كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

سِفْرُ التَّكْوِينِ ٨


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ

يَتَنَاقَصُ الطُّوفَانُ تَدْرِيجِيًّا ثُمَّ يَنْتَهِي أَخِيرًا: وَيَعْلَمُ نُوحٌ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ٨ مِنَ الْحَمَامَةِ الْعَائِدَةِ بِغُصْنِ زَيْتُونٍ. ثُمَّ فِي الْآيَةِ ١٦ يَخْرُجُ مِنَ الْفُلْكِ مَعَ جَمِيعِ أَهْلِهِ. وَأَخِيرًا فِي الْآيَةِ ٢٠ يُقَدِّمُ ذَبِيحَةً للهِ الَّذِي يَرْضَى بِهَا وَيَعِدُ بِأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ طُوفَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: تَكْوِين 8:1-22

١. وَذَكَرَ اللهُ نُوحًا وَجَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ وَكُلَّ الْبَهَائِمِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ، فَأَجْرَى رِيحًا عَلَى الْأَرْضِ فَنَقَصَتِ الْمِيَاهُ. ٢. وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ وَطَاقَاتُ السَّمَاءِ، وَامْتَنَعَتِ الْأَمْطَارُ مِنَ السَّمَاءِ. ٣. وَرَجَعَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الْأَرْضِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَبَدَأَتْ تَنْقُصُ بَعْدَ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا. ٤. وَاسْتَقَرَّ الْفُلْكُ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا. ٥. وَكَانَتِ الْمِيَاهُ تَذْهَبُ وَتَتَنَاقَصُ إِلَى الشَّهْرِ الْعَاشِرِ: فَفِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ ظَهَرَتْ رُءُوسُ الْجِبَالِ. ٦. وَبَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَتَحَ نُوحٌ نَافِذَةَ الْفُلْكِ الَّتِي صَنَعَهَا وَأَرْسَلَ غُرَابًا، ٧. فَخَرَجَ وَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى جَفَّتِ الْمِيَاهُ عَنِ الْأَرْضِ. ٨. وَأَرْسَلَ أَيْضًا حَمَامَةً بَعْدَهُ لِيَرَى هَلْ قَدْ تَوَقَّفَتِ الْمِيَاهُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ. ٩. فَلَمَّا لَمْ تَجِدِ الْحَمَامَةُ مَكَانًا تَسْتَرِيحُ فِيهِ رِجْلُهَا، رَجَعَتْ إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ لِأَنَّ الْمِيَاهَ كَانَتْ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ، فَمَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَهَا وَأَدْخَلَهَا إِلَيْهِ إِلَى الْفُلْكِ. ١٠. وَانْتَظَرَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى ثُمَّ أَرْسَلَ الْحَمَامَةَ مَرَّةً أُخْرَى مِنَ الْفُلْكِ. ١١. فَجَاءَتْ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحْمِلُ غُصْنَ زَيْتُونٍ بِأَوْرَاقٍ خَضْرَاءَ فِي فَمِهَا، فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْأَرْضِ. ١٢. وَانْتَظَرَ مَعَ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى ثُمَّ أَرْسَلَ الْحَمَامَةَ فَلَمْ تَعُدْ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ١٣. فَفِي السَّنَةِ السِّتِّ مِئَةٍ وَالْأُولَى فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ نَقَصَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الْأَرْضِ، فَفَتَحَ نُوحٌ سَقْفَ الْفُلْكِ وَنَظَرَ فَرَأَى أَنَّ وَجْهَ الْأَرْضِ قَدْ جَفَّ. ١٤. وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ جَفَّتِ الْأَرْضُ. ١٥. وَكَلَّمَ اللهُ نُوحًا قَائِلًا: ١٦. اُخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَزَوْجَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. ١٧. وَجَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي عِنْدَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ مِنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ وَجَمِيعِ الزَّحَّافَاتِ الَّتِي تَزْحَفُ عَلَى الْأَرْضِ أَخْرِجْهَا مَعَكَ وَادْخُلُوا عَلَى الْأَرْضِ: اُنْمُوا وَاكْثُرُوا عَلَيْهَا. ١٨. فَخَرَجَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَزَوْجَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ. ١٩. وَجَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْبَهَائِمِ وَالزَّحَّافَاتِ الَّتِي تَزْحَفُ عَلَى الْأَرْضِ حَسَبَ أَجْنَاسِهَا خَرَجَتْ مِنَ الْفُلْكِ. ٢٠. وَبَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ، وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ الْبَهَائِمِ الطَّاهِرَةِ وَالطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى الْمَذْبَحِ. ٢١. فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا وَقَالَ: لَنْ أَعُودَ أَلْعَنُ الْأَرْضَ بِسَبَبِ الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ تَصَوُّرَ قَلْبِ الْإِنْسَانِ شِرِّيرٌ مُنْذُ صِبَاهُ، فَلَنْ أَعُودَ أُمِيتُ كُلَّ حَيٍّ كَمَا فَعَلْتُ. ٢٢. كُلَّ أَيَّامِ الْأَرْضِ: زَرْعٌ وَحَصَادٌ، وَبَرْدٌ وَحَرٌّ، وَصَيْفٌ وَشِتَاءٌ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ، لَا تَزَالُ.


الْآيَةُ ١: ذَكَرَ اللهُ نُوحًا

وَذَكَرَ اللهُ نُوحًا. — كَأَنَّ اللهَ قَدْ نَسِيَ نُوحًا حِينَ تَرَكَهُ عَائِمًا فِي تِلْكَ الْهُوَّةِ الْمُرْعِبَةِ مِنَ الْمِيَاهِ مَعَ الْفُلْكِ؛ وَهُنَا فِي نِهَايَةِ الطُّوفَانِ يُقَالُ إِنَّهُ ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ يُنْقِذُهُ الْآنَ مِنْهُ، كَمَا يَقُولُ ثِيئُودُورِيطُسُ. سَمِعْنَا فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ عَنْ هَلَاكِ جَمِيعِ الْأَشْرَارِ: وَنَسْمَعُ هُنَا تَعْزِيَةَ الْأَتْقِيَاءِ. فَكَمَا أَنَّهُ بَيَّنَ سَابِقًا أَنَّ فَرَحَ الْأَشْرَارِ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى حُزْنٍ، كَذَلِكَ يُعْلِنُ هُنَا أَنَّ حُزْنَ الْأَتْقِيَاءِ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى فَرَحٍ، بِحَسَبِ قَوْلِ سِفْرِ طُوبِيَّا: «كُلُّ مَنْ يَعْبُدُكَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ حَيَاتَهُ إِنْ كَانَتْ فِي مِحْنَةٍ فَسَتُكَلَّلُ.»

أَجْرَى رِيحًا — أَيِ الرُّوحَ الْقُدُسَ، كَمَا يَقُولُ ثِيئُودُورِيطُسُ وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ. ثَانِيًا، يَفْهَمُ رُوبِرْتُوسُ بِالرُّوحِ الشَّمْسَ الَّتِي جَفَّفَتِ الْمِيَاهَ بِحَرَارَتِهَا. لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهَا رُوحٌ، أَيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، جَفَّفَتْ بِقُوَّةٍ لَيْسَتْ طَبِيعِيَّةً بِقَدْرِ مَا هِيَ إِلَهِيَّةٌ (إِذْ كَيْفَ يَحْدُثُ ذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الْمِيَاهِ الْهَائِلَةِ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ كَهَذَا؟)، جَفَّفَتْ وَاسْتَهْلَكَتْ جُزْءًا مِنَ الْمِيَاهِ، وَكَثَّفَتْ جُزْءًا آخَرَ وَدَفَعَتْهُ إِلَى الْغَمْرِ وَالْمَجْرَى الَّذِي انْفَجَرَ مِنْهُ، وَبَعْدَ إِتْمَامِ ذَلِكَ حَبَسَهَا هُنَاكَ بِإِغْلَاقِ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ وَفُتُحَاتِهِ؛ وَهَذَا مَا يَلِي: «وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ.» هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ. وَمَا هَذَا الْغَمْرُ فَقَدْ شَرَحْتُهُ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ، الْآيَةِ ١١. وَبِالْقُوَّةِ ذَاتِهَا حَقَّقَتْ هَذِهِ الرِّيحُ أَلَّا يَنْتَشِرَ مِنْ هَذَا الطُّوفَانِ أَيُّ وَبَاءٍ أَوْ طَاعُونٍ فِيمَا بَعْدُ.


