كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الرَّابِعُ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


الْإِصْحَاحُ الرَّابِعُ

مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَلِدُ آدَمُ قَايِنَ وَهَابِيلَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ٨، يَقْتُلُ قَايِنُ هَابِيلَ، وَلِذٰلِكَ يَلْعَنُهُ اللهُ وَيَصِيرُ طَرِيدًا. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ١٧، تُسَرَّدُ ذُرِّيَّةُ قَايِنَ. رَابِعًا، فِي الْآيَةِ ٢٥، يَلِدُ آدَمُ شِيثَ، وَشِيثُ يَلِدُ أَنُوشَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ 4:1-26

١. وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِنَ، وَقَالَتْ: قَدِ اقْتَنَيْتُ رَجُلًا بِمَعُونَةِ اللهِ. ٢. وَعَادَتْ فَوَلَدَتْ أَخَاهُ هَابِيلَ. وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِيَ غَنَمٍ، وَقَايِنُ فَلَّاحًا. ٣. وَحَدَثَ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ أَنَّ قَايِنَ قَدَّمَ مِنْ ثِمَارِ الْأَرْضِ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ. ٤. وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ قَطِيعِهِ وَمِنْ شُحُومِهَا، فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَإِلَى قُرْبَانِهِ. ٥. أَمَّا إِلَى قَايِنَ وَإِلَى قُرْبَانِهِ فَلَمْ يَنْظُرْ. فَاشْتَدَّ غَضَبُ قَايِنَ جِدًّا، وَسَقَطَ وَجْهُهُ. ٦. فَقَالَ الرَّبُّ لَهُ: لِمَاذَا أَنْتَ غَاضِبٌ، وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ ٧. أَلَيْسَ إِنْ أَحْسَنْتَ تَنَالُ الْقَبُولَ؟ وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ، فَالْخَطِيئَةُ رَابِضَةٌ عِنْدَ الْبَابِ، وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا، وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا. ٨. وَقَالَ قَايِنُ لِهَابِيلَ أَخِيهِ: لِنَخْرُجْ إِلَى الْحَقْلِ. وَلَمَّا كَانَا فِي الْحَقْلِ، قَامَ قَايِنُ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ. ٩. فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِنَ: أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟ فَأَجَابَ: لَا أَعْلَمُ. أَحَارِسٌ أَنَا لِأَخِي؟ ١٠. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ يَصْرُخُ إِلَيَّ مِنَ الْأَرْضِ. ١١. فَالْآنَ مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَتْ فَاهَا لِتَقْبَلَ دَمَ أَخِيكَ مِنْ يَدِكَ. ١٢. مَتَى فَلَحْتَ الْأَرْضَ لَا تَعُودُ تُعْطِيكَ ثِمَارَهَا. تَائِهًا وَهَارِبًا تَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ. ١٣. فَقَالَ قَايِنُ لِلرَّبِّ: إِثْمِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُغْفَرَ. ١٤. هَا أَنْتَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي، وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الْأَرْضِ، فَكُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي. ١٥. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: لَيْسَ كَذٰلِكَ، بَلْ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُ قَايِنَ يُنْتَقَمُ مِنْهُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ. وَجَعَلَ الرَّبُّ لِقَايِنَ عَلَامَةً لِئَلَّا يَقْتُلَهُ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ. ١٦. فَخَرَجَ قَايِنُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَسَكَنَ طَرِيدًا فِي الْأَرْضِ شَرْقِيَّ عَدْنٍ. ١٧. وَعَرَفَ قَايِنُ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ حَنُوكَ، وَبَنَى مَدِينَةً وَدَعَا اسْمَهَا بِاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ. ١٨. وَوَلَدَ حَنُوكُ عِيرَادَ، وَوَلَدَ عِيرَادُ مَحُويَائِيلَ، وَوَلَدَ مَحُويَائِيلُ مَتُوشَائِيلَ، وَوَلَدَ مَتُوشَائِيلُ لَامَكَ. ١٩. وَاتَّخَذَ لَامَكُ لِنَفْسِهِ امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ إِحْدَاهُمَا عَادَةُ، وَاسْمُ الْأُخْرَى صِلَّةُ. ٢٠. فَوَلَدَتْ عَادَةُ يَابَالَ الَّذِي كَانَ أَبَا سَاكِنِي الْخِيَامِ وَالرُّعَاةِ. ٢١. وَكَانَ اسْمُ أَخِيهِ يُوبَالَ: هُوَ كَانَ أَبَا كُلِّ ضَارِبٍ بِالْعُودِ وَالْمِزْمَارِ. ٢٢. وَوَلَدَتْ صِلَّةُ أَيْضًا تُوبَالَ قَايِنَ، وَكَانَ طَارِقًا وَصَانِعًا فِي كُلِّ عَمَلٍ مِنَ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ. وَأُخْتُ تُوبَالَ قَايِنَ نَعْمَةُ. ٢٣. وَقَالَ لَامَكُ لِامْرَأَتَيْهِ عَادَةَ وَصِلَّةَ: اسْمَعَا صَوْتِي يَا امْرَأَتَيْ لَامَكَ، أَصْغِيَا لِكَلَامِي: لِأَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا لِجُرْحِي، وَفَتًى لِرَضِّي. ٢٤. سَبْعَةَ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ لِقَايِنَ، أَمَّا لِلَامَكَ فَسَبْعِينَ سَبْعَةً. ٢٥. وَعَرَفَ آدَمُ امْرَأَتَهُ أَيْضًا، فَوَلَدَتِ ابْنًا وَسَمَّتْهُ شِيثَ قَائِلَةً: قَدْ وَضَعَ لِيَ اللهُ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هَابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قَايِنُ. ٢٦. وَلِشِيثَ أَيْضًا وُلِدَ ابْنٌ سَمَّاهُ أَنُوشَ: هٰذَا ابْتَدَأَ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ.


الْآيَةُ ١: عَرَفَ

عَرَفَ. بِهٰذِهِ الْكَلِمَةِ يُشِيرُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِأَدَبٍ إِلَى الِاتِّحَادِ الْجَسَدِيِّ؛ فَلَمَّا كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ يُسَمُّونَ الْعَذْرَاءَ عَلْمَا، أَيِ الْمَسْتُورَةَ وَالْمَجْهُولَةَ لِلرَّجُلِ، فَمِنْ هُنَا يُسَمُّونَ إِفْسَادَهَا «مَعْرِفَتَهَا» أَوْ «كَشْفَ عَوْرَتِهَا»، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ ١٨.

يَظُنُّ بَعْضُ الْحَاخَامَاتِ، مَعَ هَرَاطِقَتِنَا، أَنَّ آدَمَ عَرَفَ حَوَّاءَ فِي الْفِرْدَوْسِ. لٰكِنَّ الْآبَاءَ يُعَلِّمُونَ عُمُومًا مِنْ هٰذَا الْمَوْضِعِ عَكْسَ ذٰلِكَ، أَيْ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ بَقِيَا عَذْرَاوَيْنِ فِي الْفِرْدَوْسِ. فَهُنَا، بَعْدَ الطَّرْدِ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، يَرِدُ أَوَّلُ ذِكْرٍ لِاتِّحَادِهِمَا: «الزَّوَاجُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ، وَالْبَتُولِيَّةُ تَمْلَأُ الْفِرْدَوْسَ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ ضِدَّ يُوفِينِيَانُوسَ. يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ هٰذَا كَانَ أَوَّلَ إِنْجَابٍ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ خَارِجَ الْفِرْدَوْسِ، وَبِالتَّالِي كَانَ قَايِنُ بِكْرَهُمَا. فَإِنَّ كَلَامَ حَوَّاءَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ يُوحِي بِذٰلِكَ: «قَدِ اقْتَنَيْتُ رَجُلًا بِمَعُونَةِ اللهِ»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: الْآنَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَلَدْتُ ابْنًا، وَصِرْتُ أُمًّا لِإِنْسَانٍ.

وَلَدَتْ قَايِنَ قَائِلَةً: قَدِ اقْتَنَيْتُ رَجُلًا

قَايِنُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي «اقْتِنَاءً»، مِنَ الْجَذْرِ قَانَا، أَيْ «اقْتَنَيْتُ». وَالتَّرْجَمَةُ الْعَرَبِيَّةُ تَقُولُ: «كَسَبْتُ رَجُلًا بِمَعُونَةِ اللهِ». لِذٰلِكَ يَمْزَحُ غُورُوبِيُوسْ بِيكَانُوسْ حِينَ يَشْتَقُّ اسْمَ قَايِنَ مِنَ اللُّغَةِ الْفِلَمَنْكِيَّةِ، كَأَنَّ قَايِنَ هُوَ نَفْسُهُ كْوَاتْ إِيْنْدِهْ، أَيْ «نِهَايَةٌ سَيِّئَةٌ» أَوْ «مَصِيرٌ شَرِيرٌ». فَقَايِنُ إِذَنْ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي «اقْتِنَاءً»؛ فَالِابْنُ هُوَ كَأَنَّهُ اقْتِنَاءُ وَالِدَيْهِ وَمِلْكُهُمَا. وَمِنْ هُنَا بِالشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ لِلْأَبِ سُلْطَةٌ عَلَى ابْنِهِ؛ وَلِهٰذَا يُسَمَّى الْآبَاءُ أَرْبَابًا، مَتَّى ١١: ٢٥؛ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ٢٣: ١. وَمِنْ هُنَا جَاءَ أَنَّ الْفُرْسَ (كَمَا يَشْهَدُ أَرِسْطُو فِي السِّيَاسَةِ) كَانُوا يَسْتَخْدِمُونَ أَوْلَادَهُمْ كَعَبِيدٍ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا كَانَ السَّقَالِبَةُ (كَمَا يَشْهَدُ أَكُّورْسِيُوسُ) يَبِيعُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ حَسَبَ تَقْدِيرِهِمْ. تَقُولُ حَوَّاءُ إِذَنْ: «قَدِ اقْتَنَيْتُ رَجُلًا»، لٰكِنْ «بِمَعُونَةِ اللهِ»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: وُلِدَ لِيَ ابْنٌ، كَأَنَّهُ اقْتِنَائِي، لٰكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ اقْتِنَاءُ الرَّبِّ، وَمِيرَاثٌ وَهَبَنِي إِيَّاهُ اللهُ. هٰكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: «لَمْ تُعْطِنِي الطَّبِيعَةُ (تَقُولُ حَوَّاءُ) وَلَدًا، بَلِ النِّعْمَةُ الْإِلٰهِيَّةُ.» هٰكَذَا قَالَ يَعْقُوبُ لِعِيسُو: «هُمُ الصِّغَارُ الَّذِينَ أَنْعَمَ بِهِمُ اللهُ عَلَيَّ»، التَّكْوِينُ ٣٣: ٥. فَلْيَتَعَلَّمِ الْوَالِدُونَ هُنَا أَنَّ الْأَوْلَادَ هِبَاتُ اللهِ.

يَرَى تُورْنِيلُّوسْ فِي حَوْلِيَّاتِهِ رَأْيًا مَعْقُولًا أَنَّ قَايِنَ وُلِدَ فَوْرَ طَرْدِ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ، أَيْ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْعَالَمِ وَمِنْ عُمُرِ آدَمَ، لِأَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ خُلِقَا فِي قَامَةٍ نَاضِجَةٍ صَالِحَةٍ لِلْإِنْجَابِ؛ وَلِأَنَّهُمَا بَعْدَ خَطِيئَتِهِمَا أَحَسَّا فَوْرًا بِنَوَازِعِ الشَّهْوَةِ الْحَادَّةِ وَالرَّغْبَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُمَا كَانَا وَحْدَهُمَا فِي الْعَالَمِ، وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَكَاثَرَ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ وَيَنْتَشِرَ فَوْرًا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا. وَمِنْ هُنَا يَنْتُجُ أَنَّ قَايِنَ قَتَلَ هَابِيلَ فِي السَّنَةِ ١٢٩ مِنْ عُمُرِهِ، أَيْ قُبَيْلَ وِلَادَةِ شِيثَ. فَإِنَّ شِيثَ وُلِدَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٥، الْآيَةِ ٣. لِذٰلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ، نَادِبَيْنِ خَطِيئَتَهُمَا وَسُقُوطَهُمَا، امْتَنَعَا عَنِ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ مِئَةَ سَنَةٍ، وَأَنَّهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَلَدَا قَايِنَ، ثُمَّ هَابِيلَ فَوْرًا؛ وَهٰكَذَا قَتَلَ قَايِنُ هَابِيلَ فِي السَّنَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَلِذٰلِكَ وَلَدَ آدَمُ فَوْرًا شِيثَ بَدَلَ هَابِيلَ فِي السَّنَةِ ١٣٠ مِنَ الْعَالَمِ، كَمَا يَظْهَرُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٥، الْآيَةِ ٣.

هٰذَا، أَقُولُ، غَيْرُ مُحْتَمَلٍ: فَقَدْ كَانَ آدَمُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَيَّنَهُ زَارِعًا وَنَاشِرًا لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ؛ وَكَانَ يَعْلَمُ فَوْقَ ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُ سَيَمُوتُ قَرِيبًا؛ وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ يَوْمَ مَوْتِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ. فَمَنْ ذَا يُصَدِّقُ أَنَّهُ امْتَنَعَ عَنِ الْإِنْجَابِ وَنَشْرِ جِنْسِهِ مِئَةَ سَنَةٍ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ هَلْ سَيَعِيشُ مِئَةَ سَنَةٍ؟

وَمِمَّا لَا يَقِلُّ اسْتِبْعَادًا وَخُرَافِيَّةً تِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَنْسُوبَةُ زُورًا إِلَى الْقِدِّيسِ مِيثُودِيُوسَ الشَّهِيدِ مِنْ قِبَلِ بُطْرُسَ كُومِسْتُورْ فِي التَّارِيخِ الْمَدْرَسِيِّ، الْإِصْحَاحُ ٢٥ مِنَ التَّكْوِينِ: وَهِيَ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِمَا وَمِنَ الْعَالَمِ وَلَدَا قَايِنَ وَأُخْتَهُ كَلْمَانَا؛ وَفِي السَّنَةِ الثَّلَاثِينَ وَلَدَا هَابِيلَ وَأُخْتَهُ دِلْبُورَا؛ وَفِي السَّنَةِ ١٣٠ قَتَلَ قَايِنُ هَابِيلَ، وَنَدَبَهُ وَالِدَاهُ مِئَةَ سَنَةٍ، وَبَعْدَ النَّدْبِ وَلَدَا شِيثَ فِي السَّنَةِ ٢٣٠ مِنْ عُمُرِهِمَا وَمِنَ الْعَالَمِ، كَمَا تَقُولُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. فَإِنَّهُ فَضْلًا عَمَّا سَبَقَ قَوْلُهُ، يُوجَدُ هُنَا خَطَأٌ وَاضِحٌ فِي الْأَرْقَامِ عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ ١٣٠ بَدَلًا مِنْ ٢٠٠، كَمَا تَقُولُ النُّصُوصُ الْعِبْرِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ وَاللَّاتِينِيَّةُ.

مَجَازِيًّا: «سُمِّيَ قَايِنُ ‹اقْتِنَاءً› لِأَنَّهُ ادَّعَى كُلَّ شَيْءٍ لِنَفْسِهِ؛ أَمَّا هَابِيلُ الَّذِي رَدَّ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى اللهِ (فَإِنَّ هَابِيلَ عِنْدَ الْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ يُقَالُ إِنَّهُ كَأَنَّهُ ‹هَبْ إِيلْ›، أَيْ ‹مُعْطٍ كُلَّ شَيْءٍ للهِ›، أَيْ مَا تَلَقَّاهُ مِنْهُ)، فَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ قَايِنَ وَهَابِيلَ، الْفَصْلِ ١. فَقَايِنُ إِذَنْ يَرْمُزُ إِلَى الْمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ يَنْسِبُونَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى قُدْرَتِهِمُ الذَّاتِيَّةِ؛ وَهَابِيلُ إِلَى الْمُتَوَاضِعِينَ الَّذِينَ يَرُدُّونَ كُلَّ شَيْءٍ مَقْبُولًا مِنَ اللهِ الْوَاهِبِ. وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي: «بِهَابِيلَ»، يَقُولُ، «يُفْهَمُ الشَّعْبُ الْمَسِيحِيُّ» (كَمَا يُفْهَمُ بِقَايِنَ الْيَهُودُ، قَاتِلُو الْمَسِيحِ وَالْأَنْبِيَاءِ) «الْمُلْتَصِقُ بِاللهِ، كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ: ‹أَمَّا لِي فَالِالْتِصَاقُ بِاللهِ حَسَنٌ.›» وَفِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ يُعَلِّمُ أَنَّ قَايِنَ رَمْزُ الشَّرِّ، وَهَابِيلَ رَمْزُ الْفَضِيلَةِ. فَيُشَارُ إِلَى أَنَّ قَايِنَ، أَيِ «الشَّرَّ يَسْبِقُ فِي الزَّمَانِ، لٰكِنَّهُ يَضْعُفُ فِي الْوَهَنِ. لِلشَّرِّ جَزَاءُ الْعُمُرِ، لٰكِنَّ لِلْفَضِيلَةِ امْتِيَازَ الْمَجْدِ الَّذِي يَتَنَازَلُ عَنْهُ الظَّالِمُ عَادَةً لِلْعَادِلِ»، كَمَا تَنَازَلَ قَايِنُ لِهَابِيلَ فِي الْحُظْوَةِ وَالْكَرَامَةِ أَمَامَ اللهِ.

بِمَعُونَةِ اللهِ

حَرْفُ الْجَرِّ «بِمَعُونَةِ» لَيْسَ حَرْفَ قَسَمٍ، بَلْ حَرْفُ فَرَحٍ وَاعْتِرَافٍ بِصَانِعِ الْإِنْجَابِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ هُوَ إِتْ أَدُونَايْ. يَرَى إِيسِيدُورُوسْ كْلَارِيُوسْ أَنَّ إِتْ هُنَا أَدَاةُ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَلِذٰلِكَ يُتَرْجِمُ: «اقْتَنَيْتُ رَجُلًا هُوَ اللهُ»، كَأَنَّ حَوَّاءَ قَالَتْ ذٰلِكَ بِرُوحٍ نَبَوِيَّةٍ مُتَوَقِّعَةً أَنَّ الْمَسِيحَ، الَّذِي هُوَ إِلٰهٌ وَإِنْسَانٌ، سَيُولَدُ مِنْهَا. لٰكِنْ مَا عَلَاقَةُ هٰذَا بِقَايِنَ؟ فَإِنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُولَدْ مِنْ قَايِنَ بَلْ مِنْ شِيثَ. فَكَلِمَةُ إِتْ إِذَنْ هُنَا لَيْسَتْ أَدَاةَ مَفْعُولٍ، بَلْ حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنَى «مَعَ» أَوْ «أَمَامَ». وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ «أَمَامَ الرَّبِّ»، وَآخَرُونَ «مَعَ الرَّبِّ»؛ وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ مُتَرْجِمُنَا بِمَعْنًى أَوْضَحَ بِتَرْجَمَتِهِ «بِمَعُونَةِ الرَّبِّ»، أَيْ «بِمَعُونَةِ اللهِ».


