُطَاتِ الْأُخْرَى يُعَلِّمُونَ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ حَيَّةً حَقِيقِيَّةً؛ إِذْ يُقَالُ هُنَا إِنَّهَا كَانَتْ أَمْكَرَ مِنْ جَمِيعِ — لَا الْمَلَائِكَةِ، بَلِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ — وَفِيهَا دَخَلَ إِبْلِيسُ الْمَاكِرُ، إِذْ وَجَدَهَا مَاكِرَةً وَذَكِيَّةً بِطَبْعِهَا، فَدَخَلَهَا مُلَائِمًا، وَفِي فَمِهَا، كَمَا فِي آلَةٍ مُحَرَّكَةٍ وَمَضْرُوبَةٍ وَمُنَغَّمَةٍ بِتَدْبِيرٍ مُعَيَّنٍ، صَاغَ صَوْتًا بَشَرِيًّا بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَبْرُوكُوبْيُوسُ، وَأُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ ٢٠.
يَرَى بَعْضُهُمْ، كَمَا يَقُولُ مُعَلِّمُ الْجُمَلِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، التَّمْيِيزِ ٦، أَنَّ هَذَا الشَّيْطَانَ كَانَ لُوسِيفَرَ، الَّذِي جَرَّبَ آدَمَ أَوَّلًا فَغَلَبَ؛ وَجَرَّبَ أَيْضًا الْآدَمَ الثَّانِيَ، أَيِ الْمَسِيحَ، لَكِنَّهُ غُلِبَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ فِي الْجَحِيمِ.
بِحَقٍّ جَرَّبَ إِبْلِيسُ آدَمَ فِي هَيْئَةِ — لَا خَرُوفٍ، وَلَا حِمَارٍ — بَلْ حَيَّةٍ. أَوَّلًا، لِأَنَّ الْحَيَّةَ مَاكِرَةٌ بِطَبْعِهَا؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهَا بِطَبِيعَتِهَا عَدُوَّةٌ لِلْإِنْسَانِ وَتَتَرَبَّصُ بِهِ لِتَلْدَغَهُ خُفْيَةً؛ ثَالِثًا، لِأَنَّ مِنْ طَبْعِ الْحَيَّةِ أَنْ تَزْحَفَ وَتَنْشُرَ السُّمَّ وَتُهْلِكَ الْإِنْسَانَ — وَهَذَا مَا يَفْعَلُهُ الشَّيْطَانُ؛ رَابِعًا، لِأَنَّ الْحَيَّةَ تَلْتَصِقُ بِالْأَرْضِ بِجَسَدِهَا كُلِّهِ: هَكَذَا آدَمُ، بِتَصْدِيقِهِ لِلْحَيَّةِ وَلِإِبْلِيسَ، صَارَ بَهِيمِيًّا وَأَرْضِيًّا بِالْكُلِّيَّةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَلَّعُ إِلَّا إِلَى خَيْرَاتِ الْأَرْضِ.
مِنْ هُنَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلِ ٢٨، أَنَّ إِبْلِيسَ اعْتَادَ اسْتِخْدَامَ هَيْئَةِ الْحَيَّاتِ لِخِدَاعِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ خَدَعَ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِهَا، وَرَأَى أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ نَجَحَتْ لَهُ نَجَاحًا حَسَنًا. وَلِلسَّبَبِ ذَاتِهِ قَالَ فِيرِيكِيدِيسُ السُّورُوسِيُّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ أُلْقُوا مِنَ السَّمَاءِ بِيَدِ يُوبِيتَرَ، وَإِنَّ رَئِيسَهُمْ دُعِيَ أُوفِيُونِيُوسَ، أَيِ «الْأَفْعَوَانِيُّ».
تَرُوبُولُوجِيًّا: يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ: «إِبْلِيسُ يُجَرِّبُ كَأَسَدٍ، وَيُجَرِّبُ كَتِنِّينٍ»؛ إِذْ، كَمَا يَقُولُ غْرِيغُورِيُوسُ عَنِ الْإِصْحَاحِ ١ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ: «لِعَبْدِهِ الْأَمِينِ يَكْشِفُ الرَّبُّ جَمِيعَ مَكَائِدِ الْعَدُوِّ الْمَاكِرِ، أَيْ أَنَّهُ يَخْطِفُ بِالْقَهْرِ، وَيُحَاصِرُ بِالْمَكِيدَةِ، وَيُرْهِبُ بِالتَّهْدِيدِ، وَيُغْرِي بِالْإِقْنَاعِ، وَيَكْسِرُ بِالْيَأْسِ، وَيَخْدَعُ بِالْوَعْدِ.»
يُعَدِّدُ الْقِدِّيسُ بَرْنَارْدُوسُ أَنْوَاعَ التَّجَارِبِ وَأَسَالِيبَهَا: «التَّجْرِبَةُ»، يَقُولُ، «أَنْوَاعٌ عِدَّةٌ: وَاحِدَةٌ مُلِحَّةٌ، تُصِرُّ بِوَقَاحَةٍ؛ وَأُخْرَى مُشَكِّكَةٌ، تُلَفُّ الذِّهْنَ فِي ضَبَابِ الرَّيْبِ؛ وَالثَّالِثَةُ مُبَاغِتَةٌ، تَسْبِقُ حُكْمَ الْعَقْلِ؛ وَالرَّابِعَةُ خَفِيَّةٌ، تُفْلِتُ مِنْ نِظَامِ التَّرَوِّي؛ وَالْخَامِسَةُ عَنِيفَةٌ، تَفُوقُ قُوَانَا؛ وَالسَّادِسَةُ مُخَادِعَةٌ، تُغْوِي الذِّهْنَ؛ وَالسَّابِعَةُ مُحَيِّرَةٌ، تُعْرَقَلُ بِطُرُقٍ شَتَّى.»
مُلَاحَظَةٌ: لَمْ تَرْتَعِبْ حَوَّاءُ مِنْ مَنْظَرِ الْحَيَّةِ، لِأَنَّهَا بِوَصْفِهَا سَيِّدَةَ الْحَيَوَانَاتِ كَانَتْ وَاثِقَةً مِنْ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَذِيَّتَهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ١٦.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ لَمْ تَرْتَعِبْ عَلَى الْأَقَلِّ حِينَ تَكَلَّمَتْ؟ يُجِيبُونَ أَوَّلًا: يُوسِيفُوسُ وَالْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ (وَهُوَ رَأْيٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَفْلَاطُونُ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ «السِّيَاسِيُّ») يَقُولَانِ إِنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ فِي الْفِرْدَوْسِ كَانَتْ تَمْتَلِكُ قُوَّةَ الْكَلَامِ وَمَلَكَتَهُ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ، الَّذِي نَقَلَهُ بَارْ صَلِيبِي فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ «عَنِ الْفِرْدَوْسِ»، أَنَّ اللهَ مَنَحَ الْحَيَّةَ هُنَا لِفَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ لَا قُوَّةَ الْكَلَامِ فَحَسْبُ بَلْ قُوَّةَ الْفَهْمِ أَيْضًا، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَتَيْنِ ١ وَ١٣. لَكِنَّ هَذِهِ آرَاءٌ غَرِيبَةٌ.
ثَانِيًا، يُجِيبُ بْرُوكُوبْيُوسُ وَكِيرِلُّسُ (الْمَذْكُورُ آنِفًا) وَأَبُولِينْسِيسُ وَبِيرِيرِيُوسُ بِأَنَّ حَوَّاءَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ بَعْدُ أَنَّ مَلَكَةَ الْكَلَامِ خَاصَّةٌ بِالْإِنْسَانِ وَحْدَهُ بِالطَّبِيعَةِ. لَكِنَّ هَذَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي كَانَتْ لِحَوَّاءَ وَلِآدَمَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
أُجِيبُ إِذَنْ: كَانَتْ حَوَّاءُ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَّةَ لَا تَسْتَطِيعُ الْكَلَامَ بِطَبِيعَتِهَا؛ لِذَلِكَ تَعَجَّبَتْ مِنْ كَلَامِهَا، وَارْتَابَتْ — كَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِعْلًا — بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْدُثُ بِقُوَّةٍ أَعْلَى، أَيْ إِلَهِيَّةٍ أَوْ مَلَائِكِيَّةٍ أَوْ شَيْطَانِيَّةٍ؛ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ خَوْفٌ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَدْ أَخْطَأَتْ بَعْدُ، وَكَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهَا فِي رِعَايَةِ اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ، الْمَسْأَلَةُ ٩٤، الْمَقَالَةُ ٤. وَهَكَذَا: «لِلْحَكِيمِ لَا شَيْءَ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ: الْأَطْفَالُ وَالْجُهَلَاءُ يَنْدَهِشُونَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ كَأَنَّهُ جَدِيدٌ.»
يَرَى أُوغُوبِينُوسُ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَّةَ كَانَتْ بَازِلِيسْكًا، وَهُوَ مَلِكُ الْحَيَّاتِ. وَيَرَى دِيلْرِيُو أَنَّهَا كَانَتْ أَفْعَى؛ وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّهَا كَانَتْ سْكِيتَالِيًا، لِأَنَّهَا بِحَجْمِهَا الْبَاهِرِ وَجَمَالِ ظَهْرِهَا تُبْهِرُ النَّاظِرِينَ وَتَسْحَرُهُمْ. لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا الْأَمْرِ شَيْءٌ يَقِينِيٌّ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، السْكِيتَالِيُّ وَالْبَازِلِيسْكُ مِنْ طَبِيعَةٍ بَلِيدَةٍ؛ لَكِنَّ هَذِهِ الْحَيَّةَ كَانَتْ أَمْكَرَ مِنْ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ دَخَلَ فِيهَا لَا بِغَرَضِ نَشْرِ السُّمِّ بَلْ بِغَرَضِ الْخِدَاعِ. وَمِنَ الْمُحْتَمَلِ، كَمَا يَرَى كَثِيرُونَ، أَنَّهَا كَانَتِ الْمَخْلُوقَ الْمُسَمَّى عَادَةً «سَرْبَنْسْ» (حَيَّةً)، لِأَنَّهَا تَزْحَفُ؛ وَ«كُولُوبَرْ» (أَفْعَى)، لِأَنَّهَا تَأْلَفُ الظِّلَالَ؛ وَ«أَنْغُوِيسْ»، لِأَنَّهَا تَطْلُبُ الزَّوَايَا وَالْمَخَابِئَ. فَهَذِهِ تُسَمَّى «حَيَّةً» بِلَا قَيْدٍ: وَأَمَّا سَائِرُهَا فَتُسَمَّى بِقَيْدٍ، كَحَيَّاتٍ مَلَكِيَّةٍ وَحَيَّاتٍ نَارِيَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ بِأَسْمَائِهَا الْخَاصَّةِ — كَالْأَفَاعِي وَالْقُرْنَاءِ وَذَوَاتِ الرَّأْسَيْنِ وَالْأَصْلَاتِ وَنَحْوِهَا. وَهَذِهِ الْحَيَّةُ أَيْضًا هِيَ أَمْكَرُ الْجَمِيعِ، وَتَزْحَفُ مُنْبَطِحَةً تَمَامًا عَلَى جَسَدِهَا، وَهُوَ مَا يُقَالُ عَنْ هَذِهِ الْحَيَّةِ فِي الْآيَةِ ١٤. لِذَلِكَ فَمِنْ غَيْرِ الْمُحْتَمَلِ مَا يُؤَكِّدُهُ هُنَا بِيدَا، وَدِيُونِيسِيُوسُ الْقَرْطَاجَنِّيُّ، وَالتَّارِيخُ الْمَدْرَسِيُّ، وَالْقِدِّيسُ بُونَافِنْتُورَا (فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، التَّمْيِيزِ ٢١)، وَفِنْسِنْتِيُوسُ فِي «مِرْآةِ التَّارِيخِ»: مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَّةَ كَانَتْ تِنِّينًا، يَقِفُ عَلَى قَدَمَيْنِ، بِوَجْهِ عَذْرَاءَ، وَظَهْرِهِ يَلْمَعُ بِأَلْوَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ كَقَوْسِ قُزَحٍ، حَتَّى يَجْذِبَ حَوَّاءَ إِلَى الْإِعْجَابِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ مُنْتَصِبًا. إِذْ لَكَانَ هَذَا حَيَّةً مَسْخِيَّةً، لَمْ يَخْلُقْهَا اللهُ فِي بَدْءِ الْعَالَمِ، وَلَكَانَتْ حَوَّاءُ لِذَلِكَ قَدِ ارْتَعَبَتْ مِنْهَا فَوْرًا وَفَرَّتْ.
«لِمَاذَا أَمَرَكُمُ اللهُ»
هَكَذَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ أَيْضًا. الْحَيَّةُ هُنَا تُحَاوِلُ بِمَكْرٍ تَقْوِيضَ غَايَةِ الْوَصِيَّةِ، لِكَيْ تَقْلِبَ الْوَصِيَّةَ ذَاتَهَا، كَأَنَّهَا تَقُولُ: لَا يَظْهَرُ سَبَبٌ عَادِلٌ أَوْ عِلَّةٌ لِمَنْعِ اللهِ أَكْلَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ لِذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْهُ حَقًّا وَجِدِّيًّا؛ بَلْ مَا قَالَهُ — «لَا تَأْكُلَا مِنْهُ» — قَالَهُ مَزْحًا وَلَعِبًا. وَتُثْبِتُ الْحَيَّةُ الْمُقَدِّمَةَ مِنْ نَفْعِ الشَّجَرَةِ ذَاتِهَا، قَائِلَةً فِي الْآيَةِ ٥: «بَلْ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّكُمَا فِي يَوْمِ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا، وَتَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفِينَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.»
مُلَاحَظَةٌ: بَدَلًا مِنْ «لِمَاذَا» فِي الْعِبْرِيَّةِ «أَفْ كِي»، الَّتِي تَعْنِي حَرْفِيًّا «أَحَقًّا؟» أَوْ «هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ؟»؛ وَكَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «أَصَحِيحٌ أَنَّ اللهَ قَالَ: لَا تَأْكُلَا مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» بِهَذَا الْمَعْنَى يَتَّضِحُ أَكْثَرَ أَنَّ الْحَيَّةَ لَمْ تَتَّهِمِ اللهَ بِالْقَسْوَةِ — إِذْ لَوْ فَعَلَتْ لَارْتَعَبَتْ حَوَّاءُ فَوْرًا مِنْ هَذَا التَّجْدِيفِ — بَلْ تَكَلَّمَتْ بِمَكْرٍ كَأَنَّهَا تُمَجِّدُ اللهَ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: لَا أُصَدِّقُ أَنَّ اللهَ، وَهُوَ بِهَذَا الْكَرَمِ، قَدْ مَنَعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِجِدِّيَّةٍ وَإِطْلَاقٍ، وَلَوْ كُنْتُمَا تَظُنَّانِ ذَلِكَ. فَلِمَاذَا يَحْسُدُكُمَا عَلَى ثَمَرَةٍ بِهَذَا الْجَمَالِ وَالنَّفْعِ؟ لِمَاذَا يُقَيِّدُكُمَا وَيُثْقِلُكُمَا هَكَذَا؟ فَالْخَيْرِيَّةُ تُنَاقِضُ الْحَسَدَ؛ وَمِنْ ثَمَّ فَفِي اللهِ، وَهُوَ الْخَيْرُ الْأَسْمَى، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْحَسَدِ؛ وَهَذَا مَا يُنْشِدُهُ بُوئِيثِيُوسُ: «صُورَةُ الْخَيْرِ الْأَعْلَى، خَالِيَةٌ مِنَ الْبُغْضِ.» وَيُعَلِّمُ أَفْلَاطُونُ الشَّيْءَ ذَاتَهُ فِي «طِيمَاوُسَ»، وَأَرِسْطُو فِي «مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ»، الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الْفَصْلِ ٢، حَيْثُ يُهَاجِمُ سِيمُونِيدِيسَ الَّذِي قَالَ إِنَّ اللهَ حَسَدَ الْإِنْسَانَ شَرَفَ الْحِكْمَةِ. إِذْ هَكَذَا، يَقُولُ أَرِسْطُو، يَكُونُ اللهُ حَزِينًا وَبِالتَّالِي شَقِيًّا: لِأَنَّ الْحَسَدَ هُوَ حُزْنٌ عَلَى خَيْرِ الْغَيْرِ. وَأَمَّا مُتَرْجِمُنَا، فَقَدِ اتَّبَعَ لَا الْأَلْفَاظَ بَلِ الْمَعْنَى، وَتَرْجَمَ «أَفْ كِي» مَعَ السَّبْعِينِيَّةِ بِـ«لِمَاذَا». وَيَتَوَافَقُ مَعَ هَذَا التَّفْسِيرِ جَوَابُ حَوَّاءَ مُبَاشَرَةً، إِذْ تُثَبِّتُ وَتُؤَكِّدُ وَصِيَّةَ اللهِ بِاعْتِبَارِهَا جِدِّيَّةً وَمُطْلَقَةً، وَهِيَ الَّتِي أَرَادَتِ الْحَيَّةُ إِلْغَاءَهَا كَأَنَّهَا قِيلَتْ مَزْحًا؛ وَهَكَذَا يَتَّفِقُ هَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ السَّابِقِ.
مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْعِبْرِيَّةِ «أَفْ كِي» يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحَيَّةَ قَدَّمَتْ لِهَذَا السُّؤَالِ كَلَامًا آخَرَ مَهَّدَتْ بِهِ لَهُ الطَّرِيقَ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ مُوسَى — مَثَلًا عَنْ حُرِّيَّةِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَكَرَامَتِهَا، وَعَنِ الْتِزَامِ الْإِنْسَانِ بِوَصَايَا الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْفَائِقَةِ الطَّبِيعَةِ الْكَثِيرَةِ مِنْ إِيمَانٍ وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ، لِكَيْ تَسْتَنْتِجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُثْقَلَ أَكْثَرَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْإِيجَابِيَّةِ الْجَدِيدَةِ مِنَ اللهِ. هَكَذَا يَقُولُ بْرُوكُوبْيُوسُ وَغَيْرُهُ.
تَرُوبُولُوجِيًّا، يَقُولُ الْأَبُّ هِيبِيرِيكِيُوسُ فِي «سِيَرِ الْآبَاءِ»: «الْحَيَّةُ، إِذْ هَمَسَتْ لِحَوَّاءَ، طَرَدَتْهَا مِنَ الْفِرْدَوْسِ. فَمَنْ يَغْتَابُ قَرِيبَهُ يُشْبِهُ هَذِهِ الْحَيَّةَ: لِأَنَّهُ يُهْلِكُ نَفْسَ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَلَا يُخَلِّصُ نَفْسَهُ.» وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسُ بَرْنَارْدُوسُ، فِي كِتَابِهِ «عَنِ الْحَيَاةِ الِانْفِرَادِيَّةِ»، يُعَلِّمُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الطَّاعَةَ الْكَامِلَةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ «غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ» — أَيْ لَا تُمَيِّزُ مَاذَا أُمِرَ بِهِ أَوْ لِمَاذَا أُمِرَ. «آدَمُ»، يَقُولُ، «ذَاقَ لِضَرَرِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بِإِيعَازٍ مِمَّنْ قَالَ مُوَسْوِسًا: لِمَاذَا أَمَرَ، إِلَخ. هَا هُوَ التَّمْيِيزُ: لِمَاذَا أُمِرَ. وَأَضَافَ: لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّكُمَا فِي يَوْمِ تَأْكُلَانِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَآلِهَةٍ. هَا هُوَ لِأَيِّ غَرَضٍ أُمِرَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَدَعَهُمَا يَصِيرَانِ كَآلِهَةٍ. مَيَّزَ، وَأَكَلَ، وَصَارَ عَاصِيًا، وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ. وَمِنْ هُنَا يَسْتَنْتِجُ: وَهَكَذَا أَيْضًا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ الْجَسَدِيِّ «الْمُمَيِّزِ»، وَعَلَى الْمُبْتَدِئِ الْحَصِيفِ، وَعَلَى الْمُبْتَدِئِ الْحَكِيمِ، أَنْ يَبْقَى طَوِيلًا فِي صَوْمَعَتِهِ أَوْ يَثْبُتَ فِي جَمَاعَتِهِ. فَلْيَصِرْ أَحْمَقَ لِكَيْ يَكُونَ حَكِيمًا؛ وَلْيَكُنْ كُلُّ تَمْيِيزِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تَمْيِيزٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ.» اُنْظُرْ كَاسِيَانُوسَ، الْمُحَادَثَةَ ١٢، وَالْكِتَابَ الرَّابِعَ مِنْ «مُؤَسَّسَاتِ التَّخَلِّي»، الْفُصُولَ ١٠ وَ٢٤ وَ٢٥، وَالْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ عَلَى سِفْرِ الْمُلُوكِ الثَّانِي، الْإِصْحَاحِ ٤، وَقَاعِدَتُهُمْ هِيَ: «الْمُطِيعُ الْحَقِيقِيُّ لَا يَفْحَصُ نِيَّةَ الْوَصَايَا وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَخْضَعَ كُلَّ حُكْمِ حَيَاتِهِ لِرَئِيسِهِ، يَفْرَحُ فَقَطْ بِأَنَّهُ يُنَفِّذُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ هَذَا وَحْدَهُ خَيْرًا: أَنْ يُطِيعَ الْوَصَايَا.»
«أَنْ لَا تَأْكُلَا مِنْ كُلِّ شَجَرٍ»
«لَا مِنْ كُلِّ شَجَرَةٍ»، أَيْ «لَا مِنْ أَيَّةِ شَجَرَةٍ أَصْلًا»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَرُوبِرْتُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلِ ٣٠ — كَأَنَّ الْحَيَّةَ تَقُولُ إِنَّ اللهَ لَمْ يَمْنَحِ الْإِنْسَانَ ثَمَرَ أَيَّةِ شَجَرَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِذَلِكَ تَكْذِبُ لِتَتَّهِمَ اللهَ بِالْقَسْوَةِ. لَكِنَّ هَذَا لَكَانَ كَذِبًا وَاضِحًا وَفَجًّا لِلْغَايَةِ.
ثَانِيًا وَأَفْضَلُ: «لَا مِنْ كُلٍّ»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: لِمَاذَا مَنَعَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَهِيَ شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؟ ثَالِثًا وَأَفْضَلُ مَا يَكُونُ: يَتَكَلَّمُ إِبْلِيسُ مِنْ خِلَالِ الْحَيَّةِ بِغُمُوضٍ عَلَى عَادَتِهِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ سُؤَالُهُ عَنْ كُلِّ الْأَشْجَارِ أَوْ عَنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَحَسْبُ؛ وَذَلِكَ بِمَكْرٍ، لِيُوحِيَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَحْرِيمِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَحْرِيمِ جَمِيعِهَا: فَإِمَّا أَنْ تُحَرَّمَ جَمِيعُهَا أَوْ لَا تُحَرَّمَ وَاحِدَةٌ مِنْهَا. وَكَذَلِكَ إِنَّ اللهَ، بِنَفْسِ السُّهُولَةِ الَّتِي حَرَّمَ بِهَا هَذِهِ الْوَاحِدَةَ، سَيُحَرِّمُ مِنْ بَعْدُ جَمِيعَ الْأُخْرَى أَيْضًا. لِذَلِكَ تُجِيبُ الْمَرْأَةُ فَوْرًا عَلَى سُؤَالِهِ الْمُبْهَمِ بِتَمْيِيزٍ، قَائِلَةً: «مِنْ ثَمَرِ أَشْجَارِ الْفِرْدَوْسِ نَأْكُلُ (نَقْدِرُ أَنْ نَأْكُلَ، يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَأْكُلَ)؛ وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْفِرْدَوْسِ، فَقَدْ أَمَرَنَا اللهُ أَنْ لَا نَأْكُلَ مِنْهُ.»