الْآيَةُ ٢: اِمْتِنَاعُ الْأَمْطَارِ

وَامْتَنَعَتِ الْأَمْطَارُ مِنَ السَّمَاءِ. — لَيْسَ كَأَنَّ الْمَطَرَ اسْتَمَرَّ دُونَ انْقِطَاعٍ حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ مُدَّةَ ١٥٠ يَوْمًا، بَلْ إِنَّهُ مَعَ تَنَاقُصِ الطُّوفَانِ مَنَعَ اللهُ جَمِيعَ الْأَمْطَارِ حَتَّى الْعَادِيَّةَ مِنْهَا، لِكَيْ تَتَنَاقَصَ الْمِيَاهُ أَسْرَعَ وَتَجِفَّ الْأَرْضُ. فَمَنَعَ اللهُ الْمَطَرَ هُنَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ كَامِلَةً، أَيْ مِنَ الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ حِينَ بَدَأَ الْمَاءُ يَتَنَاقَصُ إِلَى الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي مِنَ السَّنَةِ التَّالِيَةِ حِينَ جَفَّتِ الْأَرْضُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٤.


الْآيَةُ ٣: ذَهَابًا وَإِيَابًا

ذَهَابًا وَإِيَابًا — أَيْ ذَاهِبَةً رَاجِعَةً إِلَى الْبَحْرِ وَإِلَى الْغَمْرِ تَحْتَ الْأَرْضِ عَبْرَ مَجَارٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعُرُوقٍ خَفِيَّةٍ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.

فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ — مِنْ بِدَايَةِ السَّنَةِ لَا مِنْ بِدَايَةِ الطُّوفَانِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٣ وَمَا يَلِيهَا.


الْآيَةُ ٤: جِبَالُ أَرْمِينِيَا

فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ. — هَكَذَا تَقْرَأُ الْأَنَاجِيلُ اللَّاتِينِيَّةُ بِاسْتِمْرَارٍ وَالسَّبْعُونَ وَجَمِيعُ الْآبَاءِ، وَالْعَقْلُ يُبَرْهِنُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ. فَبِمَا أَنَّ الْمِيَاهَ بَقِيَتْ فِي ارْتِفَاعِهَا مُسَيْطِرَةً عَلَى الْأَرْضِ مُدَّةَ ١٥٠ يَوْمًا، يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا بَقِيَتْ فِي ارْتِفَاعِهَا حَتَّى الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ هَذَا؛ إِذْ بَدَأَ الطُّوفَانُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي. فَمِنَ الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي إِلَى الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ ١٥٠ يَوْمًا بِالضَّبْطِ، وَبَعْدَهَا بَدَأَتِ الْمِيَاهُ تَتَنَاقَصُ؛ إِذَنْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ بَدَأَتْ تَتَنَاقَصُ؛ لَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنْ تَتَنَاقَصَ بِمِقْدَارِ ١٥ ذِرَاعًا الَّتِي كَانَتْ تَعْلُو بِهَا فَوْقَ الْجِبَالِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ — لَيْسَ جِبَالَ أَرْمِينِيَا فَحَسْبُ بَلْ وَمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا — بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ الْفُلْكُ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ نَفْسِهِ؛ بَلْ حَدَثَ ذَلِكَ تَدْرِيجِيًّا، بِحَيْثُ بَعْدَ ١٠ أَيَّامٍ، أَيْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ نَفْسِهِ، أَمْكَنَ لِلْفُلْكِ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى تِلْكَ الْجِبَالِ، كَمَا يُذْكَرُ هُنَا. وَيَتَّضِحُ أَنَّ الْمِيَاهَ تَنَاقَصَتْ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ مِنْ أَنَّهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْفُلْكِ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ لَمْ تَظْهَرْ رُءُوسُ الْجِبَالِ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ أَخِيرًا.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النَّصَّ الْعِبْرِيَّ وَالْكَلْدَانِيَّ هُنَا لَيْسَا نَاقِصَيْنِ بِقَدْرِ مَا هُمَا مُشَوَّهَانِ وَمُبَعْثَرَانِ؛ إِذْ بَدَلَ ١٧ عِنْدَهُمَا ٢٧، فَبَدَلَ الْكَلِمَتَيْنِ الْمُنْفَصِلَتَيْنِ عَسَارْ يُومْ، أَيْ «فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ»، يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَّصِلَةٍ عِشْرِيمْ، أَيْ «الْعِشْرُونَ»، وَتُضَافُ «يَوْمٌ».

لِذَلِكَ أَخْطَأَ أُوغُوبِينُوسُ وَكَاجِتَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ حِينَ قَالُوا إِنَّ نَصَّنَا هُنَا فَاسِدٌ.

جِبَالُ أَرْمِينِيَا. — بِالْعِبْرِيَّةِ هِيَ «جِبَالُ أَرَارَاطَ» الَّتِي يُتَرْجِمُهَا الْكَلْدَانِيُّ «جِبَالَ كُورْدُو» الَّتِي يُسَمِّيهَا يُوسِيفُوسُ وَكُورْتِيُوسُ الْجِبَالَ الْكُورْدِيَّةَ. هَذِهِ الْجِبَالُ، كَمَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَدِلْرِيُو، هِيَ جُزْءٌ مِنْ جَبَلِ طُورُوسَ (الَّذِي يَأْخُذُ أَسْمَاءً مُخْتَلِفَةً فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ) حَيْثُ يُشْرِفُ عَلَى كِيلِيكِيَا وَنَهْرِ أَرَاكْسِيسَ الَّذِي رُبَّمَا يُسَمَّى أَرَارَاطَ بِالْعِبْرِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا ظَنَّ سْتِفَانُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْمُدُنِ أَنَّ طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَا سُمِّيَتْ مِنْ تَرْسِيسْ أَيِ «الْإِجْفَافُ»، لِأَنَّ طَرْسُوسَ أُسِّسَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ جَفَّتْ هُنَاكَ أَوَّلًا. لَكِنَّ آخَرِينَ يَرَوْنَ أَنَّ طَرْسُوسَ أُسِّسَتْ وَسُمِّيَتْ نِسْبَةً إِلَى تَرْشِيشَ بْنِ يَافِثَ.

مِنْ أَيْنَ سُمِّيَتْ أَرْمِينِيَا؟ لَاحِظْ: يَبْدُو أَنَّ أَرْمِينِيَا سُمِّيَتْ لَاحِقًا هَكَذَا نِسْبَةً إِلَى أَرَامَ بْنِ سَامٍ حَفِيدِ نُوحٍ، تَكْوِين ١٠. وَلَكِنْ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى الِاشْتِقَاقِ الْعِبْرِيِّ، فَإِنَّ أَرَامَ وَأَرْمِينِيَا تَعْنِيَانِ «الْعَالِيَةُ» وَ«الْمُرْتَفِعَةُ»؛ إِذْ إِنَّ أَرْمِينِيَا هِيَ أَعْلَى أَقَالِيمِ الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَيُمْكِنُ اسْتِنْتَاجُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْفُلْكَ اسْتَقَرَّ أَوَّلًا عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا مَعَ تَنَاقُصِ الطُّوفَانِ.


الْآيَةُ ٥: الشَّهْرُ الْعَاشِرُ

الشَّهْرُ الْعَاشِرُ — لَيْسَ مِنْ بِدَايَةِ الطُّوفَانِ كَمَا يُرِيدُ تُوسْتَاتُوسُ وَكَاجِتَانُوسُ، بَلْ مِنْ بِدَايَةِ السَّنَةِ السِّتِّ مِئَةِ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ، الْآيَةِ ١١، وَهُنَا الْآيَتَيْنِ ١٣ وَ١٤. هَكَذَا لِيرَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ.


ظُهُورُ رُءُوسِ الْجِبَالِ

ظَهَرَتْ رُءُوسُ الْجِبَالِ. — فَرَغْمَ أَنَّ الْفُلْكَ كَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ، إِلَّا أَنَّ الْجِبَالَ لَمْ تَكُنْ قَدْ كُشِفَتْ بَعْدُ؛ إِذْ إِنَّ كُتْلَةَ الْفُلْكِ كَانَتْ قَدْ غَاصَتْ عِدَّةَ أَذْرُعٍ (لِنَقُلْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا) تَحْتَ الْمَاءِ بِثِقَلِهَا، كَمَا تَفْعَلُ سُفُنُ الشَّحْنِ عَادَةً؛ فَبِتَنَاقُصِ الْمَاءِ تَدْرِيجِيًّا بِمِقْدَارِ هَذِهِ الْأَذْرُعِ السَّبْعِ أَوِ الثَّمَانِي كُشِفَتِ الْجِبَالُ أَخِيرًا، بِحَيْثُ ظَهَرَتْ رُءُوسُ الْجِبَالِ لِنُوحٍ النَّاظِرِ مِنْ نَافِذَةِ الْفُلْكِ فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ أَخِيرًا. وَمِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ كُشِفَتْ وَتَعَرَّتْ مِنَ الْمَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ، لَكِنَّهَا ظَهَرَتْ وَشُوهِدَتْ مِنْ نُوحٍ نَفْسِهِ فِي الشَّهْرِ الْعَاشِرِ أَوَّلَ مَرَّةٍ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ الْقَوْلُ إِنَّ الْمِيَاهَ تَنَاقَصَتْ دَائِمًا بِالتَّسَاوِي وَبِمُعَدَّلٍ مُنْتَظِمٍ؛ فَمِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّهَا تَنَاقَصَتْ أَكْثَرَ فِي الْبِدَايَةِ، وَذَلِكَ لِكَيْ لَا يَعُودَ الْفُلْكُ يَطْفُو بَلْ يَسْتَقِرَّ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا لِأَمَانِ نُوحٍ وَتَعْزِيَتِهِ: إِذْ فِي الْبِدَايَةِ ذَاتِهَا لَمْ تُجَفَّفِ الْمِيَاهُ وَتُكَثَّفْ بِالرِّيحِ فَحَسْبُ، بَلْ سَحَبَهَا اللهُ فَجْأَةً إِلَى غَمْرِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، وَالَّذِي اسْتَوْعَبَ كَمِّيَّةً هَائِلَةً مِنَ الْمَاءِ، وَهُنَاكَ حُبِسَتْ؛ وَمِنْ هُنَا تَقُولُ الْآيَةُ ٢: «وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْغَمْرِ.»


