كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ الْخَامِسُ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ

يُنْسَجُ نَسَبُ آدَمَ مِنْ خِلَالِ شِيثَ إِلَى نُوحَ، وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: أَوَّلًا، لِكَيْ يُرْسَمَ بِهِ تَأْرِيخُ الْعَالَمِ، وَامْتِدَادُ انْتِشَارِهِ إِلَيْنَا؛ وَلِذَلِكَ يُتَتَبَّعُ مِنْ خِلَالِ شِيثَ، إِذْ كُلُّنَا مِنْ نَسْلِهِ — لِأَنَّ سَائِرَ أَبْنَاءِ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ هَلَكُوا فِي الطُّوفَانِ. ثَانِيًا، لِكَيْ نَرَى أَنَّ اللهَ حَفِظَ فِي كُلِّ زَمَانٍ كَنِيسَتَهُ وَعِبَادَتَهُ وَتَقْوَاهُ فِي بَعْضِ النَّاسِ، كَمَا حَفِظَهَا هُنَا فِي شِيثَ وَذُرِّيَّتِهِ. ثَالِثًا، لِكَيْ يَثْبُتَ نَسَبُ الْمَسِيحِ مِنْ نُوحَ إِلَى آدَمَ، الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ لُوقَا فِي الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ، الْآيَةِ ٣٥.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ 5:1-32

١. هَذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ. فِي يَوْمِ خَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ، عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. ٢. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا، وَبَارَكَهُمَا، وَدَعَا اسْمَهُمَا آدَمَ، يَوْمَ خُلِقَا. ٣. وَعَاشَ آدَمُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ ابْنًا عَلَى صُورَتِهِ وَشَبَهِهِ، وَدَعَا اسْمَهُ شِيثَ. ٤. وَكَانَتْ أَيَّامُ آدَمَ بَعْدَ مَا وَلَدَ شِيثَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٥. فَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ٦. وَعَاشَ شِيثُ مِائَةً وَخَمْسَ سِنِينَ، وَوَلَدَ أَنُوشَ. ٧. وَعَاشَ شِيثُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَنُوشَ ثَمَانِمِائَةٍ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٨. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ. ٩. وَعَاشَ أَنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ قِينَانَ. ١٠. وَعَاشَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ ثَمَانِمِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١١. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ أَنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ. ١٢. وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ. ١٣. وَعَاشَ قِينَانُ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٤. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ قِينَانَ تِسْعَمِائَةٍ وَعَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ. ١٥. وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ يَارِدَ. ١٦. وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ بَعْدَ مَا وَلَدَ يَارِدَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٧. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِمِائَةٍ وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ١٨. وَعَاشَ يَارِدُ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَخْنُوخَ. ١٩. وَعَاشَ يَارِدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَخْنُوخَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٠. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ يَارِدَ تِسْعَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ٢١. وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ. ٢٢. وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ؛ وَعَاشَ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٣. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ أَخْنُوخَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. ٢٤. وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، لِأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ. ٢٥. وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ مِائَةً وَسَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ لَامَكَ. ٢٦. وَعَاشَ مَتُوشَالَحُ بَعْدَ مَا وَلَدَ لَامَكَ سَبْعَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٧. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ مَتُوشَالَحَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ. ٢٨. وَعَاشَ لَامَكُ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ ابْنًا. ٢٩. وَدَعَا اسْمَهُ نُوحَ، قَائِلًا: «هَذَا يُعَزِّينَا مِنْ أَعْمَالِنَا وَتَعَبِ أَيْدِينَا مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَعَنَهَا الرَّبُّ.» ٣٠. وَعَاشَ لَامَكُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نُوحَ خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٣١. وَكَانَتْ جَمِيعُ أَيَّامِ لَامَكَ سَبْعَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ. وَكَانَ نُوحُ ابْنَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَوَلَدَ سَامًا وَحَامًا وَيَافِثَ.


الْآيَةُ ١: كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ

«كِتَابٌ» — أَيْ سِجِلٌّ وَسَرْدٌ وَإِحْصَاءٌ لِلْأَجْيَالِ مِنْ آدَمَ إِلَى نُوحَ؛ إِذْ هَذَا هُوَ مَعْنَى الْعِبْرِيِّ سَفَر، مِنَ الْجَذْرِ سَافَر، أَيْ «عَدَّ وَأَحْصَى». وَبِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ يُسَمِّيهِ مَتَّى فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ كِتَابًا، أَيْ سِجِلَّ مِيلَادِ الْمَسِيحِ أَوْ نَسَبِهِ.

«عَلَى شَبَهِ اللهِ» — عَلَى صُورَتِهِ هُوَ. إِذِ الْعِبْرِيُّونَ كَثِيرًا مَا يَضَعُونَ الْمُبْهَمَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ النِّسْبِيِّ.


الْآيَةُ ٢: دَعَا اسْمَهُمَا آدَمَ

دَعَا اسْمَهُمَا آدَمَ — مِنَ الْعِبْرِيِّ أَدَامَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَمَّاهُمَا «إِنْسَانًا» مِنَ «التُّرَابِ» الَّذِي خُلِقَا مِنْهُ. فَحَوَّاءُ إِذَنْ هِيَ أَيْضًا آدَمُ، أَيِ «الْإِنْسَانُ». أَعْطَى اللهُ اسْمًا وَاحِدًا لِكِلَيْهِمَا، لِيَعْلَمَ الزَّوْجَانِ أَنَّهُمَا كَأَنَّهُمَا إِنْسَانٌ وَاحِدٌ فِي جَسَدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّحِدَا بِالرُّوحِ وَالْإِرَادَةِ كَمَا اتَّحَدَا فِي الاسْمِ. ثَانِيًا، يُذَكِّرُهُمَا اسْمُ آدَمَ بِأَنَّهُمَا أَبْنَاءُ الْأَرْضِ — حَقِيرَانِ، مَعْجُونَانِ مِنَ الطِّينِ، هَشَّانِ، فَانِيَانِ، وَمَصِيرُهُمَا الْعَوْدَةُ إِلَى التُّرَابِ. تَذَكَّرْ يَا آدَمُ أَنَّكَ أَدَامَا، أَيْ تُرَابٌ وَرَمَادٌ، وَإِلَى التُّرَابِ تَعُودُ.


الْآيَةُ ٣: وَلَدَ عَلَى صُورَتِهِ

وَلَدَ (ابْنًا) عَلَى صُورَتِهِ وَشَبَهِهِ — أَيْ شَبِيهًا بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا فِي الْخَطِيئَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا يُفَسِّرُ كَالْفِينُ، بَلْ فِي الطَّبِيعَةِ، أَيْ فِي الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ وَفِي النَّفْسِ النَّاطِقَةِ، إِذْ كَانَ شِيثُ كَآدَمَ سَوَاءً صُورَةً لِلَّهِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَةِ ٢٧.


الْآيَةُ ٥: عَاشَ آدَمُ تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً

عَاشَ آدَمُ تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَمَاتَ. لَاحِظْ أَوَّلًا: مِنْ آدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ، عَبْرَ شِيثَ، عَشَرَةُ أَجْيَالٍ، وَهَذَا هُوَ عَصْرُ الْعَالَمِ الْأَوَّلُ.

لَاحِظْ ثَانِيًا: هَذِهِ السِّنُونَ كَانَتْ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا كَسِنِينَنَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ الثَّامِنِ الْآيَةِ الْخَامِسَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ شَهْرِيَّةً كَمَا يَرَى بَعْضُهُمْ — أَيْ لَوْ كَانَتِ السَّنَةُ الْوَاحِدَةُ شَهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ يَحْتَوِي عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا — لَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يُقَالُ إِنَّهُ أَنْجَبَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ أَنْجَبَ فِي الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالسَّبْعِينَ، وَبِالتَّالِي فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ؛ وَأَنَّ الْجَمِيعَ مَاتُوا قَبْلَ بُلُوغِهِمُ الثَّانِيَةَ وَالثَّمَانِينَ، وَهُوَ سِنٌّ يَتَجَاوَزُهُ كَثِيرُونَ حَتَّى الْيَوْمَ. هَكَذَا يَرَى الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ. أُقِرُّ بِأَنَّ قُدَمَاءَ الْمِصْرِيِّينَ كَانَتِ السَّنَةُ عِنْدَهُمْ شَهْرًا. فَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ دِيُودُورُوسُ الصِّقِلِّيُّ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ؛ وَفَارُو كَمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ لَاكْتَانْتِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ؛ وَبُلُوتَارْخُوسُ فِي «حَيَاةِ نُومَا»؛ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ؛ وَبُرُوكْلُوسُ فِي «شَرْحِ طِيمَاوُوسَ»، الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الصَّفْحَةِ ٣٣: «الْمِصْرِيُّونَ، يَقُولُ، كَانُوا يُسَمُّونَ الشَّهْرَ سَنَةً.» غَيْرَ أَنَّكَ لَا تَجِدُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عِنْدَ قُدَمَاءِ الْعِبْرِيِّينَ.

ثَالِثًا، يَتَّضِحُ مِنَ النَّصِّ الْعِبْرِيِّ وَمِنْ نُسْخَتِنَا اللَّاتِينِيَّةِ أَنَّ الْفَتْرَةَ مِنْ آدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ كَانَتْ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. هَكَذَا يَرَى الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَبِيدَا وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ السَّبْعِينِيَّةَ الَّتِي تَعُدُّ أَلْفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً (وَفْقَ الطَّبْعَةِ الَّتِي صَحَّحَهَا الْكَرْدِينَالُ كَارَافَّا) قَدْ وَقَعَ فِيهَا خَطَأٌ؛ إِذْ يَزِيدُ هَذَا الْعَدَدُ عَلَى الصَّوَابِ بِخَمْسِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَيَتَظَنَّنُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ أَنَّ مُتَنَطِّعًا مَا غَيَّرَ الرَّقْمَ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي هُنَا أَنْ يُفْهَمَ السُّنُونُ الشَّهْرِيَّةُ؛ إِذْ بَدَا غَيْرَ مَأْلُوفٍ وَمُثِيرًا لِلدَّهْشَةِ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدْ عَاشُوا آنَذَاكَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى بِدَوْرِهِ أَنَّهُ قَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَتِ السُّنُونُ شَهْرِيَّةً، فَإِنَّ مَنْ يُقَالُ إِنَّهُمْ وَلَدُوا فِي السَّنَةِ الْمِائَةِ قَدْ وَلَدُوا فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ بِحِسَابِنَا — وَلِلتَّخَلُّصِ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ وَضَعَ ٢٠٠ عِوَضًا عَنْ ١٠٠.

رَابِعًا، مَاتَ آدَمُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِ لَامَكَ أَبِي نُوحَ، قَبْلَ الطُّوفَانِ بِسَبْعِمِائَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدْ شَهِدَ انْتِشَارَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلِّهِ الْمُنْحَدِرِ مِنْهُ وَانْحِطَاطَهُ. يُضِيفُ الْقِدِّيسُ إِيرِينِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ الْفَصْلِ الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ أَنَّ آدَمَ مَاتَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ مِنَ الْأُسْبُوعِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ خُلِقَ آدَمُ وَأَخْطَأَ. إِذْ قَالَ لَهُ اللهُ: «فِي أَيِّ يَوْمٍ أَكَلْتَ مِنْهُ مَوْتًا تَمُوتُ»؛ وَلِذَلِكَ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، الْيَوْمَ الَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ...

