كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ السَّادِسُ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ السَّادِسِ

أَفْسَدَ جَمِيعُ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا الْجَبَابِرَةُ، أَنْفُسَهُمْ بِالشَّهَوَاتِ وَكُلِّ إِثْمٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ ثَانِيًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٧، يُهَدِّدُ اللهُ الْعَالَمَ بِالدَّمَارِ بِالطُّوفَانِ، وَبِالتَّالِي، عِنْدَ الْآيَةِ ١٤، يَأْمُرُ نُوحًا بِبِنَاءِ فُلْكٍ يُحْفَظُ فِيهِ هُوَ نَفْسُهُ وَأَزْوَاجٌ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ بَذْرًا لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.

هُنَا يَنْتَهِي الْعَصْرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، وَيَبْدَأُ الثَّانِي الَّذِي يَخُصُّ نُوحًا وَالطُّوفَانَ، وَيَخْتَتِمُ بِإِبْرَاهِيمَ فِي الْإِصْحَاحِ ١٢.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٦:١-٢٢

١. وَلَمَّا شَرَعَ النَّاسُ يَتَكَاثَرُونَ عَلَى الْأَرْضِ وَوَلَدُوا بَنَاتٍ؛ ٢. رَأَى أَبْنَاءُ اللهِ بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ، فَاتَّخَذُوا لَهُمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا. ٣. فَقَالَ اللهُ: لَا يَمْكُثُ رُوحِي فِي الْإِنْسَانِ إِلَى الْأَبَدِ، لِأَنَّهُ بَشَرٌ: وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. ٤. وَكَانَ فِي الْأَرْضِ جَبَابِرَةُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ: فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ أَبْنَاءُ اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ وَوَلَدْنَ لَهُمْ؛ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَبْطَالُ الَّذِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ ذَوُو اسْمٍ. ٥. وَرَأَى اللهُ أَنَّ شَرَّ النَّاسِ قَدْ كَثُرَ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قُلُوبِهِمْ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. ٦. فَنَدِمَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الْإِنْسَانَ فِي الْأَرْضِ. وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. ٧. فَقَالَ الرَّبُّ: أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ الْإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْبَهَائِمِ، وَالدَّبَّابَاتِ إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ، لِأَنِّي نَدِمْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ. ٨. وَأَمَّا نُوحٌ فَوَجَدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. ٩. هَذِهِ مَوَالِيدُ نُوحَ: كَانَ نُوحٌ رَجُلًا بَارًّا كَامِلًا فِي أَجْيَالِهِ، وَسَارَ نُوحٌ مَعَ اللهِ. ١٠. وَوَلَدَ نُوحٌ ثَلَاثَةَ بَنِينَ: سَامًا وَحَامًا وَيَافِثَ. ١١. وَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أَمَامَ اللهِ، وَامْتَلَأَتِ الْأَرْضُ ظُلْمًا. ١٢. وَنَظَرَ اللهُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ قَدْ فَسَدَتْ، إِذْ كَانَ كُلُّ بَشَرٍ قَدْ أَفْسَدَ طَرِيقَهُ عَلَى الْأَرْضِ. ١٣. فَقَالَ اللهُ لِنُوحَ: نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي، لِأَنَّ الْأَرْضَ امْتَلَأَتْ ظُلْمًا مِنْهُمْ. فَهَا أَنَا مُهْلِكُهُمْ مَعَ الْأَرْضِ. ١٤. اصْنَعْ لَكَ فُلْكًا مِنْ خَشَبٍ مَسْنُونٍ: تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ، وَتَطْلِيهِ مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ بِالْقَارِ. ١٥. وَهَكَذَا تَصْنَعُهُ: ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ. ١٦. وَتَصْنَعُ كُوَّةً لِلْفُلْكِ، وَتُتَمِّمُهَا إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ. وَتَجْعَلُ بَابَ الْفُلْكِ فِي جَانِبِهِ، مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً تَجْعَلُهَا فِيهِ. ١٧. فَهَا أَنَا آتٍ بِطُوفَانِ الْمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ لِأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ حَيَاةٍ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. كُلُّ مَا فِي الْأَرْضِ يَمُوتُ. ١٨. وَلَكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ، فَتَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. ١٩. وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ اثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تُدْخِلُ الْفُلْكَ لِاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ: ذَكَرًا وَأُنْثَى. ٢٠. مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الْأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا: اثْنَيْنِ مِنْ كُلٍّ تَدْخُلُ إِلَيْكَ لِاسْتِبْقَائِهَا. ٢١. وَأَنْتَ فَخُذْ لَكَ مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ وَاجْمَعْهُ عِنْدَكَ، فَيَكُونَ لَكَ وَلَهَا طَعَامًا. ٢٢. فَفَعَلَ نُوحٌ حَسَبَ كُلِّ مَا أَمَرَهُ بِهِ اللهُ.


الْآيَةُ ١: شَرَعَ النَّاسُ يَتَكَاثَرُونَ

١. «وَلَمَّا شَرَعَ النَّاسُ يَتَكَاثَرُونَ.» — يَرَى يُوسِيفُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْدَاثَ وَقَعَتْ نَحْوَ الْجِيلِ السَّابِعِ مِنْ آدَمَ، أَيْ فِي زَمَنِ أَخْنُوخَ. فَهَذَا إِذَنْ تَلْخِيصٌ اسْتِعَادِيٌّ: إِذْ يُلَخِّصُ مُوسَى هُنَا وَيَعُودُ مِنْ نُوحَ إِلَى الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الطُّوفَانَ.


الْآيَةُ ٢: أَبْنَاءُ اللهِ

٢. «رَأَى أَبْنَاءُ اللهِ بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ.» — تَسْأَلُ: مَنْ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ، وَمَنْ بَنَاتُ النَّاسِ؟

الرَّأْيُ الْأَوَّلُ. يُجِيبُ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ هُمُ الْمَلَائِكَةُ — وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ ذَوُو أَجْسَادٍ، وَأَنَّهُمْ هُنَا فِي الْجَسَدِ ارْتَكَبُوا أَوَّلَ خَطِيئَةِ شَهْوَتِهِمْ، وَبِسَبَبِهَا طُرِدُوا مِنَ السَّمَاءِ. هَكَذَا قَالَ يُوسِيفُوسُ، وَفِيلُونُ (كِتَابُ «فِي الْجَبَابِرَةِ»)، وَيُوسْطِينُسُ (الدِّفَاعُ الْأَوَّلُ)، وَإِكْلِيمَنْضُسُ (الْمُتَفَرِّقَاتُ ٣)، وَتِرْتُلِّيَانُسُ (كِتَابُ «فِي زِينَةِ النِّسَاءِ»، حَيْثُ يُعَلِّمُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ هُنَا عَلَّمُوا النِّسَاءَ صِنَاعَةَ الْكُحْلِ وَالْأَسَاوِرِ وَسَائِرِ مُسْتَحْضَرَاتِ التَّجْمِيلِ)، وَلَكْتَانْتِيُوسُ (الْكِتَابُ ٢، الْفَصْلُ ١٥). وَلَا عَجَبَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا ذَلِكَ: فَحَتَّى فِي هَذَا الْعَصْرِ، رَأَى كَايِتَانُسُ أَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنَّ لِلْمَلَائِكَةِ أَجْسَادَهُمُ الْخَاصَّةَ.

الرَّأْيُ الثَّانِي. ثَانِيًا، يُجِيبُ آخَرُونَ أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ (أَيْ مِنْ حَيْثُ الطَّبِيعَةُ) هُمْ شَيَاطِينُ، وَلَدُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَطَبِيعَتِهِمْ وَأَجْسَادِهِمْ عَلَى نَحْوِ الْبَشَرِ، كَمَا زَعَمَ الْأَفْلَاطُونِيُّونَ وَفْرَنْسِيسُ جُورْجُ (الْمُجَلَّدُ ١، الْمَسْأَلَةُ ٧٤)؛ أَوْ بِالْأَحْرَى، كَمَا يَرَى بُورْجَنْسِيسُ وَفْرَنْسِيسُ فَالِيسِيُوسُ (الْفَلْسَفَةُ الْمُقَدَّسَةُ، الْفَصْلُ ٨)، أَنَّهُمْ شَيَاطِينُ — أَوَّلًا بِصِفَتِهِمْ سُكُّوبِيِّينَ اسْتَقْبَلُوا أَقْوَى مَنِيٍّ مِنْ أَشَدِّ الرِّجَالِ قُوَّةً، ثُمَّ نَقَلَ الشَّيَاطِينُ أَنْفُسُهُمْ بِصِفَتِهِمْ إِنْكُوبِيِّينَ ذَلِكَ الْمَنِيَّ إِلَى أَشَدِّ النِّسَاءِ قُوَّةً، فَوَلَدُوا بِذَلِكَ الْجَبَابِرَةَ. فَمَعَ أَنَّ بِيرِيرِيُوسَ يَشُكُّ فِي إِمْكَانِ تَوْلِيدِ إِنْسَانٍ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الشَّيَاطِينِ الْإِنْكُوبِيِّينَ، وَكِيرِلُّسُ يُنْكِرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ كَرْدَانُوسَ وَكَايِتَانُسَ يُثْبِتَانِهِ، وَدِلْرِيُو يُبَرْهِنُ عَلَيْهِ جَيِّدًا (الْكِتَابُ ٢ مِنَ «الْمَبَاحِثِ السِّحْرِيَّةِ»، الْمَسْأَلَةُ ١٥).

الرَّأْيُ الثَّالِثُ. لَكِنَّنِي أَقُولُ: «أَبْنَاءُ اللهِ» هُنَا يُسَمَّوْنَ أَبْنَاءَ شِيثَ. أَوَّلًا، بِسَبَبِ قَدَاسَتِهِمْ وَبِرِّهِمْ وَعِفَّتِهِمْ وَسَائِرِ فَضَائِلِهِمْ، الَّتِي كَانَتْ صُورَةُ اللهِ تَتَلَأْلَأُ بِهَا فِيهِمْ بِوَصْفِهِمْ أَبْنَاءَهُ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَكِيرِلُّسُ، وَثِيُودُورِيطُسُ، وَرُوبِرْتُسُ، وَهِيلَارِيُوسُ (فِي تَفْسِيرِ الْمَزْمُورِ ١٣٢). ثَانِيًا، كَمَا يُلَاحِظُ أُولِيَاسْتَرُ، هِيَ عِبَارَةٌ عِبْرِيَّةٌ: فَالْعِبْرَانِيُّونَ يُسَمُّونَ كُلَّ مَا هُوَ قَوِيٌّ وَعَظِيمٌ وَفَاضِلٌ «لِلَّهِ» — فَ«جِبَالُ اللهِ» وَ«أَرْزُ اللهِ» تَعْنِي أَعْلَى الْجِبَالِ وَأَعْظَمَ الْأَرْزِ. وَهَكَذَا يُسَمَّى «أَبْنَاءُ اللهِ» أَبْنَاءَ شِيثَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَشِدَّاءَ، بَارِزِينَ فِي الْقُوَّةِ وَالْهَيْئَةِ وَالْجَمَالِ وَالْقَامَةِ. وَبِالْعَكْسِ يُسَمَّى أَبْنَاءُ قَايِنَ وَبَنَاتُهُ «أَبْنَاءَ النَّاسِ وَبَنَاتِ النَّاسِ» — أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا فَاسِدِينَ مُتَعَلِّقِينَ بِالْأَرْضِيَّاتِ، وَثَانِيًا لِأَنَّهُمْ أَضْعَفُوا وَأَنْقَصُوا قُوَّةَ الْجَسَدِ وَهَيْئَتَهُ وَقَامَتَهُ. وَمِنْ هُنَا، كَمَا يُلَاحِظُ بِيرِيرِيُوسُ، يُقَالُ إِنَّ الْقَايِنِيِّينَ وَلَدُوا لَا بَنِينَ بَلْ بَنَاتٍ، لِأَنَّ قُوَّتَهُمُ التَّنَاسُلِيَّةَ الَّتِي أَضْعَفَتْهَا الشَّهْوَةُ الْمُنْفَلِتَةُ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُنْتِجَ بَنِينَ بَلْ بَنَاتٍ فَحَسْبُ تَقْرِيبًا. وَيُضِيفُ ثِيُودُورِيطُسُ وَسُويدَا سَبَبًا ثَالِثًا: أَنَّ شِيثَ بِسَبَبِ تَقْوَاهُ وَحِكْمَتِهِ سُمِّيَ «إِلَهًا» — فَمِنْ هُنَا يُسَمَّى أَبْنَاؤُهُ أَبْنَاءَ اللهِ.