الْآيَةُ ٧: الْغُرَابُ

هَلْ رَجَعَ الْغُرَابُ؟ الَّذِي (الْغُرَابُ) خَرَجَ وَلَمْ يَرْجِعْ. — النَّصُّ الْكَلْدَانِيُّ وَيُوسِيفُوسُ، وَكَمَا يَبْدُو لِبَعْضِهِمِ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ نَفْسُهُ، يَقُولُ الْعَكْسَ، أَيْ أَنَّ الْغُرَابَ خَرَجَ وَرَجَعَ. وَمِنْ ثَمَّ يَتَّهِمُ كَالْفِينُ نَصَّنَا اللَّاتِينِيَّ بِالزَّيْفِ؛ لَكِنَّ السَّبْعِينَ وَمُتَرْجِمَنَا وَجَمِيعَ الْآبَاءِ عَدَا بْرُوكُوبِيُوسَ يَقْرَأُونَ بِالنَّفْيِ: الْغُرَابُ خَرَجَ وَلَمْ يَرْجِعْ. وَكِلْتَا التَّرْجَمَتَيْنِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ، وَبِالتَّالِي يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِسُهُولَةٍ.

وَلِتَوْضِيحِ ذَلِكَ لَاحِظْ: النَّصُّ الْعِبْرِيُّ يَقُولُ حَرْفِيًّا هَكَذَا: الْغُرَابُ خَرَجَ ذَاهِبًا وَعَائِدًا، أَيْ أَنَّ هَذَا الْغُرَابَ الْمُرْسَلَ مِنَ الْفُلْكِ، كَمَا يَشْهَدُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَغَيْرُهُمَا، حِينَ رَأَى الْجُثَثَ مُلْقَاةً عَلَى الْجِبَالِ أَوْ طَافِيَةً فِي الْمِيَاهِ وَلَمْ تَكُنْ قَدْ تَحَلَّلَتْ بَعْدُ أَوْ اِلْتَهَمَتْهَا الْأَسْمَاكُ، اِنْجَذَبَ إِلَيْهَا؛ أَوْ بِالْأَحْرَى، كَمَا يَرَى بِيرِيرِيُوسُ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَئِمَ الْحَبْسَ فِي الْفُلْكِ وَكَانَ تَوَّاقًا إِلَى الْحُرِّيَّةِ، لَمْ يُرِدِ الرُّجُوعَ إِلَى دَاخِلِ الْفُلْكِ؛ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ لَا تَزَالُ مُوحِلَةً وَمُبْتَلَّةً، كَانَ يَطِيرُ مِنْ حِينٍ إِلَى آخَرَ إِلَى أَعْلَى الْفُلْكِ وَيَحُطُّ عَلَيْهِ لِيَطِيرَ ثَانِيَةً إِلَى الْجُثَثِ. فَالْغُرَابُ إِذَنْ رَجَعَ إِلَى أَعْلَى الْفُلْكِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى نُوحٍ دَاخِلَ الْفُلْكِ نَفْسِهِ، بَلْ كَانَ يَطِيرُ جَيْئَةً وَذَهَابًا. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَسْتَطِعْ نُوحٌ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَجِفُّ أَوْ بِمِقْدَارِ مَا جَفَّتْ؛ لِذَلِكَ أَرْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ الْحَمَامَةَ لِتَسْتَكْشِفَ ذَلِكَ. اُنْظُرْ فْرَنْسِيسْكُوسَ لُوكَاسَ، الْمُلَاحَظَةُ ٣ عَلَى سِفْرِ التَّكْوِينِ.

ثَانِيًا وَبِمَعْنًى أَدَقَّ، الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ شُوبْ تَعْنِي «الرُّجُوعَ» لَا إِلَى نُوحٍ الَّذِي أَرْسَلَهُ بَلْ إِلَى مَكَانِهِ السَّابِقِ وَحُرِّيَّتِهِ وَعَادَتِهِ: وَمِنْ ثَمَّ تُؤْخَذُ شُوبْ كَثِيرًا بِمَعْنَى «الِابْتِعَادِ»، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣ هُنَا، وَسِفْرِ رَاعُوثَ ١: ١٦، وَسِفْرِ حِزْقِيَالَ ١٨: ٢٦، وَغَيْرِهَا كَثِيرًا؛ لِذَلِكَ فِي الْعِبْرِيَّةِ الْقِرَاءَةُ الْحَرْفِيَّةُ هِيَ: الْغُرَابُ خَرَجَ خُرُوجًا وَابْتِعَادًا حَتَّى جَفَّتِ الْمِيَاهُ عَنِ الْأَرْضِ؛ أَيْ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ وَيَبْتَعِدُ حَتَّى جَفَّتِ الْأَرْضُ؛ إِذْ مِنَ الطَّبِيعِيِّ لِلطُّيُورِ إِذَا أُطْلِقَتْ مِنْ قَفَصٍ أَنْ تَطِيرَ بَعِيدًا قَدْرَ الْإِمْكَانِ. وَقَدْ عَبَّرَ مُتَرْجِمُنَا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ حِينَ تَرْجَمَ: «خَرَجَ وَلَمْ يَرْجِعْ.» وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أَيْضًا فِي التَّقَالِيدِ الْعِبْرِيَّةِ عَنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ إِنَّ الْعِبْرِيَّةَ تَقُولُ: «خَرَجَ خَارِجًا وَلَمْ يَعُدْ»؛ وَهَكَذَا بِمَهَارَةٍ وَعِلْمٍ يُحَاجِجُ الْأَبُ غُورْدُونُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُنَاظَرَاتِ، الْفَصْلِ ١٩. فَالْغُرَابُ الْخَارِجُ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى حُرِّيَّتِهِ، وَبِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إِلَى الْفُلْكِ بَلْ كَانَ يَبْتَعِدُ عَنْهُ أَكْثَرَ؛ وَهَذَا مَا تَعْنِيهِ الْعِبْرِيَّةُ شُوبْ.

حَتَّى جَفَّتِ الْمِيَاهُ. — كَلِمَةُ «حَتَّى» لَا تَعْنِي أَنَّ الْغُرَابَ رَجَعَ إِلَى الْفُلْكِ بَعْدَ جَفَافِ الْأَرْضِ، بَلْ تَعْنِي فَقَطْ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الْجَفَافِ؛ هَكَذَا تُسْتَخْدَمُ «حَتَّى» فِي إِنْجِيلِ مَتَّى ١: الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، وَالْمَزْمُورِ ١٠٩: ٢، وَغَيْرِهِمَا.

الدَّرْسُ الْأَخْلَاقِيُّ. مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ صَارَ الْغُرَابُ مَثَلًا عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ، فَيَقُولُونَ «رَسُولُ الْغُرَابِ» عَمَّنْ يُرْسَلُ وَيَعُودُ مُتَأَخِّرًا أَوْ لَا يَعُودُ أَبَدًا. الْغُرَابُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْفُلْكِ لَكِنَّ الْحَمَامَةَ رَجَعَتْ: الْغِرْبَانُ هُمُ الَّذِينَ يُؤَجِّلُونَ التَّوْبَةَ وَيَقُولُونَ: «غَدًا، غَدًا»؛ وَالْحَمَائِمُ النَّائِحَةُ هُمُ الَّذِينَ يَتُوبُونَ فَوْرًا وَيَرْجِعُونَ إِلَى الْفُلْكِ. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ أَلْكُوِينُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْفَضَائِلِ وَالرَّذَائِلِ: «رُبَّمَا» يَقُولُ تُجِيبُ: «غَدًا، غَدًا» (أَيْ سَأَتُوبُ)؛ «يَا لَهُ صَوْتَ الْغُرَابِ! الْغُرَابُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْفُلْكِ لَكِنَّ الْحَمَامَةَ رَجَعَتْ؛ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَتُوبَ حِينَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْطَأَ بَعْدُ، حِينَ تَكُونُ خَطَايَاكَ قَدْ تَرَكَتْكَ لَا أَنْتَ تَرَكْتَهَا: فَأَنْتَ غَرِيبٌ كُلَّ الْغُرْبَةِ عَنِ الْإِيمَانِ، أَنْتَ الَّذِي تَنْتَظِرُ الشَّيْخُوخَةَ لِتَتُوبَ.»