الْآيَةُ ٢: وَعَادَتْ فَوَلَدَتْ

وَعَادَتْ فَوَلَدَتْ. يَظُنُّ الْحَاخَامَاتُ، وَمِنْهُمْ كَالْفِينُ، أَنَّ حَوَّاءَ مِنَ الْحَمْلِ نَفْسِهِ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، قَايِنَ وَهَابِيلَ، لِأَنَّ كَلِمَةَ «حَبِلَتْ» لَمْ تُعَدْ هُنَا مَعَ هَابِيلَ، بَلْ فَقَطْ «وَلَدَتْ»؛ وَمِنْ هُنَا يُعَمِّمُونَ ذٰلِكَ عَلَى سَائِرِ مَوَالِيدِ ذٰلِكَ الْعَصْرِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ حَوَّاءَ وَغَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ فِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ كُنَّ يَلِدْنَ تَوَائِمَ دَائِمًا حَتَّى يَتَكَاثَرَ النَّاسُ أَسْرَعَ. لٰكِنَّ هٰذِهِ الْأُمُورَ تُؤَكَّدُ بِتَهَوُّرٍ وَبِلَا أَسَاسٍ؛ فَإِنَّ مُوسَى هُنَا يَسْتَخْدِمُ الْإِيجَازَ، وَفِي كَلِمَةِ «وَلَدَتْ» يَفْتَرِضُ وَيُضْمِرُ كَلِمَةَ «حَبِلَتْ». فَلَا أَحَدَ يَلِدُ إِلَّا مَنْ حَبِلَتْ أَوَّلًا. فَإِنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ هُنَا يَقْصِدُ تَسْجِيلَ الْمَوَالِيدِ وَالذُّرِّيَّاتِ لَا الْحُبُولَ لِلْبَشَرِ الْأَوَائِلِ.

هَابِيلُ

يُفَسِّرُ يُوسِيفُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ هَابِيلَ بِمَعْنَى «حِدَادٍ»، كَأَنَّ هِبِلْ، أَيْ هَابِيلَ، هُوَ نَفْسُهُ إِبِلْ، بِوَضْعِ الْهَاءِ مَكَانَ الْأَلِفِ؛ لِأَنَّ هَابِيلَ، أَوَّلَ الْمَائِتِينَ، بِمَوْتِهِ جَلَبَ حِدَادًا عَظِيمًا لِوَالِدَيْهِ، يَقُولُ أُوسَابِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ١١ مِنَ الْإِعْدَادِ الْإِنْجِيلِيِّ، الْفَصْلِ ٤. لٰكِنَّ هَابِيلَ فِي مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ، أَوْ كَمَا يُقَالُ فِي الْعِبْرِيَّةِ هِبِلْ، يَعْنِي «بَاطِلًا». وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْجَامِعَةُ: هِبِلْ هَبَالِيمْ كُلْ هِبِلْ: «بَاطِلُ الْأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ.» يَبْدُو أَنَّ الْأُمَّ حَوَّاءَ تَنَبَّأَتْ بِمَوْتِ هَابِيلَ السَّرِيعِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ، إِذْ تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا وَذُرِّيَّتَهَا حُكِمَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ قَلِيلٍ بِالْمَوْتِ، سَمَّتْهُ هَابِيلَ، أَيْ «بَاطِلًا»، كَأَنَّهَا تَقُولُ: «كُلُّ إِنْسَانٍ حَيٍّ إِنَّمَا هُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ»، وَاقْتِنَاءُ الْإِنْسَانِ كَالْبَاطِلِ، لِأَنَّ «الْإِنْسَانَ يَمُرُّ كَالْخَيَالِ (كَالظِّلِّ).» هٰكَذَا يَقُولُ رَابَانُوسْ وَلِيبُومَانُوسْ وَغَيْرُهُمَا.

أَنَّ هَابِيلَ بَقِيَ وَمَاتَ عَذْرَاءَ يُعَلِّمُهُ الْآبَاءُ عُمُومًا ضِدَّ كَالْفِينَ؛ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذٰلِكَ مِنْ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَمْ يَذْكُرِ امْرَأَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، كَمَا ذَكَرَ امْرَأَةَ قَايِنَ وَأَوْلَادَهُ. هٰكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَبَاسِيلِيُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ بَعْضُ الْهَرَاطِقَةِ بِالْآبِلِيِّينَ أَوِ الْآبِلُوئِيتِيِّينَ عَلَى اسْمِ هَابِيلَ، وَكَانُوا عَلَى مِنْوَالِ هَابِيلَ لَا يُعَاشِرُونَ زَوْجَاتِهِمْ، بَلْ يَتَبَنَّوْنَ أَوْلَادَ الْجِيرَانِ وَيَتَّخِذُونَهُمْ وَرَثَةً لَهُمْ، أَيْ صَبِيًّا وَبِنْتًا مَعًا. هٰكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي كِتَابِ عَنِ الْهَرَطَقَاتِ، الْهَرَطَقَةِ ٨٧، الْمُجَلَّدِ ٦.


الْآيَةُ ٣: بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ

بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، أَيْ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ. الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ قَايِنَ، الْفَصْلِ ٧، يَنْسِبُ هٰذَا إِلَى الذَّنْبِ: «ذَنْبُ قَايِنَ مُزْدَوَجٌ»، يَقُولُ: «أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ؛ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ مِنَ الْبَوَاكِيرِ. فَالذَّبِيحَةُ تُمْدَحُ بِالسُّرْعَةِ وَبِالنِّعْمَةِ»، إِلَى آخِرِهِ.

أَنْ يُقَدِّمَ قَايِنُ مِنْ ثِمَارِ الْأَرْضِ

أَيِ الثِّمَارَ الثَّانَوِيَّةَ وَالْأَدْنَى؛ فَهٰذِهِ تُسَمَّى فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ «ثِمَارَ الْأَرْضِ». فَكَانَ قَايِنُ يَحْتَفِظُ بِالثِّمَارِ الْأُولَى وَالْأَفْضَلِ لِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّهُ يُقَابَلُ بِهَابِيلَ الَّذِي قَدَّمَ للهِ الْأَبْكَارَ «وَمِنَ الشُّحُومِ»، أَيِ الْأَفْضَلَ وَالْأَسْمَنَ مِنْ قَطِيعِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَبَّدُ للهِ بِإِيمَانٍ وَإِجْلَالٍ وَمَحَبَّةٍ عَظِيمَةٍ. هٰكَذَا الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ قَايِنَ وَهَابِيلَ، الْفَصْلَيْنِ ٧ وَ١٠: «قَدَّمَ»، يَقُولُ، «مِنْ ثِمَارِ الْأَرْضِ، لَا بَوَاكِيرَ الثِّمَارِ للهِ. وَهٰذَا يَعْنِي ادِّعَاءَ الْبَوَاكِيرِ لِنَفْسِهِ وَتَقْدِيمَ مَا يَلِيهَا فَقَطْ للهِ. وَبِمَا أَنَّ النَّفْسَ حَقًّا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ الْجَسَدِ، كَالسَّيِّدَةِ عَلَى الْعَبْدِ، فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَدِّمَ بَوَاكِيرَ النَّفْسِ قَبْلَ بَوَاكِيرِ الْجَسَدِ.» وَيُضِيفُ أَنَّ هَابِيلَ، لِكَرَمِهِ، قَدَّمَ حَيَوَانَاتٍ؛ أَمَّا قَايِنُ، لِبُخْلِهِ، فَلَمْ يُقَدِّمْ سِوَى ثِمَارِ الْأَرْضِ. وَكَذٰلِكَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْفَصْلِ ٥، يَقُولُ إِنَّ هَابِيلَ فُضِّلَ عِنْدَ اللهِ عَلَى قَايِنَ لِأَنَّهُ قَدَّمَ أَسْمَنَ مَا فِي قَطِيعِهِ، كَمَا يُعَلِّمُ دَاوُدُ قَائِلًا: «لِتَمْتَلِئْ نَفْسِي كَمَا بِالشَّحْمِ وَالدَّسَمِ، وَلْتَكُنْ مُحْرَقَتُكَ سَمِينَةً؛ مُعَلِّمًا أَنَّ الذَّبِيحَةَ الْمَقْبُولَةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ سَمِينَةً، نَقِيَّةً، مُغَذَّاةً بِغِذَاءِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَبِالْغِذَاءِ الْأَوْفَرِ لِلْكَلِمَةِ السَّمَاوِيَّةِ.»

وَفِي الْفَصْلِ ٦: «فَالْإِيمَانُ الْجَدِيدُ لِلْمُتَجَدِّدِينَ، الْقَوِيُّ، الْمُزْدَهِرُ، الْمُكْتَسِبُ نُمُوَّ الْفَضِيلَةِ؛ لَا الْمُسْتَرْخِي، لَا الْمُتْعَبُ، لَا الذَّابِلُ بِشَيْخُوخَةٍ مَا وَالْخَامِلُ فِي الْعَزِيمَةِ، هُوَ اللَّائِقُ بِالذَّبِيحَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ بِبُرْعُمٍ أَخْضَرَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَيَحْمَرُّ بِحَرَارَةِ الْمَعْرِفَةِ الْإِلٰهِيَّةِ الشَّبَابِيَّةِ.»

هٰذَا شِعَارُ هَابِيلَ: «قُرْبَانًا سَمِينًا أُقَدِّمُ، وَنَحِيلًا لَا أَذْبَحُ.» وَعَلَى الْعَكْسِ شِعَارُ قَايِنَ: «أَذْبَحُ النَّحِيلَ، وَالسَّمِينَ لَا أُقَدِّمُهُ.»

يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ فِي تَفْسِيرِ «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ» أَنَّ قَايِنَ وَهَابِيلَ تَعَلَّمَا مِنْ أَبِيهِمَا آدَمَ دِيَانَةَ الذَّبِيحَةِ وَطَقْسَهَا؛ وَمِنْ هُنَا يَنْتُجُ أَنَّ آدَمَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ذَبَحَ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ فِيلُونُ فِي كِتَابِهِ عَنْ ذَبَائِحِ هَابِيلَ وَقَايِنَ: «كَمَا أَنَّ قَايِنَ قَدَّمَ للهِ ذَبِيحَةً مِنَ الثِّمَارِ لَا مِنَ الْبَوَاكِيرِ، كَذٰلِكَ كَثِيرُونَ يُعْطُونَ الْمَخْلُوقَ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى وَللهِ التَّكْرِيمَ الثَّانَوِيَّ»، مَثَلًا الَّذِينَ يَدْفَعُونَ أَسْوَأَ مَحَاصِيلِهِمْ كَأَعْشَارٍ، وَيُقَدِّمُونَ أَوْلَادَهُمُ الْبُلَدَاءَ وَالْقِبَاحَ وَالنَّاقِصِينَ وَالْكُسَالَى لِلْحَيَاةِ الرَّهْبَانِيَّةِ، وَالْجِمَالَ وَالذَّكَاءَ لِلزَّوَاجِ.


الْآيَةُ ٤: نَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ

نَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَإِلَى قُرْبَانِهِ. الْأَوَّلُ كَانَ سَبَبَ الثَّانِي؛ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ قَرَابِينِ هَابِيلَ لِأَنَّ هَابِيلَ نَفْسَهُ كَانَ مَرْضِيًّا؛ فَإِنَّ الذَّبَائِحَ الْقَدِيمَةَ لَمْ تَكُنْ تُرْضِي اللهَ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ الْمُؤَدَّى (ex opere operato)، كَمَا تُرْضِي ذَبِيحَةُ الشَّرِيعَةِ الْجَدِيدَةِ، بَلْ فَقَطْ بِعَمَلِ الْمُؤَدِّي (ex opere operantis). لِذٰلِكَ يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ عَنِ التَّكْوِينِ، الْفَصْلِ ٢، هٰكَذَا: «يَقُولُ الرَّسُولُ (عِبْرَانِيِّينَ ١١): ‹بِالْإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ للهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ ذَبِيحَةِ قَايِنَ، وَبِهَا نَالَ شَهَادَةً بِأَنَّهُ بَارٌّ›»، إِلَى آخِرِهِ. «‹بِالْإِيمَانِ› قَالَ ‹أَفْضَلَ›؛ فَفِي الْعِبَادَةِ أَوِ الدِّيَانَةِ قَدَّمَ كِلَاهُمَا بِالتَّسَاوِي، وَلِذٰلِكَ كِلَاهُمَا قَدَّمَ بِصَوَابٍ، لٰكِنَّهُ لَمْ يُقَسِّمْ بِصَوَابٍ. فَإِنَّ قَايِنَ حِينَ قَدَّمَ للهِ أَمْلَاكَهُ أَبْقَى نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ، وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالشَّهْوَةِ الْأَرْضِيَّةِ. وَاللهُ لَا يَقْبَلُ مِثْلَ هٰذَا النَّصِيبِ، بَلْ يَقُولُ فِي الْأَمْثَالِ ٢٣: ‹يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ.› أَمَّا هَابِيلُ فَقَدَّمَ قَلْبَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ أَمْلَاكَهُ، فَقَدَّمَ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ بِالْإِيمَانِ.» وَيُوَضِّحُ هٰذَا الْإِيمَانَ فِي الْفَصْلِ ٤، حَيْثُ يُعَلِّمُ أَنَّ هَابِيلَ بِذَبِيحَتِهِ هٰذِهِ سَبَقَ وَرَمَزَ إِلَى ذَبِيحَةِ الْمَسِيحِ فِي سِرِّ الْإِفْخَارِسْتِيَّا. «لِأَنَّهُ حَقًّا»، يَقُولُ، «الذَّبِيحَةُ الَّتِي أَسَّسَهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَئِيسُ كَهَنَتِنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الظَّاهِرِ خُبْزًا وَخَمْرًا، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ حَمَلُ اللهِ، بِكْرُ جَمِيعِ الْحُمْلَانِ أَوِ النِّعَاجِ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَى حَظَائِرِ السَّمَاءِ وَمَرَاعِي الْفِرْدَوْسِ.» حَقًّا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (أَوْ أَيًّا مَنْ كَانَ الْمُؤَلِّفُ، فَإِنَّ هٰذَا لَا يَبْدُو مِنْ أَعْمَالِ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ) فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ عَجَائِبِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الْفَصْلِ ٣: الْعَدَالَةُ، يَقُولُ، كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً فِي هَابِيلَ: الْأُولَى، الْبَتُولِيَّةُ بِعَدَمِ الْإِنْجَابِ؛ الثَّانِيَةُ، الْكَهَنُوتُ بِتَقْدِيمِ قَرَابِينَ مَرْضِيَّةٍ للهِ؛ الثَّالِثَةُ، الِاسْتِشْهَادُ بِسَفْكِ دَمِهِ؛ وَيُمْنَحُ شَرَفَ حَمْلِ أَوَّلِ رَمْزٍ لِلْمُخَلِّصِ، الَّذِي يُرَى عَذْرَاءَ وَشَهِيدًا وَكَاهِنًا. وَقَبْلَ ذٰلِكَ بِقَلِيلٍ: «هَابِيلُ»، يَقُولُ، «أَمِيرُ كُلِّ بِرِّ الْبَشَرِ، فِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ ذَاتِهَا اخْتُطِفَ بِالِاسْتِشْهَادِ، مُتَوَّجًا بِفَرْحَةِ دَمِهِ.» وَبَعْدَهُ مُبَاشَرَةً: «لِهٰذَا هَابِيلَ أَوْكَلَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ صَدَارَةَ بِرِّ الْبَشَرِ، قَائِلًا هٰكَذَا: ‹مِنْ دَمِ هَابِيلَ الْبَارِّ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا›»، مَتَّى ٢٣: ٣٥.

مُلَاحَظَةٌ: فِي مُقَابِلِ «نَظَرَ» الْعِبْرِيُّ هُوَ يِشَّا، الَّذِي يُتَرْجِمُهُ سِيمَاخُوسُ «تَلَذَّذَ»؛ وَأَكِيلَا «تَلَقَّى عَزَاءً»؛ وَالْكَلْدَانِيُّ «قَبِلَ بِرِضًى». وَبِالْمَعْنَى الدَّقِيقِ يِشَّا تَعْنِي «نَظَرَ»، مِنَ الْجَذْرِ شَعَا؛ لٰكِنْ إِذَا قَرَأْتَهَا بِنِقَاطٍ مُخْتَلِفَةٍ يَاسْكَا، فَمَعْنَاهَا «تَلَذَّذَ»، مِنَ الْجَذْرِ شَعَا بِعَيْنٍ مُزْدَوَجَةٍ، وَهٰكَذَا قَرَأَهَا سِيمَاخُوسُ وَأَكِيلَا.

قَدْ تَسْأَلُ: بِأَيِّ عَلَامَةٍ أَعْلَنَ اللهُ أَنَّهُ رَاضٍ عَنْ قَرَابِينِ هَابِيلَ دُونَ قَرَابِينِ قَايِنَ؟ أُجِيبُ: يَنْقُلُ الْآبَاءُ عُمُومًا أَنَّ اللهَ أَعْلَنَ ذٰلِكَ بِنَارٍ أَرْسَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ عَلَى ذَبِيحَةِ هَابِيلَ دُونَ ذَبِيحَةِ قَايِنَ: فَهٰذِهِ النَّارُ أَحْرَقَتْ وَالْتَهَمَتْ ذَبِيحَةَ هَابِيلَ، لٰكِنَّهَا تَرَكَتْ ذَبِيحَةَ قَايِنَ دُونَ أَنْ تَمَسَّهَا.

يَسْخَرُ لُوثَرُ وَكَالْفِينُ مِنْ هٰذَا بِاعْتِبَارِهِ خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةً. لٰكِنَّ الْأَمْرَ نَفْسَهُ يُؤَكِّدُهُ وَيَنْقُلُهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَبْرُوكُوبِيُوسُ، وَكِيرِلُّسُ هُنَا، وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَثِيُوفِيلَاكْتُوسُ، وَأُويكُومِينِيُوسُ عَلَى عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٤، وَكِبْرِيَانُوسُ فِي عِظَتِهِ عَنْ مِيلَادِ الرَّبِّ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ ثِيُودُوتِيُونُ: «وَأَوْقَدَ الرَّبُّ نَارًا عَلَى هَابِيلَ وَذَبِيحَتِهِ، وَلَمْ يُوقِدْ عَلَى قَايِنَ.» فَبِهٰذِهِ الْعَلَامَةِ نَفْسِهَا مِنَ النَّارِ وَاحْتِرَاقِ الذَّبِيحَةِ اعْتَادَ اللهُ أَنْ يُصَادِقَ عَلَى الذَّبَائِحِ وَيَقْبَلَهَا، كَذَبِيحَةِ جِدْعُونَ (الْقُضَاةِ ٦: ١١)، وَمَانُوحَ (الْقُضَاةِ ١٣: ٢٠)، وَهَارُونَ (اللَّاوِيِّينَ ٩: ٢٤)، وَإِيلِيَّا (الْمُلُوكِ الثَّالِثِ ١٨: ٣٨)، وَدَاوُدَ (أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الْأَوَّلِ ٢١: ٢٦)، وَسُلَيْمَانَ (أَخْبَارِ الْأَيَّامِ الثَّانِي ٧: ١)، وَنَحَمْيَا (الْمَكَّابِيِّينَ الثَّانِي ١: ٣٢).


