كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
فِي هَذَا الْإِصْحَاحِ يُعِيدُ اللهُ إِلَى الْإِنْسَانِ — الَّذِي تَجَدَّدَ وَأُعِيدَ خَلْقُهُ كَمَا لَوْ بِالطُّوفَانِ — الْخَيْرَاتِ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي بَدَتْ مَفْقُودَةً بِسَبَبِ الْخَطِيئَةِ وَالطُّوفَانِ: أَيِ الْخِصْبَ، وَالسِّيَادَةَ عَلَى الْوُحُوشِ، بَلْ وَغِذَاءً أَفْضَلَ. فَأَوَّلًا إِذَنْ يُبَارِكُ اللهُ نُوحًا وَنَسْلَهُ، وَيُبِيحُ لَهُمْ أَكْلَ اللُّحُومِ وَلَكِنْ لَيْسَ الدَّمَ؛ وَمِنْ ثَمَّ، ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ٥، يُقَرِّرُ عُقُوبَةَ الْقَتْلِ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٩، يَعْقِدُ عَهْدًا مَعَ نُوحٍ بِأَلَّا يَأْتِيَ بِطُوفَانٍ آخَرَ، وَيَجْعَلُ قَوْسَ قُزَحَ عَلَامَةً لِلْعَهْدِ. رَابِعًا، فِي الْآيَةِ ٢٠، يَسْكَرُ نُوحٌ، وَبَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ يَكْشِفُهُ حَامُ، لَكِنَّ سَامًا وَيَافِثَ يَسْتُرَانِهِ؛ وَلِذَلِكَ عِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُ يَلْعَنُ حَامًا وَيُبَارِكُ سَامًا وَيَافِثَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٩: ١-٢٩
١. وَبَارَكَ اللهُ نُوحًا وَبَنِيهِ. وَقَالَ لَهُمْ: اُنْمُوا وَاكْثُرُوا وَامْلَأُوا الْأَرْضَ. ٢. وَلْيَكُنْ خَوْفُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ طُيُورِ السَّمَاءِ، مَعَ كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ: جَمِيعُ أَسْمَاكِ الْبَحْرِ قَدْ دُفِعَتْ إِلَى أَيْدِيكُمْ. ٣. وَكُلُّ مَا يَدِبُّ وَيَحْيَا يَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا: كَمَا أَعْطَيْتُكُمُ الْعُشْبَ الْأَخْضَرَ، أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ. ٤. إِلَّا أَنَّكُمْ لَا تَأْكُلُونَ لَحْمًا بِدَمِهِ. ٥. فَإِنِّي سَأَطْلُبُ دَمَ نُفُوسِكُمْ مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ: وَمِنْ يَدِ الْإِنْسَانِ، مِنْ يَدِ كُلِّ رَجُلٍ وَأَخِيهِ، أَطْلُبُ نَفْسَ الْإِنْسَانِ. ٦. مَنْ سَفَكَ دَمَ إِنْسَانٍ فَبِالْإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ: لِأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ صَنَعَ الْإِنْسَانَ. ٧. فَانْمُوا أَنْتُمْ وَاكْثُرُوا وَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَامْلَأُوهَا. ٨. وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِنُوحٍ وَلِبَنِيهِ مَعَهُ: ٩. هَا أَنَا أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكُمْ وَمَعَ نَسْلِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ. ١٠. وَمَعَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مَعَكُمْ، سَوَاءٌ فِي الطُّيُورِ أَمْ فِي الْمَوَاشِي وَجَمِيعِ وُحُوشِ الْأَرْضِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ الْفُلْكِ، وَجَمِيعِ وُحُوشِ الْأَرْضِ. ١١. أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكُمْ فَلَا يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ، وَلَا يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ لِيُخَرِّبَ الْأَرْضَ. ١٢. وَقَالَ اللهُ: هَذِهِ عَلَامَةُ الْعَهْدِ الَّذِي أُعْطِيهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مَعَكُمْ إِلَى أَجْيَالٍ أَبَدِيَّةٍ: ١٣. وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ فَتَكُونُ عَلَامَةَ عَهْدٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ. ١٤. وَمَتَى غَطَّيْتُ السَّمَاءَ بِالسُّحُبِ يَظْهَرُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ. ١٥. فَأَذْكُرُ عَهْدِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ؛ فَلَا تَكُونُ أَيْضًا مِيَاهُ الطُّوفَانِ لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ. ١٦. فَيَكُونُ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، فَأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَذْكُرُ الْعَهْدَ الْأَبَدِيَّ الَّذِي بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى الْأَرْضِ. ١٧. وَقَالَ اللهُ لِنُوحٍ: هَذِهِ عَلَامَةُ الْعَهْدِ الَّذِي أَقَمْتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ كُلِّ ذِي جَسَدٍ عَلَى الْأَرْضِ. ١٨. وَكَانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْفُلْكِ سَامًا وَحَامًا وَيَافِثَ؛ وَحَامُ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. ١٩. هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ بَنُو نُوحٍ: وَمِنْهُمُ انْتَشَرَ جَمِيعُ الْبَشَرِ عَلَى كُلِّ الْأَرْضِ. ٢٠. وَبَدَأَ نُوحٌ الْفَلَّاحُ يَفْلَحُ الْأَرْضَ، وَغَرَسَ كَرْمًا. ٢١. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى فِي خَيْمَتِهِ. ٢٢. فَلَمَّا أَبْصَرَ حَامُ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ أَخْبَرَ أَخَوَيْهِ فِي الْخَارِجِ. ٢٣. فَأَخَذَ سَامُ وَيَافِثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا؛ وَكَانَتْ وُجُوهُهُمَا مُلْتَفِتَةً فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. ٢٤. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنَ الْخَمْرِ وَعَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الْأَصْغَرُ، ٢٥. قَالَ: مَلْعُونٌ كَنْعَانُ، عَبْدَ عَبِيدٍ يَكُونُ لِإِخْوَتِهِ. ٢٦. وَقَالَ: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ سَامَ، لِيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُ. ٢٧. لِيَفْسَحِ اللهُ لِيَافِثَ، وَلْيَسْكُنْ فِي خِيَامِ سَامَ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُ. ٢٨. وَعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. ٢٩. فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِهِ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
الْآيَةُ ٢: لِيَكُنْ خَوْفُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْأَرْضِ
٢. لِيَكُنْ خَوْفُكُمْ وَرَهْبَتُكُمْ عَلَى جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْأَرْضِ. — مُلَاحَظَةٌ: فَقَدَ الْإِنْسَانُ بِالْخَطِيئَةِ السِّيَادَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى الْوُحُوشِ؛ وَلِذَلِكَ يُعِيدُ اللهُ هُنَا وَيُثَبِّتُ لَهُ سِيَادَةً جُزْئِيَّةً وَنَاقِصَةً. فَقَدْ غَرَسَ اللهُ فِي الْحَيَوَانَاتِ خَوْفًا مُعَيَّنًا تَخَافُ بِهِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَتُوَقِّرُهُ بِوَصْفِهِ سَيِّدَهَا؛ وَإِنْ كَانَتْ وَحْشِيَّةً فَإِنَّهَا تَفِرُّ مِنْ مَرْأَى الْإِنْسَانِ وَلَا تَهْجِمُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا اسْتُفِزَّتْ بِالْأَذَى أَوْ دَفَعَهَا الْجُوعُ. بَلْ إِنَّ الْأَسْمَاكَ أَيْضًا، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ (الْمَوْعِظَةُ ٤٠ عَلَى الْأَيَّامِ السِّتَّةِ)، تَخَافُ مِنْ ظِلَالِ الْبَشَرِ وَتَفِرُّ مِنْهَا. بَلْ وَالْفِيَلَةُ أَيْضًا، إِنْ صَدَّقْنَا بْلِينِيُوسَ (الْكِتَابُ الثَّامِنُ، الْفَصْلُ ٥)، تَرْتَعِبُ مِنْ آثَارِ أَقْدَامِ الْبَشَرِ. وَمِنْ هُنَا نَرَى الثِّيرَانَ وَالْخُيُولَ كَثِيرًا مَا يَسُوقُهَا صِبْيَانٌ صِغَارٌ. وَأَيْضًا يُسْقِطُ الْإِنْسَانُ الطُّيُورَ وَالْوُحُوشَ بِالسِّهَامِ، وَلَا يُوجَدُ حَيَوَانٌ بَالِغُ الْقُوَّةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْطَادَهُ الْإِنْسَانُ وَيُرَوِّضَهُ. اِسْمَعِ الْقِدِّيسَ أَمْبْرُوسِيُوسَ (الرِّسَالَةُ ٣٨ إِلَى هُورُونْتِيُوسَ)، وَهُوَ يُعَلِّمُ بِصِدْقٍ وَبَلَاغَةٍ كَيْفَ تُدْرِكُ الْمَخْلُوقَاتُ الْوَحْشِيَّةُ وَغَيْرُ الْعَاقِلَةِ عَقْلَ الْإِنْسَانِ وَتَأْنَسُ تَحْتَ سُلْطَانِهِ الرَّفِيقِ: «كَثِيرًا مَا أَمْسَكَتْ عَنْ عَضَّاتِهَا عِنْدَ سَمَاعِ نَبْرَةِ الصَّوْتِ الْبَشَرِيِّ الْمُسْتَدْعِي؛ وَنَرَى الْأَرَانِبَ تُصَادُ بِأَسْنَانِ الْكِلَابِ الْبَرِيئَةِ دُونَ جُرْحٍ؛ وَحَتَّى الْأُسُودُ، إِنْ دَوَّى صَوْتُ إِنْسَانٍ، تُطْلِقُ فَرِيسَتَهَا؛ وَالنُّمُورُ وَالدِّبَبَةُ تُثَارُ وَتُسْتَرْجَعُ بِالْأَصْوَاتِ؛ وَالْخُيُولُ تَصْهِلُ عِنْدَ تَصْفِيقِ النَّاسِ وَتُهَدِّئُ خُطَاهَا عِنْدَ الصَّمْتِ. بَلْ كَثِيرًا مَا تَمُرُّ دُونَ ضَرْبَةٍ بِمَنْ ضُرِبُوا: إِلَى هَذَا الْحَدِّ يَسُوقُهَا سَوْطُ اللِّسَانِ بِقُوَّةٍ.» ثُمَّ يُضِيفُ: «وَمَاذَا أَقُولُ عَنْ إِتَاوَاتِهَا؟ يُرَبِّي الْكَبْشُ صُوفَهُ إِرْضَاءً لِلْإِنْسَانِ، وَيُغْمَسُ فِي النَّهْرِ لِيَزْدَادَ بَرِيقُهُ. وَالنِّعَاجُ أَيْضًا تَبْحَثُ عَنْ أَفْضَلِ الْمَرَاعِي لِتَمْلَأَ ضُرُوعَهَا الْمُنْتَفِخَةَ بِلَبَنٍ أَحْلَى؛ وَتَتَحَمَّلُ آلَامَ الْوِلَادَةِ لِتُقَدِّمَ هَدَايَاهَا لِلْإِنْسَانِ. وَالثِّيرَانُ تَئِنُّ طَوَالَ النَّهَارِ وَالْمِحْرَاثُ مَغْرُوزٌ فِي الْأَتْلَامِ. وَالْجِمَالُ، فَضْلًا عَنْ خِدْمَةِ حَمْلِ الْأَثْقَالِ، تُقَدِّمُ نَفْسَهَا لِلْجَزِّ كَالْكِبَاشِ، فَكَمَا أَنَّ الرَّعَايَا يَدْفَعُونَ الْجِزْيَةَ لِلْمَلِكِ، كَذَلِكَ تُقَدِّمُ الْحَيَوَانَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ حِصَصَهَا وَتُؤَدِّي ضَرِيبَتَهَا السَّنَوِيَّةَ. وَالْفَرَسُ، إِذْ يَفْتَخِرُ بِفَارِسِهِ الْعَظِيمِ، يَجْمَعُ خُطُوَاتِهِ الْمُتَكَبِّرَةَ، وَيُقَوِّسُ ظَهْرَهُ لِيَصْعَدَ سَيِّدُهُ، فَيَبْسُطُ ظَهْرَهُ مَقْعَدًا سَيِّدِيًّا.»
لَكِنَّ هَذَا الْوَعْدَ يَتَحَقَّقُ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ جِدًّا فِي الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ بِالْمَسِيحِ: «هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا أَنْ تَدُوسُوا الْحَيَّاتِ» (لُوقَا ١٠)؛ وَ: «يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لَا يَضُرُّهُمْ» (مُرْقُسَ ١٦). هَكَذَا جَاءَتِ الْأُسُودُ بِأَعْنَاقٍ مُطَأْطَأَةٍ إِلَى الْقِدِّيسِ أَنْطُونِيُوسَ وَلَعِقَتْ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ طَالِبَةً بَرَكَتَهُ. وَهَكَذَا أَطَاعَتِ الْأَفْعَى الْعَمْلَاقَةُ الْقِدِّيسَ هِيلَارِيُونَ، وَأَطَاعَ تِنِّينَانِ أَمُّونَ، وَأَطَاعَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ مَقَارِيُوسَ الرُّومَانِيَّ، وَأَطَاعَ فَرَسُ النَّهْرِ بِينُوسَ، وَأَطَاعَ تِمْسَاحٌ هِيلِينُوسَ، وَأَطَاعَتْ لَبُؤَةٌ الْأَبَّا يُوحَنَّا، وَأَطَاعَتْ ضَبُعٌ مَقَارِيُوسَ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّ، وَأَطَاعَ كَلْبٌ أَبَّا السُّوبِيرِيِّينَ فِي سُورِيَا — كَمَا وَرَدَ فِي سِيَرِهِمْ فِي «حَيَاةِ الْآبَاءِ». وَلِلتَّفْسِيرِ الْأَخْلَاقِيِّ، اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ، الْكِتَابَ الْحَادِيَ وَالْعِشْرِينَ مِنَ «الْأَخْلَاقِيَّاتِ»، الْفَصْلَ ١١.
الْآيَةُ ٣: كُلُّ مَا يَدِبُّ وَيَحْيَا يَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا
٣. كُلُّ مَا يَدِبُّ وَيَحْيَا يَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. — «كُلُّ مَا»، أَيْ مَا هُوَ صَالِحٌ لِلْأَكْلِ وَمُنَاسِبٌ لِبِنْيَةِ الْإِنْسَانِ؛ فَالْأَفَاعِي وَالْعَقَارِبُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ السَّامَّةِ لَا يُمْكِنُ أَكْلُهَا لِأَنَّهَا تَتَعَارَضُ مَعَ بِنْيَةِ الْإِنْسَانِ وَتُدَمِّرُهَا. وَلَاحِظْ أَيْضًا أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ هُنَا لَيْسَ فَرِيضَةً بَلْ إِبَاحَةً — فَالْإِنْسَانُ مَسْمُوحٌ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الطَّعَامِ يَشَاؤُهُ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُبِيحُ لَكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا يُعْجِبُكُمْ، وَكُلَّ مَا يُوَافِقُ بِنْيَتَكُمْ وَذَوْقَكُمْ، تَتَّخِذُوهُ طَعَامًا. هَكَذَا قَالَ أَبُولِنْسِيسُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الرُّهْبَانَ الَّذِينَ لَا يَسْتَخْدِمُونَ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ الْإِلَهِيَّةَ وَيَمْتَنِعُونَ عَنِ اللَّحْمِ — سَوَاءٌ دَائِمًا أَمْ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ — لِأَجْلِ إِمَاتَةِ الْجَسَدِ، لَا يُخْطِئُونَ؛ بَلْ عَلَى الْعَكْسِ، يُؤَدُّونَ أَعْمَالًا وَيُعْطُونَ عَلَامَاتٍ عَلَى قَمْعٍ بُطُولِيٍّ لِلنَّفْسِ.
كَمَا أَعْطَيْتُكُمُ الْعُشْبَ الْأَخْضَرَ، أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ — لِتَتَغَذَّوْا عَلَى الْحَيَوَانَاتِ كَمَا أَكَلْتُمُ الْأَعْشَابَ حَتَّى الْآنَ.
أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (كِتَابُ نُوحٍ، الْفَصْلُ ٢٥): «يُشَارُ هُنَا إِلَى أَنَّ الْأَهْوَاءَ غَيْرَ الْعَاقِلَةِ يَجِبُ أَنْ تَخْضَعَ لِعَقْلِ الْحَكِيمِ كَمَا تَخْضَعُ الْبُقُولُ لِلْفَلَّاحِ؛ وَأَنْ نَسْتَخْدِمَ الْأَفْكَارَ الزَّاحِفَةَ كَمَا يَسْتَخْدِمُ الْفَلَّاحُ الْبُقُولَ، الَّتِي وَإِنْ كَانَتْ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضُرَّ، فَلَيْسَ لَهَا طَعْمُ الْغِذَاءِ الْأَقْوَى. فَالْوَصِيَّةُ الْعَامَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ لِلْجَمِيعِ لَا تَفْرِضُ الْأَنْوَاعَ الْعُلْيَا مِنَ الْفَضَائِلِ الَّتِي هِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِلْقِلَّةِ. لَكِنْ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ مَوَائِدَ الْفَضِيلَةِ الْأَقْوَى، فَلْيَمْلِكْ عَلَى الْأَقَلِّ مِنَ الْأَهْوَاءِ مَا لَا يَضُرُّ بَلْ يُسِرُّ.»
تَسْأَلُ: هَلْ كَانَ أَكْلُ اللُّحُومِ حَلَالًا وَمُعْتَادًا قَبْلَ الطُّوفَانِ؟ أَوَّلًا، يَرَى لِيرَانُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ وَالْكَرْتُوزِيُّ فِي الْإِصْحَاحِ ١، الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا وَلَا مُعْتَادًا، إِذْ إِنَّ اللهَ فِي الْإِصْحَاحِ ١، الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، مَنَحَ الْإِنْسَانَ أَكْلَ الْأَعْشَابِ فَقَطْ. وَقَدْ رَأَى الْوَثَنِيُّونَ الرَّأْيَ نَفْسَهُ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُنْشِدُ أُوفِيدِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنَ «التَّحَوُّلَاتِ» عَنْ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ الذَّهَبِيِّ مِنَ الْعَالَمِ:
«ذَلِكَ الْعَصْرُ الْقَدِيمُ لَمْ يُلَوِّثْ شِفَاهَهُ بِالدَّمِ؛
حِينَئِذٍ تَحَرَّكَتِ الطُّيُورُ آمِنَةً فِي الْهَوَاءِ عَلَى أَجْنِحَتِهَا،
وَتَجَوَّلَ الْأَرْنَبُ فِي الْحُقُولِ الْمَفْتُوحَةِ بِلَا خَوْفٍ.»
لَكِنَّهُ يُخْطِئُ حِينَ يَسْتَنْكِرُ إِدْخَالَ أَكْلِ اللُّحُومِ لَاحِقًا بِوَصْفِهِ جَرِيمَةً، قَائِلًا:
«وَيْحَهُ! أَيُّ جُرْمٍ عَظِيمٍ أَنْ تُحْشَى الْأَحْشَاءُ بِالْأَحْشَاءِ،
وَأَنْ يَحْيَا مَخْلُوقٌ حَيٌّ بِمَوْتِ مَخْلُوقٍ آخَرَ!»