وَبِطَرِيقَةٍ أُخْرَى يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ نُوحٍ، الْفَصْلِ ١٧: إِرْسَالُ الْغُرَابِ يَعْنِي «أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ بَارٍّ حِينَ يَبْدَأُ فِي تَطْهِيرِ نَفْسِهِ يَطْرُدُ مِنْهَا أَوَّلًا كُلَّ مَا هُوَ مُظْلِمٌ وَنَجِسٌ وَطَائِشٌ. فَإِنَّ كُلَّ وَقَاحَةٍ وَذَنْبٍ مُظْلِمٌ وَيَتَغَذَّى عَلَى الْمَوْتَى كَالْغُرَابِ. وَلِذَلِكَ يُرْسَلُ الذَّنْبُ كَأَنَّمَا يُطْرَدُ وَيُفْصَلُ عَنِ الْبَرَاءَةِ لِكَيْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مُظْلِمٌ فِي ذِهْنِ الْإِنْسَانِ الْبَارِّ. وَأَخِيرًا فَإِنَّ الْغُرَابَ الَّذِي خَرَجَ لَا يَرْجِعُ إِلَى الْبَارِّ، لِأَنَّ الذَّنْبَ الْفَارَّ يَنْتَمِي كُلِّيًّا إِلَى الِاسْتِقَامَةِ وَلَا يَبْدُو أَنَّهُ يَتَوَافَقُ مَعَ الصَّلَاحِ وَالْعَدَالَةِ.» وَفِي الْفَصْلِ ١٨ يَقُولُ إِنَّ الْحَمَامَةَ الْعَائِدَةَ إِلَى الْفُلْكِ تُشِيرُ إِلَى الْبُسَطَاءِ وَالْأَبْرِيَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا لِيُحَوِّلُوا أَهْلَ الدُّنْيَا، فَحِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الشَّرَّ قَدْ طَغَى عَلَيْهِمْ، لِئَلَّا يَتْعَبُوا عَبَثًا وَيَتَلَوَّثُوا بِهِ، يَطِيرُونَ سَرِيعًا إِلَى فُلْكِ الذِّهْنِ: «إِذْ بِبُطْءٍ» يَقُولُ «بَيْنَ مَكَائِدِ هَذَا الْعَالَمِ وَأَمْوَاجِ الشَّهَوَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ تَجِدُ الْبَسَاطَةُ مَرْفَأً.» اُنْظُرْ عِنْدَهُ الْمَزِيدَ إِنْ شِئْتَ.


الْآيَةُ ٩: حَيْثُ تَسْتَرِيحُ

حَيْثُ تَسْتَرِيحُ. — إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَزَالُ مُوحِلًا وَمُغَطًّى بِالطِّينِ.

لِأَنَّ الْمِيَاهَ كَانَتْ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ. — فَرَغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ تَرَكَتِ الْجِبَالَ الْعَالِيَةَ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَزَالُ تَغْمُرُ كُلَّ الْأَرَاضِي الْمُسَطَّحَةِ أَوِ الْمُنْبَسِطَةِ.


الْآيَةُ ١١: غُصْنُ الزَّيْتُونِ

عِنْدَ الْمَسَاءِ. — بَعْدَ أَنْ تَغَذَّتْ طَوَالَ النَّهَارِ (كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٢٦) تَعُودُ إِلَى رَفِيقِهَا فِي الْمَأْوَى الْمَأْلُوفِ لِتَتَجَنَّبَ بَرْدَ اللَّيْلِ. هَكَذَا دِلْرِيُو.

غُصْنَ زَيْتُونٍ. — لِأَنَّ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ تَبْقَى خَضْرَاءَ الْأَوْرَاقِ دَائِمًا، كَمَا يَشْهَدُ بْلِينِيُوسُ فِي الْكِتَابِ ١٦، الْفَصْلِ ٢٠. فَقَدْ أَمْكَنَ لِهَذِهِ الزَّيْتُونَةِ أَنْ تَحْفَظَ أَوْرَاقَهَا سَنَةً كَامِلَةً تَحْتَ مِيَاهِ الطُّوفَانِ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٢٦: وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْفُلْكِ، الْفَصْلِ ١٩، يُفَضِّلُ أَنَّ هَذِهِ الزَّيْتُونَةَ نَبَتَتْ تَحْتَ الْمِيَاهِ لَا طَبِيعِيًّا بَلْ بِقُدْرَةِ اللهِ الْكُلِّيَّةِ.

لَاحِظْ: رَغْمَ أَنَّ الطُّوفَانَ أَسْقَطَ مُعْظَمَ الْأَشْجَارِ الْمَوْجُودَةِ فِي السُّهُولِ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الزَّيْتُونَةَ وَبَعْضَ الْأَشْجَارِ وَالنَّبَاتَاتِ الْأُخْرَى أَمْكَنَ أَنْ تُحْفَظَ بَيْنَ صُخُورِ الْجِبَالِ الَّتِي كَانَتْ تَكْسِرُ عُنْفَ الْمِيَاهِ.

وَيَهْذِي الْيَهُودُ هُنَا حِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا الْغُصْنَ أُحْضِرَ مِنْ صِهْيَوْنَ وَجَبَلِ الزَّيْتُونِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ الطُّوفَانُ لِأَنَّهُ مُقَدَّسٌ بِزَعْمِهِمْ. وَيَحْلَمُ آخَرُونَ أَنَّهُ أُحْضِرَ مِنَ الْفِرْدَوْسِ.

الزَّيْتُونُ رَمْزُ السَّلَامِ وَالنَّصْرِ وَالسَّعَادَةِ. أَخْلَاقِيًّا: الزَّيْتُونُ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، شِعَارُ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونُ، كَمَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ، رَمْزٌ هِيرُوغْلِيفِيٌّ لِلسَّلَامِ وَالنَّصْرِ وَالسَّعَادَةِ. فَهَذِهِ الْحَمَامَةُ بِغُصْنِ الزَّيْتُونِ كَانَتْ كَأَنَّمَا تَحْمِلُ لِنُوحٍ وَالْعَالَمِ الْأَمَانَ مِنَ الْمِيَاهِ وَالسَّلَامَ وَالْمُصَالَحَةَ مَعَ اللهِ. وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ عَنْ رَمْزِيَّةِ الزَّيْتُونِ فِي سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ الْإِصْحَاحِ ٢، الْآيَةِ ٤.

أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ تَوَقَّفَتْ. — أَيْ أَنَّهَا تَنَاقَصَتْ إِلَى مُسْتَوَى الْأَشْجَارِ وَالْأَرْضِ.