الْآيَةُ ٥: أَمَّا إِلَى قَايِنَ

أَمَّا إِلَى قَايِنَ وَإِلَى قُرْبَانِهِ فَلَمْ يَنْظُرْ، وَلَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِ نَارًا. هٰكَذَا يَرْوِي الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَانْزِيُّ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى ضِدَّ يُولْيَانُوسَ أَنَّ ابْنَيْ أَخِ الْإِمْبِرَاطُورِ قُسْطَنْطِيُوسَ، غَالُّوسَ وَيُولْيَانُوسَ، حِينَ أَرَادَا بِنَاءَ كَنِيسَةٍ فَوْقَ قَبْرِ الشَّهِيدِ مَامَاسَ، اقْتَسَمَا الْعَمَلَ بَيْنَهُمَا، لٰكِنَّ الْجُزْءَ الَّذِي بَنَاهُ غَالُّوسُ، وَكَانَ تَقِيًّا وَمُؤْمِنًا حَقًّا، سَارَ بِنَجَاحٍ بَاهِرٍ؛ أَمَّا الْجُزْءُ الَّذِي بَنَاهُ يُولْيَانُوسُ، الَّذِي كَانَ سَيَصِيرُ مُرْتَدًّا وَقَدْ فَسَدَ عَقْلُهُ فِعْلًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَبَدًا أَنْ يَتَمَاسَكَ، لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تَهْتَزُّ وَتُزِيلُ كُلَّ شَيْءٍ، كَأَنَّ الشَّهِيدَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُكَرَّمَ مِمَّنْ تَوَقَّعَ أَنَّ رِفَاقَهُ سَيُهَانُونَ مِنْ قِبَلِهِ؛ وَلِأَنَّ اللهَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ قَبِلَ عَمَلَ غَالُّوسَ كَذَبِيحَةِ هَابِيلَ، وَرَفَضَ عَمَلَ يُولْيَانُوسَ كَذَبِيحَةِ قَايِنَ، يَقُولُ النَّزْيَانْزِيُّ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ كِبْرِيَانُوسُ بِبَلَاغَةٍ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ صَلَاةِ الرَّبِّ: «اللهُ»، يَقُولُ، «لَمْ يَنْظُرْ إِلَى قَرَابِينِ قَايِنَ وَهَابِيلَ بَلْ إِلَى قُلُوبِهِمَا، فَكَانَ مَنْ أَرْضَى فِي الْقَلْبِ مَرْضِيًّا فِي الْقُرْبَانِ. هَابِيلُ، الْمُسَالِمُ وَالْبَارُّ، حِينَ ذَبَحَ للهِ بِبَرَاءَةٍ، عَلَّمَ الْآخَرِينَ أَيْضًا أَنَّهُمْ حِينَ يَحْمِلُونَ قُرْبَانَهُمْ إِلَى الْمَذْبَحِ، يَنْبَغِي أَنْ يَأْتُوا بِخَشْيَةِ اللهِ وَبِقَلْبٍ بَسِيطٍ وَبِقَانُونِ الْعَدَالَةِ وَبِسَلَامِ الْوِفَاقِ. وَبِحَقٍّ، لَمَّا كَانَ عَلَى هٰذِهِ الصِّفَةِ فِي ذَبِيحَةِ اللهِ، صَارَ هُوَ نَفْسُهُ بَعْدَ ذٰلِكَ ذَبِيحَةً للهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الِاسْتِشْهَادَ، مُفْتَتِحًا بِمَجْدِ دَمِهِ آلَامَ الرَّبِّ، هُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ بِرُّ الرَّبِّ وَسَلَامُهُ.»


الْآيَةُ ٦: لِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ

لِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ لِمَاذَا الْغَضَبُ وَالْبُغْضُ وَالْحَسَدُ عَلَى أَخِيكَ يُذِيبُكَ، وَتَفْضَحُ نَفْسَكَ بِهٰذَا الْحُزْنِ وَسُقُوطِ الْمُحَيَّا؟ لِمَاذَا بِعُيُونٍ شَاحِبَةٍ مُنْكَسِرَةٍ إِلَى الْأَرْضِ تَبْدَأُ فِي التَّآمُرِ لِقَتْلِ أَخِيكَ؟ هٰكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ. وَمِنْ هُنَا تُتَرْجِمُ النُّسْخَةُ الْعَرَبِيَّةُ: «حَزِنَ وَجْهُهُ».


الْآيَةُ ٧: أَلَيْسَ إِنْ أَحْسَنْتَ

أَلَيْسَ إِنْ أَحْسَنْتَ تَنَالُ الْقَبُولَ؟ سَوَاءٌ رَاحَةَ الضَّمِيرِ وَفَرَحَهُ، أَمْ رِضَايَ، وَأَنْ أَشْهَدَ بِعَلَامَةٍ مُمَاثِلَةٍ، أَيْ نَارٍ مُرْسَلَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَنَّكَ وَذَبَائِحَكَ مَرْضِيَّةٌ لَدَيَّ كَمَا شَهِدْتُ لِهَابِيلَ — وَهُوَ مَا يُعَذِّبُكَ الْآنَ؛ وَأَخِيرًا تَنَالُ الْخَيْرَاتِ الْحَاضِرَةَ وَالْأَبَدِيَّةَ: فَإِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا ثَوَابُ الْفَضِيلَةِ.

فِي مُقَابِلِ «تَنَالُ» الْعِبْرِيُّ هُوَ سِئِتْ، وَمَعْنَاهُ يَحْمِلُ وَيَرْفَعُ وَيَنْقُلُ وَيَقْبَلُ، وَأَيْضًا يَغْفِرُ. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «يُغْفَرُ لَكَ»، أَيْ حَسَدُكَ وَكُفْرُكَ. وَتُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «أَلَيْسَ إِنْ قَدَّمْتَ بِصَوَابٍ لٰكِنَّكَ لَمْ تُقَسِّمْ بِصَوَابٍ، أَمَا أَخْطَأْتَ؟ اهْدَأْ.» وَيُفَسِّرُ ذٰلِكَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَيُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأُغُسْطِينُوسُ هٰكَذَا: لِأَنَّهُ فِي التَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، وَالسَّمَاوِيُّ عَلَى الْأَرْضِيِّ؛ لٰكِنَّ قَايِنَ أَعْطَى نَفْسَهُ الْأَنْصِبَةَ الْأُولَى وَأَعْطَى اللهَ الثَّانَوِيَّةَ، وَلِذٰلِكَ لَمْ يُقَسِّمْ بِصَوَابٍ مَعَ اللهِ. ثَالِثًا، يُتَرْجِمُ آخَرُونَ هٰكَذَا: «أَلَيْسَ إِنْ أَحْسَنْتَ تَرْفَعُ؟» — أَيْ «وَجْهَكَ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَلَنْ تَمْشِيَ مَرْفُوعَ الْوَجْهِ وَتَعِيشَ فِي فَرَحٍ وَابْتِهَاجٍ؟ وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ فَاتَابْلُوسُ أَيْضًا: «إِنْ أَحْسَنْتَ فَسَيَكُونُ لَكَ رِفْعَةٌ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَبْدُو أَنَّكَ تَحْزَنُ لِأَنَّ أَخَاكَ مُمَيَّزٌ وَمَرْفُوعٌ فَوْقَكَ؛ لٰكِنْ إِنِ اجْتَهَدْتَ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ فَسَتُرْفَعُ مِثْلَهُ؛ وَإِنْ أَسَأْتَ فَالْخَطِيئَةُ فَوْرًا عِنْدَ الْبَابِ.

الْخَطِيئَةُ

الْخَطِيئَةُ، أَيْ عُقُوبَةُ الْخَطِيئَةِ، الَّتِي كَكَلْبٍ أَوْ كِرْبِيرُوسَ رَابِضَةٍ (فَهٰذَا هُوَ الْعِبْرِيُّ رُوبِتْسْ) تُحَاصِرُ أَبْوَابَ الْخَطِيئَةِ كَمُنْتَقِمَةٍ مِنْهَا؛ وَهٰذِهِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُسِيءَ سَتَكُونُ إِلَى جَانِبِكَ، سَتَنْبَحُ عَلَيْكَ، سَتَعَضُّكَ وَتُمَزِّقُكَ. هٰذَا الْكَلْبُ هُوَ دُودَةُ الضَّمِيرِ، وَاضْطِرَابُ الذِّهْنِ وَسُخْطُهُ، وَغَضَبُ اللهِ الْمُتَرَبِّصُ بِرَأْسِ الْخَاطِئِ، وَالضِّيقُ وَالْكَرْبُ وَجَمِيعُ الْآلَامِ الْحَاضِرَةِ وَالْأَبَدِيَّةِ الَّتِي يُعَاقِبُ بِهَا اللهُ الْخَطَايَا. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «خَطِيئَتُكَ مَحْفُوظَةٌ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ، حَيْثُ يُنْتَقَمُ مِنْكَ.»

لَاحِظِ الِاسْتِعَارَةَ الشَّخْصِيَّةَ. فَالْخَطِيئَةُ هُنَا تُصَوَّرُ كَطَاغِيَةٍ يُلَاحِقُ الْخَاطِئَ بِلَا هَوَادَةٍ مَعَ أَتْبَاعِهِ مِنَ الْجَلَّادِينَ وَالْكِلَابِ. فَكَمَا يَقُولُ الشَّاعِرُ: «الْعُقُوبَةُ تَتْبَعُ رَأْسَ الْمُذْنِبِ.» وَهُورَاتِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنَ الْقَصَائِدِ، الْقَصِيدَةِ ٣: «نَادِرًا مَا تَخَلَّتِ الْعُقُوبَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ السَّابِقِ / وَإِنْ كَانَتْ تَعْرُجُ عَلَى قَدَمٍ.»

فَإِنَّهُ لَكَيْ لَا نَذْكُرَ غَيْرَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ «أَنْ يَحْمِلَ الْمَرْءُ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي صَدْرِهِ شَاهِدًا، / وَجَلَّادًا خَفِيًّا يَهُزُّ السَّوْطَ فِي النَّفْسِ.»

فَضَمِيرُ الْجَرِيمَةِ إِذَنْ، وَهُوَ مُنْتَقِمٌ مِنْ نَفْسِهِ، جَلَّادٌ وَسَيَّافٌ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِبَلَاغَةٍ فِي الْعِظَةِ الْأُولَى عَنْ لَعَازَرَ. وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي أَقْوَالِهِ، الْقَوْلِ ١٩١: «لَا عُقُوبَاتِ»، يَقُولُ، «أَشَدَّ مِنْ عُقُوبَاتِ الضَّمِيرِ السَّيِّئِ، الَّذِي حِينَ لَا يَكُونُ فِيهِ اللهُ، لَا يُوجَدُ فِيهِ عَزَاءٌ. وَلِذٰلِكَ يَجِبُ أَنْ يُسْتَدْعَى الْمُحَرِّرُ، حَتَّى إِنَّ مَنْ دَرَّبَتْهُ الشِّدَّةُ عَلَى الِاعْتِرَافِ، يَقُودَهُ الِاعْتِرَافُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ.» هٰكَذَا الْإِسْكَنْدَرُ الْمَقْدُونِيُّ حِينَ قَتَلَ كْلِيتُوسَ أَعَزَّ أَصْدِقَائِهِ وَأَوْفَاهُمْ وَهُوَ سَكْرَانُ، هَاجَ فَوْرًا مِنْ ضَمِيرِ جَرِيمَتِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُوقِعَ الْمَوْتَ بِنَفْسِهِ، لٰكِنَّ رِجَالَهُ مَنَعُوهُ، كَمَا يَشْهَدُ سِينِيكَا فِي الرِّسَالَةِ ٨٣. وَهٰكَذَا نِيرُونُ قَيْصَرُ، بِحَسَبِ دِيُونَ، بَعْدَ قَتْلِ أُمِّهِ كَانَ يَقُولُ إِنَّ شَبَحَ أُمِّهِ يُطَارِدُهُ بِسِيَاطِ رَبَّاتِ الِانْتِقَامِ وَالْمَشَاعِلِ الْمُلْتَهِبَةِ، وَلَا يَجِدُ أَمَانًا فِي مَكَانٍ. وَعَلَى الْعَكْسِ، «لَا مَسْرَحَ لِلْفَضِيلَةِ أَعْظَمُ مِنَ الضَّمِيرِ»، يَقُولُ شِيشِرُونُ فِي الْمُنَاظَرَاتِ التُّوسْكُولِيَّةِ ٢. وَهُورَاتِيُوسُ فِي قَصَائِدِهِ: «مُسْتَقِيمُ الْحَيَاةِ بَرِيءُ الذَّنْبِ / لَا يَحْتَاجُ إِلَى رِمَاحِ الْمُورِيِّ وَلَا إِلَى قَوْسِهِ، / وَلَا إِلَى كِنَانَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالسِّهَامِ الْمَسْمُومَةِ، / يَا فُوسْكُوسُ.»

بَلْ إِنَّ «الذِّهْنَ الْآمِنَ كَوَلِيمَةٍ دَائِمَةٍ.» هٰكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي ضِدَّ سِيكُونْدِينُوسَ، الْفَصْلِ ١: «فَكِّرْ»، يَقُولُ، «فِي أُغُسْطِينُوسَ مَا شِئْتَ؛ فَقَطْ لَا يَتَّهِمْنِي ضَمِيرِي أَمَامَ عَيْنَيِ اللهِ.»

لٰكِنْ إِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا

كَالْفِينُ، لِئَلَّا يُضْطَرَّ مِنْ هٰذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِحُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ الْمُسَيْطِرَةِ عَلَى الْخَطِيئَةِ وَالشَّهْوَةِ، يَرَى أَنَّ ضَمِيرَ «هَا» يَعُودُ عَلَى هَابِيلَ لَا عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَحْسُدْ يَا قَايِنُ هَابِيلَ أَخَاكَ الْأَصْغَرَ؛ فَإِنَّهُ سَيَبْقَى فِي سُلْطَتِكَ، وَأَنْتَ كَبِكْرٍ تَسُودُ عَلَيْهِ. يُؤَيِّدُ هٰذَا التَّفْسِيرَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَحْدَهُ فِي الْعِظَةِ ١٨.

لٰكِنْ لَمْ يُذْكَرْ هَابِيلُ هُنَا، وَلِذٰلِكَ لَا يُمْكِنُ لِلضَّمِيرِ «هَا» أَنْ يَعُودَ عَلَى هَابِيلَ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَنْ قَايِنَ وَهَابِيلَ، الْفَصْلِ ٧؛ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٥ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٧. وَمِنْ هُنَا تُتَرْجِمُ النُّسْخَةُ الْعَرَبِيَّةُ بِوُضُوحٍ: «فِي اخْتِيَارِكَ اشْتِيَاقُهَا، وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا.» فَالِاخْتِيَارُ هُوَ الْفِعْلُ الْخَاصُّ بِحُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ، الَّذِي بِهِ يُسَيْطِرُ الْمَرْءُ عَلَى أَفْعَالِهِ.

قَدْ تَقُولُ: الضَّمِيرُ «هَا» فِي الْعِبْرِيَّةِ مُذَكَّرٌ؛ لٰكِنَّ حَطَّاتْ، أَيِ الْخَطِيئَةَ، مُؤَنَّثَةٌ؛ فَلَا يُمْكِنُ إِذَنْ لِكَلِمَةِ «هَا» أَنْ تَعُودَ عَلَى الْخَطِيئَةِ بَلْ تَنْظُرُ إِلَى هَابِيلَ.

أُجِيبُ: الْعِبْرِيُّ حَطَّاتْ لَيْسَ مُؤَنَّثًا فَحَسْبُ بَلْ مُذَكَّرٌ أَيْضًا؛ وَهٰذَا وَاضِحٌ هُنَا حِينَ يَقُولُ حَطَّاتْ رُوبِتْسْ، «الْخَطِيئَةُ رَابِضَةٌ» — فَلَوْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً لَقِيلَ رُوبِتْسَا. وَالْأَمْرُ نَفْسُهُ وَاضِحٌ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ ١٦: ٢٤، حَطَّاتْ هُو، «هِيَ خَطِيئَةٌ»، بِاسْتِخْدَامِ «هُوَ» لَا «هِيَ».

قَدْ تَقُولُ ثَانِيًا: فِي الْعِبْرِيَّةِ إِلِيكَ تِشُوقَاتُو، أَيْ كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ «إِلَيْكَ الْتِفَاتُهُ».

أُجِيبُ: مَعْنَى هٰذِهِ الْعِبَارَةِ هُوَ: الْخَطِيئَةُ وَشَهْوَتُهَا وَنَزْوَتُهَا سَتُغْوِيكَ لِلْمُوَافَقَةِ عَلَيْهَا، لٰكِنْ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَيْكَ وَتَطْلُبَ مِنْكَ الْمُوَافَقَةَ وَتَحْصُلَ عَلَيْهَا؛ وَهُوَ مَا تَرْجَمَهُ مُتَرْجِمُنَا بِوُضُوحٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: «إِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا». فَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا قَالَ لِحَوَّاءَ فِي الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ١٦: إِلْ إِيشِكْ تِشُوقَاتِكْ، «إِلَى زَوْجِكِ الْتِفَاتُكِ»، وَهُوَ مَا تَرْجَمَهُ مُتَرْجِمُنَا بِوُضُوحٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: «تَحْتَ سُلْطَةِ زَوْجِكِ تَكُونِينَ». وَمِنْ هُنَا هُنَاكَ، كَمَا هُنَا، يَلِيهِ: «وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».

أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ كَلِمَةَ «هَا» تَعُودُ عَلَى الْخَطِيئَةِ لَا عَلَى هَابِيلَ، وَالْمَعْنَى كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَسْتَطِيعُ يَا قَايِنُ بِحُرِّيَّةِ إِرَادَتِكَ وَنِعْمَتِي الْمُعَدَّةِ لَكَ أَنْ تَسُودَ عَلَى شَهْوَتِكَ وَنَزْعَةِ الْحَسَدِ كَسَيِّدٍ عَلَى عَبْدٍ. فَأَيُّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَوْضَحَ مِنْ هٰذَا دَفَاعًا عَنْ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ؟ وَلِذٰلِكَ يُتَرْجِمُ تَرْجُومُ أُورَشَلِيمَ هٰكَذَا: «فِي يَدِكَ سَلَّمْتُ سُلْطَةً عَلَى شَهْوَتِكَ، وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ لِلْخَيْرِ أَمْ لِلشَّرِّ.» هٰكَذَا يُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ أَعْلَاهُ، وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَرَابَانُوسُ، وَرُوبِرْتُوسُ، وَهُوغُو، وَبِيدَا، وَأَلْكُوِينُوسْ، وَأُوكِيرِيُوسُ هُنَا؛ بَلْ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ١٨ الْمَذْكُورَةِ يُعَلِّمُ صَرَاحَةً أَنَّ قَايِنَ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَسُودَ عَلَى شَهْوَتِهِ. انْظُرِ الْكَرْدِينَالَ بِلَّارْمِينُوسَ الَّذِي يُعَالِجُ هٰذَا الْمَوْضِعَ، وَكَذٰلِكَ جَمِيعَ الْمَوَاضِعِ الْأُخْرَى، بِعِلْمٍ وَمَتَانَةٍ مُتَسَاوِيَيْنِ.

وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا

تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسُودَ عَلَيْهَا، وَلِذٰلِكَ يَجِبُ عَلَيْكَ: فَلَوْ لَمْ تَسْتَطِعْ لَمَا وَجَبَ عَلَيْكَ. فَإِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ الْإِنْسَانَ بِالْمُسْتَحِيلِ.