وَكَذَلِكَ رَأَى الْفِيثَاغُورِيُّونَ وَالْمَانَوِيُّونَ أَنَّهُ إِثْمٌ أَنْ يُقْتَلَ حَيَوَانٌ وَيُؤْكَلَ؛ بَلْ وَتِرْتُولِيَانُوسُ أَيْضًا، وَقَدْ صَارَ مُونْتَانِيًّا، فِي كِتَابِهِ «فِي الصَّوْمِ ضِدَّ النَّفْسَانِيِّينَ»، الْفَصْلُ ٤، يُؤَكِّدُ أَنَّ أَكْلَ اللُّحُومِ كَانَ تَنَازُلًا لِعَدَمِ ضَبْطِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ.
ثَانِيًا، يَرَى كَايِتَانُوسُ هُنَا، وَفِيكْتُورِيَا (الْمُحَاضَرَةُ فِي الِاعْتِدَالِ)، وَدُومِينِيكُوسُ سُوتُو (الْكِتَابُ الْخَامِسُ، فِي الْعَدَالَةِ، الْمَسْأَلَةُ ١، الْمَقَالَةُ ١) أَنَّ أَكْلَ اللُّحُومِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَلَالًا وَمُعْتَادًا: أَوَّلًا، لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَنْهَ فِي أَيِّ مَكَانٍ عَنْ أَكْلِ اللُّحُومِ، وَاللَّحْمُ هُوَ أَنْسَبُ طَعَامٍ لِلْإِنْسَانِ؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ قُطْعَانُ غَنَمٍ كَانَ هَابِيلُ رَاعِيَهَا. تَقُولُ: كَانَ هَابِيلُ يَرْعَى قُطْعَانَهُ مِنْ أَجْلِ الصُّوفِ وَاللَّبَنِ، لَا مِنْ أَجْلِ الْأَكْلِ. بَلْ عَلَى الْعَكْسِ: إِذَنْ لَمَا كَانَ ثَمَّةَ مَدْحٌ لِهَابِيلَ عَلَى قَايِينَ لِأَنَّهُ قَرَّبَ أَسْمَنَ النِّعَاجِ لِلَّهِ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَأْكُلُهَا لَمَا فَرَقَ بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمَ هُوَ أَوْ قَايِينُ نِعَاجًا سَمِينَةً أَوْ هَزِيلَةً — إِذْ إِنَّ النِّعَاجَ الْهَزِيلَةَ كَثِيرًا مَا تُعْطِي صُوفًا وَلَبَنًا بِجَوْدَةِ السَّمِينَةِ أَوْ أَفْضَلَ؛ لَكِنَّهَا دَائِمًا تُعْطِي لَحْمًا أَقَلَّ جَوْدَةً. هَكَذَا قَالَ كَايِتَانُوسُ.
ثَالِثًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ، يَرَى الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ أَكْلَ اللُّحُومِ قَبْلَ الطُّوفَانِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا بَلْ كَانَ حَلَالًا؛ وَمَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ عَنْهُ الرِّجَالُ الْأَكْثَرُ تَدَيُّنًا، مِثْلُ أَحْفَادِ شِيثٍ، لِأَنَّ اللهَ عِنْدَمَا حَدَّدَ لِلْإِنْسَانِ طَعَامَهُ ذَكَرَ صَرَاحَةً الْأَعْشَابَ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرِ اللُّحُومَ (الْإِصْحَاحُ ١، الْآيَةُ ٢٩). فَهَكَذَا تُوَفَّقُ أَسْبَابُ الرَّأْيَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي تَوْفِيقًا حَسَنًا. فَاللهُ هُنَا، بَعْدَ الطُّوفَانِ، يُبِيحُ صَرَاحَةً وَتَفْصِيلًا أَكْلَ اللُّحُومِ لِلْجَمِيعِ، حَتَّى لِلْقِدِّيسِينَ، بِسَبَبِ تَدَهْوُرِ الْأَرْضِ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ الْخَطِيئَةُ وَمُلُوحَةُ الْبَحْرِ الَّتِي جَلَبَهَا الطُّوفَانُ، وَبِالتَّالِي بِسَبَبِ ضَعْفِ قُوَى الْبَشَرِ وَالنَّبَاتَاتِ. فَالْأَطِبَّاءُ يُفِيدُونَ، وَالتَّجْرِبَةُ تُؤَكِّدُ، أَنَّ اللُّحُومَ تُقَدِّمُ لِلْجِسْمِ الْبَشَرِيِّ غِذَاءً أَوْفَرَ وَأَصْلَبَ وَأَكْثَرَ تَغْذِيَةً وَأَنْسَبَ مِنَ الْأَعْشَابِ.
الْآيَةُ ٤: لَا تَأْكُلُوا لَحْمًا بِدَمِهِ
٤. لَا تَأْكُلُوا لَحْمًا بِدَمِهِ. — بِالْعِبْرِيَّةِ: «بَاسَارْ بْنَفْشُو دَامُو لَا تُوخِيلُو»، أَيْ «لَحْمًا بِنَفْسِهِ، بِدَمِهِ، لَا تَأْكُلُوا»؛ أَيْ كَمَا يُتَرْجِمُ بَانِينُوسُ: «لَا تَأْكُلُوا لَحْمًا مَعَ نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ دَمُهُ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَأْكُلُوا اللَّحْمَ مَعَ نَفْسِهِ، الَّتِي هِيَ الدَّمُ أَوْ تُقِيمُ فِي دَمِ الْحَيَوَانِ نَفْسِهِ.
مُلَاحَظَةٌ: مَا يُوصَفُ هُنَا هُوَ طَرِيقَةُ أَكْلِ اللَّحْمِ، أَيْ: أَوَّلًا يُذْبَحُ الْحَيَوَانُ؛ ثَانِيًا يُرَاقُ الدَّمُ؛ ثَالِثًا يُطْبَخُ اللَّحْمُ وَيُؤْكَلُ. وَأَكْلُ الدَّمِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لَا يَزَالُ فِي الْحَيَوَانِ (وَمِنْ ثَمَّ يُحَرَّمُ هُنَا أَيْضًا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالْمَخْنُوقِ، كَمَا يُعَلِّمُ أُوخِيرِيُوسُ)، أَمْ كَانَ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْحَيَوَانِ — سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا صَالِحًا لِلشُّرْبِ أَمْ مَحْشُوًّا وَمُتَجَمِّدًا كَمَا هُوَ فِي النَّقَانِقِ. فَاللهُ هُنَا يَنْهَى عَنْ كُلِّ صُوَرِ أَكْلِ الدَّمِ. هَكَذَا قَالَ لِيرَانُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ وَالْكَرْتُوزِيُّ.
تَسْأَلُ: لِمَاذَا نَهَى اللهُ عَنْ أَكْلِ الدَّمِ بِهَذِهِ الشِّدَّةِ؟ أُجِيبُ: أَوَّلًا، لِرَدْعِ النَّاسِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ الْبَشَرِيِّ. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَرُوبِرْتُوسُ. فَأَنَّ الْوَثَنِيِّينَ بَلَغُوا حَدَّ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْبَشَرِيَّ فَحَسْبُ بَلْ شَرِبُوهُ أَيْضًا، يَشْهَدُ عَلَيْهِ تِرْتُولِيَانُوسُ فِي «الدِّفَاعِ»، الْفَصْلُ ٩. وَهَذَا السَّبَبُ يُقَدِّمُهُ اللهُ نَفْسُهُ فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ. فَالدَّمُ هُوَ وَسِيلَةُ النَّفْسِ وَالْحَيَاةِ وَالْأَرْوَاحِ الْحَيَوِيَّةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ إِنَّ النَّفْسَ، أَيِ الْحَيَاةَ، فِي الدَّمِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ هُنَا وَمِنَ اللَّاوِيِّينَ ١٧: ١١. ثَانِيًا، لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنَّ الدَّمَ، الَّذِي هُوَ كَحَيَاةِ الْحَيَوَانِ، يُقَرَّبُ لَهُ وَحْدَهُ بِوَصْفِهِ صَانِعَ الْحَيَاةِ، فِي الذَّبَائِحِ عَنْ حَيَاةِ الْخَاطِئِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنَ اللَّاوِيِّينَ ١٧: ١١. هَكَذَا الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَالْقِدِّيسُ تُومَا. وَيُضِيفُ رُوبِرْتُوسُ سَبَبًا ثَالِثًا: أَنَّ دَمَ الْحَيَوَانَاتِ ثَقِيلٌ وَأَرْضِيٌّ وَسَوْدَاوِيٌّ وَسَبَبٌ لِأَمْرَاضٍ كَثِيرَةٍ إِذَا أُكِلَ؛ وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ.
هَذِهِ الْوَصِيَّةُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَكْلِ الدَّمِ لَيْسَتْ شَرِيعَةً طَبِيعِيَّةً بَلْ وَضْعِيَّةً، جَدَّدَهَا الرُّسُلُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ١٥: ٢٩، وَاسْتَمَرَّتْ لَيْسَ فَقَطْ حَتَّى زَمَنِ تِرْتُولِيَانُوسَ وَمِينُوكِيُوسَ، كَمَا يَشْهَدُ هُوَ نَفْسُهُ فِي «أُوكْتَافِيُوسَ»، بَلْ أَيْضًا حَتَّى زَمَنِ بِيدَا وَرَاتِينُوسَ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ كِتَابِهِ «التَّوْبَوِيِّ». لَكِنَّهَا الْآنَ قَدْ سَقَطَتْ بِالتَّقَادُمِ: فَالْعُرْفُ الْيَوْمَ لَيْسَ شُرْبَ الدَّمِ حَقًّا، لَكِنَّهُ أَكْلُهُ فِي النَّقَانِقِ.
الْآيَةُ ٥: فَإِنِّي سَأَطْلُبُ دَمَ نُفُوسِكُمْ
٥. فَإِنِّي سَأَطْلُبُ دَمَ نُفُوسِكُمْ. — هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ نَهَى اللهُ عَنْ أَكْلِ الدَّمِ، أَيْ لِئَلَّا يَتَعَوَّدَ النَّاسُ عَلَى دَمِ الْبَهَائِمِ فَلَا يُبْقُوا فِي النِّهَايَةِ حَتَّى عَلَى الدَّمِ الْبَشَرِيِّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ دَمَكُمُ الَّذِي يُغَذِّي الْجَسَدَ وَيُحْيِيهِ عَزِيزٌ عَلَيَّ إِلَى حَدٍّ أَنِّي سَأَطْلُبُهُ حَتَّى مِنَ الْبَهَائِمِ الْعُجْمِ الَّتِي قَتَلَتْ إِنْسَانًا؛ فَكَمْ بِالْأَحْرَى سَأَطْلُبُهُ مِنْكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَنْتُمْ بَشَرٌ؟
سَأَطْلُبُهُ مِنْ يَدِ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ — أَيْ مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ هُمْ شَرِسُونَ كَالْبَهَائِمِ، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ؛ لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى رَمْزِيٌّ لَا حَرْفِيٌّ. ثَانِيًا، يُفَسِّرُهُ ثِيُودُورِيطُسُ هَكَذَا: فِي الْقِيَامَةِ سَأَطْلُبُ وَأَرُدُّ إِلَيْكُمْ كُلَّ الدَّمِ الَّذِي سَفَكَتْهُ الْبَهَائِمُ بِقَتْلِكُمْ أَوْ إِيذَائِكُمْ؛ لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا لَيْسَ الْمَعْنَى الْأَصِيلَ، بَلْ هُوَ مَعْنًى اسْتِشْرَافِيٌّ. ثَالِثًا، يُفَسِّرُهُ آخَرُونَ هَكَذَا: فِي الذَّبِيحَةِ سَأَطْلُبُ دَمَكُمُ الَّذِي سَفَكَهُ الْإِنْسَانُ ظُلْمًا، مِنْ يَدِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُكَفَّرَ عَنِ الْقَتْلِ الَّذِي يُسْفَكُ فِيهِ الدَّمُ، بَلْ عَنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بِدَمِ الْبَهَائِمِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ سِفْرِ الْعَدَدِ ٢٨–٢٩. فَفِي الذَّبِيحَةِ تُكَفِّرُ الْبَهِيمَةُ الْمَذْبُوحَةُ عَنْ جُرْمِ الْقَتْلِ وَكُلِّ خَطِيئَةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَهَكَذَا فَإِنَّ اللهَ كَأَنَّهُ فِي الْبَهِيمَةِ الْمُضَحَّى بِهَا يَنْتَقِمُ لِلْقَتْلِ وَلِكُلِّ ذَنْبٍ بَشَرِيٍّ.
رَابِعًا، يُفَسِّرُهُ أَبُولِنْسِيسُ وَلِيبُومَانُوسُ هَكَذَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ سَفَكْتَ دَمَ قَرِيبِكَ، سَوَاءٌ بِنَفْسِكَ أَوْ بِوَاسِطَةِ بَهِيمَةٍ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيَطْلُبُهُ لَا مِنَ الْبَهِيمَةِ بَلْ مِنْكَ أَنْتَ الَّذِي سَفَكْتَهُ إِمَّا بِالسَّيْفِ وَإِمَّا بِأَمْرِكَ. فَهُمْ يَرْبِطُونَ عِبَارَةَ «مِنْ يَدِ الْبَهَائِمِ» لَا بِـ«سَأَطْلُبُ» بَلْ بِـ«دَمَكُمْ»؛ لَكِنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مُتَكَلَّفٌ وَيَكَادُ يَكُونُ عَنِيفًا. خَامِسًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْضَحُ، يُفَسِّرُهُ أَبُولِنْسِيسُ نَفْسُهُ وَأُولِيَاسْتِرُ هَكَذَا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَأُعَاقِبُ الْبَهَائِمَ إِنْ قَتَلَتْ إِنْسَانًا. وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٢١: ٢٨، حَيْثُ يَأْمُرُ اللهُ بِرَجْمِ الثَّوْرِ (وَكَذَلِكَ أَيَّ بَهِيمَةٍ أُخْرَى) الَّذِي قَتَلَ إِنْسَانًا.
فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْإِلَهِيِّ وَالْإِذْنِ الْمَمْنُوحِ هُنَا، كَثِيرًا مَا يَحْدُثُ أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ يَسْتَجِيبُ لِصَلَوَاتِ وَتَضَرُّعَاتِ الَّذِينَ يُدَانُونَ ظُلْمًا أَوْ يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ عَلَى أَيْدِي الْحُكَّامِ أَوِ الْقُضَاةِ؛ وَبِخَاصَّةٍ، إِنِ اسْتَحْضَرَ الْمُتَّهَمُونَ وَالْمَحْكُومُونَ قُضَاتَهُمْ أَمَامَ مَحْكَمَةِ اللهِ فِي قَضِيَّةٍ ظَالِمَةٍ أَوْ حَتَّى مَشْكُوكٍ فِيهَا، فَإِنَّ اللهَ كَثِيرًا مَا يُجْبِرُ أُولَئِكَ الْقُضَاةَ عَلَى الْمَوْتِ وَالْمُثُولِ أَمَامَ مَحْكَمَتِهِ لِيُحَاسَبُوا — بَلْ ضِمْنَ الْمُهْلَةِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُتَّهَمُونَ.
هَكَذَا دَاوُدُ، الَّذِي أَصَابَتْهُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُنْفِ عَلَى يَدِ شَاوُلَ وَكَادَ يَنْسَحِقُ، اسْتَحْضَرَهُ أَمَامَ اللهِ وَصَرَخَ: «يَقْضِي الرَّبُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَنْتَقِمُ الرَّبُّ لِي مِنْكَ»، إِلَى آخِرِهِ. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْتِئْنَافُ عَبَثًا، إِذْ بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ هُزِمَ شَاوُلُ فِي مَعْرَكَةٍ عَلَى يَدِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، وَإِذْ جُرِحَ بِالسِّهَامِ وَخَشِيَ أَنْ يَقَعَ حَيًّا فِي أَيْدِيهِمْ، طَعَنَ نَفْسَهُ بِسَيْفِهِ.
ثَانِيًا، أَكْثَرُ وُضُوحًا مِنْ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ الْكَاهِنِ زَكَرِيَّا إِلَى الدَّيْنُونَةِ الْإِلَهِيَّةِ، حِينَ كَانَ يُرْجَمُ فِي سَاحَةِ الْهَيْكَلِ بِأَمْرِ الْمَلِكِ الْجَاحِدِ يُوآشَ: «يَرَى الرَّبُّ وَيَطْلُبُ». فَإِنَّ هَذَا الِاسْتِئْنَافَ لَمْ يَذْهَبْ سُدًى. فَبَعْدَ سَنَةٍ بِالْكَادِ، ذُبِحَ رِجَالُ الْبَلَاطِ الْمَلَكِيِّ الَّذِينَ وَافَقُوا عَلَى هَذِهِ الْفَظَاعَةِ بِسَيْفِ الْأَرَامِيِّينَ، وَالْمَلِكُ نَفْسُهُ ضَرَبَتْهُ مَصَائِبُ عَظِيمَةٌ وَطَعَنَهُ رِجَالُهُ بِجِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَى فِرَاشِهِ، فَاقْتِيدَ مَعَ حَاشِيَتِهِ أَمَامَ الْمَحْكَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِيُحَاسَبَ عَنْ أَعْمَالِهِ.
ثَالِثًا، الْإِخْوَةُ الْمَكَّابِيُّونَ السَّبْعَةُ، الَّذِينَ عَذَّبَهُمْ أَنْطِيُوخُسُ بِكُلِّ قَسْوَةٍ وَوَحْشِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ شَرَائِعِ آبَائِهِمْ، حَدَّدُوا لَهُ يَوْمًا أَمَامَ اللهِ بِلَا لُبْسٍ، قَائِلِينَ: «الرَّبُّ الْإِلَهُ يَنْظُرُ إِلَى الْحَقِّ»، إِلَى آخِرِهِ. «سَتَرَى قُدْرَةَ اللهِ الْعَظِيمَةَ، كَيْفَ يُعَذِّبُكَ أَنْتَ وَنَسْلَكَ»، إِلَى آخِرِهِ. «لَنْ تُفْلِتَ مِنْ يَدِ اللهِ»، إِلَى آخِرِهِ. فَإِذْ شَعَرَ بِأَنَّ تِلْكَ الِاسْتِئْنَافَاتِ نَافِذَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ضِدَّهُ، هَلَكَ بِعُقُوبَةٍ إِلَهِيَّةٍ جَلِيَّةٍ.
رَابِعًا، لَيْسَ بُولُسُ وَحْدَهُ يَشْكُو مِنَ الْإِسْكَنْدَرِ النَّحَّاسِ، قَائِلًا (٢ تِيمُوثَاوُسَ ٤: ١٤): «لِيُكَافِئْهُ الرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ»؛ بَلْ إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ الْمُبَارَكِينَ تَصْرُخُ إِلَى الرَّبِّ ذَاتِهِ ضِدَّ ظَالِمِيهِمْ: «حَتَّى مَتَى أَيُّهَا الرَّبُّ لَا تَدِينُ وَلَا تَنْتَقِمُ لِدَمِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الْأَرْضِ؟» (رُؤْيَا ٦). وَاسْتِئْنَافُهُمْ مُؤَجَّلٌ فَقَطْ لَا مَرْفُوضٌ. بَلْ إِنَّ الْمَسِيحَ نَفْسَهُ، مُسْتَأْنِفًا مِنْ ظُلْمِ الْيَهُودِ إِلَى دَيْنُونَةِ الْآبِ، يَقُولُ: «أَنَا لَا أَطْلُبُ مَجْدِي؛ يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ». فَمِنْ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِنَنْتَقِلِ الْآنَ إِلَى تَوَارِيخَ وَقُورَةٍ جَدِيرَةٍ بِالذِّكْرِ حَقًّا.