الرَّأْيُ الرَّابِعُ. رَابِعًا، يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ «أَبْنَاءُ اللهِ» بِمَعْنَى «أَبْنَاءُ الْأَقْوِيَاءِ»، كَمَا تَرْجَمَ سِيمَاخُوسُ وَالْكَلْدَانِيُّ وَبَانْيِينُسُ، بِحَيْثُ تُسَمَّى «بَنَاتُ النَّاسِ» نِسَاءَ الْعَامَّةِ اللَّوَاتِي أَسَاءَ إِلَيْهِنَّ الْأَقْوِيَاءُ بِقُوَّتِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ اللهُ، كَمَا يَشْهَدُ الدِّمَشْقِيُّ، يُسَمَّى كَذَلِكَ مِنَ «التَّدْبِيرِ» وَ«الْعِنَايَةِ»، فَإِنَّ الْحُكَّامَ وَالْأَقْوِيَاءَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الْعِنَايَةُ بِالْآخَرِينَ يُسَمَّوْنَ «آلِهَةً». وَمِنْ هُنَا قَوْلُ اللهِ لِمُوسَى: «جَعَلْتُكَ إِلَهًا لِفِرْعَوْنَ.» هَكَذَا قَالَ مُولِينَا. لَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، بِمَا أَنَّهُ أَوْضَحُ وَأَشْهَرُ، هُوَ أَيْضًا أَصَحُّ.


الْآيَةُ ٣: لَا يَمْكُثُ رُوحِي

٣. «لَا يَمْكُثُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ لُو يَادُونْ، وَهُوَ مَا يُشْتَقُّهُ سِيمَاخُوسُ وَأَرْيَاسُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْجَذْرِ دُون، وَيُتَرْجِمُونَهُ «لَا يَدِينُ، لَا يُخَاصِمُ»، كَأَنَّ اللهَ يَقُولُ: لَنْ أَدَعَ هَذَا النِّزَاعَ بَيْنَ رَحْمَتِي وَعَدَالَتِي يَسْتَمِرُّ هَذِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ. وَلَا أُرِيدُ بَعْدُ أَنْ أُصَارِعَ عِنَادَ الْبَشَرِ. لَقَدْ أَضْنَانِي وَأَحْزَنَنِي وَعَذَّبَنِي هَذَا الصِّرَاعُ الْعَظِيمُ بَيْنَ الْعَوَاطِفِ الْمُتَضَادَّةِ: فَسَأَفْصِلُ فِي النِّزَاعِ، وَأُبِيدُ النَّاسَ الْعَاصِينَ الْمُنْغَمِسِينَ كُلِّيًّا فِي الْجَسَدِ إِبَادَةً تَامَّةً. يَتَكَلَّمُ اللهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ الْبَشَرِيِّ. وَهَكَذَا قَرَأَهُ أَيْضًا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي «الْمَسَائِلِ» أَوِ «التَّقَالِيدِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ»: «فِي الْعِبْرِيِّ»، يَقُولُ، «مَكْتُوبٌ: لَا يَدِينُ رُوحِي هَؤُلَاءِ النَّاسَ إِلَى الْأَبَدِ، لِأَنَّهُمْ بَشَرٌ — أَيْ لِأَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ هَشَّةٌ، فَلَنْ أَحْفَظَهُمْ لِعَذَابٍ أَبَدِيٍّ، بَلْ أَجْزِيهِمْ هُنَا مَا يَسْتَحِقُّونَ. فَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ، كَمَا يُقْرَأُ فِي مَصَاحِفِنَا، بَلْ عَلَى رَأْفَةِ اللهِ، حِينَ يُزَارُ الْخَاطِئُ هُنَا بِسَبَبِ إِثْمِهِ.»

ثَانِيًا، وَبِصُورَةٍ أَفْضَلَ، بَانْيِينُسُ وَكَايِتَانُسُ مَعَ الْقِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الْفَمِ يَقْرَؤُونَ بَدَلَ يَادُونْ، بِتَنْقِيطٍ مُخْتَلِفٍ، يِيدُّونْ، مِنَ الْجَذْرِ نَدَنْ، أَيِ «الْغِمْدُ» — كَأَنَّمَا يَقُولُ: لَنْ يَمْكُثَ رُوحِي فِي جَسَدِ الْإِنْسَانِ كَمَا فِي غِمْدٍ بَعْدُ؛ سَأَسُلُّ، أَيْ أَنْتَزِعُ النَّفْسَ مِنَ الْجَسَدِ. وَلِذَلِكَ يُسَمِّي السُّرْيَانُ الْجَسَدَ نِدْنِي، لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ غِمْدِ النَّفْسِ.

ثَالِثًا، وَبِأَوْضَحِ تَفْسِيرٍ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ مَعَ لِيُو كَاسْتْرِيُو (الْكِتَابُ ٣ مِنَ «الدِّفَاعِ») أَنَّ الْقِرَاءَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعِبْرِيِّ بَدَلَ يَادُونْ هِيَ يَالُونْ، مِنَ الْجَذْرِ لُونْ، أَيْ «أَقَامَ، مَكَثَ، نَزَلَ ضَيْفًا»؛ فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ السَّبْعِينِيَّةَ وَالتَّرْجُمَ الْكَلْدَانِيَّ وَتَرْجَمَتَنَا الْفُولْغَاتِيَّةَ جَمِيعَهَا تُتَرْجِمُ «لَا يَمْكُثُ» — أَيِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، كَمَا فِي مَنْزِلِهِ.

«رُوحِي.» — النَّفْسُ وَالْحَيَاةُ الَّتِي نَفَخْتُهَا فِي الْإِنْسَانِ، التَّكْوِينُ ٢؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ يَمْلِكُ نَفَسَنَا وَحَيَاتَنَا وَرُوحَنَا فِي يَدِهِ، دَانِيَالُ ٥: ٢٣.

«إِلَى الْأَبَدِ.» — أَيْ إِلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ، كَالَّذِي عَاشَهُ النَّاسُ مُنْذُ آدَمَ حَتَّى الْآنَ، لِأَنَّهُ كَمَا سَيَأْتِي، بَعْدَ ١٢٠ سَنَةً سَأُهْلِكُ الْجَمِيعَ بِالطُّوفَانِ.

«لِأَنَّهُ بَشَرٌ.» — لِأَنَّهُ جَسَدَانِيٌّ، وَقَدْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ بِذَنْبِهِ فِي رَذَائِلِ الْجَسَدِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.

«وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.» — يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللهَ هُنَا يُحَدِّدُ أَجَلَ الْحَيَاةِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ عَلَى حِدَةٍ، كَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لَنْ يَعِيشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا ١٢٠ سَنَةً. هَكَذَا قَالَ يُوسِيفُوسُ وَفِيلُونُ وَرُوبِرْتُسُ وَالْأَبُولَنْسِيُّ. لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ: فَمِنَ الثَّابِتِ أَنَّ النَّاسَ عَاشُوا بَعْدَ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لَا ١٢٠، بَلْ ٤٠٠ سَنَةٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ ١١.

أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ اللهَ هُنَا يُحَدِّدُ أَجَلًا لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ كُلِّهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ أَسَاءَ إِلَيَّ النَّاسُ الْجَسَدَانِيُّونَ إِسَاءَةً عَظِيمَةً. كُنْتُ أَسْتَطِيعُ إِهْلَاكَهُمْ هَذِهِ اللَّحْظَةَ؛ لَكِنِّي رَحِيمٌ، فَأُعْطِيهِمْ وَقْتًا لِلتَّوْبَةِ، وَقْتًا سَخِيًّا — وَهُوَ ١٢٠ سَنَةً. فَإِنْ أَهْمَلُوهُ، فَبَعْدَ ١٢٠ سَنَةً أُبِيدُهُمْ جَمِيعًا بِالطُّوفَانِ الَّذِي أَجْلِبُهُ عَلَى الْعَالَمِ. هَكَذَا قَالَ الْكَلْدَانِيُّ وَإِيرُونِيمُوسُ وَالذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأُغُسْطِينُسُ (مَدِينَةُ اللهِ، الْكِتَابُ ١٥، الْفَصْلُ ٢٤). وَلِذَلِكَ، كَمَا يُلَاحِظُ أُغُسْطِينُسُ وَسَلْفِيَانُسُ بِحَقٍّ، قَالَ اللهُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي سَنَةِ نُوحَ ٤٨٠، قَبْلَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ مَوْلِدِ سَامٍ الَّذِي حَصَلَ فِي سَنَةِ نُوحَ ٥٠٠، كَمَا أَنَّ الطُّوفَانَ وَقَعَ فِي سَنَتِهِ ٦٠٠ — وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَهُوغُو يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قِيلَتْ فِي سَنَةِ نُوحَ ٥٠٠، قَبْلَ ١٠٠ سَنَةٍ مِنَ الطُّوفَانِ، بِحَيْثُ أَنَّ اللهَ أَنْقَصَ وَاخْتَصَرَ ٢٠ سَنَةً مِنْ هَذِهِ الْـ١٢٠ سَنَةً بِسَبَبِ خَطَايَا النَّاسِ. فَهُنَا إِذَنْ حَدَّدَ اللهُ لِلْعَالَمِ مُهْلَةَ تَوْبَةٍ مِقْدَارُهَا ١٢٠ سَنَةً، وَكَشَفَهَا لِنُوحَ لِيُعْلِنَهَا هُوَ لِلْعَالَمِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ نُوحًا عُيِّنَ ضِمْنِيًّا مِنَ اللهِ كَارِزًا لِلتَّوْبَةِ وَمُنْذِرًا بِالطُّوفَانِ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَدَّى هَذَا الْوَاجِبَ بِجِدٍّ وَأَمَانَةٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنَ الْمُرَجَّحِ جِدًّا أَنَّ جَدَّهُ مَتُوشَالَحَ وَأَبَاهُ لَامَكَ كَانَا رَفِيقَيْهِ فِي هَذَا الْعَمَلِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ بِيرُوسُوسُ الْكَلْدَانِيُّ (الْكِتَابُ ١): «ثُمَّ كَثُرَ الْوَاعِظُونَ وَالْمُتَنَبِّئُونَ، وَنَقَشُوا عَلَى الْحِجَارَةِ عَنْ هَلَاكِ الْعَالَمِ الْآتِي؛ لَكِنَّ أُولَئِكَ الْمُعْتَادِينَ عَلَى عَادَاتِهِمْ سَخِرُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، بَيْنَمَا كَانَ غَضَبُ السَّمَاءِ وَانْتِقَامُهَا يَضْغَطُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَجَرَائِمِهِمْ.»

لَاحِظْ هُنَا الْعِبْرَةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ: كَمَا أَنَّ الْكُفْرَ وَالشَّرَّ يُبِيدَانِ الْعَائِلَاتِ حَتَّى أَعْرَقَهَا وَأَنْبَلَهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ قَايِنَ وَالْجَبَابِرَةِ، كَذَلِكَ التَّقْوَى وَالِاسْتِقَامَةُ تُخَلِّدَانِهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ شِيثَ وَنُوحَ. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ الْمَزْمُورُ ٣٦: «الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ، وَأَمَّا الْأَشْرَارُ فَيَهْلِكُونَ، وَبَقِيَّةُ الْمُنَافِقِينَ تُبَادُ مَعًا.»

رَمْزِيًّا، يُفَسِّرُ الْقَبَالِيُّونَ، وَمِنْهُمْ بُطْرُسُ بُونْغُوسُ (رِسَالَةٌ «فِي أَسْرَارِ الْأَعْدَادِ»، فِي السِّتَّةِ آلَافٍ)، هَذِهِ الْـ١٢٠ سَنَةً عَلَى أَنَّهَا سَنَوَاتٌ مُوسَوِيَّةٌ كُبْرَى، أَيْ يُوبِيلِيَّةٌ، بِحَيْثُ تَشْمَلُ كُلُّ سَنَةٍ هُنَا خَمْسِينَ سَنَةً عَادِيَّةً؛ وَبِالتَّالِي تُنْتِجُ هَذِهِ الْـ١٢٠ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ عَادِيَّةٍ (إِذْ اضْرِبْ ١٢٠ فِي خَمْسِينَ تَحْصُلْ عَلَى سِتَّةِ آلَافٍ)، وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي يَدُومُ فِيهَا هَذَا الْعَالَمُ وَحَيَاةُ النَّاسِ وَعُمْرُهُمْ — وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ٢.