الْمُتَرْجِمُونَ الْإِسْكَنْدَرِيُّونَ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْمَخْطُوطَاتِ الْعِبْرِيَّةِ فِي عَدَدِ السِّنِينَ جُزْئِيًّا وَيَخْتَلِفُونَ جُزْئِيًّا. يَتَّفِقُونَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى مَجْمُوعِ سِنِي الْحَيَاةِ؛ وَيَخْتَلِفُونَ فِي تَوْزِيعِهَا. إِذْ يَفْتَرِضُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمُقْدُورِ أَحَدٍ أَنْ يُنْجِبَ ذُرِّيَّةً قَبْلَ السَّنَةِ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ. وَمِنْ ثَمَّ، بَيْنَمَا يُعْطِي الْعِبْرِيُّونَ لِآدَمَ ١٣٠ سَنَةً قَبْلَ وِلَادَةِ شِيثَ وَ٨٠٠ بَعْدَهَا، يَضَعُ الْيُونَانِيُّونَ ٢٣٠ قَبْلَ شِيثَ وَ٧٠٠ فَقَطْ بَعْدَهُ. وَمَجْمُوعُ سِنِي الْحَيَاةِ يَتَسَاوَى: ٩٣٠. وَكَذَلِكَ يُعْطِي الْعِبْرِيُّونَ لِشِيثَ ١٠٥ سِنِينَ قَبْلَ وِلَادَةِ أَخْنُوخَ، وَالْيُونَانِيُّونَ ٢٠٥. وَعَلَى الْعَكْسِ يَفْتَرِضُ السَّامِرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِمُقْدُورِ أَحَدٍ أَنْ يُصْبِحَ أَبًا بَعْدَ السَّنَةِ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ، وَيُوَزِّعُ السِّنِينَ الَّتِي يُقَالُ إِنَّ الْآبَاءَ عَاشُوهَا وِفْقَ هَذَا الْمَبْدَأِ.

وَلِتَهْدِيدِ اللهِ مَعْنًى آخَرُ كَمَا قُلْتُ سَابِقًا. وَحَوَّاءُ، إِنْ صَدَّقْنَا مَارِيَانُوسَ سْكُوتُوسَ، عَاشَتْ عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَ زَوْجِهَا، وَمَاتَتْ فِي السَّنَةِ التِّسْعِمِائَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمُرِهَا وَمِنَ الْعَالَمِ.

خَامِسًا، التَّقْلِيدُ أَنَّ آدَمَ دُفِنَ فِي حَبْرُونَ. يَرْوِي يَعْقُوبُ الرُّهَاوِيُّ الَّذِي كَانَ أُسْتَاذًا لِلْقِدِّيسِ أَفْرَامَ (كَمَا نَقَلَهُ بَارْ صَلِيبِي فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ الْفَصْلِ الرَّابِعَ عَشَرَ) أَنَّ نُوحَ تَلَقَّى عِظَامَ آدَمَ إِلَى الْفُلْكِ بِتَقْوَى وَإِجْلَالٍ، وَبَعْدَ الطُّوفَانِ وَزَّعَهَا عَلَى أَبْنَائِهِ، وَأَعْطَى سَامًا الَّذِي آثَرَهُ عَلَى سَائِرِهِمْ جُمْجُمَةَ آدَمَ وَمَعَهَا أَرْضَ يَهُوذَا. وَكَانَ الْآبَاءُ الْأَقْدَمُونَ يَعْتَنُّونَ بِالدَّفْنِ وَيُكْرِمُونَهُ لِأَجْلِ خُلُودِ الْأَنْفُسِ الَّذِي كَانُوا يَضَعُونَهُ أَمَامَهُمْ بِإِيمَانٍ وَرَجَاءٍ أَكِيدَيْنِ. وَلِهَذَا كَانَتْ عَقِيدَةَ الْآبَاءِ الشَّائِعَةَ أَنَّ جُمْجُمَةَ آدَمَ دُفِنَتْ فِي جَبَلِ الْجُلْجُلَةِ، لِتُرَوَّى وَتُغْسَلَ وَتُحْيَا هُنَاكَ بِدَمِ الْمَسِيحِ الْمَصْلُوبِ. اسْمَعْ مِنْ بَيْنِ الشُّهُودِ تَرْتُولِيَانُوسَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ قَصِيدَتِهِ ضِدَّ مَارْكِيُونَ، الْفَصْلِ الرَّابِعِ:

الْجُلْجُلَةُ مَكَانٌ سُمِّيَ قَدِيمًا بِالْجُمْجُمَةِ:
هُنَا مَرْكَزُ الْأَرْضِ، هُنَا عَلَامَةُ النَّصْرِ،
عَظْمٌ عَظِيمٌ أَخْبَرَنَا أَجْدَادُنَا أَنَّهُ وُجِدَ هُنَا،
هُنَا أُخْبِرْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ الْأَوَّلَ كَانَ مَدْفُونًا،
هُنَا يَتَأَلَّمُ الْمَسِيحُ وَتَبْتَلُّ الْأَرْضُ بِدَمِهِ الطَّاهِرِ،
لِكَيْ يُغْسَلَ تُرَابُ آدَمَ الْقَدِيمِ الْمُخْتَلِطُ بِدَمِ الْمَسِيحِ
بِقُوَّةِ الْمَاءِ الْمُتَقَاطِرِ.

وَأَخِيرًا، قَدْ غُفِرَ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ خَطِيئَتُهُمَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ الْحِكْمَةِ الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ. اِفْهَمْ ذَلِكَ بِمَقْدَارِ مَا كَانَتْ هَذِهِ الْخَطِيئَةُ خَاصَّةً بِهِمَا شَخْصِيًّا، لَا بِمَقْدَارِ مَا كَانَتْ خَطِيئَةَ الطَّبِيعَةِ أَوِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلِّهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْخَطِيئَةَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ هِيَ لَنَا خَطِيئَةٌ أَصْلِيَّةٌ، تَنْتَقِلُ بِالتَّوْلِيدِ إِلَى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَمِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ لَا تُغْتَفَرُ.

نَجَاةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ. أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّقْلِيدَ يَقُولُ إِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ قَدْ خَلَصَا، وَهُوَ أَمْرٌ يَقِينِيٌّ لِدَرَجَةِ أَنَّ أَبِيفَانِيُوسَ وَفِيلَاسْتْرِيُوسَ وَأُغُسْطِينُوسَ وَسِوَاهُمْ أَدَانُوا الْإِنْكِرَاتِيِّينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ بِالضَّلَالِ. اُنْظُرْ أَلْفُونْسَ أَ كَاسْتْرُو تَحْتَ كَلِمَةِ «آدَمُ».

وَلِهَذَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ (فِي خُطْبَةٍ عَنِ الْآلَامِ)، وَأُغُسْطِينُوسُ هُنَا (السُّؤَالُ ١٦١)، وَأُورِيغِينُوسُ (الْمَقَالُ ٣٥ عَلَى مَتَّى)، وَسِوَاهُمْ، أَنَّ آدَمَ قَامَ مِنَ الْأَمْوَاتِ مَعَ الْمَسِيحِ مَتَّى الْإِصْحَاحُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ، مِنْ بَيْنِ الْقِدِّيسِينَ — بَلْ قَبْلَ سَائِرِهِمْ.

قَدْ تَسْأَلُ: لِمَ كَانَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ يَعِيشُونَ هَذَا الْعُمُرَ الطَّوِيلَ؟ يُعْطِي بِيرِيرِيُوسُ أَسْبَابًا مُتَعَدِّدَةً: أَوَّلًا، جَوْدَةُ الْبِنْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالْمِزَاجِ الْأَصْلِيَّانِ فِي الْبَشَرِ الْأَوَائِلِ؛ ثَانِيًا، الزُّهْدُ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ الِامْتِنَاعِ عَنِ اللَّحْمِ وَالْخَمْرِ؛ ثَالِثًا، الْقُوَّةُ الْأَصِيلَةُ لِلْأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَأَغْذِيَتِهَا، الَّتِي كَانَتْ فِي بَدَايَةِ خَلْقِهَا أَشَدَّ تَغْذِيَةً وَعُصَارَةً وَفَعَالِيَّةً بِكَثِيرٍ مِمَّا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ وَقَدْ نَضَبَتْ؛ رَابِعًا، عِلْمُ آدَمَ الَّذِي أَفْضَى بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَبِهِ عَرَفَ قُوَى الْأَعْشَابِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ مَعْرِفَةً أَوْسَعَ مِنْ أَطِبَّائِنَا؛ خَامِسًا، النُّجُومُ بِمُقَارَنَاتِهَا وَتَأْثِيرَاتِهَا الْمُسَاعِدَةِ؛ سَادِسًا، مَشِيئَةُ اللهِ وَتَعَاوُنُهُ الْخَفِيُّ، وَذَلِكَ لِكَيْ يَتَكَاثَرَ الْبَشَرُ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ، وَلِيَتَعَلَّمُوا بِالتَّجْرِبَةِ الطَّوِيلَةِ جَمِيعَ الْعُلُومِ وَالْفُنُونِ، وَلِيَنْقُلَ الْبَشَرُ الْأَوَائِلُ الْإِيمَانَ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ وَمَعْرِفَةَ اللهِ وَعِبَادَتَهُ إِلَى أَبْعَدِ الْخَلَفِ. وَمِنْ ثَمَّ يُرْجِعُ لِيبُومَانُوسُ هَذِهِ الطُّولَ حَيَاةِ أَكْثَرَ إِلَى مُعْجِزَةِ اللهِ مِنْهُ إِلَى الطَّبِيعَةِ.

لَاحِظْ: لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآبَاءِ الْأَلْفَ سَنَةٍ، لِنَرَى أَنَّ أَطْوَلَ عُمُرٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَا يَعْدُو نُقْطَةً صَغِيرَةً أَمَامَ الْأَبَدِيَّةِ. لِأَنَّ أَلْفَ سَنَةٍ فِي عَيْنَيِ اللهِ كَيَوْمٍ أَمْسٍ قَدْ مَضَى، الْمَزْمُورُ ٨٩: ٤.

«وَمَاتَ»

يُضَافُ هَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِتَرَى مَدَى فَاعِلِيَّةِ حُكْمِ الْمَوْتِ الَّذِي أَصْدَرَهُ اللهُ عَلَى آدَمَ حِينَ أَخْطَأَ، وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، الْإِصْحَاحُ الثَّالِثُ الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ؛ إِذْ كَمَا يَقُولُ الْحَكِيمُ فِي سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ الْآيَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: «هَذِهِ وَصِيَّةُ هَذَا الْعَالَمِ: مَوْتًا يَمُوتُ.» فَلْيُفَكِّرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا: وَعَنِّي أَيْضًا سَيُقَالُ عَمَّا قَرِيبٌ: «وَمَاتَ.» هَذَا هُوَ، أَوْ سَيَكُونُ، شِعَارِي وَشِعَارُ كُلِّ أَحَدٍ؛ هَذَا هُوَ النَّقْشُ عَلَى الشَّاهِدِ: عَاشَ كُورْنِيلِيُوسُ كَذَا مِنَ السِّنِينَ، وَفِي سَنَةِ كَذَا مَاتَ. «بِسُهُولَةٍ يَحْتَقِرُ كُلَّ شَيْءٍ مَنْ يُفَكِّرُ دَائِمًا أَنَّهُ سَيَمُوتُ،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ١٠٣.