الْآيَةُ ٣: «وَأَنْ لَا نَمَسَّهَا»
يَرَى الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي كِتَابِهِ «عَنِ الْفِرْدَوْسِ»، الْفَصْلِ ١٢، أَنَّ حَوَّاءَ أَضَافَتْ هَذَا مِنْ عِنْدِهَا مِنْ سَأَمٍ وَبُغْضٍ لِلْوَصِيَّةِ، وَبِذَلِكَ بَالَغَتْ بِحَسَدٍ فِي قَسْوَةِ الْوَصِيَّةِ. فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَنْهَ عَنِ النَّظَرِ وَلَا عَنِ اللَّمْسِ، بَلْ عَنِ الْأَكْلِ فَقَطْ. لَكِنْ بِمَا أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ لَا تَزَالُ مُسْتَقِيمَةً وَقِدِّيسَةً، فَالْأَرْجَحُ أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ مِنْ تَقْوَى وَتَوْقِيرٍ لِلْوَصِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: أَمَرَنَا اللهُ أَنْ لَا نَمَسَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ لِغَرَضِ الْأَكْلِ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ أَلْقَى فِينَا تَقْوَى دِينِيَّةً وَخَشْيَةً، حَتَّى عَزَمْنَا فِي أَنْفُسِنَا أَنْ لَا نَمَسَّهَا وَلَوْ خَفِيفًا تَحْتَ أَيِّ ظَرْفٍ وَفِي أَيِّ حَالٍ، لِنَكُونَ أَبْعَدَ مَا يُمْكِنُ عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا وَمُخَالَفَةِ الْوَصِيَّةِ.
«لِئَلَّا نَمُوتَ»
اللهُ كَانَ قَدْ أَكَّدَ بِإِطْلَاقٍ «مَوْتًا تَمُوتَانِ»؛ الْمَرْأَةُ تَشُكُّ؛ إِبْلِيسُ يُنْكِرُ. إِذْ لَمَّا رَأَى حَوَّاءَ مُتَرَدِّدَةً، أَلَحَّ عَلَيْهَا لِيَدْفَعَهَا، قَائِلًا: «لَنْ تَمُوتَا.» هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ. لَكِنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ لَا تَزَالُ مُسْتَقِيمَةً، وَلِذَلِكَ أَضَافَتْ مِنْ تَقْوَاهَا إِلَى الْوَصِيَّةِ «أَنْ لَا نَمَسَّهَا»؛ فَلَا يَبْدُو إِذَنْ أَنَّهَا شَكَّتْ فِي عُقُوبَةِ الْمَوْتِ الْمُلْحَقَةِ بِالْوَصِيَّةِ. وَكَلِمَةُ «فَنْ»، أَيْ «لَعَلَّ»، فِي الْعِبْرِيَّةِ كَثِيرًا مَا لَا تَكُونُ كَلِمَةَ شَكٍّ بَلْ كَلِمَةَ تَأْكِيدٍ وَتَثْبِيتٍ لِلْأَمْرِ أَوِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ فَقَطْ عَلَى عَدَمِ الْيَقِينِ بِشَأْنِ حَدَثٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ حِينَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِ الْإِنْسَانِ الْحُرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: لِئَلَّا نَأْكُلَ وَبِالتَّالِي نَمُوتَ؛ فَإِنْ أَكَلْنَا نَمُوتُ حَتْمًا. هَكَذَا تُؤْخَذُ «لَعَلَّ» فِي إِنْجِيلِ مَتَّى ٢١: ٢٣، وَكَثِيرًا عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ.
الْآيَةُ ٤: «لَنْ تَمُوتَا مَوْتًا»
تُجَرِّبُ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِإِزَالَةِ الْعُقُوبَةِ وَإِغْرَائِهَا بِالْوُعُودِ. لَاحِظْ هُنَا أَكَاذِيبَهَا الْخَمْسَ الرَّائِعَةَ: الْأُولَى، «لَنْ تَمُوتَا»؛ الثَّانِيَةُ، «تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا»؛ الثَّالِثَةُ، «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ»؛ الرَّابِعَةُ، «تَعْرِفَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»؛ الْخَامِسَةُ، «اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ هَذَا حَقٌّ وَأَنِّي لَا أَكْذِبُ»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: بِمَا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ هَذَا وَيُحِبُّكُمَا، فَلَيْسَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّهُ أَرَادَ حِرْمَانَكُمَا مِنْ شَجَرَةٍ بِهَذَا النَّفْعِ. فَإِمَّا أَنَّهُ مَنَعَهَا مَزْحًا فَحَسْبُ، أَوْ أَنَّ تَحْتَ وَصِيَّتِهِ هَذِهِ يَكْمُنُ سِرٌّ لَمْ تَعْرِفَاهُ بَعْدُ؛ لَكِنَّكُمَا سَتَعْرِفَانِهِ حِينَ تَأْكُلَانِ مِنْهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلُ ٣٠.
أَخْلَاقِيًّا، لَا يَزَالُ إِبْلِيسُ يُقْنِعُ جَمِيعَ النَّاسِ تَقْرِيبًا بِهَذَا الشَّيْءِ ذَاتِهِ؛ لَكِنْ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُعَاكِسَةَ وَاضِحَةٌ جِدًّا، وَمِنَ الْبَيِّنِ أَنَّ الْجَمِيعَ بِالْمُطْلَقِ يَمُوتُونَ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْدِمُ حِيلَةً لِيُقْنِعَ كُلَّ أَحَدٍ بِـ«لَنْ تَمُوتَا مَوْتًا». أَيْ أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَصْنَعُهُ الطَّبِيبُ عَادَةً، حِينَ يُقَسِّمُ الدَّوَاءَ الْمُرَّ — الَّذِي لَوْ أُعْطِيَ لِلْمَرِيضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَرَفَضَهُ — إِلَى أَجْزَاءٍ، فَيُعْطِيهِ إِيَّاهُ فِي حَبَّاتٍ لِيَتَنَاوَلَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَهَكَذَا يُقَسِّمُ إِبْلِيسُ الْمَوْتَ إِلَى أَجْزَاءٍ وَسَنَوَاتٍ، وَيُقْنِعُ الشَّبَابَ: لَنْ تَمُوتَ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِكَ وَقُوَّتِكَ؛ أَنْتَ قَوِيٌّ جِدًّا؛ سَتَعِيشُ بِسُهُولَةٍ خَمْسِينَ سَنَةً أُخْرَى. وَيُقْنِعُ الطُّلَّابَ: لَنْ تَمُوتَ قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ دِرَاسَتَكَ؛ وَآخَرِينَ: قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ أَعْمَالَكَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ. وَبِالْجُمْلَةِ، مَا مِنْ شَيْخٍ هَرِمٍ إِلَّا وَيَظُنُّ أَنَّهُ سَيَعِيشُ سَنَةً أُخْرَى عَلَى الْأَقَلِّ. وَهَكَذَا يَخْدَعُ الْجَمِيعَ. فَإِذِ الْمَوْتُ يَخْتَطِفُ بَعْضًا كُلَّ سَنَةٍ، وَبِذَلِكَ يَخْتَطِفُ الْجَمِيعَ تَدْرِيجِيًّا، يَحْدُثُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُخْتَطَفُ حِينَ لَا يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ أَقَلَّ تَوَقُّعٍ، لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَعِيشُ سَنَةً أُخْرَى عَلَى الْأَقَلِّ. وَمِنْ هُنَا تَنْشَأُ قَاعِدَةٌ صَادِقَةٌ جِدًّا: الْمَوْتُ أَقْرَبُ إِلَى الْجَمِيعِ وَإِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا يَظُنُّهُ الْجَمِيعُ وَكُلُّ فَرْدٍ؛ لِأَنَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بِالذَّاتِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ، يَظُنُّ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ بَلْ سَيَعِيشُ سَنَةً أُخْرَى.
فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يَقُولُ الْمَسِيحُ إِنَّهُ سَيَأْتِي كَاللِّصِّ فِي اللَّيْلِ، الَّذِي يَظُنُّهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بَعِيدًا، بَلْ لَنْ يَأْتِيَ أَصْلًا (مَتَّى ٢٤: ٤٣). فَكَمَا أَنَّ اللِّصَّ يَتَرَقَّبُ الْوَقْتَ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ صَاحِبُ الْبَيْتِ لِيَسْلُبَهُ، كَذَلِكَ الْمَوْتُ يَقْبِضُ عَلَى الَّذِينَ لَا يَتَوَقَّعُونَهُ وَهُمْ كَالنِّيَامِ. فَمَنْ كَانَ حَكِيمًا فَلْيَفْتَحْ عَيْنَيْهِ، وَلْيُبَدِّدْ حِيلَةَ إِبْلِيسَ الْوَاضِحَةَ هَذِهِ، وَلْيُقْنِعْ نَفْسَهُ بِأَنَّ الْمَوْتَ قَرِيبٌ مِنْهُ — بَلْ إِنَّهُ سَيَمُوتُ هَذِهِ السَّنَةَ ذَاتَهَا، وَرُبَّمَا هَذَا الشَّهْرَ، هَذَا الْأُسْبُوعَ، هَذَا الْيَوْمَ. بِحِكْمَةٍ يَقُولُ الشَّاعِرُ: «صَدِّقْ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ أَشْرَقَ عَلَيْكَ هُوَ يَوْمُكَ الْأَخِيرُ.» هَكَذَا كَانَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسُ كَارْلُوسُ بُورُّومِيُوسُ يَضَعَانِ عَلَى مَائِدَتِهِمَا جُمْجُمَةَ مَيِّتٍ، لِيَتَذَكَّرَا دَوَامًا قُرْبَ الْمَوْتِ. وَكَانَتْ عَادَةُ بَعْضِ الْقِدِّيسِينَ، حِينَ يَلْتَقِي أَحَدُهُمْ بِالْآخَرِ، أَنْ يَقُولَ الْمُبَادِرُ بِالتَّحِيَّةِ: «لَا بُدَّ أَنْ نَمُوتَ»؛ فَيُجِيبُ الْآخَرُ: «لَا نَعْلَمُ مَتَى.» هَكَذَا الْقِدِّيسَةُ مَارْسِيلَّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ لِبْرِينْسِيبِيَا، «عَاشَتْ سَنَوَاتِهَا وَحَيَاتَهَا وَكَأَنَّهَا تُؤْمِنُ دَائِمًا بِأَنَّهَا عَلَى وَشْكِ الْمَوْتِ. هَكَذَا لَبِسَتْ ثِيَابَهَا مُسْتَحْضِرَةً الْقَبْرَ، ذَاكِرَةً قَوْلَ الشَّاعِرِ الْهَجَّاءِ: عِشْ ذَاكِرًا الْمَوْتَ؛ السَّاعَةُ تَفِرُّ؛ مَا أَنْطِقُ بِهِ قَدْ مَضَى؛ وَ: اذْكُرْ دَائِمًا يَوْمَ الْمَوْتِ وَلَنْ تُخْطِئَ أَبَدًا؛ وَكَانَتْ تُثْنِي عَلَى قَوْلِ أَفْلَاطُونَ الَّذِي قَالَ إِنَّ الْفَلْسَفَةَ هِيَ التَّأَمُّلُ فِي الْمَوْتِ.»
يَكْتُبُ تُومَانَا الْمُعَلَّمُ مِنَ اللهِ كِتَابَةً بَدِيعَةً فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ «الِاقْتِدَاءِ بِالْمَسِيحِ»، الْفَصْلِ ٢٣: «الْيَوْمَ الْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ، وَغَدًا يَكُونُ قَدْ زَالَ. يَا لِبَلَادَةِ الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ وَقَسَاوَتِهِ، الَّذِي لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي الْحَاضِرِ وَلَا يَسْتَبْصِرُ الْمُسْتَقْبَلَ (حَتَّى الْقَرِيبَ مِنْهُ) اسْتِبْصَارًا أَفْضَلَ! يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي كُلِّ فِعْلٍ وَفِكْرٍ كَأَنَّكَ سَتَمُوتُ الْيَوْمَ أَوْ حَالًا.» وَيُتَابِعُ: «طُوبَى لِمَنْ يَضَعُ سَاعَةَ مَوْتِهِ دَائِمًا أَمَامَ عَيْنَيْهِ، وَيَسْتَعِدُّ لِلْمَوْتِ كُلَّ يَوْمٍ. إِنْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا يَمُوتُ، فَتَفَكَّرْ أَنَّكَ أَيْضًا سَتَعْبُرُ فِي الطَّرِيقِ ذَاتِهِ. إِذَا كَانَ صَبَاحًا، فَلَا تَظُنَّ أَنَّكَ سَتَبْلُغُ الْمَسَاءَ؛ وَإِذَا جَاءَ الْمَسَاءُ، فَلَا تَجْرُؤْ أَنْ تَعِدَ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ. كُنْ إِذَنْ مُسْتَعِدًّا دَائِمًا، وَعِشْ بِحَيْثُ لَا يَجِدَكَ الْمَوْتُ أَبَدًا غَيْرَ مُسْتَعِدٍّ. حِينَ تَأْتِي تِلْكَ السَّاعَةُ الْأَخِيرَةُ، سَتَبْدَأُ تُفَكِّرُ تَفْكِيرًا مُخْتَلِفًا جِدًّا فِي كُلِّ حَيَاتِكَ الْمَاضِيَةِ، وَسَتَحْزَنُ حُزْنًا عَمِيقًا عَلَى إِهْمَالِكَ وَتَقْصِيرِكَ. مَا أَسْعَدَ وَأَحْكَمَ مَنْ يَسْعَى الْآنَ أَنْ يَكُونَ فِي حَيَاتِهِ كَمَا يَتَمَنَّى أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ مَوْتِهِ! فَإِنَّ ازْدِرَاءَ الْعَالَمِ الْكَامِلَ، وَالرَّغْبَةَ الْحَارَّةَ فِي التَّقَدُّمِ فِي الْفَضَائِلِ، وَحُبَّ الِانْضِبَاطِ، وَتَعَبَ التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِعْدَادَ لِلطَّاعَةِ، وَإِنْكَارَ الذَّاتِ، وَاحْتِمَالَ أَيِّ مَكْرُوهٍ مِنْ أَجْلِ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ، سَتَمْنَحُ ثِقَةً عَظِيمَةً بِمَوْتٍ سَعِيدٍ.» وَبَعْدَ قَلِيلٍ: «سَيَأْتِي وَقْتٌ تَتَمَنَّى فِيهِ يَوْمًا وَاحِدًا أَوْ سَاعَةً لِلْإِصْلَاحِ، وَلَا أَدْرِي هَلْ تَنَالُهُ. مَا دَامَ لَدَيْكَ وَقْتٌ، اجْمَعْ لِنَفْسِكَ كُنُوزًا خَالِدَةً؛ لَا تُفَكِّرْ فِي شَيْءٍ سِوَى خَلَاصِكَ؛ لَا تَهْتَمَّ إِلَّا بِمَا هُوَ لِلَّهِ؛ اعْتَبِرْ نَفْسَكَ غَرِيبًا وَنَزِيلًا عَلَى الْأَرْضِ؛ احْفَظْ قَلْبَكَ حُرًّا وَمَرْفُوعًا إِلَى اللهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَكَ هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ.» وَأَخِيرًا، لَاحِظْ قَوْلَ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ: «ادْرُسْ كَأَنَّكَ سَتَحْيَا أَبَدًا؛ وَعِشْ كَأَنَّكَ سَتَمُوتُ حَالًا.»
الْآيَةُ ٥: «تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا»
مِنْ هُنَا يَرَى بَعْضُهُمْ، بِحَسَبِ أَبُولِينْسِيسَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٣، الْمَسْأَلَةِ ٤٩٢، أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَمْ تَكُنْ أَعْيُنُهُمَا مَفْتُوحَةً بَلْ كَانَا أَعْمَيَيْنِ حَتَّى أَكَلَا مِنَ الثَّمَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ؛ فَعِنْدَئِذٍ «انْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا كِلَيْهِمَا وَرَأَيَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ» (الْآيَةُ ٧). لَكِنَّ هَذَا يَتَعَارَضُ مَعَ سَعَادَةِ حَالَةِ الْبَرَاءَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا آدَمُ وَحَوَّاءُ. أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ «الْعَيْنَ» هُنَا تُفْهَمُ عَنْ عَيْنِ الذِّهْنِ لَا الْجَسَدِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا يَقُولُ أَرِسْطُو فِي الْأَخْلَاقِ، الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: «الْعَقْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَيْنِ»، وَلَا سِيَّمَا لِأَنَّ الْعَيْنَ وَالْبَصَرَ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْحَوَاسِّ خِدْمَةً لِلْعَقْلِ فِي الْمَعْرِفَةِ: فَمِنَ الْمَرْئِيَّاتِ تَنْشَأُ الذِّكْرَيَاتُ، وَمِنَ الذَّاكِرَةِ الْخِبْرَةُ، وَمِنَ الْخِبْرَاتِ الْفَنُّ أَوِ الْعِلْمُ. فَالْمَعْنَى هُوَ كَأَنَّهُ قِيلَ: سَتَصِيرَانِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ صَفَاءِ الذَّكَاءِ وَنَفَاذِ الْفِطْنَةِ بِحَيْثُ تَبْدُوَانِ لِنَفْسَيْكُمَا كَأَنَّكُمَا كُنْتُمَا أَعْمَيَيْنِ مِنْ قَبْلُ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ؛ اُنْظُرْ كِتَابَهُ الثَّالِثَ «عَنِ الثَّالُوثِ»، الْفَصْلَيْنِ ٧ وَ٨.
«تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ»
لَا فِي الْجَوْهَرِ، إِذْ هَذَا مُسْتَحِيلٌ؛ بَلْ بِضَرْبٍ مِنَ الْمُشَابَهَةِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ الشَّامِلِ، كَمَا يَلِي. لِذَلِكَ يُخْطِئُ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَنَّكُمَا سَتَكُونَانِ كَمَلَائِكَةٍ؛ إِذْ لَمْ يُحَرَّضَا عَلَى السَّعْيِ إِلَى مُشَابَهَةٍ مَلَائِكِيَّةٍ بَلْ إِلَى مُشَابَهَةٍ إِلَهِيَّةٍ. فَهَذَا هُوَ مَا يَقُولُهُ اللهُ فِي الْآيَةِ ٢٢: «هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا.»
تَسْأَلُ: مَا كَانَ أَوَّلُ خَطِيئَةِ حَوَّاءَ؟ يُجِيبُ رُوبِرْتُوسُ وَهُوغُو وَالْمُعَلِّمُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، التَّمْيِيزِ ٢١، بِأَنَّ أَوَّلَ خَطِيئَةِ حَوَّاءَ كَانَتْ أَنَّهَا أَضَافَتْ «لَعَلَّ» كَمَنْ تَشُكُّ فِي وَصِيَّةِ اللهِ، قَائِلَةً: «لِئَلَّا نَمُوتَ.» ثَانِيًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ إِنَّهَا أَضَافَتْ «أَنْ لَا نَمَسَّهُ»؛ ثَالِثًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ إِنَّهَا دَخَلَتْ فِي حَدِيثٍ مَعَ الْحَيَّةِ وَالشَّيْطَانِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْآرَاءَ لَا تَبْدُو مُحْتَمَلَةً كَثِيرًا. إِذْ أَوَّلُ خَطِيئَةِ الْإِنْسَانِ لَمْ تَكُنْ فِي الْعَقْلِ بَلْ فِي الْإِرَادَةِ. فَقَبْلَ الْخَطِيئَةِ لَمْ يَكُنْ الْإِنْسَانُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ أَوْ يُخْدَعَ؛ لِذَلِكَ يُضِيفُ الْقِدِّيسُ تُومَا، الْمَسْأَلَةُ ٩٤، الْمَقَالَةُ ٤، أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ خَطِيئَةً عَرَضِيَّةً، وَذَلِكَ بِحِمَايَةِ اللهِ الْخَاصَّةِ: إِذِ الْخَطِيئَةُ الْعَرَضِيَّةُ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُزِيلَ النِّعْمَةَ؛ كَمَا لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَعَايَشَ مَعَ تِلْكَ الْحَالَةِ الْكَامِلَةِ مِنَ الْبِرِّ الْأَصْلِيِّ.
أَقُولُ إِذَنْ: أَوَّلُ خَطِيئَةِ حَوَّاءَ، وَكَذَلِكَ آدَمَ مِنْ بَعْدِهَا، كَانَتِ الْكِبْرِيَاءَ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ١٠: ١٤؛ وَسِفْرِ طُوبِيَّا ٤: ١٤؛ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ هُنَا الْعِبْرِيَّةُ وَالسَّبْعِينِيَّةُ فِي الْآيَةِ ٦: أَيْ أَنَّ حَوَّاءَ وَآدَمَ، إِذْ سَمِعَا «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفِينَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»، دُعِيَا إِلَى تَأَمُّلِ عَظَمَتِهِمَا الذَّاتِيَّةِ وَتَكْبِيرِهَا وَتَمْجِيدِهَا. وَهَكَذَا الْتَفَتَا إِلَى ذَاتَيْهِمَا فَانْتَفَخَا كِبْرًا، حَتَّى ابْتَعَدَ قَلْبُهُمَا عَنِ اللهِ، وَأَخِيرًا اشْتَهَيَا نَوْعًا مِنَ الْعِلْمِ الشَّامِلِ وَالْمُسَاوَاةِ مَعَ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فَعَلَ لُوسِيفَرُ أَيْضًا. لِذَلِكَ عَاتَبَهُمَا اللهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ٢٢ قَائِلًا: «هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.» هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ عَلَى لُوقَا؛ وَالْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ تَرَالِّيسَ؛ وَالذَّهَبِيُّ الْفَمِ عَلَى ١ تِيمُوثَاوُسَ ٢: ١٤؛ وَأُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلِ ٥، وَالْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ ١٣، حَيْثُ يُعَلِّمُ أَنَّ حُبَّ التَّفَوُّقِ فِطْرِيٌّ وَشَدِيدٌ فِي الطَّبِيعَةِ الْعَاقِلَةِ السَّلِيمَةِ الْكَامِلَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَا الْحُبُّ كَالدَّافِعِ الْأَوَّلِ فِي الْإِنْسَانِ الَّذِي يَحُثُّهُ عَلَى السَّعْيِ وَرَاءَ كُلِّ الْأَشْيَاءِ الْأُخْرَى بِهَذَا الْهَدَفِ: أَنْ يَتَفَوَّقَ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ بَرْنَارْدُوسُ: كِلَاهُمَا، أَيْ إِبْلِيسُ وَالْإِنْسَانُ، تَطَلَّعَا إِلَى الْعُلُوِّ؛ الْأَوَّلُ إِلَى عُلُوِّ الْقُدْرَةِ، وَالثَّانِي إِلَى عُلُوِّ الْمَعْرِفَةِ.
أَقُولُ ثَانِيًا: يَبْدُو أَنَّ هَذَا الِاشْتِهَاءَ الْمُتَكَبِّرَ لِلْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الشَّامِلِ تَمَثَّلَ فِي أَنَّهُمَا اشْتَهَيَا، كَمَا يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ، أَنْ يَعْرِفَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ — أَيْ أَنْ يَسْتَطِيعَا بِذَاتَيْهِمَا وَبِقُدْرَةِ طَبِيعَتِهِمَا وَعَقْلِهِمَا أَنْ يُوَجِّهَا نَفْسَيْهِمَا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِتَمْيِيزِ الْخَيْرِ وَاخْتِيَارِهِ وَتَجَنُّبِ الشَّرِّ. وَهَكَذَا يُمْكِنُهُمَا أَنْ يُوَجِّهَا نَفْسَيْهِمَا بِعِلْمِهِمَا الْخَاصِّ، بِمُبَادَرَتِهِمَا الذَّاتِيَّةِ، بِقُوَاهُمَا الْخَاصَّةِ، إِلَى حَيَاةٍ صَالِحَةٍ سَعِيدَةٍ وَنَيْلِ السَّعَادَةِ الْكَامِلَةِ، كَأَنَّهُمَا آلِهَةٌ مِنْ نَوْعٍ مَا، لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى تَوْجِيهٍ أَوْ عَوْنٍ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا حَتَّى مِنَ اللهِ — كَمَا فَعَلَ لُوسِيفَرُ أَيْضًا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا، II-II، الْمَسْأَلَةُ ١٦٣، الْمَقَالَةُ ٢. فَمَعَ أَنَّ آدَمَ كَانَ يَعْلَمُ نَظَرِيًّا أَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَى اللهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنِيرَ بِهِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ عَمَلِيًّا مِنْ خِلَالِ الْكِبْرِيَاءِ تَصَرَّفَ وَاشْتَهَى هَذِهِ الْمُشَابَهَةَ فِي الْعِلْمِ الشَّامِلِ وَالْأُلُوهِيَّةِ كَأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ حَقًّا أَنْ يَنَالَهَا بِدُونِ اللهِ، بِنَفْسِهِ وَقُوَاهُ الْخَاصَّةِ؛ فَإِنَّ الْكِبْرِيَاءَ إِذْ يَنْتَفِخُ تَدْرِيجِيًّا يُعْمِي الذِّهْنَ وَيُجَنِّنُهُ.