الْآيَةُ ٤: الْجَبَابِرَةُ عَلَى الْأَرْضِ

٤. «وَكَانَ فِي الْأَرْضِ جَبَابِرَةُ.» — مِنْ كَلِمَةِ «كَانَ» يَبْدُو أَنَّ الْجَبَابِرَةَ وُجِدُوا قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ بِحَيْثُ أَنَّهُمْ تَكَاثَرُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنِ اخْتِلَاطِ أَبْنَاءِ اللهِ بِبَنَاتِ النَّاسِ. وَلِذَلِكَ الْعِبْرِيَّةُ بَدَلَ «بَعْدَ ذَلِكَ» تَقُولُ «وَأَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ»؛ وَالتَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ تُتَرْجِمُ بِوُضُوحٍ: «كَانَ فِي الْأَرْضِ جَبَابِرَةُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، حِينَ دَخَلَ أَبْنَاءُ اللهِ عَلَى بَنَاتِ النَّاسِ.» هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ وَفَاتَابْلُسُ وَغَيْرُهُمَا.

مُلَاحَظَةٌ: الْجَبَابِرَةُ يُسَمَّوْنَ فِي الْعِبْرِيَّةِ نَفِيلِيمْ، أَيِ «السَّاقِطُونَ عَلَى» (مِنَ الْجَذْرِ نَفَلْ، أَيْ «سَقَطَ»)، بِالْمَعْنَى الْفَاعِلِيِّ — كَأَنَّ الْمُرَادَ: الْمُنْقَضُّونَ، الْقَاهِرُونَ، الَّذِينَ يَطْرَحُونَ كُلَّ شَيْءٍ كَالْعَاصِفَةِ وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْخَرَابِ وَالدَّمَارِ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ أَكِيلَا «أُولَئِكَ الَّذِينَ يَنْقَضُّونَ بِعُنْفٍ»؛ وَمِنْ هُنَا قَوْلُ أَيُّوبَ ١٦: ١٥: «هَجَمَ عَلَيَّ كَجَبَّارٍ.» فَقَدْ كَانَ الْجَبَابِرَةُ أَضْخَمَ النَّاسِ وَأَطْوَلَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ وَأَعْنَفَهُمْ. وَيُسَمَّوْنَ أَيْضًا نِسْبَةً إِلَى أَسْلَافِهِمْ رَافَا وَعَنَاقَ: الرِّفَائِيِّينَ وَالْعَنَاقِيِّينَ. وَبِالْيُونَانِيَّةِ يُسَمَّوْنَ غِيغَانْتِسْ، كَأَنَّهَا غِيغِنِيسْ، أَيِ «الْمَوْلُودُونَ مِنَ الْأَرْضِ»، أَبْنَاءُ الْبَطْنِ وَالتُّرَابِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَفِيلُونُ.

يَرَى بُورْجَنْسِيسُ أَنَّ الْجَبَابِرَةَ كَانُوا شَيَاطِينَ مُتَلَبِّسِينَ بِهَيْئَةٍ بَشَرِيَّةٍ. وَيَرَى فَالِيسِيُوسُ أَنَّ الْجَبَابِرَةَ كَانُوا أَبْنَاءَ شَيَاطِينَ إِنْكُوبِيِّينَ. وَيَرَى فِيلُونُ أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ إِجْرَامًا يُسَمَّوْنَ جَبَابِرَةً. لَكِنَّ الْمُؤَكَّدَ أَنَّ الْجَبَابِرَةَ كَانُوا بَشَرًا تَمَيَّزُوا بِقَامَةٍ وَحْشِيَّةٍ وَقُوَّةٍ وَسَلْبٍ وَطُغْيَانٍ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْجَبَابِرَةَ، بِجَرَائِمِهِمْ، كَانُوا أَعْظَمَ سَبَبٍ وَأَهَمَّهُ لِلطُّوفَانِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْحِكْمَةِ ١٤: ٦ وَأَيُّوبَ ٢٦: ٥. وَمُوسَى نَفْسُهُ يُلَمِّحُ إِلَى ذَلِكَ هُنَا: إِذْ لِهَذَا السَّبَبِ، وَهُوَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَصِفَ الطُّوفَانَ، يَذْكُرُ الْجَبَابِرَةَ أَوَّلًا بِوَصْفِهِمْ سَبَبَ الطُّوفَانِ. وَهَكَذَا يُعَلِّمُ الْمُفَسِّرُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

وَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْضًا، وَخَاصَّةً مِنْ بِنَاءِ بُرْجِ بَابِلَ (الَّذِي يُنَاقَشُ فِي الْإِصْحَاحِ ١١)، اسْتَقَى الْوَثَنِيُّونَ أُسْطُورَةَ الْجَبَابِرَةِ وَالتِّيتَانِ، كَمَا يُعَلِّمُ بِيرِيرِيُوسُ اقْتِدَاءً بِالْقِدِّيسِ أَمْبْرُوسِيُوسَ وَأُوسَابِيُوسَ (الْإِعْدَادُ لِلْإِنْجِيلِ، الْكِتَابُ ٥، الْفَصْلُ ٤). إِذْ آمَنَ الْقُدَمَاءُ بِأَنَّ الْجَبَابِرَةَ كَانُوا بَشَرًا فَارِعِي الْقَامَةِ، ذَوِي أَقْدَامِ أَفَاعِي، أَنْجَبَتْهُمُ الْأَرْضُ الْغَاضِبَةُ لِإِهْلَاكِ الْآلِهَةِ — لِيَشُنُّوا حَرْبًا عَلَى الْآلِهَةِ وَيَخْلَعُوا جُوبِيتَرَ مِنْ مُلْكِ السَّمَاءِ — لَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَبَثًا وَبَاطِلًا: فَقَدْ سَحَقَهُمْ جُوبِيتَرُ. وَيُوجِزُ أُوفِيدِيُوسُ ذَلِكَ فِي أَبْيَاتٍ قَلِيلَةٍ: «يَقُولُونَ إِنَّ الْجَبَابِرَةَ طَمِعُوا فِي مَمْلَكَةِ السَّمَاءِ، / وَكَدَّسُوا الْجِبَالَ نَحْوَ النُّجُومِ الْعَالِيَةِ. / فَحَطَّمَ الْأَبُ الْقَدِيرُ الْأُولِمْبَ بِصَاعِقَتِهِ، / وَقَذَفَ بِيلِيُونَ مِنْ تَحْتِ أُوسَّا.»

«بَعْدَ ذَلِكَ» — أَيْ خَاصَّةً بَعْدَ ذَلِكَ. مُلَاحَظَةٌ: وُلِدَ الْجَبَابِرَةُ بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ أَبْنَاءِ شِيثَ (فَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ أَبْنَاءَ اللهِ)، الَّذِينَ كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ بِأَكْمَلِ قُوَّةٍ جَسَدِيَّةٍ، وَقَدِ انْحَطُّوا عَنِ اسْتِقَامَتِهِمُ الْأُولَى، وَاسْتَسْلَمُوا بِكُلِّيَّتِهِمْ لِلْأَرْضِ وَالْبَطْنِ بِأَشَدِّ حُبٍّ وَلَهِيبِ شَهْوَةٍ، فَتَعَلَّقُوا بِبَنَاتِ قَايِنَ (فَهَؤُلَاءِ يُسَمَّيْنَ بَنَاتِ النَّاسِ) اللَّوَاتِي كُنَّ أَجْمَلَ النِّسَاءِ. فَقَدْ جَعَلَتِ الشَّهْوَةُ الطَّبِيعَةَ تَبْذُلُ فِيهِمْ كُلَّ قُوَّتِهَا وَأَقْصَى طَاقَتِهَا، فَوُلِدَ بِذَلِكَ أَضْخَمُ الرِّجَالِ وَأَقْوَاهُمْ. وَيُقَدِّمُ تُومَاسُ فَاسِيلُّوسُ (فِي شُؤُونِ صِقِلِّيَّةَ، الْكِتَابُ ١، الْعَقْدُ ١، الْفَصْلُ ٦) أَمْثِلَةً كَثِيرَةً عَلَى جَبَابِرَةَ مِنْ عَصْرٍ يَكَادُ يَكُونُ عَصْرَنَا، كَانَ بَعْضُهُمْ ١٨ ذِرَاعًا وَبَعْضُهُمْ ٢٠ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرَ طُولًا.

تَأَمَّلْ هُنَا كَيْفَ تَنْتَقِلُ الْقُوَّةُ وَكَذَلِكَ الْفَضِيلَةُ أَوِ الرَّذِيلَةُ مِنَ الْآبَاءِ إِلَى الْأَبْنَاءِ. وَبِحَقٍّ قَالَ الشَّاعِرُ: «الشُّجْعَانُ يُنْجِبُونَ الشُّجْعَانَ؛ / فِي الثِّيرَانِ وَالْخُيُولِ فَضِيلَةُ آبَائِهَا، / وَالنُّسُورُ الشَّرِسَةُ لَا تُنْجِبُ / الْحَمَامَةَ الْوَدِيعَةَ.»


الْآيَةُ ٥: كُلُّ تَصَوُّرٍ مُنْصَرِفٌ إِلَى الشَّرِّ

٥. «كُلُّ تَصَوُّرٍ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: كُلْ يِتْصِرْ مَحْشِبُوتْ، «كُلُّ صِيَاغَةِ الْأَفْكَارِ»؛ إِذْ يِتْصِرْ يَعْنِي صِيَاغَةً، أَوْ مَصْنُوعَ الْفَخَّارِيِّ. وَمِنْ هُنَا يَهْذِي إِلِّيرِيكُوسُ حِينَ يُصَوِّغُ مِنْ هَذَا النَّصِّ — بَلْ مِنْ مَصْنَعِ خَزَفِهِ الْبَشِعِ — فِكْرَةَ أَنَّ الْخَطِيئَةَ الْأَصْلِيَّةَ لَيْسَتْ عَرَضًا بَلْ هِيَ جَوْهَرُ الْإِنْسَانِ وَصُورَتُهُ الْجَوْهَرِيَّةُ. فَمِثْلُ هَذَا الْجَوْهَرِ — يَقُولُ — هُوَ مَصْنُوعُ الْفَخَّارِيِّ. لَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَبِهْ أَنَّ هَذَا «الْمَصْنُوعَ» لَيْسَ مَصْنُوعَ اللهِ بَلْ مَصْنُوعُ «الْأَفْكَارِ»؛ وَفِكْرُ الْإِنْسَانِ لَا يَرْسُمُ وَيَصُوغُ لِنَفْسِهِ جَوْهَرًا بَلْ صُورَةً لِجَوْهَرٍ مَرْغُوبٍ — وَهَذِهِ الصُّورَةُ عَرَضٌ لَا جَوْهَرٌ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ كَلْفِينُسُ «كُلُّ تَخَيُّلٍ». فَكَمَا يَصُوغُ الْفَخَّارِيُّ أَصْنَامَهُ، كَذَلِكَ يَصُوغُ الْخَيَالُ وَالشَّهْوَةُ فِي الْإِنْسَانِ صُوَرَهُ كَالْأَصْنَامِ (وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ كِبْرِيَانُسَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ «فِي الْأَعْمَالِ الرَّئِيسِيَّةِ»)، وَيَتَغَذَّى بِهَا وَيَتَلَذَّذُ، لَا قَسْرًا بَلْ طَوْعًا — وَلِذَلِكَ يُعَاقَبُ بِحَقٍّ، كَمَا عُوقِبَ هَؤُلَاءِ بِالطُّوفَانِ.

«مُنْصَرِفٌ إِلَى الشَّرِّ.» — يَسْتَنْتِجُ كَلْفِينُسُ: إِذَنْ جَمِيعُ أَعْمَالِنَا، حَتَّى الْمُقَدَّسَةُ مِنْهَا، مُلَوَّثَةٌ بِخَطِيئَةٍ خَفِيَّةٍ مِنَ الشَّهْوَةِ — بَلْ هِيَ نَجِسَةٌ كُلُّهَا. فَالْعِبْرِيَّةُ تُضِيفُ رَقْ، أَيْ «فَقَطْ» مُنْصَرِفٌ إِلَى الشَّرِّ.