الرَّمْزُ: نُوحٌ وَالْمَسِيحُ وَالْكَنِيسَةُ

رَمْزِيًّا، نُوحٌ هُوَ الْمَسِيحُ، وَالْفُلْكُ هُوَ الْكَنِيسَةُ؛ بَعْدَ آلَامِ الْمَسِيحِ وَمَوْتِهِ أَعَادَ اللهُ رُوحَ الْحَيَاةِ حِينَ أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الْأَمْوَاتِ، ثُمَّ أَعْطَى النَّاسَ الرُّوحَ الْقُدُسَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. ثَانِيًا، لَمْ تَجِفَّ الْمِيَاهُ فَوْرًا بِالرُّوحِ، لِأَنَّ اللهَ لَا يُجَفِّفُ مِيَاهَ الشَّهْوَةِ وَالتَّجَارِبِ وَجَمِيعِ الْخَطَايَا فَوْرًا بَلْ بِمُرُورِ الزَّمَنِ؛ ثَالِثًا، اسْتَقَرَّ الْفُلْكُ أَوَّلًا عَلَى الْجِبَالِ لِأَنَّ الْكَنِيسَةَ فِي زَمَنِ آلَامِ الْمَسِيحِ ثَبَتَتْ فِي الرُّسُلِ؛ رَابِعًا، فَتَحَ نُوحٌ النَّافِذَةَ فِي الْيَوْمِ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّ الْمَسِيحَ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَفَتَحَهَا فِي الْيَوْمِ الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ؛ خَامِسًا، الْغُرَابُ الْمُرْسَلُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ الْيَهُودَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَطْرُودِينَ مِنَ الْكَنِيسَةِ لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهَا؛ سَادِسًا، الْحَمَامَةُ هِيَ الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي شُوهِدَ بِهَيْئَةِ حَمَامَةٍ فَوْقَ الْمَسِيحِ؛ سَابِعًا، أُرْسِلَتِ الْحَمَامَةُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَأْتِي إِلَيْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَوَّلًا حِينَ نُعَمَّدُ، وَثَانِيًا حِينَ نُثَبَّتُ، وَثَالِثًا حِينَ يُقِيمُ أَجْسَادَنَا. ثَامِنًا، لَمْ تَجْلِسِ الْحَمَامَةُ عَلَى أَرْضٍ مُوحِلَةٍ أَوْ جُثَثٍ لِأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَا يَدْخُلُ نَفْسًا جَسَدِيَّةً وَخَبِيثَةً؛ تَاسِعًا، جَاءَتِ الْحَمَامَةُ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ أُفِيضَ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ لِلْمَسِيحِ؛ عَاشِرًا، تَحْمِلُ الْحَمَامَةُ غُصْنَ زَيْتُونٍ لِأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَحْمِلُ لَنَا زَيْتَ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالسَّلَامَ مَعَ اللهِ؛ حَادِيَ عَشَرَ، يَتَيَقَّنُ نُوحٌ بِالْحَمَامَةِ أَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ تَوَقَّفَتْ لِأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَبْنَاءُ اللهِ؛ ثَانِيَ عَشَرَ، يُزِيلُ نُوحٌ سَقْفَ الْفُلْكِ لِأَنَّ الْمَسِيحَ يُزِيلُ كُلَّ الْعَوَائِقِ لِيَكُونَ لَنَا دُخُولٌ حُرٌّ إِلَى السَّمَاءِ؛ وَذَلِكَ سَيَحْدُثُ حِينَ يَقُولُ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، إِلَخ.


الْآيَتَانِ ١٢-١٣: نَقَصَتِ الْمِيَاهُ

نَقَصَتِ الْمِيَاهُ — إِلَى مُسْتَوَى الْأَرْضِ بِحَيْثُ ظَهَرَتِ الْيَابِسَةُ. لَاحِظْ هُنَا: فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ ٦٠١ لِنُوحٍ تُوصَفُ الْأَرْضُ هُنَا بِأَنَّهَا جَافَّةٌ؛ اِفْهَمْ هَذَا ابْتِدَائِيًّا، أَيْ أَنَّهَا تَعَرَّتْ مِنَ الْمَاءِ لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مُوحِلَةً وَمُسْتَنْقَعِيَّةً: إِذْ جَفَّتْ تَمَامًا مِنَ الطِّينِ وَالْوَحْلِ بَعْدَ ٥٧ يَوْمًا، أَيْ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي كَمَا يُذْكَرُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ، بِحَيْثُ أَمْكَنَ لِنُوحٍ وَأَهْلِهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْفُلْكِ وَيَمْشُوا عَلَى الْأَرْضِ. هَكَذَا بِيرِيرِيُوسُ.

وَفَتَحَ نُوحٌ سَقْفَ الْفُلْكِ وَنَظَرَ. — لَمْ يَفْتَحْ نُوحٌ سَقْفَ الْفُلْكِ كُلَّهُ بَلْ جُزْءًا مِنْهُ فَحَسْبُ، أَيْ لَوْحًا أَوْ لَوْحَيْنِ مِنْهُ، بِالْقَدْرِ الَّذِي يَكْفِي لِيَرْتَفِعَ فَوْقَ السَّقْفِ نَفْسِهِ وَيَنْظُرَ مِنْ هُنَاكَ فِي كُلِّ الِاتِّجَاهَاتِ (وَهُوَ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ فِعْلَهُ مِنَ النَّافِذَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى جَانِبِ الْفُلْكِ) وَيَرَى هَلْ تَرَكَتِ الْمِيَاهُ الْأَرْضَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ نُوحٍ، الْفَصْلِ ٢٠: نُوحٌ، أَيِ الْإِنْسَانُ الْبَارُّ، يَفْتَحُ السَّقْفَ لِكَيْ يَتَأَمَّلَ الْأُمُورَ غَيْرَ الْجَسَدِيَّةَ، أَيِ اللهَ وَالسَّمَاوِيِّينَ: «وَلِذَلِكَ» يَقُولُ «كَانَ الْبَارُّ يَطْلُبُ الرَّبَّ الَّذِي لَمْ يَرَهُ، بَرِيئًا مِنَ الْفَسَادِ، تَوَّاقًا إِلَى الْأَبَدِيَّةِ.»


الْآيَةُ ١٤: جَفَّتِ الْأَرْضُ

فِي الشَّهْرِ الثَّانِي فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ جَفَّتِ الْأَرْضُ. — مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ يَتَّضِحُ أَنَّ الطُّوفَانَ دَامَ سَنَةً كَامِلَةً وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ؛ إِذْ بَدَأَ فِي سَنَةِ ٦٠٠ مِنْ عُمُرِ نُوحٍ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي؛ وَانْتَهَى فِي سَنَةِ ٦٠١ مِنْ عُمُرِ نُوحٍ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي: فَقَدْ كَانَ نُوحٌ إِذَنْ فِي الْفُلْكِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.

يَرَى بِيرِيرِيُوسُ أَنَّ السَّنَةَ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ بِاعْتِبَارِهَا سَنَةً قَمَرِيَّةً تَحْتَوِي عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَوْرَةً قَمَرِيَّةً، أَيِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حَرَكَةً لِلْقَمَرِ فِي الْبُرُوجِ، وَبِالتَّالِي تَحْتَوِي عَلَى ٣٥٤ يَوْمًا، وَهِيَ لِذَلِكَ أَقْصَرُ مِنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا؛ إِذِ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ تَحْتَوِي عَلَى ٣٦٥ يَوْمًا. وَحُجَّةُ بِيرِيرِيُوسَ أَنَّ الْعِبْرَانِيِّينَ اسْتَخْدَمُوا الشُّهُورَ وَبِالتَّالِي السَّنَوَاتِ الْقَمَرِيَّةَ؛ فَيَبْدُو أَنَّ مُوسَى يَسْتَخْدِمُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ هُنَا.

لَكِنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ لَا تَصْمُدُ تَمَامًا: فَالْعِبْرَانِيُّونَ اسْتَخْدَمُوا الشُّهُورَ الْقَمَرِيَّةَ بِسَبَبِ أَعْيَادِهِمِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كَانَ يَجِبُ الِاحْتِفَالُ بِهَا حَسَبَ الْقَمَرِ، كَاحْتِفَالِ رَأْسِ الشَّهْرِ عِنْدَ الْهِلَالِ وَالْفِصْحِ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الْقَمَرِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنْ مِنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنَّ مُوسَى يَسْتَخْدِمُ نَفْسَ الْحِسَابِ فِي أَسْفَارِهِ الْخَمْسَةِ. فَمُوسَى يَكْتُبُ هُنَا تَسَلْسُلَ الْعَالَمِ الزَّمَنِيَّ الَّذِي يُكْتَبُ عَادَةً بِالسَّنَوَاتِ الشَّمْسِيَّةِ لِأَنَّهَا الْأَكْثَرُ شُيُوعًا وَاسْتِخْدَامًا. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ: كَانَ الْعِبْرَانِيُّونَ يُعِيدُونَ سَنَوَاتِهِمُ الْقَمَرِيَّةَ إِلَى السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِالْكَبِيسَةِ كُلَّ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَيُسَاوُونَهَا بِهَا؛ وَهَكَذَا كَانُوا هُمْ أَيْضًا يَسْتَخْدِمُونَ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ: وَإِلَّا لَمَا اسْتَطَاعُوا دَائِمًا أَنْ يَبْدَأُوا سَنَتَهُمْ فِي شَهْرِ الْحَصَادِ الْجَدِيدِ وَيُقِيمُوا الْفِصْحَ فِيهِ.

وَيُؤَيِّدُ اسْتِخْدَامَ مُوسَى لِلسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ مَا قُلْتُهُ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، أَيْ أَنَّهُ مِنَ الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ الثَّانِي إِلَى السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ مَرَّتْ ١٦٠ يَوْمًا، بِحَيْثُ بَقِيَتِ الْمِيَاهُ فِي الْأَيَّامِ الْمِئَةِ وَالْخَمْسِينَ الْأُولَى عِنْدَ مُسْتَوَاهَا، ثُمَّ فِي الْأَيَّامِ الْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ تَنَاقَصَتْ بِحَيْثُ اسْتَقَرَّ الْفُلْكُ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا. فَإِنْ أَخَذْتَ الشُّهُورَ الْقَمَرِيَّةَ لَكَانَ يَجِبُ الْقَوْلُ إِنَّ الْأَرْضَ جَفَّتْ فَجْأَةً بَعْدَ الْأَيَّامِ الْمِئَةِ وَالْخَمْسِينَ مِنَ الطُّوفَانِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ إِلَى حَدٍّ يُمْكِنُ مَعَهُ لِلْفُلْكِ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى تِلْكَ الْجِبَالِ، رَغْمَ أَنَّهَا جَفَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَاتِ ٥ وَ١٣ وَ١٤.