الْإِمْبَرَاطُورُ سِيفِيرُوسُ، بِشَهَادَةِ دِيُو النِّيقَاوِيِّ فِي سِيرَتِهِ، أَمَرَ بِتَهْيِئَةِ جَرَّةٍ لِيُدْفَنَ فِيهَا، وَكَانَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدَيْهِ مِرَارًا قَائِلًا: «أَنْتِ سَتَحْتَضِنِينَ رَجُلًا لَمْ يَسَعْهُ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ»؛ وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْتَفِظَ بِذِكْرَى الْمَوْتِ.

وَلِلسَّبَبِ ذَاتِهِ، أَمَرَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الرَّحُومُ بَطْرِيرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ أَنْ تُشَيَّدَ لَهُ قُبَّةٌ لَكِنَّهَا تُتْرَكَ غَيْرَ مَكْتَمَلَةٍ؛ وَفِي الْأَعْيَادِ الرَّسْمِيَّةِ أَمَامَ جُمْهُورٍ مِنَ النَّاسِ، كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْعُمَّالُ: «قَبْرُكَ يَا سَيِّدُ لَا يَزَالُ غَيْرَ مَكْتَمَلٍ؛ فَأْمُرْ إِذَنْ أَنْ يُتِمُّوهُ أَخِيرًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ مَعْلُومٍ فِي أَيِّ سَاعَةٍ يَجِيءُ الْمَوْتُ.» كَذَا لَيُونْتِيُوسُ فِي سِيرَتِهِ. «غَيْرُ مَعْلُومٍ،» يَقُولُ سِينِيكَا فِي الرِّسَالَةِ ٢٦، «فِي أَيِّ مَكَانٍ يَنْتَظِرُكَ الْمَوْتُ؛ لِذَا انْتَظِرْهُ أَنْتَ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَنَحْنُ ذَاهِبُونَ إِلَى النَّوْمِ، لِنَقُلْ بِفَرَحٍ وَابْتِهَاجٍ: لَقَدْ عِشْتُ، وَالْمَسِيرَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي يَا إِلَهِي الرَّحِيمَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ.» تَعَلَّمْ إِذَنِ الْمَوْتَ: فَكِّرْ فِي الْأَبَدِيَّةِ. يَا أَبَدِيَّةُ! كَمْ أَنْتِ طَوِيلَةٌ يَا أَبَدِيَّةُ؛ كَمْ أَنْتِ أَبَدِيَّةٌ وَكَمْ أَنْتِ ثَابِتَةٌ يَا أَبَدِيَّةُ!


الْآيَةُ ١٢: قِينَانُ وَمَهْلَلْئِيلُ

«وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةً وَوَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ.»

مَهْلَلْئِيلُ، أَوْ كَمَا فِي الْعِبْرِيِّ مَحَلَلْئِيلُ، مَعْنَاهُ «مُسَبِّحُ اللهِ»؛ إِذْ حَلَل مَعْنَاهُ «سَبَّحَ»، وَ«إِيلَ» مَعْنَاهُ «اللهُ»: إِمَّا لِأَنَّ الِابْنَ كَانَ يُسَبِّحُ اللهَ بِاسْتِمْرَارٍ فَدُعِيَ مَحَلَلْئِيلَ؛ وَإِمَّا لِأَنَّ الْأَبَ قِينَانَ سَمَّاهُ عِنْدَ وِلَادَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ لِيُحَرِّضَ نَفْسَهُ وَابْنَهُ عَلَى دَوَامِ تَسْبِيحِ اللهِ، حَتَّى إِذَا نَادَى ابْنَهُ وَدَعَاهُ بِاسْمِ مَحَلَلْئِيلَ، كَانَ كَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقُولُ هَلِّلُويَا، أَيْ «سَبِّحُوا اللهَ»، أَوْ بِتَحْدِيدٍ أَدَقَّ هَالِّيلْ إِيلْ، أَيْ «سَبِّحِ اللهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ».

فِي الْأَجْيَالِ الْعَشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا تُعْطَى دَائِمًا سِنُونَ كَامِلَةٌ، كَأَنَّ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ وَلَدُوا أَبْنَاءَهُمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ تَامَّةٍ أَوْ فِي مَطْلَعِ السَّنَةِ التَّالِيَةِ أَوْ مَاتُوا فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ؛ مَعَ أَنَّهُ لَا يَكَادُ يُشَكُّ فِي أَنَّ أَوْقَاتَ الْإِنْجَابِ وَالْوَفَاةِ كَانَتْ مُتَنَوِّعَةً وَتَصَادَفَتْ فِي أَشْهُرٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى غَيْرِ انْتِظَامٍ. وَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ الْخُلُوصُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ أَيُّ اعْتِبَارٍ لِلْأَشْهُرِ الزَّائِدَةِ أَوِ النَّاقِصَةِ فِي السَّنَةِ، مِمَّا يَتَّضِحُ مَعَهُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ تَأْرِيخٍ دَقِيقٍ تَمَامًا مِنْ هَذِهِ الْبَيَانَاتِ.


الْآيَةُ ٢٢: سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ

٢٢. «سَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: عَاشَ أَخْنُوخُ بِقَدَاسَةٍ وَتَقْوَى بَالِغَتَيْنِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَسْتَحْضِرُ اللهَ أَبَدًا أَمَامَ عَيْنَيْهِ وَيُجِلُّهُ، وَلِذَلِكَ كَانَ دَائِمًا يَسِيرُ فِي كُلِّ عَمَلٍ بِغَايَةِ الْحَذَرِ وَغَايَةِ التَّهَذُّبِ وَغَايَةِ الْوَرَعِ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلَّهِ وَلِمَشِيئَةِ اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَمَا يَتَوَافَقُ رَجُلٌ يَمْشِي فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَا يُفَارِقُ صَدِيقَهُ أَوْ سَيِّدَهُ مَعَ ذَلِكَ الصَّدِيقِ أَوِ السَّيِّدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيَتَشَكَّلُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَتَرْجَمَتِ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «أَخْنُوخُ أَرْضَى اللهَ»، أَيْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، حَتَّى الْأَبْرَارِ الْقِدِّيسِينَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ.

التَّرْجُومُ الْأُورُشَلِيمِيُّ يُتَرْجِمُهَا: «خَدَمَ أَخْنُوخُ بِأَمَانَةٍ أَمَامَ الرَّبِّ»؛ وَالْعَرَبِيَّةُ: «سَلَكَ أَخْنُوخُ فِي اسْتِقَامَةٍ أَمَامَ اللهِ»؛ وَالْكَلْدَانِيَّةُ: «وَسَارَ أَخْنُوخُ فِي خَشْيَةِ اللهِ.» وَلِهَذَا السَّبَبِ أَخَذَهُ الرَّبُّ وَاخْتَطَفَهُ إِلَى نَفْسِهِ، بِوَصْفِهِ أَسْمَى مِنَ الْأَرْضِ، أَهْلًا لِلَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ — بَلْ مُخَالِطًا لَهُمْ.

وَمِنْ ثَمَّ ظَنَّ بَعْضُ الْيَهُودِ أَنَّ أَخْنُوخَ كَانَ مَلَاكًا مُتَجَسِّدًا. يَقُولُ هُوغُو الْكَرْدِينَالُ: يَسِيرُ وَرَاءَ الرَّبِّ التَّائِبُونَ الْمُتَوَاضِعُونَ؛ وَمَعَ الرَّبِّ، الرُّؤَسَاءُ الدِّينِيُّونَ الْأَقْدَاسُ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ؛ وَأَمَامَ الرَّبِّ، الْوَاعِظُونَ الْأَتْقِيَاءُ كَالْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ؛ وَمِنَ الرَّبِّ، الْمُرْتَدُّونَ وَالَّذِينَ يَخْدُمُونَ إِرَادَتَهُمْ وَهَوَاهُمْ؛ وَضِدَّ الرَّبِّ، الْمُتَكَبِّرُونَ الْعَاصُونَ كَالْيَهُودِ فِي لَاوِيِّينَ ٢٦: ٢.

يُضِيفُ بَعْضُهُمْ أَنَّ «السَّيْرَ مَعَ اللهِ» يَعْنِي الِانْخِرَاطَ فِي الْخِدْمَةِ الْعَامَّةِ لِلَّهِ وَأَدَاءَ الْوَظِيفَةِ الْكَهَنُوتِيَّةِ. فَهَكَذَا يَقُولُ اللهُ عَنْ عَالِي الرَّئِيسِ الْكَاهِنِ فِي الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ ٢: ٣٠: «تَكَلَّمْتُ فَقُلْتُ إِنَّ بَيْتَكَ وَبَيْتَ أَبِيكَ يَتَقَدَّمَانِ أَمَامِي» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «يَسِيرَانِ أَمَامِي.» وَفِي الْآيَةِ ٣٥: «أُقِيمُ لِنَفْسِي كَاهِنًا أَمِينًا إِلَخْ. وَسَيَسِيرُ أَمَامَ مَسِيحِي كُلَّ الْأَيَّامِ.» فَإِنَّ مِنْ وَاجِبِ الْكَهَنَةِ الِانْهِمَاكَ الدَّائِمَ مَعَ اللهِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالذَّبَائِحِ وَالْوَظَائِفِ الْمُقَدَّسَةِ؛ إِذْ هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْوُسَطَاءُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ أَخْنُوخَ كَانَ كَاهِنًا بِوَصْفِهِ رَأْسَ الْعَائِلَةِ.

فَنٌّ عَظِيمٌ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَسِيرُ مَعَ اللهِ — أَنْ تَسْتَحْضِرَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَأَنْ تَتَّحِدَ بِهِ، وَأَنْ تُطِيعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْ تَتَحَدَّثَ إِلَيْهِ كَثِيرًا، وَأَنْ تَسْتَعِينَ بِهِ، وَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ، وَأَنْ تُوجَّهَ مِنْهُ، وَأَنْ تَتَّحِدَ بِهِ كُلِّيًّا. مَنْ يَسِيرُ مَعَ اللهِ يَسِيرُ حَسَنًا مَعَ النَّاسِ؛ وَمَنْ لَا يَسِيرُ إِلَّا مَعَ النَّاسِ لَا يَسِيرُ حَسَنًا لَا مَعَ اللهِ وَلَا مَعَ النَّاسِ.

هَكَذَا سَارَ مَعَ اللهِ الْقِدِّيسُ بُولُسُ أَوَّلُ النُّسَّاكِ، مُقِيمًا فِي الصَّحْرَاءِ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَى الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ بَعْدَ الْمِائَةِ، وَقَدْ رَأَى الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ رُوحَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ بَيْنَ جُمُوعِ الْمَلَائِكَةِ وَجَمَاعَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.