أُجِيبُ: كَلِمَةُ رَقْ لَمْ تُتَرْجِمْهَا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ وَلَا الْكَلْدَانِيُّ وَلَا تَرْجَمَتُنَا، لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهَا زِيدَتْ فِي الْعِبْرِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْحَشْوِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَأَنَّهَا مُتَضَمَّنَةٌ فِي قَوْلِهِ «كُلُّ تَصَوُّرٍ وَكُلَّ وَقْتٍ مُنْصَرِفٌ إِلَى الشَّرِّ». وَأُجِيبُ ثَانِيًا: الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هُنَا لَا يَتَكَلَّمُ عَنِ الْأَبْرَارِ بَلْ عَنِ الْخُطَاةِ الَّذِينَ بِسَبَبِهِمْ جِيءَ بِالطُّوفَانِ. فَفَوْرًا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَثْنِي نُوحًا الْبَارَّ فِي الْآيَةِ ٨، الَّذِي كَانَ كُلُّ تَصَوُّرِهِ تَقْرِيبًا مُنْصَرِفًا لَا إِلَى الشَّرِّ بَلْ إِلَى الْخَيْرِ. وَأُجِيبُ ثَالِثًا: هَذَا مُبَالَغَةٌ؛ فَالْخُطَاةُ، حَتَّى أَعْظَمُهُمْ، يَفْعَلُونَ بَعْضَ الْخَيْرِ حِينَ يُطِيعُونَ آبَاءَهُمْ وَيُسَاعِدُونَ جِيرَانَهُمْ وَيَفُونَ بِعُهُودِهِمْ لِلْآخَرِينَ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. فَ«كُلُّ» تَعْنِي أَكْثَرَ وَأَغْلَبَ «تَصَوُّرٍ». وَهَكَذَا نَقُولُ عَادَةً: هَذَا الْإِنْسَانُ لَا يَحْلُمُ إِلَّا (أَيْ كَثِيرًا مَا لَا يُفَكِّرُ إِلَّا) بِبَطْنِهِ. وَمُبَالَغَةٌ مُمَاثِلَةٌ فِي الْمَزْمُورِ ١٣: ٣ وَرُومِيَةَ ٣: ١٢.

أَضِفْ رَابِعًا أَنَّ مُوسَى يَتَكَلَّمُ بِالتَّحْدِيدِ عَنِ الْخُطَاةِ — لَا جَمِيعِهِمْ بَلْ فَقَطْ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَاشُوا فِي زَمَنِ نُوحَ، وَكَانُوا أَسْوَأَ النَّاسِ وَأَشَرَّهُمْ. حَتَّى لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا خَيْرًا بَلْ شَرًّا فَقَطْ، وَذَلِكَ مِنْ خُبْثِهِمُ الْحُرِّ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ فِعْلَ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا أَنَّ سَائِرَ الْخُطَاةِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي أَزْمِنَةٍ أُخْرَى لَا يَفْعَلُونَ خَيْرًا بَلْ شَرًّا فَقَطْ.

مِنْ هَذَا النَّصِّ يَسْتَنْتِجُ بِيرِيرِيُوسُ عَلَى الْأَرْجَحِ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَمْ يَكُنْ بَارًّا إِلَّا نُوحٌ مَعَ ذُرِّيَّتِهِ، وَكَانَ سَائِرُ النَّاسِ أَشْرَارًا، وَلِذَلِكَ كَمَا غَرِقُوا فِي مِيَاهِ الطُّوفَانِ غَرِقُوا أَيْضًا فِي الْجَحِيمِ — مَا عَدَا الْأَطْفَالَ الَّذِينَ وُلِدُوا ثَانِيَةً بِسِرِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِيمَا كَانُوا يَغْرَقُونَ. لَكِنَّ الْعَكْسَ أَرْجَحُ: وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْبَالِغِينَ أَيْضًا، حِينَ رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ مُحَاصَرِينَ بِالْمِيَاهِ تَغْمُرُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، تَابُوا وَتَبَرَّرُوا وَخَلَصُوا. يُعَلِّمُ ذَلِكَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَرُوبِرْتُسُ، وَيُلَمِّحُ إِلَيْهِ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ نَفْسُهُ بِمَا يَكْفِي (١ بُطْرُسَ ٣: ١٩)؛ فَهَكَذَا فِي أَخْطَارِ الْغَرَقِ، حَتَّى أَشَدُّ الْأَشْرَارِ يَلْجَؤُونَ إِلَى اللهِ بِعَاطِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ التَّقْوَى، وَيَعِدُونَ بِالْإِصْلَاحِ، وَيَطْلُبُونَ الْمَغْفِرَةَ وَيَنَالُونَهَا، فَتُخَلَّصَ النَّفْسُ وَإِنْ هَلَكَ الْجَسَدُ.


الْآيَةُ ٦: نَدِمَ الرَّبُّ

٦. «نَدِمَ الرَّبُّ.» — التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «أَعَادَ النَّظَرَ». فَمَنْ يَنْدَمُ عَلَى فِعْلٍ كَثِيرًا مَا يُقَلِّبُهُ وَيُعِيدُ النَّظَرَ فِيهِ: لِمَاذَا فَعَلْتُ هَذَا؟ لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْهُ! يَنْدَمُ الْإِنْسَانُ حِينَ يَسْتَرْجِعُ بِأَسًى وَيُعَاوِدُ النَّظَرَ فِي أَقْوَالِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ بِسَبَبِ نَتِيجَةٍ مُحْزِنَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا. وَاللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مُسْبَقًا وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْزَنَ، فَلَا يَنْدَمُ عَلَى شَيْءٍ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ. لَكِنَّهُ يُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْبِيرِ الْبَشَرِيِّ إِنَّهُ يَنْدَمُ وَيَحْزَنُ، حِينَ يُقَرِّرُ بِسَبَبِ خَطَايَا النَّاسِ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَوَاهِبَهُ وَنِعَمَهُ؛ حِينَ يُمِيتُ الْخُطَاةَ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَيُعَاقِبُهُمْ بِسَبَبِ خَطَايَاهُمْ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ سِيمَاخُوسُ «أَعْرَضَ». فَنَدِمَ اللهُ — أَيْ إِنَّ اللهَ غَضِبَ وَسَخِطَ عَلَى خَطَايَا النَّاسِ وَقَرَّرَ أَنْ يَتَرَاجَعَ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي خَلَقَهُ وَيُبِيدَهُ.


الْآيَةُ ٧: أَمْحُو الْإِنْسَانَ

٧. «أَمْحُو الْإِنْسَانَ، إِلَى آخِرِهِ، حَتَّى الْبَهَائِمِ.» — مُلَاحَظَةٌ: الْخَطِيئَةُ تُفَكِّكُ انْسِجَامَ الْكَوْنِ بِأَسْرِهِ، لِأَنَّهَا لَا تُدَنِّسُ الْإِنْسَانَ وَتُشَوِّهُهُ فَحَسْبُ، بَلِ الْعَنَاصِرَ وَجَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ أَيْضًا. سَأُبَيِّنُ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أَعْمَالِ الْخَلْقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى حِدَةٍ: فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ خُلِقَ النُّورُ: تَطْرُدُهُ الْخَطِيئَةُ وَتُظْلِمُهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ إِرْمِيَا (الْإِصْحَاحُ ٤): «نَظَرْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا نُورٌ.» وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي خُلِقَ الْجَلَدُ وَالْأَفْلَاكُ السَّمَاوِيَّةُ: وَالْآنَ بِسَبَبِ الْخَطَايَا «تُطْوَى السَّمَاوَاتُ كَسِفْرٍ»، يَقُولُ إِشَعْيَاءُ (الْإِصْحَاحُ ٣٤، الْآيَةُ ٤)، لِكَيْلَا تَسْتُرَ الْخَطَايَا وَالْخُطَاةَ وَتُغَطِّيَهُمْ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُخْرِجَتِ النَّبَاتَاتُ: اسْمَعْ عَنْهَا إِرْمِيَا (الْإِصْحَاحُ ٤): «نَظَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِذَا هِيَ خَالِيَةٌ وَلَا شَيْءَ.» وَفِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ صُنِعَتِ الشَّمْسُ: تَكْسِفُهَا الْخَطِيئَةُ، كَمَا يُعَلِّمُ إِشَعْيَاءُ (الْإِصْحَاحُ ١٣، الْآيَةُ ١٠). وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ أُخْرِجَتِ الْأَسْمَاكُ وَالطُّيُورُ: يَقُولُ عَنْهَا إِرْمِيَا (الْإِصْحَاحُ ٤، الْآيَةُ ٢٥) إِنَّ كُلَّ طَائِرٍ فَرَّ بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ. وَفِي الْيَوْمِ السَّادِسِ خُلِقَتِ الدَّوَابُّ وَالْإِنْسَانُ: تُزِيلُهَا الْخَطِيئَةُ مِنَ الْجِبَالِ وَالْغَابَاتِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ هُوشَعَ (الْإِصْحَاحُ ٤، الْآيَةُ ٣). فَكُلُّ شَيْءٍ إِذَنْ يُعَاقَبُ مَعَ الْإِنْسَانِ الْخَاطِئِ، لِأَنَّهَا خَدَمَتْهُ فِي الْخَطِيئَةِ — أَوْ بِالْأَحْرَى الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ يُعَاقَبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِينَ يُحْرَمُ مِنْ كُلِّ مَا أَسَاءَ اسْتِعْمَالَهُ.


الْآيَةُ ٩: نُوحُ رَجُلٌ بَارٌّ

٩. «نُوحٌ رَجُلٌ بَارٌّ.»«إِنَّ نُوحًا»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (كِتَابُ «فِي الْفُلْكِ وَنُوحَ»، الْفَصْلُ ٤)، «لَا يُمْدَحُ بِنَسَبِهِ بَلْ بِبِرِّهِ: فَنَسَبُ الرَّجُلِ الْمُمْتَحَنِ هُوَ سُلَالَةُ فَضِيلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ نَسَبَ النَّاسِ يَتَأَلَّفُ مِنَ النَّاسِ، كَذَلِكَ نَسَبُ الْأَرْوَاحِ يَتَأَلَّفُ مِنَ الْفَضَائِلِ.» وَلِذَلِكَ حِينَ هَلَكَ الْعَالَمُ، حُفِظَ نُوحٌ وَحْدَهُ بِوَصْفِهِ أَصْلًا غَيْرَ فَاسِدٍ، لِيَكُونَ مَنْشَأَ عَالَمٍ جَدِيدٍ وَمَشْتَلَ بَشَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ.

فَالنُّبْلُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَدْحُ وَالْمَجْدُ إِذَنْ يَكْمُنُ فِي الْبِرِّ وَالدِّينِ وَالْفَضِيلَةِ. هَكَذَا حَكَمَ الْمَسِيحِيُّونَ الْأَوَائِلُ وَالنُّبَلَاءُ وَالشُّهَدَاءُ. فَالشَّهِيدُ رُومَانُسُ — حِينَ كَانَ الْإِمْبَرَاطُورُ غَالِيرِيُوسُ وَأَسْكِلِيبِيَادِسُ وَالِي أَنْطَاكِيَةَ يَهْجُمَانِ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ — وَقَدْ ضُرِبَ بِالسِّيَاطِ وَالرَّصَاصِ، رَفَضَ أَنْ يُعْفَى بِسَبَبِ نُبْلِ مَوْلِدِهِ: «حَاشَا»، قَالَ، «أَنْ يُشَرِّفَنِي دَمُ آبَائِي أَوْ قَانُونُ الْبَلَاطِ: فَاتِّبَاعُ الْمَسِيحِ الْكَرِيمُ هُوَ الَّذِي يُشَرِّفُ الرِّجَالَ.» فَأَمَرَ أَسْكِلِيبِيَادِسُ بِأَنْ يُشَقَّ جَنْبَاهُ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ: «أَشْكُرُكَ أَيُّهَا الْوَالِي أَنَّكَ فَتَحْتَ لِي أَفْوَاهًا أَوْسَعَ أُبَشِّرُ بِهَا بِالْمَسِيحِ: فَهَا إِنَّ الْأَفْوَاهَ الَّتِي تُسَبِّحُهُ بِعَدَدِ الْجِرَاحِ.» وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ بْرُودِنْتِيُوسُ فِي أَنَاشِيدِ التِّيجَانِ. وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسَةُ أَغَاثَا، حِينَ عَيَّرَهَا الْوَالِي كُوِنْتِيَانُسُ قَائِلًا: «أَلَا تَخْجَلِينَ وَأَنْتِ مِنْ أَصْلٍ نَبِيلٍ أَنْ تَعِيشِي حَيَاةَ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُتَوَاضِعَةَ الْخَادِمَةَ؟» أَجَابَتْ: «تَوَاضُعُ الْمَسِيحِيَّةِ وَخِدْمَتُهَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ ثَرْوَةِ الْمُلُوكِ وَكِبْرِيَائِهِمْ.»

الطُّوبَاوِيُّ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ (الْخُطْبَةُ ١١): «النُّبْلُ الْحَقِيقِيُّ»، يَقُولُ، «هُوَ الْحِفَاظُ عَلَى الصُّورَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُحَاكَاةُ النَّمُوذَجِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا يُحَقِّقُهُ الْعَقْلُ وَالْفَضِيلَةُ.»