الْآيَةُ ١٦: اُخْرُجْ أَنْتَ وَزَوْجَتُكَ

يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْفُلْكِ، الْفَصْلِ ٢١، وَكَاجِتَانُوسُ أَنَّهُ عِنْدَ الدُّخُولِ إِلَى الْفُلْكِ فِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسِ الْآيَةِ ١٨ يَأْمُرُ اللهُ النِّسَاءَ بِالدُّخُولِ مُنْفَصِلَاتٍ عَنِ الذُّكُورِ، لَكِنْ عِنْدَ الْخُرُوجِ يَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مَعًا: لِأَنَّهُ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، عِنْدَ الدُّخُولِ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ الضِّمْنِيَّةِ لِلْفَصْلِ يُنَبِّهُهُمُ اللهُ بِالِامْتِنَاعِ عَنِ الْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالتَّنَاسُلِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ زَمَنَ حُزْنٍ وَتَوْبَةٍ: أَمَّا عِنْدَ الْخُرُوجِ فَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى لِلْجَمْعِ يُنَبِّهُهُمْ بِاسْتِخْدَامِ الْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةِ لِتَكْثِيرِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ.


الْآيَةُ ١٧: وُصُولُ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى الْأَمْرِيكَتَيْنِ

جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ... أَخْرِجْهَا مَعَكَ وَادْخُلُوا عَلَى الْأَرْضِ. — قَدْ يُسْأَلُ: كَيْفَ أَمْكَنَ لِلذِّئَابِ وَالثَّعَالِبِ وَالْأُسُودِ وَالنُّمُورِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْوُحُوشِ الضَّارِيَةِ أَنْ تَصِلَ مِنْ آسِيَا — حَيْثُ خَرَجَ نُوحٌ مِنَ الْفُلْكِ — إِلَى الْجُزُرِ وَالْأَرَاضِي الْمَفْصُولَةِ عَنْهَا بِالْبَحْرِ، وَبِخَاصَّةٍ إِلَى أَمْرِيكَا؟

يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ٧: بِثَلَاثِ طُرُقٍ، وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ إِمَّا عَبَرَتْ إِلَى الْجُزُرِ سِبَاحَةً، أَوْ نُقِلَتْ إِلَيْهَا بِوَاسِطَةِ النَّاسِ عَلَى السُّفُنِ، أَوْ أُنْتِجَتْ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ بِتَرْتِيبِ اللهِ وَخَلْقِهِ. وَهَذَا الْخِيَارُ الثَّالِثُ يَبْدُو بَعِيدَ الِاحْتِمَالِ؛ إِذْ بَعْدَ الطُّوفَانِ، بَلْ بَعْدَ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ لِلْأَشْيَاءِ فِي تَكْوِين ١، لَمْ يَخْلُقِ اللهُ شَيْئًا جَدِيدًا: فَلِهَذَا السَّبَبِ بِالذَّاتِ أَدْخَلَ ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ إِلَى الْفُلْكِ لِيُحْفَظَ نَسْلُهَا عَلَى الْأَرْضِ، تَكْوِين ٧: ٣.

الْأَرْجَحُ إِذَنْ أَنَّ هَذِهِ الْوُحُوشَ وَصَلَتْ إِلَى الْجُزُرِ سِبَاحَةً. فَالتَّجْرِبَةُ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْوُحُوشَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْبَحَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ كَامِلَةً حِينَ تَدْفَعُهَا الضَّرُورَةُ. وَمِنَ الدَّلَائِلِ الْكَبِيرَةِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْوُحُوشَ تُوجَدُ فِي الْعَالَمِ الْجَدِيدِ — أَيْ فِي أَمْرِيكَا — فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْقَارَّةِ وَفِي الْجُزُرِ الْقَرِيبَةِ مِنْهَا؛ لَكِنَّهَا لَا تُوجَدُ أَبَدًا فِي الْجُزُرِ الَّتِي تَبْعُدُ عَنِ الْقَارَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعِ الصَّوْمَ هَذِهِ الْمُدَّةَ لِتَصِلَ إِلَيْهَا سِبَاحَةً)، كَمَا يُؤَكِّدُ أَبُونَا يُوسِيفُوسُ أَكُوسْتَا — الَّذِي عَاشَ فِي أَمْرِيكَا — أَنَّهُ رَاقَبَ ذَلِكَ بِعِنَايَةٍ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ مِنْ عَنِ الْعَالَمِ الْجَدِيدِ، الْفَصْلِ ٢١: وَمِنْ هُنَا يُضِيفُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَيُّ ثَعْلَبٍ أَوْ أَسَدٍ أَوْ دُبٍّ أَوْ خِنْزِيرٍ بَرِّيٍّ أَوْ نَمِرٍ فِي جَزِيرَةِ كُوبَا أَوْ هِسْبَانْيُولَا أَوْ مَرْغَارِيتَا أَوْ دُومِينِيكَا، لِأَنَّهَا أَبْعَدُ عَنِ الْقَارَّةِ: تَمَامًا كَمَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ أَيُّ ثِيرَانٍ أَوْ خُيُولٍ أَوْ كِلَابٍ أَوْ بَقَرَاتٍ فِي تِلْكَ الْجُزُرِ نَفْسِهَا قَبْلَ وُصُولِ الْإِسْبَانِ، لَكِنْ بَعْدَ أَنْ جَلَبَهَا الْإِسْبَانُ صَارَتْ تِلْكَ الْجُزُرُ تَزْخَرُ بِهَا.

فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يَخْلُصُ أَكُوسْتَا مُعَقَّلًا — مِنْ أَنَّ النَّاسَ وَالْحَيَوَانَاتِ كِلَيْهِمَا انْتَقَلُوا مِنْ هَذَا النِّصْفِ مِنَ الْكُرَةِ إِلَى أَمْرِيكَا بَرًّا أَوْ بِمِلَاحَةٍ قَصِيرَةٍ وَسَهْلَةٍ — إِلَى أَنَّ هَنُودَ أَمْرِيكَا لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمُ اسْتِخْدَامٌ لِلسُّفُنِ الْكَبِيرَةِ وَلَا مَعْرِفَةٌ بِالْبُوصَلَةِ أَوِ الْإِسْطُرْلَابِ أَوِ الرُّبْعِ، وَالَّتِي بِدُونِهَا لَوْ أَبْحَرْتَ فِي عُرْضِ الْبَحْرِ عِدَّةَ أَيَّامٍ لَضَلَلْتَ تَمَامًا. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ إِنَّهُ حَيْثُمَا تُوجَدُ جَزِيرَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الْقَارَّةِ وَعَنِ الْجُزُرِ الْأُخْرَى، مِثْلُ بِرْمُودَا، نَجِدُهَا خَالِيَةً تَمَامًا مِنَ السُّكَّانِ. وَمِنْ هَذَا يَسْتَنْتِجُ أَنَّ أَمْرِيكَا مُتَّصِلَةٌ بِنِصْفِنَا مِنَ الْكُرَةِ وَتَلْتَصِقُ بِأَرَاضِينَا فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ لَيْسَتْ بَعِيدَةً جِدًّا عَنْهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْعُبُورُ إِلَيْهَا بِقَوَارِبَ أَوْ سُفُنٍ صَغِيرَةٍ. فَنَحْوَ الْقُطْبِ الشِّمَالِيِّ لَمْ يُسْتَكْشَفْ كُلُّ امْتِدَادِ أَمْرِيكَا بَعْدُ، وَكَثِيرُونَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ فَوْقَ فْلُورِيدَا أَرْضًا وَاسِعَةً جِدًّا، وَأَنَّ أَرَاضِيَ الْبَاكَالْيُوسْ تَمْتَدُّ إِلَى أَقْصَى أُورُوبَا.

ثَانِيًا، نُقِلَ بَعْضُ الْوُحُوشِ إِلَى هُنَاكَ بِوَاسِطَةِ النَّاسِ إِمَّا لِلرِّبْحِ أَوِ الِاسْتِطْلَاعِ أَوِ الصَّيْدِ أَوِ الْأُبَّهَةِ أَوْ لِسَبَبٍ آخَرَ، كَمَا تُجْلَبُ إِلَى هُنَا فِي أَقْفَاصٍ لِلْعَرْضِ، وَقَدْ أَفْلَتَ بَعْضُهَا مِنْ أَقْفَاصِهَا وَهَرَبَ إِلَى الْجِبَالِ وَالْغَابَاتِ وَتَكَاثَرَ هُنَاكَ بِالتَّنَاسُلِ.