سَلَكَ عَلَى خُطَاهُ الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ نَفْسُهُ، الَّذِي كَثِيرًا مَا أَدْرَكَهُ الشَّمْسُ الشَّارِقَةُ وَاقِفًا فِي الْمَوْضِعِ ذَاتِهِ يُرْسِلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ الَّذِي تَرَكَتْهُ فِيهِ وَهِيَ غَارِبَةٌ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ.

هَكَذَا كَانَ مَاكَارِيُوسُ يَتَعَامَلُ مَعَ اللهِ فِي السَّمَوَاتِ، وَكَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: «لَدَيْكَ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّؤَسَاءُ وَجَمِيعُ الْقُوَى الْعُلْوِيَّةِ وَالْكَرُوبِيمُ وَالسَّارَافِيمُ وَاللهُ صَانِعُ هَذِهِ كُلِّهَا؛ فَاسْكُنْ هُنَاكَ، وَلَا تَهْبِطْ دُونَ السَّمَوَاتِ، وَلَا تَقَعْ فِي الْأَفْكَارِ الدُّنْيَوِيَّةِ.» يَشْهَدُ بِذَلِكَ بَالَادِيُوسُ فِي «التَّارِيخِ اللَّاوُسِيِّ»، الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ.

هَكَذَا أَنُوفُ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ نَفْسِهِ، الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ: «لَمْ تَصْعَدْ إِلَى قَلْبِي، يَقُولُ، شَهْوَةٌ لِشَيْءٍ آخَرَ سِوَى اللهِ. لَمْ يُخْفِ اللهُ عَنِّي شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ الْأَرْضِيَّةِ؛ لَمْ أَنَمْ نَهَارًا وَلَمْ أَسْتَرِحْ لَيْلًا وَأَنَا أَطْلُبُ اللهَ؛ أَخَذْتُ كُلَّ طِلْبَةٍ مِنَ اللهِ فِي الْحَالِ. رَأَيْتُ مِرَارًا رَبَوَاتٍ تَقِفُ خِدْمَةً لِلَّهِ، رَأَيْتُ جُمُوعَ الْأَبْرَارِ. رَأَيْتُ جَمَاهِيرَ الشُّهَدَاءِ، رَأَيْتُ قَاعِدَةَ حَيَاةِ الرُّهْبَانِ؛ وَعَمَلُ الْجَمِيعِ كَانَ يُسَبِّحُ اللهَ. رَأَيْتُ الْأَبْرَارَ فَرِحِينَ إِلَى الْأَبَدِ.»

هَكَذَا سَارَ مَعَ اللهِ سِمْعَانُ الْعَمُودِيُّ وَيُوحَنَّا وَمَقَدُونِيُوسُ وَمَارْكِيَانُوسُ وَأَفْرَامُ وَعَدَدٌ لَا يُحْصَى مِنَ الْآخَرِينَ، الَّذِينَ كَتَبَ عَنْهُمْ إِيفَاغْرِيُوسُ فِي «سِيَرِ الْآبَاءِ» وَثِيُودُورِيطُوسُ فِي «مُحِبِّي اللهِ». يَا لَهُمْ مِنْ مَلَائِكَةٍ أَرْضِيِّينَ سُعَدَاءَ!

كَانَ أَخْنُوخُ إِذَنْ نَبِيًّا، وَقَدْ كَتَبَ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَشْهِدُ بِهَا الْقِدِّيسُ يَهُوذَا فِي رِسَالَتِهِ؛ غَيْرَ أَنَّ سِفْرَ أَخْنُوخَ قَدْ ضَاعَ. فَإِنَّ الَّذِي رَآهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَأُورِيغِينُوسُ وَتَرْتُولِيَانُوسُ مُزَوَّرٌ وَأَبُوكْرِيفِيٌّ.


الْآيَةُ ٢٤: لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ

٢٤. «وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ.» — يَرَى كَالْفِنْ، مُتَّبِعًا ابْنَ عَزْرَا وَالْيَهُودَ، أَنَّ أَخْنُوخَ مَاتَ مَوْتًا هَادِئًا وَدِيعًا، وَأَنَّ رُوحَهُ نُقِلَتْ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ اللهَ حَتَّى صَعَدَ الْمَسِيحُ إِلَى السَّمَاءِ؛ وَهَكَذَا فَإِنَّ أَخْنُوخَ الْآنَ خَالِدٌ وَلَنْ يَعُودَ إِلَيْنَا وَلَنْ يَمُوتَ بَعْدُ. غَيْرَ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ بَاطِلَةٌ وَمُخْطِئَةٌ. أَوَّلًا: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَخْنُوخُ قَدْ مَاتَ لَقَالَتْ عَنْهُ الْكِتَابَةُ الْمُقَدَّسَةُ كَمَا قَالَتْ عَنْ سَائِرِهِمْ: «وَمَاتَ». ثَانِيًا: لِأَنَّهُ يُقَالُ هَاهُنَا عَنْهُ إِنَّ اللهَ «أَخَذَهُ»، أَيِ اخْتَطَفَهُ حَيًّا، وَمِنْ ثَمَّ يَتَرْجَمُ السَّبْعُونَ: «نَقَلَهُ اللهُ». وَمِنْ ثَمَّ أَيْضًا يُؤَكِّدُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ، الْإِصْحَاحُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ، الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشَرَةَ، أَنَّ أَخْنُوخَ لَمْ يَمُتْ بَلْ نُقِلَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ لِكَيْ يُعْطِيَ الْأُمَمَ التَّوْبَةَ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَخْنُوخَ لَا يَزَالُ حَيًّا، وَسَيَعُودُ إِلَيْنَا لِيُقَاوِمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ وَيَعِظَ الْأُمَمَ. ثَالِثًا: لِأَنَّ الْقِدِّيسَ بُولُسَ يَقُولُ صَرِيحًا فِي الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ الْإِصْحَاحُ الْحَادِيَ عَشَرَ، الْآيَةُ الْخَامِسَةُ: «إِذْ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لَا يَرَى الْمَوْتَ.» رَابِعًا: إِنَّ الْآبَاءَ يُعَلِّمُونَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ، كَمَا يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ دِيلْرِيُو وَبَيْرِيرِيُوسُ.

مِنَ الْمَقُولِ يَتَبَيَّنُ أَوَّلًا أَنَّ أَخْنُوخَ نُقِلَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الأَرْضِيِّ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ قَائِمًا قَبْلَ الطُّوفَانِ؛ فَذَلِكَ هُوَ الْمَفْهُومُ حِينَ يُذْكَرُ الْفِرْدَوْسُ مُطْلَقًا دُونَ قَيْدٍ، كَمَا ذَكَرَهُ سِفْرُ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ حِينَ قَالَ إِنَّ أَخْنُوخَ نُقِلَ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَالَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي كِتَابِهِ عَنِ الْفِرْدَوْسِ، الْإِصْحَاحُ الثَّالِثُ، إِنَّ أَخْنُوخَ اخْتُطِفَ إِلَى السَّمَاءِ، فَافْهَمْ أَنَّ أَخْنُوخَ رُفِعَ مِنَ الأَرْضِ إِلَى الْهَوَاءِ، وَعَبْرَ الْهَوَاءِ نُقِلَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ؛ وَلَمْ يَعْنِ طَرْطُلِيَانُوسُ شَيْئًا آخَرَ حِينَ قَالَ فِي كِتَابِهِ عَنْ قِيَامَةِ الْجَسَدِ، الْإِصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ، إِنَّ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا نُقِلَا مِنَ الْعَالَمِ؛ إِذْ يَعْنِي بِالْعَالَمِ هَذِهِ الأَرْضَ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْبَشَرُ وَيَزْرَعُونَهَا.

يُشِيرُ الْحَكِيمُ إِلَى سَبَبِ نَقْلِهِ فِي سِفْرِ الْحِكْمَةِ، الْإِصْحَاحُ الرَّابِعُ، الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ. أَوَّلًا: لِأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ وَعَاشَ صَالِحًا بَيْنَ الأَشْرَارِ؛ وَمِنْ ثَمَّ اخْتُطِفَ لِئَلَّا تُفْسِدَ الشَّرُّ فَهْمَهُ. ثُمَّ اخْتُطِفَ لِأَنَّهُ سَارَ مَعَ اللهِ، وَكَانَ لِذَلِكَ جَدِيرًا بِالْفِرْدَوْسِ وَبِالتَّأَمُّلِ الدَّائِمِ لِلَّهِ. ثَالِثًا: اخْتُطِفَ لِكَيْ يَعُودَ وَيُعْطِيَ الْأُمَمَ التَّوْبَةَ، كَمَا سَيُعْطِيهَا إِيلِيَّا لِيَهُودِهِ؛ إِذْ هَذَا مَا يُقَالُ عَنْهُ فِي سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ، الْإِصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ، الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ: «أَنْتَ الْمَكْتُوبُ لِلدِّينُونَةِ فِي الْأَوْقَاتِ، لِتُهَدِّئَ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتُصَالِحَ قَلْبَ الأَبِ مَعَ الِابْنِ، وَتَرُدَّ قَبَائِلَ يَعْقُوبَ.» رَابِعًا: اخْتُطِفَ لِيُرِيَ بِاخْتِطَافِهِ مَا خَسِرَهُ آدَمُ بِخَطِيئَتِهِ؛ إِذْ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا كُنَّا جَمِيعًا نُنْقَلُ فِي وَقْتِنَا بِغَيْرِ مَوْتٍ لَوْ بَقِيْنَا فِي الْبَرَاءَةِ. خَامِسًا: أَخَذَهُ الرَّبُّ لِيُثَبِّتَ إِيمَانَ الْآبَاءِ بِالْحَيَاةِ الآتِيَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: اعْرِفُوا مِنْ هَذَا الْفِعْلِ ذَاتِهِ أَنَّ لِي حَيَاةً أُخْرَى أَحْسَنَ، أُكَافِئُ فِيهَا الْقِدِّيسِينَ.

يَتَبَيَّنُ ثَانِيًا أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْعَقِيدَةِ أَنَّ أَخْنُوخَ، كَإِيلِيَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، لَمْ يَمُوتَا بَعْدُ. وَمِنْ ثَمَّ يُسَمِّيهِمَا طَرْطُلِيَانُوسُ، فِي كِتَابِهِ عَنْ قِيَامَةِ الْجَسَدِ، الْإِصْحَاحُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ، مُرَشَّحَيْنِ لِلْخُلُودِ: «الْمُرَشَّحَانِ لِلْخُلُودِ»، يَقُولُ، «يَتَعَلَّمَانِ حَصَانَةَ الْجَسَدِ مِنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ، وَمِنْ كُلِّ أَذًى، وَمِنْ كُلِّ إِهَانَةٍ وَعَارٍ.» وَيُسَمِّيهِمَا إِيرِينِيُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ، الْإِصْحَاحُ الْخَامِسُ، «مُشَارِكَيِ الْبَوَاكِيرِ فِي الْخُلُودِ»، أَيِ الْمُتَلَقِّيَيْنِ لِبِشَارَتِهِ وَظِلِّهِ، إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ.