أَقُولُ ثَالِثًا: مِنْ هَذِهِ الْكِبْرِيَاءِ سَرِيعًا مَا تَبِعَتْ نَفَادُ الصَّبْرِ وَسَخَطُ النَّفْسِ الْمُتَأَفِّفَةِ مِنْ تَقْيِيدِهَا بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَمَنْعِهَا مِنْ ثَمَرَةٍ بِهَذَا النُّبْلِ؛ ثُمَّ الْفُضُولُ؛ ثُمَّ شَهْوَةُ النَّهَمِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْآيَةِ ٦؛ وَأَخِيرًا الْخَطَأُ فِي الْعَقْلِ — إِذْ صَدَّقَتْ حَوَّاءُ وَآدَمُ كِلَاهُمَا كَلَامَ الْحَيَّةِ الْوَاعِدَةِ بِالْعِلْمِ الشَّامِلِ وَالْخُلُودِ إِنْ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ. وَمِنْ كُلِّ هَذَا قَفَزَا أَخِيرًا إِلَى الْعِصْيَانِ التَّامِّ وَتَعَدِّي الْوَصِيَّةِ، أَيْ إِلَى الْأَكْلِ الْفِعْلِيِّ مِنَ الثَّمَرَةِ.
أَقُولُ رَابِعًا: لَمْ تُصَدِّقْ حَوَّاءُ فَحَسْبُ بَلْ آدَمُ أَيْضًا، وَقَدْ أَعْمَتْهُ الْكِبْرِيَاءُ، كَلَامَ الْحَيَّةِ: «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفِينَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»؛ وَبِالتَّالِي فَقَدَ الْإِيمَانَ. الْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَاضِحٌ، لِأَنَّ اللهَ عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ قَائِلًا: «هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.» فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ، الْمَقُولَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، تَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ آدَمُ يَأْمُلُ أَنْ يَنَالَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ الْمَذُوقَةِ بِحَسَبِ وُعُودِ الْحَيَّةِ، لَكِنَّهُ فِي الْوَاقِعِ لَمْ يَنَلْهُ. لِذَلِكَ فَإِنَّ آدَمَ خُدِعَ مِنَ الْحَيَّةِ — عَبْرَ حَوَّاءَ الَّتِي نَقَلَتْ وُعُودَ الْحَيَّةِ — وَصَدَّقَ كَلَامَهَا، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ إِلَى أَهْلِ تَرَالِّيسَ، وَإِيرِينَاوُسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْفَصْلِ ٣٧؛ وَهِيلَارِيُوسُ عَلَى مَتَّى ١٢؛ وَأَبِيفَانِيُوسُ، الْبِدْعَةُ ٣٩؛ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ عَلَى لُوقَا الْإِصْحَاحِ ١٠؛ وَكِيرِلُّسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ ضِدَّ يُولِيَانُوسَ؛ وَأُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ «فِي الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلَيْنِ ٢١ وَ٢٤، وَالْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ ٧.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَيْضًا الْجُزْءُ الثَّانِي مِنَ الِاسْتِنْتَاجِ: فَبِمُجَرَّدِ أَنْ صَدَّقَ آدَمُ إِبْلِيسَ الْوَاعِدَ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الشَّامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَبِأَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ، فَقَدِ انْصَرَفَ عَنِ اللهِ وَكَذَّبَهُ، اللهَ الَّذِي هَدَّدَ وَقَالَ: «فِي يَوْمِ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ.» فَكَانَ إِذَنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ؛ لِذَلِكَ فَقَدَ لَا النِّعْمَةَ فَحَسْبُ بَلِ الْإِيمَانَ بِاللهِ أَيْضًا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ «ضِدَّ يُولِيَانُوسَ»، الْفَصْلُ ٣.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقُولُ الرَّسُولُ إِذَنْ فِي ١ تِيمُوثَاوُسَ الْإِصْحَاحِ ٢ إِنَّ آدَمَ لَمْ يُخْدَعْ بَلْ حَوَّاءُ هِيَ الَّتِي خُدِعَتْ؟ أُجِيبُ: لِأَنَّ حَوَّاءَ أُغْوِيَتْ مِنَ الْحَيَّةِ الَّتِي قَصَدَتْ إِغْوَاءَهَا لِتَأْكُلَ مِنَ الثَّمَرَةِ؛ أَمَّا آدَمُ فَلَمْ يُخْدَعْ مِنَ الْحَيَّةِ، بَلْ أُغْرِيَ فَقَطْ مِنِ امْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ تَقْصِدْ خِدَاعَهُ. فِي هَذَا، اُنْظُرْ مَزِيدًا فِي ١ تِيمُوثَاوُسَ ٢: ١٤.
«كَآلِهَةٍ عَارِفِينَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»
الْكَمَالُ الْأَوَّلُ لِلَّهِ، الْمَرْغُوبُ فِيهِ وَالْقَابِلُ لِلتَّقْلِيدِ مِنَ الْإِنْسَانِ، هُوَ الْعِلْمُ. «لَيْسَ شَيْءٌ نَتَشَبَّهُ بِهِ بِالْآلِهَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ ذَاتِهَا»، يَقُولُ شِيشِرُونُ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا هُورَاتِيُوسُ، مُتَحَدِّثًا عَنِ اللهِ، يَقُولُ: «مِنْهُ لَا يُولَدُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَلَا يَزْدَهِرُ شَيْءٌ يُشَابِهُهُ أَوْ يَلِيهِ؛ غَيْرَ أَنَّ بَالَّاسَ (أَثِينَا) قَدِ اسْتَحْوَذَتْ عَلَى أَقْرَبِ الْمَرَاتِبِ إِلَيْهِ.»
وَيَقُولُ دَامَاسِيُوسُ: «عَيْنُ اللهِ السَّاهِرَةُ أَبَدًا، بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ بَسِيطَةٍ، تَعْرِفُ الْمَاضِيَ وَالْحَاضِرَ وَالْمُسْتَقْبَلَ حُضُورِيًّا.» وَيَقُولُ بُوئِيثِيُوسُ: «اللهُ بِلَمْحَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ ذِهْنِهِ يُدْرِكُ كُلَّ مَا هُوَ كَائِنٌ وَمَا كَانَ. وَلَأَنَّهُ وَحْدَهُ يُحِيطُ نَظَرُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، يُمْكِنُكَ أَنْ تَدْعُوَهُ حَقًّا الشَّمْسَ.» مِنْ هُنَا فَالْمَلَائِكَةُ الْأَقْرَبُونَ إِلَى اللهِ يَمْتَازُونَ بِالْعَقْلِ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّوْنَ «عُقُولًا»؛ بَلْ إِنَّ الشَّيَاطِينَ تُسَمَّى بِالْيُونَانِيَّةِ «دَايْمُونِسْ»، كَأَنَّهُمْ «عَارِفُونَ» أَوْ «حُكَمَاءُ»؛ فَإِنَّ مَوَاهِبَهُمُ الطَّبِيعِيَّةَ، حَتَّى بَعْدَ السُّقُوطِ، بَقِيَتْ سَالِمَةً فِيهِمْ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ دِيُونِيسِيُوسُ. لِذَلِكَ يَشْتَهِي النَّاسُ الْمَعْرِفَةَ بِشَهْوَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، يَقُولُ أَرِسْطُو. اسْمَعْ كُوِنْتِيلِيَانُوسَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ «الْمُؤَسَّسَاتِ»: «كَمَا أَنَّ الطُّيُورَ خُلِقَتْ لِلطَّيَرَانِ»، يَقُولُ، «وَالْخَيْلَ لِلْعَدْوِ، وَالْوُحُوشَ لِلشَّرَاسَةِ، كَذَلِكَ يَخُصُّنَا نَشَاطُ الذِّهْنِ وَفِطْنَتُهُ؛ وَمِنْ هُنَا يُعْتَقَدُ أَنَّ أَصْلَ النَّفْسِ سَمَاوِيٌّ. أَمَّا الْبُلَدَاءُ وَغَيْرُ الْقَابِلِينَ لِلتَّعَلُّمِ فَلَا يُنْتَجُونَ بِحَسَبِ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ بِقَدْرِ مَا هُمْ أَجْسَامٌ مُشَوَّهَةٌ مُعَلَّمَةٌ بِالتَّشْوِيهِ.»
وَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّ عَمَلِيَّةَ الْإِنْسَانِ الطَّبِيعِيَّةَ هِيَ التَّعَقُّلُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَالْفَهْمُ؛ وَبِهَا يَتَمَيَّزُ عَنِ الْبَهَائِمِ وَالْحِجَارَةِ. لِذَلِكَ دِيُوجِينِيسُ، إِذْ سَخِرَ مِنْ غَنِيٍّ جَاهِلٍ يَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ، قَالَ: «بِحَقٍّ، حَجَرٌ يَجْلِسُ عَلَى حَجَرٍ.» وَصُولُونُ حِينَ سُئِلَ مَا الْغَنِيُّ الْجَاهِلُ، أَجَابَ: هُوَ خَرُوفٌ ذُو صُوفٍ ذَهَبِيٍّ. فَحَمْقَى إِذَنْ هُمْ مَنْ يَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالْعِلْمَ (الْأَمْثَالُ ١: ٢٢)؛ إِذْ يَقُولُونَ: «أُفَضِّلُ قَطْرَةَ حَظٍّ عَلَى إِنَاءِ حِكْمَةٍ.» لَكِنَّ الْحُكَمَاءَ يَقُولُونَ مَعَ سُلَيْمَانَ (الْحِكْمَةُ ٧: ٨): «فَضَّلْتُهَا (أَيِ الْحِكْمَةَ) عَلَى الْمَمَالِكِ وَالْعُرُوشِ، وَلَمْ أَحْسَبِ الْغِنَى شَيْئًا بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا: كُلُّ الذَّهَبِ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهَا رَمْلٌ يَسِيرٌ»؛ وَالْأَمْثَالُ ٨: ١١: «الْحِكْمَةُ خَيْرٌ مِنْ جَمِيعِ الْكُنُوزِ الثَّمِينَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُشْتَهَى يُعَادِلُهَا.» فَكَمَا أَنَّ الْحَاسَّةَ تَلَذُّ بِمَحْسُوسِهَا، كَذَلِكَ الْعَقْلُ يَلَذُّ بِالْمَعْقُولِ وَبِالْمَعْرِفَةِ، كَمَا أَنَّ الْإِرَادَةَ تَلَذُّ بِالْخَيْرِ وَبِالْفَضِيلَةِ. لَكِنَّ هَذَا الْحُبَّ لِلْمَعْرِفَةِ كَانَ مُفْرِطًا فِي آدَمَ، كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نَسْلِهِ.
الْآيَةُ ٦: فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ
«عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ» — لِأَنَّكُمَا بِالْخِبْرَةِ سَتَعْرِفَانِ كَمْ هُوَ عَظِيمٌ شَرُّ الْعِصْيَانِ، وَبِالتَّالِي كَمْ هُوَ عَظِيمٌ خَيْرُ الطَّاعَةِ: هَكَذَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ، كَأَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ هُنَا حَقًّا، وَبِهَذِهِ الْحِيلَةِ خَدَعَ حَوَّاءَ، الَّتِي ظَنَّتْ أَنَّ شَيْئًا أَعْظَمَ يُوعَدُ بِهِ لَهَا. لَكِنَّنِي أَقُولُ إِنَّهُ أُسْلُوبٌ عِبْرِيٌّ: «سَتَعْرِفَانِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ»، أَيْ سَتَعْرِفَانِ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ أَيًّا كَانَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، ضَرُورِيٍّ أَوْ مُمْكِنٍ، حَتَّى تُمَيِّزَا بَيْنَ مَا هُوَ نَافِعٌ وَمَا هُوَ غَيْرُ نَافِعٍ، وَمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَمَا يَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ.
٦. فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ. — كَانَتْ قَدْ رَأَتْهُ مِنْ قَبْلُ، لَكِنْ بِلَا شَهْوَةٍ لِلْأَكْلِ؛ أَمَّا الْآنَ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ، وَقَدِ انْتَفَخَتْ مِنَ الْكِبْرِيَاءِ، رَأَتْهُ شَيْئًا مَرْغُوبًا فِيهِ لِلْأَكْلِ. «فَرَأَتْ»، أَيْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِفُضُولٍ أَكْبَرَ، وَبِلَذَّةٍ مُغْرِيَةٍ تَأَمَّلَتْهُ وَأَطَالَتِ النَّظَرَ فِيهِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ حَوَّاءَ لَمْ تُخْطِئْ قَبْلَ كَلَامِ الْحَيَّةِ. فَرُوبِرْتُوسُ إِذَنْ مُخْطِئٌ فِي ظَنِّهِ أَنَّهَا أَخْطَأَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهَا مُنْغَمِسَةً فِي الْكِبْرِيَاءِ وَمُشْتَهِيَةً فِي دَاخِلِهَا الثَّمَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ، وَأَنَّ إِبْلِيسَ اقْتَرَبَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَدْفَعَهَا إِلَى إِتْمَامِ الْخَطِيئَةِ بِفِعْلٍ خَارِجِيٍّ.
«حَسَنٌ» — أَيْ حُلْوٌ، لَذِيذٌ، وَمُسْتَطَابٌ لِلْحَنَكِ لِلْأَكْلِ: فَاللَّوْنُ الْوَرْدِيُّ لِلتُّفَّاحِ وَالْكَرَزِ دَلِيلٌ عَلَى الطَّعْمِ، وَيُثِيرُ الشَّهِيَّةَ.
وَبَهِجَةً لِلنَّظَرِ. — بِالْعِبْرِيَّةِ: وِنِحْمَد لِهَسْكِيل، أَيْ «مُشْتَهًى لِلْفَهْمِ»؛ وَالَّذِي يُفَسِّرُهُ الْعِبْرَانِيُّونَ بِأَنَّهُ مُشْتَهًى لِاكْتِسَابِ الْمَعْرِفَةِ وَالْحِكْمَةِ. فَقَدْ قَالَتْ عَنْهُ الْحَيَّةُ: «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.» وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ حَوَّاءَ لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى هَذَا بِعَيْنَيْ الْجَسَدِ — وَأَنَّ «رَأَتْ» هُنَا تُفْهَمُ عَلَى الرُّؤْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ وَاضِحٌ مِنَ الْعِبَارَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ — لِذَلِكَ، ثَانِيًا، يُتَرْجِمُ مُتَرْجِمُنَا [الْفُولْغَاتَا] وَالْكَلْدَانِيُّ وَفَاتَابْلُوسُ تَرْجَمَةً أَفْضَلَ: «مُشْتَهًى لِلتَّأَمُّلِ»، أَيْ أَنَّهُ بِشَكْلِهِ وَجَمَالِهِ (وَمِنْ هُنَا أَيْضًا تَرْجَمَتْهُ السَّبْعِينِيَّةُ هُورَايُونْ، أَيْ «جَمِيلٌ») أَمْسَكَ حَوَّاءَ فِي نَظْرَةٍ مُطَوَّلَةٍ وَتَأَمُّلٍ فِيهِ.
اُنْظُرْ فِي الْفُضُولِ وَحِرَاسَةِ الْعُيُونِ: الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْأَخْلَاقِيَّاتُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ، ٢. وَاسْمَعْ أَيْضًا الْقِدِّيسَ بِرْنَارْدُوسَ، «فِي دَرَجَاتِ التَّوَاضُعِ»، فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَهِيَ الْفُضُولُ: «اِحْفَظِي يَا حَوَّاءُ مَا اؤْتُمِنْتِ عَلَيْهِ؛ انْتَظِرِي مَا وُعِدْتِ بِهِ؛ احْذَرِي مَا حُرِّمَ عَلَيْكِ، لِئَلَّا تَخْسَرِي مَا أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْكِ. لِمَاذَا تُحَدِّقِينَ فِي مَوْتِكِ هَذَا التَّحْدِيقَ الشَّدِيدَ؟ لِمَاذَا تُلْقِينَ عَلَيْهِ عَيْنَيْكِ الشَّارِدَتَيْنِ مِرَارًا؟ لِمَاذَا يُعْجِبُكِ النَّظَرُ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكِ أَكْلُهُ؟ أَمُدُّ عَيْنَيَّ، تَقُولِينَ، لَا يَدِي؛ لَمْ يُنْهَ عَنِ النَّظَرِ بَلْ عَنِ الْأَكْلِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا ذَنْبًا، فَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عَلَامَةُ ذَنْبٍ؛ فَبَيْنَمَا انْتِبَاهُكِ مَشْغُولٌ بِغَيْرِهِ، تَتَسَلَّلُ الْحَيَّةُ خِلْسَةً إِلَى قَلْبِكِ، تُخَاطِبُكِ بِلُطْفٍ؛ بِالْمُلَاطَفَاتِ تُخْضِعُ عَقْلَكِ، بِالْأَكَاذِيبِ تُسَكِّنُ خَوْفَكِ: لَنْ تَمُوتَا الْبَتَّةَ، يَقُولُ؛ يُضَاعِفُ قَلَقَكِ بَيْنَمَا يُحَرِّضُ شَرَاهَتَكِ؛ يَشْحَذُ فُضُولَكِ بَيْنَمَا يُوحِي بِالشَّهْوَةِ؛ وَأَخِيرًا يُقَدِّمُ الْمُحَرَّمَ وَيَنْتَزِعُ الْمَمْنُوحَ؛ يَمُدُّ الثَّمَرَةَ وَيَسْلُبُ الْفِرْدَوْسَ؛ تَشْرَبُ السُّمَّ وَهِيَ عَلَى وَشْكِ الْهَلَاكِ، وَعَلَى وَشْكِ أَنْ تَلِدَ مَنْ سَيَهْلِكُونَ.»
وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا — مُخْبِرَةً إِيَّاهُ بِكُلِّ مَا وَعَدَ بِهِ إِبْلِيسُ، وَآمِرَةً إِيَّاهُ أَلَّا يَخَافَ مِنَ الْمَوْتِ، إِذْ كَانَ يَرَى أَنَّ الَّتِي أَكَلَتْ لَا تَزَالُ حَيَّةً: هَكَذَا الَّتِي انْخَدَعَتْ بِسُرْعَةٍ خَدَعَتْ زَوْجَهَا بِسُرْعَةٍ. فَآدَمُ إِذْ سَمِعَ هَذِهِ الْأُمُورَ انْتَفَخَ كِبْرِيَاءً، وَشَهِيَ مَعْرِفَةَ كُلِّ شَيْءٍ، فَوَافَقَ زَوْجَتَهُ وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ. هَكَذَا «مِنَ الْمَرْأَةِ كَانَتْ بِدَايَةُ الْخَطِيئَةِ، وَبِسَبَبِهَا نَمُوتُ جَمِيعًا» (سِيرَاخ ٢٥: ٣٣). وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (مَدِينَةُ اللهِ ١٤، الْبَابُ ١١) أَنَّ آدَمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ خَبِرَ صَرَامَةَ اللهِ، ظَنَّ أَنَّ خَطِيئَتَهُ هَذِهِ عَرَضِيَّةٌ، وَأَنَّهُ سَيَحْصُلُ بِسُهُولَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ.
لِيَتَعَلَّمِ الرِّجَالُ هُنَا أَنَّ النِّسَاءَ إِغْرَاءَاتٌ خَطِيرَةٌ وَسُمٌّ حُلْوٌ، حِينَ يَنْقَدْنَ لِرَغَبَاتِهِنَّ وَشَهَوَاتِهِنَّ، اللَّوَاتِي بِهَا يُهْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَأَزْوَاجَهُنَّ: فَلْيُقَاوِمْهُنَّ الرِّجَالُ بِرُجُولَةٍ وَلْيُعَارِضُوهُنَّ. «تَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ امْرَأَةً طَرَدَتْ سَاكِنَ الْفِرْدَوْسِ مِنْ مُلْكِهِ،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، الرِّسَالَةُ إِلَى نِيبُوتِيَانُوسَ.
هَكَذَا فَعَلَ سَاتُورُوسُ، وَكِيلُ الْمَلِكِ هُونِيرِيكُوسَ، الَّذِي حِينَ طُلِبَ مِنْهُ اعْتِنَاقُ الْأَرْيُوسِيَّةِ رَفَضَ. وَسُرْعَانَ مَا جَاءَتْ زَوْجَتُهُ خَائِفَةً عَلَى خَرَابِ الْأُسْرَةِ، مُحْضِرَةً أَطْفَالَهُمَا إِلَى رُكْبَتَيْ زَوْجِهَا، وَارْتَمَتْ أَمَامَهُ، وَنَاشَدَتْهُ بِكُلِّ مُقَدَّسٍ أَنْ يَرْحَمَهَا وَابْنَتَهُمَا الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَا تَزَالُ تَرْضَعُ مِنْ صَدْرِ أُمِّهَا وَسَائِرَ أَحِبَّائِهِمْ: فَاللهُ سَيَغْفِرُ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ مُكْرَهًا، إِذْ فَعَلَ غَيْرُهُ ذَلِكَ طَوْعًا. فَأَجَابَهَا حِينَئِذٍ كَأَيُّوبَ الْقِدِّيسِ: «إِنَّكِ تَتَكَلَّمِينَ كَإِحْدَى الْجَاهِلَاتِ: كُنْتُ لِأَخَافَ هَذِهِ الْأُمُورَ يَا امْرَأَةُ لَوْ أَنَّ حَلَاوَةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَحْدَهَا سَتَصِيرُ مُرَّةً فِي خَسَارَةِ مُمْتَلَكَاتِنَا؛ بَلِ الْأَوْلَى، لَوْ كُنْتِ حَقًّا تُحِبِّينَ زَوْجَكِ، لَمَا حَاوَلْتِ أَبَدًا أَنْ تُلْقِيهِ بِمُلَاطَفَاتِكِ الْغَادِرَةِ فِي هَلَاكِ الْمَوْتِ الثَّانِي. هَيَّا، فَلْيَأْخُذُوا الْأَوْلَادَ، وَلْيَأْخُذُوا الزَّوْجَةَ، وَلْيَنْهَبُوا الْأَمْوَالَ. أَنَا مُطْمَئِنٌّ تَمَامًا إِلَى وُعُودِ الرَّبِّ، وَسَأَحْفَظُ كَلِمَاتِهِ ثَابِتَةً فِي ذِهْنِي: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ زَوْجَةً وَأَوْلَادًا وَحَقْلًا وَبَيْتًا، لَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.» فَانْصَرَفَتِ الزَّوْجَةُ. وَسَاتُورُوسُ مَسْلُوبُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُنْهَكٌ بِعَذَابَاتٍ كَثِيرَةٍ، تُرِكَ أَخِيرًا مُتَسَوِّلًا. الشَّاهِدُ هُوَ فِيكْتُورُ الْأُوتِيكِيُّ فِي كِتَابِهِ «اضْطِهَادُ الْوَنْدَالِ». وَبِالْمِثْلِ قَاوَمَ تُومَاسُ مُورُ زَوْجَتَهُ، وَفَضَّلَ عَدَمَ الْإِسَاءَةِ إِلَى اللهِ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَى الْمَلِكِ وَخَرَابِ أُسْرَتِهِ.