«كَامِلًا.» — بِكَمَالِ الْحَيَاةِ لَا الْوَطَنِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْفِي كُلَّ خَطِيئَةٍ — لَا الْعَرَضِيَّةَ بَلِ الْمُمِيتَةَ — وَيَقُومُ عَلَى الِاجْتِهَادِ الدَّائِمِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْفَضَائِلِ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُسَ (كِتَابُ «فِي كَمَالِ الْبِرِّ»). وَلِذَلِكَ تُنْشِدُ سِيبِيلَا عَنْ نُوحَ (الْكِتَابُ ١): «وَحْدَهُ بَيْنَ الْجَمِيعِ كَانَ أَبَرَّ النَّاسِ وَأَصْدَقَهُمْ، / نُوحُ الْأَمِينُ الْمُتَفَانِي فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ»؛ وَيَسُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٤٤: ١٧: «نُوحٌ وُجِدَ كَامِلًا بَارًّا، وَفِي زَمَنِ الْغَضَبِ كَانَ كَفَّارَةً.» وَبُولُسُ (عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٧): «بِالْإِيمَانِ بَنَى نُوحٌ الْفُلْكَ، الَّذِي بِهِ دَانَ الْعَالَمَ، وَصَارَ وَارِثًا لِلْبِرِّ الَّذِي حَسَبَ الْإِيمَانِ.»

«فِي أَجْيَالِهِ.» — بَيْنَ أَهْلِ عَصْرِهِ وَزَمَانِهِ، وَبِالتَّالِي فَوْقَ أَهْلِ عَصْرِهِ. يُوضَعُ الْمُجَرَّدُ مَوْضِعَ الْمُشَخَّصِ — أَيْ «أَجْيَالُهُ» بَدَلًا مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي عَصْرِهِ. وَهَكَذَا يَقُولُ الْحَكِيمُ (الْجَامِعَةُ ١: ٤): «جِيلٌ يَمْضِي وَجِيلٌ يَأْتِي» — أَيْ حِقْبَةٌ وَذُرِّيَّةٌ مِنَ النَّاسِ تَمْضِي، وَسُرْعَانَ مَا تَعْقُبُهَا أُخْرَى مِنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ. فَكَمَا أَنَّ الْعَذْرَاءَ الْمُبَارَكَةَ تُسَمَّى مُبَارَكَةً بَيْنَ النِّسَاءِ، أَيْ فَوْقَ جَمِيعِ النِّسَاءِ. وَمِنْ هُنَا يَسْتَنْتِجُ بَعْضُهُمْ أَنَّ نُوحًا كَانَ أَيْضًا أَكْمَلَ مِنْ أَخْنُوخَ نَفْسِهِ وَمِنْ جَمِيعِ أَسْلَافِهِ الَّذِينَ عَاشُوا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. لَكِنْ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ قَوْلُ ذَلِكَ؛ إِذْ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَمْتَدَّ عَصْرُ نُوحَ إِلَى أَخْنُوخَ الَّذِي كَانَ قَدْ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ قَبْلَ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ. وَحَتَّى لَوْ مَدَدْنَا عَصْرَ نُوحَ إِلَى ذَلِكَ الْحَدِّ، فَيَكْفِي لِصِحَّةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَوْلُ إِنَّ نُوحًا كَانَ أَكْمَلَ لَا مِنْ أَخْنُوخَ نَفْسِهِ وَلَا مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مُطْلَقًا، بَلْ مِنْ أَكْثَرِهِمْ.

ثَانِيًا، يَفْهَمُ دِلْرِيُو بِ«الْأَجْيَالِ» أَعْمَالَهُ؛ فَهِيَ بِمَثَابَةِ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ تَلِدُهُمُ النَّفْسُ. فَنَسَبُ الْمَرْءِ وَنُبْلُهُ فَضِيلَتُهُ.

الْإِنْسَانُ طَوَالَ مَدَى حَيَاتِهِ كُلِّهَا — أَيْ طَوَالَ مَسِيرَةِ حَيَاتِهِ بِأَكْمَلِهَا، كَانَ نُوحٌ كَامِلًا فِي أَعْمَالِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى أَضْيَقُ وَأَدَقُّ. فَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْضَحُ وَأَبْسَطُ وَأَصَحُّ.

«سَارَ مَعَ اللهِ» — كَأَخْنُوخَ الَّذِي تَكَلَّمْتُ عَنْهُ فِي الْإِصْحَاحِ ٥، الْآيَةِ ٢٢. وَيَكْتُبُ هُوغُو مِنْ سَانْتِ فِيكْتُورَ بِبَرَاعَةٍ فِي الْكِتَابِ ١ مِنْ «فِي دَيْرِ النَّفْسِ»: «كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ لَحْظَةٌ»، يَقُولُ، «لَا يَسْتَعْمِلُ فِيهَا الْإِنْسَانُ أَوْ يَتَمَتَّعُ بِجُودِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، كَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَحْظَةٌ لَا يَسْتَحْضِرُهُ فِيهَا فِي ذَاكِرَتِهِ. فَكُلُّ وَقْتٍ لَا تُفَكِّرُ فِيهِ بِاللهِ، اعْتَبِرْهُ وَقْتًا ضَائِعًا.» وَالْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ حِينَ سُئِلَ: مَنِ الَّذِي يَغْضَبُ كَثِيرًا؟ مَنِ الْكَسُولُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؟ مَنِ الَّذِي لَا يُعَزِّزُ مَجْدَ اللهِ؟ كَانَ يُجِيبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا بِجَوَابٍ وَاحِدٍ: «مَنْ لَا يُفَكِّرُ دَائِمًا أَنَّ اللهَ مُرَاقِبُ أَفْعَالِهِ. فَهَذَا التَّذَكُّرُ الْوَاحِدُ، لَوْ كَانَ مُسْتَمِرًّا، لَكَفَى دَوَاءً لِكُلِّ الرَّذَائِلِ.»


الْآيَةُ ١٠: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ

١٠. «سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ.» — «سَامٌ» بِالْعِبْرِيَّةِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ هُنَا فِي الْعِظَةِ ٣، يَعْنِي الْكَمَالَ أَوِ الْغَرْسَ؛ وَ«حَامٌ» الدَّهَاءَ؛ وَ«يَافِثُ» التَّوْسِيعَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ «سَامَ» يَعْنِي بِالْعِبْرِيَّةِ الِاسْمَ أَوِ الشُّهْرَةَ؛ وَ«حَامَ» الْحَرَارَةَ وَالسَّوَادَ؛ وَ«يَافِثَ» الِاتِّسَاعَ — كَمَا سَيَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٩، الْآيَةِ ٢٦. وَهُنَا يُوضَعُ الْمُجَرَّدُ مَوْضِعَ الْمُشَخَّصِ: الِاسْمُ وَالشُّهْرَةُ أَيِ الْمُسَمَّى وَالْمَشْهُورُ؛ الْحَرَارَةُ وَالسَّوَادُ أَيِ الْحَارُّ وَالْأَسْوَدُ؛ الِاتِّسَاعُ أَيِ الْوَاسِعُ.


الْآيَةُ ١١: فَسَدَتِ الْأَرْضُ

١١. «وَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.» — فَسَدَ سُكَّانُ الْأَرْضِ إِلَى حَدٍّ بَدَوْا مَعَهُ وَكَأَنَّهُمْ لَوَّثُوا الْأَرْضَ نَفْسَهَا وَأَفْسَدُوهَا بِجَرَائِمِهِمْ: وَهَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ مَعَ مُبَالَغَةٍ.

١٢. «كُلُّ بَشَرٍ» — أَيْ كُلُّ إِنْسَانٍ: وَهَذَا مَجَازُ الْجُزْءِ عَنِ الْكُلِّ، إِذِ «الْبَشَرُ» يَعْنِي «الْإِنْسَانَ»؛ وَمُبَالَغَةٌ، إِذْ «كُلُّ» يَعْنِي «أَغْلَبُ النَّاسِ»: فَنُوحٌ الْبَارُّ مَعَ أَهْلِهِ مُسْتَثْنًى.

«أَفْسَدَ طَرِيقَهُ» — أَيْ أُسْلُوبَ عَيْشِهِ: فَ«طُرُقُ الْإِنْسَانِ» تُسَمَّى أَعْمَالُهُ وَسِيرَتُهُ وَعَادَاتُهُ؛ وَ«طُرُقُ اللهِ» تُسَمَّى أَعْمَالُ اللهِ، الْأَمْثَالُ ٨: ٢٢. يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِ «فِي نُوحَ وَالْفُلْكِ»، الْفَصْلِ ٥، أَنَّ طُوفَانَ الْجَسَدِ أَنْجَبَ طُوفَانَ الْمِيَاهِ. «إِنَّ الْجَسَدَ»، يَقُولُ، «كَانَ سَبَبَ إِفْسَادِ النَّفْسِ أَيْضًا، فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَنْشَأِ اللَّذَّةِ وَمَوْطِنِهَا، الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنْهُ كَمِنْ نَبْعٍ أَنْهَارُ الشَّهَوَاتِ وَالْأَهْوَاءِ الرَّدِيئَةِ، فَتَفِيضُ عَلَى مَدًى وَاسِعٍ؛ وَبِهَا يَغْرَقُ دَفَّةُ النَّفْسِ حِينَ يُقْذَفُ الرُّبَّانُ، إِذِ الْعَقْلُ نَفْسُهُ يُهْزَمُ كَمَا بِعَوَاصِفَ وَأَنْوَاءَ فَيَتَخَلَّى عَنْ مَوْقِعِهِ.» وَفِي الْفَصْلِ ٩: «الْفَسَادُ سَبَبُ الطُّوفَانِ: فَمَتَى زَحَفَ انْفَتَحَتِ الْمِيَاهُ وَفَارَتْ جَمِيعُ يَنَابِيعِ الشَّهَوَاتِ، حَتَّى يَغْرَقَ الْجَسَدُ كُلُّهُ فِي طُوفَانٍ عَظِيمٍ عَمِيقٍ مِنَ الرَّذَائِلِ.» فَكَمَا أَنَّ نُوحًا بِحَبْسِ نَفْسِهِ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْفُلْكِ نَجَا مِنَ الطُّوفَانِ، كَذَلِكَ أَنْتَ — كُفَّ حَوَاسَّكَ وَأَهْوَاءَكَ ضِمْنَ سُلْطَانِ الْعَقْلِ، وَسَتَقْدِرُ أَنْ تُحَرِّرَ نَفْسَكَ وَمُمْتَلَكَاتِكَ مِنْ كُلِّ خَطَرِ الطُّوفَانِ.


الْآيَةُ ١٣: نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ

١٣. «نِهَايَةُ كُلِّ بَشَرٍ قَدْ أَتَتْ أَمَامِي» — اقْتَرَبَ الْيَوْمُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ لِإِهْلَاكِ النَّاسِ وَالْحَيَوَانَاتِ؛ قَدْ عَزَمْتُ الْآنَ عَلَى أَنْ أُنْهِيَ الْعَالَمَ وَأُهْلِكَهُ بِالطُّوفَانِ: وَهَذَا وَاضِحٌ مِمَّا يَلِيهِ.

«مِنْهُمْ» — بِسَبَبِهِمْ، مِنْ قِبَلِهِمْ. هَكَذَا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. وَيُتَرْجِمُ التَّرْجُمُ الْكَلْدَانِيُّ: بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الشِّرِّيرَةِ.


الْآيَةُ ١٤: اصْنَعْ لَكَ فُلْكًا

١٤. «اصْنَعْ لَكَ فُلْكًا.» — الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ تِيبَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَكْلَ الْفُلْكِ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَيْئَةِ سَفِينَةٍ ذَاتِ قَاعِدَةٍ مُقَوَّسَةٍ وَأَعْلَى مَفْتُوحٍ أَوْ مُقَبَّبٍ، بَلْ عَلَى هَيْئَةِ صُنْدُوقٍ مُغْلَقٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَمُسْتَطِيلٍ، قَاعُهُ مُسَطَّحٌ وَمُتَسَاوٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَعْلَاهُ مُسَطَّحٌ لَكِنَّهُ يَرْتَفِعُ قَلِيلًا إِلَى قِمَّةٍ وَمُنْحَدَرٍ بَسِيطٍ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ (الْكِتَابُ ١٥ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلُ ٢٧)؛ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِنْ أَبْعَادِهِ الَّتِي يُعْطِيهَا مُوسَى فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ.