لَاحِظْ هُنَا كَمْ هِيَ عَظِيمَةٌ سِيَادَةُ الْإِرَادَةِ، لَا عَلَى الْحَرَكَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَالْأَهْوَاءِ الدَّاخِلِيَّةِ أَيْضًا. وَلَوْ أَحْسَسْتَ بِأَشَدِّ مَوْجَاتِ الْغَضَبِ أَوِ الشَّهْوَةِ، قَاوِمْهَا بِإِرَادَتِكَ الصُّلْبَةِ الثَّابِتَةِ، وَقُلْ: أَرْفُضُ أَنْ أُوَافِقَ عَلَيْهَا، إِنَّهَا تَسُوؤُنِي، إِنِّي أَمْقُتُهَا؛ فَتَسُودُ عَلَى الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ، وَتَكُونُ أَمَامَ اللهِ وَالنَّاسِ لَا حَادَّ الطَّبْعِ بَلْ مُرَوِّضًا وَدِيعًا لِلْغَضَبِ، لَا فَاسِقًا بَلْ عَفِيفًا غَالِبًا لِلشَّهْوَةِ. بِهٰذَا الْقَدْرِ عَظِيمَةٌ قُوَّةُ الْإِرَادَةِ وَسُلْطَانُهَا. «عَظِيمَةٌ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي عِظَتِهِ عَنْ زَكَّا، «قُوَّةُ الْإِرَادَةِ الَّتِي تَجْعَلُنَا قَادِرِينَ عَلَى مَا نُرِيدُ، وَعَاجِزِينَ عَمَّا لَا نُرِيدُ.»

أَدْرَكَ ذٰلِكَ سِينِيكَا الَّذِي يُقَدِّمُ لِتَرْوِيضِ الْغَضَبِ هٰذَا الْعِلَاجَ ضِمْنَ غَيْرِهِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَنِ الْغَضَبِ، الْفَصْلِ ١٢: «لَيْسَ شَيْءٌ»، يَقُولُ، «بِهٰذِهِ الصُّعُوبَةِ وَالشِّدَّةِ إِلَّا وَالذِّهْنُ الْبَشَرِيُّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْهَرَهُ، وَالتَّأَمُّلُ الدَّائِمُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُرَوِّضَهُ؛ وَلَيْسَ مِنْ أَهْوَاءٍ بِهٰذِهِ الشَّرَاسَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ إِلَّا وَيُمْكِنُ إِخْضَاعُهَا تَمَامًا بِالرِّيَاضَةِ. فَكُلُّ مَا أَمَرَتِ الْمَرْءَ بِهِ نَفْسُهُ حَقَّقَتْهُ؛ فَبَعْضُهُمْ نَجَحُوا فِي أَلَّا يَضْحَكُوا أَبَدًا؛ وَبَعْضُهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمُ الْخَمْرَ، وَآخَرُونَ اللَّذَّةَ الْجِنْسِيَّةَ، وَبَعْضُهُمْ كُلَّ رُطُوبَةٍ لِأَجْسَادِهِمْ.»

لِذٰلِكَ قَالَ مُعَلِّمٌ قِدِّيسٌ بِحِكْمَةٍ وَصِدْقٍ: «مَهْمَا أَرَدْتَ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَكُلِّ نِيَّتِكَ وَكُلِّ رَغْبَتِكَ، فَأَنْتَ ذٰلِكَ يَقِينًا.» هَلْ تُرِيدُ بِكُلِّ قَلْبِكَ وَبِفَعَّالِيَّةٍ أَنْ تَكُونَ مُتَوَاضِعًا؟ بِذٰلِكَ عَيْنِهِ أَنْتَ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَوَاضِعٌ. هَلْ تُرِيدُ بِفَعَّالِيَّةٍ أَنْ تَكُونَ صَبُورًا، مُطِيعًا، ثَابِتًا؟ بِذٰلِكَ عَيْنِهِ أَنْتَ فِي الْحَقِيقَةِ صَبُورٌ، مُطِيعٌ، ثَابِتٌ. لِذٰلِكَ يَنْصَحُ بِحِكْمَةٍ: «إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُعْطِيَ أَوْ تَفْعَلَ أُمُورًا عَظِيمَةً، فَلْيَكُنْ لَكَ عَلَى الْأَقَلِّ إِرَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمُدَّهَا إِلَى أُمُورٍ هَائِلَةٍ.» مَثَلًا: أَنْتَ فَقِيرٌ — فَلْيَكُنْ لَكَ إِرَادَةٌ فَعَّالَةٌ لِتَقْدِيمِ أَسْخَى الصَّدَقَاتِ لَوْ كَانَتْ لَدَيْكَ الْوَسَائِلُ، وَسَتَكُونُ حَقًّا أَكْرَمَ النَّاسِ وَأَجْوَدَهُمْ. لَدَيْكَ مَوَاهِبُ قَلِيلَةٌ وَقُوًى ضَعِيفَةٌ لِتَعْزِيزِ مَجْدِ اللهِ وَخَلَاصِ النُّفُوسِ: تَصَوَّرْ رَغْبَةً فَعَّالَةً، وَقَدِّمْ للهِ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ أَلْفَ نَفْسٍ وَأَلْفَ حَيَاةٍ وَأَلْفَ جَسَدٍ لَوْ كَانَتْ لَدَيْكَ؛ قَدِّمْ رَغْبَةً هَائِلَةً فِي الْعَمَلِ وَتَحَمُّلِ كُلِّ مَا هُوَ شَاقٌّ مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ وَخَلَاصِ الْكَثِيرِينَ؛ وَسَيَحْسِبُ اللهُ إِرَادَتَكَ كَالْفِعْلِ: فَإِنَّ الْإِرَادَةَ الْجَادَّةَ الْحَازِمَةَ هِيَ مَنْبَعُ كُلِّ فَضِيلَةٍ وَرَذِيلَةٍ، وَكُلِّ اسْتِحْقَاقٍ وَإِثْمٍ، وَسَبَبُهُ.

هٰكَذَا الْقِدِّيسَةُ كْرِيسْتِينَا الْعَذْرَاءُ وَالشَّهِيدَةُ، إِذْ حَطَّمَتْ أَصْنَامَ أَبِيهَا أُورْبَانُوسَ الْفِضِّيَّةَ — وَكَانَ حَاكِمَ مَدِينَةِ صُورَ فِي إِيطَالِيَا — احْتَقَرَتْ إِطْرَاءَاتِهِ بِإِرَادَةٍ صُلْبَةٍ، وَسَخِرَتْ مِنْ تَهْدِيدَاتِهِ؛ لَا السِّيَاطُ وَلَا الْكَلَالِيبُ الَّتِي مَزَّقَتْهَا غَيَّرَتْ ثَبَاتَهَا؛ بَلْ إِنَّهَا أَلْقَتْ قِطْعَةً مِنْ لَحْمِهَا الْمُمَزَّقِ فِي وَجْهِ أَبِيهَا قَائِلَةً: «اشْبَعْ مِنَ اللَّحْمِ أَيُّهَا الشَّقِيُّ — مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي وَلَدْتَهُ؛ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْكُلَ ابْنَتَكَ، لٰكِنَّكَ حَتْمًا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَهَا تُوَافِقُ عَلَى كُفْرِكَ.» ثُمَّ رُبِطَتْ إِلَى عَجَلَاتٍ وَأُحْرِقَتْ بِنَارٍ تَحْتَهَا، وَأُلْقِيَتْ فِي بُحَيْرَةٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا طَبَخَهَا خَلَفُهُ دِيُونُ فِي زَيْتٍ وَرَاتِينَجٍ وَزِفْتٍ؛ ثُمَّ قِيدَتْ لِعِبَادَةِ تِمْثَالِ أَبُولُّو فَأَسْقَطَتْهُ بِصَلَاتِهَا. وَلَمَّا مَاتَ دِيُونُ فَجْأَةً خَلَفَهُ يُولْيَانُوسُ الَّذِي أَمَرَ بِإِلْقَاءِ كْرِيسْتِينَا فِي أَتُّونٍ مُلْتَهِبٍ، لٰكِنَّهَا لَمْ تُصَبْ بِأَذًى فِيهِ؛ وَأَلْقَاهَا لِلْأَفَاعِي لِتَلْدَغَهَا، لٰكِنَّ الْأَفَاعِيَ تَرَكَتْهَا وَهَاجَمَتِ السَّاحِرَ — الَّذِي أَحْيَتْهُ هِيَ بِنَفْسِهَا. أَمَرَ يُولْيَانُوسُ بِقَطْعِ ثَدْيَيْهَا وَقَطْعِ لِسَانِهَا وَخَرْقِهَا بِالسِّهَامِ. وَأَخِيرًا إِذْ أُنْهِكَتْ بِهٰذَا الِاسْتِشْهَادِ طَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ.

انْظُرْ كَيْفَ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْحَازِمَةَ تَسُودُ عَلَى الْأَهْوَاءِ وَالْعَذَابَاتِ وَالطُّغَاةِ وَالْمَوْتِ: بِهٰذِهِ الْإِرَادَةِ غَلَبَتْ كْرِيسْتِينَا أَبَاهَا، وَهَابِيلُ غَلَبَ أَخَاهُ — لَا بِالْقِتَالِ بَلْ بِالصَّبْرِ. هٰكَذَا تَقُولُ سِيرَتُهَا كَمَا نَشَرَهَا سُورِيُوسُ، الْمُجَلَّدُ ٤، ٢٤ تَمُّوزَ.


الْآيَةُ ٨: لِنَخْرُجْ إِلَى الْخَارِجِ

لِنَخْرُجْ إِلَى الْخَارِجِ. هَذِهِ الْكَلِمَاتُ سَقَطَتْ مِنَ النَّصِّ الْعِبْرِيِّ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْهَا أَكِيلَا وَسِيمَاخُوسُ وَثِيُودُوتِيُونُ وَلَمْ يُتَرْجِمُوهَا. وَلَكِنْ يَتَّضِحُ أَنَّهَا كَانَتْ سَابِقًا فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ، لِأَنَّ السَّبْعِينِيَّةَ وَتَرْجُومَ أُورُشَلِيمَ قَرَآهَا. وَمِنْ ثَمَّ يَعْتَرِفُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ بِأَنَّهُ وَجَدَ الشَّيْءَ ذَاتَهُ فِي أَسْفَارِ مُوسَى الْخَمْسَةِ لَدَى السَّامِرِيِّينَ. وَأَخِيرًا، إِنْ لَمْ تَقْرَأْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، فَسَيَكُونُ هَذَا الْمَوْضِعُ نَاقِصًا: إِذْ لَا يُعَبِّرُ عَمَّا قَالَهُ قَايِنُ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَايِنَ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَا غَيْرَهَا، يَتَّضِحُ مِمَّا تَلَاهَا: فَقَدْ خَرَجَ هَابِيلُ فَوْرًا مَعَ قَايِنَ إِلَى الْحَقْلِ وَقَتَلَهُ.

قَامَ قَايِنُ عَلَى أَخِيهِ

يُعَلِّمُ تَرْجُومُ أُورُشَلِيمَ أَنَّ قَايِنَ بَدَأَ فِي الْحَقْلِ يَشْكُو مِنْ عِنَايَةِ اللهِ وَعَدْلِهِ، وَجَادَلَ ضِدَّ الدَّيْنُونَةِ الْأَخِيرَةِ، وَضِدَّ ثَوَابِ الْأَبْرَارِ وَعِقَابِ الْأَشْرَارِ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، أَكَّدَ هَابِيلُ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَدَافَعَ عَنِ اللهِ، وَوَبَّخَ أَخَاهُ، وَلِهَذَا السَّبَبِ قُتِلَ عَلَى يَدِهِ. فَمَا أَفْظَعَ قَتْلَ قَايِنَ لِأَخِيهِ، وَمَا أَشْهَرَ اسْتِشْهَادَ هَابِيلَ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ القِدِّيسَ كِبْرِيَانُوسَ، فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ، الرِّسَالَةِ السَّادِسَةِ، إِذْ يَحُثُّ أَهْلَ تِيبَارِيسَ عَلَى الِاسْتِشْهَادِ، يَقُولُ: «لِنُقَلِّدْ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَحِبَّاءُ، هَابِيلَ الْبَارَّ، الَّذِي افْتَتَحَ الِاسْتِشْهَادَ، إِذْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ.»

كَانَ الْمُنَافِسُونَ يُعَيِّرُونَ هُورَاتِيُوسَ كُوكْلِيسَ بِعَرَجِهِ، فَأَجَابَهُمْ: «فِي كُلِّ خُطْوَةٍ أَتَذَكَّرُ انْتِصَارِي»؛ إِذْ إِنَّهُ وَحْدَهُ قَاوَمَ الْمَلِكَ بُورْسِينَا الَّذِي كَانَ يُحَاوِلُ الْعُبُورَ مِنَ الْجِسْرِ الْخَشَبِيِّ، وَتَحَمَّلَ بِمُفْرَدِهِ هُجُومَ الْأَعْدَاءِ حَتَّى حُطِّمَ الْجِسْرُ مِنْ خَلْفِهِ بِوَاسِطَةِ رِفَاقِهِ، وَهُنَاكَ أُصِيبَ فِي فَخِذِهِ فَبَدَأَ يَعْرُجُ، كَمَا يَشْهَدُ لِيفِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْعَقْدِ الْأَوَّلِ. وَكَانَ هَابِيلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ الشَّيْءَ ذَاتَهُ لِقَايِنَ قَاتِلِ أَخِيهِ، وَلَا يَزَالُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهُ الْآنَ.

يَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ هَابِيلَ قُتِلَ حَوَالَيْ سَنَةِ الْعَالَمِ ١٣٠، اسْتِنَادًا إِلَى أَنَّ شِيثَ وُلِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ أَبْدَلَتْهُ أُمُّهُ حَوَّاءُ، الَّتِي اعْتَادَتِ الْإِنْجَابَ بِكَثْرَةٍ (سَنَوِيًّا، كَمَا يَقُولُ أُوغُسْطُسُ تُورْنِيلُّوسُ)، بَدَلًا مِنْ هَابِيلَ الْمَقْتُولِ عَلَى الْفَوْرِ؛ هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَكَايِتَانُوسُ وَتُورْنِيلُّوسُ فِي حَوْلِيَّاتِهِ، الَّتِي رَتَّبَهَا وَوَصَفَهَا عَلَى مِنْوَالِ بَارُونِيُوسَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ آدَمَ إِلَى الْمَسِيحِ.

بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، كَانَ هَابِيلُ نَمُوذَجًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي قَتَلَهُ بَنُو جِلْدَتِهِ الْيَهُودُ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُسُ، مُتَّبِعًا القِدِّيسَ إِيرِينَاوُسَ وَأُغُسْطِينُوسَ.


الْآيَةُ ٩: لَا أَعْلَمُ

لَا أَعْلَمُ: أَحَارِسٌ أَنَا لِأَخِي (فِي الْعَرَبِيَّةِ «رَقِيبٌ»)؟ يُلَاحِظُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ عَنْ قَايِنَ، الْبَابِ التَّاسِعِ، ثَلَاثًا مِنْ جَرَائِمِهِ هُنَا. «يُنْكِرُ أَوَّلًا، كَأَنَّهُ أَمَامَ جَاهِلٍ؛ وَيَرْفُضُ وَاجِبَ الْحِرَاسَةِ الْأَخَوِيَّةِ، كَأَنَّهُ مُعْفًى مِنَ الطَّبِيعَةِ؛ وَيَتَهَرَّبُ مِنَ الدَّيَّانِ، كَأَنَّهُ حُرُّ الْإِرَادَةِ. فَلِمَ تَعْجَبُ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالتَّقْوَى، وَهُوَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِخَالِقِهِ؟»


الْآيَةُ ١٠: صَوْتُ الدَّمِ

صَوْتُ الدَّمِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ «صَوْتُ الدِّمَاءِ»، وَقَدْ أَرْجَعَهَا الْكَلْدَانِيُّ مَعَ الْحَاخَامَاتِ خَطَأً إِلَى الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ كَانَ هَابِيلُ سَيُنْجِبُهُمْ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ، لِأَنَّ قَايِنَ سَفَكَ مِنَ الدَّمِ مَا كَانَ يَكْفِي لِكَثِيرِينَ مِنْ خِلَالِ تَنَاسُلِ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ كَانَ هَابِيلُ سَيُوَلِّدُهُمْ: فَصَرَخُوا بِأَصْوَاتٍ لَا تُحْصَى، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا سَيُشَارِكُونَ فِي ذَلِكَ الدَّمِ. وَلَكِنَّ الْوَاضِحَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَتَعَلَّقُ لَا بِالذُّرِّيَّةِ، بَلْ بِدَمِ هَابِيلَ الَّذِي سَفَكَهُ قَايِنُ. وَفِي الْعِبْرِيَّةِ «صَوْتُ الدِّمَاءِ» بَدَلًا مِنْ «الدَّمِ»، لِأَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ يُسَمُّونَ الْقَتْلَ، لِلتَّأْكِيدِ (لِإِلْقَاءِ الرُّعْبِ)، «سَفْكَ الدِّمَاءِ»، أَيِ الدَّمِ: لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ دَمِ الْإِنْسَانِ يُسْفَكُ حَقًّا فِي الْقَتْلِ.

يَكْتُبُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِجَمَالٍ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ عَنْ قَايِنَ، الْبَابِ التَّاسِعِ: «لَيْسَ صَوْتُهُ (أَيْ صَوْتُ هَابِيلَ) هُوَ الَّذِي يَتَّهِمُ، وَلَا نَفْسُهُ، بَلْ صَوْتُ دَمِهِ يَتَّهِمُ، ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي سَفَكْتَهُ أَنْتَ بِنَفْسِكَ: فَفِعْلُكَ إِذَنْ، لَا أَخُوكَ، هُوَ الَّذِي يَتَّهِمُكَ. وَلَكِنَّ الْأَرْضَ أَيْضًا شَاهِدَةٌ، تِلْكَ الَّتِي قَبِلَتِ الدَّمَ. فَإِنْ عَفَا عَنْكَ أَخُوكَ، فَالْأَرْضُ لَا تَعْفُو عَنْكَ؛ وَإِنْ سَكَتَ أَخُوكَ، فَالْأَرْضُ تُدِينُكَ. هِيَ عَلَيْكَ شَاهِدَةٌ وَدَيَّانَةٌ مَعًا. فَلَا شَكَّ إِذَنْ أَنَّ الْكَائِنَاتِ الْعُلْوِيَّةَ أَيْضًا (السَّمَاوَاتُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْعُرُوشُ وَالسِّيَادَاتُ وَالرِّئَاسَاتُ وَالْقُوَّاتُ وَالشِّيرُوبِيمُ وَالسِّيرَافِيمُ) أَدَانَتْ مَنْ أَدَانَتْهُ الْأَشْيَاءُ الدُّنْيَا. فَكَيْفَ يُبَرَّأُ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الطَّاهِرِ السَّمَاوِيِّ مَنْ لَمْ تَسْتَطِعْ حَتَّى الْأَرْضُ أَنْ تُبَرِّئَهُ؟»

يَصْرُخُ إِلَيَّ

كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ ذَنْبَ قَتْلِكَ، بَلْ قَتْلِكَ لِأَخِيكَ، الطَّوْعِيَّ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، يَظْهَرُ أَمَامِي، وَيَطْلُبُ مِنِّي انْتِقَامًا سَرِيعًا وَمُرَوِّعًا. إِنَّهُ اسْتِعَارَةٌ تَشْخِيصِيَّةٌ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ حِزْقِيَالَ، الْبَابِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ. فَهُنَاكَ إِذَنْ أَرْبَعُ خَطَايَا فَظِيعَةٍ تَصْرُخُ إِلَى السَّمَاءِ بِتَعْبِيرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ: أَوَّلًا، قَتْلُ الْأَخِ، كَقَتْلِ قَايِنَ؛ ثَانِيًا، خَطِيئَةُ سَدُومَ، سِفْرُ التَّكْوِينِ ١٩: ١٣؛ ثَالِثًا، أُجُورُ الْعُمَّالِ الْمَغْصُوبَةُ، يَعْقُوبُ ٥: ٤؛ رَابِعًا، ظُلْمُ الْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ، سِفْرُ الْخُرُوجِ ٢: ٢٣. اُنْظُرْ هُنَا كَيْفَ يَكْشِفُ اللهُ الْقَتْلَ الْخَفِيَّ لِقَايِنَ وَيُعَاقِبُهُ. وَلَدَى بْلُوتَارْخُسَ، فِي كِتَابِهِ عَنْ تَأْخِيرِ الِانْتِقَامِ الْإِلَهِيِّ، أَمْثِلَةٌ أُخْرَى عَجِيبَةٌ عَنِ الْقَتْلِ الْخَفِيِّ الْمَكْشُوفِ وَالْمُعَاقَبِ.