خَامِسًا إِذَنْ، يَرْوِي نَاوْكْلِيرُوسُ وَفُولْغُوسِيُوسُ أَنَّ فِرْنَانْدُو مَلِكَ لِيُونَ وَقَشْتَالَةَ أَمَرَ بِإِلْقَاءِ نَبِيلَيْنِ مِنْ عَائِلَةِ كَارْفَاخَالَ، مُشْتَبَهًا بِخِيَانَتِهِمَا لَهُ لَكِنْ دُونَ أَنْ يُسْمَعَا، مِنْ جُرْفٍ شَاهِقٍ جِدًّا بِحُكْمٍ مُتَسَرِّعٍ. لَكِنَّهُمَا، إِذْ رَأَيَا أَنَّ دِفَاعَهُمَا قَدْ قُطِعَ وَالْمَوْتَ حَاضِرٌ، أَوْدَعَا قَضِيَّتَهُمَا لِلْمَسِيحِ بِوَصْفِهِ الْقَاضِيَ الْأَعْدَلَ، وَاسْتَحْضَرَا الْمَلِكَ فِرْنَانْدُو لِلْمُثُولِ أَمَامَ مَحْكَمَتِهِ فِي غُضُونِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَلَمْ يَكُنِ اسْتِئْنَافُهُمَا بَاطِلًا، إِذْ فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ ضَرَبَهُ الْمَوْتُ وَاسْتُدْعِيَ أَمَامَ الدَّيَّانِ الْإِلَهِيِّ.
سَادِسًا، يَكْتُبُ فُولْغُوسِيُوسُ نَفْسُهُ أَنَّ فَارِسًا نَابُولِيًّا، إِذْ سِيقَ مَعَ سَائِرِ إِخْوَتِهِ مِنْ فُرْسَانِ الْهَيْكَلِ إِلَى الْإِعْدَامِ، وَرَأَى مِنَ النَّافِذَةِ الْبَابَا كْلِيمِنْتَ الْخَامِسَ وَفِيلِيبَ الْجَمِيلَ مَلِكَ فَرَنْسَا اللَّذَيْنِ بِسُلْطَتِهِمَا كَانَ يُقْتَلُ، صَرَخَ: «بِمَا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ الْبَشَرِ مَنْ أَسْتَأْنِفُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي أَسْتَأْنِفُ إِلَى الْمَسِيحِ الدَّيَّانِ الْعَادِلِ الَّذِي افْتَدَانَا، أَنْ تَمْثُلَا أَمَامَ مَحْكَمَتِهِ فِي غُضُونِ سَنَةٍ وَيَوْمٍ، حَيْثُ أَعْرِضُ قَضِيَّتِي». وَفِي غُضُونِ تِلْكَ السَّنَةِ مَاتَا كِلَاهُمَا، وَهُمَا عَلَى وَشَكِ أَنْ يُؤَدِّيَا حِسَابَهُمَا لِلَّهِ.
سَابِعًا، يَذْكُرُ يُوحَنَّا بَاوْلِي أَنَّ رُودُولْفَ دُوقَ النِّمْسَا حَكَمَ عَلَى فَارِسٍ بِأَنْ يُوضَعَ فِي كِيسٍ وَيُغْرَقَ. لَكِنَّ الْفَارِسَ لَمَّا رَأَى الدُّوقَ صَرَخَ: «أَيُّهَا الدُّوقُ رُودُولْفُ، إِنِّي أَسْتَحْضِرُكَ أَمَامَ مَحْكَمَةِ اللهِ الرَّهِيبَةِ فِي غُضُونِ سَنَةٍ». فَأَجَابَهُ ضَاحِكًا: «حَسَنًا، اذْهَبْ أَنْتَ أَوَّلًا؛ سَأَكُونُ هُنَاكَ حِينَذَاكَ». وَلَمَّا انْقَضَى الْأَجَلُ أُصِيبَ بِحُمَّى، وَتَذَكَّرَ الِاسْتِحْضَارَ، فَقَالَ لِخَدَمِهِ: «قَدْ حَانَ وَقْتُ مَوْتِي؛ يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الدَّيْنُونَةِ»، وَمَاتَ فِي الْحَالِ.
ثَامِنًا، مِنْ تَوَارِيخِ بَرِيطَانْيَا الْأَرْمُورِيكِيَّةِ، يَرْوِي إِينِيَاسُ سِيلْفِيُوسُ أَنَّ فَرَنْسِيسَ دُوقَهَا قَتَلَ أَخَاهُ جِيلَسَ فِي السِّجْنِ بَعْدَ أَنِ اتُّهِمَ زُورًا بِالْخِيَانَةِ. وَقُبَيْلَ مَوْتِهِ، إِذْ رَأَى جِيلَسُ رَاهِبًا فَرَنْسِيسْكَانِيًّا، نَاشَدَهُ أَنْ يُبْلِغَ أَخَاهُ الدُّوقَ بِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْثُلَ أَمَامَ مَحْكَمَةِ اللهِ فِي غُضُونِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَذَهَبَ الْفَرَنْسِيسْكَانِيُّ إِلَى الدُّوقِ عَلَى تُخُومِ نُورْمَانْدِيَا وَأَبْلَغَهُ بِمَوْتِ أَخِيهِ وَاسْتِئْنَافِهِ. فَارْتَعَبَ الدُّوقُ وَبَدَأَ فِي الْحَالِ يَعْتَلُّ، وَإِذِ اشْتَدَّ الْمَرَضُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَاضَتْ رُوحُهُ فِي الْيَوْمِ الْمُحَدَّدِ.
الْآيَةُ ٦: مَنْ سَفَكَ دَمَ إِنْسَانٍ
وَمِنْ يَدِ الإِنْسَانِ، مِنْ يَدِ كُلِّ رَجُلٍ وَأَخِيهِ. — يُلاحِظُ دِلْرِيُو أَنَّ ثَلاثَةَ أَوْصَافٍ تُطْلَقُ عَلَى القَاتِلِ، وَهِيَ تُثَقِّلُ ذَنْبَهُ. أَوَّلًا، يُسَمِّيهِ «إِنْسَانًا» [homo] — أَيْ مَنْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِإِنْسَانِيَّتِهِ. ثَانِيًا، يُسَمِّيهِ «رَجُلًا» [vir] — أَيْ مَنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَتَمَلَّكَ غَضَبَهُ وَلا يُسِيءَ اسْتِخْدَامَ قُوَّتِهِ وَسُلْطَتِهِ. ثَالِثًا، يُسَمِّيهِ «أَخًا» — أَيْ مَنْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِأَخِيهِ بِأَوْثَقِ مَحَبَّةٍ، وَبِالتَّالِي أَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ لا أَنْ يَقْتُلَهُ. فَنَحْنُ جَمِيعًا إِخْوَةٌ فِي آدَمَ، وَكُلُّ فَرْدٍ ضِمْنَ الأَبِ المُشْتَرَكِ لِعَشِيرَتِهِ أَوْ عَائِلَتِهِ هُوَ أَخٌ لابْنِ عَشِيرَتِهِ — كَمَا كَانَ اليَهُودُ (الَّذِينَ يُخَاطِبُهُمْ مُوسَى هُنَا عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ) إِخْوَةً فِي إِبْرَاهِيمَ.
٦. مَنْ سَفَكَ دَمَ إِنْسَانٍ يُسْفَكُ دَمُهُ. — «يُسْفَكُ»، أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يُسْفَكَ؛ مِنَ العَدْلِ وَالحَقِّ أَنْ يُسْفَكَ دَمُهُ هُوَ أَيْضًا — وَذَلِكَ بِحُكْمِ القُضَاةِ وَإِدَانَتِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي التَّرْجُومِ الكَلْدَانِيِّ. فَإِنَّ اللهَ هُنَا وَفِي الخُرُوجِ ٢١: ١٢ وَمَتَّى ٢٦: ٥٧، بِمُوجَبِ شَرِيعَةِ القِصَاصِ، أَصْدَرَ حُكْمَ المَوْتِ عَلَى القَتَلَةِ، وَقَدْ قَبِلَتْ بِهِ مُمَارَسَةُ جَمِيعِ الأُمَمِ. لاحِظْ هَذَا ضِدَّ الأَنَابَابْتِيسْتِيِّينَ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ مِنَ الحُكَّامِ حَقَّ السَّيْفِ عَلَى المُذْنِبِينَ.
ثَانِيًا، «يُسْفَكُ»، أَيْ أَنَّ هَذَا يَتَحَقَّقُ عَادَةً فِي الوَاقِعِ فِعْلًا، بِحَيْثُ يُقْتَلُ القَاتِلُ حَقًّا — إِمَّا بِيَدِ قَاضٍ، أَوْ بِسَبَبِ مُشَاجَرَةٍ، أَوْ لُصُوصٍ، أَوِ انْهِيَارِ مَبَانٍ، أَوْ حَرَائِقَ، أَوْ حَوَادِثَ مُمَاثِلَةٍ. فَإِنَّ اللهَ هُنَا يَتَعَهَّدُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ مُنْتَقِمًا لِلمَقْتُولِينَ، وَسَيُعَاقِبُ القَتَلَةَ بِالقِصَاصِ مِنْ خِلالِ مَصَائِبِ الحَيَاةِ المُتَنَوِّعَةِ. وَأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ تُؤَكِّدُهُ التَّجْرِبَةُ، إِذْ نَرَى القَتَلَةَ، وَالنَّقْمَةُ الإِلَهِيَّةُ تُطَارِدُهُمْ، يَهْلِكُونَ بِحَوَادِثَ عَجِيبَةٍ — لا بِمَوْتٍ طَبِيعِيٍّ، بَلْ دَائِمًا تَقْرِيبًا بِمَوْتٍ عَنِيفٍ. وَسَأَسُوقُ أَمْثِلَةً لافِتَةً عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ٢١: ٤.
مُلاحَظَةٌ: بَدَلَ «دَمَ إِنْسَانٍ»، فِي العِبْرِيَّةِ «دَمْ هَآدَمْ هَآدَمْ»، أَيْ «دَمَ الإِنْسَانِ فِي الإِنْسَانِ»؛ حَيْثُ يُفَسَّرُ تَعْبِيرُ «فِي الإِنْسَانِ» تَفْسِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةً عِنْدَ شُرَّاحٍ مُخْتَلِفِينَ. تَرْجَمَتْهُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ: «لِأَجْلِ دَمِ الإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ.» ثَانِيًا، يَقُولُ أُولِيَاسْتِرُ إِنَّ «فِي الإِنْسَانِ» تَعْنِي «بِيَدِ الإِنْسَانِ.» ثَالِثًا، يُتَرْجِمُهَا كَايِتَانُ «ضِدَّ الإِنْسَانِ»، أَيْ، كَمَا يَقُولُ، إِهَانَةً لِلإِنْسَانِ وَازْدِرَاءً بِهِ. رَابِعًا، وَبِأَسْهَلِ وَأَوْضَحِ تَفْسِيرٍ، يَقُولُ الأَبُولِنْسِيسُ إِنَّ «فِي الإِنْسَانِ» تَعْنِي «دَاخِلَ الإِنْسَانِ»، أَيِ الدَّمَ المَوْجُودَ فِي الإِنْسَانِ — فَيَكُونُ حَشْوًا، وَلِذَلِكَ أَهْمَلَهُ مُتَرْجِمُنَا [مُتَرْجِمُ الفُولْغَاتَا] وَحَذَفَهُ.
لأَنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ اللهِ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ لَمْ تُحَرِّكْكَ الطَّبِيعَةُ المُشْتَرَكَةُ، فَلْتُحَرِّكْكَ عَلَى الأَقَلِّ صُورَتِي؛ لأَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ صُورَتِي. فَانْظُرْ إِذَنْ أَلَّا تَهْدِمَ بِقَتْلِهِ صُورَةَ المَلِكِ السَّمَاوِيِّ الحَيَّةَ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ؛ وَبِذَلِكَ تَكُونُ مُسِيئًا لا إِلَى الإِنْسَانِ بِقَدْرِ مَا تَكُونُ مُسِيئًا إِلَى اللهِ نَفْسِهِ.
وَبِتَفْسِيرٍ آخَرَ، يَقُولُ سَالازَارُنَا (عَلَى أَمْثَالِ ١: ١٦): «بِيَدِ الإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ»، أَيْ بِيَدِ الحَاكِمِ العَامِّ؛ فَلَهُ وَحْدَهُ يَحِلُّ أَخْذُ حَيَاةِ الرَّعِيَّةِ. وَيُضِيفُ السَّبَبَ: «لأَنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ عَلَى صُورَةِ اللهِ»، أَيْ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي أُوكِلَتْ إِلَيْهِ الوِلايَةُ هُوَ صُورَةٌ صَرِيحَةٌ وَتَمْثِيلٌ للهِ، وَيَنُوبُ عَنْهُ وَيُمَثِّلُ شَخْصَهُ؛ وَمِنْ هُنَا تُسْتَمَدُّ لَهُ تِلْكَ السُّلْطَةُ وَالصَّلاحِيَّةُ عَلَى حَيَاةِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي هِيَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِلْكٌ للهِ وَحْدَهُ — بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْدِرَ حُكْمَ الإِعْدَامِ عَلَى الأَشْرَارِ وَالمُجْرِمِينَ بِاعْتِبَارِهِ اللهَ الَّذِي يَحْمِلُ شَخْصَهُ.
الْآيَةُ ٧: فَانْمُوا وَاكْثُرُوا
٧. اُنْمُوا وَاكْثُرُوا. — كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي بِتَحْرِيمِ القَتْلِ هَذَا أُرِيدُ أَنْ أَسْهَرَ عَلَى تَكَاثُرِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ؛ فَتَفَرَّغُوا لَهُ، وَبِخَاصَّةٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ عَالَمٍ مُتَجَدِّدٍ، فِي مِثْلِ هَذِهِ النُّدْرَةِ الشَّدِيدَةِ مِنَ النَّاسِ، وَاُنْمُوا وَاكْثُرُوا. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُسُ، الَّذِي انْظُرْ تَفْسِيرَهُ الرَّمْزِيَّ فِي الكِتَابِ الرَّابِعِ، الفَصْلِ ٣٤.
اِمْشُوا عَلَى الأَرْضِ. — فِي العِبْرِيَّةِ «شِرْتْسُو بَآرِتْسْ»، أَيْ تَنَاسَلُوا وَاكْثُرُوا عَلَى الأَرْضِ كَالأَسْمَاكِ وَالضَّفَادِعِ وَسَائِرِ الكَائِنَاتِ الدَّابَّةِ (فَإِنَّ خُصُوبَتَهَا وَتَوَالُدَهَا وَتَكَاثُرَهَا عَجِيبٌ، وَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ العِبْرِيَّةُ «شَارَاتْسْ») — حَتَّى تَنْتَشِرُوا فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ فِي أَرْجَاءِ الأَرْضِ كُلِّهَا، وَتَتَفَرَّقُوا، وَتَحْتَلُّوهَا وَتَمْلَأُوهَا.
الْآيَةُ ٩: هَا أَنَا مُقِيمٌ عَهْدِي
٩. هَا أَنَا أُقِيمُ. — فِي العِبْرِيَّةِ «مِقِيمْ»، أَيْ «مُقِيمٌ»، يَعْنِي «أُقِيمُ»؛ فَإِنَّ اللهَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يُقِيمُ وَيُصَادِقُ فِعْلًا عَلَى هَذَا المِيثَاقِ وَالوَعْدِ بِأَلَّا يَجْلِبَ طُوفَانًا آخَرَ عَلَى الأَرْضِ، مَعَ نُوحٍ وَسَائِرِ البَشَرِيَّةِ؛ وَلِذَلِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ، فِي الآيَةِ ١٢، يُعَيِّنُ عَلامَةَ هَذَا المِيثَاقِ، وَهِيَ قَوْسُ قُزَحَ. لاحِظْ أَنَّ هَذَا المِيثَاقَ لَيْسَ مِيثَاقَ طَرَفَيْنِ مُتَعَاقِدَيْنِ، يُلْزِمُ فِيهِ كُلُّ طَرَفٍ نَفْسَهُ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ (فَفِي هَذَا المِيثَاقِ لا يُلْزِمُ نُوحٌ نَفْسَهُ للهِ، بَلِ اللهُ وَحْدَهُ يُلْزِمُ نَفْسَهُ لِنُوحٍ)؛ بَلْ هَذَا المِيثَاقُ هُوَ مُجَرَّدُ وَعْدٍ مِنَ اللهِ، لأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُسَمَّى فِي العِبْرِيَّةِ بِحَقٍّ «بِرِيتْ».
الْآيَةُ ١١: وَلَا يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ
١١. وَلا يَكُونُ أَيْضًا طُوفَانٌ — أَيْ شَامِلٌ؛ وَلِذَلِكَ يَتْبَعُ: «لِيُخَرِّبَ الأَرْضَ»، أَيِ الأَرْضَ كُلَّهَا. فَبَعْدَ هَذَا الطُّوفَانِ الشَّامِلِ، كَانَ هُنَاكَ طُوفَانٌ جُزْئِيٌّ لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ — وَهُوَ طُوفَانُ أُوجِيجِسْ فِي اليُونَانِ، فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ الأَبِ؛ وَبَعْدَهُ كَانَ طُوفَانُ دِيُوكَالِيُونَ فِي ثِيسَالِيَا، فِي زَمَنِ مُوسَى. هَكَذَا يَقُولُ أُورُوسْيُوسُ وَيُوسَابْيُوسُ وَغَيْرُهُمَا فِي تَوَارِيخِهِمْ.
الْآيَةُ ١٢: هَذِهِ عَلَامَةُ الْعَهْدِ
١٢. هَذِهِ عَلامَةُ المِيثَاقِ الَّذِي أَجْعَلُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. — كَمَا أَنَّ اللهَ هُنَا فِي الحَاضِرِ يُصَادِقُ عَلَى المِيثَاقِ مَعَ نُوحٍ، فَكَذَلِكَ فِي الحَاضِرِ يُنْتِجُ وَيُعَيِّنُ عَلامَةَ المِيثَاقِ، وَهِيَ قَوْسُ قُزَحَ.
لأَجْيَالٍ أَبَدِيَّةٍ — فِي كُلِّ الأَجْيَالِ، مَا دَامَ جِيلٌ يَخْلُفُ جِيلًا، إِلَى انْقِضَاءِ جَمِيعِ أَجْيَالِ هَذَا الدَّهْرِ، أَيْ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ. فَإِنَّ هَذِهِ الأَجْيَالَ تُسَمَّى «أَبَدِيَّةً» لا بِالمَعْنَى المُطْلَقِ، بَلْ بِالمَعْنَى النِّسْبِيِّ — أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نُوحٍ وَذُرِّيَّتِهِ، الَّذِينَ يَعْقِدُ اللهُ مَعَهُمْ هَذَا المِيثَاقَ هُنَا. فَاللهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا المِيثَاقَ سَيَكُونُ سَرْمَدِيًّا، أَيْ سَيَدُومُ مَا دَامَتِ الأَجْيَالُ الَّتِي يَتَكَاثَرُ بِهَا نَسْلُ نُوحٍ، الَّذِي عُقِدَ مَعَهُ هَذَا المِيثَاقُ. وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ تَرْجَمَةُ العِبْرِيَّةِ «لِدُورُوتْ عُولامْ» بِـ«لِمُدَدِ الدَّهْرِ»، أَيْ مَا دَامَ هَذَا الدَّهْرُ وَهَذَا العَالَمُ وَهَذِهِ الحَيَاةُ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيَةً.