وَإِنْ لَمْ تَكْفِ هَذِهِ التَّفْسِيرَاتُ لِأَحَدٍ، فَلْيَلْجَأْ إِلَى عِنَايَةِ اللهِ وَيَقُلْ إِنَّهُ كَمَا قَادَتِ الْمَلَائِكَةُ جَمِيعَ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى الْفُلْكِ أَثْنَاءَ الطُّوفَانِ، كَذَلِكَ بَعْدَ الطُّوفَانِ فَرَّقَتْهَا بِعَمَلِ الْمَلَائِكَةِ أَنْفُسِهِمْ فِي أَرَاضٍ وَجُزُرٍ مُخْتَلِفَةٍ. هَكَذَا تُورْنِيلُّوسُ فِي سَنَةِ الْعَالَمِ ١٩٣١، الرَّقْمِ ٤٩.


الْآيَةُ ١٩: حَسَبَ أَجْنَاسِهَا

حَسَبَ أَجْنَاسِهَا — حَسَبَ أَنْوَاعِهَا، أَيْ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَوْ سَبْعَةً سَبْعَةً خَرَجَتْ مِنَ الْفُلْكِ حَسَبَ أَنْوَاعِهَا، بِحَيْثُ خَرَجَتِ الْحَيَوَانَاتُ (ذُكُورًا وَإِنَاثًا) مِنَ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مَعًا.


الْآيَةُ ٢٠: مَذْبَحُ نُوحٍ

مَذْبَحًا — هَذَا أَوَّلُ مَذْبَحٍ يُقْرَأُ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؛ لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مَذَابِحَ أُخْرَى وُجِدَتْ قَبْلَهُ، وَهِيَ الَّتِي ذَبَحَ عَلَيْهَا هَابِيلُ فِي الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ. وَالْمَذْبَحُ بِالْعِبْرِيَّةِ يُسَمَّى مِزْبَحْ، مِنْ زَبَحَ، أَيْ «ذَبَحَ».

مُحْرَقَاتٍ. — مِنْ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ السَّابِعِ الطَّاهِرِ الذَّكَرِ الْعَزَبِ أَوِ الْمُنْفَرِدِ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢. هَكَذَا دِيُودُورُوسُ الطَّرْسُوسِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ.


الْآيَةُ ٢١: الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ

فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا — أَيْ رَائِحَةَ الطِّيبِ الزَّكِيِّ، كَمَا يَقْرَأُ نُوفَاتِيَانُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الثَّالُوثِ، أَيْ: قَبِلَ اللهُ مُحْرَقَةَ نُوحٍ بِاعْتِبَارِهَا شَيْئًا لَذِيذًا وَمَقْبُولًا عِنْدَهُ؛ فَرِحَ اللهُ بِهَا كَمَا نَفْرَحُ نَحْنُ وَنَتَغَذَّى بِرَائِحَةِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ: إِذِ الذَّبِيحَةُ هِيَ كَأَنَّهَا طَعَامُ اللهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «قَبِلَ الرَّبُّ قُرْبَانَهُ بِرِضًا.» بِالْعِبْرِيَّةِ بَدَلَ «رَائِحَةِ الرِّضَا» يُقَالُ رِيحْ هَنِّيحُوَاحْ، أَيْ «رَائِحَةُ الرَّاحَةِ»: لِأَنَّ هَذِهِ الذَّبِيحَةَ أَرْضَتْ وَسَكَّنَتِ اللهَ الْغَاضِبَ عَلَى الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ. هَكَذَا فَاتَابْلُوسُ وَأُولِيَاسْتِرُ.

يَتَكَلَّمُ مُوسَى مَجَازِيًّا وَبِنِسْبَةِ الْمَشَاعِرِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَى اللهِ، أَيْ: دُخَانُ هَذِهِ الذَّبِيحَةِ وَالرَّائِحَةُ الَّتِي صَعِدَتْ مَعَ الدُّخَانِ كَرَائِحَةٍ زَكِيَّةٍ أَرْضَتِ اللهَ وَكَأَنَّهَا أَزَالَتْ نَتَانَةَ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِ اللهِ: لِأَنَّهُ كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: «فَضِيلَةُ نُوحٍ الْبَارِّ جَعَلَتْ دُخَانَ الذَّبِيحَةِ وَرَائِحَتَهَا رَائِحَةَ طِيبٍ للهِ.» وَبِالْمِثْلِ يُصَوِّرُ أَفْلَاطُونُ وَلُوقِيَانُوسُ آلِهَةَ الْأُمَمِ بِأَنَّهَا تَتَنَسَّمُ الذَّبَائِحَ بِعُذُوبَةٍ وَتَفْرَحُ بِرَائِحَتِهَا.

قَالَ لَهُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ: أَمَرْ إِلْ لِبُّو، «قَالَ لِقَلْبِهِ»؛ الْكَلْدَانِيُّ يُتَرْجِمُ: «قَالَ بِكَلِمَتِهِ»؛ السَّبْعُونَ: «قَالَ مُتَأَمِّلًا»، أَيْ بَعْدَ تَفَكُّرٍ كَثِيرٍ وَتَأَمُّلٍ قَلْبِيٍّ، أَيْ: قَالَ اللهُ هَذَا بِمَشُورَةٍ نَاضِجَةٍ وَقَرَارٍ مُتَعَمَّدٍ. ثَانِيًا، «قَالَ لِقَلْبِهِ» يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ بِمَعْنَى «قَالَ فِي قَلْبِهِ أَوْ مِنْ قَلْبِهِ»، أَيْ: قَالَهُ بِجِدِّيَّةٍ وَمِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهِ؛ إِذِ إِلْ كَثِيرًا مَا تُؤْخَذُ بِمَعْنَى مِنْ أَوْ بِ. ثَالِثًا، يَشْرَحُ دِلْرِيُو هَكَذَا: «قَالَ لِقَلْبِهِ»، أَيْ قَالَ لِنُوحٍ الَّذِي كَانَ حَبِيبَ قَلْبِ اللهِ. رَابِعًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ، مِنَ الْعِبَارَةِ الْعِبْرِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُفَسِّرَ هَكَذَا: أَمَرْ إِلْ لِبُّو، أَيْ «الْقَلْبُ قَالَ لِقَلْبِهِ»، أَيْ لِقَلْبِ نُوحٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ: إِذْ يُجْمِعُ جَمِيعُ الْقُدَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قِيلَتْ لِنُوحٍ، أَيْ: اللهُ الَّذِي رَضِيَ بِذَبِيحَةِ نُوحٍ كَلَّمَ قَلْبَهُ، أَيْ عَزَّاهُ وَطَيَّبَ خَاطِرَهُ وَقَالَ لَهُ مَا هُوَ أَلَذُّ وَأَمْتَعُ لِقَلْبِهِ؛ فَهَذَا مَعْنَى التَّكَلُّمِ إِلَى قَلْبِ أَحَدٍ فِي الْعِبْرِيَّةِ.

لَنْ أَعُودَ أَلْعَنُ الْأَرْضَ. — «أَلْعَنُ» أَيْ «أُسِيءُ إِلَيْهَا»، أَيْ: لَنْ أُدَمِّرَ الْأَرْضَ بِطُوفَانٍ كَمَا فَعَلْتُ.

بِسَبَبِ الْإِنْسَانِ — بِسَبَبِ خَطَايَا النَّاسِ.

لِأَنَّ تَصَوُّرَ... — أَيْ: سَأَرْحَمُ ضَعْفَ الْإِنْسَانِ وَمَيْلَهُ إِلَى الشَّرِّ، وَلِذَلِكَ لَنْ أُعَاقِبَ خَطَايَاهُمْ بَعْدَ الْآنَ بِطُوفَانٍ عَامٍّ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ؛ بَلْ سَأُؤَدِّبُ كُلَّ خَاطِئٍ بِعُقُوبَاتِهِ الْخَاصَّةِ: إِذْ أُرِيدُ أَنْ أَحْفَظَ الْجِنْسَ الْبَشَرِيَّ نَفْسَهُ وَأُكَثِّرَهُ.