الَّذِي أَكَلَ. — يُلَاحِظُ بِيرِيرِيُوسُ ثَمَانِيَ خَطَايَا لِآدَمَ: الْأُولَى كَانَتِ الْكِبْرِيَاءَ؛ وَالثَّانِيَةُ، الرَّغْبَةُ الْمُفْرِطَةُ فِي إِرْضَاءِ زَوْجَتِهِ؛ وَالثَّالِثَةُ، الْفُضُولُ؛ وَالرَّابِعَةُ، عَدَمُ الْإِيمَانِ — كَأَنَّ اللهَ هَدَّدَ بِالْمَوْتِ مَجَازِيًّا أَوْ تَحْذِيرِيًّا فَقَطْ، لَا بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ لِمَنْ يَنْتَهِكُ الشَّرِيعَةَ؛ وَالْخَامِسَةُ، الِافْتِرَاضُ — كَأَنَّ انْتِهَاكَ الشَّرِيعَةِ هَذَا لَيْسَ سِوَى خَطِيئَةٍ خَفِيفَةٍ عَرَضِيَّةٍ؛ وَالسَّادِسَةُ، الشَّرَاهَةُ؛ وَالسَّابِعَةُ، الْعِصْيَانُ؛ وَالثَّامِنَةُ، الِاعْتِذَارُ، وَعَنْهُ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (الْعِظَةُ ١٩ عَنِ الْقِدِّيسِينَ): «لَوْ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَعْتَذِرْ، لَمَا نُفِيَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ»؛ وَبِالتَّالِي لَكَانَ قَدْ أَكَلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ: فَكَانَ سَيَسْتَرِدُّ كِلًّا مِنَ الْخُلُودِ وَالْبِرِّ الْأَصْلِيِّ (فَهُمَا مُتَّصِلَانِ). لَكِنَّ الرَّأْيَ الْمُعَاكِسَ، كَمَا يُعَلِّمُ بِيرِيرِيُوسُ، أَصَحُّ. فَآدَمُ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَخْطَأَ، قَبْلَ أَيِّ اعْتِذَارٍ مِنْ جَانِبِهِ، وَقَعَ تَحْتَ حُكْمِ الْمَوْتِ الْمُطْلَقِ. فَفِي الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ١٧، كَانَ الْحُكْمُ قَدْ صَدَرَ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ: «يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهُ مَوْتًا تَمُوتُ»، أَيْ تَمُوتُ حَتْمًا.
يُضِيفُ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ وَالسَّبْعِينِيَّةُ «مَعَهَا»، أَيْ أَنَّ حَوَّاءَ أَعْطَتِ الثَّمَرَةَ لِرَجُلِهَا لِيَأْكُلَ مَعَهَا؛ يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ حَوَّاءَ أَكَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً وَحْدَهَا، وَمَرَّةً ثَانِيَةً مَعَ آدَمَ، لِتُغْرِيَهُ بِالْأَكْلِ وَتُظْهِرَ نَفْسَهَا رَفِيقَتَهُ فِي الْأَكْلِ. وَمِنْ هُنَا عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ «فَأَكَلَا»، وَعِنْدَ الْكَلْدَانِيِّ «أَكَلَ (أَيْ آدَمُ) مَعَهَا».
سُؤَالٌ: أَيُّهُمَا أَخْطَأَ بِشَكْلٍ أَشَدَّ خُطُورَةً، آدَمُ أَمْ حَوَّاءُ؟
يُجِيبُ الْقِدِّيسُ تُومَا (الْخُلَاصَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الثَّانِيَةِ، الْمَسْأَلَةُ ١٦٣، الْمَقَالَةُ ٤) أَنَّكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْخَطِيئَةِ فِي ذَاتِهَا، فَحَوَّاءُ أَخْطَأَتْ بِشَكْلٍ أَشَدَّ خُطُورَةً، لِأَنَّهَا أَخْطَأَتْ أَوَّلًا وَلِأَنَّهَا حَمَلَتْ آدَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ، فَأَهْلَكَتْ نَفْسَهَا وَإِيَّاهُ وَجَمِيعَنَا. وَلَكِنْ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى ظَرْفِ الشَّخْصِ، فَآدَمُ أَخْطَأَ بِشَكْلٍ أَشَدَّ خُطُورَةً، لِأَنَّهُ كَانَ أَكْمَلَ وَأَحْكَمَ مِنْ حَوَّاءَ، وَلِأَنَّ آدَمَ تَلَقَّى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ مُبَاشَرَةً مِنَ اللهِ، بَيْنَمَا تَلَقَّتْهَا حَوَّاءُ بِوَاسِطَةٍ فَقَطْ، أَيْ عَنْ طَرِيقِ آدَمَ.
الْآيَةُ ٧: وَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا كِلَيْهِمَا
كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذْ تَجَرَّدَا مِنْ غِطَاءِ النِّعْمَةِ وَالْبِرِّ الْأَصْلِيِّ بِالْخَطِيئَةِ، لَاحَظَا عُرْيَهُمَا وَخِزْيَهُمَا وَخَجَلَهُمَا، مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمَا شَعَرَا فِي نَفْسَيْهِمَا بِحَرَكَاتِ الشَّهْوَةِ الْمُتَمَرِّدَةِ عَلَى الْعَقْلِ، وَلَا سِيَّمَا شَهْوَةِ بَعْضِهِمَا لِبَعْضٍ. فَهَذِهِ الْحَرَكَاتُ الْمَخْزِيَّةُ تُؤَثِّرُ فِي الْإِنْسَانِ بِالْخَجَلِ حَتَّى إِنَّهُ يَسْتُرُ وَيُخْفِي تِلْكَ الْأَعْضَاءَ بِالذَّاتِ الَّتِي تَسُودُ فِيهَا هَذِهِ الشَّهْوَةُ: وَمِنْ ثَمَّ ثَالِثًا، أَدْرَكَا كَمْ كَانَ عَظِيمًا خَيْرُ الْبِرِّ الْأَصْلِيِّ الَّذِي فَقَدَاهُ، وَفِي أَيِّ خَطِيئَةٍ وَشَرٍّ عَظِيمٍ سَقَطَا؛ وَرَابِعًا، عَرَفَا أَنَّ اللهَ وَحُكْمَ اللهِ كَانَا صَادِقَيْنِ، وَأَنَّ الْحَيَّةَ وَإِبْلِيسَ كَانَا كَاذِبَيْنِ فِي وُعُودِهِمَا لَهُمَا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَرُوبِرْتُوسُ، وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (مَدِينَةُ اللهِ ١٤، ١٧).
مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ يُسْتَنْتَجُ أَنَّ حَوَّاءَ، مَعَ أَنَّهَا جُرِّدَتْ مِنَ النِّعْمَةِ بِالْخَطِيئَةِ، لَمْ تُلَاحِظْ خِزْيَهَا وَعُرْيَهَا حَتَّى حَمَلَتْ آدَمَ عَلَى الْخَطِيئَةِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ فَتْرَةً قَصِيرَةً مَرَّتْ بَيْنَ خَطِيئَتَيْهِمَا، كَانَتْ حَوَّاءُ فِيهَا مُنْشَغِلَةً كُلِّيًّا بِلَذَّاتِ الثَّمَرَةِ وَبِتَقْدِيمِهَا لِزَوْجِهَا وَإِقْنَاعِهِ، فَلَمْ تَتَأَمَّلْ فِي بُؤْسِهَا وَعُرْيِهَا؛ أَوْ بِالتَّأْكِيدِ، كَمَا يَرَى فْرَنْسِيسْكُوسُ الْأَرِيتِينِيُّ، أَنَّ حَوَّاءَ لَمْ تُجَرَّدْ مِنَ الْبِرِّ الْأَصْلِيِّ بِوَصْفِهِ نِعْمَةً مَجَّانِيَّةً، وَلَمْ تَشْعُرْ بِحَرَكَاتِ الشَّهْوَةِ وَعُرْيِهَا حَتَّى أَخْطَأَ آدَمُ: فَحِينَئِذٍ اكْتَمَلَتْ هَذِهِ الْخَطِيئَةُ الْبِدْئِيَّةُ كُلُّهَا أَيْ خَطِيئَةُ الْعِصْيَانِ، وَحِينَئِذٍ جُرِّدَ كِلَاهُمَا مِنَ الْبِرِّ الْأَصْلِيِّ بِحُكْمِ اللهِ، وَمِنْ ثَمَّ خَجِلَا. فَلَوْ أَنَّ حَوَّاءَ جُرِّدَتْ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَخْطَأَتْ، لَخَجِلَتْ مِنْ عُرْيِهَا، وَلَمَا تَجَرَّأَتْ أَنْ تَذْهَبَ عَارِيَةً إِلَى زَوْجِهَا، بَلْ لَبَحَثَتْ مِنَ الْخَجَلِ عَنْ مَخَابِئَ أَوْ لِبَاسٍ، كَمَا فَعَلَتْ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَخْطَأَ آدَمُ.
لِمَاذَا يَتْبَعُ الْخَجَلُ الْعُرْيَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ، اُنْظُرْ عِنْدَ الْقِدِّيسِ كِبْرِيَانُوسَ، عِظَةٌ فِي سَبَبِ الْخِتَانِ.
وَمِنْ هُنَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (الْعِظَةُ ٧٧ عَنِ الْأَزْمِنَةِ) أَنَّ الشَّرَاهَةَ أُمُّ الشَّهْوَةِ، كَمَا أَنَّ الزُّهْدَ أُمُّ الْعِفَّةِ. «آدَمُ»، يَقُولُ، «لَمْ يَعْرِفْ حَوَّاءَ إِلَّا حِينَ أَثَارَهُ عَدَمُ الِاعْتِدَالِ: فَمَا دَامَ الِاعْتِدَالُ الْمُقْتَصِدُ بَاقِيًا فِيهِمَا، بَقِيَتِ الْبَتُولِيَّةُ الطَّاهِرَةُ أَيْضًا؛ وَمَا دَامَا يَصُومَانِ عَنِ الْمَأْكُولَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، ظَلَّا يَصُومَانِ أَيْضًا عَنِ الْخَطَايَا الْمُخْزِيَةِ. فَالْجُوعُ صَدِيقُ الْبَتُولِيَّةِ، عَدُوُّ الْفُجُورِ؛ أَمَّا الشِّبَعُ فَيَخُونُ الْعِفَّةَ وَيُغَذِّي الْإِغْرَاءَ.» وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَوْضِعِ نَفْسِهِ أَنَّ الْمَسِيحَ صَامَ وَجَاعَ فِي الْبَرِّيَّةِ لِهَذَا السَّبَبِ، لِيُطَهِّرَ بِصَوْمِهِ شَرَاهَةَ آدَمَ وَشَهْوَتَهُ، وَيُعِيدَ آدَمَ وَإِيَّانَا إِلَى الْخُلُودِ الَّذِي فَقَدْنَاهُ بِشَرَاهَةِ آدَمَ.
فَخَاطَا لِأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ — أَيْ أَحْزِمَةً لِلْبَطْنِ، يَعْنِي مَنَاطِقَ أَوْ لِبَاسًا دَاخِلِيًّا لِلْحَقْوَيْنِ، لِيَسْتُرَا أَعْضَاءَهُمَا الْمُخْزِيَةَ: فَقَدْ بَقِيَا عَارِيَيْنِ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ، كَمَا يَقُولُ آدَمُ نَفْسُهُ للهِ فِي الْآيَةِ ١٠، كَمَا يَفْعَلُ الْبَرَازِيلِيُّونَ وَالْكَافِرُونَ وَسَائِرُ الْهُنُودِ الْيَوْمَ. وَيَرَى الْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ (الْكِتَابُ ٣، الْبَابُ ٣٧) أَنَّهُمَا صَنَعَاهَا مِنْ وَرَقِ التِّينِ، عَلَامَةً عَلَى التَّوْبَةِ، وَكَأَنَّهُمَا لَبِسَا مِسْحًا؛ فَأَوْرَاقُ التِّينِ تَوْخِزُ وَتَلْسَعُ. اُنْظُرْ أَيْضًا الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ، «فِي الْفِرْدَوْسِ»، الْبَابُ ١٣.
الْآيَةُ ٨: وَلَمَّا سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ
أَيْ ضَجِيجًا رَهِيبًا وَقَصْفًا مِنِ اهْتِزَازِ الْأَشْجَارِ الَّذِي أَثَارَهُ اللهُ؛ فَكَأَنَّمَا بِخُطُوَاتِ اللهِ الْقَادِمِ مِنْ بَعِيدٍ وَالسَّائِرِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ، كَانَتِ الْأَشْجَارُ تَهْتَزُّ: فَهَذَا كَانَ صَوْتَ اللهِ الْمُتَمَشِّي فِي الْفِرْدَوْسِ، كَمَا يَقُولُ مُوسَى. غَيْرَ أَنَّ كَايِتَانُوسَ يَفْهَمُ «الصَّوْتَ» لَا صَوْتَ الْأَشْجَارِ بَلْ صَوْتَ اللهِ الْمُتَكَلِّمِ الْغَاضِبِ، وَكَمَا يَرَى الْأَبُولِنْسِيُّ، قَائِلًا: «آدَمُ، أَيْنَ أَنْتَ؟»
وَأَدْرَكَ آدَمُ أَنَّ هَذَا صَوْتُ اللهِ، أَوَّلًا، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَحَدَّثَ مَعَ اللهِ مِنْ قَبْلُ فَعَرَفَ صَوْتَ اللهِ الْمَأْلُوفَ؛ ثَانِيًا، لِأَنَّ هَذَا الصَّوْتَ كَانَ هَائِلًا وَرَهِيبًا وَجَدِيرًا بِاللهِ: فَمَعَ أَنَّهُ صَدَرَ بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُمَثِّلُ اللهَ (اُنْظُرْ الْقَانُونَ ١٦)؛ ثَالِثًا، لِأَنَّ آدَمَ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إِنْسَانٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصْدِرَ هَذَا الصَّوْتَ؛ رَابِعًا، لِأَنَّ ضَمِيرَ الْخَطِيئَةِ، وَاللهَ نَفْسَهُ، أَوْحَيَا إِلَى ذِهْنِهِ أَنَّ هَذَا صَوْتُ اللهِ الْمُنْتَقِمِ.
فِي نَسِيمِ بَعْدَ الظَّهِيرَةِ — أَيْ عِنْدَ مَيْلِ النَّهَارِ، حِينَ تَهُبُّ عَادَةً نَسَائِمُ لَطِيفَةٌ، وَيَطْلُبُ النَّاسُ الْمُتْعَبُونَ مِنْ حَرِّ النَّهَارِ النَّسِيمَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ نَقْلًا عَنْ سِيمَاخُوسَ وَأَكِيلَا وَثِيئُودُوتِيُونَ، فِي «الْمَسَائِلِ الْعِبْرِيَّةِ». فَقَدْ ظَهَرَ اللهُ هُنَا، أَوْ بِالْأَحْرَى مَلَاكٌ نِيَابَةً عَنِ اللهِ، كَإِنْسَانٍ يَتَمَشَّى بِهَيْئَةٍ بَشَرِيَّةٍ فِي الْفِرْدَوْسِ.
أَضِفْ أَنَّهُ قِيلَ «فِي نَسِيمٍ» لِأَنَّ النَّسِيمَ أَوِ الرِّيحَ (إِذْ كَانَتْ تَهُبُّ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ اللهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا) جَعَلَتْ صَوْتَ اللهِ يُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ، لِيُصَابَ آدَمُ بِخَوْفٍ أَعْظَمَ مِنَ اللهِ وَيَكُونَ لَهُ وَقْتٌ لِلْبَحْثِ عَنْ مَخَابِئَ. هَكَذَا فْرَنْسِيسْكُوسُ الْأَرِيتِينِيُّ.
لَاحِظْ عِبَارَةَ «بَعْدَ الظَّهِيرَةِ»: فَذَلِكَ، يَقُولُ إِيرِينَاوُسُ (الْكِتَابُ ٥)، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ كَانَ سَيَأْتِي فِي مَسَاءِ الْعَالَمِ، لِيَفْتَدِيَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ.
أَمَّا الْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيُّ — بِكَمْ وَجْهٍ يُكَلِّمُنَا اللهُ — فَاُنْظُرْهُ عِنْدَ الْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ، الْأَخْلَاقِيَّاتُ ٢٨، الْبَابُ ٢ وَ٣.
فَاخْتَبَأَ فِي وَسَطِ الشَّجَرَةِ — أَيِ الْأَشْجَارِ، يَعْنِي بَيْنَ أَكْثَفِ أَشْجَارِ الْفِرْدَوْسِ. إِنَّهُ تَبَادُلٌ فِي الْعَدَدِ (إِنَلَّاجِي).
لَاحِظْ هُنَا مَعَ بِيرِيرِيُوسَ خَمْسَ ثِمَارٍ وَآثَارٍ لِلْخَطِيئَةِ: الْأُولَى أَنَّ الْعُيُونَ انْفَتَحَتْ؛ وَالثَّانِيَةُ الْعُرْيُ؛ وَالثَّالِثَةُ الْخَجَلُ وَالْخِزْيُ؛ وَالرَّابِعَةُ دُودَةُ الضَّمِيرِ؛ وَالْخَامِسَةُ الرُّعْبُ وَالْخَوْفُ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الْإِلَهِيَّةِ. حَقًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ: «فِي الْخَطِيئَةِ تَزُولُ اللَّذَّةُ فَلَا تَعُودُ، وَيَبْقَى الْقَلَقُ فَلَا يَرْحَلُ.» وَكَذَلِكَ مُوسُونِيُوسُ عِنْدَ غِلِّيُوسَ: «حِينَ يَفْعَلُ أَحَدٌ شَيْئًا مُخْزِيًا عَنْ طَرِيقِ اللَّذَّةِ، يَذْهَبُ مَا كَانَ حُلْوًا وَيَبْقَى مَا هُوَ مُخْزٍ وَمُحْزِنٌ.» وَعَلَى الْعَكْسِ، فِي تَعَبِ الْفَضَائِلِ يَذْهَبُ مَا هُوَ شَاقٌّ وَمُحْزِنٌ وَيَبْقَى مَا هُوَ حُلْوٌ وَمُفْرِحٌ.
الْآيَةُ ٩: أَيْنَ أَنْتَ؟
كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَرَكْتُكَ يَا آدَمُ فِي حَالٍ وَأَجِدُكَ فِي حَالٍ أُخْرَى. كُنْتُ قَدْ كَسَوْتُكَ بِالْمَجْدِ؛ كُنْتَ تَسِيرُ أَمَامِي بِعِزَّةٍ، وَالْآنَ أَرَاكَ عَارِيًا تَبْحَثُ عَنِ الْمَخَابِئِ. كَيْفَ حَدَثَ لَكَ هَذَا؟ مَنِ الَّذِي أَوْقَعَكَ فِي مِثْلِ هَذَا الِانْقِلَابِ؟ أَيُّ لِصٍّ أَوْ سَارِقٍ سَلَبَكَ جَمِيعَ عَطَايَاكَ وَأَوْصَلَكَ إِلَى هَذَا الْعُوزِ؟ مِنْ أَيْنَ جَاءَكَ هَذَا الْإِحْسَاسُ بِالْعُرْيِ، وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْخِزْيُ؟ لِمَاذَا تَفِرُّ؟ لِمَاذَا تَخْجَلُ؟ لِمَاذَا تَخْتَبِئُ؟ لِمَاذَا تَرْتَعِدُ؟ هَلْ يَقِفُ أَحَدٌ لِيَتَّهِمَكَ؟ هَلْ يَضْغَطُ عَلَيْكَ شُهُودٌ؟ مِنْ أَيْنَ غَزَاكَ هَذَا الرُّعْبُ الشَّدِيدُ؟ أَيْنَ وُعُودُ الْحَيَّةِ الْعَظِيمَةُ الْآنَ؟ أَيْنَ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةُ الْأُولَى لِذِهْنِكَ؟ أَيْنَ أَمَانُ الرُّوحِ؟ أَيْنَ سَلَامُ الضَّمِيرِ وَثِقَتُهُ؟ أَيْنَ ذَلِكَ الِامْتِلَاكُ الْكَامِلُ لِكُلِّ تِلْكَ الْخَيْرَاتِ، وَالْخُلُوُّ مِنْ كُلِّ الشُّرُورِ؟ هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، «فِي الْفِرْدَوْسِ»، الْبَابُ ١٤: «أَيْنَ»، يَقُولُ، «ثِقَةُ ضَمِيرِكَ الصَّالِحِ؟ هَذَا الْخَوْفُ يَعْتَرِفُ بِالذَّنْبِ، وَهَذَا الِاخْتِبَاءُ يَعْتَرِفُ بِالْمَعْصِيَةِ: فَأَيْنَ أَنْتَ إِذَنْ؟ لَسْتُ أَسْأَلُ فِي أَيِّ مَكَانٍ، بَلْ فِي أَيِّ حَالٍ؟ إِلَى أَيْنَ قَادَتْكَ خَطَايَاكَ، حَتَّى تَفِرَّ مِنْ إِلَهِكَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُهُ مِنْ قَبْلُ؟»
الْآيَةُ ١٠: خِفْتُ لِأَنِّي عُرْيَانٌ
«خِفْتُ»، أَيْ خَجِلْتُ، اسْتَحْيَيْتُ أَنْ آتِيَ أَمَامَ عَيْنَيْكَ؛ فَبِأَوْرَاقِ التِّينِ هَذِهِ بِالْكَادِ سَتَرْتُ أَعْضَائِيَ الْمُخْزِيَةَ، وَفِي سَائِرِ جَسَدِي لَا أَزَالُ عُرْيَانًا. «وَلِذَلِكَ» (فَإِنَّ الْوَاوَ الْعِبْرِيَّةَ بِمَعْنَى «وَ» كَثِيرًا مَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً) «اخْتَبَأْتُ.» هَكَذَا «الْخَوْفُ» كَثِيرًا مَا يُؤْخَذُ بِمَعْنَى «الْخَجَلِ»، وَكَذَلِكَ «خَوْفُ» أَوْ «هَيْبَةُ» الْوَقَارِ يُسَمَّى الْخَجَلَ وَالتَّوْقِيرَ نَفْسَهُ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٢٨.
الْآيَةُ ١١. مَنْ أَنْبَأَكَ. — كَلِمَةُ «إِنِّيمْ» (enim) لَيْسَتْ فِي الْعِبْرِيِّ، وَلَيْسَتْ سَبَبِيَّةً بَلْ تَأْكِيدِيَّةٌ، بِمَعْنَى «حَقًّا»، «بَلْ فِي الْوَاقِعِ»، «وَمَعَ ذَلِكَ». فَاللهُ هُنَا يُلِحُّ وَيَضْغَطُ عَلَى آدَمَ لِيَعْتَرِفَ بِسَبَبِ عُرْيِهِ وَذَنْبِهِ.
الْآيَةُ ١٢. الْمَرْأَةُ الَّتِي أَعْطَيْتَنِي رَفِيقَةً. — «الْبَارُّ أَوَّلُ مَنْ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ»: لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لَنَا، آدَمُ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ مُمْتَلِئٌ شَهْوَةً وَكِبْرِيَاءً وَحُبًّا لِلذَّاتِ، يَقُودُ الطَّرِيقَ فِي الْتِمَاسِ الْأَعْذَارِ لِلْخَطَايَا؛ ثُمَّ يُلْقِي اللَّوْمَ عَلَى الزَّوْجَةِ الَّتِي أَغْوَتْهُ، بَلْ وَعَلَى اللهِ نَفْسِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ مِثْلَ هَذِهِ الزَّوْجَةِ.
الْآيَةُ ١٤: وَقَالَ الرَّبُّ الْإِلَهُ لِلْحَيَّةِ
كَانَتِ الْحَيَّةُ حَاضِرَةً أَمَامَ اللهِ وَآدَمَ وَحَوَّاءَ. فَمَعَ أَنَّ إِبْلِيسَ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ كَانَ قَدْ غَادَرَ الْحَيَّةَ، وَكَانَتْ تَزْحَفُ هُنَا وَهُنَاكَ، إِلَّا أَنَّهَا بِإِرَادَةِ اللهِ وُجِّهَتْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ آدَمُ، مُسْتَدْعًى مِنْ مَخَابِئِهِ مِنَ اللهِ، أَمَامَ اللهِ؛ وَبِخَاصَّةٍ لِأَنَّ مَوْضِعَ تَجْرِبَةِ الْحَيَّةِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَنْ مَوْضِعِ اخْتِبَاءِ آدَمَ: فَبِمُجَرَّدِ أَنْ جُرِّبَ آدَمُ وَسَقَطَ، بَحَثَ عَنْ أَغْطِيَةٍ وَمَخَابِئَ قَرِيبَةٍ.
لِأَنَّكَ فَعَلْتَ هَذَا، مَلْعُونٌ أَنْتَ بَيْنَ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ. — يَلْتَفِتُ اللهُ إِلَى الْمُسَبِّبِ الْأَوَّلِ وَالْأَكِيدِ لِلشَّرِّ، الْحَيَّةِ الْغَادِرَةِ الْمُضَلِّلَةِ، وَيَلْعَنُهَا.