وَعَلَيْهِ، فَمِنْ هَذَا النَّصِّ لا يَنْبَغِي إِدَانَةُ رَأْيِ بَعْضِ المُعَلِّمِينَ (سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحًا أَمْ خَاطِئًا فَلَسْتُ أُنَاقِشُ ذَلِكَ هُنَا) — الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ سَيَكُونُ طُوفَانٌ شَامِلٌ تَغْمُرُ فِيهِ المِيَاهُ الأَرْضَ كُلَّهَا مِنْ جَدِيدٍ، كَمَا غَمَرَتْهَا فِي بَدْءِ العَالَمِ. فَإِنَّ هَذَا الوَعْدَ الإِلَهِيَّ بِأَلَّا يَجْلِبَ طُوفَانًا آخَرَ لا يَمْتَدُّ إِلَّا إِلَى أَجْيَالِ هَذَا الدَّهْرِ، أَيْ إِلَى يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ، لا أَبْعَدَ.
الْآيَةُ ١٣: وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ
١٣. أَضَعُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ، وَتَكُونُ عَلامَةَ مِيثَاقٍ. — هَذَا القَوْسُ هُوَ قَوْسُ قُزَحَ، كَمَا يُعَلِّمُ جَمِيعُ الآبَاءِ، عَدَا القِدِّيسِ أَمْبْرُوسْيُوسَ (كِتَابُ الفُلْكِ وَنُوحٍ، الفَصْلُ ٢٧) الَّذِي يُعْطِي لِهَذَا القَوْسِ لا مَعْنًى حَرْفِيًّا بَلْ مَعْنًى أَخْلاقِيًّا، عَلَى عَادَتِهِ.
مُلاحَظَةٌ: يُسَمِّي اللهُ القَوْسَ، أَيْ قَوْسَ قُزَحَ، «قَوْسَهُ» لأَنَّ قَوْسَ قُزَحَ فِي غَايَةِ الجَمَالِ وَيُمَثِّلُ لَنَا جَمَالَ اللهِ صَانِعِهِ وَعَظَمَتَهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٤٣: ١٢ عَنْهُ: «اُنْظُرْ إِلَى القَوْسِ وَبَارِكْ صَانِعَهُ: إِنَّهُ بَهِيٌّ جِدًّا فِي بَهَائِهِ، أَحَاطَ بِالسَّمَاءِ بِدَائِرَةِ مَجْدِهِ، وَيَدَا العَلِيِّ فَتَحَتَاهُ.» وَلِذَلِكَ رَأَى أَفْلاطُونُ فِي «ثِيَاتِيتُوسْ» أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ سُمِّيَتْ بِنْتَ ثَاوْمَاسْ، أَيْ بِنْتَ الدَّهْشَةِ، لِمَا تُثِيرُهُ مِنَ الإِعْجَابِ.
مُلاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: خِلافًا لِأَلْكُوِينُ وَالحَاشِيَةِ، فَإِنَّ قَوْسَ قُزَحَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ نُوحٍ وَالطُّوفَانِ. فَإِنَّ سَبَبَ تَكَوُّنِهَا الطَّبِيعِيَّ هُوَ انْعِكَاسُ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ فِي سَحَابَةٍ نَدِيَّةٍ. فَبِمَا أَنَّ هَذَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الطُّوفَانِ كَمَا هُوَ الآنَ، فَيَلْزَمُ أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ أَيْضًا كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفَانِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ إِذَنْ يَقُولُ اللهُ هُنَا بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ «أَضَعُ قَوْسِي» وَلَيْسَ «وَضَعْتُ» بِصِيغَةِ المَاضِي؟ أُجِيبُ: فِي العِبْرِيَّةِ الصِّيغَةُ مَاضِيَةٌ «نَاتَاتِّي»، «أَعْطَيْتُ، وَضَعْتُ»، أَيْ «أُعْطِي، أَضَعُ وَسَأُعْطِي، سَأَضَعُ» قَوْسَ قُزَحَ — لا بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ حَتَّى تُوجَدَ، بَلْ لِتَكُونَ عَلامَةً لِلْمِيثَاقِ الَّذِي يَعْقِدُهُ اللهُ هُنَا مَعَ نُوحٍ. كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ إِذَنْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفَانِ عَلامَةً طَبِيعِيَّةً عَلَى السُّحُبِ النَّدِيَّةِ، وَبِالتَّالِي عَلَى المَطَرِ القَادِمِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ أُوفِيدْيُوسْ:
«تَمْتَصُّ القَوْسُ المِيَاهَ، وَتَحْمِلُ الغِذَاءَ إِلَى السُّحُبِ.»
وَيُعَلِّمُ يُولْيُوسْ سْكَالِيجِرُ (التَّمْرِينُ ٨٠) أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ الصَّبَاحِيَّةَ تُنْذِرُ بِالمَطَرِ، وَالمَسَائِيَّةَ بِالصَّفَاءِ. وَكَذَلِكَ يَرْوِي أَرِسْطُو (تَارِيخُ الحَيَوَانِ، الكِتَابُ الخَامِسُ، الفَصْلُ ٢٢) أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ تُسَاهِمُ كَثِيرًا فِي تَوْلِيدِ المَنِّ، أَوِ العَسَلِ الجَوِّيِّ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يَرْوِي بْلِينْيُوسُ (الكِتَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ، الفَصْلُ ٢٤) أَنَّ الأَسْفَالاثُوسَ وَغَيْرَهُ مِنَ الأَعْشَابِ العَطِرَةِ تَزْدَادُ عُطُورِيَّةً بِفِعْلِ قَوْسِ قُزَحَ: «الأَسْفَالاثُوسُ»، يَقُولُ، «شَوْكَةٌ بَيْضَاءُ بِحَجْمِ شَجَرَةٍ مُتَوَاضِعَةٍ، ذَاتُ زَهْرَةٍ وَرْدِيَّةٍ، وَجِذْرُهَا مَطْلُوبٌ لِلعُطُورِ. وَيُرْوَى أَنَّهُ فِي أَيِّ شُجَيْرَةٍ يَنْحَنِي عَلَيْهَا القَوْسُ السَّمَاوِيُّ، تُوجَدُ الحَلاوَةُ نَفْسُهَا فِي الرَّائِحَةِ كَمَا فِي الأَسْفَالاثُوسِ؛ وَلَكِنْ فِي الأَسْفَالاثُوسِ نَفْسِهِ حَلاوَةٌ لا تُوصَفُ.» وَيَقُولُ المُؤَلِّفُ نَفْسُهُ (الكِتَابُ السَّابِعَ عَشَرَ، الفَصْلُ ٥): «عِنْدَمَا تُبَلَّلُ الأَرْضُ الَّتِي أَنْهَكَهَا الجَفَافُ المُتَوَاصِلُ بِالمَطَرِ، وَحَيْثُ يُنَزِّلُ القَوْسُ السَّمَاوِيُّ أَطْرَافَهُ، فَإِنَّهَا تُخْرِجُ نَفَسَهَا الإِلَهِيَّ الخَاصَّ المُنْعَقِدَ مِنَ الشَّمْسِ، الَّذِي لا يُضَاهِيهِ عُذُوبَةٌ.»
لَكِنْ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَبَعْدَ هَذَا المِيثَاقِ الإِلَهِيِّ مَعَ نُوحٍ، أُسِّسَتْ قَوْسُ قُزَحَ مِنَ اللهِ عَلامَةً فَوْقَ طَبِيعِيَّةً عَلَى هَذَا العَهْدِ — بِأَلَّا يَكُونَ طُوفَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
مُلاحَظَةٌ ثَالِثَةٌ: يَلِيقُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ العَلامَةُ عَلَى عَدَمِ حُدُوثِ طُوفَانٍ هِيَ قَوْسُ قُزَحَ، وَأَنْ تُوضَعَ فِي السُّحُبِ — لأَنَّ مِنَ السُّحُبِ نَزَلَتْ مِيَاهُ الطُّوفَانِ، وَمِنْهَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُخْشَى طُوفَانٌ مِنْ جَدِيدٍ. وَلِذَلِكَ، لِكَيْلا نَخَافَ ذَلِكَ، يَضَعُ اللهُ فِي تِلْكَ السُّحُبِ نَفْسِهَا العَلامَةَ المُقَابِلَةَ، وَهِيَ قَوْسُ قُزَحَ. وَيُضِيفُ القِدِّيسُ تُومَا الأَكْوِينِيُّ (المَسَائِلُ الحُرَّةُ ٣، المَادَّةُ ٣٠) وَالأَبُولِنْسِيسُ هُنَا (المَسْأَلَةُ ٧) أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ عَلامَةٌ طَبِيعِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَنْ يَكُونَ فَوْرًا انْهِمَارٌ عَظِيمٌ مِنَ المَاءِ يَكْفِي لِطُوفَانٍ، لأَنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ أَنْ تَكُونَ السُّحُبُ كَثِيرَةً وَكَثِيفَةً فَتَتَحَلَّلَ إِلَى مَطَرٍ غَزِيرٍ؛ وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذِهِ السُّحُبِ تَتَنَافَى مَعَ قَوْسِ قُزَحَ، لأَنَّ قَوْسَ قُزَحَ تَنْشَأُ فِي سَحَابَةٍ لَيْسَتْ كَثِيفَةً وَلا كَثِيفَةَ البِنْيَةِ، بَلْ نَدِيَّةً وَشَفَّافَةً وَمُقَعَّرَةً، مِنِ انْعِكَاسِ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ المُقَابِلَةِ.
مُلاحَظَةٌ رَابِعَةٌ: يَقُولُ مُؤَلِّفُ التَّارِيخِ المَدْرَسِيِّ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، الفَصْلِ ٣٥: «يَرْوِي القِدِّيسُونَ أَنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً لَنْ يُرَى القَوْسُ السَّمَاوِيُّ» — لأَنَّهُ سَيَكُونُ حِينَئِذٍ جَفَافٌ شَدِيدٌ يُهَيِّئُ بِهِ العَالَمُ لِلاحْتِرَاقِ الَّذِي سَيَقَعُ قُرْبَ يَوْمِ الدَّيْنُونَةِ. لَكِنَّ هَذَا التَّقْلِيدَ تَافِهٌ وَبَاطِلٌ، وَمَنْسُوبٌ زُورًا إِلَى الآبَاءِ القِدِّيسِينَ. فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ مِثْلُ هَذَا الجَفَافِ العَظِيمِ حِينَئِذٍ، لَهَلَكَ مِنْهُ البَشَرُ وَالحَيَوَانَاتُ وَالنَّبَاتَاتُ — وَهَذَا خِلافُ مَا يُعَلِّمُنَا المَسِيحُ فِي مَتَّى ٢٤: ٣٨.
رَمْزِيًّا وَسِرِّيًّا، يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الفُلْكِ وَنُوحٍ، الفَصْلُ ٢٧: إِنَّ القَوْسَ، كَمَا يَقُولُ، هِيَ رَأْفَةُ اللهِ الَّتِي كَقَوْسٍ مَشْدُودَةٍ لَكِنَّهَا بِلا سَهْمٍ، تُرِيدُ مِنْ خِلالِ الشَّدَائِدِ الَّتِي تُرْسِلُهَا أَنْ تُخِيفَنَا لا أَنْ تَضْرِبَنَا؛ حَتَّى نُصْلِحَ رَذَائِلَنَا، وَبِذَلِكَ نُفْلِتَ مِنْ سِهَامِ الانْتِقَامِ، بِحَسَبِ المَزْمُورِ ٥٩: ٦ [٦٠: ٦]: «أَعْطَيْتَ الَّذِينَ يَتَّقُونَكَ رَايَةً لِيَهْرُبُوا مِنْ أَمَامِ القَوْسِ.» وَفِي ذَلِكَ انْظُرْ القِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ وَالقِدِّيسَ غِرِيغُورْيُوسَ (الكِتَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنَ الأَخْلاقِيَّاتِ، قُرْبَ النِّهَايَةِ).
وَقَرْنَا قَوْسِ قُزَحَ هُمَا الرَّحْمَةُ وَالحَقُّ، أَوِ العَدَالَةُ؛ وَلِذَلِكَ يُصَوَّرُ المَسِيحُ الدَّيَّانُ جَالِسًا عَلَى قَوْسِ قُزَحَ، لأَنَّهُ سَيَجْلِسُ عَلَى سَحَابَةٍ مَجِيدَةٍ كَقَوْسِ قُزَحَ.
الْآيَةُ ١٦: وَأَنْظُرُ إِلَيْهِ فَأَذْكُرُ الْعَهْدَ
١٦. وَأَنْظُرُ إِلَيْهَا (القَوْسِ، أَيْ قَوْسِ قُزَحَ)، وَأَذْكُرُ المِيثَاقَ. — وَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضًا بِدَوْرِنَا، كُلَّمَا رَأَيْنَا قَوْسَ قُزَحَ، أَنْ نَتَذَكَّرَ الطُّوفَانَ وَالكَارِثَةَ الَّتِي أَهْلَكَتِ العَالَمَ وَالخُطَاةَ؛ وَأَنْ نَتَذَكَّرَ المِيثَاقَ الإِلَهِيَّ، وَأَنْ نَشْكُرَ إِلَهَنَا عَلَى هَذَا العَهْدِ، مُمْتَنِّينَ لَهُ وَمُطِيعِينَ. وَأَخِيرًا، لِنَقُلْ: إِنْ كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ بِهَذَا الجَمَالِ وَالتَّنَوُّعِ، فَكَمْ هُوَ جَمِيلٌ وَمُتَنَوِّعٌ اللهُ وَبَيْتُ اللهِ؟
رَمْزِيًّا، قَوْسُ قُزَحَ عَلامَةٌ، أَوَّلًا، عَلَى شَرِيعَةِ الإِنْجِيلِ، لأَنَّهَا تَجْلِبُ النِّعْمَةَ وَالغُفْرَانَ وَالمَجْدَ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُسُ، الَّذِي يُخْطِئُ مَعَ ذَلِكَ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّ هَذَا المَعْنَى هُوَ الحَرْفِيُّ فِي هَذَا المَوْضِعِ. ثَانِيًا، بِمَا أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ ذَاتُ لَوْنٍ مَائِيٍّ وَنَارِيٍّ، فَهِيَ عَلامَةُ مَعْمُودِيَّةِ المَسِيحِ الَّتِي تَكُونُ بِالنَّارِ وَالمَاءِ (مَتَّى ٣: ١١). هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ غِرِيغُورْيُوسُ (المَوْعِظَةُ ٨ عَلَى حِزْقِيَالَ). ثَالِثًا، قَوْسُ قُزَحَ هِيَ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدَةُ المُحْتَجَبَةُ بِالجَسَدِ — بَلْ هِيَ جَسَدُ الكَلِمَةِ نَفْسُهُ. أَوَّلًا، لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الشَّمْسَ حِينَ تُشْرِقُ فِي سَحَابَةٍ تَصْنَعُ قَوْسَ قُزَحَ، كَذَلِكَ الكَلِمَةُ حِينَ أَشْرَقَتْ فِي الجَسَدِ صَنَعَتِ المَسِيحَ. ثَانِيًا، لأَنَّهُ كَمَا كَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ رَمْزَ سَلامٍ فِي زَمَنِ نُوحٍ، كَذَلِكَ كَانَ تَجَسُّدُ المَسِيحِ مُصَالَحَةَ العَالَمِ. ثَالِثًا، قَرْنَا قَوْسِ قُزَحَ هُمَا طَبِيعَتَا المَسِيحِ — الإِلَهِيَّةُ وَالبَشَرِيَّةُ؛ وَوَتَرُهُمَا الخَفِيُّ وَغَيْرُ المَنْظُورِ هُوَ الاتِّحَادُ الأُقْنُومِيُّ السِّرِّيُّ. رَابِعًا، فِي قَوْسِ قُزَحَ ثَلاثَةُ أَلْوَانٍ، وَكَذَلِكَ فِي المَسِيحِ: فَالمَسِيحُ كَانَ أَزْرَقَ سَمَاوِيًّا مِنْ خِلالِ صَلاتِهِ الدَّائِمَةِ؛ وَكَانَ أَخْضَرَ مِنْ خِلالِ زَهْرِ النِّعَمِ وَالفَضَائِلِ؛ وَكَانَ أَحْمَرَ مِنْ خِلالِ دَمِهِ عَلَى الصَّلِيبِ. خَامِسًا، مِنْ هَذَا القَوْسِ أُطْلِقَتْ سِهَامُ الحُبِّ الخَفِيَّةُ، الَّتِي خُرِقَتْ وَجُرِحَتْ بِهَا العَرُوسُ فَأَنْشَدَتْ: «أَسْنِدُونِي بِالزُّهُورِ، أَحِيطُونِي بِالتُّفَّاحِ، فَإِنِّي مَرِيضَةٌ مِنَ الحُبِّ.» سَادِسًا، كَانَتْ هَذِهِ القَوْسُ حَامِلَةً لِلمَطَرِ، لأَنَّهَا فِي يَوْمِ العَنْصَرَةِ أَعْطَتِ العَالَمَ غَزَارَةً مِنَ الوَعْظِ وَالتَّعْلِيمِ السَّمَاوِيِّ كَالمَطَرِ. هَكَذَا يَقُولُ أَنْسْبِرْتُسُ عَلَى رُؤْيَا ٤: ٣. وَأَضِفْ إِلَى ذَلِكَ، سَابِعًا: قَوْسُ قُزَحَ، وَهِيَ نِصْفُ دَائِرَةٍ، تَرْمُزُ إِلَى المَسِيحِ النَّازِلِ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَالعَائِدِ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ. وَأَخِيرًا، تَرْمُزُ إِلَى مَلَكُوتِ المَسِيحِ الَّذِي فِي هَذِهِ الحَيَاةِ نَاقِصٌ وَغَيْرُ مُكْتَمِلٍ، لَكِنْ فِي السَّمَاءِ سَتَكْتَمِلُ هَذِهِ الدَّائِرَةُ — أَيْ مَلَكُوتُ المَسِيحِ المُتَسَلِّطِ عَلَى الكُلِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.
أَخْلاقِيًّا، الأَلْوَانُ الثَّلاثَةُ لِقَوْسِ قُزَحَ تَرْمُزُ إِلَى قُوَّةِ التَّطْهِيرِ وَالتَّنْوِيرِ وَالتَّكْمِيلِ، الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا المُعَلِّمُونَ القِدِّيسُونَ مِنَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ. ثَانِيًا، اللَّوْنُ الأَزْرَقُ السَّمَاوِيُّ هُوَ الإِيمَانُ؛ وَالأَخْضَرُ هُوَ الرَّجَاءُ؛ وَالأَحْمَرُ هُوَ المَحَبَّةُ — الَّتِي سَكَبَهَا قَوْسُ قُزَحَ، أَيْ رَحْمَةُ اللهِ، فِي البَشَرِ، كَمَا يُعَلِّمُ فْيِيغَاسُ وَرِيبِيرَا وَبِيرِيرْيُوسُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى رُؤْيَا ٤: ٣.