«مِنْ خَشَبٍ مَسْنُونٍ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «مِنْ خَشَبِ جُوفَرْ»، وَهُوَ مَا تُتَرْجِمُهُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ «مُرَبَّعٍ»؛ وَتَرْجَمَتُنَا الْفُولْغَاتِيَّةُ «مَسْنُونٍ»، أَيْ مَنْحُوتٍ وَمَصْقُولٍ — لِتَكُونَ الْوَصْلَاتُ أَمْتَنَ وَأَحْكَمَ، وَلِلْأَنَاقَةِ، وَلِتَسْهِيلِ الطَّلْيِ بِالْقَارِ. وَيُتَرْجِمُ أُولِيَاسْتَرُ «خَشَبَ الصَّنَوْبَرِ»؛ وَالتَّرْجُمُ الْكَلْدَانِيُّ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَزْرَا وَالْحَاخَامَاتُ يُتَرْجِمُونَ «خَشَبَ الْأَرْزِ». فَالْأَرْزُ يَكْثُرُ فِي سُورِيَا وَلَا يَبْلَى، وَيُعْطِي أَلْوَاحًا طَوِيلَةً جِدًّا خَفِيفَةً طَافِيَةً. وَأَنَّ الْفُلْكَ صُنِعَ مِنَ الْأَرْزِ يُعَلِّمُهُ أَيْضًا الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (كِتَابُ «فِي الْفُلْكِ»، الْفَصْلُ ٧) وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ (الْعِظَةُ ٦ عَلَى يُوحَنَّا). وَيُتَرْجِمُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ «مِنْ خَشَبٍ مُقَيَّرٍ» (بِحَيْثُ يَكُونُ جُوفَرْ هُوَ نَفْسُهُ كُوفَرْ)، أَيْ خَشَبٍ رَاتِنْجِيٍّ — فَ«الْقَارُ» بِالْمَعْنَى الْوَاسِعِ يَعْنِي الرَّاتِنْجَ؛ وَالصَّنَوْبَرُ وَالْأَرْزُ شَجَرَتَانِ رَاتِنْجِيَّتَانِ، فَتَتَوَافَقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ هَذِهِ التَّرْجَمَاتِ.

«تَجْعَلُ الْفُلْكَ مَسَاكِنَ.» — الْعِبْرِيَّةُ وَالتَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «تَجْعَلُ الْفُلْكَ أَعْشَاشًا»، أَيْ تُقَسِّمُ الْفُلْكَ وَتُوَزِّعُهُ إِلَى حُجُرَاتٍ صَغِيرَةٍ، لَا لِلطُّيُورِ فَحَسْبُ بَلْ لِسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ أَيْضًا، لِتَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا مَسَاكِنُهَا الْمُنْفَصِلَةُ. وَلِذَلِكَ فَسَّرَتْ تَرْجَمَتُنَا الْفُولْغَاتِيَّةُ هَذِهِ «الْأَعْشَاشَ» بِوُضُوحٍ عَلَى أَنَّهَا «مَسَاكِنُ».

رَمْزِيًّا، يَكْتُبُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِ «فِي نُوحَ»، الْفَصْلِ ٦: «إِنَّ جَسَدَنَا كُلَّهُ»، يَقُولُ، «مَنْسُوجٌ كَالْعُشِّ، لِكَيْ يَتَخَلَّلَ الرُّوحُ الْحَيَوِيُّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْأَحْشَاءِ. فَأَعْيُنُنَا أَعْشَاشٌ يَحِلُّ فِيهَا الْبَصَرُ. وَتَجَاوِيفُ آذَانِنَا أَعْشَاشٌ يَتَسَرَّبُ مِنْ خِلَالِهَا السَّمْعُ. وَالْأَنْفُ عُشٌّ يَجْذِبُ الرَّائِحَةَ إِلَى نَفْسِهِ. وَالرَّابِعُ — وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ سَائِرِهَا — فَتْحَةُ الْفَمِ، الَّتِي يُغَذَّى فِيهَا الذَّوْقُ حَتَّى يَنْضُجَ، وَمِنْهَا يَطِيرُ الصَّوْتُ، وَفِيهَا يَكْمُنُ اللِّسَانُ. وَالنَّفَسُ الَّذِي نَسْتَنْشِقُهُ وَنَتَغَذَّى بِهِ، عُشُّهُ الرِّئَةُ؛ وَعُشُّ الدَّمِ وَالرُّوحِ الْقَلْبُ. وَلِلْعِظَامِ الْقَوِيَّةِ أَيْضًا أَعْشَاشُهَا، إِذْ هِيَ مُجَوَّفَةٌ مِنَ الدَّاخِلِ وَفِي بَعْضِ التَّجَاوِيفِ يَكُونُ النُّخَاعُ. وَفِي الْأَحْشَاءِ اللَّيِّنَةِ نَفْسِهَا أَعْشَاشُ الشَّهْوَةِ أَوِ الْأَلَمِ.» ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ: «فِي هَذَا الْجَسَدِ الْآنَ عُشُّ الْعِفَّةِ حَيْثُ كَانَ سَابِقًا عُشُّ الشَّهْوَةِ اللَّاعَقْلِيَّةِ.»

«بِالْقَارِ.» — الزِّفْتُ — وَالْأَنْسَبُ الْقَارُ — اسْتُخْدِمَ لِتَلْصِيقِ الْأَلْوَاحِ وَتَمْتِينِهَا، وَلِدَفْعِ النَّتَنِ الْمُتَأَتِّي مِنْ رَوْثِ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ الْكَثِيرَةِ.


الْآيَةُ ١٥: أَبْعَادُ الْفُلْكِ

١٥. «ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ يَكُونُ طُولُ الْفُلْكِ، وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا ارْتِفَاعُهُ.» — الذِّرَاعُ يُعَادِلُ قَدَمًا وَنِصْفًا، أَوْ سِتَّةَ أَشْبَارٍ. وَفِي الْقَدِيمِ، كَمَا كَانَتْ أَقْدَامُ النَّاسِ وَأَشْبَارُهُمْ أَكْبَرَ، كَذَلِكَ كَانَتِ الْأَذْرُعُ أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ الْآنَ. يَفْهَمُ أُورِيجِنُسُ الذِّرَاعَ هُنَا لَا الْعَادِيَّ الَّذِي تَكَلَّمْتُ عَنْهُ، بَلِ الَّذِي يُعَادِلُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ عَادِيَّةٍ. يَتْبَعُ أُورِيجِنُسَ إِيسِيدُورُسُ كْلَارِيُوسُ وَدِلْرِيُو. فَبِهَذَا يُمْكِنُ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ أَنْ تَعِيشَ فِي الْفُلْكِ لَا مُتَزَاحِمَةً بَلْ بِرَحَابَةٍ وَرَاحَةٍ. لَكِنَّ الْفُلْكَ عِنْدَئِذٍ لَكَانَ ضَخَامَتُهُ هَائِلَةً — بِحَيْثُ يَصْعُبُ تَجْمِيعُهُ فِي بِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَيَصْعُبُ أَنْ تَحْمِلَهُ الْمِيَاهُ وَتُحَرِّكَهُ. أَضِفْ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى يَأْخُذُ الْأَذْرُعَ بِالْمَعْنَى الْعَادِيِّ لَا الْهَنْدَسِيِّ — كَقَوْلِهِ إِنَّ جُلْيَاتَ كَانَ طُولُهُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا؛ فَمَنْ يُصَدِّقُ أَنَّ جُلْيَاتَ كَانَ ٣٦ ذِرَاعًا عَادِيًّا؟ فَالْأَذْرُعُ هُنَا أَيْضًا عَادِيَّةٌ. هَكَذَا قَالَ تُورْنِيلُّوسُ.

مُلَاحَظَةٌ: كَانَ طُولُ الْفُلْكِ عَشَرَةَ أَضْعَافِ ارْتِفَاعِهِ وَعُمْقِهِ؛ فَهَذِهِ نِسْبَةُ ٣٠٠ إِلَى ٣٠، إِذْ عَشْرُ مَرَّاتِ ثَلَاثِينَ يُسَاوِي ثَلَاثَمِائَةٍ. وَكَذَلِكَ طُولُ الْفُلْكِ سِتَّةُ أَضْعَافِ عَرْضِهِ؛ فَهَذِهِ نِسْبَةُ ٣٠٠ إِلَى ٥٠، إِذْ سِتُّ مَرَّاتِ خَمْسِينَ يُسَاوِي ثَلَاثَمِائَةٍ. وَهِيَ نَفْسُ نِسَبِ الْأَبْعَادِ فِي الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ الْحَسَنِ التَّكْوِينِ: أَيْ إِنَّ طُولَهُ مِنْ قِمَّةِ الرَّأْسِ إِلَى الْقَدَمَيْنِ سِتَّةُ أَضْعَافِ عَرْضِهِ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ إِلَى الْأَيْسَرِ عَبْرَ مُنْتَصَفِ الصَّدْرِ. وَكَذَلِكَ طُولُ الْجَسَدِ الْبَشَرِيِّ عَشَرَةُ أَضْعَافِ عُمْقِهِ مِنَ الصَّدْرِ إِلَى الظَّهْرِ مُخْتَرِقًا الصَّدْرَ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ (الْكِتَابُ ١٥ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلُ ٢٦) وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (كِتَابُ «فِي الْفُلْكِ»، الْفَصْلُ ٦).

وَمِنْ هُنَا يَنْتُجُ أَنَّ سَعَةَ الْفُلْكِ الدَّاخِلِيَّةَ كَانَتْ ٤٥٠,٠٠٠ ذِرَاعٍ. فَإِنْ ضَرَبْتَ هَنْدَسِيًّا ٣٠٠ ذِرَاعٍ مِنْ طُولِ الْفُلْكِ فِي ٥٠ مِنْ عَرْضِهِ حَصَلْتَ عَلَى ١٥,٠٠٠ ذِرَاعٍ مُرَبَّعٍ؛ فَإِنْ ضَرَبْتَ هَذِهِ مَرَّةً أُخْرَى فِي ٣٠ ذِرَاعًا مِنِ ارْتِفَاعِ الْفُلْكِ حَصَلْتَ عَلَى ٤٥٠ أَلْفَ ذِرَاعٍ مُكَعَّبٍ. فَهَذَا هُوَ حَجْمُ الْفُلْكِ وَسَعَتُهُ الدَّاخِلِيَّةُ، وَهِيَ بِالتَّأْكِيدِ هَائِلَةٌ وَكَافِيَةٌ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الَّتِي حَوَاهَا الْفُلْكُ — فَلَا حَاجَةَ لِاعْتِبَارِ الْأَذْرُعِ هُنَا هَنْدَسِيَّةً لَا عَادِيَّةً كَمَا فَعَلَ أُورِيجِنُسُ: فَعِنْدَئِذٍ لَكَانَ الْفُلْكُ أَكْبَرَ وَأَوْسَعَ بِسِتَّةِ أَضْعَافٍ.


الْآيَةُ ١٦: الْكُوَّةُ وَالطَّبَقَاتُ

١٦. «كُوَّةً.» — كُوَّةً وَاحِدَةً رَئِيسِيَّةً، كَبِيرَةً وَشَفَّافَةً، مِنْ زُجَاجٍ أَوْ بَلُّورٍ أَوْ حَجَرٍ شَفَّافٍ (فَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبْرِيُّ تْصُوهَرْ وَالْيُونَانِيُّ دِيَافَانِيسْ [«شَفَّافٌ»]، كَمَا يُتَرْجِمُ سِيمَاخُوسُ). فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ كُوًى أُخْرَى أَصْغَرَ حَوْلَ مُحِيطِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ لِإِدْخَالِ الضَّوْءِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَكَانَ يُمْكِنُ فَتْحُ هَذِهِ الْكُوَّةِ: وَمِنْهَا أَرْسَلَ نُوحٌ الْحَمَامَةَ وَالْغُرَابَ.

«وَتُتَمِّمُهَا إِلَى حَدِّ ذِرَاعٍ مِنْ فَوْقُ.» — أَيْ تَجْعَلُ ارْتِفَاعَهَا — أَيِ الْكُوَّةِ — ذِرَاعًا وَاحِدًا. هَكَذَا قَالَ فَاتَابْلُسُ وَأُولِيَاسْتَرُ وَدِلْرِيُو. ثَانِيًا، يُفَسِّرُ تُورْنِيلُّوسُ هَكَذَا: أَبْقِ مِقْيَاسَ الذِّرَاعِ دَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ وَاسْتَعْمِلْهُ، لِتَبْنِيَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْفُلْكِ وِفْقَ الْمَقَاسِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ. ثَالِثًا، وَبِأَصْدَقِ تَفْسِيرٍ (كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ)، «هَا» أَيِ الْفُلْكِ — تَجْعَلُ قِمَّتَهُ أَوِ ارْتِفَاعَهُ ذِرَاعًا وَاحِدًا، أَيْ تَجْعَلُ سَقْفَ الْفُلْكِ لَيْسَ مُسْتَوِيًا تَمَامًا بَلْ شِبْهَ مُسْتَوٍ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ تَدْرِيجِيًّا وَبِبُطْءٍ إِلَى ارْتِفَاعِ ذِرَاعٍ — فَيَكُونُ هَذَا الذِّرَاعُ هُوَ الِارْتِفَاعُ الْأَوْسَطُ لِقِمَّةِ الْفُلْكِ عَلَى طُولِهِ كُلِّهِ. هَكَذَا قَالَ يُوحَنَّا بُوتِيُو وَبِيرِيرِيُوسُ وِفْقَ الرَّأْيِ الْعَامِّ لِلْعُلَمَاءِ؛ إِذْ يَصِفُ مُوسَى هُنَا سَقْفَ الْفُلْكِ وَشَكْلَهُ الْمُقَوَّسَ عِنْدَ الْقِمَّةِ.