لَاحِظْ أَوَّلًا، أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَيَّةِ هُنَا حَرْفِيًّا كِلَا الْأَمْرَيْنِ: الْحَيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ وَبَرْصِيفَا وَتُوسْتَاتُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ؛ وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ الْمُحَرِّكَ وَالْمُتَكَلِّمَ وَكَأَنَّهُ رُوحُ الْحَيَّةِ.
وَمِنْ ثَمَّ ثَانِيًا، كُلُّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ تَنْطَبِقُ بِشَكْلٍ مَا حَرْفِيًّا عَلَى الْحَيَّةِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَدَاةَ إِبْلِيسَ وَآلَةَ هَلَاكِ الْبَشَرِ: وَلَكِنَّ بَعْضَهَا يَنْطَبِقُ أَكْثَرَ عَلَى إِبْلِيسَ. فَجَمِيعُ الْكُتَّابِ الْقُدَمَاءِ يَفْهَمُونَ هَذِهِ الْأُمُورَ عَنْ إِبْلِيسَ.
ثَالِثًا، الْحَيَّةُ مَلْعُونَةٌ لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، مُرَوِّعَةٌ، سَامَّةٌ، وَمُؤْذِيَةٌ فَوْقَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَبِخَاصَّةٍ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي لَهَا مَعَهُ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ عَدَاوَةٌ طَبِيعِيَّةٌ.
رَابِعًا، مَعَ أَنَّ الْحَيَّةَ قَبْلَ تَجْرِبَةِ حَوَّاءَ لَمْ تَكُنْ تَمْشِي مُنْتَصِبَةً (كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ، الْعِظَةُ فِي الْفِرْدَوْسِ، وَدِيدِيمُوسُ فِي سِلْسِلَةِ لِيبُومَانُوسَ)، بَلْ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ عَلَى صَدْرِهَا زَاحِفَةً عَبْرَ الْكُهُوفِ وَتَأْكُلُ التُّرَابَ — فَكِلَا الْأَمْرَيْنِ طَبِيعِيٌّ لَهَا — إِلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ مَكْرُوهَةً وَلَا سَيِّئَةَ السُّمْعَةِ؛ بَلْ كَانَ لَهَا مَكَانُهَا وَكَرَامَتُهَا بَيْنَ الْوُحُوشِ. وَلَكِنْ بَعْدَ تَجْرِبَةِ حَوَّاءَ وَخِدَاعِهَا، صَارَتِ الْحَيَّةُ مَمْقُوتَةً وَسَيِّئَةَ السُّمْعَةِ وَمَكْرُوهَةً لَدَى الْإِنْسَانِ: وَالزَّحْفُ وَالْفِرَارُ مِنَ الضَّوْءِ وَالْبَشَرِ وَالْتِمَاسُ الْكُهُوفِ وَأَكْلُ التُّرَابِ، الَّتِي كَانَتْ طَبِيعِيَّةً لَهَا مِنْ قَبْلُ، صَارَتِ الْآنَ مُثَبَّتَةً عَلَيْهَا كَعُقُوبَةٍ وَمَقْضِيَّةً كَعَارٍ. فَلِمَاذَا، أَسْأَلُ، تُنْتَزَعُ مِنَ الْحَيَّةِ الَّتِي لَا ذَنْبَ فِيهَا الْمَوَاهِبُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَهِيَ لَمْ تُنْتَزَعْ حَتَّى مِنَ الشَّيَاطِينِ بِسَبَبِ خَطِيئَتِهِمْ؟ هَكَذَا الْمَوْتُ طَبِيعِيٌّ، إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ، لِلْإِنْسَانِ وَلِلْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ الْمُرَكَّبِ مِنْ عَنَاصِرَ مُتَضَادَّةٍ، لَكِنَّهُ بَعْدَ خَطِيئَتِهِ صَارَ عُقُوبَةً لِلْخَطِيئَةِ. وَهَكَذَا قَوْسُ قُزَحَ، الَّذِي كَانَ طَبِيعِيًّا مِنْ قَبْلُ، صَارَ بَعْدَ الطُّوفَانِ عَلَامَةً لِلْعَهْدِ الْمُبْرَمِ بَيْنَ نُوحٍ وَالْبَشَرِ وَاللهِ (تَكْوِين ٩: ٤٦).
خَامِسًا، كَانَتْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ لِلْحَيَّةِ مُلَائِمَةً وَعَادِلَةً: فَقَدْ حَاوَلَتِ الْأَفْعَى أَنْ تَتَسَلَّلَ إِلَى صَدَاقَةِ الْإِنْسَانِ وَأُلْفَتِهِ؛ فَنَالَتْ بَدَلَ ذَلِكَ بُغْضًا وَلَعْنًا. كَانَ إِبْلِيسُ قَدْ رَفَعَ الْأَفْعَى لِتُحَادِثَ الْمَرْأَةَ؛ فَأُمِرَتْ بِالزَّحْفِ عَلَى الْأَرْضِ. كَانَتْ قَدْ أَقْنَعَتْ بِأَكْلِ الثَّمَرَةِ؛ فَحُكِمَ عَلَيْهَا بِأَكْلِ التُّرَابِ. كَانَتْ قَدْ نَظَرَتْ إِلَى فَمِ الْمَرْأَةِ؛ فَهِيَ الْآنَ تَنْظُرُ إِلَى الْعَقِبِ وَتَتَرَبَّصُ بِهِ، يَقُولُ دِيلْرِيُو.
سَادِسًا، رَمْزِيًّا تَنْطَبِقُ هَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى إِبْلِيسَ. فَكَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ (الثَّالُوثُ ٣، الْبَابُ ١٨)، إِبْلِيسُ يَزْحَفُ عَلَى صَدْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ فِي الْأُمُورِ السَّمَاوِيَّةِ كَمَا كَانَ حِينَ كَانَ مَلَاكًا، بَلْ فِي الْأُمُورِ الْأَرْضِيَّةِ، بَلِ الْجَحِيمِيَّةِ دَائِمًا؛ وَالتُّرَابُ، أَيِ الْبَشَرُ الَّذِينَ يُفَكِّرُونَ فِي الْأَرْضِيَّاتِ، هُمْ طَعَامُهُ وَقُوتُهُ مُنْذُ خَطِيئَةِ آدَمَ. فَهُوَ يُعَلِّمُهُمُ الزَّحْفَ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى بُطُونِهِمْ، أَيِ التَّفَرُّغَ الْكُلِّيَّ لِلشَّرَاهَةِ وَالشَّهْوَةِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْأَخْلَاقِيَّاتُ ٢١، الْبَابُ ٢. وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (فِي التَّكْوِينِ ضِدَّ الْمَانَوِيِّينَ ٢، الْبَابُ ١٧)، وَبِيدَا، وَرُوبِرْتُوسُ، وَهُوغُو، وَكَايِتَانُوسُ يَقُولُونَ: إِبْلِيسُ يَمْشِي «عَلَى صَدْرِهِ وَعَلَى بَطْنِهِ» لِأَنَّهُ يُهَاجِمُ الْبَشَرَ وَيُضِلُّهُمْ بِطَرِيقَيْنِ: أَوَّلًا، بِالْكِبْرِيَاءِ الَّتِي يُرْمَزُ إِلَيْهَا بِالصَّدْرِ؛ ثَانِيًا، بِالشَّهْوَةِ الَّتِي يُرْمَزُ إِلَيْهَا بِالْبَطْنِ. فَفِي الصَّدْرِ الْقُوَّةُ الْغَضَبِيَّةُ، وَفِي الْبَطْنِ الْقُوَّةُ الشَّهَوَانِيَّةُ، وَإِبْلِيسُ يُحَرِّكُ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ وَيُلْهِبُهَا، وَبِهَا يَدْفَعُ الْبَشَرَ إِلَى أَشَدِّ الْخَطَايَا.
الْآيَةُ ١٥: هِيَ تَسْحَقُ رَأْسَكَ (الْبِشَارَةُ الْأُولَى)
أَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ. — فَلَمَّا حَرَمَ اللهُ الْإِنْسَانَ مِنَ السِّيَادَةِ عَلَى الْوُحُوشِ بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ، صَارَتِ الْحَيَّةُ مُؤْذِيَةً وَمُمِيتَةً لِلْإِنْسَانِ؛ وَبِدَوْرِهِ صَارَ الْإِنْسَانُ قَاتِلًا لِلْحَيَّاتِ، بَيْنَمَا قَبْلَ الْخَطِيئَةِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ عَدَاوَةٌ وَلَا نُفُورٌ وَلَا كَرَاهِيَةٌ وَلَا رَغْبَةٌ فِي الْإِيذَاءِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَّةِ.
يَرْوِي أَرِسْطُو أَنَّ لُعَابَ الْإِنْسَانِ يُعَذِّبُ الْحَيَّةَ، وَإِنْ لَمَسَ حَلْقَهَا (الَّذِي بِهِ جَرَّبَتْ حَوَّاءَ) قَتَلَهَا.
هِيَ تَسْحَقُ رَأْسَكَ. — ثَمَّةَ ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ هُنَا. الْأُولَى قِرَاءَةُ الْمَخْطُوطَاتِ الْعِبْرِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: «هُوَ» (أَيِ النَّسْلُ) «يَسْحَقُ رَأْسَكَ»؛ وَهَكَذَا يَقْرَأُ الْقِدِّيسُ لَاوُنُ، وَمِنْهُ لِيبُومَانُوسُ. وَالثَّانِيَةُ: «هُوَ (أَيِ الْإِنْسَانُ أَوِ الْمَسِيحُ) يَسْحَقُ رَأْسَكَ»؛ هَكَذَا السَّبْعِينِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ. وَالثَّالِثَةُ: «هِيَ تَسْحَقُ رَأْسَكَ.» هَكَذَا يَقْرَأُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ الرُّومَانِيُّ وَجَمِيعُ الْكُتُبِ اللَّاتِينِيَّةِ تَقْرِيبًا، مَعَ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ وَالذَّهَبِيِّ الْفَمِ وَأَمْبْرُوسِيُوسَ وَغْرِيغُورِيُوسَ وَبِيدَا وَأَلْكُوِينُوسَ وَبِرْنَارْدُوسَ وَأُوشِيرِيُوسَ وَرُوبِرْتُوسَ وَغَيْرِهِمْ. وَتُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا بَعْضُ الْمَخْطُوطَاتِ الْعِبْرِيَّةِ الَّتِي تَقْرَأُ «هِي» أَوْ «هُو» بِحَرَكَةِ خِيرِيك صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ. أَضِفْ أَنَّ «هُو» كَثِيرًا مَا تُوضَعُ مَوْضِعَ «هِي»، وَبِخَاصَّةٍ حِينَ يَكُونُ ثَمَّةَ تَوْكِيدٌ وَيُنْسَبُ إِلَى الْمَرْأَةِ شَيْءٌ ذُكُورِيٌّ، كَسَحْقِ رَأْسِ الْحَيَّةِ هُنَا. وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ١٢ وَ٢٠، تَكْوِين ١٧: ١٤، تَكْوِين ٢٤: ٤٤، تَكْوِين ٣٨: ٢١ وَ٢٥. وَلَا يَمْنَعُ الْفِعْلُ الْمُذَكَّرُ «يَشُوفْ» (بِمَعْنَى «يَسْحَقُ»)؛ فَتَبَادُلُ الْجِنْسِ مُتَكَرِّرٌ فِي الْعِبْرِيَّةِ، فَيُوضَعُ الْمُذَكَّرُ مَوْضِعَ الْمُؤَنَّثِ وَالْعَكْسُ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ ثَمَّةَ سَبَبٌ وَسِرٌّ كَمَا هُنَا، كَمَا سَأُوَضِّحُ الْآنَ. فَ«هِي يَشُوفْ» تُوضَعُ مَوْضِعَ «هِي تَشُوفْ». وَكَذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢: ٢٣، يُقَالُ «يِقَّارِي إِشَّا» بَدَلَ «تِقَّارِي إِشَّا». وَمِنْ هُنَا يَقْرَأُ يُوسِيفُوسُ أَيْضًا (الْكِتَابُ ١، الْبَابُ ٣) كَمَا عِنْدَ مُتَرْجِمِنَا [الْفُولْغَاتَا]؛ فَهُوَ يَقُولُ: «أَمَرَ أَنْ تُوقِعَ الْمَرْأَةُ ضَرَبَاتٍ عَلَى رَأْسِهَا»، كَمَا يُتَرْجِمُ رُوفِينُوسُ. وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يُوسِيفُوسَ كَانَ يَقْرَأُ «هُو» بِمَعْنَى «هِيَ نَفْسُهَا»، لَكِنَّ الطَّابِعِينَ الْهَرَاطِقَةَ أَزَالُوا كَلِمَةَ «غُونِي» (امْرَأَة) مِنْهُ.
لَاحِظْ أَوَّلًا، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي رَفْضُ أَيٍّ مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ؛ بَلْ جَمِيعُهَا صَحِيحَةٌ: فَبِمَا أَنَّ اللهَ هُنَا يَضَعُ فِي مُوَاجَهَةٍ، كَمُتَنَافِسَيْنِ إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ، الْمَرْأَةَ وَنَسْلَهَا ضِدَّ الْحَيَّةِ وَنَسْلِهَا، فَبِالتَّالِي يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمَرْأَةَ وَنَسْلَهَا سَيَسْحَقَانِ رَأْسَ الْحَيَّةِ؛ كَمَا أَنَّ الْحَيَّةَ بِدَوْرِهَا تَتَرَبَّصُ بِعَقِبِ الْمَرْأَةِ وَنَسْلِهَا عَلَى السَّوَاءِ. وَلِذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ مُوسَى هُنَا فِي الْعِبْرِيِّ مَزَجَ فِعْلًا مُذَكَّرًا مَعَ ضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ قَائِلًا «هِي يَشُوفْ»، أَيْ «هِيَ تَسْحَقُ»، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كِلًّا مِنَ الْمَرْأَةِ وَنَسْلِهَا، وَبِالتَّالِي الْمَرْأَةَ بِوَاسِطَةِ نَسْلِهَا أَيِ الْمَسِيحِ، سَيَسْحَقَانِ رَأْسَ الْحَيَّةِ.
لَاحِظْ ثَانِيًا: هَذِهِ الْأُمُورُ، كَمَا قُلْتُ، تَنْطَبِقُ حَرْفِيًّا عَلَى الْحَيَّةِ وَعَلَى إِبْلِيسَ الَّذِي كَانَ كَأَنَّهُ الْمُحَرِّكُ وَرُوحُ الْحَيَّةِ. فَهَذِهِ الْعَدَاوَةُ وَالْكَرَاهِيَةُ وَالنُّفُورُ وَالْحَرْبُ بَدَأَتْ حَرْفِيًّا بَعْدَ الْخَطِيئَةِ بَيْنَ الْحَيَّاتِ وَالْبَشَرِ، رِجَالًا وَنِسَاءً، كَمَا يَشْهَدُ الْوَاقِعُ الْآنَ. بَلْ يَذْكُرُ رُوبِرْتُوسُ (الْكِتَابُ ٣، الْبَابُ ٢٠) خِبْرَةً خَاصَّةً جَدِيرَةً بِالْمُلَاحَظَةِ، وَهِيَ أَنَّ رَأْسَ الْحَيَّةِ لَا يَكَادُ يُسْحَقُ بِالسُّيُوفِ وَالْعِصِيِّ وَالْمَطَارِقِ بِحَيْثُ يَمُوتُ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ وَلَكِنْ إِنْ سَبَقَتِ امْرَأَةٌ بِقَدَمِهَا الْحَافِيَةِ نَابَ الْحَيَّةِ وَضَغَطَتْ عَلَى رَأْسِهَا، فَوْرًا مَعَ الرَّأْسِ يَمُوتُ الْجَسَدُ كُلُّهُ تَمَامًا.
وَكَذَلِكَ تَنْطَبِقُ هَذِهِ الْأُمُورُ نَفْسُهَا بِشَكْلٍ أَكْثَرَ حَرْفِيَّةً عَلَى الْمَسِيحِ وَالْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ وَهُمَا يُقَاتِلَانِ إِبْلِيسَ. فَ«الْمَرْأَةُ» هِيَ حَوَّاءُ الَّتِي سَحَقَتْ إِبْلِيسَ حِينَ تَابَتْ، أَوْ بِالْأَحْرَى الْمَرْأَةُ هِيَ الطُّوبَاوِيَّةُ مَرْيَمُ ابْنَةُ حَوَّاءَ؛ وَنَسْلُهَا يَسُوعُ وَالْمَسِيحِيُّونَ؛ وَالْحَيَّةُ هِيَ إِبْلِيسُ؛ وَنَسْلُهُ الْكُفَّارُ وَجَمِيعُ الْأَشْرَارِ. إِذَنِ الطُّوبَاوِيَّةُ مَرْيَمُ سَحَقَتِ الْحَيَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ دَائِمًا مَمْلُوءَةً نِعْمَةً وَمُمَجَّدَةً ظَافِرَةً عَلَى إِبْلِيسَ، وَسَحَقَتْ جَمِيعَ الْهَرَطَقَاتِ (وَهِيَ رَأْسُ الْحَيَّةِ) فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، كَمَا تُرَنِّمُ الْكَنِيسَةُ؛ وَلَكِنَّ الْمَسِيحَ سَحَقَهُ بِأَكْمَلِ وَجْهٍ، سَحَقَ رَأْسَهُ وَمَكَائِدَهُ، حِينَ بِقُدْرَتِهِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى الصَّلِيبِ انْتَزَعَ مِنْ إِبْلِيسَ كُلَّ مَمْلَكَتِهِ وَغَنَائِمِهِ؛ وَمِنَ الْمَسِيحِ نَالَتْ حَوَّاءُ التَّائِبَةُ وَمَرْيَمُ الْبَرِيئَةُ وَنَحْنُ جَمِيعًا قُوَّةَ سَحْقِ إِبْلِيسَ وَنَسْلِهِ (أَيْ أَوَّلًا وَسَاوِسَهُ؛ ثَانِيًا نَسْلَهُ أَيِ الْأَشْرَارَ مِنَ الْبَشَرِ: فَإِبْلِيسُ أَبُوهُمْ وَرَئِيسُهُمْ). فَهَذَا مَا يُقَالُ فِي الْمَزْمُورِ ٩٠: «عَلَى الْأَصْلَةِ وَالثُّعْبَانِ تَمْشِي، وَتَطَأُ الْأَسَدَ وَالتِّنِّينَ.» وَفِي لُوقَا ١٠: «هَا أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ سُلْطَانًا أَنْ تَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ.» وَفِي رُومِيَةَ ١٦: «إِلَهُ السَّلَامِ يَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ سَرِيعًا.» هَكَذَا ثِيئُودُورِيطُسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَبِيدَا هُنَا، وَأُغُسْطِينُوسُ (مَدِينَةُ اللهِ ١١، الْبَابُ ٣٦)، وَأَبِيفَانِيُوسُ (الْكِتَابُ ٢ ضِدَّ مُنَاهِضِي مَرْيَمَ)، وَسَائِرُ الْآبَاءِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَيُقَابِلُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ (عِظَةٌ فِي تَحْرِيمِ الشَّجَرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١) بَيْنَ الْمَسِيحِ وَآدَمَ، وَبَيْنَ الطُّوبَاوِيَّةِ مَرْيَمَ وَحَوَّاءَ، وَبَيْنَ جِبْرَائِيلَ وَالْحَيَّةِ مُقَابَلَةً بَدِيعَةً: «الْمَوْتُ»، يَقُولُ، «بِآدَمَ، وَالْحَيَاةُ بِالْمَسِيحِ؛ الْحَيَّةُ أَضَلَّتْ حَوَّاءَ، وَمَرْيَمُ وَافَقَتْ جِبْرَائِيلَ؛ لَكِنَّ إِضْلَالَ حَوَّاءَ جَلَبَ الْمَوْتَ، وَمُوَافَقَةَ مَرْيَمَ وَلَدَتْ لِلْعَالَمِ الْمُخَلِّصَ. بِمَرْيَمَ اسْتُعِيدَ مَا هَلَكَ بِحَوَّاءَ؛ بِالْمَسِيحِ افْتُدِيَ مَا أُسِرَ بِآدَمَ؛ بِجِبْرَائِيلَ وُعِدَ بِمَا أُيِسَ مِنْهُ بِإِبْلِيسَ.»
تَسْحَقُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ «يَشُوفْ»، وَيُتَرْجِمُهُ الرَّبِّي إِبْرَاهِيمُ: «يَضْرِبُ»؛ وَالرَّبِّي سُلَيْمَانُ: «يَدُقُّ»؛ وَالسَّبْعِينِيَّةُ تُتَرْجِمُهُ «تِيرِيسِي»، أَيْ «يَسْحَقُ»؛ أَمَّا فِيلُونُ (الرُّمُوزُ ٢)، مَعَ بَعْضِ الْآخَرِينَ، فَيَقْرَأُ «إِبِيتِيرِيسِي»، أَيْ «يَتَرَقَّبُ». وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «هُوَ يَتَرَقَّبُكَ فِيمَا فَعَلْتَ بِهِ مِنَ الْبِدَايَةِ، وَأَنْتَ تَتَرَقَّبُهُ فِي النِّهَايَةِ.» وَبِالْمَعْنَى الدَّقِيقِ، يَبْدُو أَنَّ الْعِبْرِيَّ «شُوفْ» يَعْنِي ضَرْبَ أَحَدٍ فَجْأَةً وَكَأَنَّهُ مِنْ كَمِينٍ وَمَخَابِئَ، وَالسَّحْقَ وَالدَّوْسَ وَالطَّحْنَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ أَيُّوبَ ٩: ١٧ وَالْمَزْمُورِ ١٣٩: ١١؛ وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُهُ مُتَرْجِمُنَا بَعْدَ قَلِيلٍ «تَتَرَبَّصُ».
اُنْظُرْ هُنَا كَمْ كَانُوا مَخْبُولِينَ أُولَئِكَ الْهَرَاطِقَةُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ الْمُسَمَّوْنَ أُوفِيتِيسْ، أَيْ «عَبَدَةَ الْحَيَّةِ»، مِنْ «أُوفِيسْ» أَيِ الْحَيَّةُ، الَّتِي عَبَدُوهَا لِأَنَّهَا بِإِيحَائِهَا أَكْلَ الثَّمَرَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَانَتْ لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ بِدَايَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ وَلِذَلِكَ قَدَّمُوا لَهَا الْخُبْزَ. يَصِفُ أَبِيفَانِيُوسُ طَقْسَ قُرْبَانِهِمْ (الْهَرْطَقَةُ ٣٧).
وَأَنْتَ تَتَرَبَّصُ بِعَقِبِهِ. — بِالْعِبْرِيَّةِ هُوَ الْفِعْلُ نَفْسُهُ الْمَذْكُورُ آنِفًا «يَشُوفْ»، الَّذِي تَرْجَمَتْهُ السَّبْعِينِيَّةُ قَبْلَ قَلِيلٍ «تِيرِيسِي» أَيْ «يَسْحَقُ»: لَكِنَّهُمْ هُنَا يُتَرْجِمُونَهُ «تِيرِيسِيسْ» أَيْ «تَتَرَقَّبُ» (أَيْ بِالتَّرَبُّصِ لَهُ). فَهَكَذَا يَقْرَأُ مِنَ السَّبْعِينِيَّةِ يُوسِيفُوسُ وَفِيلُونُ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَإِيرِينَاوُسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَغَيْرُهُمْ. فَالْحَيَّاتُ بِطَبْعِهَا، وَهِيَ مُخْتَبِئَةٌ فِي الْمُرُوجِ وَالْغَابَاتِ، لَا تَنْتَقِمُ بِالْقُوَّةِ الْمَكْشُوفَةِ بَلْ بِالْحِيلَةِ، وَتَعَضُّ الْغَافِلِينَ مِنَ الْخَلْفِ وَتَضْرِبُ الْعَقِبَ، وَمِنْ ثَمَّ تَقْتُلُ بِالسُّمِّ الَّذِي يَسْرِي فِي الْجَسَدِ كُلِّهِ. هَكَذَا رُوبِرْتُوسُ.