أَنَاغُوجِيًّا، قَوْسُ قُزَحَ ذَاتُ اللَّوْنِ المَائِيِّ وَالنَّارِيِّ هِيَ عَلامَةٌ عَلَى الطُّوفَانِ الَّذِي وَقَعَ وَعَلَى احْتِرَاقِ العَالَمِ المُسْتَقْبَلِيِّ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ غِرِيغُورْيُوسُ (المَوْعِظَةُ ٨ عَلَى حِزْقِيَالَ). وَكَذَلِكَ، قَوْسُ قُزَحَ ذَاتُ شَكْلِ القَوْسِ الَّذِي يُقَدِّمُ مَظْهَرَ الحَرْبِ، تَرْمُزُ إِلَى الدَّيْنُونَةِ الشَّامِلَةِ، كَمَا يَقُولُ رِيشَارْدُسُ مِنْ سَانْ فِيكْتُورَ عَلَى رُؤْيَا الفَصْلِ ٤ — الَّتِي فِيهَا سَيَخْضَرُّ الأَبْرَارُ بِالمَجْدِ الأَبَدِيِّ، وَيَحْمَرُّ الأَشْرَارُ بِنَارِ جَهَنَّمَ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا (رُؤْيَا ٤: ٣) إِنَّهُ رَأَى عَرْشَ اللهِ مُحَاطًا بِقَوْسِ قُزَحَ، أَيْ بِالرَّحْمَةِ؛ فَقَوْسُ قُزَحَ فِي زَمَنِ نُوحٍ كَانَتْ عَلامَةَ سَلامٍ وَمُصَالَحَةٍ وَمِيثَاقٍ بَيْنَ اللهِ وَالبَشَرِ، وَكَانَتْ قَوْسُ قُزَحَ عَلامَةً، أَيْ سَلامًا، كَمَا يَقُولُ تِيكُونْيُوسُ (المَوْعِظَةُ ٢ عَلَى الرُّؤْيَا)، وَهِيَ فِي المُجَلَّدِ التَّاسِعِ لِلقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ. ثَانِيًا، قَوْسُ قُزَحَ المُتَعَدِّدَةُ الأَلْوَانِ تُبْهِجُ وَتَسْكُبُ أَمْطَارًا مُتَنَوِّعَةً عَلَى الأَرْضِ؛ وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ رَحْمَةُ اللهِ. ثَالِثًا، كَمَا أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ نِصْفُ دَائِرَةٍ لا تَظْهَرُ إِلَّا فِي نِصْفِ كُرَتِنَا، كَذَلِكَ رَحْمَةُ اللهِ لا تَظْهَرُ إِلَّا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، أَمَّا العَدَالَةُ فَفِي الآخِرَةِ.
الْآيَةُ ١٨: حَامُ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ
١٨. وَحَامُ هُوَ أَبُو كَنْعَانَ. — يَذْكُرُ مُوسَى هُنَا كَنْعَانَ لِيُمَهِّدَ الطَّرِيقَ لِلَّعْنَةِ عَلَى كَنْعَانَ، الَّتِي عُوقِبَ بِهَا بِسَبَبِ أَبِيهِ حَامٍ مِنْ نُوحٍ فِي الآيَةِ ٢٥. وَيُضِيفُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، ثَانِيًا، أَنَّ حَامًا وَحْدَهُ، إِذْ كَانَ غَيْرَ ضَابِطٍ لِنَفْسِهِ فِي الفُلْكِ أَثْنَاءَ الطُّوفَانِ، وَلَدَ كَنْعَانَ، وَلِذَلِكَ يُذْكَرُ هُنَا. لَكِنَّ جَمِيعَ الآخَرِينَ يُعَلِّمُونَ العَكْسَ؛ بَلْ إِنَّ الكِتَابَ المُقَدَّسَ نَفْسَهُ يُعَلِّمُ أَنَّ ثَمَانِيَ نُفُوسٍ فَقَطْ (أَيْ نُوحٌ مَعَ أَبْنَائِهِ الثَّلاثَةِ وَزَوْجَةِ كُلِّ مِنْهُمْ) خَلَصَتْ بِالفُلْكِ (١ بُطْرُسَ ٣: ٢٠). وَكَذَلِكَ يُعَلِّمُ مُوسَى نَفْسُهُ أَنَّ كَنْعَانَ وُلِدَ بَعْدَ الطُّوفَانِ (الفَصْلُ ١٠، الآيَتَانِ ١ وَ٦).
إِذَنْ فِي وَقْتِ خُرُوجِ نُوحٍ مِنَ الفُلْكِ، الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُ مُوسَى هُنَا، لَمْ يَكُنْ كَنْعَانُ قَدْ وُلِدَ بَعْدُ مِنْ حَامٍ؛ وَلَكِنَّ حَامًا يُسَمَّى أَبَا كَنْعَانَ لأَنَّ كَنْعَانَ كَانَ مُقَدَّرًا أَنْ يُولَدَ مِنْهُ، وَفِي زَمَنِ مُوسَى الَّذِي يَكْتُبُ هَذَا، كَانَ كَنْعَانُ وَالكَنْعَانِيُّونَ قَدْ وُلِدُوا بِالفِعْلِ — وَهُمُ الَّذِينَ أَخْضَعَهُمُ العِبْرَانِيُّونَ المُتَحَدِّرُونَ مِنْ سَامٍ وَخَرَّبُوهُمْ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنْ حَامٍ وُلِدَ كَنْعَانُ، كَبَيْضَةٍ سَيِّئَةٍ مِنْ غُرَابٍ سَيِّءٍ. فَكَيْفَ يُنْجِبُ حَامٌ ابْنًا صَالِحًا، وَهُوَ نَفْسُهُ كَانَ ابْنًا نَذْلًا لأَبٍ صَالِحٍ، مُنْحَطًّا فِي الطَّبِيعَةِ وَالتَّرْبِيَةِ؟ هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوسُ وَثِيُودُورِيطُسُ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ سُخْرِيَةَ حَامٍ الَّتِي سَخِرَ بِهَا مِنْ أَبِيهِ نُوحٍ عُوقِبَتْ فِي ابْنِهِ كَنْعَانَ، حِينَ عُوقِبَ نَسْلُهُ الكَنْعَانِيُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ وَالخَرَابِ عَلَى يَدِ يَشُوعَ وَالعِبْرَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا نَسْلَ سَامٍ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوسُ (كِتَابُ الفُلْكِ وَنُوحٍ، الفَصْلُ ٢٨)، حَيْثُ يَقُولُ رَمْزِيًّا: حَامٌ، أَيْ «الحَرَارَةُ»، هُوَ أَبُو كَنْعَانَ، أَيْ «الاضْطِرَابِ» أَوْ بِالأَحْرَى «السَّحْقِ» وَ«الكَسْرِ»؛ لأَنَّ مَنْ كَانَ حَارًّا فَهُوَ يَتَحَرَّكُ بِاسْتِمْرَارٍ وَيَضْطَرِبُ، وَيُزَعْزِعُ وَيَكْسِرُ كُلَّ شَيْءٍ.
الْآيَةُ ١٩: مِنْ هَؤُلَاءِ انْتَشَرَ جَمِيعُ الْبَشَرِ
١٩. هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هُمْ أَبْنَاءُ نُوحٍ، وَمِنْ هَؤُلاءِ انْتَشَرَ جَمِيعُ البَشَرِ. — يُخْطِئُ إِذَنْ مَنْ يَعُدُّونَ لِنُوحٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَبْنَاءٍ، مِثْلُ بِيرُوسُسَ وَأَنِّيَانُوسَ وَتَارِيخِ أَلْمَانْيَا، الَّتِي تَزْعُمُ أَنَّ تُويِسْكُو كَانَ ابْنًا لِنُوحٍ؛ وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، أَنَّ نُوحًا بَعْدَ الطُّوفَانِ لَمْ يُنْجِبْ ثَلاثِينَ ابْنًا آخَرِينَ، وَيُسَمُّونَهُمْ جَبَابِرَةً (تِيتَانِينَ) مِنْ زَوْجَتِهِ تِيتْرِيَا. مِنْ هَذَا النَّصِّ إِذَنْ يَبْدُو أَنَّ نُوحًا بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَقَدْ أَنْهَكَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ، وَلِيَتَفَرَّغَ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ للهِ، وَقَدْ سَئِمَ الشَّهْوَةَ، امْتَنَعَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الزَّوَاجِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْجِبْ ذُرِّيَّةً أُخْرَى: لأَنَّ مِنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ تَحَدَّرَ جَمِيعُ البَشَرِ. وَيَرَى كَايِتَانُ وَتُورْنِيلُّوسُ العَكْسَ، أَيْ أَنَّ نُوحًا بَعْدَ الطُّوفَانِ وَلَدَ أَبْنَاءً آخَرِينَ تَكَاثَرَتْ مِنْهُمْ أُمَمٌ أَيْضًا؛ وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ وَحْدَهُمْ يُذْكَرُونَ هُنَا لأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا أَشْهَرَ رُؤَسَاءِ هَذَا الانْتِشَارِ إِلَى أُمَمٍ، وَرُءُوسَ الشُّعُوبِ الرَّئِيسِيَّةِ. لَكِنَّ مَا قُلْتُهُ أَوَّلًا أَكْثَرُ مُوَافَقَةً لِنُصُوصِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، الَّتِي لا تَكَادُ تَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ؛ لأَنَّهَا تَقُولُ بِوُضُوحٍ: «مِنْ هَؤُلاءِ انْتَشَرَ جَمِيعُ الجِنْسِ البَشَرِيِّ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا.»
الْآيَةُ ٢٠: وَبَدَأَ نُوحٌ يَفْلَحُ الْأَرْضَ وَغَرَسَ كَرْمًا
٢٠. نُوحٌ، رَجُلٌ فَلَّاحٌ، ابْتَدَأَ يَفْلَحُ الأَرْضَ. — فِي العِبْرِيَّةِ «نُوحْ إِيشْ هَآدَامَا»، «ابْتَدَأَ نُوحٌ أَنْ يَكُونَ رَجُلَ الأَرْضِ»، أَيْ أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا؛ ابْتَدَأَ بَعْدَ الطُّوفَانِ يَزْرَعُ وَيَفْلَحُ الأَرْضَ الَّتِي جَفَّتِ الآنَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: عَادَ نُوحٌ إِلَى الزِّرَاعَةِ الَّتِي مَارَسَهَا النَّاسُ قَبْلَ الطُّوفَانِ بِأَمْرِ اللهِ، تَكْوِينُ ٢: ١٥، وَالفَصْلُ ٣، الآيَةُ ١٧؛ وَذَلِكَ بِاجْتِهَادٍ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ قَبْلَ الطُّوفَانِ، لأَنَّ الطُّوفَانَ بِمُلُوحَتِهِ وَحِدَّتِهِ وَنُفُوذِهِ وَغَمْرِهِ قَدِ امْتَصَّ وَغَسَلَ خِصْبَ الأَرْضِ الأَوَّلَ وَجَوْدَتَهَا. وَلِذَلِكَ يَعْتَقِدُ بِيرِيرْيُوسُ وَدِلْرِيُو وَغَيْرُهُمَا أَنَّ نُوحًا اخْتَرَعَ المِحْرَاثَ، وَبِجَرِّهِ بِالخُيُولِ وَالثِّيرَانِ شَقَّ الأَرْضَ بِالسِّكَّةِ، بَيْنَمَا كَانَ النَّاسُ مِنْ قَبْلُ يَحْفِرُونَ الأَرْضَ وَيَزْرَعُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ وَالمَعَاوِلِ.
اُنْظُرْ هُنَا إِلَى نُوحٍ الأَبِ يَتَفَرَّغُ لِلزِّرَاعَةِ. وَكَذَلِكَ كَانَ سَامُ وَيَافِثُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَعِيسُو وَمُوسَى وَبُوعَزُ وَجِدْعُونُ فَلَّاحِينَ؛ بَلْ إِنَّ شَعْبَ إِسْرَائِيلَ كُلَّهُ كَانَ يَزْرَعُ الحُقُولَ إِلَى أَنْ طَلَبُوا مَلِكًا، فَقَالَ لَهُمْ صَمُوئِيلُ بِأَمْرِ اللهِ إِنَّ المَلِكَ سَيَأْخُذُ حُقُولَهُمْ وَكُرُومَهُمْ وَبَسَاتِينَ زَيْتُونِهِمْ وَأَجْوَدَهَا وَيُعْطِيهَا لِعَبِيدِهِ، وَسَيُعَشِّرُ مَحَاصِيلَهُمْ أَيْضًا، ١ صَمُوئِيلَ ٨. وَكَانَ شَاوُلُ رَاعِيَ حَمِيرٍ، وَدَاوُدُ رَاعِيَ غَنَمٍ؛ وَدَعَا إِيلِيَّا أَلِيشَعَ مِنْ وَرَاءِ المِحْرَاثِ وَجَعَلَهُ نَبِيًّا. وَإِذَا تَفَحَّصْتَ سِيَرَ البَابَوَاتِ، فَسَتَجِدُ كَثِيرِينَ مِنْهُمْ أَبْنَاءَ فَلَّاحِينَ، مِثْلُ سِيلْفِيرْيُوسَ وَأَدْرِيَانُوسَ وَسِيلْفِسْتِرَ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ كُورُشُ مَلِكُ فَارِسَ وَأَبَاطِرَةُ رُومَا القُدَمَاءُ فَلَّاحِينَ؛ وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ أَسْمَاءُ فَابِيّْ وَلِنْتُولِيّْ وَبِيسُونِسْ وَكِيكِيرُونِسْ وَفِيتِلِّيّْ وَبُورْكِيّْ وَسِرْفِيّْ وَأَبِّيّْ وَسْكُرُوفَا — أَسْمَاءُ فَلَّاحِينَ مُكَرَّمَةٌ بِكَرَامَةِ النَّصْرِ. اِسْمَعْ فَالِيرْيُوسَ مَاكْسِيمُوسَ: «وَأُولَئِكَ الأَغْنِيَاءُ جِدًّا أَيْضًا، الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَدْعَوْنَ مِنَ المِحْرَاثِ لِيَكُونُوا قَنَاصِلَ، كَانُوا يَحْرُثُونَ لِلمُتْعَةِ تُرْبَةَ بُوبِينِيَا العَقِيمَةَ وَالشَّدِيدَةَ الحَرَارَةِ، وَجَاهِلِينَ بِالمُتَعِ كَانُوا يُفَتِّتُونَ أَضْخَمَ الكُتَلِ التُّرَابِيَّةِ بِعَرَقٍ غَزِيرٍ. بَلْ إِنَّ الَّذِينَ جَعَلَتْهُمْ أَخْطَارُ الجُمْهُورِيَّةِ قُوَّادًا، أَجْبَرَتْهُمْ ضَائِقَةُ أَحْوَالِهِمِ العَائِلِيَّةِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا رُعَاةَ ثِيرَانٍ.» وَكَانَ رُومُولُوسُ وَرِيمُوسُ وَدْيُوقْلِتْيَانُوسُ وَيُوسْتِينُوسُ مُلُوكًا وَأَبَاطِرَةً بِقَدْرِ مَا كَانُوا رُعَاةً وَفَلَّاحِينَ. وَالأَرْكَادِيُّونَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَقْدَمُ البَشَرِ عَلَى الإِطْلاقِ، تَشْهَدُ التَّوَارِيخُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا رُعَاةً وَفَلَّاحِينَ؛ اِسْمَعِ الشَّاعِرَ: «بَانُ (إِلَهُ أَرْكَادِيَا) يَرْعَى الغَنَمَ وَسَادَةَ الغَنَمِ.» وَيَعْتَرِفُ اليُونَانِيُّونَ بِأَنَّ بْرُوتِيُوسَ وَأَبُولُّونَ كَانَا رَاعِيَيْنِ عِنْدَ أَدْمِيتُوسَ مَلِكِ ثِيسَالِيَا، مَعَ هِرْمِسَ وَأَرْغُوسَ. وَيَعْتَرِفُ الفِرِيجِيُّونَ بِأَنَّ بَارِيسَ وَبْرِيَامُوسَ وَأَنْخِيسِيسَ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا رُعَاةً. وَالنُّومِيدِيُّونَ وَالجُورْجِيُّونَ وَالسِّيثِيُّونَ وَالرُّحَّلُ يُفَضِّلُونَ هَذَا النَّمَطَ مِنَ الحَيَاةِ دُونَ سِوَاهُ. وَلَمْ تَكُنْ عِنَايَةُ المُلُوكِ مَشْغُولَةً بِمُمَارَسَةِ الزِّرَاعَةِ فَحَسْبُ، بَلِ احْتَضَنُوهَا أَيْضًا فِي كُتُبٍ كَأَنَّهَا فَنٌّ — مِثْلُ هِيرُونَ وَمِيثْرِيدَاتِسَ وَفِيلُومِيتُورَ وَأَتَّالُوسَ وَأَرْخِيلاوُسَ؛ وَقُوَّادٌ مِثْلُ كْسِينُوفُونَ وَسِيلَّانُوسَ وَكَاتُونَ وَبْلِينْيُوسَ وَتِيرِنْتْيُوسُ فَارُّو؛ وَقَدِ اسْتُدْعِيَ كُورْيُوسُ مِنْ مَزْرَعَتِهِ إِلَى مَجْلِسِ الشُّيُوخِ، وَكَذَلِكَ شُيُوخٌ آخَرُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا لِيَدْعُوا أَتِّيلْيُوسَ إِلَى قِيَادَةِ رُومَا وَجَدُوهُ يَنْثُرُ البُذُورَ. وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَعُودُوا، بَعْدَ أَنْ وَضَعُوا الصَّوْلَجَانَ العَاجِيَّ وَأَحْرَزُوا النَّصْرَ وَالسَّلامَ، إِلَى مِقْبَضِ المِحْرَاثِ. فَإِنَّ مُمَارَسَةَ الزِّرَاعَةِ، أَوَّلًا، أَسَّسَتْهَا الطَّبِيعَةُ وَاللهُ؛ ثَانِيًا، فِيهَا مُتْعَةٌ كَبِيرَةٌ؛ ثَالِثًا، تَحْفَظُ الصِّحَّةَ وَتُقَوِّي الجِسْمَ؛ رَابِعًا، تُوَفِّرُ الغِلالَ وَالثِّمَارَ؛ خَامِسًا، تَنْفَعُ فِي التَّأَمُّلِ فِي السَّمَاءِ وَالنُّجُومِ وَالمَطَرِ وَالأَشْجَارِ وَسَائِرِ الأَشْيَاءِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ سَادِسًا، تَنْفَعُ فِي التَّأَمُّلِ فِي اللهِ وَعِبَادَتِهِ: وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الأَعْيَادُ القَدِيمَةُ — كِيرِيَالِيَا وَفْلُورَالِيَا وَفِينَالِيَا وَسِيمِنْتِينَا وَأَغْنَالِيَا وَبَالِيلِيَا وَخَارِيسْتِيَا، وَغَيْرُهَا.