يَتَبَيَّنُ ثَالِثًا أَنَّ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا لَيْسَتْ لَهُمَا أَجْسَادٌ مُمَجَّدَةٌ بَلْ فَانِيَةٌ، وَلِذَلِكَ سَيَمُوتَانِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ طَرْطُلِيَانُوسُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ: «أَخْنُوخُ»، يَقُولُ، «وَإِيلِيَّا لَمْ يُعْفَيَا بَعْدُ بِالْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَارِقَا الْحَيَاةَ بَعْدُ.» فَيُخْطِئُ إِذًا بِرُوكُوبِيُوسُ وَأُوغُوبِينُوسُ اللَّذَانِ يَظُنَّانِ أَنَّ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا يَتَمَتَّعَانِ بِرُؤْيَةِ اللهِ وَلَهُمَا أَجْسَادٌ مُمَجَّدَةٌ فِي السَّمَاءِ.

خَامِسًا: أَمَّا عَنْ إِيلِيَّا الَّذِي رُفِعَ حَيًّا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَعْمَلُ عَنْهُ الْفِعْلُ ذَاتُهُ الْمُسْتَعْمَلُ هَاهُنَا فِي الْمُلُوكِ الثَّانِي، الْإِصْحَاحُ الثَّانِي، الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَمَا يَلِيهَا. وَلَا يَبْدُو أَنَّ أُونْقِلُوسَ فَهِمَ الْكَلِمَاتِ الْعِبْرِيَّةَ بِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: «لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا؛ إِذْ لَمْ يَقْتُلْهُ يَهْوَهُ.» وَأَوْضَحُ مِنْهُ يُونَاثَانُ: «وَهُوَذَا لَمْ يَعُدْ بَيْنَ سُكَّانِ الأَرْضِ؛ إِذْ رُفِعَ وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي أَمَامَ يَهْوَهَ.» هَذَا الْمَوْضِعُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْحَيَاةِ الآتِيَةِ.

أَيْنَ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا الْآنَ؟

قَدْ تَسْأَلُ: أَيْنَ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا الْآنَ، وَأَيَّ حَيَاةٍ يَعِيشَانِ؟ أُجِيبُ: يُعَلِّمُ الْآبَاءُ عُمُومًا أَنَّهُمَا يُقِيمَانِ فِي الْفِرْدَوْسِ. غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ: إِنَّ أَخْنُوخَ نُقِلَ قَبْلَ الطُّوفَانِ إِلَى الْفِرْدَوْسِ الأَرْضِيِّ؛ أَمَّا بَعْدَ الطُّوفَانِ الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ غَمَرَ الْفِرْدَوْسَ وَأَبَادَهُ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ فِي مَكَانٍ بَهِيجٍ أَعَدَّهُ اللهُ لَهُ، سَوَاءٌ فِي الْهَوَاءِ أَمْ عَلَى الأَرْضِ، وَقَدِ اخْتُطِفَ إِلَيْهِ إِيلِيَّا أَيْضًا بَعْدَ الطُّوفَانِ. وَهُنَاكَ إِذًا يَعِيشَانِ مَعًا حَيَاةً شِبْهَ سَعِيدَةٍ، مُتَحَرِّرَيْنِ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَمِنْ آلَامِنَا، فِي أَرْفَعِ تَأَمُّلٍ لِلَّهِ.

ثَانِيًا: يَرَى أَبِيفَانِيُوسُ (فِي الْهَرَطَقَةِ ٦٤) وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ (فِي رِسَالَتِهِ إِلَى بَامَّاكِيُوسَ) أَنَّهُمَا يَعِيشَانِ بِغَيْرِ طَعَامٍ. أَمَّا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فَمُتَرَدِّدٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ مِنْ كِتَابِهِ عَنْ مَزَايَا الْخَطَايَا وَغُفْرَانِهَا، الْإِصْحَاحُ الثَّالِثُ؛ وَيَقُولُ إِنَّهُمَا إِمَّا يَعِيشَانِ بِغَيْرِ طَعَامٍ، أَوْ يَعِيشَانِ كَمَا عَاشَ آدَمُ فِي الْفِرْدَوْسِ، أَيْ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، فَلَا يَنْهَكُهُمَا مَرَضٌ وَلَا شَيْخُوخَةٌ. غَيْرَ أَنَّ الأَصَحَّ أَنَّ اللهَ يَحْفَظُهُمَا بِمُعْجِزَةٍ أَحْيَاءَ نَشِيطَيْنِ بِغَيْرِ طَعَامٍ؛ إِذِ الْفِرْدَوْسُ وَمِنْ ثَمَّ شَجَرَةُ الْحَيَاةِ قَدْ بَادَا كَمَا قُلْتُ.

هَلْ يَرَى أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا اللهَ

قَدْ تَسْأَلُ ثَانِيًا: هَلْ يَرَى أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا اللهَ وَهَلْ هُمَا مُنَعَّمَانِ؟ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ كَاثَارِينُوسُ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ مَجْدِ الْمَسِيحِ الْمُكْتَمَلِ؛ وَكَذَلِكَ الْأَبُ سَالْمِيرُونَ، وَيَمِيلُ إِلَيْهِ بَارَّادِيُوسُ مُسْتَنِدًا إِلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، الْإِصْحَاحُ الْحَادِيُ وَالْعِشْرُونَ، الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: «هَكَذَا أُرِيدُهُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ.» إِذْ يَرَى هَؤُلَاءِ أَنَّ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا، كَالْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الإِنْجِيلِيِّ أَيْضًا، لَمْ يَمُوتُوا بَعْدُ، وَأَنَّ لَهُمْ لِذَلِكَ أَجْسَادًا فَانِيَةً مَا زَالَتْ، وَسَيَأْتُونَ ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَيَنَالُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى يَدِهِ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي الْأَثْنَاءِ يَرَوْنَ اللهَ وَيَتَمَتَّعُونَ بِهِ، عَلَى الأَقَلِّ مُنْذُ مَوْتِ الْمَسِيحِ وَقِيَامَتِهِ.

وَيُثْبِتُونَ ذَلِكَ بِحُجَجٍ عَدِيدَةٍ وَمَقْبُولَةٍ. أَوَّلًا: لِأَنَّهُ يَبْدُو أَنَّهُ يُقَرَّرُ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، الْإِصْحَاحُ الْعَاشِرُ، الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ، أَنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا سَيَأْتِي مَعَ أَخْنُوخَ: «يَنْبَغِي أَنْ تَتَنَبَّأَ أَيْضًا عَلَى أُمَمٍ»؛ وَفِي يُوحَنَّا، الْإِصْحَاحُ الْحَادِيُ وَالْعِشْرُونَ، الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: «هَكَذَا أُرِيدُهُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ.» وَإِكْلِيلُ الشَّهَادَةِ حَقٌّ لِيُوحَنَّا وَمَوْعُودٌ لَهُ، كَسَائِرِ الرُّسُلِ، فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، الْإِصْحَاحُ الْعِشْرُونَ، الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ، بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ: «كَأْسِي تَشْرَبُونَ.» وَأَنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا يَرَى اللهَ لَا يَبْدُو مَوْضِعَ شَكٍّ؛ إِذِ الْكَنِيسَةُ تُعَظِّمُهُ وَتَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَنًا فِي الطِّيَالِسَةِ كَسَائِرِ الطُّوَبَاوِيِّينَ.

ثَانِيًا: لِأَنَّ الْكَنِيسَةَ تَحْتَفِلُ بِعِيدِ كُلٍّ مِنَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا وَإِيلِيَّا فِي الْعِشْرِينَ مِنْ يُولِيُوهَ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنَ الشَّهِيدِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَتَمَتَّعَانِ بِاللهِ.

ثَالِثًا: لِأَنَّ الْيُونَانِيِّينَ أَقَامُوا هَيَاكِلَ تَكْرِيمًا لِإِيلِيَّا وَالْقِدِّيسِ يُوحَنَّا مَعًا، كَمَا يُعَلِّمُ بَارُونِيُوسُ فِي الشَّهِيدِيَّةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ يُولِيُوهَ. وَلِذَلِكَ هُمَا مُبَارَكَانِ؛ إِذِ الْهَيَاكِلُ لَا تُقَامُ إِلَّا لِلْمُبَارَكِينَ.

رَابِعًا: لِأَنَّ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا عَاشَا بِقَدَاسَةٍ بَالِغَةٍ، وَهُمَا لِذَلِكَ أَجْدَرُ النَّاسِ بِالتَّمَتُّعِ بِاللهِ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَنْبِيَاءَ وَآبَاءَ آخَرِينَ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ قَدَاسَةً مِنْهُمَا وَعَاشُوا مَعَهُمَا، يَرَوْنَ اللهَ الْآنَ.

خَامِسًا: لِأَنَّنَا بِهَذَا الرَّأْيِ نُجِيبُ أَحْسَنَ إِجَابَةٍ عَنِ الإِشْكَالِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتَعْلِيقِ مَزَايَا أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا. فَلِمَاذَا عَلَّقَ اللهُ مَزَايَاهُمَا خِلَافًا لِلْعَادَةِ، إِلَّا لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ اللهَ فِعْلًا وَهُمَا لَيْسَا فِي طَرِيقٍ بَلْ فِي الْغَايَةِ، أَيْ هُمَا مُنَعَّمَانِ؟ وَإِنْ قُلْتَ إِنَّ اللهَ لَمْ يُعَلِّقْ مَزَايَاهُمَا، أَسْتَنْتِجُ: إِذًا فَإِنَّهُمَا فِي الْمَزَايَا وَالْمُكَافَآتِ سَيَتَفَوَّقَانِ عَلَى جَمِيعِ الطُّوَبَاوِيِّينَ تَفَوُّقًا يَكَادُ يَكُونُ لَا حَدَّ لَهُ؛ إِذْ عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ كَثِيرَةٍ يَسْتَحِقَّانِ دَوْمًا وَيَزِيدَانِ مَزَايَاهُمَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَهَذَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ — وَهَذَا يَبْدُو أَمْرًا لَا يُصَدَّقُ.

غَيْرَ أَنَّ هَذَا الرَّأْيَ يَبْدُو جَدِيدًا وَمُفَارِقًا، وَيَخْلُو مِنَ الأَسَاسِ الرَّاسِخِ. أَوَّلًا: لِأَنَّهُ بِالْكَادِ أَكَّدَهُ أَحَدٌ مِنَ الْآبَاءِ الْقُدَمَاءِ أَوِ الدَّكَاتِرَةِ؛ إِذْ نَازِيَانْزِينُوسُ الَّذِي يَسْتَشْهِدُ بِهِ بَارَّادِيُوسُ لَمْ يُؤَكِّدْهُ بَلِ ابْدَى شَكَّهُ فِيهِ.

ثَانِيًا: إِنْ كَانَ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا يَرَيَانِ اللهَ، فَهُمَا مُنَعَّمَانِ، وَمِنْ ثَمَّ فَهُمَا وَاصِلَانِ لَا سَالِكَانِ. وَلَكِنَّهُمَا سَالِكَانِ، لِأَنَّهُمَا لَا يَزَالَانِ سَيَمُوتَانِ وَيُكَلَّلَانِ بِإِكْلِيلِ الشَّهَادَةِ.