حِسُّ قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَفِكْرُهُ

حِسُّ قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَفِكْرُهُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ يِتْصِرْ لِبْ هَآدَامْ، «تَصَوُّرُ قَلْبِ الْإِنْسَانِ»، أَيْ إِنَّ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ وَجَوْهَرَهُ ذَاتَهُ — أَعْنِي عَقْلَهُ وَإِرَادَتَهُ — شِرِّيرَانِ، كَمَا يَقُولُ لُوثَرُ وَكَالْفِينُ، لَكِنْ بِحُمْقٍ: إِذْ إِنَّ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ وَعَقْلَهُ وَإِرَادَتَهُ هِيَ تَصَوُّرُ — لَا الْإِنْسَانِ وَلَا الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ — بَلِ اللهِ وَالْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ. أَمَّا تَصَوُّرُ الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ فَهُوَ فِكْرُهُ وَنِيَّتُهُ وَحِيلَتُهُ، كَمَا يُتَرْجِمُ مُتَرْجِمُنَا وَالسَّبْعُونَ وَرَابِي كِمْحِي وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ وَالْيُونَانِيِّينَ وَاللَّاتِينِ؛ إِذِ الْإِنْسَانُ يَصُوغُ هَذِهِ وَيُشَكِّلُهَا لِنَفْسِهِ فِي وَرْشَةِ قَلْبِهِ؛ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْإِنْسَانَ ذُو إِرَادَةٍ حُرَّةٍ: كَمَا أَنَّ الْخَزَّافَ حُرٌّ فِي أَنْ يَصُوغَ أَيَّ شَكْلٍ أَوْ إِنَاءٍ يَشَاءُ.

ثَانِيًا وَبِمَعْنًى أَفْضَلَ، «التَّصَوُّرُ» أَيِ وَرْشَةُ الْفَخَّارِ وَمَصْنَعُ الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ مَائِلٌ إِلَى الشَّرِّ لِيُشَكِّلَهُ وَيَصُوغَهُ؛ فَكَمَا أَنَّ الْفَخَّارَ فِي وَرْشَتِهِ يُشَكِّلُ الصِّحَافَ وَالْقُدُورَ وَالْأَوَانِيَ: كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِي وَرْشَةِ قَلْبِهِ وَشَهْوَتِهِ يُشَكِّلُ هُنَاكَ صُوَرَ كُلِّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَشْتَهِيهَا. فَهَذِهِ الْوَرْشَةُ أَوِ الْمَصْنَعُ لِلْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ الَّذِي أَفْسَدَتْهُ الْخَطِيئَةُ هِيَ الشَّهْوَةُ نَفْسُهَا، أَوِ الْحِسُّ، وَكَمَا يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ دِيَانُويَا، الذِّهْنُ الْمُفْسَدُ بِالْخَطِيئَةِ وَالْمُفَكِّرُ فِي الشُّرُورِ الَّتِي تُنْتِجُهَا حَرَكَاتُ الشَّهْوَةِ وَتُخْرِجُهَا.

قَدْ تَقُولُ: مِنَ الشَّهْوَةِ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ صَالِحٌ بَلْ حَرَكَاتُ الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ شِرِّيرَةٌ فَحَسْبُ؛ إِذَنْ مِنَ الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ صَالِحٌ بَلِ الشَّرُّ فَقَطْ. أُجِيبُ: أُنْكِرُ النَّتِيجَةَ، لِأَنَّ فِي الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ وَرْشَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ: وَاحِدَةٌ لِلشَّهْوَةِ وَأُخْرَى لِلْعَقْلِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْفَضِيلَةِ؛ تِلْكَ تَمِيلُ إِلَى الشَّرِّ وَهَذِهِ إِلَى الْخَيْرِ؛ إِذْ إِنَّ اللهَ غَرَسَ فِينَا طَبِيعِيًّا هَذَا الْمَيْلَ إِلَى الْخَيْرِ: وَالْآنَ فِي اخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ فِي وَرْشَةِ الشَّهْوَةِ أَوِ الْعَقْلِ، وَبِالتَّالِي أَنْ يَخْتَارَ وَيَعْمَلَ الشَّرَّ أَوِ الْخَيْرَ، خَاصَّةً إِذَا أَعَانَتْهُ نِعْمَةُ اللهِ.

مَائِلَةٌ إِلَى الشَّرِّ. — بِالْعِبْرِيَّةِ يَا رَعْ، أَيْ شِرِّيرَةٌ، وَهِيَ التَّصَوُّرَاتُ وَالْأَفْكَارُ وَالْحِيَلُ الَّتِي يُشَكِّلُهَا وَيَصُوغُهَا الْقَلْبُ الْبَشَرِيُّ الْمُصَابُ وَالْمُفْسَدُ بِالْخَطِيئَةِ وَالشَّهْوَةِ. لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا رَأَى بِعُمْقٍ أَكْبَرَ أَنَّ رَعْ أَيْ «شِرِّيرَةٌ» يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ سَبَبِيًّا بِمَعْنَى «مَائِلَةٌ إِلَى الشَّرِّ»، أَوْ كَمَا يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ «مُنْكَبَّةٌ عَلَى الشُّرُورِ»: إِذْ كَمَا قُلْتُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ التَّصَوُّرَ بِمَعْنَى الْوَرْشَةِ نَفْسِهَا — الْحِسِّ وَالشَّهْوَةِ — اللَّذَيْنِ لَيْسَا شِرِّيرَيْنِ بِالذَّاتِ أَيْ لَيْسَا خَطَايَا؛ بَلْ بِالسَّبَبِيَّةِ لِأَنَّهُمَا مَائِلَانِ إِلَى الشَّرِّ وَيُحَرِّضَانِ الْإِنْسَانَ عَلَى الشَّرِّ. فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الْمُنَاسِبُ الَّذِي يَقُولُ بِهِ اللهُ إِنَّهُ سَيَرْحَمُ النَّاسَ فَلَا يُعَاقِبُ خَطَايَاهُمْ بِالطُّوفَانِ بَعْدَ الْآنَ، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ مُنْذُ مَوْلِدِهِمْ ضُعَفَاءُ وَوَاهِنُونَ وَمَائِلُونَ إِلَى الشَّرِّ: إِذِ الْخُبْثُ الْفِعْلِيُّ وَالْخَطِيئَةُ لَا تَسْتَثِيرَانِ رَحْمَةَ اللهِ بَلْ غَضَبَهُ.

مُنْذُ صِبَاهُ. — «فَمِنْ تِلْكَ السِّنِّ» يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ «يَنْمُو الشَّرُّ؛ إِذِ الِاجْتِهَادُ وَالْحِرْصُ عَلَى الْخَطِيئَةِ يَبْدَآنِ مِنَ الشَّبَابِ: فَالصَّبِيُّ يَخْطَأُ كَضَعِيفٍ، لَكِنَّ الشَّابَّ يَخْطَأُ كَفَاسِقٍ يَرْغَبُ بِشَغَفٍ فِي ارْتِكَابِ الْخَطَايَا وَيَفْتَخِرُ بِجَرَائِمِهِ.»


الْآيَةُ ٢٢: كُلَّ أَيَّامِ الْأَرْضِ

كُلَّ أَيَّامِ الْأَرْضِ. — لَيْسَ مَا دَامَتِ الْأَرْضُ قَائِمَةً، إِذِ الْأَرْضُ تَدُومُ إِلَى الْأَبَدِ، بَلْ مَا دَامَ عَلَى الْأَرْضِ تَوَالُدٌ وَفَسَادٌ وَوُجِدَ نَاسٌ وَحَيَوَانَاتٌ، مِنْ أَجْلِهَا أُدْخِلَ هَذَا التَّنَوُّعُ فِي الْفُصُولِ.

زَرْعٌ وَحَصَادٌ. — يَظُنُّ إِيسِيدُورُوسُ كْلَارِيُوسُ أَنَّ السَّنَةَ هُنَا مُقَسَّمَةٌ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ حَسَبَ الْعَادَةِ الْعِبْرِيَّةِ: الْإِزْهَارِ وَالنُّضْجِ وَالْحَرَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالْبَرْدِ وَالصَّيْفِ، وَفِي ذَلِكَ اُنْظُرْ دِلْرِيُو هُنَا. لَكِنَّ الْأَصَحَّ بِكَثِيرٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْمُقَابَلَاتِ نَفْسِهَا، أَنَّ مَا يُوصَفُ هُنَا هُوَ أَوَّلًا تَعَاقُبُ الْعَمَلِ: أَحَدُهُمَا لِلزِّرَاعَةِ وَالْآخَرُ لِلْحَصَادِ، إِذِ «الزَّرْعُ» هُنَا يَعْنِي وَقْتَ الْبَذْرِ وَ«الْحَصَادُ» وَقْتَ الْحَصَادِ؛ وَثَانِيًا تَعَاقُبُ فُصُولِ السَّنَةِ: الصَّيْفُ وَالشِّتَاءُ؛ وَثَالِثًا تَعَاقُبُ الْأَحْوَالِ وَالطَّقْسِ: الْبَرْدُ وَالْحَرُّ.

لَا تَزَالُ. — لَا تَتَوَقَّفُ وَلَا تَكُفُّ عَنِ التَّعَاقُبِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، كَمَا تَوَقَّفَتْ وَكَفَّتْ طَوَالَ سَنَةِ الطُّوفَانِ.