وَغَرَسَ كَرْمًا. — لاحِظْ أَنَّ الكَرْمَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفَانِ؛ فَمِنْ أَيْنَ كَانَ نُوحٌ سَيَحْصُلُ عَلَيْهَا إِذَنْ؟ لَكِنْ حَتَّى الآنَ يَبْدُو أَنَّ الكَرْمَةَ كَانَتْ بَرِّيَّةً وَغَيْرَ مَزْرُوعَةٍ وَمُتَفَرِّقَةً هُنَا وَهُنَاكَ، وَمِنْهَا لَمْ يَعْصِرِ النَّاسُ خَمْرًا بَلْ كَانُوا يَأْكُلُونَ العِنَبَ فَقَطْ. لَكِنَّ نُوحًا بِمَهَارَتِهِ زَرَعَ الكَرْمَةَ وَغَرَسَهَا وَنَظَّمَهَا فِي كُرُومٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَصَرَ الخَمْرَ مِنَ العِنَبِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ الخَمْرِ، إِذْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يُعْرَفْ مِنْ قَبْلُ، فَسَكِرَ مِنْهُ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، الكِتَابُ الأَوَّلُ ضِدَّ يُوفِينِيَانُوسَ.
وَيُلاحِظُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ نُوحًا عَصَرَ الخَمْرَ مِنَ الكَرْمَةِ لِيُهَدِّئَ وَيُقَوِّيَ حُزْنَهُ وَحُزْنَ سَائِرِ النَّاسِ وَأَتْعَابَهُمْ وَضَعْفَهُمْ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَإِنَّ الخَمْرَ يُقَوِّي قَلْبَ الإِنْسَانِ وَيُفَرِّحُهُ. وَمِنْ هُنَا يَرَى بِيرُوسُسُ أَنِّيَانُوسُ أَنَّ نُوحًا هُوَ نَفْسُهُ يَانُوسُ؛ وَأَنَّهُ سُمِّيَ يَانُوسَ، أَيْ «حَامِلَ الكَرْمِ» أَوْ بِالأَحْرَى «حَامِلَ الخَمْرِ»، مِنَ العِبْرِيَّةِ «يَايِنْ» أَوْ «يِنْ»، أَيْ «خَمْرٌ»: وَلِذَلِكَ أَيْضًا يُصَوَّرُ يَانُوسُ ذَا وَجْهَيْنِ، لأَنَّ نُوحًا رَأَى العَصْرَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَالعَصْرَ الَّذِي كَانَ بَعْدَهُ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ أُوفِيدْيُوسْ، الأَعْيَادُ ١: «يَانُوسُ ذَا الرَّأْسَيْنِ، أَصْلَ السَّنَةِ المُنْسَابَةِ بِصَمْتٍ، / أَنْتَ الوَحِيدُ بَيْنَ الآلِهَةِ الَّذِي يَرَى ظَهْرَهُ.»
وَيُصَوِّرُ كِتَابُ أَعْمَالِ الرُّومَانِ الرَّمْزِيُّ بِشَكْلٍ مُنَاسِبٍ أَنَّ نُوحًا مَزَجَ بِالكَرْمَةِ وَالخَمْرِ دَمَ أَرْبَعَةِ حَيَوَانَاتٍ: القِرْدِ وَالأَسَدِ وَالخِنْزِيرِ وَالحَمَلِ: لأَنَّ الخَمْرَ يُسْكِرُ وَيَجْعَلُ بَعْضَ السُّكَارَى مُهَرِّجِينَ كَالقُرُودِ؛ وَبَعْضَهُمْ مُشَاكِسِينَ وَقُسَاةً كَالأُسُودِ؛ وَبَعْضَهُمْ شَهْوَانِيِّينَ وَدَنِسِينَ كَالخَنَازِيرِ؛ وَبَعْضَهُمْ وُدَعَاءَ وَلُطَفَاءَ وَأَتْقِيَاءَ كَالحُمْلانِ.
الْآيَةُ ٢١: فَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ
إِنَّ سُكْرَ نُوحٍ هَذَا لَمْ يَكُنْ خَطِيئَةً، عَلَى الأَقَلِّ لَيْسَ خَطِيئَةً مُمِيتَةً؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قُوَّةَ الخَمْرِ، وَكَانَ عَدِيمَ الخِبْرَةِ بِهِ، فَشَرِبَ مِنْهُ بِإِسْرَافٍ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ وَثِيُودُورِيطُسُ. وَلِذَلِكَ يُخْطِئُ كَالْفِينُ وَلُوثِرُ حِينَ يَنْسِبَانِ هَذَا السُّكْرَ إِلَى عَدَمِ اعْتِدَالِ نُوحٍ، بَيْنَمَا كَانَ سَبَبُهُ عَدَمَ الخِبْرَةِ. وَيُفَسِّرُهُ آخَرُونَ تَفْسِيرًا مُغَايِرًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «سَكِرَ»، أَيْ «تَبَهَّجَ». وَلِذَلِكَ يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسْيُوسُ، مُتَّبِعًا التَّرْجَمَةَ السَّبْعِينِيَّةَ: «لَمْ يَقُلْ»، كَمَا يَكْتُبُ، «إِنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا، وَلا إِنَّ الرَّجُلَ الصِّدِّيقَ شَرِبَ الخَمْرَ كُلَّهُ، بَلْ مِنَ الخَمْرِ، أَيْ مِنْ شَرْبَتِهِ، ذَاقَ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّكْرَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا يَجْلِبُ التَّمَايُلَ لِلجَسَدِ وَيُعَثِّرُ خُطُوَاتِهِ وَيُشَوِّشُ الحَوَاسَّ؛ وَالآخَرُ يُبَخِّرُ العَقْلَ بِنِعْمَةِ الفَضِيلَةِ وَيَبْدُو أَنَّهُ يَدْفَعُ كُلَّ ضَعْفٍ؛ وَعَنْهُ يَقُولُ المَزْمُورُ ٢٢: وَكَأْسِي المُسْكِرَةُ مَا أَمْجَدَهَا!»
اُنْظُرْ هُنَا وَتَعَجَّبْ مِنْ زُهْدِ الأَوَّلِينَ؛ فَإِنَّ الجَمِيعَ مِنْ بَدْءِ العَالَمِ إِلَى الطُّوفَانِ، طَوَالَ ١٦٠٠ سَنَةٍ، امْتَنَعُوا عَنِ الخَمْرِ كَمَا عَنِ اللَّحْمِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا مُعَمَّرِينَ جِدًّا وَحُكَمَاءَ؛ فَقَدْ عَاشُوا إِلَى ٩٠٠ سَنَةٍ.
حَيْثُ لاحِظْ أَوَّلًا: الامْتِنَاعُ نَافِعٌ جِدًّا: أَوَّلًا، لِلصِّحَّةِ وَطُولِ العُمُرِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَهْلِكُ الأَخْلاطَ الضَّارَّةَ، وَيُنَقِّي وَيُصَفِّي الأَرْوَاحَ الحَيَوِيَّةَ؛ ثَانِيًا، لِلْعِفَّةِ وَالفَضِيلَةِ؛ فَإِنَّهُ يُقَلِّلُ مِنَ الدَّمِ الزَّائِدِ وَالسَّوَائِلِ وَالأَرْوَاحِ الَّتِي تُغَذِّي وَتُثِيرُ الشَّهْوَةَ وَالغَضَبَ وَسَائِرَ الأَهْوَاءِ.
لاحِظْ ثَانِيًا: الاعْتِدَالُ يُسَاعِدُ طَبِيعِيًّا عَلَى العِلْمِ، سَوَاءٌ لأَنَّهُ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ وَيُطِيلُ العُمُرَ؛ أَوْ لأَنَّهُ يَجْعَلُ الرَّأْسَ صَافِيًا، وَيَجْعَلُ الأَرْوَاحَ الحَيَوَانِيَّةَ حُرَّةً وَنَقِيَّةً وَمُؤَهَّلَةً لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ؛ أَوْ لأَنَّ النَّفْسَ (وَهِيَ وَاحِدَةٌ فِي الإِنْسَانِ، وَهِيَ فِي آنٍ وَاحِدٍ نَبَاتِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ) ذَاتُ قُوَّةٍ وَنَشَاطٍ مَحْدُودَيْنِ، وَلِذَلِكَ كُلَّمَا قَلَّ انْشِغَالُهَا بِالطَّعَامِ وَطَبْخِهِ وَهَضْمِهِ وَإِخْرَاجِهِ، زَادَتْ قُدْرَتُهَا عَادَةً عَلَى التَّفَرُّغِ لِلدِّرَاسَةِ وَالتَّأَمُّلِ، وَبَذْلِ كُلِّ طَاقَتِهَا فِي ذَلِكَ الاتِّجَاهِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ سُلَيْمَانُ، الجَامِعَةُ ٢: «فَكَّرْتُ، يَقُولُ، فِي قَلْبِي أَنْ أَمْنَعَ جَسَدِي عَنِ الخَمْرِ لِأَنْقُلَ نَفْسِي إِلَى الحِكْمَةِ، وَأَتَجَنَّبَ الحَمَاقَةَ.» وَيَقُولُ إِشَعْيَاءُ، الفَصْلُ ٢٨: «لِمَنْ يُعَلِّمُ العِلْمَ؟ وَمَنْ يُفْهِمُ الرِّسَالَةَ؟ المَفْطُومِينَ عَنِ اللَّبَنِ، المَفْصُولِينَ عَنِ الثُّدِيِّ.»
هَكَذَا كَانَ أَنُوشُ وَأَخْنُوخُ وَمَتُوشَالَحُ وَنُوحٌ، إِذْ كَانُوا زَاهِدِينَ، أَحْكَمَ النَّاسِ. فَنُوحٌ كَانَ مُجَدِّدَ العَالَمِ كُلِّهِ وَمُعَلِّمَهُ وَحَاكِمَهُ. وَهَكَذَا يُمْدَحُ النَّذِيرُونَ وَالرِّكَابِيُّونَ بِالحِكْمَةِ بِقَدْرِ مَا يُمْدَحُونَ بِالزُّهْدِ. وَهَكَذَا اسْتَحَقَّ مُوسَى وَإِيلِيَّا بِصَوْمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الحِكْمَةَ وَرُؤْيَةَ اللهِ. وَهَكَذَا نَالَتْ يَهُودِيتُ وَأَسْتِيرُ وَالمَكَّابِيُّونَ تِلْكَ الحِكْمَةَ وَالبَأْسَ اللَّتَيْنِ بِهِمَا أَسْقَطُوا هُولُوفِرْنِسَ وَهَامَانَ وَأَنْطِيُوخُسَ. وَهَكَذَا صَارَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ بِالزُّهْدِ كَمَلاكٍ. وَهَكَذَا بُولُسُ أَوَّلُ النُّسَّاكِ وَأَنْطُونْيُوسُ وَهِيلارِيُونُ وَأَسْرَابٌ مِنَ الأَنَاخُورِيتِيِّينَ وَالرُّهْبَانِ عَاشُوا حَيَاةً طَوِيلَةً كَمَلائِكَةٍ أَرْضِيِّينَ فِي الزُّهْدِ وَالتَّأَمُّلِ وَالحِكْمَةِ، وَعَاشُوا مِئَةَ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ. وَهَكَذَا كَانَ رُهْبَانُ الأَدْيِرَةِ قَدِيمًا، كَمَا يَشْهَدُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، يَصُومُونَ دَائِمًا، يَشْرَبُونَ المَاءَ وَيَأْكُلُونَ الخُبْزَ مَعَ البُقُولِ وَالخُضَرِ فَقَطْ.
اِسْمَعْ أَيْضًا الوَثَنِيِّينَ. يَرْوِي كْسِينُوفُونُ أَنَّ الفُرْسَ القُدَمَاءَ كَانُوا لا يُضِيفُونَ إِلَى الخُبْزِ شَيْئًا سِوَى الرَّشَادِ، وَحِينَئِذٍ ازْدَهَرُوا بِالحِكْمَةِ وَالفَضِيلَةِ الحَرْبِيَّةِ، وَتَمَلَّكُوا إِمْبِرَاطُورِيَّةَ العَالَمِ طَوَالَ ٢٠٠ سَنَةٍ، أَيْ مِنْ كُورُشَ إِلَى دَارَا الَّذِي بِسَبَبِ المَلَذَّاتِ وَالخُمُورِ فَقَدَ إِمْبِرَاطُورِيَّتَهُ مَعَ حَيَاتِهِ. وَيَرْوِي خَيْرِيدِيمُوسُ الرِّوَاقِيُّ أَنَّ كَهَنَةَ مِصْرَ القُدَمَاءَ كَانُوا يَمْتَنِعُونَ دَائِمًا عَنِ اللَّحْمِ وَالخَمْرِ وَالبَيْضِ وَالحَلِيبِ، وَذَلِكَ لِيَتَفَرَّغُوا لِلأُمُورِ الإِلَهِيَّةِ بِأَنْقَى وَأَشَدَّ وَأَحَدَّ عَقْلٍ، وَلِيُطْفِئُوا حَرَارَةَ الشَّهْوَةِ. وَهَؤُلاءِ كَانُوا حُكَمَاءَ مِصْرَ وَمُنَجِّمِيهَا. وَالإِسِّينِيُّونَ عِنْدَ اليَهُودِ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمِ الخَمْرَ وَاللَّحْمَ، وَتَفَرَّغُوا كُلِّيًّا لِلصَّلاةِ وَدِرَاسَةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، وَعَنْهُمْ يَرْوِي يُوسِيفُوسُ وَفِيلُونُ وَبْلِينْيُوسُ أُمُورًا عَجِيبَةً؛ بَلْ إِنَّ بُورْفِيرِيُوسَ فِي كِتَابِهِ «عَنِ الامْتِنَاعِ عَنْ أَكْلِ الحَيَوَانِ» يُؤَكِّدُ أَنَّ مُعْظَمَهُمْ، إِذْ كَانَ الرُّوحُ الإِلَهِيُّ يُلْهِمُهُمْ، صَارُوا أَنْبِيَاءَ. وَيَرْوِي أُوبُولُوسُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الفُرْسِ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ المَجُوسِ، أَوَّلُهُمْ (الَّذِينَ كَانُوا يُعَدُّونَ أَحْكَمَ النَّاسِ وَأَبْلَغَهُمْ) لَمْ يَكُونُوا يَأْكُلُونَ شَيْئًا سِوَى الطَّحِينِ وَالخُضَرِ. وَيَرْوِي بَرْدِيصَانُ البَابِلِيُّ أَنَّ حُكَمَاءَ الهِنْدِ العُرَاةَ يَعِيشُونَ عَلَى ثِمَارِ الأَشْجَارِ وَالأَرُزِّ وَالطَّحِينِ فَقَطْ. وَيَقُولُ أُورِيبِيدِيسُ إِنَّ أَنْبِيَاءَ زِيُوسَ فِي كْرِيتَ امْتَنَعُوا عَنِ اللَّحْمِ وَكُلِّ طَعَامٍ مَطْبُوخٍ. وَكَانَ سُقْرَاطُ يَحُثُّ المُتَحَمِّسِينَ لِلفَضِيلَةِ عَلَى تَنْمِيَةِ الزُّهْدِ وَنَبْذِ المَلَذَّاتِ كَأَنَّهَا حُورِيَّاتُ البَحْرِ (السِّيرِينَاتُ)؛ وَلِذَلِكَ حِينَ سُئِلَ بِمَاذَا يَخْتَلِفُ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ، قَالَ: «غَيْرِي يَعِيشُونَ لِيَأْكُلُوا؛ أَمَّا أَنَا فَآكُلُ لِأَعِيشَ.» وَإِيسَايُوسُ الأَشُّورِيُّ، كَمَا يَشْهَدُ فِيلُوسْتْرَاتُوسُ، حِينَ سُئِلَ عَنْ أَلَذِّ المَوَائِدِ، أَجَابَ: «كَفَفْتُ عَنِ الاهْتِمَامِ بِمِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ.» وَقَالَ كْسِينُوقْرَاطِسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي مَعْبَدِ إِلِيُوسِينَ سِوَى ثَلاثِ وَصَايَا: الأُولَى، تَعْظِيمُ الآلِهَةِ؛ الثَّانِيَةُ، إِكْرَامُ الوَالِدَيْنِ؛ الثَّالِثَةُ، الامْتِنَاعُ عَنِ اللَّحْمِ. وَيَقُولُ بْلِينْيُوسُ إِنَّ الخَمْرَ شَوْكَرَانٌ لِلإِنْسَانِ؛ وَيَقُولُ سِينِيكَا إِنَّ السُّكْرَ جُنُونٌ اخْتِيَارِيٌّ. وَأَبِيقُورُ، مَعَ أَنَّهُ رَاعِي اللَّذَّةِ، يُؤَكِّدُ أَنَّ لِلعَيْشِ بِلَذَّةٍ وَمُتْعَةٍ يُسَاهِمُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ النِّظَامُ الغِذَائِيُّ المُقْتَصِدُ. وَيَشْهَدُ فِي رَسَائِلِهِ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَادًا عَلَى أَكْلِ المَاءِ وَالخُبْزِ فَقَطْ. وَعَنْ زُهْدِ فِيثَاغُورَسَ وَأَنْتِيسْثِينِسَ وَدِيُوجِينِسَ وَأَبُولُّونْيُوسَ التَّيَانِيِّ، لَدَى لاإِرْتْيُوسَ وَبْلُوتَارْخُسَ وَفِيلُوسْتْرَاتُوسَ رِوَايَاتٌ عَجِيبَةٌ. اُنْظُرِ المَزِيدَ عِنْدَ القِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ، الكِتَابُ الثَّانِي ضِدَّ يُوفِينِيَانُوسَ، وَبْلُوتَارْخُسَ فِي خُطْبَتَيْهِ عَنِ اسْتِعْمَالِ اللَّحْمِ.
وَانْكَشَفَ فِي خَيْمَتِهِ — كَمَا يَعْتَادُ النَّائِمُونَ وَالسُّكَارَى أَنْ يَطْرَحُوا أَغْطِيَتَهُمْ بِسَبَبِ الحَرَارَةِ وَيَنْكَشِفُوا. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ.
الْآيَةُ ٢٢: فَلَمَّا أَبْصَرَ حَامُ أَبُو كَنْعَانَ
يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ وَثِيُودُورِيطُسُ أَنَّ كَنْعَانَ ذُكِرَ هُنَا لِأَنَّ كَنْعَانَ الصَّبِيَّ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَكْرِ (إِذْ كَانَ رُبَّمَا فِي نَحْوِ الْعَاشِرَةِ مِنْ عُمْرِهِ)، هُوَ الَّذِي رَأَى أَوَّلًا جَدَّهُ نُوحًا مَكْشُوفًا، فَسَخِرَ مِنْهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَبَاهُ حَامًا بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَرْدَعْ حَامٌ وَقَاحَةَ الصَّبِيِّ بَلْ اسْتَحْسَنَهَا، وَعَرَضَ أَبَاهُ لِلسُّخْرِيَةِ أَمَامَ أَخَوَيْهِ.