ثَالِثًا: لَمْ يُمْنَحْ لَا لِمُوسَى وَلَا لِبُولُسَ وَلَا لِأَيِّ فَانٍ آخَرَ أَنْ يَرَى اللهَ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ بَلْ أَعْلَنَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «لَا يَرَانِي الْإِنْسَانُ وَيَعِيشُ»، سِفْرُ الْخُرُوجِ، الْإِصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ، الْآيَةُ الْعِشْرُونَ. فَلَا يَنْبَغِي إِذًا أَنْ يُمْنَحَ ذَلِكَ لِأَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا: فَهُمَا لَا يَزَالَانِ فَانِيَيْنِ وَسَيَمُوتَانِ فِي الْوَاقِعِ.

رَابِعًا: يَبْدُو مُفَارَقَةً أَشَدَّ بِكَثِيرٍ أَنْ يَعُودَ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا مِنَ الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ وَرُؤْيَةِ اللهِ إِلَى الْآلَامِ وَالْمَزَايَا وَالْمَوْتِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُعَلَّقَ مَزَايَاهُمَا: فَأَيُّ مُبَارَكٍ عَادَ قَطُّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَتْعَابِ وَالْمَزَايَا وَالْمَوْتِ؟ وَمَنِ الَّذِي تَحَوَّلَ قَطُّ مِنْ وَاصِلٍ إِلَى سَالِكٍ؟

خَامِسًا: الْمَسِيحُ وَحْدَهُ كَانَ سَالِكًا وَوَاصِلًا مَعًا؛ إِذْ يَمْنَحُ جَمِيعُ اللَّاهُوتِيِّينَ هَذَا الِامْتِيَازَ لِلْمَسِيحِ وَحْدَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ بِحَسَبِ هَذَا الرَّأْيِ الْجَدِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ: إِذْ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا، عَلَى الأَقَلِّ حِينَ يَعُودَانِ لِيُقَاتِلَا الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، سَيَكُونَانِ سَالِكَيْنِ وَوَاصِلَيْنِ مَعًا. فَحِينَئِذٍ لَنْ يَفْقِدَا رُؤْيَةَ اللهِ الَّتِي يَمْلِكَانِهَا وَيَكُونَانِ بِهَا مُنَعَّمَيْنِ.

سَادِسًا: إِذَا كَانَتْ رُؤْيَةُ اللهِ لَنْ تَحُولَ حِينَئِذٍ دُونَ مَزَايَاهُمَا وَجِهَادِهِمَا ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَلِمَاذَا تَحُولُ دُونَ مَزَايَاهُمَا الْآنَ؟ إِذْ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا لَمْ يَحُلِ الْمَسِيحُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ، وَهُوَ يَرَى اللهَ، قَطُّ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ دُونَ اسْتِحْقَاقِهِ الْخَاصِّ.

سَابِعًا: أَنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا لَمْ يَمُتْ وَأَنَّهُ سَيَأْتِي ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ يَبْدُو صَرِيحَ الْبُعْدِ عَنِ الِاحْتِمَالِ، وَيُعَارِضُ كَثِيرِينَ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ الَّذِينَ يُؤَكِّدُونَ أَنَّهُ مَاتَ (يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ بَارُونِيُوسُ)، وَيُعَارِضُ الْكَنِيسَةَ الَّتِي تَحْتَفِلُ بِعِيدِ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا كَمَنْ مَاتَ وَيَمْلِكُ الْآنَ فِي السَّمَاءِ مَعَ الْمَسِيحِ، وَتَسْتَغِيثُ بِهِ. وَأَمْرُ أَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا مُخْتَلِفٌ؛ إِذْ لَا أَحَدَ يَحْتَفِلُ بِهِمَا أَوْ يَسْتَغِيثُ بِهِمَا.

أُجِيبُ عَنِ الأَوَّلِ بِأَنَّ يُوحَنَّا، بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا الْإِصْحَاحُ الْعَاشِرُ، تَنَبَّأَ ثَانِيَةً لِلأُمَمِ فِي الْإِصْحَاحَاتِ الثَّانِيِ عَشَرَ وَالثَّالِثِ عَشَرَ وَالرَّابِعِ عَشَرَ وَمَا يَلِيهَا إِلَى نِهَايَةِ سِفْرِ الرُّؤْيَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَنْ يَتَنَبَّأَ لَهُمْ فِي نِهَايَةِ الْعَالَمِ. أَمَّا ذَلِكَ النَّصُّ فِي يُوحَنَّا الْإِصْحَاحِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ: «هَكَذَا أُرِيدُهُ أَنْ يَبْقَى»، فَمَعْنَاهُ كَمَا لَوْ قَالَ: «إِنْ أَرَدْتُ أَنْ يَبْقَى»، كَمَا تَقْرَأُ مَخْطُوطَاتٌ أُخْرَى؛ إِذِ الْمَسِيحُ يَتَكَلَّمُ لَيْسَ تَقْرِيرًا بَلْ شَرْطًا، وَهَذَا لِكَبْحِ سُؤَالِ بُطْرُسَ الْفُضُولِيِّ: «يَا رَبُّ، وَهَذَا مَا لَهُ؟» ثُمَّ إِنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا شَرِبَ كَأْسَ الآلَامِ، فِي أَوْقَاتٍ أُخْرَى وَلَا سِيَّمَا حِينَ أُلْقِيَ فِي وِعَاءٍ مِنَ الزَّيْتِ الْغَالِي. وَمِنْ ثَمَّ يُدْعَى شَهِيدًا مِنَ الْآبَاءِ وَتُكَرِّمُهُ الْكَنِيسَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ.

أُجِيبُ عَنِ الثَّانِي بِأَنَّ الْيُونَانِيِّينَ يَحْتَفِلُونَ بِعِيدِ إِيلِيَّا لَا كَمُبَارَكٍ بَلْ كَمُخْتَطَفٍ: إِذْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يُحْيُونَ فَحَسْبُ ذِكْرَى اخْتِطَافِهِ، لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِطَافَ كَانَ أَمْرًا عَجِيبًا.

أُجِيبُ عَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْيُونَانِيِّينَ أَقَامُوا هَيَاكِلَ لِإِيلِيَّا بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا وَلِلْغَرَضِ ذَاتِهِ الَّذِي أَقَامُوا لَهُ عِيدًا، أَيْ لِيَشْهَدُوا بِذَلِكَ وَيُحْيُوا ذِكْرَى اخْتِطَافِ إِيلِيَّا الْعَجِيبِ ذَاكَ (فَالْهَيَاكِلُ تُقَامُ بِالصِّحَّةِ لَيْسَ لِلْقِدِّيسِينَ بَلْ لِلَّهِ وَحْدَهُ تَكْرِيمًا لِلْقِدِّيسِينَ)، الَّذِي عَاشَ هَاهُنَا حَيَاةً سَمَاوِيَّةً وَتَرَكَ خَلْفَهُ تَلَامِيذَ سَمَاوِيِّينَ كَمَا يُقَالُ، وَكَانَ أَبَ الرُّهْبَانِ وَبَطْرِيَارِكَهُمْ إِنْ صَحَّ التَّعْبِيرُ، وَالَّذِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَارَكًا بَعْدُ، فَقَدِ اسْتُقِرَّ لَهُ فِي النِّعْمَةِ كَمَا يُقَالُ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ لَهُ الْبَرَكَةُ قَطْعًا، فَكَأَنَّهُ قَدْ تَقَنَّنَ بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ وَبِبَيَانٍ مِنْهُ.

أُجِيبُ عَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ النِّظَامَ الَّذِي أَسَّسَهُ اللهُ يَقْتَضِي أَلَّا يَرَى أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا اللهَ، إِذْ لَمْ يَمُوتَا بَعْدُ؛ أَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ مَاتُوا وَلِذَلِكَ يَرَوْنَ اللهَ. لِهَذَا السَّبَبِ يَلِيقُ بِأَخْنُوخَ وَإِيلِيَّا أَنْ يَعِيشَا حَيَاةً وَسَطًا بَيْنَ بَشَرِ الأَرْضِ وَالْمُنَعَّمِينَ فِي السَّمَاءِ، حَيَاةً هَادِئَةً بَهِيجَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَعِيدَةً تَامَّةً. وَقَدَاسَتُهُمَا وَمَزَايَاهُمَا لَا تُكَافَأُ بِرُؤْيَةِ اللهِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ عَظِيمٍ، وَهُوَ أَنَّهُمَا وَحْدَهُمَا مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ سَيَأْتِيَانِ كَأَبْطَلِ الْمُجَاهِدِينَ عَنِ الْمَسِيحِ ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَيُفَنِّدَانِهِ، وَلِذَلِكَ يُكَلَّلَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى يَدِهِ.

أُجِيبُ عَنِ الْخَامِسِ بِأَنِّي سَأَتَكَلَّمُ عَنْ قَرِيبٍ عَنْ تَعْلِيقِ الْمَزَايَا، وَأَنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيقَ لَا يُزِيلُ الإِشْكَالَ هَاهُنَا. إِذْ عَلَى الأَقَلِّ مَزَايَا أَخْنُوخَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً مُنْذُ اخْتِطَافِهِ إِلَى آلَامِ الْمَسِيحِ، قُرَابَةَ ثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ (إِذْ مَضَى بِالضَّبْطِ ٢٩٩٧ سَنَةً)، لَمْ يَرَ خِلَالَهَا أَخْنُوخُ اللهَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَزَايَاهُ مُعَلَّقَةً حِينَئِذٍ، فَإِنَّ أَخْنُوخَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْمُتَوَاصِلِ عَبْرَ سِنِينَ بِهَذَا الْعَدَدِ سَيَتَفَوَّقُ بُعْدًا شَاسِعًا عَلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي النِّعْمَةِ وَالْمَجْدِ، فَنَعُودُ إِلَى الْمَحْذُورِ الَّذِي يُحْتَجُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ ذَاتِهَا.

هَلْ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا فِي حَالَةِ اسْتِحْقَاقٍ

يُسْأَلُ ثَالِثًا: هَلْ هُمَا فِي حَالَةِ اسْتِحْقَاقٍ؟ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ فِيَيغَاسُ فِي تَفْسِيرِهِ لِسِفْرِ الرُّؤْيَا، الْإِصْحَاحُ الْحَادِيَ عَشَرَ. وَالسَّبَبُ أَنَّهُمَا لَا يَزَالَانِ سَالِكَيْنِ، وَمَادَامَا مَحْرُومَيْنِ مِنْ رُؤْيَةِ اللهِ، فَلِمَاذَا يُحْرَمَانِ، خِلَافًا لِلنِّظَامِ الْعَامِّ، مِنْ قُدْرَةِ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْضًا الَّتِي يَمْلِكُهَا غَيْرُهُمَا مِنَ السَّالِكِينَ؟ لِيَكُنْ أَنَّهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ سَيَتَفَوَّقَانِ فِي الْمَزَايَا وَالْمَجْدِ عَلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ عَدَا الْعَذْرَاءَ الطُّوبَى. غَيْرَ أَنَّ بَيْرِيرِيُوسَ وَسُوَارِيزَ يَنْفِيَانِ ذَلِكَ تَمَامًا. وَهَذَا يَبْدُو أَرْجَحَ؛ وَالسَّبَبُ أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِي حَالَةِ اسْتِحْقَاقٍ لَجَمَعَا عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ مَزَايَا لَا تُحْصَى، وَلَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْقِدِّيسِينَ مُقَارَنَةٌ أَوْ تَنَاسُبٌ فِي النِّعْمَةِ وَالْمَجْدِ؛ ثَانِيًا لِأَنَّهُمَا بِالِاخْتِطَافِ انْتَقَلَا إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى وَحَيَاةٍ أُخْرَى. وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو الِاخْتِطَافُ كَالْمَوْتِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا، وَبِالتَّالِي قَدْ عَلَّقَ مَزَايَاهُمَا حَتَّى يَعُودَا إِلَيْنَا فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؛ إِذْ حِينَئِذٍ سَيَسْتَحِقَّانِ ثَانِيَةً.