وَقَدْ طَبَّقَ الْبَابَا إِنُّوشِنْسِيُوسُ الْأَوَّلُ هَذَا الْفِعْلَ وَهَذَا الْقَوْلَ تَطْبِيقًا مُنَاسِبًا عَلَى الْإِمْبِرَاطُورِ أَرْكَادِيُوسَ وَالْإِمْبِرَاطُورَةِ إِيُودُوكْسِيَا، لِأَنَّهُمَا طَرَدَا القِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ إِلَى الْمَنْفَى، وَهُنَاكَ أَنْهَكَاهُ بِالْمَشَقَّاتِ كَمَا فَعَلَ قَايِنُ بِهَابِيلَ، وَلِذَلِكَ صَوَّبَ عَلَيْهِمَا صَاعِقَةَ الْحِرْمَانِ الْكَنَسِيِّ. اسْمَعِ الرِّسَالَةَ الْجَدِيرَةَ بِبَابَا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْعَظَمَةِ، وَالَّتِي يَنْقُلُهَا بَارُونِيُوسُ عَنْ جِنَّادِيُوسَ وَغْلِيكَاسَ فِي سَنَةِ الرَّبِّ ٤٠٧. «صَوْتُ دَمِ أَخِي يُوحَنَّا يَصْرُخُ إِلَى اللهِ ضِدَّكَ، أَيُّهَا الْإِمْبِرَاطُورُ، كَمَا صَرَخَ يَوْمًا دَمُ هَابِيلَ الْبَارِّ ضِدَّ قَايِنَ قَاتِلِ أَخِيهِ، وَسَيُنْتَقَمُ لَهُ بِكُلِّ الطُّرُقِ. لَقَدْ طَرَدْتَ مِنْ عَرْشِهِ، دُونَ مُحَاكَمَةٍ، الْمُعَلِّمَ الْعَظِيمَ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ، وَاضْطَهَدْتَ مَعَهُ الْمَسِيحَ. وَلَسْتُ أَحْزَنُ عَلَيْهِ كَثِيرًا: فَقَدْ نَالَ نَصِيبَهُ، أَيْ مِيرَاثَهُ مَعَ الرُّسُلِ الْقِدِّيسِينَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَخْ؛ وَلَكِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ تَحْتَ الشَّمْسِ قَدِ اُخْتُزِلَ إِلَى يُتْمٍ، بِفِقْدَانِ رَجُلٍ إِلَهِيٍّ إِلَى هَذَا الْحَدِّ بِإِغْرَاءِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مَثَّلَتْ هَذِهِ الْمَهْزَلَةَ وَالْمَشْهَدَ.» وَبَعْدَ قَلِيلٍ: «وَلَكِنَّ دَلِيلَةَ الْجَدِيدَةَ، إِيُودُوكْسِيَا، الَّتِي حَلَقَتْكَ شَيْئًا فَشَيْئًا بِمُوسَى الْإِغْوَاءِ، جَلَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا لَعْنَةً مِنْ أَفْوَاهِ كَثِيرِينَ، وَجَمَعَتْ حِمْلًا ثَقِيلًا لَا يُطَاقُ مِنَ الْخَطَايَا، وَأَضَافَتْهُ إِلَى خَطَايَاهَا السَّابِقَةِ. وَلِذَلِكَ فَإِنِّي أَنَا الْأَصْغَرُ وَالْخَاطِئُ، الَّذِي عُهِدَ إِلَيْهِ بِعَرْشِ الرَّسُولِ الْعَظِيمِ بُطْرُسَ، أَفْصِلُكَ وَإِيَّاهَا وَأَرْفُضُكُمَا عَنْ قَبُولِ أَسْرَارِ الْمَسِيحِ الطَّاهِرَةِ.»

مِنَ الْأَرْضِ

يَرْوِي كَثِيرُونَ أَنَّ هَابِيلَ قُتِلَ فِي دِمَشْقَ، وَأَنَّ دِمَشْقَ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ كَأَنَّهَا «دَمْ سَاكْ»، أَيْ «كِيسُ الدَّمِ»، لِأَنَّهَا شَرِبَتْ وَامْتَصَّتْ دَمَ هَابِيلَ. وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ دِمَشْقَ سُورِيَّةَ، كَمَا يَبْدُو أَنَّ القِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ يَرَى: فَتِلْكَ الْمَدِينَةُ اسْتَمَدَّتِ اسْمَهَا وَأَصْلَهَا مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ، كَمَا سَأَقُولُ فِي الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ، الْآيَةِ الثَّانِيَةِ؛ بَلِ الْحَقْلُ الدِّمَشْقِيُّ قُرْبَ حَبْرُونَ، الْمَلِيءُ بِالتُّرَابِ الْأَحْمَرِ (الَّذِي يُسَمَّى بِالْعِبْرِيَّةِ هُنَا «أَدَمَا»)، حَيْثُ يُعْتَقَدُ أَنَّ آدَمَ خُلِقَ وَعَاشَ. هَكَذَا يَقُولُ بُورْخَارْدُسُ وَأَدْرِيكُومِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا فِي وَصْفِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَبُولِينْسِيسُ فِي الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ، الْمَسْأَلَةِ ١٣٨.

وَكَانَ القِدِّيسُ فَاتْسْلَافُ، مَلِكُ بُوهِيمِيَا وَالشَّهِيدُ، شَبِيهًا بِهَابِيلَ، إِذْ قَتَلَهُ أَخُوهُ بُولِيسْلَافُ كَقَايِنَ آخَرَ، بِتَحْرِيضٍ مِنْ أُمِّهِمَا دْرَاهُومِيرَا. فَإِنَّ فَاتْسْلَافَ، التَّقِيَّ الْبَرِيءَ كَهَابِيلَ، حَكَمَ مَمْلَكَتَهُ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَوَاتِ وَالْمِسْحِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ التَّقِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا حَكَمَ بِالسُّلْطَانِ، مُرَدِّدًا تِلْكَ الْآيَةَ: «سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ.» وَلِذَلِكَ، إِذْ عَلِمَ بِإِلْهَامٍ إِلَهِيٍّ أَنَّ أَخَاهُ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى وَلِيمَةٍ يُدَبِّرُ لَهُ الْمَوْتَ غَدْرًا، لَمْ يَفِرَّ، بَلْ تَحَصَّنَ بِالْأَسْرَارِ الْمُقَدَّسَةِ وَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ أَخِيهِ؛ وَبَعْدَ الْمَأْدُبَةِ الْأَخَوِيَّةِ الْمُضِيفَةِ، فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ وَهُوَ يُصَلِّي أَمَامَ الْكَنِيسَةِ، قُتِلَ: وَصَارَ ذَبِيحَةً مَرْضِيَّةً لِلَّهِ أَشَدَّ الرِّضَى، وَرُشَّ جِدَارُ الْكَنِيسَةِ بِدَمِهِ، ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي حَاوَلَ قَاتِلُوهُ عَبَثًا غَسْلَهُ وَمَسْحَهُ: فَكُلَّمَا مُسِحَ أَكْثَرَ، ظَهَرَ أَشَدَّ حَيَوِيَّةً وَأَكْثَرَ احْمِرَارًا؛ وَهَكَذَا بَقِيَ هُنَاكَ لَا يُمْحَى، شَهَادَةً عَلَى تِلْكَ الْجَرِيمَةِ الْأَخَوِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، صَارِخًا إِلَى السَّمَاءِ كَهَابِيلَ. وَلِذَلِكَ هَلَكَ جَمِيعُ شُرَكَاءِ تِلْكَ الْجَرِيمَةِ الْعَظِيمَةِ هَلَاكًا بَئِيسًا: فَابْتَلَعَتِ الْأَرْضُ أُمَّهُمَا دْرَاهُومِيرَا حَيَّةً فِي قَلْعَةِ بْرَاغَ. وَبُولِيسْلَافُ، كَقَايِنَ آخَرَ، عَذَّبَتْهُ الْآيَاتُ وَالْأَهْوَالُ، وَحَارَبَهُ الْإِمْبِرَاطُورُ أُوتُو انْتِقَامًا لِقَتْلِ الْأَخِ، وَأَخِيرًا أَنْهَكَهُ الْمَرَضُ وَحُرِمَ إِمَارَتَهُ وَحَيَاتَهُ مَعًا. وَآخَرُونَ، أَخْرَجَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ صَوَابِهِمْ، فَخَافُوا مِنْ ظِلِّهِمْ وَأَلْقَوْا بِأَنْفُسِهِمْ فِي النَّهْرِ. وَآخَرُونَ فَقَدُوا عُقُولَهُمْ وَفَرُّوا وَلَمْ يَظْهَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا. وَآخَرُونَ أَصَابَتْهُمْ أَمْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَخَطِيرَةٌ، وَمَقَتَهُمُ النَّاسُ جَمِيعًا، وَأَنْهَوْا حَيَاتَهُمْ فِي بُؤْسٍ. هَكَذَا تُسَجِّلُ سِيرَتُهُ وَحَوْلِيَّاتُ بُوهِيمِيَا، وَمِنْهَا إِينِيَاسُ سِيلْفِيُوسُ فِي تَارِيخِ بُوهِيمِيَا.


الْآيَةُ ١١: مَلْعُونٌ أَنْتَ عَلَى الْأَرْضِ

مَلْعُونٌ أَنْتَ عَلَى الْأَرْضِ. لِأَنَّ الْأَرْضَ سَتَكُونُ مَلْعُونَةً مِنْ أَجْلِكَ، وَسَتُخْرِجُ لَكَ ثِمَارَهَا بِضَنَانَةٍ وَشُحٍّ وَأَنْتَ تَفْلَحُهَا: فَهُوَ قَلْبٌ فِي التَّعْبِيرِ. وَفِي الْعِبْرِيَّةِ: «مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الْأَرْضِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ لَوَّثْتَ الْأَرْضَ بِدَمِ أَخِيكَ، وَلِذَلِكَ بِالْأَرْضِ سَتُعَاقَبُ بِالْعُقْمِ.


الْآيَةُ ١٢: لَنْ تُعْطِيَكَ ثِمَارَهَا

لَنْ تُعْطِيَكَ ثِمَارَهَا — بِالْعِبْرِيَّةِ «كُوخَا»، أَيْ «قُوَّتَهَا». وَقُوَّةُ الْأَرْضِ هِيَ ثِمَارُهَا الْوَفِيرَةُ وَالْقَوِيَّةُ.

تَائِهًا وَشَرِيدًا — خَائِفًا مِنْ ضَمِيرِهِ السَّيِّئِ، وَكَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ «مُتَأَوِّهًا وَمُرْتَعِدًا»، أَيْ نَفْسًا وَجَسَدًا، تَتِيهُ هُنَا وَهُنَاكَ. فَالْيُونَانِيَّةُ «تُو تْرِيمُونَ»، أَيِ «الْمُرْتَعِدُ»، تُشِيرُ إِلَى ارْتِعَاشِ الْجَسَدِ فِي قَايِنَ، الَّذِي كَانَ دَلِيلًا عَلَى رُعْبِهِ وَذُهُولِ نَفْسِهِ.

«حِينَ تَفْلَحُهَا لَنْ تُعْطِيَكَ ثِمَارَهَا.» وَلِأَنَّكَ، أَيُّهَا الْمَنْكُودُ الْبَائِسُ، سَتَكُونُ تَائِهًا وَشَرِيدًا عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا يَلِي. وَلِذَلِكَ فَقَدْ كَانَ هَرَاطِقَةُ الْقَايِنِيِّينَ مَجَانِينَ وَمُجَدِّفِينَ مَعًا، إِذْ عَبَدُوا قَايِنَ، زَاعِمِينَ مِرَارًا أَنَّ هَابِيلَ كَانَ مِنْ قُوَّةٍ أَضْعَفَ وَلِذَلِكَ قُتِلَ: وَأَنَّ قَايِنَ كَانَ مِنْ قُوَّةٍ أَقْوَى وَسَمَاوِيَّةٍ، مِثْلَ عِيسُو وَقُورَحَ وَيَهُوذَا وَأَهْلِ سَدُومَ؛ وَتَبَاهَوْا أَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا أَقْرِبَاؤُهُمْ: إِذْ قَالُوا إِنَّ قَايِنَ كَانَ أَبَا يَهُوذَا. وَكَانُوا يُبَجِّلُونَ يَهُوذَا، لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْمَسِيحَ، عَالِمًا مُسْبَقًا أَنَّ الْبَشَرَ سَيُفْتَدَوْنَ بِمَوْتِهِ. هَكَذَا يَقُولُ أَبِيفَانِيُوسُ، الْهَرْطَقَةُ ٣٨؛ وَالقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، وَفِيلَاسْتْرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَرْطَقَةِ الْقَايِنِيِّينَ.


الْآيَةُ ١٣: إِثْمِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُغْفَرَ

إِثْمِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ أَسْتَحِقَّ الْمَغْفِرَةَ. يَأْخُذُ بَانِينُوسُ وَفَاتَابْلُوسُ وَأُولِيَاسْتْرُو، مُتَّبِعِينَ ابْنَ عَزْرَا، كَلِمَةَ «عَاوُونْ»، أَيِ الْإِثْمَ أَوِ الْخَطِيئَةَ، بِمَعْنَى عُقُوبَةِ الْخَطِيئَةِ، فَيُتَرْجِمُونَ: «عُقُوبَتِي أَعْظَمُ مِمَّا أَحْتَمِلُ، أَوْ أَسْتَطِيعُ احْتِمَالَهُ.» وَكَذَلِكَ أَثَنَاسِيُوسُ فِي جَوَابِهِ لِأَنْطِيُوخُسَ، الْمَسْأَلَةِ ٩٦. وَلَاحِظْ عَرَضًا أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَقْصَرَ لَيْسَتْ لِلقِدِّيسِ أَثَنَاسِيُوسَ الْعَظِيمِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ: فَفِيهَا يُسْتَشْهَدُ بِالقِدِّيسِ أَبِيفَانِيُوسَ وَغْرِيغُورِيُوسَ النِّيصِيِّ، اللَّذَيْنِ جَاءَا بَعْدَ القِدِّيسِ أَثَنَاسِيُوسَ؛ بَلْ إِنَّ مُؤَلِّفَهَا يَسْتَشْهِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ ٩٣ بِالقِدِّيسِ أَثَنَاسِيُوسَ نَفْسِهِ، وَيَنْحَرِفُ عَنْهُ وَيَتْبَعُ رَأْيًا آخَرَ. وَلَكِنَّ مُؤَلِّفَهَا لَيْسَ هُوَ ذَاتَهُ أَثَنَاسِيُوسَ النِّيقِيَّ الَّذِي كَتَبَ بَعْضَ الْمَسَائِلِ الْمُطَوَّلَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنَّ كِلَيْهِمَا كَتَبَ مَسَائِلَهُ إِلَى أَنْطِيُوخُسَ نَفْسِهِ.

وَلَكِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ وَالْكَلْدَانِيَّ وَتَرْجَمَتَنَا اللَّاتِينِيَّةَ وَالْآبَاءَ الْيُونَانِيِّينَ وَاللَّاتِينِيِّينَ عُمُومًا يَأْخُذُونَ «الْخَطِيئَةَ» هُنَا بِمَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ، وَيَرَوْنَ أَنَّ قَايِنَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَئِسَ. وَمِنْ ثَمَّ فَالْعِبْرِيَّةُ تَقْرَأُ: «غَادُولْ عَاوُونِي مِنَّسُو»، أَيْ «إِثْمِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ أَحْتَمِلَهُ أَوْ أَحْمِلَهُ»؛ ثَانِيًا، وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَفْضَلُ، مَعَ السَّبْعِينِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيَّةِ وَتَرْجَمَتِنَا اللَّاتِينِيَّةِ، يُمْكِنُكَ أَنْ تُتَرْجِمَ: «إِثْمِي أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَهُ وَيَغْفِرَهُ»، أَيْ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَهُ اللهُ وَيَغْفِرَهُ. فَالْعِبْرِيَّةُ «نَسُو» تَعْنِي «يَحْمِلُ» وَ«يَغْفِرُ» مَعًا، لِأَنَّهُ حِينَ يَغْفِرُ الْمَرْءُ لِآخَرَ، يُخَفِّفُ عَنْهُ حِمْلًا عَظِيمًا؛ فَبِمَغْفِرَةِ إِسَاءَتِهِ يَحْمِلُهَا وَيَرْفَعُهَا؛ لِأَنَّ الْإِسَاءَةَ وَالْخَطِيئَةَ ضِدَّ اللهِ حِمْلٌ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ إِتْنَا، يُرْهِقُ الْخَاطِئَ. وَمِنْ ثَمَّ تُتَرْجِمُ نُسْخَتُنَا اللَّاتِينِيَّةُ: «مِنْ أَنْ أَسْتَحِقَّ الْمَغْفِرَةَ»، أَيْ مِنْ أَنْ أَحْصُلَ بِأَيِّ تَوْبَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْمَغْفِرَةِ كُلِّيًّا وَعَاجِزٌ عَنْ نَيْلِهَا.

وَمِنْ هُنَا يُخْطِئُ مَعَ قَايِنَ النُّوفَاتِيَانِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ خَطَأً جَسِيمًا، إِذْ يَرَوْنَ أَنَّ بَعْضَ الْخَطَايَا بَالِغَةُ الْفَدَاحَةِ بِحَيْثُ أَنَّهُ حَتَّى لَوْ تَابَ الْمَرْءُ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُ أَوْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَغْفِرَهَا. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ عَنِ التَّوْبَةِ، الْبَابِ التَّاسِعِ.