وَيُلَاحِظُ هُنَا الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ وَأَمْبْرُوسِيُوسُ طَبِيعَةَ الْأَشْرَارِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِنَشْرِ زَلَّاتِ الصَّالِحِينَ. وَيُضِيفُ بِيرُوسُسُ الْأَنِّيَانِيُّ (وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ) أَنَّ حَامًا كَانَ سَاحِرًا، وَأَنَّهُ لِذَلِكَ سُمِّيَ زُورُوأَسْتَرَ (وَيَقُولُ كَاسِيَانُسُ الشَّيْءَ ذَاتَهُ، الْمُحَادَثَاتُ ٨، ٢١)، لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُغْضِ الَّذِي حَمَلَهُ لِأَبِيهِ التَّقِيِّ سَخِرَ مِنْهُ، وَجَعَلَهُ بِسِحْرِهِ عَقِيمًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَأَنَّهُ عَلَّمَ النَّاسَ مُعَاشَرَةَ أُمَّهَاتِهِمْ، وَالذُّكُورِ، وَالْبَهَائِمِ، وَلِذَلِكَ طَرَدَهُ أَبُوهُ نُوحٌ وَنَفَاهُ.
الْآيَةُ ٢٣: فَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا
«لِئَلَّا تَنْتَقِصَ هَيْبَةُ الْأُبُوَّةِ حَتَّى بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ،» يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، كِتَابُ عَنْ نُوحٍ، الْفَصْلُ ٣١. وَيُضِيفُ نَقْلًا عَنْ شِيشِرُونَ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ فِي الْوَاجِبَاتِ: «وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُقَالُ إِنَّ عَادَةً قَدِيمَةً كَانَتْ فِي رُومَا أَلَّا يَدْخُلَ الْأَبْنَاءُ الْحَمَّامَاتِ مَعَ آبَائِهِمْ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ.» وَهَكَذَا يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، الْكِتَابُ ٢٥ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلُ ٢٢، أَنَّهُ يَنْبَغِي مَجَازِيًّا سَتْرُ خَطَايَا الْآبَاءِ الرُّوحِيِّينَ وَرِجَالِ الْكَنِيسَةِ؛ وَعَلَّمَ ذَلِكَ قُسْطَنْطِينُ الْكَبِيرُ بِمِثَالِهِ فِي مَجْمَعِ نِيقِيَةَ، حِينَ أَحْرَقَ أَوْرَاقَ الِاتِّهَامَاتِ الْمُقَدَّمَةِ ضِدَّ بَعْضِ الْأَسَاقِفَةِ، مُرَدِّدًا: «لَوْ رَأَى زِنَا أُسْقُفٍ لَسَتَرَ تِلْكَ الْجَرِيمَةَ بِعَبَاءَتِهِ الْعَسْكَرِيَّةِ، لِئَلَّا يَضُرَّ مَنْظَرُ الْفَاحِشَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَنْ يَرَاهَا» — كَمَا يَرْوِي ثِيُودُورِيطُسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّارِيخِ.
وَبِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ ١٦ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلَانِ ٢ وَ٧: حَامٌ يُمَثِّلُ الْيَهُودَ وَالْهَرَاطِقَةَ: هَؤُلَاءِ يَسْخَرُونَ مِنْ نُوحٍ، أَيْ مِنَ الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحِيِّينَ.
الْآيَةُ ٢٤: فَلَمَّا عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الْأَصْغَرُ
مِنَ الْخَمْرِ — أَيْ مِنَ النَّوْمِ الَّذِي أَلْقَتْهُ فِيهِ قُوَّةُ الْخَمْرِ.
فَلَمَّا عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الْأَصْغَرُ. — فَإِنَّ نُوحًا لَمَّا اسْتَيْقَظَ رَأَى أَنَّهُ مُغَطًّى بِعَبَاءَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بَلْ لِغَيْرِهِ، أَيْ لِابْنَيْهِ سَامٍ وَيَافِثَ؛ فَسَأَلَهُمَا عَنِ السَّبَبِ؛ وَهُمَا، إِذْ لَمْ يَجْرُؤَا عَلَى الْكَذِبِ عَلَى أَبِيهِمَا الَّذِي يَسْتَقْصِي كُلَّ تَفْصِيلٍ، كَشَفَا لَهُ الْأَمْرَ كُلَّهُ وَجَرِيمَةَ حَامٍ، الَّتِي لَوْلَا ذَلِكَ لَكَتَمَاهَا فِي صَمْتٍ.
ابْنُهُ الْأَصْغَرُ — أَيْ كَنْعَانُ، يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ، الَّذِي كَانَ «ابْنًا» أَيْ حَفِيدًا لِنُوحٍ؛ وَلِذَلِكَ يَلْعَنُهُ نُوحٌ فَوْرًا. لَكِنَّ سَائِرَ الْمُفَسِّرِينَ يَفْهَمُونَ أَنَّ هَذَا الِابْنَ هُوَ حَامٌ: فَإِنَّ جَرِيمَتَهُ وَكُفْرَهُ هُمَا الْمُعَاقَبَانِ هُنَا. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَيْضًا عَدَمَ عِفَّتِهِ، إِذْ فِي زَمَنِ الطُّوفَانِ فِي الْفُلْكِ اسْتَعْمَلَ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ وَأَنْجَبَ كَنْعَانَ؛ وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْآيَةِ ١٨.
مُلَاحَظَةٌ: كَانَ حَامٌ الِابْنَ الْأَصْغَرَ لِنُوحٍ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ أَصْغَرَ الْجَمِيعِ كَمَا يَرَى بَعْضُهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ سَامٍ: فَقَدْ كَانَ حَامٌ أَكْبَرَ مِنْ يَافِثَ؛ فَحَامٌ إِذَنْ كَانَ الْأَوْسَطَ بَيْنَ أَبْنَاءِ نُوحٍ، وَلِذَلِكَ عِنْدَ الْآيَةِ ١٨ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُوضَعُ فِي الْوَسَطِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ ١٦ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلُ ١، وَأُوخِيرِيُوسُ.
الْآيَةُ ٢٥: مَلْعُونٌ كَنْعَانُ
أَكْمِلْ: «يَكُونُ»، لِأَنَّ نُوحًا لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الْأُمُورَ بِنِيَّةِ اللَّعْنِ أَوِ الدُّعَاءِ بِالشَّرِّ بِقَدْرِ مَا أَنْبَأَ بِرُوحِ النُّبُوَّةِ بِمَا سَيَقَعُ لِذُرِّيَّاتِ أَبْنَائِهِ؛ وَلِذَلِكَ يُوَضِّحُ فَيُضِيفُ: «عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ.»
مُلَاحَظَةٌ: بِكَنْعَانَ هُنَا يَفْهَمُ فَاتَبْلُوسُ حَامًا نَفْسَهُ، أَيِ الْأَبَ الْفَاجِرَ الْمُسَمَّى بِاسْمِ ابْنِهِ الْأَشَدِّ فُجُورًا؛ وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يَرَى جِنَّادِيُوسُ وَدِيُودُورُسُ وَأُورِيجَانِسُ أَنَّ كَنْعَانَ لَمْ يَكُنْ قَدْ وُلِدَ بَعْدُ حِينَ قَالَ نُوحٌ هَذَا. لَكِنَّ الْعَكْسَ هُوَ الْأَصَحُّ، أَيْ أَنَّ كَنْعَانَ نَفْسَهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ هُنَا بِبَسَاطَةٍ؛ وَالسَّبَبُ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ ذَكَرْتُهُ عِنْدَ الْآيَةِ ١٨. وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، كِتَابُ عَنْ نُوحٍ، الْفَصْلُ ٣٠: «يُوَبَّخُ الْأَبُ فِي الِابْنِ، وَالِابْنُ فِي الْأَبِ، إِذْ يَتَشَارَكَانِ فِي الْحَمَاقَةِ وَالنَّذَالَةِ وَالْكُفْرِ شَرَاكَةً وَاحِدَةً. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ ابْنًا سَيِّئًا لِأَبٍ صَالِحٍ، مُنْحَطًّا فِي الطَّبِيعَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، قَدْ أَنْجَبَ ابْنًا صَالِحًا.»
مُلَاحَظَةٌ ثَانِيَةٌ: أَبْنَاءُ حَامٍ الْآخَرُونَ، أَيْ كُوشُ وَمِصْرَايِمُ وَفُوطُ، لَا يَلْعَنُهُمْ نُوحٌ هُنَا، بَلْ كَنْعَانَ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّ الْكَنْعَانِيِّينَ فَقَطْ، وَهُمْ ذُرِّيَّةُ كَنْعَانَ وَكَانُوا فُجَّارًا مِثْلَهُ، هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ أَنَّهُمْ أُبِيدُوا عَلَى يَدِ ذُرِّيَّةِ سَامٍ، أَيِ الْيَهُودِ؛ أَوْ أَنَّهُمْ خَدَمُوهُمْ، كَمَا يَتَّضِحُ فِي الْجِبْعُونِيِّينَ الَّذِينَ مِنْ بَيْنِ الْكَنْعَانِيِّينَ حَصَلُوا عَلَى حَيَاتِهِمْ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ بِالْحِيلَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَخْدِمُوهُمْ كَأَحْقَرِ الْعَبِيدِ؛ فَهَذَا مَا يَعْنِيهِ «عَبْدُ الْعَبِيدِ». هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُسُ.
لَاحِظْ أَنَّ مُوسَى كَتَبَ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بِسَبَبِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانَ الْيَهُودُ سَيَطْرُدُونَهُمْ؛ فَإِنَّهُ يُمَهِّدُ هُنَا الطَّرِيقَ لِرِوَايَتِهِ عَنْ حَمْلَةِ الْعِبْرَانِيِّينَ وَرِحْلَتِهِمْ إِلَى كَنْعَانَ، وَيُعْطِي الْمُنَاسَبَةَ وَالسَّبَبَ الَّذِي بِهِ حَدَثَ، بِمَشِيئَةِ اللهِ، أَنَّ الْيَهُودَ بِأَنْفُسِهِمْ وَعَلَى يَدِ يَشُوعَ احْتَلُّوا كَنْعَانَ، أَلَا وَهُوَ فُجُورُ حَامٍ وَكَنْعَانَ الَّذِي قَلَّدَهُ الْكَنْعَانِيُّونَ، وَلِذَلِكَ طُرِدُوا مِنْ كَنْعَانَ.
وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ ثَالِثًا أَنَّ حَامًا وَكَنْعَانَ يُعَاقَبَانِ هُنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، أَيِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا مُقَلِّدِينَ وَوَرَثَةً لِفُجُورِ أَبِيهِمْ. اُنْظُرْ هُنَا كَمْ هُمْ تُعَسَاءُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ آبَاءٌ وَمُعَلِّمُونَ فُجَّارٌ! وَبِحَقٍّ شَكَرَ أَفْلَاطُونُ الطَّبِيعَةَ أَوِ اللهَ: أَوَّلًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ إِنْسَانًا؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ ذَكَرًا؛ ثَالِثًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ يُونَانِيًّا؛ رَابِعًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ أَثِينِيًّا؛ خَامِسًا، لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي زَمَنِ سُقْرَاطَ الَّذِي أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ.
أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: «قَبْلَ اخْتِرَاعِ الْخَمْرِ، بَقِيَتْ لِلْجَمِيعِ حُرِّيَّةٌ رَاسِخَةٌ لَا تَتَزَعْزَعُ؛ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ كَيْفَ يَطْلُبُ خِدْمَةَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ شَرِيكٍ فِي طَبِيعَتِهِ: لَمَا كَانَتِ الْعُبُودِيَّةُ مَوْجُودَةً الْيَوْمَ لَوْ لَمْ يَكُنِ السُّكْرُ مَوْجُودًا.»
«عَبْدُ الْعَبِيدِ» — أَيِ الْعَبْدُ الْأَدْنَى وَالْأَحْقَرُ. لَاحِظْ أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ هِيَ عُقُوبَةُ الْخَطِيئَةِ؛ وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْعَبِيدَ صُنِعُوا وَسُمُّوا مِنْ «سِرْفَارِي» (أَيِ الْحِفْظُ)، لِأَنَّهُمْ حِينَ أُسِرُوا فِي الْحَرْبِ، وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ قَتْلُهُمْ بِاعْتِبَارِهِمْ أَعْدَاءً وَمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُمْ بِنَوْعٍ مِنَ التَّسَاهُلِ حُفِظُوا أَحْيَاءً كَـ«سِرْفِي» أَيْ لِلْخِدْمَةِ. وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ رَفَضَ أَنْ يَكُونَ ابْنًا مُوَقِّرًا يُعَاقَبُ بِأَنْ يَصِيرَ عَبْدًا؛ إِذْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُضْغَطَ تَحْتَ نِيرِ الْعُبُودِيَّةِ مَنْ لَمْ يَسْتَحِ مِنْ أَنْ يَنْتَهِكَ الْخُضُوعَ الْبَنَوِيَّ الْعَذْبَ الطَّبِيعِيَّ، أَوِ الْعُبُودِيَّةَ.
يَسْخَرُ كَالْفِينُسُ هُنَا مِنَ الْبَابَا، بِدَعْوَى أَنَّهُ اتَّخَذَ مِنْ هَذِهِ اللَّعْنَةِ عَلَى حَامٍ لَقَبَ «عَبْدِ الْعَبِيدِ». لَكِنَّهُ يُخْطِئُ؛ فَإِنَّ الْبَابَا لَا يُسَمِّي نَفْسَهُ بِبَسَاطَةٍ «عَبْدَ الْعَبِيدِ»، بَلْ كَمَا يُلَاحِظُ رُوبِرْتُسُ بِحَقٍّ، مَعَ الْإِضَافَةِ: «عَبْدُ عَبِيدِ اللهِ»؛ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ خُضُوعٍ تَقَوِيٍّ لِلرُّوحِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَّخِذِ الْحَبْرُ الْأَعْظَمُ هَذَا الِاسْمَ مِنْ حَامٍ الْفَاجِرِ.
الْآيَةُ ٢٦: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ سَامَ
هَذِهِ مَجَازٌ عِبْرَانِيٌّ؛ فَمِنَ اللَّاحِقِ يُفْهَمُ السَّابِقُ، أَيْ مِنْ مُبَارَكَةِ اللهِ تُفْهَمُ بَرَكَةُ سَامٍ نَفْسِهَا؛ فَبِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، كَمَا يَلْعَنُ نُوحٌ حَامًا، كَذَلِكَ يُبَارِكُ لَا اللهَ فَحَسْبُ بَلْ سَامًا وَيَافِثَ أَيْضًا. فَالْمَعْنَى إِذَنْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِيُكَدِّسِ اللهُ عَلَى سَامٍ وَذُرِّيَّتِهِ بَرَكَةً عَظِيمَةً وَوَفْرَةً، مِنَ الْمَحَاصِيلِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّقْوَى وَالدِّينِ وَالنِّعْمَةِ وَعِبَادَةِ اللهِ، حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَنْ يَرَاهُمْ يُبَارِكُ اللهَ الْكَرِيمَ مَعَ سَامٍ وَذَوِيهِ وَيَقُولُ: مُبَارَكٌ اللهُ الَّذِي هُوَ دَائِمًا إِلَهُ سَامٍ وَرَبُّهُ وَأَبُوهُ وَعَائِلُهُ وَذُرِّيَّتِهِ، وَالَّذِي يُظْهِرُ دَائِمًا بِنِعَمِهِ أَنَّهُ إِلَهُ سَامٍ وَحَارِسُهُ وَرَاعِيهِ. هَكَذَا يَقُولُ لِيبُومَانُسُ وَكَايِتَانُسُ وَغَيْرُهُمْ. وَقَدْ تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْبَرَكَةُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ انْحَدَرُوا مِنْ سَامٍ. تَعَلَّمْ هُنَا مَعَ نُوحٍ أَنْ تَنْطَلِقَ فِي كُلِّ حَدَثٍ صَالِحٍ وَمُوَاتٍ بِالْحَمْدِ وَالْمُبَارَكَةِ لِلَّهِ.
أَخْلَاقِيًّا، يُلَاحِظُ بِيرِيرِيُوسُ بِحَقٍّ، فِي سِفْرِ يَشُوعَ بْنِ سِيرَاخَ ٣، أَنَّ تِسْعَ خَيْرَاتٍ يَعِدُ بِهَا اللهُ الْأَبْنَاءَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُكَرِّمُونَ آبَاءَهُمْ. الْأُولَى: الْغِنَى الزَّمَنِيُّ وَالرُّوحِيُّ: «كَمَنْ يَكْنِزُ كُنُوزًا هَكَذَا مَنْ يُكَرِّمُ أُمَّهُ.» الثَّانِيَةُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِابْنِ سَيَكُونُ سَعِيدًا فِي أَبْنَائِهِ بِدَوْرِهِ: «مَنْ يُكَرِّمُ أَبَاهُ يَفْرَحُ بِأَبْنَائِهِ.» الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ يَسْتَجِيبُ صَلَوَاتِهِ: «فِي يَوْمِ صَلَاتِهِ يُسْتَجَابُ لَهُ.» الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَكُونُ طَوِيلَ الْعُمْرِ: «مَنْ يُكَرِّمُ أَبَاهُ يَعِيشُ عُمْرًا أَطْوَلَ.» الْخَامِسَةُ: أَنَّ لَهُ أُسْرَةً مُسْتَقِرَّةً وَذُرِّيَّةً ثَابِتَةً: «بَرَكَةُ الْأَبِ تُثَبِّتُ بُيُوتَ الْأَبْنَاءِ.» السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَكُونُ مَجِيدًا: «مِنْ إِكْرَامِ الْأَبِ مَجْدُ الِابْنِ؛» إِمَّا لِأَنَّ الْأَبَ الْمُكَرَّمَ يَجْعَلُ أَبْنَاءَهُ أَمْجَادًا، وَإِمَّا لِأَنَّ الِابْنَ الَّذِي يُكَرِّمُ أَبَاهُ يَكْسِبُ لِنَفْسِهِ مَجْدًا أَمَامَ الْجَمِيعِ. السَّابِعَةُ: أَنَّهُ فِي وَقْتِ الضِّيقِ يُنْقِذُهُ اللهُ مِنْهُ: «لَا تُنْسَى الْإِحْسَانَةُ إِلَى الْأَبِ، وَفِي يَوْمِ الضِّيقِ تَذْكُرُكَ.» الثَّامِنَةُ: أَنَّ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ: «كَالْجَلِيدِ فِي الصَّحْوِ، هَكَذَا تَنْحَلُّ خَطَايَاكَ.» التَّاسِعَةُ: أَنَّهُ يُبَارَكُ مِنَ اللهِ، أَيْ يُغْدَقُ عَلَيْهِ كُلُّ وَفْرَةِ الْخَيْرَاتِ: «أَكْرِمْ أَبَاكَ، يَقُولُ، لِتَأْتِيَكَ بَرَكَةٌ مِنَ اللهِ، وَتَبْقَى بَرَكَتُهُ إِلَى الْأَخِيرِ.»
الْآيَةُ ٢٧: لِيَفْسَحِ اللهُ لِيَافِثَ
فِي الْعِبْرِيَّةِ تَلَاعُبٌ جَمِيلٌ بِاشْتِقَاقِ اسْمِ يَافِثَ، أَيْ «يَفْتْ إِلُوهِيمْ لِيَفِتْ»، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «لِيُوَسِّعِ اللهُ الْمُوَسَّعَ.» وَيُتَرْجِمُهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ «لِيُفَرِّحْ»؛ وَكَايِتَانُسُ وَأُوجُوبِينُسُ «لِيُزَيِّنْ» أَوْ «لِيَجْعَلِ اللهُ يَافِثَ نَفْسَهُ جَمِيلًا.»