فَهُمَا الْآنَ إِذًا فِي حَالَةٍ وَسَطٍ كَمَا يُقَالُ بَيْنَ السَّالِكِينَ وَالْمُنَعَّمِينَ، أَيْ فِي حَالَةِ رَاحَةٍ وَتَأَمُّلٍ: وَلِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُمَا لَا يَتْعَبَانِ وَلَا يُعَانِيَانِ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَحِقَّانِ؛ غَيْرَ أَنَّهُمَا سَيَسْتَحِقَّانِ اسْتِحْقَاقًا عَظِيمًا جِدًّا حِينَ يَعُودَانِ وَيُجَاهِدَانِ ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.

يُرْوَى فِي سِيرَةِ الْقِدِّيسِ بَاخُومِيُوسَ أَنَّ فَيْلَسُوفًا مَا اقْتَرَحَ عَلَى تِيُودُورَسَ تِلْمِيذِ الْقِدِّيسِ بَاخُومِيُوسَ هَذِهِ الْأَلْغَازَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي أَجَابَ عَنْهَا بِذَكَاءٍ. الأَوَّلُ: مَنِ الَّذِي مَاتَ وَلَمْ يُولَدْ؟ أَجَابَ تِيُودُورَسُ: آدَمُ. الثَّانِي: مَنِ الَّذِي وُلِدَ وَلَمْ يَمُتْ؟ أَجَابَ: أَخْنُوخُ الَّذِي نُقِلَ. الثَّالِثُ: مَنِ الَّذِي مَاتَ وَلَمْ يَتَعَفَّنْ؟ أَجَابَ: امْرَأَةُ لُوطٍ الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودِ مِلْحٍ.

سَيَعُودُ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا ضِدَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ

تَنْبِيهٌ: فِي نِهَايَةِ الْعَالَمِ سَيَعُودُ أَخْنُوخُ وَإِيلِيَّا إِلَى الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ لِيُقَاوِمَا الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِالْمَوَاعِظِ وَالْمُنَاظَرَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ؛ وَلِذَلِكَ سَيُشْهَدَانِ عَلَى يَدِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ فِي أُورُشَلِيمَ، الَّذِي سَيُلْقِي جُثَثَهُمَا غَيْرَ مَدْفُونَةٍ فِي الطَّرِيقِ؛ غَيْرَ أَنَّهُمَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَنِصْفٍ سَيَقُومَانِ أَحْيَاءَ مَمْجُودَيْنِ وَالْمَدِينَةُ كُلُّهَا تَنْظُرُ، وَيَصْعَدَانِ إِلَى السَّمَاءِ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِفْرِ الرُّؤْيَا، الْإِصْحَاحُ الْحَادِيَ عَشَرَ، الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَمَا يَلِيهَا. هَكَذَا يُعَلِّمُ الْآبَاءُ عُمُومًا هَاهُنَا وَفِي سِفْرِ الرُّؤْيَا الْإِصْحَاحُ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَهَذَا هُوَ الرَّأْيُ الْعَامُّ وَتَقْلِيدُ الْمُؤْمِنِينَ. وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْعِشْرِينَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ، إِنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَوَاتِرٌ فِي أَلْسِنَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلُوبِهِمْ.

وَأَخِيرًا: أَخْنُوخُ كَانَ جَدَّ أَبِي نُوحٍ، وَبِالتَّالِي كَانَ أَبَ جَمِيعِنَا؛ إِذْ جَمِيعُ الْبَشَرِ وَبِالتَّالِي الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ أَيْضًا يَنْحَدِرُونَ مِنْ أَخْنُوخَ كَمَا يَنْحَدِرُونَ مِنْ نُوحٍ. وَمِنْ ثَمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَخْنُوخَ حِينَ يَعُودُ إِلَيْنَا سَيَظَلُّ أَعْزَبَ، إِذْ لَا تَسْتَطِيعُ أَيُّ امْرَأَةٍ (مَادَامَتْ جَمِيعُهُنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَبَنَاتُهُ) أَنْ تَعْقِدَ مَعَهُ زَوَاجًا، لِأَنَّهُ فِي الْأُصُولِ الْمُسْتَقِيمَةِ مِنَ الأَجْدَادِ وَالأَحْفَادِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتِ الدَّرَجَاتُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ، يَكُونُ الزَّوَاجُ بَاطِلًا بِحُكْمِ الْقَانُونِ الطَّبِيعِيِّ إِنْ أَرَادَ الأُصُولُ الِاقْتِرَانَ بِالْفُرُوعِ، كَمَا يُقَرِّرُهُ الرَّأْيُ الشَّائِعُ لِلدَّكَاتِرَةِ الَّذِينَ يَسْتَعْرِضُهُمْ سَانْشِيزُ فِي الْمُجَلَّدِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ عَنِ الزَّوَاجِ، الْكِتَابُ السَّابِعُ، الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يُعَلِّمُ مَعَ آخَرِينَ الْعَكْسَ. فَسَيَعِظُ أَخْنُوخُ عِنْدَ عَوْدَتِهِ جَمِيعَ بَنِيهِ، أَيْ جَمِيعَ الْبَشَرِ، وَسَيُقْتَلُ عَلَى يَدِ أَحَدِ بَنِيهِ، أَيِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ الزَّائِفِ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، اخْتُطِفَ أَخْنُوخُ فِي السَّنَةِ ٩٨٧ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ. فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ الْمَسِيحِيَّةُ ١٦١٥ هِيَ السَّنَةُ ٥٥٦٣ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَخْنُوخَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَعِيشُ السَّنَةَ ٤٥٧٨ مِنَ اخْتِطَافِهِ، وَالسَّنَةَ ٤٩٤٣ مِنْ عُمُرِهِ.


الْآيَةُ ٢٧: مَتُوشَالَحُ

٢٧. كَانَتْ أَيَّامُ مَتُوشَالَحَ تِسْعَةً وَسِتِّينَ وَتِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ. — كَانَ أَطْوَلَ الْفَانِينَ عُمُرًا؛ وَمَعَ ذَلِكَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ آدَمَ كَانَ أَطْوَلَ عُمُرًا مِنْهُ لِهَذَا السَّبَبِ: أَنَّ آدَمَ خُلِقَ فِي سِنٍّ كَامِلَةٍ وَبِنِيَةٍ كَامِلَةٍ، وَهِيَ سِنُّ الثَّلَاثِينَ، فَكَانَ سَيَكُونُ آنَئِذٍ بَالِغَ السِّتِّينَ عَلَى الأَقَلِّ؛ أَمَّا مَتُوشَالَحُ فَوُلِدَ طِفْلًا، وَنَمَا سِتِّينَ سَنَةً وَبَلَغَ الْحَالَةَ وَالْبِنْيَةَ الَّتِي خُلِقَ فِيهَا آدَمُ: فَإِنْ طَرَحْتَ سِتِّينَ سَنَةً مِنْ مَتُوشَالَحَ أَوْ أَضَفْتَهَا إِلَى آدَمَ تَفَوَّقَ آدَمُ عَلَى مَتُوشَالَحَ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. هَكَذَا يَقُولُ بَيْرِيرِيُوسُ. وُلِدَ مَتُوشَالَحُ فِي السَّنَةِ ٦٨٧ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ؛ وَإِذْ عَاشَ ٩٦٩ سَنَةً يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ ١٦٥٦ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ، أَيْ فِي الْعَامِ ذَاتِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطُّوفَانُ، بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ (سَبْعَةٍ إِنْ صَدَّقْنَا الْعِبْرَانِيِّينَ) قَبْلَ أَنْ يُغْمَرَ الطُّوفَانُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُصِبِ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ الأَوَّلِ مِنْ أَسْئِلَتِهِ عَلَى التَّكْوِينِ، حِينَ ظَنَّ أَنَّ مَتُوشَالَحَ مَاتَ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِسِتِّ سَنَوَاتٍ؛ فَالَّذِي مَاتَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ قَبْلَ الطُّوفَانِ لَمْ يَكُنْ مَتُوشَالَحَ بَلِ ابْنَهُ لَامَكَ الَّذِي كَانَ أَبَ نُوحٍ، كَمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحُ الْخَامِسُ، الْآيَتَانِ الثَّلَاثُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ. غَيْرَ أَنَّ اسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي بِدَايَةِ أَسْئِلَتِهِ عَلَى التَّكْوِينِ: «كَثِيرًا مَا يُسْأَلُ»، يَقُولُ، «كَيْفَ اسْتَطَاعَ مَتُوشَالَحُ بِحَسَبِ حِسَابِ السِّنِينَ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ، إِذْ يُقَالُ إِنَّ جَمِيعَ مَنْ لَمْ يَدْخُلُوا الْفُلْكَ هَلَكُوا؟ غَيْرَ أَنَّ فَسَادَ مَخْطُوطَاتٍ كَثِيرَةٍ هُوَ الَّذِي أَوْلَدَ هَذَا السُّؤَالَ. فَلَيْسَ فَحَسْبُ فِي الْعِبْرِيَّةِ أَنَّهُ يُوجَدُ بِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، بَلْ كَذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ السَّبْعِينَ. وَمَتُوشَالَحُ فِي الْمَخْطُوطَاتِ الأَقَلِّ عَدَدًا وَالأَكْثَرِ صِدْقًا يُوجَدُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِسِتِّ سَنَوَاتٍ.» وَيُوضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْإِصْحَاحُ الثَّالِثَ عَشَرَ.