يَقُولُ هُوغُو الْكَارْدِينَالِيسُ: هُنَاكَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ تُثَقِّلُ الْخَطِيئَةَ، وَهِيَ: نَوْعُ الْخَطِيئَةِ، وَتَكْرَارُهَا، وَطُولُ مُدَّتِهَا، وَعَدَمُ التَّوْبَةِ؛ وَلَكِنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَاسْتِحْقَاقَ الْمَسِيحِ وَنِعْمَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ بِلَا حَدٍّ. اسْمَعْهُ فِي إِرْمِيَا ٣: ١: «أَنْتِ زَنَيْتِ مَعَ عُشَّاقٍ كَثِيرِينَ؛ لَكِنِ ارْجِعِي إِلَيَّ، يَقُولُ الرَّبُّ.» اسْمَعْ حِزْقِيَالَ، الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ، الْآيَةُ ٢١: «إِنْ رَجَعَ الشِّرِّيرُ وَتَابَ، إِلَخْ، فَإِنَّهُ يَحْيَا وَلَا يَمُوتُ: لَنْ أَذْكُرَ بَعْدُ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ آثَامِهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا.»


الْآيَةُ ١٤: هَا أَنْتَ تَطْرُدُنِي

هَا أَنْتَ تَطْرُدُنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ — مِنْ وَطَنِيَ الْأَلَذِّ وَالْأَخْصَبِ، كَمَا يَقُولُ أُولِيَاسْتْرُو وَبِيرِيرِيُوسُ، بَلْ مِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا، إِذْ لَا تَسْمَحُ لِي بِالِاسْتِقْرَارِ فِي أَيِّ مَكَانٍ، بَلْ تَطْرُدُنِي بِاسْتِمْرَارٍ مِنْ مِنْطَقَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَتَجْعَلُنِي مَنْفِيًّا وَشَرِيدًا، مِنَ الْأَرْضِ وَبِالتَّالِي مِنَ النَّاسِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: تَجْعَلُنِي مَبْغُوضًا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، فَلَا أَجْرُؤُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَتَنَازَلُونَ لِلنَّظَرِ إِلَيَّ.

أَخْتَفِي عَنْ وَجْهِكَ

كَمُذْنِبٍ أَفِرُّ مِنْ حَضْرَةِ اللهِ الدَّيَّانِ، وَأَبْحَثُ عَنْ مَخَابِئَ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَأُولِيَاسْتْرُو؛ ثَانِيًا، سَأُحْرَمُ مِنْ عِنَايَتِكَ وَرِضَاكَ وَحِمَايَتِكَ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَكَايِتَانُوسُ. وَمِنْ ثَمَّ لَا حَاجَةَ لِلُّجُوءِ مَعَ دِيلْرِيُو إِلَى الْقَلْبِ فِي التَّعْبِيرِ هُنَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «سَتُخْفِي وَجْهَكَ عَنِّي حَتَّى لَا تَنْظُرَ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ رَاضِيَتَيْنِ.» فَيَقُولُ قَايِنُ إِذَنْ، كَمَا يُعَبِّرُ لِيبُومَانُوسُ تَعْبِيرًا جَمِيلًا: هَا أَنْتَ، يَا رَبُّ، قَدْ أَخَذْتَ مِنِّي ثِمَارَ الْأَرْضِ، وَأَخَذْتَ نِعْمَتَكَ وَحِمَايَتَكَ، وَتَرَكْتَنِي لِنَفْسِي، لَا أَجْرُؤُ عَلَى الِاقْتِرَابِ مِنْكَ طَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ؛ سَأَخْتَفِي عَنْكَ، سَأَفِرُّ مِنْ حُكْمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، سَأَكُونُ تَائِهًا وَمُضْطَرِبًا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَإِنْ لَمْ تُلَاحِقْنِي أَنْتَ، فَكُلُّ مَنْ يَجِدُنِي مِنْ سِوَاكَ سَيَقْتُلُنِي، وَلَنْ أَسْتَطِيعَ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِي.

فَكُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي

لَاحِظْ هُنَا فِي قَايِنَ آثَارَ الْخَطِيئَةِ وَعُقُوبَاتِهَا. وَهِيَ سِتٌّ. الْأُولَى ارْتِعَاشُ الْجَسَدِ؛ وَالثَّانِيَةُ الْمَنْفَى وَالْفِرَارُ؛ وَالثَّالِثَةُ الْخَوْفُ وَذُهُولُ النَّفْسِ. «كُلُّ مَنْ»، يَقُولُ، «وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي.» مِمَّنْ تَخَافُ، يَا قَايِنُ؟ سِوَاكَ وَسِوَى وَالِدَيْكَ لَا يُوجَدُ بَعْدُ إِنْسَانٌ آخَرُ فِي الْعَالَمِ. لَقَدْ سَقَطَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ بِالْخَطِيئَةِ؛ وَمِنْ هُنَا الْعِقَابُ وَالِارْتِعَاشُ: وَلَيْسَ بِلَا سَبَبٍ. فَأَوَّلًا، هَابِيلُ نَفْسُهُ، مَعَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، بَدَأَ يُلَاحِقُ الْقَاتِلَ: «صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ»، يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ، «يَصْرُخُ إِلَيَّ.» لِأَنَّ «اللهَ»، يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، «يَسْمَعُ أَبْرَارَهُ، حَتَّى وَهُمْ أَمْوَاتٌ، لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللهِ.»

لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ سَيَفْهَمُ مِنِ ارْتِعَاشِ جَسَدِي وَاضْطِرَابِ نَفْسِيَ الْمُتَهَيِّجَةِ أَنَّنِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ، كَمَا يَقُولُ إِيرُونِيمُوسُ، الرِّسَالَةُ ١٢٥، إِلَى دَمَشْقِيُّوسَ، الْمَسْأَلَةُ ١، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا مَنْبُوذٌ، أَنَا مَلْعُونٌ، أَنَا مَبْغُوضٌ مِنَ اللهِ وَمِنَ النَّاسِ، وَلَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أَنْجُوَ مِنْ أَنْ يَقْتُلَنِي أَحَدُهُمْ. هَا هُوَ النَّذِيرُ، هَا هُوَ رُعْبُ الضَّمِيرِ السَّيِّئِ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، الْبَارُّ يَثِقُ كَالْأَسَدِ وَيَقُولُ: «حَتَّى لَوْ سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ، لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ مَعِي»، الْمَزْمُورُ ٢٢، الْآيَةُ ٤.

مُلَاحَظَةٌ: قَايِنُ فِي عَدَمِ تَوْبَتِهِ خَافَ الْمَوْتَ — لَا مَوْتَ النَّفْسِ بَلْ مَوْتَ الْجَسَدِ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.

رَابِعًا، لَاحَقَتِ الْأَرْضُ نَفْسُهَا قَايِنَ: «صَوْتُ الدَّمِ يَصْرُخُ إِلَيَّ مِنَ الْأَرْضِ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ عَفَا عَنْكَ أَخُوكَ، فَالْأَرْضُ لَا تَعْفُو عَنْكَ، يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: هَذِهِ الْأَرْضُ الْمَلْعُونَةُ مِنْ أَجْلِ قَايِنَ تَحْرِمُهُ الثِّمَارَ، وَتَطْرُدُهُ كَشَرِيدٍ.

خَامِسًا، أَلْقَتِ الْكَائِنَاتُ السَّمَاوِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الْقُوَى الْمَوْضُوعَةُ تَحْتَ السَّمَاءِ، الرُّعْبَ فِي قَايِنَ؛ إِذْ كَمَا يَقُولُ بْرُوكُوبْيُوسُ، فَضْلًا عَنِ الْبُرُوقِ وَالْوَمَضَاتِ الْمُرَوِّعَةِ، كَانَ قَايِنُ يَرَى مَلَائِكَةً يُهَدِّدُونَهُ بِالْمَوْتِ بِسُيُوفٍ نَارِيَّةٍ: وَإِذَا خَفَضَ عَيْنَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، كَانَ يَرَى — فِيمَا يَبْدُو لَهُ — حَيَّاتٍ بِسُمُومِهَا، وَأُسُودًا بِمَخَالِبِهَا، وَسَائِرَ الْوُحُوشِ تَهْجُمُ عَلَيْهِ بِأَسْلِحَتِهَا.

سَادِسًا، كَانَ قَايِنُ شَرِيدًا عَلَى الْأَرْضِ، وَأَخِيرًا، إِذْ كَانَ مُخْتَبِئًا فِي الْغَابَاتِ (إِنْ صَدَّقْنَا الْعِبْرَانِيِّينَ)، قَتَلَهُ لَامَكُ؛ وَسَأَتَكَلَّمُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ٢٣. أَلَيْسَ صَحِيحًا إِذَنْ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، أَنَّ «الْخَطِيئَةَ جُنُونٌ طَوْعِيٌّ وَشَيْطَانٌ مُخْتَارٌ بِالْإِرَادَةِ»؟


الْآيَةُ ١٥: لَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ

لَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ: بَلْ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُ قَايِنَ يُنْتَقَمُ مِنْهُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ. فَفِي مَوْضِعِ «سَبْعَةَ أَضْعَافٍ» يَرِدُ فِي الْعِبْرِيَّةِ شِبْعَاتَايِمْ، وَقَدْ تَرْجَمَهَا أَكِيلَا بِـ«سَبْعَ مَرَّاتٍ»؛ وَتَرْجَمَهَا السَّبْعُونِيَّةُ وَثِيُودُوتِيُونُ بِـ«سَبْعَةَ انْتِقَامَاتٍ»، كَأَنَّمَا يُقَالُ: مَنْ يَقْتُلُ قَايِنَ سَيُعَاقَبُ عِقَابًا مُضَاعَفًا وَشَدِيدًا لِلْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيَكُونُ قَاتِلًا ثَانِيًا اتَّبَعَ الْمِثَالَ الشَّرِيرَ لِقَايِنَ بِوَصْفِهِ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ، وَلَمْ تَرْدَعْهُ عُقُوبَتُهُ الصَّارِمَةُ عَنِ الْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتُلُ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ قَايِنَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ عَهْدَ الْحَيَاةِ، وَالَّذِي يُرِيدُ اللهُ أَنْ يَبْقَى حَيًّا عُقُوبَةً وَعِبْرَةً لِلْجَمِيعِ، إِذِ الْحَيَاةُ ذَاتُهَا عَذَابٌ لَهُ وَالْمَوْتُ عَزَاؤُهُ: فَأَنْ يَعِيشَ طَوِيلًا لَيْسَ شَيْئًا آخَرَ سِوَى أَنْ يُعَذَّبَ طَوِيلًا.

وَمِنْ هُنَا يَرَى بُورْجِنْسِيسُ بِحَقٍّ أَنَّ عُقُوبَةً أَشَدَّ مُتَوَعَّدٌ بِهَا هُنَا عَلَى قَاتِلِ قَايِنَ أَكْثَرَ مِنْ قَايِنَ نَفْسِهِ، لِلْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ. وَيُنْكِرُ ذَلِكَ لِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ وَالْكَرْتُوزِيُّ وَبِيرِيرِيُوسُ؛ وَلِذَلِكَ يُنْكِرُونَ أَنَّهُمْ يُقَارَنُونَ هُنَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُنَقِّطُونَ النَّصَّ وَيُمَيِّزُونَهُ هَكَذَا: «كُلُّ مَنْ يَقْتُلُ قَايِنَ» — يُفْهَمُ: سَيُعَاقَبُ أَشَدَّ عِقَابٍ — نُقْطَةٌ. ثُمَّ يُضِيفُونَ: «يُنْتَقَمُ مِنْهُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ»، أَيْ مِنْ قَايِنَ؛ أَوْ كَمَا تَرْجَمَ سِيمَاخُوسُ: «السَّابِعُ يُعَاقَبُ»، أَيْ قَايِنُ، لِأَنَّهُ فِي الْجِيلِ السَّابِعِ، أَيْ عَلَى يَدِ لَامَكَ، يُعْتَقَدُ أَنَّ قَايِنَ قَدْ قُتِلَ، بَعْدَ أَنْ أُبْقِيَ حَيًّا حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ عُقُوبَةً وَعِبْرَةً. لَكِنَّ هَذَا التَّنْقِيطَ أَخْرَقُ وَمُبْتَدَعٌ وَمُفَكَّكٌ: وَلِذَلِكَ فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ هُوَ الصَّحِيحُ. وَأَضِفْ أَنَّ الْعِبْرِيَّ شِبْعَاتَايِمْ لَا يَعْنِي «السَّابِعَ» كَمَا تَرْجَمَ سِيمَاخُوسُ، بَلْ «سَبْعَةَ أَضْعَافٍ».

وَوَضَعَ الرَّبُّ عَلَى قَايِنَ عَلَامَةً

تَسْأَلُ: أَيُّ نَوْعٍ مِنَ الْعَلَامَاتِ؟ يَخْتَلِقُ بَعْضُ الْحَاخَامَاتِ أَنَّهَا كَانَتْ كَلْبًا كَانَ يَسِيرُ دَائِمًا أَمَامَ قَايِنَ وَيَقُودُهُ فِي طُرُقٍ آمِنَةٍ. وَيَقُولُ آخَرُونَ إِنَّهَا كَانَتْ حَرْفًا مَطْبُوعًا عَلَى جَبْهَةِ قَايِنَ؛ وَآخَرُونَ إِنَّهَا كَانَتْ وَجْهًا شَرِسًا وَمُتَوَحِّشًا. لَكِنَّ الرَّأْيَ الْأَكْثَرَ شُيُوعًا هُوَ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ كَانَتْ ارْتِعَادَ الْجَسَدِ وَذُهُولَ الْعَقْلِ وَالْوَجْهِ، بِحَيْثُ إِنَّ جَسَدَهُ وَوَجْهَهُ كَانَا يَنْطِقَانِ بِخَطِيئَتِهِ. فَإِنَّ هَذَا الِارْتِعَادَ كَانَ فِي قَايِنَ، وَهَذَا وَاضِحٌ مِنَ السَّبْعُونِيَّةِ؛ وَكَانَ لَائِقًا بِقَايِنَ: «إِذْ لَا يَسْكُنُ عَقْلٌ مَرِيضٌ فِي مَكَانٍ أَسْوَأَ مِنْ جَسَدٍ صَحِيحٍ.»

وَيُضِيفُ يُوسِيفُوسُ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَنَّ قَايِنَ ازْدَادَ سُوءًا وَصَارَ فِي النِّهَايَةِ زَعِيمًا لِلُّصُوصِ وَالنَّذَالَةِ، فِي مَدِينَةِ حَنُوكَ الَّتِي أَسَّسَهَا.


الْآيَةُ ١٦: سَكَنَ شَرِيدًا فِي الْأَرْضِ

سَكَنَ شَرِيدًا فِي الْأَرْضِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: «سَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ.» وَكَذَلِكَ فِي السَّبْعُونِيَّةِ وَعِنْدَ يُوسِيفُوسَ اللَّذَيْنِ أَخَذَا «نُودَ» اسْمَ عَلَمٍ؛ أَمَّا نَصُّنَا اللَّاتِينِيُّ فَأَخَذَهُ اسْمًا عَامًّا؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ: إِذْ إِنَّ «نُودَ» تَعْنِي «التَّائِهَ» وَ«الْمُضْطَرِبَ» وَ«الْمُتَقَلِّبَ» وَ«الشَّرِيدَ». فَهَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي فَرَّ إِلَيْهَا قَايِنُ أَوَّلًا سُمِّيَتْ «نُودَ»، لَا كَأَنَّ أَيَّ أَرْضٍ يَطَأُهَا قَايِنُ بِقَدَمَيْهِ كَانَتْ تَهْتَزُّ وَتَرْتَجِفُ، كَمَا تَخَيَّلَ بَعْضُ الْحَاخَامَاتِ؛ بَلْ سُمِّيَتْ أَرْضَ نُودٍ، كَأَنَّكَ تَقُولُ: «أَرْضُ الشُّرُودِ» الَّتِي فَرَّ إِلَيْهَا قَايِنُ الشَّرِيدُ.


الْآيَةُ ١٧: امْرَأَتَهُ

امْرَأَتَهُ — ابْنَةَ آدَمَ، وَبِالتَّالِي أُخْتَهُ. فَفِي بِدَايَةِ الْعَالَمِ كَانَ لَا بُدَّ لِلْأَخَوَاتِ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ الْإِخْوَةَ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ، وَهُوَ أَمْرٌ مَحْظُورٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، حَتَّى إِنَّ الْحَبْرَ الْأَعْظَمَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْطِيَ إِعْفَاءً فِي هَذَا الشَّأْنِ.

بَنَى — لَيْسَ حِينَئِذٍ، بَلْ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ (نَحْوَ ٤٠٠ أَوْ ٥٠٠ سَنَةٍ)، كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ، حِينَ كَانَ قَايِنُ قَدْ وَلَدَ بَالِفِعْلِ أَبْنَاءً وَبَنَاتٍ وَأَحْفَادًا كَثِيرِينَ يَسْتَطِيعُونَ مَلْءَ مَدِينَةِ حَنُوكَ. وَكَذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ الثَّامِنِ. وَرَمْزِيًّا، يَقُولُ نَفْسُ الْمُؤَلِّفِ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ، الْفَصْلِ الْأَوَّلِ: «وُلِدَ الْبِكْرُ قَايِنُ مِنْ ذَيْنِكَ الْأَبَوَيْنِ لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، مُنْتَمِيًا إِلَى مَدِينَةِ النَّاسِ؛ وَالثَّانِي هَابِيلُ إِلَى مَدِينَةِ اللهِ. وَهَكَذَا فِي الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلِّهِ، حِينَ بَدَأَتْ هَاتَانِ الْمَدِينَتَانِ تَسِيرَانِ عَبْرَ الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ، كَانَ الْمَوْلُودُ الْأَوَّلُ مُوَاطِنًا لِهَذَا الدَّهْرِ؛ أَمَّا الثَّانِي فَكَانَ غَرِيبًا فِي الدَّهْرِ، مُنْتَمِيًا إِلَى مَدِينَةِ اللهِ، مُقَدَّرًا بِالنِّعْمَةِ، مُخْتَارًا بِالنِّعْمَةِ، غَرِيبًا فِي الْأَسْفَلِ بِالنِّعْمَةِ، مُوَاطِنًا فِي الْأَعْلَى بِالنِّعْمَةِ.» وَبَعْدَ قَلِيلٍ: «فَقَدْ كُتِبَ إِذًا عَنْ قَايِنَ أَنَّهُ بَنَى مَدِينَةً: أَمَّا هَابِيلُ فَكَغَرِيبٍ لَمْ يَبْنِ وَاحِدَةً. لِأَنَّ مَدِينَةَ الْقِدِّيسِينَ هِيَ فِي الْأَعَالِي، وَإِنْ كَانَتْ تَلِدُ مُوَاطِنِينَ هُنَا فِي الْأَرْضِ، حَيْثُ تَكُونُ غَرِيبَةً حَتَّى يَأْتِيَ زَمَنُ مَلَكُوتِهَا، حِينَ تَمْلِكُ مَعَ رَئِيسِهَا، مَلِكِ الدُّهُورِ، بِلَا نِهَايَةٍ لِلزَّمَنِ.»

وَدَعَاهَا بِاسْمِ ابْنِهِ حَنُوكَ — أَيْ «حَنُوكِيَّةَ». كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فِي الْعَالَمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَايِنَ سَكَنَ فِيهَا، وَلِذَلِكَ كَفَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرِيدًا وَتَائِهًا قُرْبَ نِهَايَةِ حَيَاتِهِ: إِلَّا أَنَّ ارْتِعَادَ الْجَسَدِ ظَلَّ مُلَازِمًا لَهُ دَائِمًا.

تُرُوبُولُوجِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلِ السَّادِسِ: يَخْتَارُ الْأَشْرَارُ مَدِينَتَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَالْأَخْيَارُ فِي السَّمَاءِ: لَكِنِ انْظُرْ كَمْ هُوَ قَصِيرٌ عُمُرُ الْأَشْرَارِ وَفَرَحُهُمْ: لَمْ يَكُنْ لِقَايِنَ سِوَى سَبْعَةِ أَجْيَالٍ تَنْتَهِي بِلَامَكَ، الَّذِي فَنِيَتْ فِيهِ سُلَالَتُهُ بِأَكْمَلِهَا فِي الطُّوفَانِ.


الْآيَةُ ١٩: امْرَأَتَيْنِ

امْرَأَتَيْنِ. كَانَ لَامَكُ أَوَّلَ مُتَعَدِّدِ الزَّوْجَاتِ، وَقَدِ انْتَهَكَ شَرِيعَةَ الزَّوْجَةِ الْوَاحِدَةِ الْمُقَرَّرَةَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ ٢: ٢٤. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْبَابَا نِيقُولَاسَ، إِذْ كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ لُوثَارَ الَّذِي كَانَ بِدَوْرِهِ مُتَعَدِّدَ الزَّوْجَاتِ، دَعَا لَامَكَ زَانِيًا، كَمَا يُوجَدُ فِي الْقَرَارِ أَلَمْ، ٢٤، الْمَسْأَلَةُ ٣.

بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ كَانَتْ حَيَاةُ الْبَشَرِ أَقْصَرَ، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى نُوحٍ مَعَ أُسْرَتِهِ، وَلِكَيْلَا يَتَكَاثَرَ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، أَعْفَى اللهُ فَسَمَحَ بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ. وَهَذَا وَاضِحٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ، وَهُمَا رَجُلَانِ فِي غَايَةِ الْقَدَاسَةِ، كَانَ لَهُمَا عِدَّةُ زَوْجَاتٍ. لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تَكَاثَرَ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، بَدَأَ الْمُتَحَضِّرُونَ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ وَالْيُونَانِيِّينَ وَالرُّومَانِ يَنْبُذُونَ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ تَدْرِيجِيًّا، وَأَخِيرًا أَلْغَاهُ الْمَسِيحُ بِالْكَامِلِ فِي مَتَّى ١٩: ٤.


الْآيَةُ ٢١: أَبُو (يُوبَالُ)

أَبُو — أَيْ مُخْتَرِعٌ، مُبْتَكِرٌ؛ فَيُوبَالُ إِذًا، ابْنُ لَامَكَ، كَانَ مُخْتَرِعَ الْأُرْغُنِ وَالْقِيثَارَةِ؛ وَمِنْ هَذَا يُوبَالَ، الَّذِي كَانَ فَرِحًا وَمُبْتَهِجًا وَمَرِحًا، يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللَّاتِينَ اسْتَمَدُّوا كَلِمَتَيْهِمْ يُوبِيلَارِي («الِابْتِهَاجُ») وَيُوبِيلُومْ («الْجَذَلُ»).


الْآيَةُ ٢٢: طَارِقٌ وَحَدَّادٌ

الَّذِي كَانَ طَارِقًا وَحَدَّادًا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ — أَيِ الَّذِي كَانَ مُخْتَرِعَ صَنْعَةِ الْحِدَادَةِ. وَالنَّصُّ الْعِبْرِيُّ حَرْفِيًّا: «الَّذِي كَانَ شَاحِذًا»، أَيْ «صَاقِلًا لِجَمِيعِ أَعْمَالِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ.»


الْآيَةُ ٢٣: لِأَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا

لِأَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا وَفَتًى. تَسْأَلُ: مَنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ وَمَنْ كَانَ الْفَتَى؟ يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ، وَمِنْهُمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَرَابَانُوسُ وَلِيرَانُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ وَكَاجِيتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَدِلْرِيُو، أَنَّ لَامَكَ قَتَلَ قَايِنَ جَدَّهُ الْأَعْلَى بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ: ذَهَبَ لَامَكُ لِلصَّيْدِ فِي الْغَابَةِ الَّتِي كَانَ قَايِنُ قَدِ انْسَحَبَ إِلَيْهَا إِمَّا لِلتَّمَشِّي أَوْ لِلتَّمَتُّعِ بِالْهَوَاءِ الْعَلِيلِ. وَلَمَّا لَاحَظَ رَفِيقُهُ أَوْ حَامِلُ سِلَاحِهِ حَفِيفَ الْأَوْرَاقِ وَحَرَكَتَهَا الَّتِي كَانَ يُسَبِّبُهَا قَايِنُ، أَخْبَرَ لَامَكَ بِأَنَّ وَحْشًا يَخْتَبِئُ هُنَاكَ. فَرَمَى لَامَكُ رُمْحَهُ وَقَتَلَ، لَا وَحْشًا، بَلْ قَايِنَ. وَلَمَّا اكْتُشِفَ الْأَمْرُ، غَضِبَ لَامَكُ غَضَبًا شَدِيدًا عَلَى حَامِلِ سِلَاحِهِ الَّذِي أَعْطَاهُ الْمَعْلُومَةَ الْخَاطِئَةَ، فَضَرَبَهُ بِقَوْسٍ أَوْ هِرَاوَةٍ؛ وَمَاتَ حَامِلُ السِّلَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ. فَقَتَلَ لَامَكُ رَجُلًا، وَهُوَ قَايِنُ، وَفَتًى، وَهُوَ حَامِلُ سِلَاحِهِ. وَلَا تَعْتَرِضُ الْآيَةُ ١٥؛ فَإِنَّ اللهَ هُنَاكَ نَهَى فَقَطْ عَنْ قَتْلِ قَايِنَ عَلَنًا وَعَنْ عِلْمٍ: أَمَّا لَامَكُ فَقَتَلَ قَايِنَ بِالصُّدْفَةِ وَبِجَهْلٍ.

غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّقْلِيدَ يَبْدُو خُرَافِيًّا عِنْدَ ثِيُودُورِيطُسَ وَبُورْجِنْسِيسَ وَكَاثَارِينُوسَ وَأُولِيَاسْتِرَ: وَسَيَظْهَرُ كَذَلِكَ بِحَقٍّ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الظُّرُوفُ الَّتِي يُضِيفُهَا بَعْضُهُمْ، مِثْلُ أَنَّ قَايِنَ كَانَ يُقِيمُ وَيَخْتَبِئُ لَا فِي مَدِينَتِهِ حَنُوكَ بَلْ فِي الْغَابَاتِ؛ وَأَنَّ لَامَكَ كَانَ أَعْمَى أَوْ ضَعِيفَ الْبَصَرِ وَمَعَ ذَلِكَ ذَهَبَ لِلصَّيْدِ، وَبِسَبَبِ عَمَاهُ انْخَدَعَ مِنْ رَفِيقِهِ أَوْ حَامِلِ سِلَاحِهِ فَطَعَنَ قَايِنَ؛ وَأَنَّ هَذَا الرَّفِيقَ أَوْ حَامِلَ السِّلَاحِ كَانَ تُوبَالَ قَايِنَ ابْنَ لَامَكَ، الَّذِي كَانَ مُوسَى بِالتَّأْكِيدِ سَيُسَمِّيهِ هُنَا، وَكَذَلِكَ لَامَكُ الْأَبُ.

مِنَ الْمُؤَكَّدِ إِذًا أَنَّ لَامَكَ قَتَلَ رَجُلًا مَا، أَيًّا كَانَ. ثُمَّ، وَإِنْ كَانَ ثِيُودُورِيطُسُ وَرُوبِرْتُوسُ يَعْتَقِدَانِ أَنَّ لَامَكَ قَتَلَ وَاحِدًا فَقَطْ، يُدْعَى «رَجُلًا» فِي الْأُنْشُودَةِ وَالْقَافِيَةِ الْعِبْرِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ، وَ«فَتًى» بِاعْتِبَارِ السِّنِّ (فَإِنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ فِي الشِّعْرِ الْمَوْزُونِ يُعِيدُونَ وَيُوَضِّحُونَ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي)، إِلَّا أَنَّ غَيْرَهُمْ يُعَلِّمُونَ عُمُومًا أَنَّ لَامَكَ قَتَلَ اثْنَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا يُدْعَى هُنَا «رَجُلًا» وَالْآخَرُ «فَتًى»، وَكَمَا هُوَ فِي الْعِبْرِيَّةِ يِلِدْ، أَيْ «صَبِيٌّ»؛ وَالصَّبِيُّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْعَى رَجُلًا.

عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، أَخْطَأَ رَجُلٌ عَالِمٌ عِنْدَ إِمَّانُوِيلَ سَا حِينَ تَرْجَمَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ اسْتِفْهَامِيًّا وَفَسَّرَهَا هَكَذَا: لَمَّا سَمِعَ لَامَكُ أَنَّهُ يُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِسُوءٍ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ زَوْجَتَيْنِ، وَلَمَّا خَافَتَا أَنْ يَحِلَّ بِهِ شَرٌّ بِسَبَبِ ذَلِكَ، قَالَ: هَلْ قَتَلْتُ أَيَّ رَجُلٍ حَتَّى تَخَافِي عَلَى حَيَاتِي؟ إِنْ كَانَ قَاتِلُ قَايِنَ سَيُعَاقَبُ بِشِدَّةٍ، فَكَمْ بِالْأَحْرَى مَنْ يَقْتُلُنِي! فَإِنَّ الْعِبْرِيَّ وَنَصَّنَا اللَّاتِينِيَّ وَالسَّبْعُونِيَّةَ وَالْكَلْدَانِيَّ وَغَيْرَهُمْ يَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَقْرِيرِيًّا لَا اسْتِفْهَامِيًّا. وَأَخْطَأَ أَيْضًا فَاتَابْلُوسُ حِينَ تَرْجَمَهَا شَرْطِيًّا بِهَذَا الشَّكْلِ: لَوْ تَلَقَّيْتُ جُرْحًا مِنْ أَيِّ رَجُلٍ مَهْمَا كَانَ قَوِيًّا، أَوْ مِنْ فَتًى ذِي قُوَّةٍ، لَقَتَلْتُهُ؛ فَأَنَا قَوِيٌّ بِبَأْسِي؛ فَلَا سَبَبَ إِذًا يَا زَوْجَتَيَّ لِلْخَوْفِ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَوْلَادِكُمَا بِسَبَبِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ.

لِجُرْحِي، وَفَتًى لِرَضِّي

أَيْ بِجُرْحِي، بِرَضِّي، أَوْ بِالْجُرْحِ وَالرَّضِّ الَّذِي ضَرَبْتُهُ وَأَنْزَلْتُهُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ. ثَانِيًا، يُفَسِّرُ آخَرُونَ ذَلِكَ هَكَذَا، كَأَنَّمَا يَقُولُ: بِالْجُرْحِ الَّذِي طَعَنْتُ بِهِ الرَّجُلَ، أَدْمَيْتُ نَفْسِي؛ وَبِالضَّرْبَةِ الَّتِي رَضَضْتُ بِهَا الْفَتَى، جَلَبْتُ رَضًّا مُظْلِمًا عَلَى رُوحِي — أَيْ وَصْمَةَ الْقَتْلِ وَإِثْمَهُ الَّذِي بِسَبَبِهِ أَسْتَحِقُّ أَنْ أُهْلَكَ بِجُرْحٍ وَرَضٍّ مُمَاثِلَيْنِ. وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَتِ السَّبْعُونِيَّةُ: «قَتَلْتُ رَجُلًا لِجُرْحِي، وَفَتًى لِرَضِّي.» فَهَذَا هُوَ مَا يَتَوَعَّدُ بِهِ الرَّبُّ دَاوُدَ الْقَاتِلَ: «قَدْ ضَرَبْتَ أُورِيَّا بِالسَّيْفِ، فَلِذَلِكَ لَا يُفَارِقُ السَّيْفُ بَيْتَكَ إِلَى الْأَبَدِ»، الْمُلُوكُ الثَّانِي الْإِصْحَاحُ الثَّانِيَ عَشَرَ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْقَتَلَةَ، إِذْ يُرْعِبُهُمْ ضَمِيرُهُمْ، يَكُونُونَ دَائِمًا خَائِفِينَ، تُفْزِعُهُمُ الظِّلَالُ، تُرَوِّعُهُمْ أَشْبَاحُ الْمَوْتَى الَّتِي تُلَاحِقُ قَاتِلِيهَا وَتَسُوقُهُمْ إِلَى الْمَوْتِ. وَيُورِدُ صُفْرُونِيُوسُ مَثَلًا بَارِزًا فِي الْمَرْجِ الرُّوحِيِّ، الْفَصْلِ ١٦٦، عَنْ لِصٍّ اهْتَدَى وَصَارَ رَاهِبًا، وَكَانَ يَرَى بِاسْتِمْرَارٍ صَبِيًّا يَقْتَرِبُ مِنْهُ وَيَقُولُ: «لِمَاذَا قَتَلْتَنِي؟» وَمِنْ ثَمَّ طَلَبَ الصَّفْحَ وَغَادَرَ الدَّيْرَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقُبِضَ عَلَيْهِ وَقُطِعَ رَأْسُهُ. هَذَا التَّفْسِيرُ أَعْمَقُ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَبْسَطُ.


الْآيَةُ ٢٤: سَبْعَةُ أَضْعَافٍ انْتِقَامٌ

سَبْعَةُ أَضْعَافٍ يُنْتَقَمُ لِقَايِنَ، أَمَّا لِلَامَكَ فَسَبْعُونَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.

أَوَّلًا، يَأْخُذُ رُوبِرْتُوسُ «سَبْعَةَ أَضْعَافٍ» بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وَ«سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ الْأَبَدِيَّةِ. ثَانِيًا، لِأَنَّ لَامَكَ، كَمَا يَشْهَدُ يُوسِيفُوسُ، كَانَ لَهُ ٧٧ نَسْلًا، هَلَكُوا جَمِيعًا فِي الطُّوفَانِ. ثَالِثًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَمِنْهُ الْبَابَا نِيقُولَاسُ إِلَى لُوثَارَ وَبْرُوكُوبِيُوسُ: إِنَّ خَطِيئَةَ قَايِنَ انْتُقِمَ لَهَا سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، وَخَطِيئَةَ لَامَكَ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ، لِأَنَّ خَطِيئَةَ قَايِنَ مُحِيَتْ فِي الْجِيلِ السَّابِعِ بِالطُّوفَانِ؛ أَمَّا خَطِيئَةُ لَامَكَ وَالْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ بِأَسْرِهِ، الَّذِي كَانَ لَامَكُ رَمْزًا لَهُ (وَالَّذِي يَعْنِي بِالْعِبْرِيَّةِ «الْمُذَلَّلَ» كَمَا يَقُولُ أَلْكُوِينُوسُ)، فَقَدْ مُحِيَتْ فِي الْجِيلِ السَّابِعِ وَالسَّبْعِينَ، أَيْ بِالْمَسِيحِ: إِذْ هَذَا هُوَ عَدَدُ الْأَجْيَالِ مِنْ آدَمَ إِلَى الْمَسِيحِ، لُوقَا ٣: ٢٣.

وَتَقْرُبُ مِنْ هَذَا التَّرْجَمَةُ الْكَلْدَانِيَّةُ الَّتِي تَقْرَأُ هَكَذَا: إِنْ كَانَ فِي سَبْعَةِ أَجْيَالٍ يُنْتَقَمُ لِقَايِنَ، أَفَلَا يُنْتَقَمُ لِلَامَكَ فِي سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ؟ لَكِنَّ لَامَكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْعَدَدُ مِنَ الْأَجْيَالِ: فَقَدْ هَلَكَ هُوَ نَفْسُهُ مَعَ كُلِّ ذُرِّيَّتِهِ فِي الطُّوفَانِ.

رَابِعًا، يُفَسِّرُ لِيبُومَانُوسُ وَدِلْرِيُو وَآخَرُونَ هَكَذَا: يَبْدُو أَنَّ زَوْجَتَيْ لَامَكَ عَيَّرَتَاهُ بِقَتْلَيْهِ، مُهَدِّدَتَيْنِ بِأَنَّهُ أَيْضًا سَيُقْتَلُ مِنْ قِبَلِ آخَرِينَ بِالْمِثْلِ. فَأَجَابَ لَامَكُ: «لِأَنِّي قَتَلْتُ» — أَيْ نَعَمْ قَتَلْتُ، أَعْتَرِفُ، رَجُلًا وَفَتًى، وَأَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ؛ لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ، إِنْ كَانَ قَاتِلُ قَايِنَ (الَّذِي كَانَ قَاتِلًا مُتَعَمِّدًا) يُعَاقَبُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، فَبِالتَّأْكِيدِ قَاتِلِي (أَنَا الَّذِي لَسْتُ سِوَى قَاتِلٍ بِالصُّدْفَةِ وَبِغَيْرِ إِرَادَةٍ، وَالَّذِي أَتُوبُ عَنْ فِعْلِي) سَيُعَاقَبُ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ، أَيْ بِصُورَةٍ أَشَدَّ بِكَثِيرٍ: فَأَنَا قَتَلْتُ قَايِنَ عَنْ جَهْلٍ؛ وَحَامِلَ سِلَاحِي إِنَّمَا أَرَدْتُ تَأْدِيبَهُ لَا قَتْلَهُ.

لَكِنِّي أَقُولُ، فِي مَوْضِعِ «يُنْتَقَمُ لِقَايِنَ وَلَامَكَ»، يُوجَدُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يُقَّمْ قَايِنْ وَلَامَكْ، أَيْ يُنْتَقَمُ مِنْ قَايِنَ نَفْسِهِ وَلَامَكَ وَيُعَاقَبَانِ: فَهَكَذَا يَتَرْجِمُ نَصُّنَا اللَّاتِينِيُّ وَالسَّبْعُونِيَّةُ وَغَيْرُهُمَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْآيَةِ ١٥. فَلَيْسَ الِانْتِقَامُ هُنَا مُتَوَعَّدًا بِهِ عَلَى قَاتِلِ قَايِنَ وَلَامَكَ، بَلْ عَلَى قَايِنَ وَلَامَكَ أَنْفُسِهِمَا. فَلَامَكُ إِذًا، مِنْ شِدَّةِ حُزْنِهِ وَتَوْبَتِهِ عَنِ الْقَتْلِ الْمُزْدَوَجِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، يَقُولُ: إِنْ كَانَ قَايِنُ الَّذِي قَتَلَ وَاحِدًا عُوقِبَ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، أَيْ مُضَاعَفًا وَشَدِيدًا وَتَامًّا؛ فَأَنَا الَّذِي قَتَلْتُ اثْنَيْنِ، وَالَّذِي رَأَيْتُ عُقُوبَةَ قَايِنَ وَلَمْ أَمْتَنِعْ عَنْ خَطِيئَتِهِ، يَجِبُ أَنْ أُعَاقَبَ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ، أَيْ بِصُورَةٍ أَشَدَّ وَأَكْثَرَ مُضَاعَفَةً بِكَثِيرٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ.

فَإِنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ وَمَثَلٌ مَأْلُوفَانِ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ، بِحَيْثُ يَقُولُونَ «يُعَاقَبُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ» بِمَعْنَى يُعَاقَبُ بِشِدَّةٍ وَتَمَامٍ وَبِأَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ؛ وَ«يُعَاقَبُ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» بِمَعْنَى يُعَاقَبُ بِصُورَةٍ أَشَدَّ بِكَثِيرٍ وَأَوْفَرَ وَكَأَنَّهُ بِلَا حَدٍّ. فَإِنَّ الرَّقْمَ سَبْعَةً هُوَ رَقْمُ الْكَثْرَةِ وَالشُّمُولِ؛ أَمَّا سَبْعُونَ مَرَّةً سَبْعَةً فَهُوَ رَقْمُ اللَّامَحْدُودِيَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمَسِيحُ فِي مَتَّى ١٨: ٢٢: «لَا أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.»