مُلَاحَظَةٌ: يَافِثُ (الَّذِي يُسَمِّيهِ الْوَثَنِيُّونَ يَابِتُوسَ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِبْرِيِّ «فَتَا»، أَيْ أَقْنَعَ وَاسْتَمَالَ وَأَغْرَى؛ وَلَكِنْ فِي صِيغَةِ الْهِفْعِيلِ (كَمَا هُوَ هُنَا) يَعْنِي وَسَّعَ، كَمَا يُتَرْجِمُهُ هُنَا السَّبْعُونَ وَالتَّرْجُمَانُ الْكَلْدَانِيُّ وَمُتَرْجِمُنَا وَفَاتَبْلُوسُ وَمِرْسِيرُسُ وَبَانِينُسُ وَغَيْرُهُمْ. فَيَافِثُ إِذَنْ لَا يَعْنِي «جَمِيلًا» بِقَدْرِ مَا يَعْنِي «مُوَسَّعًا.» وَلِذَلِكَ يَتَعَسَّفُ الْيُونَانِيُّونَ بِلَا طَائِلٍ حِينَ يُشْتَقُّونَ الِاسْمَ الْعِبْرِيَّ يَافِثَ مِنَ الْيُونَانِيِّ «إِيَابْتِينْ» أَيِ الْجَرْحُ، أَوْ مِنْ «إِيَاسْثَايْ» أَيِ الشِّفَاءُ، أَوْ مِنْ «إِيسُورُوبِينْ» أَيِ الْإِرْسَالُ وَالطَّيَرَانُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِيُرْسِلِ اللهُ يَافِثَ وَيُطَيِّرْهُ عَبْرَ عَرْضِ الْأَرْضِ. وَالْمَعْنَى إِذَنْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِتَنْتَشِرْ ذُرِّيَّةُ يَافِثَ وَتَكُنْ كَثِيرَةً جِدًّا، فَتَحْتَلَّ أَوْسَعَ الْمَنَاطِقِ وَأَرْحَبَهَا، حَتَّى تَتَمَدَّدَ إِلَى نَصِيبِ ذُرِّيَّةِ سَامٍ وَمَسْكَنِهِمْ. وَأَنَّ هَذَا قَدْ وَقَعَ فِعْلًا وَاضِحٌ مِنَ الْفَصْلِ التَّالِي، وَمِنَ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُسَ هُنَا فِي الْمَسَائِلِ الْعِبْرِيَّةِ، وَمِنْ يُوسِيفُوسَ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مِنَ الْآثَارِ ٦. وَمِنْ هَؤُلَاءِ ثَبَتَ أَنَّ ذُرِّيَّةَ يَافِثَ احْتَلُّوا أُورُوبَّا وَالْجُزْءَ الشَّمَالِيَّ مِنْ آسِيَا الْمُتَّجِهَ غَرْبًا، مِنْ جَبَلَيْ طَوْرُسَ وَأَمَانُسَ إِلَى نَهْرِ التَّنَائِيسِ؛ أَمَّا ذُرِّيَّةُ حَامٍ فَاحْتَلُّوا الْجُزْءَ الْجَنُوبِيَّ مِنْ آسِيَا، مِنْ أَمَانُسَ وَطَوْرُسَ، أَيْ مِصْرَ وَجُزْءًا مِنْ سُورِيَا، وَكُلَّ أَفْرِيقِيَا؛ وَأَمَّا ذُرِّيَّةُ سَامٍ فَاحْتَلُّوا الْجُزْءَ الشَّرْقِيَّ مِنْ آسِيَا، مِنَ الْفُرَاتِ إِلَى الْمُحِيطِ الْهِنْدِيِّ. اُنْظُرْ أَرِيَّاسَ مُونْتَانُسَ فِي مُلْحَقِهِ، فِي كِتَابِ فَالِجْ، أَوْ عَنْ أُصُولِ الْأُمَمِ الْأُولَى.
وَبِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ، وَبِشَكْلٍ خَاصٍّ جِدًّا، يُتَنَبَّأُ هُنَا بِكَنِيسَةِ الْأُمَمِ الَّتِي سَتَتَّسِعُ وَتَتَّحِدُ مَعَ الْيَهُودِ فِي الْمَسِيحِ وَالْمَسِيحِيَّةِ؛ فَمِنْ يَافِثَ انْحَدَرَتِ الْأُمَمُ؛ وَمِنْ سَامٍ انْحَدَرَ الْيَهُودُ وَالْمَسِيحُ، الَّذِينَ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ حَازَ هَيْكَلَ اللهِ وَعِبَادَتَهُ وَكَنِيسَتَهُ، ثُمَّ أَدْخَلَ الْمَسِيحُ فِيهَا الْأُمَمَ، جَاعِلًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَنِيسَةً وَاحِدَةً، وَنَقَلَ اتِّسَاعَهَا وَرِئَاسَتَهَا مِنْ سَامٍ، أَيْ مِنْ أُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِ، إِلَى يَافِثَ، أَيْ إِلَى رُومَا وَالْأُمَمِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْمَوْعِظَةُ ٢٩، وَرُوبِرْتُسُ، الْكِتَابُ ٤، الْفَصْلُ ٣٩؛ وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَنْ تُتَرْجِمَ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ مُلَائِمٍ: «لِيَسْتَمِلِ اللهُ يَافِثَ (أَيِ الْأُمَمَ الْمُنْحَدِرَةَ مِنْ يَافِثَ) أَوْ لِيُقْنِعْهُ أَنْ يَسْكُنَ فِي خِيَامِ سَامٍ، أَيْ فِي كَنِيسَةِ الْمَسِيحِ الْمُنْحَدِرِ مِنَ الْيَهُودِ وَسَامٍ.» فَهُنَا إِذَنْ نُبُوَّةٌ وَاضِحَةٌ بِدَعْوَةِ الْأُمَمِ إِلَى الْمَسِيحِ. فَإِنَّ الْعِبْرِيَّ «فَتَا» يَعْنِي بِالْأَصْلِ: اسْتَمَالَ وَتَوَدَّدَ وَأَقْنَعَ.
وَلْيَسْكُنْ فِي خِيَامِ سَامٍ. — يُكَرِّرُ بَعْضُهُمْ، مِثْلُ ثِيُودُورِيطُسَ وَلِيرَانُسَ وَالْأَبُولِنْسِيسِ، هُنَا الِاسْمَ لَا يَافِثَ بَلِ اللهَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لِيَسْكُنِ اللهُ فِي خِيَامِ سَامٍ؛ وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ: فَبَيْنَ السَّامِيِّينَ، أَيِ الْيَهُودِ، سَكَنَ اللهُ فِي الْمَسْكَنِ وَالْهَيْكَلِ. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، مِنَ السَّامِيِّينَ وُلِدَ الْمَسِيحُ الْإِلَهُ: فَمِنْهُمْ صَارَ الْكَلِمَةُ جَسَدًا وَسَكَنَ بَيْنَنَا. وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُ التَّرْجُمَانُ الْكَلْدَانِيُّ: «وَلْتَسْكُنِ الْأُلُوهِيَّةُ فِي خِيَامِ سَامٍ.» فَإِنَّ الْكَلْدَانِيَّ «شِكِينَا» يَعْنِي «الرَّاحَةَ»، وَبِهَذَا الِاسْمِ يُشِيرُ الْعِبْرَانِيُّونَ إِلَى حُضُورِ الْأُلُوهِيَّةِ السَّاكِنَةِ وَالْمُسْتَقِرَّةِ فِي الْمَسْكَنِ، فَوْقَ تَابُوتِ الْعَهْدِ عِنْدَ الْغِطَاءِ. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُسَمَّى الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْقِدِّيسِينَ، «شِكِينَا»، كَمَا يَقُولُ إِيلِيَّا لِيفِيتَا. وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ تُتَرْجِمَ مِنَ الْكَلْدَانِيَّةِ: «وَلْيَسْتَقِرَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ، أَوِ الْقَدَاسَةُ ذَاتُهَا، فِي خَيْمَةِ سَامٍ.»
ثَانِيًا، وَبِشَكْلٍ أَدَقَّ وَأَصَحَّ، يَنْبَغِي أَنْ تُرْجِعَ «وَلْيَسْكُنْ» إِلَى يَافِثَ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ بَارَكَ سَامًا قَبْلَ ذَلِكَ: فَهُوَ هُنَا إِذَنْ لَا يُبَارِكُ سَامًا بَلْ يَافِثَ. أَمَّا «خِيَامُ سَامٍ» فَيَفْهَمُهَا دِلْرِيُو وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ حَرْفِيًّا عَلَى أَنَّهَا الْكَنِيسَةُ. لَكِنْ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَتَعَلَّقُ حَرْفِيًّا بِاتِّسَاعِ ذُرِّيَّةِ يَافِثَ وَانْتِشَارِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَأْخُذَ «الْخِيَامَ» هُنَا بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ الْحَقِيقِيِّ، وَتَفْهَمَ مِنْ خِلَالِهَا الْكَنِيسَةَ بِالْمَعْنَى الرَّمْزِيِّ (الَّذِي يَغْلِبُ هُنَا عَلَى الْحَرْفِيِّ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَقْصُودِيَّةً لِلرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الْحَرْفِيِّ)، بِالْمَعْنَى الَّذِي أَوْرَدْتُهُ فِي الْفَقْرَةِ السَّابِقَةِ.
الْآيَةُ ٢٨: وَعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً
فَبِمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي الْفَصْلِ التَّالِي، وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ، يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وُلِدَ وَنُوحٌ لَا يَزَالُ حَيًّا، وَعَاشَ مَعَهُ ٥٨ سَنَةً. فَرَأَى نُوحٌ إِذَنْ بُرْجَ بَابِلَ، وَرَأَى جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ تَقْرِيبًا يُفْسِدُونَ طُرُقَهُمْ وَيَنْزَلِقُونَ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ: مَعَ أَنَّ نُوحًا نَفْسَهُ، كَمَا يَشْهَدُ أَبِيفَانِيُوسُ، كَانَ قَدِ اسْتَحْلَفَ أَبْنَاءَهُ عَلَى حِفْظِ عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْحَقِّ الصَّحِيحَةِ وَالْوِفَاقِ الْمُتَبَادَلِ. فَرَأَى نُوحٌ الْعَالَمَ مَلِيئًا بِالنَّاسِ، وَهُمْ فُجَّارٌ: رَأَى وَتَنَهَّدَ.
فَيَجِبُ أَنْ يُلَاحَظَ هُنَا أَنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الثَّلَاثِمِائَةِ بَعْدَ الطُّوفَانِ حَدَثَ تَكَاثُرٌ عَجِيبٌ لِلْبَشَرِيَّةِ. يَرْوِي فِيلُونُ فِي كِتَابِ الْآثَارِ الْكِتَابِيَّةِ أَنَّ نُوحًا، قُبَيْلَ وَفَاتِهِ، أَحْصَى كُلَّ ذُرِّيَّتِهِ الْمُتَنَاسِلَةِ مِنْهُ فِي فَتْرَةِ ٣٥٠ سَنَةً عَاشَهَا بَعْدَ الطُّوفَانِ، فَوَجَدَ أَنَّ الْأَبْنَاءَ وَالْأَحْفَادَ الْمُنْحَدِرِينَ مِنْهُ عَبْرَ يَافِثَ بَلَغُوا مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ، عَدَا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ. وَمِنْ حَامٍ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَتِسْعَمِائَةٍ. وَمِنْ سَامٍ يُحْصِي عَدَدًا أَقَلَّ؛ لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ بَعْضَ أَرْقَامِ ذُرِّيَّةِ سَامٍ مَفْقُودَةٌ مِنْ مَخْطُوطَتِهِ. فَإِذَا حُسِبَ الْجَمِيعُ، فَقَدْ رَأَى بِسُهُولَةٍ أَنَّ الْبَشَرَ الْمُنْحَدِرِينَ مِنْهُ بَلَغُوا تِسْعَمِائَةِ أَلْفٍ وَأَكْثَرَ. يَا لَهُ مِنْ جَيْشٍ هَائِلٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ! يَا لَهُ مِنْ بَطْرِيَرْكٍ عَظِيمٍ نُوحٌ! لَكِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّتِهِ، إِذْ إِنَّ أُوسَابِيُوسَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنَ التَّارِيخِ، الْفَصْلُ ١٨، وَالْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُسَ فِي كِتَابِ الرِّجَالِ الْمَشْهُورِينَ، وَبِلَّارْمِينُسَ فِي كِتَابِ الْكُتَّابِ الْكَنَسِيِّينَ، حِينَ يُعَدِّدُونَ مُؤَلَّفَاتِ فِيلُونَ لَا يَذْكُرُونَ هَذَا الْكِتَابَ؛ وَلِأَنَّ أُسْلُوبَ الْكِتَابِ يَخْتَلِفُ عَنْ أُسْلُوبِ فِيلُونَ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ يَعِجُّ بِرِوَايَاتٍ أَبُوكْرِيفِيَّةٍ كَثِيرَةٍ. هَكَذَا يَقُولُ سِكْسْتُوسُ السِّيِينِيُّ فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ مِنَ الْمَكْتَبَةِ تَحْتَ فِيلُونَ، وَمِنْ بَعْدِهِ بُوسِيفِينُسُ. غَيْرَ أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ مِنْهُ مَعْقُولٌ، بَلْ يَبْدُو أَقَلَّ مِنَ الْوَاقِعِ؛ فَإِنَّ نِينُوسَ، مُؤَسِّسَ الْمَلَكِيَّةِ الْأَشُّورِيَّةِ (الَّذِي فِي السَّنَةِ ٤٣ مِنْ حُكْمِهِ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ كَمَا يَقُولُ أُوسَابِيُوسُ)، كَانَ عِنْدَهُ فِي جَيْشِهِ، كَمَا يَرْوِي دِيُودُورُسُ نَقْلًا عَنْ كِتْسِيَاسَ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، مِلْيُونٌ وَسَبْعُمِائَةِ أَلْفِ رَاجِلٍ وَمِائَتَا أَلْفِ فَارِسٍ؛ فَضْلًا عَنْ عَشَرَةِ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ مَرْكَبَةٍ مَجَنَّحَةٍ. وَمِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ جَمَعَ زُورُوأَسْتَرُ مَلِكُ الْبَاكْتِرِيِّينَ ضِدَّ نِينُوسَ جَيْشًا مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. فَهَا فِي كِلَا الْجَيْشَيْنِ مَعًا كَانَ آنَذَاكَ مِلْيُونَانِ وَثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَكَانَ يُمْكِنُ لِنُوحٍ أَبِي الْجَمِيعِ أَنْ يَرَاهُمْ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا آنَذَاكَ. وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ: فَفِي تِلْكَ الْأَزْمَانِ كَانَ لِلرِّجَالِ زَوْجَاتٌ كَثِيرَاتٌ، وَكَانُوا يَتَفَرَّغُونَ بِالْكَامِلِ لِلْإِنْجَابِ.
وَلَاحِظْ أَيْضًا هُنَا أَنَّ الْإِيمَانَ وَعِبَادَةَ اللهِ، مُنْذُ بِدَايَةِ الْعَالَمِ طَوَالَ ٢١٠٨ سَنَوَاتٍ، أَمْكَنَ أَنْ يُنْقَلَا وَيُسَلَّمَا عَبْرَ أَيْدِي ثَلَاثَةِ رِجَالٍ فَقَطْ، أَيْ آدَمَ وَمَتُوشَالَحَ وَسَامٍ؛ فَإِنَّ آدَمَ رَأَى مَتُوشَالَحَ، وَمَتُوشَالَحُ رَأَى سَامًا، وَسَامٌ رَأَى يَعْقُوبَ الَّذِي وُلِدَ فِي سَنَةِ الْعَالَمِ ٢١٠٨، وَهِيَ السَّنَةُ ٤٥٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ. فَإِنَّ سَامًا عَاشَ ٥٠٠ سَنَةٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنَ الْفَصْلِ ١١، الْآيَةِ ١١؛ فَكَانَ بِإِمْكَانِ سَامٍ إِذَنْ أَنْ يَرَى يَعْقُوبَ. وَأَخِيرًا يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ نُوحًا مَعَ سَامٍ عَادَا مِنْ أَرْمِينِيَا إِلَى وَطَنِهِمَا الْقَدِيمِ، أَيْ إِلَى أَمَاكِنَ قَرِيبَةٍ مِنْ دِمَشْقَ؛ وَهُنَاكَ أَسَّسَا مَمْلَكَةَ شَالِيمَ وَكَهَنُوتَهَا، وَسَلَّمَاهَا لِابْنِهِ سَامٍ الَّذِي سُمِّيَ بِاسْمٍ آخَرَ مَلْكِيصَادِقَ. لَكِنْ فِي الْفَصْلِ ١٤ سَأُبَيِّنُ أَنَّ سَامًا لَمْ يَكُنْ مَلْكِيصَادِقَ.
وَيُضِيفُ بِيرُوسُسُ الْأَنِّيَانِيُّ، الْكِتَابُ الثَّالِثُ، أَنَّ نُوحًا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتِ الْفُلْكُ عَلَى جِبَالِ أَرْمِينِيَا سَكَنَ هُنَاكَ، وَعَلَّمَ الْأَرْمَنَ الزِّرَاعَةَ وَعِلْمَ الْفَلَكِ وَالطُّقُوسَ الْمُقَدَّسَةَ وَشَعَائِرَ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَخِيرًا كَثِيرًا مِنْ أَسْرَارِ الطَّبِيعَةِ؛ ثُمَّ رَحَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى إِيطَالِيَا، وَعَلَّمَ النَّاسَ هُنَاكَ التَّقْوَى وَالْفِيزِيَاءَ وَاللَّاهُوتَ (وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْإِيطَالِيُّونَ «أَبَا الْآلِهَةِ» وَ«رُوحَ الْعَالَمِ»)، وَأَخِيرًا مَاتَ هُنَاكَ. لَكِنَّ بِيرُوسُسَ هَذَا الْأَنِّيَانِيَّ مُتَّهَمٌ بِأَنَّهُ مَنْحُولٌ.
رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، كِتَابُ عَنْ نُوحٍ، الْفَصْلُ ٣٢: «فِي سَنَوَاتِ نُوحٍ الثَّلَاثِمِائَةِ، يَقُولُ، مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ صَلِيبَ الْمَسِيحِ مَرْمُوزٌ إِلَيْهِ (فَإِنَّ حَرْفَ طَاوْ عِنْدَ الْيُونَانِ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ شَكْلُ الصَّلِيبِ)، وَبِرَمْزِهِ خُلِّصَ الصِّدِّيقُ مِنَ الطُّوفَانِ. وَفِي الْخَمْسِينَ، عَدَدُ الْيُوبِيلِ هُوَ عَدَدُ الْمَغْفِرَةِ، الَّذِي بِهِ أُرْسِلَ الرُّوحُ الْقُدُسُ مِنَ السَّمَاءِ سَاكِبًا النِّعْمَةَ عَلَى الْخُطَاةِ مِنَ الْبَشَرِ. فَلَمَّا اكْتَمَلَ الْعَدَدُ الْكَامِلُ لِلْمَغْفِرَةِ وَالنِّعْمَةِ، أَتَمَّ الصِّدِّيقُ مَسِيرَةَ هَذِهِ الْحَيَاةِ.»