الْآيَةُ ٢٩: نُوحُ

٢٩. اسْمُهُ نُوحٌ، قَائِلًا: هَذَا يُعَزِّينَا. — يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَنَّ لَامَكَ كَانَ نَبِيًّا. وَاعْلَمْ أَنَّ «نُوحَ» بِالْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي شَيْئَيْنِ: أَوَّلًا، الرَّاحَةَ، مِنَ الأَصْلِ نُوَاخَ أَيْ «اسْتَرَاحَ»؛ وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ بِالْعِبْرِيَّةِ «نُوحُ» أَيِ «النُّوَاخُ»، وَهُوَ الرَّاحَةُ أَوِ الْمُسْتَرِيحُ، وَالَّذِي يُرِيحُ: وَلِذَلِكَ يَتَرْجَمُ السَّبْعُونَ «هَذَا يُرِيحُنَا مِنْ أَعْمَالِنَا وَأَحْزَانِ أَيْدِينَا»: وَكَذَلِكَ النَّصُّ الْعَرَبِيُّ؛ ثَانِيًا، يَعْنِي التَّعْزِيَةَ أَوِ الْمُعَزِّيَ، مِنَ الأَصْلِ نَاحَمَ أَيْ «تَعَزَّى»، بِحَيْثُ يُشْتَقُّ نُوحُ مِنْ نَاحَمَ بِحَذْفِ الْمِيمِ؛ وَهَكَذَا تَشْتَقُّهُ الْكِتَابَةُ الْمُقَدَّسَةُ هَاهُنَا قَائِلَةً «زِيِّ يِنَاخَامِينُو»، أَيْ «هَذَا يُعَزِّينَا»، كَمَا تُقَرِّرُهُ الْعِبْرِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ وَنَصُّنَا الْمَعْتَمَدُ؛ غَيْرَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يَصُبَّانِ فِي الْمَعْنَى ذَاتِهِ: فَالتَّعْزِيَةُ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّعَبِ لَيْسَتْ سِوَى الرَّاحَةِ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّعَبِ.

فَنُوحُ إِذًا أَرَاحَ الْبَشَرَ وَعَزَّاهُمْ: أَوَّلًا لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، سَكَّنَ كُلَّ الأَعْمَالِ السَّابِقَةَ أَيِ الْخَطَايَا عَبْرَ نُوحٍ الَّذِي دَفَنَهَا فِي الطُّوفَانِ؛ ثَانِيًا، كَمَا يَقُولُ الرَّبِّي سُلَيْمَانُ وَالْعِبْرَانِيُّونَ وَكَاجِيتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ، لِأَنَّ نُوحَ اخْتَرَعَ الْمِحْرَاثَ وَسَائِرَ أَدَوَاتِ الزِّرَاعَةِ وَفَنَّ زَرْعِ الْحُقُولِ الأَيْسَرَ؛ ثَالِثًا، كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ، لِأَنَّهُ بِسَبَبِ قَدَاسَةِ نُوحٍ وَذَبِيحَتِهِ بَعْدَ الطُّوفَانِ، بَارَكَ اللهُ الأَرْضَ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ، الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ، وَفِي الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ، الْآيَةُ الأُولَى وَمَا يَلِيهَا: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ لِكَيْ تُعْطِيَ الأَرْضُ الْمُبَارَكَةُ هَكَذَا ثَمَرَاتٍ أَوْفَرَ بِجُهْدٍ أَقَلَّ وَعِنَايَةٍ أَدْنَى؛ رَابِعًا لِأَنَّ نُوحَ غَرَسَ الْكُرُومَ وَاخْتَرَعَ الْخَمْرَ الَّذِي هُوَ عَزَاءُ قَلْبِ الْإِنْسَانِ. بَلْ أَيْضًا لِأَنَّ اللهَ مَنَحَ نُوحًا أَكْلَ اللَّحْمِ الَّذِي تَتَقَوَّى بِهِ حَيَاةُ الْبَشَرِ. وَيُضِيفُ آخَرُونَ أَنَّهُ لِأَنَّ نُوحَ أَتَى لِلْبَشَرِ بِالْمَوْتِ عَبْرَ الطُّوفَانِ، وَهُوَ نِهَايَةُ جَمِيعِ أَتْعَابِنَا وَرَاحَتُهَا. غَيْرَ أَنَّ مَوْتَ الأَشْرَارِ وَغَرَقَهُمْ لَيْسَ رَاحَةً بَلِ ابْتِدَاءُ أَلَمٍ أَبَدِيٍّ وَعَنَاءٍ سَرْمَدِيٍّ. خَامِسًا وَبِالدَّرَجَةِ الأُولَى: بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَتَنَبَّأُ لَامَكُ عَنِ ابْنِهِ نُوحٍ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مُجَدِّدَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي كَادَ الطُّوفَانُ يَأْتِي عَلَيْهِ (وَهَذِهِ كَانَتِ التَّعْزِيَةُ الْكُبْرَى وَرَاحَةُ لَامَكَ وَالْآبَاءِ)، يَقُولُ هُوغُو، وَأَنَّهُ سَيُصَالِحُ الْعَالَمَ مَعَ اللهِ وَعَطَايَاهُ؛ وَأَنَّ مِنْهُ سَيُولَدُ الْمَسِيحُ، يَقُولُ رُوبِيرْتُسُ، الَّذِي هُوَ رَاحَتُنَا وَعَزَاؤُنَا؛ وَلَهُ تِلْكَ الدَّعْوَةُ: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.» وَإِذًا فَكَانَ نُوحُ رَمْزًا لِلْمَسِيحِ.

قَبْلَ الطُّوفَانِ كَانَتْ أَحْزَانُ الْآبَاءِ وَأَتْعَابُهُمْ عَظِيمَةً طَوِيلَةً: أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعِيشُونَ ٩٠٠ سَنَةٍ فِي أَتْعَابٍ مُتَوَاصِلَةٍ؛ ثَانِيًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَزْرَعُونَ أَرْضًا لَعَنَهَا اللهُ وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ قَاحِلَةً؛ ثَالِثًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تِلْكَ الْفُنُونُ وَالأَدَوَاتُ لِحَرْثِ الأَرْضِ وَزَرْعِهَا؛ رَابِعًا إِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأَتْعَابِ كَانَتْ سَتَضِيعُ فِي الطُّوفَانِ: وَهَذَا كَانَ سَيَكُونُ عُقُوبَةً وَمِحْنَةً عَظِيمَةً لَهُمْ. مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ إِذًا يُرِيحُهُمْ نُوحُ وَيُعَزِّيهِمْ: أَوَّلًا لِأَنَّهُ عَبْرَ الْفُلْكِ أَعَادَ الأَتْعَابَ أَيْ الأَعْمَالَ الَّتِي صَنَعُوهَا بِتَعَبِهِمْ؛ ثَانِيًا لِأَنَّهُ بِفَضْلِ مَزَايَاهُ وَالْفُنُونِ الَّتِي اخْتَرَعَهَا هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ أَصْبَحَتِ الزِّرَاعَةُ وَجَمِيعُ عَمَلِ الْإِنْسَانِ أَيْسَرَ الْآنَ، كَمَا قُلْتُ قَبْلَ قَلِيلٍ.

تَنْبِيهٌ: وُلِدَ نُوحُ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِسِتِّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدْ وَقَعَ الطُّوفَانُ فِي السَّنَةِ ١٦٥٦ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ؛ وَمِنْ ثَمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّ نُوحَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ١٠٥٦ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ، أَيْ بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ بِمِائَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً؛ إِذْ مَاتَ آدَمُ فِي السَّنَةِ ٩٣٠ سَوَاءٌ مِنْ عُمُرِهِ أَوْ مِنْ عُمُرِ الْعَالَمِ.

مِنَ الْجِهَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ، نُوحُ رَمْزٌ لِلْعَدَالَةِ الَّتِي تُعَزِّي الْجَمِيعَ، «وَتُرِيحُهُمْ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِّ؛ فَهِيَ تُحَرِّرُ مِنَ الْحُزْنِ: لِأَنَّنَا حِينَ نَفْعَلُ مَا هُوَ عَادِلٌ لَا نَخَافُ شَيْئًا بِأَمَانِ ضَمِيرٍ نَقِيٍّ، وَلَا نَتَأَلَّمُ أَلَمًا ثَقِيلًا؛ إِذْ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُسَبِّبُ أَشَدَّ الأَحْزَانِ مِنِ اتِّهَامِ الْخَطِيئَةِ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ نُوحٍ، ١.


الْآيَةُ ٣١: نُوحُ وَالتَّأْرِيخُ

٣١. وَنُوحُ حِينَ كَانَ ابْنَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. — تَنْبِيهٌ: لَا يَبْدُو (وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا فَمُّ الذَّهَبِ يَرَى ذَلِكَ) أَنَّ نُوحَ امْتَنَعَ عَنِ الزَّوَاجِ إِلَى سِنِّ الْخَمْسِمِائَةِ: وَلِذَلِكَ فَقَدْ وَلَدَ بَنِينَ آخَرِينَ قَبْلَ سَامٍ وَحَامٍ وَيَافِثَ، مَاتُوا قَبْلَ الطُّوفَانِ؛ وَمِنْ ثَمَّ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يُسَمَّوْنَ هَاهُنَا أَبْكَارًا كَانُوا بِالْفِعْلِ أَبْكَارًا. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْإِصْحَاحُ الْعِشْرُونَ.

فِي هَذِهِ السَّنَةِ ٥٠٠ بَدَأَ نُوحُ بِبِنَاءِ الْفُلْكِ وَاسْتَمَرَّ فِيهِ مِائَةَ سَنَةٍ: إِذِ اكْتَمَلَ فِي السَّنَةِ ٦٠٠. هَكَذَا يَقُولُ أُورِيجِينُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَغِرِيغُورِيُوسُ وَرُوبِيرْتُسُ.

فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، بَعْدَ السَّنَةِ ٥٠٠ وَلَدَ نُوحُ، أَيْ بَدَأَ يَلِدُ، سَامًا وَحَامًا وَيَافِثَ، بِحَيْثُ وَلَدَهُمْ فِي سَنَوَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، آنًا سَامًا وَآنًا حَامًا وَآنًا يَافِثَ: إِذْ لَمْ يُولَدِ الثَّلَاثَةُ فِي السَّنَةِ ذَاتِهَا.

مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ يُسْتَخْلَصُ تَأْرِيخُ الْعَالَمِ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ خَلْقِ الْعَالَمِ وَآدَمَ إِلَى الطُّوفَانِ مَضَتْ ١٦٥٦ سَنَةً؛ إِذْ وَلَدَ آدَمُ شِيثًا وَعُمُرُهُ ١٣٠ سَنَةً، وَشِيثُ أَنُوشَ ١٠٥، وَأَنُوشُ قِينَانَ ٩٠، وَقِينَانُ مَهْلَلْئِيلَ ٧٠، وَمَهْلَلْئِيلُ يَارِدَ ٦٥، وَوَلَدَ يَارِدُ أَخْنُوخَ وَعُمُرُهُ ١٦٢ سَنَةً، وَأَخْنُوخُ مَتُوشَالَحَ ٦٥، وَمَتُوشَالَحُ لَامَكَ ١٨٧، وَلَامَكُ نُوحًا ١٨٢، وَنُوحُ سَامًا وَحَامًا وَيَافِثَ ٥٠٠.

فِي الْمِائَةِ سَنَةٍ بَعْدَ وِلَادَةِ سَامٍ، الَّتِي كَانَتِ السَّنَةَ ٦٠٠ مِنْ عُمُرِ نُوحٍ، وَقَعَ الطُّوفَانُ، سِفْرُ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحُ السَّابِعُ، الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ. وَدَامَ الطُّوفَانُ سَنَةً كَامِلَةً، كَمَا يَتَبَيَّنُ لِمَنْ يَقْرُنُ التَّكْوِينِ ٧: ١١ بِالتَّكْوِينِ ٨: ١٣ وَ١٤. فَمِنْ خَلْقِ الْعَالَمِ إِلَى نِهَايَةِ الطُّوفَانِ مَضَتْ ١٦٥٧ سَنَةً.