ثَانِيًا، بِتَحْدِيدٍ أَكْثَرَ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ: عُوقِبَ قَايِنُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ سَبْعَ خَطَايَا. الْأُولَى: عَدَمُ التَّقْوَى، إِذْ قَدَّمَ الْأَدْنَى. الثَّانِيَةُ: عَدَمُ التَّوْبَةِ. الثَّالِثَةُ: الْحَسَدُ. الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ بِمَكْرٍ اقْتَادَ أَخَاهُ إِلَى الْحَقْلِ. الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ قَتَلَهُ. السَّادِسَةُ: أَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللهِ قَائِلًا إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ أَخُوهُ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْفِرَارَ وَالِاخْتِبَاءَ مِنَ اللهِ، وَأَنَّهُ بِدُونِ عِلْمِ اللهِ وَرَغْمًا عَنْهُ ظَنَّ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقْتَلَ وَيَمُوتَ، فَيَنْجُوَ مِنْ عُقُوبَةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ. لَكِنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ أَلْطَفُ وَأَدَقُّ مِمَّا هُوَ رَاسِخٌ.

يَرَى أَلْكَازَارُ فِي رُؤْيَا يُوحَنَّا ١١: ٢، الْمُلَاحَظَةِ الْأُولَى، أَنَّ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ هُوَ نَفْسُهُ ٤٩٠: فَإِنَّ هَذَا الرَّقْمَ مَشْهُورٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَيُعْتَبَرُ تَامًّا وَكَامِلًا؛ فَإِنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَ ٧٠ فِي ٧ حَصَلْتَ عَلَى ٤٩٠. فَعِنْدَمَا نَقُولُ «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَرْبَعَةً» نَعْنِي اثْنَيْ عَشَرَ؛ وَإِلَّا لَقُلْنَا «ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً». لَكِنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يَبْدُو أَلْطَفَ، وَهَذَا الرَّقْمَ أَكْبَرُ مِمَّا يَنْبَغِي. فَكَمَا نَقُولُ «عِشْرِينَ مَرَّةً ثَلَاثَةً» بِمَعْنَى ٢٣ مَرَّةً، كَذَلِكَ «سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَةً» بِمَعْنَى ٧٧ مَرَّةً. وَعِبَارَةٌ مُمَاثِلَةٌ فِي عَامُوسَ الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَاتِ ٦، ٩، ١١: «مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِ غَزَّةَ الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ لَنْ أَرْجِعَ عَنْهُ.» فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ تُشِيرُ إِلَى جَرَائِمِ غَزَّةَ الَّتِي لَا تُحْصَى.

يُسَجِّلُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هَذِهِ الْأُمُورَ عَنْ لَامَكَ بُغْضًا فِي تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَالْقَتْلِ؛ وَلِكَيْ نَعْلَمَ أَنَّ أَوَّلَ مُعَدِّدِ الزَّوْجَاتِ لَامَكَ كَانَ أَيْضًا ثَانِيَ قَاتِلٍ: فَإِنَّ السُّقُوطَ مِنَ الشَّهْوَةِ إِلَى الْمُشَاجَرَاتِ وَالْقَتْلِ سَهْلٌ.

فِي رَأْيِ هِسِّيُوسَ، يَتَبَاهَى لَامَكُ بِسَبَبِ أَبْنَائِهِ الَّذِينَ كَانُوا مُخْتَرِعِينَ لِفُنُونٍ نَافِعَةٍ جِدًّا: أَنَّ قَايِنَ سَلَفَهُ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى الْقَتْلِ، فَبِالْأَحْرَى لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَاقَبَ هُوَ لَوِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً مُمَاثِلَةً. فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتْلًا ارْتُكِبَ فِعْلًا مِنْ قِبَلِهِ، بَلْ هِيَ كَلِمَاتُ رَجُلٍ شَدِيدِ الْوَقَاحَةِ وَالْكُفْرِ. عِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَدْرَجَهَا مُوسَى مِنْ قَصِيدَةٍ قَدِيمَةٍ: فَإِنَّ الْخِطَابَ كُلَّهُ يَفُوحُ بِسُمُوٍّ شِعْرِيٍّ مَا. فَمَعْنَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ سَيَكُونُ: إِنْ كَانَ بِسَبَبِ قَتْلِ رَجُلٍ أَوْ فَتًى تُتَوَعَّدُ عَلَيَّ بِالْجِرَاحِ وَالضَّرَبَاتِ، فَبِمَا أَنَّ عُقُوبَةً سَبْعَةَ أَضْعَافٍ قُرِّرَتْ لِقَايِنَ، فَفِي لَامَكَ سَتَكُونُ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَيَرَى هِرْدِرُ فِي كِتَابِهِ «عَنْ طَبِيعَةِ الشِّعْرِ الْعِبْرِيِّ»، الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، صَفْحَةِ ٣٤٤، أَنَّ أُنْشُودَةَ لَامَكَ هَذِهِ تُمَجِّدُ السَّيْفَ الَّذِي اخْتَرَعَهُ ابْنُهُ، وَتُعْلِنُ اسْتِعْمَالَهُ وَتَفَوُّقَهُ ضِدَّ هَجَمَاتِ الْآخَرِينَ الْعِدَائِيَّةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «يَا نِسَاءَ لَامَكَ، اسْمَعْنَ كَلَامِي، أَصْغِينَ لِأَقْوَالِي: أَقْتُلُ الرَّجُلَ الَّذِي يَجْرَحُنِي، وَالْفَتَى الَّذِي يَضْرِبُنِي. إِنْ كَانَ قَايِنُ يُنْتَقَمُ لَهُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ، فَفِي لَامَكَ سَيَكُونُ ذَلِكَ سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.»


الْآيَةُ ٢٥: شِيثُ

«وَدَعَتِ» — لَيْسَ آدَمُ بَلْ حَوَّاءُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ مِقْرَا وَهُوَ مُؤَنَّثٌ. «اسْمَهُ شِيثَ.» وَشِيثُ يَعْنِي نَفْسَ مَعْنَى «ثِيسِيسَ» أَيِ الْوَضْعَ أَوِ الْأَسَاسَ؛ فَإِنَّ الْجَذْرَ شُوتْ يَعْنِي «يَضَعُ» وَ«يُؤَسِّسُ». فَحَوَّاءُ إِذًا، بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ، يَبْدُو أَنَّهَا وَلَدَتْ شِيثَ سَرِيعًا، وَسَمَّتْهُ هَكَذَا بِاعْتِبَارِهِ أَسَاسَ نَسْلِهَا وَذُرِّيَّتِهَا، وَبِالتَّالِي أَسَاسَ الْجَمَاعَةِ وَكَذَلِكَ الْكَنِيسَةِ وَمَدِينَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ شِيثَ كَانَ سَيَكُونُ هَذَا بَدَلًا مِنْ هَابِيلَ، كَمَا كَانَ قَايِنُ رَأْسًا وَأَسَاسًا لِمَدِينَةِ إِبْلِيسَ، وَهُوَ مَا كَتَبَ عَنْهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي كِتَابِهِ مَدِينَةُ اللهِ. وَيُضِيفُ سُويْدَاسُ أَنَّ شِيثَ لُقِّبَ بِـ«اللهِ» بِسَبَبِ تَقْوَاهُ وَحِكْمَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالنُّجُومِ، إِذْ كَانَ مُخْتَرِعَ الْحُرُوفِ وَعِلْمِ الْفَلَكِ.

وَفَوْقَ ذَلِكَ، كَانَ الْهَرَاطِقَةُ الشِّيثِيُّونَ حَمْقَى، إِذِ افْتَخَرُوا بِأَنَّهُمْ مُنْحَدِرُونَ مِنْ شِيثَ ابْنِ آدَمَ. هَؤُلَاءِ، كَمَا يَقُولُ إِبِيفَانِيُوسُ فِي الْبِدَعِ ٣٩، مَجَّدُوا شِيثَ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَضِيلَةِ وَالْعَدَالَةِ، بَلْ زَعَمُوا أَنَّهُ هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. فَقَدِ ادَّعَوْا أَنَّ شِيثَ أُنْتِجَ مِنْ أُمٍّ سَمَاوِيَّةٍ تَابَتْ لِأَنَّهَا أَنْجَبَتْ قَايِنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ وَطَرْدِ قَايِنَ، اتَّحَدَتْ بِالْأَبِ السَّمَاوِيِّ وَوَلَدَتْ نَسْلًا طَاهِرًا وَهُوَ شِيثُ نَفْسُهُ الَّذِي انْحَدَرَ مِنْهُ الْجِنْسُ الْبَشَرِيُّ كُلُّهُ. تِلْكَ كَانَتْ هَذَيَانَاتِ الْهَرَاطِقَةِ الْمُعْتَادَةَ.


الْآيَةُ ٢٦: هَذَا ابْتَدَأَ يَدْعُو

أَنُوشُ فِي الْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي الضَّعِيفَ، الْمُتَأَلِّمَ، الْبَائِسَ، الْيَائِسَ مِنْ صِحَّتِهِ، الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ الْمُؤَكَّدِ. فَيَبْدُو إِذًا أَنَّ شِيثَ سَمَّى ابْنَهُ هَكَذَا لِكَيْ يُذَكِّرَهُ وَذُرِّيَّتَهُ بِمَصِيرِهِمُ الْبَائِسِ وَفَنَائِهِمُ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْنَا جَمِيعًا بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ. فَكَمَا أَنَّ آدَمَ سُمِّيَ مِنْ أَدَمَا، كَأَنَّ «الْإِنْسَانَ» مِنَ «التُّرَابِ»، كَذَلِكَ سُمِّيَ أَنُوشُ مِنَ الْبُؤْسِ وَالْفَنَاءِ. وَبِالْعَكْسِ، الْإِنْسَانُ فِي الْيُونَانِيَّةِ يُدْعَى أَنْثْرُوبُوسْ، كَأَنَّهُ أَنَاثْرُونْ، أَيِ النَّاظِرُ إِلَى الْأَعْلَى؛ أَوْ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ فِي رِسَالَتِهِ عَنِ التَّعْرِيفَاتِ، مِنْ كَوْنِهِ يُحَدِّقُ إِلَى الْأَعْلَى بِوَجْهِهِ.

ثَانِيًا، يُمْكِنُ أَنْ يُدْعَى الْإِنْسَانُ أَنُوشَ مِنَ الْجَذْرِ نَسَا، أَيْ «نَسِيَ»، بِحَيْثُ يَعْنِي أَنُوشُ النَّاسِي، وَبِالتَّالِي سَرِيعُ الِانْحِدَارِ إِلَى النِّسْيَانِ. وَإِلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ يُلَمِّحُ الْمُرَنِّمُ فِي الْمَزْمُورِ الثَّامِنِ: «مَا هُوَ الْإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟»

وَيَتَّصِلُ بِهَذَا مَا يَكْتُبُهُ يُوسِيفُوسُ مِنْ أَنَّ آدَمَ تَنَبَّأَ بِفَنَاءِ الْعَالَمِ وَالْبَشَرِيَّةِ، وَأَنَّهُ مُزْدَوَجٌ: أَحَدُهُمَا بِالطُّوفَانِ وَالْآخَرُ بِالنَّارِ وَالْحَرِيقِ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَحْفَادَ شِيثَ الْأَتْقِيَاءَ وَالْحُكَمَاءَ أَقَامُوا عَمُودَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْآجُرِّ وَالْآخَرُ مِنَ الْحَجَرِ، وَنَقَشُوا عَلَيْهِمَا أَوْ ضَمَّنُوا فِيهِمَا اكْتِشَافَاتِهِمْ وَفُنُونَهُمْ وَعُلُومَهُمْ، لِتَعْلِيمِ الْأَجْيَالِ اللَّاحِقَةِ وَحِفْظِ ذِكْرَاهُمْ لِلْأَجْيَالِ الْمُقْبِلَةِ؛ وَذَلِكَ بِخُطَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ عَمُودُ الْآجُرِّ فِي الطُّوفَانِ، بَقِيَ عَمُودُ الْحَجَرِ. وَهَذَا الْعَمُودُ، كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ، لَا يَزَالُ مَوْجُودًا فِي سُورِيَّا.

هَذَا ابْتَدَأَ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ

كَأَنَّمَا يُقَالُ: كَانَ أَنُوشُ صَاحِبَ الْفَضْلِ فِي أَنْ يَعْبُدَ النَّاسُ فِي كُلِّ مَكَانٍ اللهَ عِبَادَةً لَائِقَةً. وَمِنْ هُنَا فَالْعِبْرِيُّ يَقُولُ: حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ، أَيْ عَلَنِيًّا وَفِي جَمَاعَاتٍ، بِتَوْجِيهٍ مِنْ أَنُوشَ، بِدَعْوَةِ اسْمِ الرَّبِّ. فَفِي زَمَنِ أَنُوشَ إِذًا يَبْدُو أَنَّ جَمَاعَاتِ النَّاسِ أُسِّسَتْ وَبَدَأَتْ تَجْتَمِعُ فِي الْكَنِيسَةِ، لِلصَّلَوَاتِ الْعَامَّةِ وَالْوَعْظِ الْعَامِّ وَالتَّعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ، وَلِعِبَادَةِ اللهِ الْعَلَنِيَّةِ بِالذَّبَائِحِ وَسَائِرِ الطُّقُوسِ وَالشَّعَائِرِ.

وَيُضِيفُ تُومَاسُ الْوَالْدِنْسِيُّ، وَمِنْهُ بِلَّارْمِينُو فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَنِ الرُّهْبَانِ، الْفَصْلِ الْخَامِسِ، أَنَّ أَنُوشَ أَسَّسَ عِبَادَةً خَاصَّةً أَسْمَى مِنْ دِيَانَةِ الْعَامَّةِ: فَإِنَّ هَابِيلَ وَشِيثَ وَآدَمَ كَانُوا قَبْلَ أَنُوشَ قَدْ دَعَوُا اللهَ بَالِفِعْلِ. وَمِنْ هُنَا يَرَوْنَ أَنَّ أَنُوشَ أَسَّسَ مَا يُشْبِهُ تَمْهِيدًا وَبِدَايَةً لِلْحَيَاةِ الرُّهْبَانِيَّةِ وَالنُّسْكِيَّةِ. ثُمَّ إِنَّ السَّبْعُونِيَّةَ تَتَرْجِمُ: «هَذَا رَجَا أَنْ يَدْعُوَ بِاسْمِ الرَّبِّ.» فَإِنَّ الْعِبْرِيَّ هُوخَلْ لَا يَعْنِي فَقَطْ «ابْتَدَأَ» بَلْ أَيْضًا «رَجَا»، مِنَ الْجَذْرِ يَحِلْ؛ وَالرَّجَاءُ سَبَبُ الدُّعَاءِ.

وَيُخْطِئُ الْحَاخَامَاتُ فِي تَرْجَمَتِهِمْ: «حِينَئِذٍ دُنِّسَتْ دَعْوَةُ اسْمِ الرَّبِّ»، كَأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ بَدَأَتْ فِي زَمَنِ أَنُوشَ. فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ هُوخَلْ مِنَ الْجَذْرِ خُولْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ «دَنَّسَ»، إِلَّا أَنَّهُ هُنَا لَا يَنْحَدِرُ مِنْ خُولْ بَلْ مِنْ خَلَلْ، الَّذِي فِي الْهِفْعِيلِ هِخِيلْ وَيَعْنِي «ابْتَدَأَ، شَرَعَ»؛ وَفِي الْهُفْعَلِ هُوخَلْ، أَيْ «ابْتُدِئَ»، كَمَا يَتَرْجِمُ نَصُّنَا اللَّاتِينِيُّ مَعَ الْكَلْدَانِيِّ وَفَاتَابْلُوسَ وَفُورْسْتِرُوسَ وَبَانْيِينُوسَ وَغَيْرِهِمْ عُمُومًا. وَلَا يُصِيبُ أَيْضًا كِيرِلُّسُ وَثِيُودُورِيطُسُ وَسُويْدَاسُ فِي تَرْجَمَتِهِمْ: «هَذَا ابْتَدَأَ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ»، كَأَنَّ لَقَبَ «أَبْنَاءِ اللهِ» أُعْطِيَ لِأَنُوشَ نَفْسِهِ بِسَبَبِ تَقْوَاهُ الْبَارِزَةِ تِجَاهَ اللهِ، وَكَذَلِكَ لِأَبْنَائِهِ.

الرَّبِّ

فِي الْعِبْرِيَّةِ هُوَ الِاسْمُ ذُو الْأَحْرُفِ الْأَرْبَعَةِ «يَهْوَهْ». وَمِنْ هُنَا يَعْتَقِدُ رُوبِرْتُوسُ وَكَاجِيتَانُوسُ وَآخَرُونَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ أُوحِيَ لِآدَمَ وَأَنُوشَ، وَأَنَّهُمَا دَعَوَا اللهَ بِهِ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ ذَا الْأَحْرُفِ الْأَرْبَعَةِ أُوحِيَ أَوَّلًا لِمُوسَى، كَمَا سَأَقُولُ عِنْدَ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٦: ٣. فَمُوسَى إِذًا الَّذِي كَتَبَ هَذِهِ الْأُمُورَ، بَعْدَ أَنْ تَلَقَّى هَذَا الِاسْمَ مِنَ اللهِ فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ ٦، يَسْتَعْمِلُهُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ السَّابِقَةِ، حَتَّى فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، لِمُخَاطَبَةِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ آدَمُ وَأَنُوشُ وَسَائِرُ الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ لَمْ يُخَاطِبُوا اللهَ بِـ«يَهْوَهْ» بَلْ بِـ«إِلُوهِيمْ» أَوْ «أَدُونَايْ».

يَرَى الْقِدِّيسُ تُومَا الْأَكْوِينِيُّ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي، الْمَسْأَلَةِ ٩٤، الْمَادَّةِ ٤، الْجَوَابِ ٢، أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عِبَادَةُ أَوْثَانٍ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْعَالَمِ، بِسَبَبِ حَدَاثَةِ ذِكْرَى خَلْقِ الْعَالَمِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ لَيْسَتْ قَاطِعَةً تَمَامًا: فَإِنَّ حَدَاثَةَ ذِكْرَى الطُّوفَانِ وَعُقُوبَةِ اللهِ الْعَظِيمَةِ تِلْكَ لَمْ تَمْنَعْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ مِنَ التَّسَلُّلِ مِنْ جَدِيدٍ سَرِيعًا. وَلِذَلِكَ يَرَى تُورْنِيلُّوسُ وَآخَرُونَ أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَتَّى فِي ذَلِكَ الْحِينِ فِي عَائِلَاتٍ أُخْرَى مِنْ آدَمَ؛ وَأَنَّ أَنُوشَ قَابَلَهَا بِالْعِبَادَةِ الْعَلَنِيَّةِ لِلْإِلَهِ الْوَاحِدِ، وَبِذَلِكَ أَسَّسَ الشَّكْلَ الْمَرْئِيَّ لِلْكَنِيسَةِ الْمُقَدَّسَةِ.