رَمْزِيًّا يَقُولُ فِيلُونُ: الْعَقِبُ هُوَ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ النَّفْسِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالطَّبِيعَةِ الْأَرْضِيَّةِ، وَالَّذِي يَمِيلُ وَيَنْجَذِبُ بِسُهُولَةٍ إِلَى الْحِسِّ الْجَسَدِيِّ وَاللَّذَّاتِ الْأَرْضِيَّةِ. يَتَرَبَّصُ إِبْلِيسُ بِهَذَا الْجُزْءِ، وَعَنْ طَرِيقِهِ بِالْعَقْلِ وَالْإِرَادَةِ. وَلِذَلِكَ غَسَلَ الْمَسِيحُ أَقْدَامَ تَلَامِيذِهِ فِي الْعَشَاءِ الْأَخِيرِ، لِتَكُونَ هَذِهِ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ لَعْنَةَ الْعَقِبِ قَدْ غُسِلَتِ الْآنَ — اللَّعْنَةُ الَّتِي مِنْ بِدَايَةِ الْأُمُورِ كَانَ بِهَا مَدْخَلٌ مَفْتُوحٌ لِلَدَغَاتِ الْحَيَّةِ.
وَبِالْمِثْلِ يَتَرَبَّصُ إِبْلِيسُ بِالْعَقِبِ، أَيْ يُحَاوِلُ أَنْ يَضْرِبَ كَأَنَّهُ مِنَ الْخَلْفِ بِالْكَمِينِ (فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا، بِالْأُسْلُوبِ الْعِبْرِيِّ، لَيْسَ فِعْلَ ضَرْبٍ مُنْجَزٍ بَلْ مَبْدُوءٍ أَوْ مُجَرَّدِ مُحَاوَلَةٍ) الْمَسِيحَ وَالْعَذْرَاءَ الْمُبَارَكَةَ وَالْمَسِيحِيِّينَ؛ لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُهُمْ مَا دَامُوا نَسْلَ الْمَسِيحِ، أَيْ أَبْنَاءَ اللهِ. أَضِفْ أَنَّ إِبْلِيسَ فِعْلًا يَضْرِبُ وَيَسْحَقُ بَعْضًا مِنْ هَذَا النَّسْلِ، أَيِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فِي الْكَنِيسَةِ هُمْ كَالْعَقِبِ — أَيِ الْأَدْنَوْنَ، وَالْأَخَسُّونَ، وَالْمُتَعَلِّقُونَ بِالْأَرْضِيَّاتِ.
وَكَذَلِكَ «رَأْسُ» الْمَسِيحِ هُوَ لَاهُوتُهُ، وَ«عَقِبُهُ» نَاسُوتُهُ. وَبَيْنَمَا هَاجَمَ إِبْلِيسُ هَذَا النَّاسُوتَ وَقَتَلَهُ، قُتِلَ هُوَ نَفْسُهُ: فَحِينَئِذٍ سَحَقَ الْمَسِيحُ رَأْسَ إِبْلِيسَ، أَيْ أَلْقَى كِبْرِيَاءَهُ وَأَخْضَعَ كُلَّ قُوَّتِهِ.
وَبِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، هَذِهِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْحَيَّةِ تُشِيرُ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ وَالْحَرْبِ الْمُسْتَمِرَّةِ بَيْنَ الْكَنِيسَةِ وَإِبْلِيسَ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا (رُؤْيَا ١٢: ١٣) وَالْآبَاءُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ، مِثْلَ الْأَبِ غُورْدُونُوسَ (الْجَدَلِيَّاتُ ١، الْبَابُ ١٧)، يَفْهَمُ حَرْفِيًّا «الْمَرْأَةَ» عَلَى أَنَّهَا الْكَنِيسَةُ، وَ«الْحَيَّةَ» عَلَى أَنَّهَا إِبْلِيسُ. لَكِنَّ الْمَرْأَةَ بِالْأَحْرَى تَعْنِي حَرْفِيًّا امْرَأَةً، وَرَمْزِيًّا الْكَنِيسَةَ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمِّي الرَّسُولُ (أَفَسُسَ ٥: ٣٢) هَذَا سِرًّا، أَوْ كَمَا فِي الْيُونَانِيَّةِ مُسْتِيرِيُونْ، لِلْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ.
وَبِالْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ (الْأَخْلَاقِيَّاتُ ١، الْبَابُ ٣٨): «نَحْنُ نَسْحَقُ رَأْسَ الْحَيَّةِ»، يَقُولُ، «حِينَ نَقْتَلِعُ بَوَادِرَ التَّجْرِبَةِ مِنَ الْقَلْبِ؛ وَحِينَئِذٍ يَتَرَبَّصُ هُوَ بِعَقِبِنَا، لِأَنَّهُ يُهَاجِمُ نِهَايَةَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِمَكْرٍ وَقُوَّةٍ أَشَدَّ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْمَزْمُورَيْنِ ٤٨ وَ١٠٣: «إِنْ كَانَ إِبْلِيسُ يَتَرَقَّبُ عَقِبَكَ، فَتَرَقَّبْ أَنْتَ رَأْسَهُ. رَأْسُهُ هُوَ بِدَايَةُ الْوَسْوَسَةِ الشِّرِّيرَةِ؛ حِينَ يَبْدَأُ بِالْوَسْوَسَةِ بِالشَّرِّ فَادْفَعْهُ، قَبْلَ أَنْ تَنْشَأَ اللَّذَّةُ وَيَتْبَعَهَا الرِّضَا. وَهَكَذَا تَتَجَنَّبُ رَأْسَهُ، وَبِالتَّالِي لَا يَقْبِضُ عَلَى عَقِبِكَ»، أَيْ:
«قَاوِمِ الْبَوَادِرَ: فَالدَّوَاءُ يُعَدُّ مُتَأَخِّرًا حِينَ تَسْتَفْحِلُ الشُّرُورُ بِطُولِ التَّأَخُّرِ.»
وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ، «إِلَى أُخْتِهِ فِي طَرِيقَةِ الْحَيَاةِ الْحَسَنَةِ»، الْبَابُ ٢٩: «رَأْسُ الْحَيَّةِ يُسْحَقُ»، يَقُولُ، «حِينَ يُصَحَّحُ الذَّنْبُ حَيْثُ يُولَدُ.» وَيُضِيفُ إِلَى ذَلِكَ أَلْكُوِينُوسُ أَوْ أَلْبِينُوسُ: إِبْلِيسُ، يَقُولُ، يَتَرَبَّصُ بِعَقِبِنَا لِأَنَّهُ يُهَاجِمُ نِهَايَةَ حَيَاتِنَا بِشَرَاسَةٍ أَكْبَرَ. وَلِهَذَا السَّبَبِ خَافَ الْقِدِّيسُونَ مِنْ نِهَايَتِهِمْ، وَحِينَئِذٍ خَدَمُوا اللهَ بِحَمَاسَةٍ أَعْظَمَ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ هِيلَارِيُونُ، خَائِفًا فِي الْمَوْتِ، قَالَ لِنَفْسِهِ: «خَدَمْتَ الرَّبَّ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً، وَتَخَافُ أَنْ تَمُوتَ؟» وَقَالَ الْأَبَّا بَامْبُو وَهُوَ يَمُوتُ: «أَذْهَبُ الْآنَ إِلَى إِلَهِي؛ وَلَكِنْ كَمَنْ بِالْكَادِ بَدَأَ أَنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقًّا وَصَوَابًا.» وَقَالَ أَرْسَانِيُوسُ: «أَعْطِنِي يَا رَبُّ أَنْ أَبْدَأَ عَلَى الْأَقَلِّ الْآنَ أَنْ أَحْيَا تَقِيًّا.» وَقَالَ الْقِدِّيسُ فْرَنْسِيسْكُوسُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ: «أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، إِلَى الْآنَ لَمْ نَتَقَدَّمْ إِلَّا قَلِيلًا؛ فَلْنَبْدَأِ الْآنَ بِخِدْمَةِ اللهِ؛ لِنَعُدْ إِلَى بَوَاكِيرِ التَّوَاضُعِ وَالِابْتِدَاءِ.» قَالَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ بُونَافِنْتُورَا فِي سِيرَتِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَنْطُونِيُوسُ: «الْيَوْمَ اعْتَبِرُوا أَنَّكُمْ قَدْ دَخَلْتُمُ الْحَيَاةَ الرُّهْبَانِيَّةَ.» وَقَالَ بَرْلَعَامُ لِيُوآسَافَ: «فَكِّرْ» كُلَّ يَوْمٍ «أَنَّكَ الْيَوْمَ بَدَأْتَ تَخْدِمُ اللهَ، وَأَنَّكَ الْيَوْمَ سَتَنْتَهِي.» وَأَغَاثُونُ كَانَ قَدْ عَاشَ بِقَدَاسَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: «أَخْشَى الْمَوْتَ، لِأَنَّ أَحْكَامَ اللهِ تَخْتَلِفُ عَنْ أَحْكَامِ الْبَشَرِ.»
الْآيَةُ ١٦: أُكَثِّرُ أَحْزَانَكِ
أُكَثِّرُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ «هَرْبَّا أَرْبِّي»، أَيْ «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ»، يَعْنِي أُكَثِّرُ أَشَدَّ التَّكْثِيرِ وَأَوْكَدَهُ. فَهَذَا التَّكْرَارُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ وَالْيَقِينِ مَعًا.
تُفْرَضُ هُنَا عَلَى الْمَرْأَةِ عُقُوبَةٌ ثُلَاثِيَّةٌ عَلَى خَطِيئَتِهَا الثُّلَاثِيَّةِ. فَأَوَّلًا، لِأَنَّهَا صَدَّقَتِ الْحَيَّةَ الْقَائِلَةَ «تَكُونَانِ كَآلِهَةٍ»، تَسْمَعُ: «أُكَثِّرُ أَحْزَانَكِ وَحَبَلَكِ»؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهَا أَكَلَتِ الثَّمَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ بِشَرَاهَةٍ، تَسْمَعُ: «بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ»؛ ثَالِثًا، لِأَنَّهَا أَغْوَتْ زَوْجَهَا، تَسْمَعُ: «تَكُونِينَ تَحْتَ سُلْطَانِ زَوْجِكِ.» هَكَذَا رُوبِرْتُوسُ.
«أَحْزَانًا وَحَبَلًا.» — أَيْ أَحْزَانَ الْحَبَلِ. فَهُوَ أُسْلُوبُ هِنْدِيَادِيسْ مُتَكَرِّرٌ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ، مِثْلُ قَوْلِ الشَّاعِرِ [فِرْجِيلِيُوسَ]: «عَضَّ الذَّهَبَ وَاللِّجَامَ»، أَيْ «عَضَّ اللِّجَامَ الذَّهَبِيَّ».
هَذِهِ الْأَحْزَانُ، قَبْلَ الْحَبَلِ، هِيَ النَّجَاسَاتُ وَسَيْلُ الْحَيْضِ؛ وَفِي الْحَبَلِ ذَاتِهِ، الِافْتِضَاضُ وَالْخَجَلُ وَالْأَلَمُ؛ وَبَعْدَ الْحَبَلِ، النَّجَاسَةُ وَالنَّتَنُ وَاحْتِبَاسُ الطَّمْثِ وَالرَّغَبَاتُ الَّتِي لَا تُضْبَطُ وَثِقَلُ الْجَنِينِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَالْغَثَيَانُ وَالتَّشَنُّجَاتُ وَأَخْطَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، عَنْهَا اُنْظُرْ أَرِسْطُو، تَارِيخُ الْحَيَوَانِ ٧، الْبَابُ ٤.
بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ. — مَعَ هَذَا الْوَجَعِ يَقْتَرِنُ غَالِبًا خَطَرٌ عَلَى الْحَيَاةِ، حَيَاةِ الْأُمِّ وَحَيَاةِ الْوَلَدِ عَلَى السَّوَاءِ، وَذَلِكَ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ مَعًا؛ وَهَذَا الْوَجَعُ بَالِغُ الشِّدَّةِ حَتَّى إِنَّ امْرَأَةً خَبِرَتْهُ قَالَتْ: «لَأُفَضِّلَنَّ أَنْ أُقَاتِلَ عَلَى حَيَاتِي تَحْتَ السِّلَاحِ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى أَنْ أَلِدَ مَرَّةً وَاحِدَةً.» وَهَذَا الْأَلَمُ فِي الْمَرْأَةِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي أَيِّ حَيَوَانٍ، بِسَبَبِ صُعُوبَةِ انْفِصَالِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَّصِلَةِ، كَمَا يُعَلِّمُ أَرِسْطُو (أَعْلَاهُ، الْبَابُ ٩). وَفِي حَالَةِ الْبَرَاءَةِ كَانَتِ الْمَرْأَةُ سَتُفْلِتُ مِنْ هَذَا الْأَلَمِ بِنِعْمَةِ اللهِ وَعِنَايَتِهِ. اُنْظُرْ كَيْفَ أَنَّ لَذَّةً صَغِيرَةً مِنَ الْخَطِيئَةِ — قَطْرَةً مِنَ الْعَسَلِ — جَلَبَتْ كَمْ مِنَ الْمَرَارَةِ وَكَمْ مِنَ الْآلَامِ عَلَى حَوَّاءَ وَجَمِيعِ ذُرِّيَّتِهَا!
تَكُونِينَ تَحْتَ سُلْطَانِ زَوْجِكِ. — لَا كَمَا كَانَ مِنْ قَبْلُ طَوْعًا وَبِرِضًا وَبِعُذُوبَةٍ وَوِئَامٍ عَجِيبَيْنِ، بَلْ غَالِبًا بِإِكْرَاهٍ وَبِأَشَدِّ الضِّيقِ وَالنُّفُورِ. فَقَدْ نَالَ الزَّوْجُ هُنَا سُلْطَةَ تَقْوِيمِ زَوْجَتِهِ وَمُعَاقَبَتِهَا.
هَكَذَا مُولِينَا. بِالْعِبْرِيَّةِ: «إِلَى زَوْجِكِ تِشُوقَاتِكْ»، أَيْ شَهْوَتُكِ أَوْ تَوْقُكِ أَوْ لُجُوؤُكِ؛ أَوْ كَمَا عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيِّ «يَكُونُ رُجُوعُكِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَهْمَا اشْتَهَيْتِ فَسَتَحْتَاجِينَ بِالضَّرُورَةِ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى زَوْجِكِ لِتَنَالِي ذَلِكَ وَتُحَقِّقِيهِ. فَإِنْ كُنْتِ حَكِيمَةً فَلْتُرَاقِبْ عَيْنَاكِ دَائِمًا وَجْهَ زَوْجِكِ وَعَيْنَيْهِ وَإِشَارَتَهُ وَمَيْلَهُ، لِتُرْضِيهِ وَتُوَافِقِي رَغَبَاتِهِ وَتَسْتَمِيلِيهِ إِلَيْكِ. إِنْ كُنْتِ حَكِيمَةً فَلَا تَشْتَهِي شَيْئًا غَيْرَ مَا تَعْلَمِينَ أَنَّهُ يُرْضِي زَوْجَكِ؛ إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ السَّلَامَ وَالْهُدُوءَ فَوَافِقِي زَوْجَكِ وَاتَّفِقِي مَعَهُ؛ احْذَرِي أَنْ تَرْفُسِي ضِدَّ الْمِنْخَسِ. وَيُضِيفُ رُوبِرْتُوسُ: «تَكُونِينَ تَحْتَ سُلْطَانِ زَوْجِكِ.» صَحِيحٌ هَذَا إِلَى حَدٍّ، يَقُولُ، أَنَّهُ بِحَسَبِ الْقَانُونِ الرُّومَانِيِّ، حَتَّى عِنْدَ الْوَثَنِيِّينَ، لَمْ يَكُنْ يُسْمَحُ لِلزَّوْجَةِ بِأَنْ تَكْتُبَ وَصِيَّةً بِدُونِ إِذْنِ زَوْجِهَا؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ يَدِ زَوْجِهَا، كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا تَعَرَّضَتْ لِنَقْصٍ فِي أَهْلِيَّتِهَا الْقَانُونِيَّةِ.
«وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ.» — سِيَادَةُ الزَّوْجِ هَذِهِ، إِنْ كَانَتْ عَادِلَةً وَمُعْتَدِلَةً، فَهِيَ مِنَ الْقَانُونِ الطَّبِيعِيِّ؛ وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَلِّطَةً وَطَاغِيَةً، فَهِيَ ضِدَّ الطَّبِيعَةِ؛ لَكِنَّ كِلْتَيْهِمَا ثَقِيلَتَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعُقُوبَةٌ لِلْخَطِيئَةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ ضِدَّ الطَّبِيعَةِ، وَأَشْبَهُ بِالشُّذُوذِ، أَنْ تَشَاءَ الْمَرْأَةُ أَنْ تَسُودَ عَلَى زَوْجِهَا.
الْآيَةُ ١٧: مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ بِسَبَبِ عَمَلِكَ
١٧. «لِأَنَّكَ سَمِعْتَ» — لِأَنَّكَ أَطَعْتَ امْرَأَتَكَ لَا إِيَّايَ. «مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ بِسَبَبِ عَمَلِكَ.» — لَاحِظْ مَعَ آدَمَ وَبْرُوكُوبِيُوسَ وَالْأَبُولِنْسِيِّ وَبِيرِيرِيُوسَ أَنَّ الْأَرْضَ هُنَا لُعِنَتْ مِنَ اللهِ لَا مُطْلَقًا، بَلْ «بِسَبَبِ عَمَلِكَ»، لِأَنَّهَا لَكَ يَا آدَمُ وَأَنْتَ تَكُدُّ فِيهَا وَتَعْرَقُ سَتُعْطِي ثِمَارًا قَلِيلَةً، بَلْ كَثِيرًا مَا تُنْبِتُ شَوْكًا وَحَسَكًا، كَمَا يَلِي.
ثَانِيًا، وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ أَيْضًا كَانَتْ تُنْبِتُ طَبِيعِيًّا شَوْكًا وَحَسَكًا (وَهَذَا وَإِنْ أَنْكَرَهُ بِيدَا وَرُوبِرْتُوسُ وَآخَرُونَ، فَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّهُ أَصَحُّ فِي الْإِصْحَاحِ ١، الْآيَةِ ١٢)، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ ذَاتَهُ قَدْ صَارَ الْآنَ عُقُوبَةً لِلْإِنْسَانِ الْخَاطِئِ؛ لِأَنَّ آدَمَ لَوْ لَمْ يُخْطِئْ لَعَاشَ بِلَا أَيِّ عَمَلٍ مِنْ ثِمَارِ الْفِرْدَوْسِ (إِذْ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْبَهِيجِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يُعِينُ الْإِنْسَانَ وَيُنْعِشُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ، وَبِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَوْكٌ)؛ أَمَّا الْآنَ فَإِنَّهُ إِذْ يَكُدُّ لِيُوَفِّرَ طَعَامَهُ، كَثِيرًا مَا يَحْصُدُ شَوْكًا وَحَسَكًا لَا يَتَغَذَّى بِهِ بَلْ يَتَأَذَّى.
أَضِفْ ثَالِثًا، أَنَّ خُصُوبَةَ الْأَرْضِ الْأُولَى وَجُودَتَهَا يَبْدُو أَنَّهَا قَدْ تَعَطَّلَتْ وَنَقَصَتْ بِسَبَبِ خَطِيئَةِ آدَمَ هَذِهِ، وَلِذَلِكَ فَهِيَ الْآنَ تُنْبِتُ شَوْكًا وَحَسَكًا أَكْثَرَ وَفِي أَمَاكِنَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ؛ فَهَذَا مَا حَدَثَ لِقَايِنَ حِينَ أَخْطَأَ، التَّكْوِينُ ٤: ١٢. وَهَكَذَا أَيْضًا كَانَ اللهُ كَثِيرًا مَا يُهَدِّدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِسَبَبِ خَطَايَاهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِسَمَاءٍ مِنْ نُحَاسٍ وَأَرْضٍ مِنْ حَدِيدٍ. وَهَكَذَا أَيْضًا الْيَوْمَ كَثِيرًا مَا يُعَاقِبُ اللهُ الْمُدُنَ وَالْمَمَالِكَ بِالْجَدْبِ بِسَبَبِ الْخَطَايَا. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ وَأَكِيلَا: «مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ بِسَبَبِكَ»؛ وَثِيُودُوتِيُونُ: «مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ بِمَعْصِيَتِكَ»: فَإِنَّ الْجَذْرَ «عَبَرَ» يَعْنِي التَّعَدِّيَ.
حَيْثُ لَاحِظْ رَابِعًا: النَّصُّ الْعِبْرِيُّ الْآنَ يَحْمِلُ «بَعَبُورِخَا»، أَيْ «بِسَبَبِكَ»، كَمَا تَرْجَمَ الْكَلْدَانِيُّ وَأَكِيلَا. لَكِنَّ نَصَّنَا اللَّاتِينِيَّ مَعَ التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ (وَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ قَدِيمَةٌ وَبِالتَّالِي أَصَحُّ) يَقْرَأُ «بَعَبُودِخَا»، أَيْ «بِعَمَلِكَ». فَإِنَّ حَرْفَيِ الرِّيشِ وَالدَّالِتِ مُتَشَابِهَانِ جِدًّا، بِحَيْثُ يَسْهُلُ الِانْزِلَاقُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ.
تَرُوبُولُوجِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ فِي عِظَتِهِ «عَنِ الْفِرْدَوْسِ»: «الْوَرْدَةُ هُنَا مُتَّصِلَةٌ بِالشَّوْكِ، فَهِيَ تَكَادُ تُعْلِنُ لَنَا بِصَوْتٍ جَهِيرٍ قَائِلَةً: إِنَّ مَا يَلَذُّ لَكُمْ أَيُّهَا الْبَشَرُ مَمْزُوجٌ بِالْأَحْزَانِ. فَحَقًّا فِي شُؤُونِ الْبَشَرِ هَكَذَا رُتِّبَ أَنْ لَا شَيْءَ فِيهَا صَافٍ، بَلْ فِي الْحَالِ يَلْتَصِقُ بِالْفَرَحِ وَالْبَهْجَةِ الْحُزْنُ، وَبِالزَّوَاجِ التَّرَمُّلُ، وَبِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ الْهَمُّ وَالْقَلَقُ، وَبِالْخُصُوبَةِ الْإِجْهَاضُ، وَبِبَهَاءِ الْحَيَاةِ الْعَارُ، وَبِالنَّجَاحَاتِ الْمُزْدَهِرَةِ الْخَسَائِرُ، وَبِالْمَلَذَّاتِ الشِّبَعُ، وَبِالصِّحَّةِ الْمَرَضُ. الْوَرْدَةُ جَمِيلَةٌ حَقًّا، لَكِنَّهَا تُلْقِي عَلَيَّ الْحُزْنَ. كُلَّمَا رَأَيْتُ هَذِهِ الزَّهْرَةَ تَذَكَّرْتُ خَطِيئَتِي الَّتِي بِسَبَبِهَا حُكِمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تُخْرِجَ شَوْكًا وَحَسَكًا.»
«بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا.» — الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «عِتْصَابُونْ» تَدُلُّ عَلَى عَمَلٍ مَمْزُوجٍ بِمَشَقَّاتٍ عَظِيمَةٍ وَمَتَاعِبَ وَآلَامٍ، كَعَمَلِ الزِّرَاعَةِ، وَهُوَ عَمَلٌ مُتَنَوِّعٌ وَمُتَشَعِّبٌ وَمُتَوَاصِلٌ، بِهِ مَهْمَا اجْتَهَدَ الْإِنْسَانُ بِالْكَادِ يُوَفِّرُ قُوتَ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ.
يُلَاحِظُ إِيزِيدُورُسُ كْلَارِيُوسُ أَنَّ عُقُوبَاتِ كُلِّ وَاحِدٍ أُنْزِلَتْ هُنَا مِنَ اللهِ بِمَا يُنَاسِبُهُ: فَالْحَيَّةُ كَانَتْ قَدْ تَكَبَّرَتْ وَارْتَفَعَتْ، فَلِذَلِكَ أُمِرَتْ أَنْ تَزْحَفَ عَلَى الْأَرْضِ. وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ قَدْ تَذَوَّقَتْ لَذَّاتِ الثَّمَرَةِ، فَلِذَلِكَ أُمِرَتْ أَنْ تَلِدَ بِأَوْجَاعٍ. وَآدَمُ كَانَ قَدِ اسْتَسْلَمَ بِضَعْفٍ لِامْرَأَتِهِ، فَلِذَلِكَ أُمِرَ أَنْ يُحَصِّلَ قُوتَهُ بِالتَّعَبِ. وَهَذَا إِذَنْ هُوَ «النِّيرُ الثَّقِيلُ عَلَى بَنِي آدَمَ، مِنْ يَوْمِ خُرُوجِهِمْ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِمْ إِلَى يَوْمِ الدَّفْنِ فِي أُمِّ الْجَمِيعِ»، يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٤٠: ١. تَحْتَ هَذَا النِّيرِ نَئِنُّ جَمِيعُنَا.