الطَّبَقَاتُ الْأَرْبَعُ لِلْفُلْكِ

«تَجْعَلُ فِيهِ مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَمُتَوَسِّطَةً وَعُلْوِيَّةً.» — اقْرَأْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَاجْمَعْهَا هَكَذَا، وَلَا تَرْبِطْ «سُفْلِيَّةً» بِالْبَابِ الَّذِي سَبَقَ. وَالْمَعْنَى: «لِيُوضَعَ طَابِقٌ أَوْ طَبَقَةٌ تَحْتَ أُخْرَى»، يَقُولُ دِلْرِيُو. ثَانِيًا، وَبِصُورَةٍ أَنْسَبَ لِلْعِبْرِيِّ: «سُفْلِيَّةً» أَيِ الطَّبَقَاتِ الدُّنْيَا؛ «مُتَوَسِّطَةً» أَيِ الطَّبَقَاتِ الْوُسْطَى (إِذْ فِيهَا تُبْنَى عَادَةً غُرَفُ الطَّعَامِ)؛ وَ«عُلْوِيَّةً» (تْرِيسْتِيغَا) أَيِ الطَّبَقَاتِ الثَّالِثَةَ أَوِ الْعُلْيَا — تَجْعَلُهَا فِي الْفُلْكِ. فَالْعِبْرِيَّةُ تَقُولُ: سُفْلِيَّةً وَثَانِيَةً وَثَالِثَةً تَجْعَلُ؛ وَالتَّرْجُمُ الْكَلْدَانِيُّ: مَسَاكِنَ سُفْلِيَّةً وَثَانِيَةً وَثَالِثَةً تَجْعَلُ فِيهِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْفُلْكَ كَانَتْ لَهُ ثَلَاثُ طَبَقَاتٍ — فَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الْيُونَانُ تْرِيسْتِيغَا — وُزِّعَتْ فِيهَا جُزْئِيًّا الْحَيَوَانَاتُ وَجُزْئِيًّا الطَّعَامُ وَسَائِرُ الْمُعَدَّاتِ. أَضِفْ إِلَيْهَا طَبَقَةً رَابِعَةً سُفْلَى لِلْقَاعِ.

وَيَصِفُ يُوحَنَّا بُوتِيُو فِي كِتَابِ «فِي الْفُلْكِ» كُلًّا مِنْهَا بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ وَيُوَزِّعُهَا. فِي هَذَا الْجُزْءِ الْأَسْفَلِ كَانَ مَكَانُ الصَّابُورَةِ أَوِ الرَّمْلِ، الضَّرُورِيِّ لِلسَّفِينَةِ لِكَيْلَا تَتَمَايَلَ فِي الْمِيَاهِ، وَلَا تَمِيلَ إِلَى هَذَا الْجَانِبِ أَوْ ذَاكَ، بَلْ تَسْتَقِرَّ مُنْتَصِبَةً فِي الْمِيَاهِ بِثِقَلِهَا وَتَوَازُنِهَا الصَّحِيحِ. وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا قَاعُ السَّفِينَةِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ الْقَاذُورَاتِ مِنَ الطَّبَقَاتِ الْعُلْيَا عَبْرَ قَنَوَاتٍ وَيَطْرُدُهَا عَبْرَ ثُقُوبٍ إِلَى الْمَاءِ خَارِجًا. لَكِنَّ هَذِهِ الثُّقُوبَ لَمْ تَكُنْ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْأَسْفَلِ (فَهُوَ كُلُّهُ كَانَ تَحْتَ الْمَاءِ)، بَلْ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي كَانَ يُرْفَعُ إِلَيْهَا الْمَاءُ وَالْقَاذُورَاتُ مِنَ الْأَسْفَلِ بِمِضَخَّةٍ — إِلَّا أَنْ نُفَضِّلَ الْقَوْلَ مَعَ تُورْنِيلُّوسَ إِنَّ الْقَاذُورَاتِ كَانَتْ تُرْفَعُ بِالْحِبَالِ إِلَى الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَالْعُلْيَا، إِلَى كُوَّةِ الْفُلْكِ، لِتُلْقَى مِنْ خِلَالِهَا — بِمَا أَنَّهَا كَبِيرَةٌ — إِلَى الْخَارِجِ.

فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ مَكَانُ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ دَبَّابَاتٍ وَمَاشِيَةٍ، مُقَسَّمًا إِلَى خَلَايَا كَثِيرَةٍ جِدًّا (يُحْصِيهَا دِلْرِيُو بِـ٣٠٠)، كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ بِحَسَبِ حَجْمِ الْحَيَوَانَاتِ، مُرَتَّبَةٍ عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ. وَفِي الْخَلَايَا كَانَتْ مَعَالِفُ وَأَوَانٍ أُخْرَى تَحْتَوِي الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ. وَفِي أَرْضِيَّةِ الْخَلَايَا كَانَتْ فَتْحَاتٌ صَغِيرَةٌ تَنْزِلُ مِنْهَا رَوْثُ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى الْقَاعِ. وَفِي وَسَطِ الْخَلَايَا عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ كَانَ مَمَرٌّ يَعْبُرُ مِنْهُ الرِّجَالُ بِمَصَابِيحَ إِلَى كُلِّ خَلِيَّةٍ لِتَفَقُّدِهَا وَتَوْفِيرِ مَا يَلْزَمُ لِكُلِّ حَيَوَانٍ. وَفِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ كَانَ بَابُ الْفُلْكِ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ ١٦، وَكَانَ كَبِيرًا وَفَسِيحًا — إِذْ مِنْ خِلَالِهِ أُدْخِلَتِ الْفِيلَةُ وَالْجِمَالُ وَجَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى الْفُلْكِ.

فِي الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ كَانَتْ مَخَازِنُ مُنْفَصِلَةٌ تَحْتَوِي مُؤَنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْبَشَرِ — مِنْ تِبْنٍ وَقَشٍّ وَفَوَاكِهَ وَحُبُوبٍ وَبُذُورٍ وَبُقُولٍ — فَضْلًا عَنْ بَرَامِيلِ الْمَاءِ الْعَذْبِ لِلشُّرْبِ وَالْغَسْلِ. وَمِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، عَبْرَ ثُقُوبٍ وَأَنَابِيبَ، كَانَ يُنْزَلُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَى كُلِّ مَعْلَفٍ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ. وَهُنَا أَيْضًا خُزِّنَتْ جَمِيعُ الْمُعَدَّاتِ الْحَضَرِيَّةِ وَالرِّيفِيَّةِ الَّتِي سَيُحْتَاجُ إِلَيْهَا بَعْدَ الطُّوفَانِ.

فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعُلْيَا كَانَ مَكَانُ الْبَشَرِ وَالطُّيُورِ. فَأَوَّلًا كَانَ فِيهَا غُرْفَةُ نَوْمِ نُوحَ وَبَنِيهِ، مُنْفَصِلَةً عَنِ الْجُنَاحِ الْحَرِيمِيِّ أَوْ مَسْكَنِ النِّسَاءِ (فَقَدِ امْتَنَعَ الرِّجَالُ عَنْ نِسَائِهِمْ مُدَّةَ الطُّوفَانِ، كَمَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ وَرَبَانُسُ وَأَنْسِلْمُسُ اللَّاوْدُنِيُّ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ زَكَرِيَّا ١٢ وَدِلْرِيُو وَغَيْرُهُمْ). وَكَانَتْ كُوَّةُ الْفُلْكِ تُلْقِي الضَّوْءَ عَلَى هَذِهِ الْمِنْطَقَةِ. ثَانِيًا كَانَ فِيهَا مَطْبَخٌ بِمِدْخَنَةٍ وَمَوْقِدٍ؛ ثَالِثًا فُرْنٌ وَمَخْبَزٌ وَأَرْحِيَةٌ يَدَوِيَّةٌ؛ رَابِعًا مَخْزَنُ حَطَبٍ بِأَخْشَابٍ وَفَحْمٍ؛ خَامِسًا مَخْزَنُ مُؤَنٍ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ. وَعَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ كَانَتْ أَقْفَاصٌ وَأَعْشَاشٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الطُّيُورِ مَعَ عَلَفِهَا. وَفِي هَذِهِ الْغُرَفِ الْعُلْيَا كَانَتْ سَلَالِمُ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ بِهَا مِنْ طَبَقَةٍ إِلَى أُخْرَى.

فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، كَمَا يُعَلِّمُ بُوتِيُو، كَانَ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مَنَافِذُ هَوَاءٍ لِاسْتِقْبَالِ النَّسِيمِ وَتَجْدِيدِهِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَنَافِذُ كَالْمَدَاخِنِ تَمْتَدُّ إِلَى قِمَّةِ الْفُلْكِ، لِكَيْ تَتَسَرَّبَ الرَّوَائِحُ الْكَرِيهَةُ عَبْرَ فَتْحَاتٍ صَغِيرَةٍ صُنِعَتْ بِمَهَارَةٍ عَلَى كِلَا الْجَانِبَيْنِ تَحْتَ الْحَافَةِ الْبَارِزَةِ لِلسَّقْفِ (لِتَكُونَ مَحْمِيَّةً مِنَ الْمَطَرِ وَبَعِيدَةً عَنِ الْأَمْوَاجِ)، وَيَتَدَاوَلَ الْهَوَاءُ الْمَحْبُوسُ، لِكَيْلَا يُلَوَّثَ الْهَوَاءُ بِنَتَنِ الْقَاذُورَاتِ فَيُصِيبَ الْحَيَوَانَاتَ نَفْسَهَا وَيَقْتُلَهَا.

وَوُضِعَ فَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ سَقْفٌ مُسَطَّحٌ لَكِنَّهُ مَائِلٌ قَلِيلًا وَيَرْتَفِعُ إِلَى ذِرَاعٍ (كَمَا تَبَيَّنَ آنِفًا)، لِيَصُبَّ الْمَطَرَ السَّاقِطَ عَلَيْهِ عَنْ جَانِبَيِ الْفُلْكِ إِلَى الْمِيَاهِ.

وَيُوَزِّعُ بُوتِيُو الثَّلَاثِينَ ذِرَاعًا مِنِ ارْتِفَاعِ الْفُلْكِ عَلَى الطَّبَقَاتِ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَةِ كَالتَّالِي: لِلْقَاعِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ ارْتِفَاعًا؛ وَلِلطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي فِيهَا الْحَيَوَانَاتُ تِسْعَةُ أَذْرُعٍ؛ وَلِلثَّالِثَةِ — طَبَقَةِ الْمُؤَنِ — ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ؛ وَلِلرَّابِعَةِ — طَبَقَةِ الْبَشَرِ وَالطُّيُورِ — تِسْعَةُ أَذْرُعٍ.

وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، بِتَوْجِيهٍ مِنَ اللهِ، مَيَّزَ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ مَسَاكِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَأَمَاكِنَهَا لِكَيْلَا يُؤْذِيَ بَعْضُهَا بَعْضًا بِأَيِّ شَكْلٍ؛ كَمَا وَضَعَ وَرَتَّبَ جَمِيعَ الْأَحْمَالِ دَاخِلَ الْفُلْكِ بِحُكْمٍ عَجِيبٍ بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ الْفُلْكُ نَفْسُهُ، كَأَنَّمَا مُتَّزِنًا بِأَثْقَالٍ عَادِلَةٍ، فِي وَضْعٍ مُنْتَصِبٍ فَوْقَ الْمِيَاهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفُلْكَ وَالطُّوفَانَ جَمِيعُ الْكُتَّابِ الْوَثَنِيِّينَ، كَمَا يَشْهَدُ يُوسِيفُوسُ (الْكِتَابُ ١ مِنَ «الْآثَارِ»، الْفَصْلُ ٤)، حَيْثُ يُضِيفُ أَنَّ بَقَايَا الْفُلْكِ كَانَتْ تُعْرَضُ فِي زَمَانِهِ عِنْدَ الْأَرْمَنِ.

التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ

رَمْزِيًّا، الْفُلْكُ هُوَ الْكَنِيسَةُ، وَنُوحٌ هُوَ الْمَسِيحُ الْمُخَلِّصُ وَالْمُعَزِّي لِلْعَالَمِ؛ وَالْحَيَوَانَاتُ الطَّاهِرَةُ وَالنَّجِسَةُ فِيهِ هُمُ الْأَبْرَارُ وَالْأَشْرَارُ. وَمَنْ كَانَ خَارِجَ فُلْكِ الْمَسِيحِ — أَيِ الْهَرْطُوقِيَّ وَالْكَافِرَ — سَيَهْلِكُ حِينَ يَسُودُ الطُّوفَانُ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ. وَكَذَلِكَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ (الْكِتَابُ ١٥ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلُ ٢٦) وَالْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ (الْعِظَةُ ١٦ عَلَى حِزْقِيَالَ)، حَيْثُ يَقُولُ ضِمْنَ مَا يَقُولُ: «يُتَمَّمُ الْفُلْكُ عِنْدَ ذِرَاعٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ ثَمَّةَ مُبْدِعًا وَفَادِيًا وَاحِدًا لِلْكَنِيسَةِ الْمُقَدَّسَةِ بِلَا خَطِيئَةٍ، وَإِلَيْهِ يَتَقَدَّمُ جَمِيعُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ خُطَاةٌ.» اُنْظُرْ فِيرُوسَ هُنَا فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ.

التَّفْسِيرُ الْأَخْلَاقِيُّ

أَخْلَاقِيًّا، الْفُلْكُ هُوَ النَّفْسُ الْقُدُسِيَّةُ، الْمَسْنُونَةُ بِاقْتِلَاعِ الرَّذَائِلِ عَبْرَ الصُّلْبَانِ وَالْمَشَقَّاتِ، الْمُرَبَّعَةُ الْمُتَوَازِنَةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. وَأَيْضًا: الْفُلْكُ هُوَ سِرُّ الضَّمِيرِ؛ وَنُوحٌ هُوَ الْعَقْلُ؛ وَطُولُ الْفُلْكِ الْإِيمَانُ؛ وَعَرْضُهُ الْمَحَبَّةُ؛ وَارْتِفَاعُهُ الرَّجَاءُ — وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالتَّأَمُّلُ. وَفَيَضَانُ الْمِيَاهِ هُوَ هُجُومُ التَّجَارِبِ. وَجِبَالُ أَرْمِينِيَا الَّتِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا الْفُلْكُ هِيَ رَاحَةُ النَّفْسِ فِي تَأَمُّلِ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ. وَطُيُورُ الْفُلْكِ هِيَ الْأَفْكَارُ السَّمَاوِيَّةُ؛ وَالْحَيَوَانَاتُ هِيَ الْأَعْمَالُ وَالْهُمُومُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأُمُورِ الْأَرْضِيَّةِ. وَالْغُرَابُ الَّذِي أُرْسِلَ وَلَمْ يَرْجِعْ يَرْمُزُ إِلَى الْمَسِيحِيِّينَ الزَّائِفِينَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ خَارِجًا فِي تَقَلُّبَاتِ الدُّنْيَوِيَّاتِ وَلَا يَعُودُونَ إِلَى سَكِينَةِ الْعَقْلِ. وَالْحَمَامَةُ الَّتِي عَادَتْ تَرْمُزُ إِلَى الْمَسِيحِيِّينَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ إِذْ أُرْسِلُوا لِأَعْمَالِ الْمَحَبَّةِ سُرْعَانَ مَا يَعُودُونَ إِلَى سَكِينَةِ الْعَقْلِ، لَكِنْ بِغُصْنِ زَيْتُونٍ، لِأَنَّهُمْ أَتَمُّوا أَعْمَالَ الرَّحْمَةِ. كُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ عِنْدَ هُوغُو مِنْ سَانْتِ فِيكْتُورَ فِي كِتَابِ «الرُّمُوزِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ»، الْفَصْلِ ١٨، وَعِنْدَ أُورِيجِنُسَ هُنَا.


الْآيَةُ ١٨: تَدْخُلُ الْفُلْكَ

١٨. «تَدْخُلُ الْفُلْكَ أَنْتَ وَبَنُوكَ وَامْرَأَتُكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ.» — هُنَا يُفْصَلُ الرِّجَالُ عَنِ النِّسَاءِ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي فِي الْفُلْكِ الِامْتِنَاعُ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ، إِذْ كَانَ زَمَانُ طُوفَانٍ — أَيْ زَمَانُ حِدَادٍ وَتَوْبَةٍ — لِاسْتِرْضَاءِ اللهِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَحَدًا وُلِدَ فِي الْفُلْكِ، وَيُلَمِّحُ مُوسَى إِلَى ذَلِكَ حِينَ يَقُولُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٠، الْآيَةِ ١: «وَوُلِدَ لَهُمْ بَنُونَ بَعْدَ الطُّوفَانِ.» وَفِي الْإِصْحَاحِ ١١، الْآيَةِ ١٠: «وَلَدَ سَامٌ أَرْفَكْشَادَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الطُّوفَانِ.» وَيُعَلِّلُ الدِّمَشْقِيُّ (الْكِتَابُ ٤ مِنْ «فِي الْإِيمَانِ»، الْفَصْلُ ٢٥) ذَلِكَ قَائِلًا: «فَصَلَهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ لِيَتَجَنَّبُوا بِالْعِفَّةِ الْبَحْرَ وَذَلِكَ الْغَرَقَ الشَّامِلَ.» وَلِذَلِكَ يَرَى الْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ زَكَرِيَّا ١٢ عِنْدَ قَوْلِهِ «عَائِلَةُ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى حِدَةٍ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى حِدَةٍ»؛ وَالْأَبُولَنْسِيُّ هُنَا فِي الْإِصْحَاحِ ٧؛ وَرِيمِيجِيُوسُ فِي تَفْسِيرِ يُوئِيلَ ٢ عِنْدَ قَوْلِهِ «لِيَخْرُجِ الْعَرِيسُ مِنْ مُخْدَعِهِ» — أَنَّهُ طَوَالَ مُدَّةِ الطُّوفَانِ وَدَمَارِ الْعَالَمِ الشَّامِلِ، لَمِ يُعْنَ نُوحٌ وَلَا بَنُوهُ بِالْإِنْجَابِ، لِأَنَّهُ كَانَ زَمَانُ نَوْحٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِرْضَاءٍ لِلَّهِ.


الْآيَةُ ١٩: أَزْوَاجُ الْحَيَوَانَاتِ

١٩. «وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ اثْنَيْنِ تُدْخِلُ.» — افْهَمْ ذَلِكَ عَنِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ؛ فَحَتَّى الْوُحُوشُ كَالْأُسُودِ وَالذِّئَابِ وَالنُّمُورِ أُدْخِلَتْ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ إِلَى الْفُلْكِ، وَكَانَتْ حِينَئِذٍ أَلِيفَةً كَالْحُمْلَانِ الْوَدِيعَةِ، تُطِيعُ نُوحًا ذَلِكَ الرَّجُلَ الْبَرِيءَ كُلَّ الْبَرَاءَةِ، كَمَا أَطَاعَتْ آدَمَ فِي الْفِرْدَوْسِ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ، الْعِظَةَ ٢٥. أَمَّا الْأَسْمَاكُ فَلَمْ تَدْخُلِ الْفُلْكَ، وَلَا الْبَرْمَائِيَّاتُ، لِأَنَّهَا تَعِيشُ بِاسْتِمْرَارٍ فِي الْمَاءِ وَالْبَرِّ مَعًا. فَعَبَثًا وَتَهَوُّرًا يُعَيِّنُ بَعْضُ الْكُتَّابِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ هُوغُو (الْكِتَابُ ١ مِنْ «فِي الْفُلْكِ الْأَخْلَاقِيِّ»، الْفَصْلُ ٣) تَجَاوِيفَ أَوْ أَعْشَاشًا لِهَذِهِ الْبَرْمَائِيَّاتِ صَنَعَهَا نُوحٌ ظَاهِرِيًّا فِي الْجِدَارِ الْخَارِجِيِّ لِلْفُلْكِ الْمُوَاجِهِ لِلْمَاءِ. فَإِنْ وُجِدَتْ بَرْمَائِيَّاتٌ لَا تَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ بِدُونِ الْبَرِّ مُدَّةً طَوِيلَةً — إِمَّا لِطَعَامِهَا أَوْ لِأَنَّهَا تَأْوِي إِلَى الْبَرِّ لَيْلًا — فَقَدِ اسْتُقْبِلَتْ وَحُفِظَتْ دَاخِلَ الْفُلْكِ مَعَ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ.

كَذَلِكَ لَمْ تُدْخَلْ فِي الْفُلْكِ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَنْشَأُ مِنَ التَّعَفُّنِ — كَالْفِئْرَانِ وَالدِّيدَانِ وَالنَّحْلِ وَالْعَقَارِبِ — وَلَا الَّتِي تُولَدُ مِنْ تَزَاوُجِ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالْبَغْلِ مِنَ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ. وَمِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي دَخَلَتِ الْفُلْكَ يُحْصِي أَرِيَاسُ مُونْتَانُسُ فِي كِتَابِهِ «فِي الْفُلْكِ» ٤٥٠ نَوْعًا عَدَا الْأَفَاعِي. وَيُحْصِي بِيرِيرِيُوسُ ٢٣ نَوْعًا مِنَ الْأَفَاعِي وَالزَّوَاحِفِ. فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ نَحْوَ ١٧٥ نَوْعًا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ فِي الْفُلْكِ، مِنْهَا سِتَّةٌ فَقَطْ أَكْبَرُ مِنَ الْحِصَانِ، وَقَلِيلٌ مُسَاوٍ لَهُ، وَكَثِيرٌ أَصْغَرُ حَتَّى مِنَ الْخِرَافِ. وَيُقَدِّرُ بِيرِيرِيُوسُ جَمِيعَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ بِمَا يُعَادِلُ ٢٥٠ ثَوْرًا، وَيَرَى أَنَّهَا لَمْ تَشْغَلْ فِي الْفُلْكِ مَكَانًا أَكْثَرَ مِمَّا تَشْغَلُهُ ٢٥٠ ثَوْرًا.

وَلَنْ تَجِدَ عِنْدَ غِيسْنِرُسَ وَأَلْدْرُوفَانْدُسَ أَكْثَرَ مِنْ ١٥٠ نَوْعًا مِنَ الطُّيُورِ، قَلِيلٌ مِنْهَا أَكْبَرُ مِنَ الْبَجَعِ وَأَكْثَرُهَا أَصْغَرُ. فَكَانَ الْفُلْكُ يَسْتَطِيعُ بِسُهُولَةٍ أَنْ يَحْتَوِيَ كُلَّ هَذَا، إِذْ كَانَتْ سَعَتُهُ ٤٥٠,٠٠٠ ذِرَاعٍ كَمَا ذَكَرْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ١٥.


الْآيَةُ ٢٠: تَأْتِي إِلَيْكَ

٢٠. «تَأْتِي إِلَيْكَ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «يَأْتُونَ إِلَيْكَ» — أَيْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ وَحْشِيَّةً — وَذَلِكَ إِمَّا بِإِلْهَامٍ مِنَ اللهِ أَوْ بِدَفْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا سَبَقَ أَنِ اقْتِيدَتْ إِلَى آدَمَ (الْإِصْحَاحُ ٢، الْآيَةُ ١٩). هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ (الْكِتَابُ ١٥ مِنْ «مَدِينَةِ اللهِ»، الْفَصْلُ ٢٧). فَنُوحٌ إِذَنْ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَمْ يُحْضِرْهَا إِلَى الْفُلْكِ كَمَا يَظُنُّ فِيلُونُ؛ وَلَمِ الْحَيَوَانَاتُ نَفْسُهَا تَفِرُّ سِبَاحَةً إِلَى الْفُلْكِ مَعَ اشْتِدَادِ الطُّوفَانِ، كَمَا يَقُولُ هُوغُو مِنْ سَانْتِ فِيكْتُورَ عِنْدَ بُوتِيُو.


الْآيَةُ ٢١: مِنْ كُلِّ طَعَامٍ

٢١. «مِنْ كُلِّ طَعَامٍ يُؤْكَلُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ «مِنْ كُلِّ مَأْكُولٍ يُؤْكَلُ عَادَةً» — أَيْ مَا يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ وَالْبَهَائِمُ عَلَى السَّوَاءِ. وَلِذَلِكَ الْأَصَحُّ مَا يُؤَكِّدُهُ يُوحَنَّا بُوتِيُو (وَإِنْ كَانَ بِيرِيرِيُوسُ يَرَى الْعَكْسَ)، وَهُوَ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ آكِلَةَ اللُّحُومِ فِي الْفُلْكِ أَكَلَتْ لَا نَبَاتَاتٍ بَلْ لُحُومًا وَضَعَهَا نُوحٌ فِي الْفُلْكِ لِهَذَا الْغَرَضِ (فَالْأَسَدُ مَثَلًا لَا يَأْكُلُ إِلَّا اللَّحْمَ).