«مِنْهَا» — بِالْعِبْرِيَّةِ: «تَأْكُلُهَا»، أَيْ نَبَاتَاتِهَا وَثِمَارَهَا.
١٨. «وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا لَذَّاتِ الْفِرْدَوْسِ وَثِمَارَهُ، وَلَا الْحَجَلَ وَالْأَرَانِبَ وَاللُّحُومَ الْمَشْوِيَّةَ وَالْمَسْلُوقَةَ، بَلِ الْأَعْشَابَ الْبَسِيطَةَ الْوَضِيعَةَ مِنَ الْأَرْضِ تَأْكُلُ، لِلزُّهْدِ وَلِلتَّوْبَةِ مَعًا. فَإِنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ يُسَمُّونَ أَعْشَابَ الْأَرْضِ أَوِ الْحَقْلِ الْأَعْشَابَ الْعَامَّةَ الْوَضِيعَةَ الَّتِي تَتَغَذَّى عَلَيْهَا الْبَهَائِمُ وَالْإِنْسَانُ عَلَى السَّوَاءِ. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ بِالْخَطِيئَةِ صَارَ كَالْفَرَسِ وَالْبَغْلِ: فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَغَذَّى بِنَفْسِ طَعَامِهِمَا.
لِلْمَعْنَى التَّرُوبُولُوجِيِّ، انْظُرْ كَاسِيَانُوسَ، الْمُؤْتَمَرَاتُ، الْكِتَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ، الْبَابُ ١١.
الْآيَةُ ١٩: لِأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ
١٩. «لِأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ.» — التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «لِأَنَّكَ أَرْضٌ وَإِلَى الْأَرْضِ تَرْجِعُ.» فَالْإِنْسَانُ إِذَنْ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ يُعَانِي كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ سُلٍّ لَا شِفَاءَ مِنْهُ، أَلَا وَهُوَ صِرَاعُ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّةِ وَفَسَادُهَا، الَّذِي يُبْلِيهِ تَدْرِيجِيًّا وَيَقْتُلُهُ. الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «عَفَرْ» تَدُلُّ بِالذَّاتِ عَلَى التُّرَابِ؛ لَكِنْ كَمَا قُلْتُ سَابِقًا، هَذَا التُّرَابُ الَّذِي صُنِعَ مِنْهُ آدَمُ كَانَ مَمْزُوجًا بِالْمَاءِ، وَبِالتَّالِي كَانَ طِينًا وَوَحْلًا مِنَ الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ جُثَّةَ الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَتَحَلَّلُ إِلَى طِينٍ. فَلِمَ تَتَكَبَّرُ وَأَنْتَ أَرْضٌ وَرَمَادٌ؟ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَوْتَ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ حَالَةً طَبِيعِيَّةً، بَلْ عُقُوبَةَ الْخَطِيئَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ بِدِقَّةٍ فِي الْحِكْمَةِ ٢٦٠: «الْإِنْسَانُ كَانَ قَدْ خُلِقَ خَالِدًا: أَرَادَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا؛ فَلَمْ يَخْسَرْ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَإِنْسَانٍ، لَكِنَّهُ خَسِرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَخَالِدٍ، وَمِنْ كِبْرِيَاءِ الْعِصْيَانِ جُنِيَتْ عُقُوبَةُ الطَّبِيعَةِ.» وَالْأَمْرُ ذَاتُهُ وَاضِحٌ مِنْ رُومِيَةَ ٥: ١٢ وَالْحِكْمَةِ ٢: ٢٣. وَيَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ حُكْمَ الْمَوْتِ هَذَا يُخَفِّفُ الْحُكْمَ السَّابِقَ: «بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا.» وَكَمْ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ نَافِعَةٌ لَنَا، يُبَيِّنُهُ رُوبِرْتُوسُ بِعِلْمٍ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْبَابَيْنِ ٢٤ وَ٢٥، حَيْثُ يَقُولُ مِنْ بَيْنِ أُمُورٍ أُخْرَى: أَوَّلًا، «لِئَلَّا يَجْهَلَ الْإِنْسَانُ مَوْتَ نَفْسِهِ الشِّرِّيرَ، وَيَنَامَ آمِنًا فِي مَلَذَّاتِهِ حَتَّى فَجْرِ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ، يَضْرِبُهُ اللهُ بِمَوْتِ الْجَسَدِ لِيَسْتَيْقِظَ عَلَى الْأَقَلِّ بِخَوْفِ اقْتِرَابِهِ؛ وَمِنْ هُنَا أَيْضًا ثَانِيًا، شَاءَ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْمَوْتِ وَسَاعَتُهُ مَجْهُولَيْنِ، وَهَذَا إِذْ يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ دَائِمَ الْقَلَقِ وَدَائِمَ التَّعَلُّقِ لَا يَدَعُهُ يَتَكَبَّرُ.» ثَالِثًا، يُعَلِّمُ مِنْ أَفْلُوطِينَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ فَانِيًا، لِئَلَّا يُعَذَّبَ بِبَلَايَا هَذِهِ الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ. رَابِعًا، شَاءَ اللهُ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ فِي أَتْعَابٍ.
«يَشْحَذُ الْقُلُوبَ الْفَانِيَةَ بِالْهُمُومِ، وَلَا يَدَعُ مَمْلَكَتَهُ تَرْكُدُ فِي خُمُولٍ ثَقِيلٍ.»
هَكَذَا رُوبِرْتُوسُ.
أَخْلَاقِيًّا، فَمَا هُوَ الْإِنْسَانُ إِذَنْ؟ اسْمَعِ الْوَثَنِيِّينَ. أَوَّلًا، الْإِنْسَانُ لُعْبَةُ الْحَظِّ، وَصُورَةُ التَّقَلُّبِ، وَمِرْآةُ الْفَسَادِ، وَغَنِيمَةُ الزَّمَنِ، كَمَا يَقُولُ أَرِسْطُو؛ ثَانِيًا، الْإِنْسَانُ عَبْدُ الْمَوْتِ وَعَابِرُ سَبِيلٍ؛ ثَالِثًا، هُوَ كُرَةٌ يَلْعَبُ بِهَا اللهُ، كَمَا يَقُولُ بْلَاوْتُوسُ؛ رَابِعًا، هُوَ جَسَدٌ ضَعِيفٌ هَشٌّ، عَارٍ أَعْزَلُ، مُحْتَاجٌ إِلَى مَعُونَةِ غَيْرِهِ، مَطْرُوحٌ لِكُلِّ إِهَانَةٍ مِنَ الْحَظِّ، كَمَا يَقُولُ سِينِيكَا؛ خَامِسًا، هُوَ رِبَاطُ فَسَادٍ، وَمَوْتٌ حَيٌّ، وَجُثَّةٌ حَسَّاسَةٌ، وَقَبْرٌ مُتَحَرِّكٌ، وَحِجَابٌ مُعْتِمٌ، كَمَا يَقُولُ تْرِيسْمِيجِسْتُوسُ؛ سَادِسًا، هُوَ شَبَحٌ وَظِلٌّ خَفِيفٌ، كَمَا يَقُولُ سُوفُوكْلِيسُ؛ سَابِعًا، هُوَ حُلُمُ ظِلٍّ، كَمَا يَقُولُ بِنْدَارُوسُ؛ ثَامِنًا، هُوَ مَنْفِيٌّ وَغَرِيبٌ فِي عَالَمٍ بَائِسٍ: فَمَا هُوَ الْعَالَمُ الْآنَ سِوَى صُنْدُوقِ أَحْزَانٍ، وَمَدْرَسَةِ بَاطِلٍ، وَسُوقِ مُحْتَالِينَ؟ كَمَا قَالَ فَيْلَسُوفٌ مَا.
مَا هُوَ الْإِنْسَانُ؟ اسْمَعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْحُكَمَاءَ وَالْأَنْبِيَاءَ. أَوَّلًا، الْإِنْسَانُ بَذْرَةٌ نَتِنَةٌ، وَكِيسُ رَوْثٍ، وَطَعَامُ دُودٍ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَرْدُسُ؛ ثَانِيًا، الْإِنْسَانُ سُخْرِيَةُ اللهِ، كَمَا قَالَ الْإِمْبَرَاطُورُ زِينُونُ هَارِبًا بَعْدَ سَمَاعِهِ بِمَذْبَحَةِ قَوْمِهِ؛ ثَالِثًا، الْإِنْسَانُ قَطْرَةٌ مِنْ دَلْوٍ، وَجَرَادَةٌ، وَذَرَّةٌ فِي مِيزَانٍ، وَقَطْرَةُ نَدًى سَابِقَةٌ لِلْفَجْرِ، وَعُشْبٌ، وَزَهْرَةٌ، وَلَا شَيْءَ وَخَوَاءٌ، كَمَا يَقُولُ إِشَعْيَاءُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٠، الْآيَاتِ ٦ وَ١٥ وَ١٧ وَ٢٢؛ رَابِعًا، هُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ، كَمَا يَقُولُ الْمُرَنِّمُ فِي الْمَزْمُورِ ٣٨: ٦؛ خَامِسًا، هُوَ رَسُولٌ عَابِرٌ، وَسَفِينَةٌ مَارَّةٌ، وَطَائِرٌ مُحَلِّقٌ، وَسَهْمٌ مُنْطَلِقٌ، وَدُخَانٌ، وَزَغَبٌ، وَزَبَدٌ رَقِيقٌ، وَضَيْفُ يَوْمٍ وَاحِدٍ، الْحِكْمَةُ ٥: ٩؛ سَادِسًا، هُوَ تُرَابٌ وَرَمَادٌ، كَمَا يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ فِي التَّكْوِينِ ١٨: ٢٧؛ سَابِعًا، «الْإِنْسَانُ مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ، قَلِيلُ الْأَيَّامِ، مُمْتَلِئٌ تَعَبًا؛ يَخْرُجُ كَالزَّهْرِ فَيَذْبُلُ، وَيَفِرُّ كَالظِّلِّ وَلَا يَبْقَى عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ»، أَيُّوبُ ١٤: ١. فَتَعَلَّمْ إِذَنْ يَا إِنْسَانُ أَنْ تَحْتَقِرَ نَفْسَكَ وَالْعَالَمَ مَعًا. اسْمَعِ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي حِكَمِهِ، الْحِكْمَةُ الْأَخِيرَةُ: «تَفْتَخِرُ بِالْغِنَى وَتَتَبَاهَى بِنُبْلِ أَجْدَادِكَ، وَتَبْتَهِجُ بِوَطَنِكَ وَجَمَالِ جَسَدِكَ وَبِالْمَرَاتِبِ الَّتِي يُسْدِيهَا إِلَيْكَ النَّاسُ: اُنْظُرْ إِلَى نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ فَانٍ، وَإِنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى التُّرَابِ تَمْضِي؛ تَأَمَّلِ الَّذِينَ قَبْلَكَ تَأَلَّقُوا بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَبَّهَاتِ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَزَلَّفُ إِلَيْهِمْ سُلْطَةُ الْمُوَاطِنِينَ؟ أَيْنَ الْأَبَاطِرَةُ الَّذِينَ لَا يُقْهَرُونَ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَظِّمُونَ الْمَحَافِلَ وَالْأَعْيَادَ؟ أَيْنَ فُرْسَانُ الْخُيُولِ الْبَاهِرُونَ؟ أَيْنَ قَادَةُ الْجُيُوشِ؟ أَيْنَ الْوُلَاةُ الطُّغَاةُ؟ الْآنَ كُلُّهُمْ تُرَابٌ، الْآنَ كُلُّهُمْ رَمَادٌ، الْآنَ ذِكْرَاهُمْ فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ. اُنْظُرْ إِلَى الْقُبُورِ وَانْظُرْ: مَنِ الْعَبْدُ وَمَنِ السَّيِّدُ، مَنِ الْفَقِيرُ وَمَنِ الْغَنِيُّ؟ مَيِّزْ إِنِ اسْتَطَعْتَ الْأَسِيرَ مِنَ الْمَلِكِ، وَالْقَوِيَّ مِنَ الضَّعِيفِ، وَالْجَمِيلَ مِنَ الْقَبِيحِ. فَاذْكُرْ إِذَنْ طَبِيعَتَكَ وَلَا تَتَكَبَّرْ أَبَدًا؛ وَسَتَذْكُرُ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى نَفْسِكَ.»
وَهَكَذَا زُوسِيمَاسُ، إِذْ عَادَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ إِلَى الْمَكَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مَعَ الْقِدِّيسَةِ مَرْيَمَ الْمِصْرِيَّةِ، وَجَدَهَا رَاقِدَةً مَيِّتَةً، وَبِجَانِبِهَا مَكْتُوبٌ فِي التُّرَابِ: «اُدْفِنْ يَا أَبَانَا زُوسِيمَاسُ جَسَدَ مَرْيَمَ الْمِسْكِينَةَ: رُدَّ التُّرَابَ إِلَى التُّرَابِ وَالْغُبَارَ إِلَى الْغُبَارِ.» وَإِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِعْوَلٌ، ظَهَرَ أَسَدٌ حَفَرَ الْأَرْضَ بِمَخَالِبِهِ وَصَنَعَ حُفْرَةً دَفَنَ فِيهَا زُوسِيمَاسُ جَسَدَ الْقِدِّيسَةِ.
الْآيَةُ ٢٠: وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ حَوَّاءَ
«دَعَا» بَعْدَ أَنْ طُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ: فَإِنَّهُ فَوْرَ الْخَطِيئَةِ وَحُكْمِ اللهِ طُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ. فَهَذَا إِذَنْ اسْتِبَاقٌ أَوْ تَقْدِيمٌ.
حَوَّاءُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ «حَوَّا»، أَيْ حَيَّةٌ، أَوْ بِالْأَحْرَى مُحْيِيَةٌ، مِنَ الْجَذْرِ «حَيَّا»، أَيْ عَاشَ، «لِأَنَّهَا كَانَتْ سَتَكُونُ أُمَّ كُلِّ حَيٍّ.» وَلِذَلِكَ تَرْجَمَتِ السَّبْعِينِيَّةُ حَوَّاءَ بِلَفْظِ «زُوِي»، أَيْ حَيَاةٌ. وَمِنَ الْعِبْرِيِّ «حَيَّا» أَوْ «حَوَا»، أَيْ عَاشَ، يَأْتِي صِيغَةُ الْأَمْرِ «حَوِي» أَوْ «هَوِي»، أَيِ عِشْ — وَهِيَ كَلِمَةُ تَحِيَّةٍ وَتَمَنٍّ بِالْخَيْرِ، بِمَعْنَى الْيُونَانِيَّةِ «خَايْرِي» و«هِيجِيَايْنِي». وَبَدَلًا مِنْ «هَوِي» يَقُولُ اللَّاتِينُ «آفِي»؛ وَالْقَرْطَاجِيُّونَ «هَافُو». وَمِنْ هُنَا ذَلِكَ الْبَيْتُ مِنْ بْلَاوْتُوسَ فِي «الْبُونُولُوسِ»: «هَافُو (أَيْ سَلَامٌ وَتَحِيَّاتٌ)، مِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتُمْ؟ أَوْ مِنْ أَيِّ مَدِينَةٍ؟» هَكَذَا سِيرَارِيُوسُنَا فِي يَشُوعَ الْإِصْحَاحِ ٢، السُّؤَالِ ٢٥.
لَاحِظْ أَنَّ الرَّابِّيِّينَ أَضَافُوا خَطَأً نِقَاطَ التَّشْكِيلِ فِي «حَوَّا»: إِذْ يَنْبَغِي تَشْكِيلُهَا وَقِرَاءَتُهَا «حِيفَا» أَوْ «هِيفَا»؛ فَهَكَذَا قَرَأَتْهَا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ وَتَرْجَمَتُنَا وَغَيْرُهُمَا. وَهَكَذَا يَقْرَأُ الرَّابِّيُّونَ جَهْلًا «كُورِشْ» بَدَلَ «قُورُشَ»، وَ«دَارِيَافِشْ» بَدَلَ «دَارَا».
بِهَذَا الِاسْمِ «حَوَّاءُ» يُعَزِّي آدَمُ نَفْسَهُ وَامْرَأَتَهُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِمَا بِالْمَوْتِ مِنَ اللهِ، بِأَنَّهُ سَيُنْجِبُ مِنْ حَوَّاءَ ذُرِّيَّةً حَيَّةً، فِيهَا يَعِيشَانِ هُمَا أَيْضًا وَإِنْ كَانَا مَائِتَيْنِ، كَأَبَوَيْنِ فِي أَبْنَائِهِمَا إِلَى الْأَبَدِ.
وَلِذَلِكَ كَانَتْ حَوَّاءُ رَمْزًا لِلطُّوبَاوِيَّةِ مَرْيَمَ، الَّتِي هِيَ أُمُّ الْأَحْيَاءِ، لَا بِحَيَاةٍ زَمَنِيَّةٍ بَلْ بِحَيَاةٍ رُوحِيَّةٍ وَأَبَدِيَّةٍ فِي السَّمَاءِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أَبِيفَانِيُوسُ، الْبِدْعَةُ ٧٨. فَمَرْيَمُ إِذَنْ أُمٌّ أَفْضَلُ مِنْ حَوَّاءَ. فَإِنَّ حَوَّاءَ هِيَ أُمُّ الْجَمِيعِ وَيُمْكِنُ أَنْ تُدْعَى كَذَلِكَ، سَوَاءٌ الْأَمْوَاتُ وَالْأَحْيَاءُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ لِيرَا وَالْأَبُولِنْسِيُّ: حَوَّاءُ تَعْنِي أُمَّ الْجَمِيعِ، لَا بِإِطْلَاقٍ، بَلْ مَنْ يَعِيشُونَ فِي بُؤْسٍ وَشَقَاءٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ. وَمِنْ هُنَا يَتَأَمَّلُ بَعْضُهُمْ بِتَقْوَى أَنَّ حَوَّاءَ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ بِلِيَاقَةٍ، كَأَنَّ هَذَا الِاسْمَ يُلَمِّحُ إِلَى عَوِيلِ الصِّغَارِ الْمَوْلُودِينَ مِنْ حَوَّاءَ: فَالذَّكَرُ الْمَوْلُودُ حَدِيثًا يَصِيحُ «آ» فِي عَوِيلِهِ، بَيْنَمَا الْأُنْثَى تَقُولُ «إِي»، كَأَنَّهُ يُقَالُ: لِيَقُلْ «إِي» أَوْ «آ» كُلُّ مَنْ يُولَدُ مِنْ حَوَّاءَ. وَأَيْضًا «إِيفَا» بِالْقَلْبِ وَالْحَذْفِ فِي اللَّاتِينِيَّةِ هِيَ «وَيْ» (وَيْلٌ)؛ وَبِالْقَلْبِ وَحْدَهُ هِيَ «آفِي» (سَلَامٌ)، وَهِيَ التَّحِيَّةُ الَّتِي حَمَلَهَا رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ جِبْرَائِيلُ إِلَى الْعَذْرَاءِ الطُّوبَاوِيَّةِ.
الْآيَةُ ٢١: صَنَعَ اللهُ لِآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ
لَاحِظْ هُنَا الطَّبْعَ الْمُخْتَلِفَ لِلشَّيْطَانِ وَلِلّهِ؛ فَالشَّيْطَانُ يُوقِعُ الْإِنْسَانَ بِلَذَّةٍ تَافِهَةٍ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ فَوْرًا رَاقِدًا فِي أَعْمَاقِ الْبُؤْسِ وَالْخِزْيِ لِيَكُونَ مَنْظَرًا مُثِيرًا لِلشَّفَقَةِ لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ: أَمَّا اللهُ فَيَأْتِي لِنَجْدَةِ عَدُوِّهِ الْمِسْكِينِ وَيَكْسُوهُ وَيَسْتُرُهُ. وَأُورِيجَانُوسُ يَفْهَمُ هُنَا لَا أَقْمِصَةً حَقِيقِيَّةً مِنْ جِلْدٍ، بَلْ أَجْسَادًا لَحْمِيَّةً فَانِيَةً أُلْبِسَ بِهَا آدَمُ وَحَوَّاءُ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ؛ إِذْ مِنَ السُّخْفِ، يَقُولُ، أَنْ نَدَّعِيَ أَنَّ اللهَ كَانَ دَبَّاغَ جُلُودٍ وَخَرَّازَ أَحْذِيَةٍ لِآدَمَ. لَكِنَّ هَذَا خَطَأٌ: فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَجِبُ أَنْ تُؤْخَذَ تَارِيخِيًّا وَحَرْفِيًّا كَمَا تَبْدُو، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ «فِي التَّكْوِينِ حَرْفِيًّا»، الْبَابِ ٣٩، بَلْ أُورِيجَانُوسُ نَفْسُهُ فِي الْعِظَةِ ٦ عَلَى سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ: «بِمِثْلِ هَذِهِ الثِّيَابِ،» يَقُولُ، «كَانَ يَلِيقُ أَنْ يُكْسَى الْخَاطِئُ (أَيْ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ)، تَكُونُ عَلَامَةً عَلَى الْفَنَاءِ الَّذِي نَالَهُ مِنَ الْخَطِيئَةِ الْأُولَى، وَعَلَى الضَّعْفِ الْآتِي مِنْ فَسَادِ الْجَسَدِ.» وَيَرَى ثِيُودُورُسُ الْهِيرَاقْلِيطِيُّ وَجِنَادِيُوسُ أَنَّ لِحَاءَ الْأَشْجَارِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْجُلُودِ هُنَا، وَأَنَّ ثِيَابَ آدَمَ صُنِعَتْ مِنْهَا. لَكِنَّ ثِيُودُورِيطُسَ يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَقٍّ فِي السُّؤَالِ ٣٩. وَلَمْ يَخْلُقِ اللهُ هَذِهِ الْجُلُودَ مِنَ الْعَدَمِ، كَمَا يَرَى بْرُوكُوبِيُوسُ، بَلْ إِمَّا سَلَخَهَا بِخِدْمَةِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ حَيَوَانَاتٍ ذُبِحَتْ (فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ زَوْجًا وَاحِدًا فَقَطْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ كَمَا يَرَى ثِيُودُورِيطُسُ، بَلْ عِدَّةً فِي الْبِدَايَةِ)؛ أَوْ حَوَّلَهَا فِي الْحَالِ وَشَكَّلَهَا مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ.
كَذَلِكَ افْهَمِ الْجُلُودَ هُنَا عَلَى أَنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ، أَيْ بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا: فَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «عُور» وَاللَّاتِينِيَّةُ «بِيلِّيتشِيَاسْ»؛ وَذَلِكَ أَوَّلًا، لِكَيْ تَصْلُحَ هَذِهِ الثِّيَابُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ مَعًا بِمُجَرَّدِ قَلْبِهَا. ثَانِيًا، لِأَنَّهَا لَمْ تُعْطَ لِلزِّينَةِ بَلْ لِلضَّرُورَةِ، أَيْ لِسَتْرِ عُرْيِهِمَا وَدَفْعِ أَذَى الطَّقْسِ. ثَالِثًا، لِأَنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ كَانَتْ رَمْزًا لَا لِلْحَيَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا لِلتَّقَشُّفِ وَالْعِفَّةِ وَالتَّوْبَةِ. لَمْ يَكْسُ اللهُ الْبَشَرَ بَعْدَ الْخَطِيئَةِ بِالْأُرْجُوَانِ وَلَا بِالْقُمَاشِ، بَلْ بِالْجُلُودِ كَمَا بِالْمُسُوحِ، لِيُعَلِّمَ أَنَّ لِبَاسَنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَسِيطًا كَذَلِكَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْجُنُودَ الْأَرْبَعِينَ الْقِدِّيسِينَ وَالشُّهَدَاءَ، كَمَا يَرْوِي الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ، حِينَ جَرَّدَهُمُ الْوَالِي مِنْ ثِيَابِهِمْ وَأَلْقَاهُمْ فِي بُحَيْرَةٍ مُتَجَمِّدَةٍ لِيُقْتَلُوا بِبَرْدِهَا، شَجَّعُوا أَنْفُسَهُمْ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «لَسْنَا نَخْلَعُ ثَوْبًا، يَقُولُونَ، بَلِ الْإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِخَدِيعَةِ الشَّهْوَةِ؛ نَشْكُرُكَ يَا رَبُّ أَنَّنَا مَعَ هَذَا الثَّوْبِ نَخْلَعُ الْخَطِيئَةَ أَيْضًا: فَبِسَبَبِ الْحَيَّةِ لَبِسْنَاهَا، وَبِسَبَبِ الْمَسِيحِ نَخْلَعُهَا.» وَهَكَذَا إِذْ كَادُوا يَمُوتُونَ مِنَ الْبَرْدِ سُلِّمُوا إِلَى النِّيرَانِ، بَيْنَمَا عَرَضَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ أَكَالِيلَ انْتِصَارِهِمْ. رَابِعًا، هَذِهِ الثِّيَابُ الْمَصْنُوعَةُ مِنْ جُلُودِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَيِّتَةِ كَانَتْ تُذَكِّرُ آدَمَ بِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَوْتِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي التَّكْوِينِ ضِدَّ الْمَانَوِيِّينَ»، الْبَابِ ٢١، وَأَلْكُوِينُوسُ وَغَيْرُهُمَا.
رَمْزِيًّا، كَانَ آدَمُ الْمَكْسُوُّ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا قُدُّوسًا، إِلَّا أَنَّهُ شَاءَ أَنْ يُكْسَى بِالْجُلُودِ، أَيْ أَنْ يَلْبَسَ خَطَايَانَا، حِينَ وُجِدَ فِي هَيْئَتِهِ كَإِنْسَانٍ وَصَارَ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيئَةِ. فَلِمَ تَفْتَخِرُ إِذَنْ يَا إِنْسَانُ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ؟ فَإِنَّ الثَّوْبَ عَلَامَةٌ وَوَصْمَةٌ لِلْخَطِيئَةِ؛ تَمَامًا كَمَا أَنَّ الْقُيُودَ وَالسَّلَاسِلَ، سَوَاءٌ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ، هِيَ رُمُوزُ وَأَغْلَالُ اللُّصُوصِ وَالْمُجْرِمِينَ. هَكَذَا كَانَ لِبَاسُ أَوَائِلِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ الرُّومَانِيِّ، الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ بْرُوبِرْتِيُوسُ:
«مَجْلِسُ الشُّيُوخِ الَّذِي يَتَأَلَّقُ الْآنَ عَالِيًا بِأَعْضَائِهِ ذَوِي الْأُرْجُوَانِ، كَانَ يَضُمُّ آبَاءً رِيفِيِّينَ بِقُلُوبٍ بَسِيطَةٍ يَرْتَدُونَ الْجُلُودَ.»
الْآيَةُ ٢٢: هُوَذَا آدَمُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا
«هَذَا،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ «فِي التَّكْوِينِ ضِدَّ الْمَانَوِيِّينَ»، الْبَابِ ٢٢، «يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إِمَّا وَاحِدٌ مِنَّا كَأَنَّهُ هُوَ ذَاتُهُ اللهُ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّخْرِيَةِ، كَمَا يُقَالُ: وَاحِدٌ مِنْ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ، يَعْنِي عُضْوًا فِي مَجْلِسِ الشُّيُوخِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ هُوَ ذَاتُهُ كَانَ سَيَكُونُ إِلَهًا، وَلَوْ بِفَضْلِ خَالِقِهِ لَا بِطَبِيعَتِهِ، لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى تَحْتَ سُلْطَانِهِ: فَهَكَذَا قِيلَ مِنَّا، كَمَا يُقَالُ: مِنَ الْقَنَاصِلِ أَوْ نُوَّابِ الْقَنَاصِلِ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.» ثُمَّ يُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ: «لَكِنْ لِأَيِّ غَرَضٍ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا؟ لِمَعْرِفَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لِكَيْ يَتَعَلَّمَ هَذَا الْإِنْسَانُ بِالتَّجْرِبَةِ بَيْنَمَا يَشْعُرُ بِالشَّرِّ مَا يَعْرِفُهُ اللهُ بِالْحِكْمَةِ: وَلِيَتَعَلَّمَ بِعُقُوبَتِهِ أَنَّ سُلْطَانَ الْقَدِيرِ الَّذِي لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ وَهُوَ سَعِيدٌ رَاضٍ، لَا مَفَرَّ مِنْهُ.» وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَصَحُّ: فَإِنَّ عِبَارَةَ «قَدْ صَارَ» تَقْتَضِيهِ. فَهِيَ إِذَنْ سُخْرِيَةٌ وَتَهَكُّمٌ، كَأَنَّهُ يُقَالُ: أَرَادَ آدَمُ أَنْ يَصِيرَ مِثْلَنَا بِأَكْلِ الثَّمَرَةِ — فَانْظُرُوا كَمْ صَارَ مُخَالِفًا لَنَا؛ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ — فَانْظُرُوا فِي أَيِّ هَاوِيَةٍ مِنَ الْجَهْلِ سَقَطَ. هَكَذَا جِنَادِيُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَرُوبِرْتُوسُ الَّذِي يَقُولُ: «آدَمُ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا، بِحَيْثُ لَمْ نَعُدْ ثَالُوثًا بَلْ رُبَاعِيًّا: وَإِنْ كَانَ قَدْ طَمِعَ أَنْ يَكُونَ إِلَهًا لَا مَعَ اللهِ بَلْ ضِدَّ اللهِ.» وَهَذِهِ كَلِمَاتُ اللهِ الْآبِ لَا لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا يَرَى أُولِيَاسْتِرُ وَالْأَبُولِنْسِيُّ، بَلْ لِلِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَهَكَذَا يَفْهَمُ الْأَبُولِنْسِيُّ نَفْسُهُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٣، السُّؤَالِ ٤٨٦.
«فَالْآنَ إِذَنْ» — أَكْمِلْ: يَجِبُ الِاحْتِرَاسُ، أَوْ يَجِبُ طَرْدُهُ مِنَ الْفِرْدَوْسِ. وَهَذَا قَطْعُ كَلَامٍ مُتَعَمَّدٌ.
«وَيَحْيَا إِلَى الْأَبَدِ» — بَلْ لِيَمُتْ وَفْقَ الْحُكْمِ الصَّادِرِ عَلَيْهِ فِي الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ١٧؛ وَهَذَا الْمَوْتُ عُقُوبَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَأَيْضًا اخْتِصَارٌ لِلْعُقُوبَةِ؛ فَإِنَّ عَادَةَ اللهِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا، أَنْ يُعْلِنَ عِنَايَتَهُ بِنَا فِي الْعِقَابِ لَا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْعَامِ، إِذْ يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ: «بِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ شَقِيٌّ، فَلْيَكُنْ أَيْضًا زَمَنِيًّا، وَهَكَذَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلّهِ وَلِلشَّيْطَانِ مَعًا: فَإِنَّ اللهَ أَبَدِيٌّ وَسَعِيدٌ، وَلَهُ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَبَدِيَّةٌ سَعِيدَةٌ: مِنْ هَاتَيْنِ الِاثْنَتَيْنِ فَقَدَ إِبْلِيسُ الْوَاحِدَةَ أَيِ السَّعَادَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْقِدِ الْأَبَدِيَّةَ، وَلَهُ شَقَاءٌ أَبَدِيٌّ وَأَبَدِيَّةٌ شَقِيَّةٌ. لِنُشْفِقْ عَلَى الْإِنْسَانِ، يَقُولُ اللهُ؛ وَبِمَا أَنَّهُ فَقَدَ السَّعَادَةَ، فَلْنَنْتَزِعْ أَيْضًا الْأَبَدِيَّةَ مِنَ الشَّقِيِّ؛ لِكَيْ لَا يَكُونَ فِي أَيٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ كَوَاحِدٍ مِنَّا. لَنَا السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالْأَبَدِيَّةُ السَّعِيدَةُ؛ وَلْيَكُنْ لَهُ شَقَاءٌ زَمَنِيٌّ أَوْ زَمَنِيَّةٌ شَقِيَّةٌ، وَعِنْدَئِذٍ تُعَادُ إِلَيْهِ الْأَبَدِيَّةُ بِشَكْلٍ أَنْسَبَ حِينَ تُسْتَرَدُّ السَّعَادَةُ.»
الْآيَةُ ٢٣: وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْفِرْدَوْسِ
بِالْعِبْرِيَّةِ «يِشَلَّحِيهُو» بِصِيغَةِ الْبِيعِيلِ، أَيْ طَرَدَهُ وَأَخْرَجَهُ. وَالتَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ تُضِيفُ: «وَأَسْكَنَهُ قُبَالَتَهُ» أَوْ فِي مَرْأَى (فَهَذَا مَعْنَى «أَبِينَانْتِي») الْفِرْدَوْسِ، أَيْ لِكَيْ يَظَلَّ بِرُؤْيَتِهِ يَنْدُبُ الْخَيْرَ الَّذِي فَقَدَهُ وَيَتُوبُ بِمَرَارَةٍ أَشَدَّ.
مُلَاحَظَةٌ: أَرْسَلَ اللهُ آدَمَ بِوَاسِطَةِ مَلَاكٍ، إِمَّا أَخَذَهُ بِيَدِهِ كَمَا أَخَذَ رَافَائِيلُ طُوبِيَّا؛ أَوِ اخْتَطَفَهُ كَمَا اخْتُطِفَ حَبَقُّوقُ مِنْ يَهُوذَا إِلَى بَابِلَ لِيُحْضِرَ طَعَامًا لِدَانِيَالَ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَالْأَبُولِنْسِيُّ الَّذِي يُضِيفُ أَنَّ الْمَلَاكَ نَقَلَ آدَمَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ إِلَى حَبْرُونَ، حَيْثُ كَانَ قَدْ خُلِقَ وَعَاشَ وَدُفِنَ لَاحِقًا.
قَدْ يُسْأَلُ: فِي أَيِّ يَوْمٍ حَدَثَ هَذَا؟ يَرَى الْأَبُولِنْسِيُّ أَنَّ آدَمَ أَخْطَأَ وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ خَلْقِهِ، أَيْ يَوْمَ السَّبْتِ. وَيَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، وَذَلِكَ لِكَيْ يَخْتَبِرَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقَلِيلَةِ تِلْكَ الْحَالَةَ السَّعِيدَةَ فِي الْفِرْدَوْسِ. وَيَقُولُ آخَرُونَ فِي الْيَوْمِ الْأَرْبَعِينَ: وَلِذَلِكَ صَامَ الْمَسِيحُ نَفْسَ الْعَدَدِ مِنَ الْأَيَّامِ، أَيْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، عَنْ نَهَمِ آدَمَ هَذَا. وَيَقُولُ آخَرُونَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ، كَمَا عَاشَ الْمَسِيحُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَكَفَّرَ عَنْ هَذِهِ الْخَطِيئَةِ.
لَكِنَّ الْآبَاءَ عُمُومًا — الْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُسُ وَكِيرِلُّسُ وَأَبِيفَانِيُوسُ وَالسَّرُوجِيُّ وَأَفْرَامُ وَفِيلُوكْسِينُوسُ وَبَرْصِيفَا وَدِيُودُورُسُ كَمَا يَذْكُرُهُمْ بِيرِيرِيُوسُ — يُسَلِّمُونَ أَنَّ آدَمَ أَخْطَأَ وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ، أَيِ الْيَوْمِ السَّادِسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ بَلْ فِي نَفْسِ السَّاعَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْمَسِيحُ عَلَى الصَّلِيبِ خَارِجَ أُورُشَلِيمَ وَأَعَادَ اللِّصَّ وَجَمِيعَنَا إِلَى الْفِرْدَوْسِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ تَسَلْسُلُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: فَمِنَ الْآيَةِ ٨ يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ حَدَثَتْ بَعْدَ الظُّهْرِ إِذِ الْحَرُّ كَانَ يَخِفُّ وَنَسِيمٌ لَطِيفٌ يَهُبُّ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَسَدُ إِبْلِيسَ الَّذِي لَمْ يَدَعْ آدَمَ يَثْبُتُ طَوِيلًا. وَيُؤَيِّدُهُ كَمَالُ الطَّبِيعَةِ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا آدَمُ، وَالَّتِي بِفَضْلِهَا هُوَ كَالْمَلَاكِ حَسَمَ أَمْرَهُ فَوْرًا وَاخْتَارَ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ. وَأَخِيرًا لَوْ مَكَثَ فِي الْفِرْدَوْسِ طَوِيلًا لَأَكَلَ حَتْمًا مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ. وَكَمَا اخْتَارَ الْمَسِيحُ أَنْ يُصْلَبَ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ، أَيْ عَلَى جَبَلِ الْجُلْجُثَةِ حَيْثُ دُفِنَ آدَمُ: كَذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ عَيَّنَ يَوْمَ خَطِيئَتِنَا وَنَفْيِنَا لِيَفِيَ بِخَسَائِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُسَدِّدَهَا.
وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أَفْرَامُ (كَمَا يَذْكُرُهُ بَرْصِيفَا فِي نِهَايَةِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ «عَنِ الْفِرْدَوْسِ»)، وَفِيلُوكْسِينُوسُ وَيَعْقُوبُ السَّرُوجِيُّ، أَنَّ آدَمَ خُلِقَ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَبَاحًا وَطُرِدَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَهَكَذَا مَكَثَ فِي الْفِرْدَوْسِ سِتَّ سَاعَاتٍ فَقَطْ.
الْآيَةُ ٢٤: الْكَرُوبِيمُ وَسَيْفٌ مُلْتَهِبٌ
«وَأَقَامَ أَمَامَ فِرْدَوْسِ النَّعِيمِ الْكَرُوبِيمَ وَسَيْفًا مُلْتَهِبًا مُتَقَلِّبًا.» — قَدْ يُسْأَلُ: مَنْ هُمُ الْكَرُوبِيمُ، وَمَا هَذَا السَّيْفُ؟
أَوَّلًا، يَرَى تِرْتُلِّيَانُوسُ فِي «الدِّفَاعِ»، وَالْقِدِّيسُ تُومَا، الثَّانِيَةُ مِنَ الثَّانِيَةِ، السُّؤَالُ ١٦٥، الْمَقَالَةُ الْأَخِيرَةُ، أَنَّهُ الْمِنْطَقَةُ الْحَارَّةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اجْتِيَازُهَا بِسَبَبِ حَرَارَتِهَا، وَالَّتِي وَضَعَهَا اللهُ، كَمَا يَقُولُونَ، بَيْنَ مَنَاطِقِنَا وَالْفِرْدَوْسِ.
ثَانِيًا، يَرَى لِيرَا وَتُوسْتَاتُوسُ أَنَّهُ نَارٌ تُحِيطُ بِالْفِرْدَوْسِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَيَرَى نَفْسَ الرَّأْيِ كَثِيرٌ مِنَ الْآبَاءِ الَّذِينَ سَيُذْكَرُونَ فِي نِهَايَةِ هَذَا الْإِصْحَاحِ.
ثَالِثًا، يَرَى ثِيُودُورِيطُسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ أَنَّهَا «مُورْمُولِيكِيَا» — أَشْبَاحٌ مُرْعِبَةٌ، كَالْفَزَّاعَاتِ الَّتِي تُوضَعُ ضِدَّ الطُّيُورِ فِي الْبَسَاتِينِ.
لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ يَجِبُ أَنْ تُؤْخَذَ حَرْفِيًّا كَمَا تَبْدُو، أَيْ أَنَّ مَلَائِكَةً مِنْ رُتْبَةِ الْكَرُوبِيمِ أُقِيمُوا أَمَامَ الْفِرْدَوْسِ لِيَمْنَعُوا دُخُولَهُ عَنْ آدَمَ وَالْبَشَرِ وَكَذَلِكَ عَنِ الشَّيَاطِينِ، لِئَلَّا يَدْخُلَ الشَّيَاطِينُ أَنْفُسُهُمُ الْفِرْدَوْسَ وَيَقْطِفُوا ثَمَرَ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ وَيُقَدِّمُوهُ لِلْبَشَرِ وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْخُلُودِ، لِكَيْ بِهَذِهِ الْوَسِيلَةِ يُغْرُوهُمْ بِمَحَبَّتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأُغُسْطِينُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَغَيْرُهُمْ.
مُلَاحَظَةٌ أُولَى: أُوكِلَتْ حِرَاسَةُ الْفِرْدَوْسِ إِلَى الْكَرُوبِيمِ دُونَ الْعُرُوشِ أَوِ الْقُوَّاتِ أَوِ الرِّئَاسَاتِ، لِأَنَّ الْكَرُوبِيمَ هُمُ الْأَكْثَرُ يَقَظَةً وَالْأَكْثَرُ إِدْرَاكًا؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّوْنَ كَرُوبِيمَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَبِالتَّالِي هُمُ الْأَنْسَبُ لِلثَّأْرِ لِعِلْمِ اللهِ الْكُلِّيِّ الَّذِي طَمِعَ فِيهِ آدَمُ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الْعُلُوِيِّينَ أَيْضًا يُرْسَلُونَ إِلَى الْأَرْضِ، كَمَا بَيَّنْتُ فِي الْعِبْرَانِيِّينَ ١، الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ.
مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: يَبْدُو أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَرُوبِيمَ كَانُوا مُتَّخِذِينَ هَيْئَةً بَشَرِيَّةً؛ فَإِنَّهُمْ يُمْسِكُونَ وَيُلَوِّحُونَ بِسَيْفٍ مُلْتَهِبٍ مُتَقَلِّبٍ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، لِيَضْرِبُوا بِهِ مَنْ يُحَاوِلُ دُخُولَ الْفِرْدَوْسِ.
مُلَاحَظَةٌ ثَالِثَةٌ: بَدَلَ «سَيْفٍ مُلْتَهِبٍ» الْعِبْرِيُّ يَقُولُ «لَهَطْ هَحِيرِبْ»، أَيْ «لَهِيبُ السَّيْفِ». وَلِذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَكَّدِ هَلْ كَانَ هَذَا السَّيْفُ لَهَبًا عَلَى شَكْلِ سَيْفٍ وَهَيْئَتِهِ، أَمْ كَانَ سَيْفًا حَقِيقِيًّا لَكِنَّهُ مُتَّقِدٌ بِالنَّارِ وَبَارِقٌ وَكَأَنَّهُ يَقْذِفُ لَهَبًا.
مُلَاحَظَةٌ رَابِعَةٌ: رُفِعَ هَذَا السَّيْفُ وَزَالَ، وَكَذَلِكَ الْكَرُوبِيمُ، حِينَ انْتَهَى الْفِرْدَوْسُ، أَيْ فِي الطُّوفَانِ.
رَمْزِيًّا، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ عِنْدَ تِلْكَ الْآيَةِ مِنَ الْمَزْمُورِ ١١٨: «كَافِئْ عَبْدَكَ فَأَحْيَا»، وَرُوبِرْتُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْبَابِ ٣٢، هَذَا السَّيْفُ الْمُلْتَهِبُ هُوَ نَارُ الْمَطْهَرِ الَّتِي وَضَعَهَا اللهُ أَمَامَ الْفِرْدَوْسِ السَّمَاوِيِّ لِلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَلَمْ يُطَهَّرُوا بَعْدُ تَمَامًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ وَمِنْ هُنَاكَ يَقُودُ الْكَرُوبِيمُ، أَيِ الْمَلَائِكَةُ، النُّفُوسَ الْمُطَهَّرَةَ تَمَامًا إِلَى الْفِرْدَوْسِ، أَيِ السَّمَاءِ. بَلْ إِنَّ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ وَأُورِيجَانُوسَ وَلَكْتَانْتِيُوسَ وَبَاسِيلِيُوسَ وَرُوبِرْتُوسَ يَرَوْنَ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَنَّ نَارًا وُضِعَتْ أَمَامَ السَّمَاءِ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ النُّفُوسِ حَتَّى نُفُوسِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ وَالْقِدِّيسِ بُولُسَ أَنْ تَجْتَازَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِتُمْتَحَنَ بِهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ نَجِسَةً تُطَهَّرَ بِهَا، وَهُوَ مَا تَكَلَّمْتُ عَنْهُ فِي كُورِنْثُوسَ الْأُولَى ٣: ١٥.
أَخْلَاقِيًّا لَاحِظْ: سِتُّ عُقُوبَاتٍ فُرِضَتْ عَلَى آدَمَ (مَعَ حَوَّاءَ) وَذُرِّيَّتِهِمَا، وَهِيَ تُنَاسِبُ خَطَايَاهُ السِّتَّ: خَطِيئَتُهُ الْأُولَى كَانَتِ الْعِصْيَانَ — وَبِسَبَبِهَا شَعَرَ بِتَمَرُّدِ الْجَسَدِ وَالْحَوَاسِّ؛ وَالثَّانِيَةُ كَانَتِ النَّهَمَ — وَبِسَبَبِهَا عُوقِبَ بِالْكَدِّ وَالتَّعَبِ: «بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزَكَ»؛ وَالثَّالِثَةُ كَانَتْ سَرِقَةَ الثَّمَرَةِ — وَبِسَبَبِهَا عُوقِبَ بِأَلَمِ الْجَسَدِ، أَيِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْبَرْدِ وَالْحَرِّ وَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا: «أُكَثِّرُ أَتْعَابَكِ»؛ وَالرَّابِعَةُ كَانَتِ الْكُفْرَ إِذْ لَمْ يُصَدِّقِ اللهَ وَصَدَّقَ الشَّيْطَانَ — وَبِسَبَبِهَا عُوقِبَ بِالْمَوْتِ الَّذِي تُفَارِقُ بِهِ النَّفْسُ الْجَسَدَ وَتَنْفَصِلُ عَنْهُ؛ وَالْخَامِسَةُ كَانَتْ جُحُودَ النِّعْمَةِ — وَبِسَبَبِهِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْرَمَ مِنْ جَوْهَرِهِ الَّذِي تَلَقَّاهُ مِنَ اللهِ وَأَنْ يَصِيرَ رَمَادًا: «تُرَابٌ أَنْتَ وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ»؛ وَالسَّادِسَةُ كَانَتِ الْكِبْرِيَاءَ — وَبِهَا اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْرَمَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ وَالسَّمَاءِ وَالسَّمَاوِيِّينَ وَأَنْ يُلْقَى فِي الْجَحِيمِ.
مِمَّا قِيلَ يَتَّضِحُ أَنَّ خَطِيئَةَ آدَمَ، إِنْ نَظَرْتَ إِلَى نَوْعِهَا الْأَوَّلِيِّ وَالذَّاتِيِّ، لَمْ تَكُنْ أَشَدَّ الْخَطَايَا جَمِيعًا: فَقَدْ كَانَتْ عِصْيَانًا لِشَرِيعَةٍ إِلَهِيَّةٍ وَضْعِيَّةٍ، وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ التَّجْدِيفُ وَبُغْضُ اللهِ وَعَدَمُ التَّوْبَةِ الْعَنِيدُ، وَغَيْرُهَا. وَلِذَلِكَ أَخْطَأَ آرِيُوسُ وَلُوثِرُ وَيَهُوذَا وَغَيْرُهُمْ أَشَدَّ مِنْ آدَمَ. لَكِنْ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْأَضْرَارِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى هَذِهِ الْخَطِيئَةِ، كَانَتْ خَطِيئَةُ آدَمَ أَشَدَّ الْخَطَايَا جَمِيعًا: فَإِنَّهُ بِهَا أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَجَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ يُدَانُ إِنَّمَا يُدَانُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخَطِيئَةِ إِمَّا مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ؛ وَلِهَذَا السَّبَبِ يُمْكِنُ أَنْ تُسَمَّى هَذِهِ الْخَطِيئَةُ لَا تُغْتَفَرُ، لِأَنَّ ذَنْبَهَا وَعُقُوبَتَهَا يَنْتَقِلَانِ إِلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ مَنْعُهُ بِأَيِّ شَكْلٍ.