كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
فِهْرِسُ أَبْنَاءِ يَافِثَ وَنَسْلِهِ عِنْدَ الْآيَةِ ٢، وَأَبْنَاءِ حَامٍ عِنْدَ الْآيَةِ ٦، وَأَبْنَاءِ سَامٍ عِنْدَ الْآيَةِ ٢١، وَتَوْزِيعِهِمْ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ. فَمِنْ هَؤُلَاءِ النَّسْلِ نَشَأَتْ أَشْهَرُ الْأُمَمِ وَتَسَمَّتْ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٠: ١-٣٢
١. هَذِهِ مَوَالِيدُ بَنِي نُوحٍ: سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ. وَوُلِدَ لَهُمْ بَنُونَ بَعْدَ الطُّوفَانِ. ٢. بَنُو يَافِثَ: جُومَرُ وَمَاجُوجُ وَمَادَايُ وَيَاوَانُ وَتُوبَالُ وَمَاشَكُ وَتِيرَاسُ. ٣. وَبَنُو جُومَرَ: أَشْكَنَازُ وَرِيفَاثُ وَتُوغَرْمَةُ. ٤. وَبَنُو يَاوَانَ: أَلِيشَا وَتَرْشِيشُ وَكِتِّيمُ وَدُودَانِيمُ. ٥. مِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتْ جَزَائِرُ الْأُمَمِ فِي أَرَاضِيهِمْ، كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ لِسَانِهِ وَعَشَائِرِهِمْ فِي أُمَمِهِمْ. ٦. وَبَنُو حَامٍ: كُوشُ وَمِصْرَايِمُ وَفُوطُ وَكَنْعَانُ. ٧. وَبَنُو كُوشٍ: سَبَأُ وَحَوِيلَةُ وَسَبْتَةُ وَرَعْمَةُ وَسَبْتَكَا. وَبَنُو رَعْمَةَ: شَبَا وَدَدَانُ. ٨. وَوَلَدَ كُوشٌ أَيْضًا نِمْرُودَ: ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ، ٩. وَكَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ. مِنْ هُنَا خَرَجَ الْمَثَلُ: «كَنِمْرُودَ جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ.» ١٠. وَكَانَ بِدَايَةُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ وَأَرَكَ وَأَكَّدَ وَكَلْنَةَ، فِي أَرْضِ شِنْعَارَ. ١١. مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ وَبَنَى نِينَوَى وَشَوَارِعَ الْمَدِينَةِ وَكَالَحَ. ١٢. وَكَذَلِكَ رَسَنَ بَيْنَ نِينَوَى وَكَالَحَ: هَذِهِ هِيَ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ. ١٣. وَمِصْرَايِمُ وَلَدَ لُودِيمَ وَعَنَامِيمَ وَلَهَابِيمَ وَنَفْتُوحِيمَ، ١٤. وَفَتْرُوسِيمَ وَكَسْلُوحِيمَ: الَّذِينَ خَرَجَ مِنْهُمُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وَالْكَفْتُورِيُّونَ. ١٥. وَكَنْعَانُ وَلَدَ صِيدُونَ بِكْرَهُ وَحِثَّ، ١٦. وَالْيَبُوسِيَّ وَالْأَمُورِيَّ وَالْجِرْجَاشِيَّ، ١٧. وَالْحِوِّيَّ وَالْعَرْقِيَّ وَالسِّينِيَّ، ١٨. وَالْأَرْوَادِيَّ وَالصَّمَارِيَّ وَالْحَمَاتِيَّ: وَبَعْدَ ذَلِكَ تَشَتَّتَتْ شُعُوبُ الْكَنْعَانِيِّينَ. ١٩. وَكَانَتْ حُدُودُ كَنْعَانَ مِنْ صِيدُونَ حِينَ تَجِيءُ إِلَى جَرَارَ إِلَى غَزَّةَ؛ حِينَ تَذْهَبُ إِلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ إِلَى لَاشَعَ. ٢٠. هَؤُلَاءِ بَنُو حَامٍ بِحَسَبِ عَشَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَأَجْيَالِهِمْ وَأَرَاضِيهِمْ وَأُمَمِهِمْ. ٢١. وَوُلِدَ أَيْضًا لِسَامٍ أَبِي جَمِيعِ بَنِي عَابِرَ أَخِي يَافِثَ الْأَكْبَرِ. ٢٢. بَنُو سَامٍ: عِيلَامُ وَأَشُّورُ وَأَرْفَكْشَادُ وَلُودُ وَأَرَامُ. ٢٣. وَبَنُو أَرَامَ: عُوصُ وَحُولُ وَجَاثِرُ وَمَاشُ. ٢٤. وَأَرْفَكْشَادُ وَلَدَ شَالَحَ، وَمِنْ شَالَحَ وُلِدَ عَابِرُ. ٢٥. وَوُلِدَ لِعَابِرَ ابْنَانِ: اسْمُ الْوَاحِدِ فَالَجُ لِأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الْأَرْضُ، وَاسْمُ أَخِيهِ يَقْطَانُ. ٢٦. وَيَقْطَانُ وَلَدَ أَلْمُودَادَ وَشَالَفَ وَحَضَرْمَوْتَ وَيَارِحَ، ٢٧. وَهَدُورَامَ وَأُوزَالَ وَدِقْلَةَ، ٢٨. وَعُوبَالَ وَأَبِيمَائِيلَ وَشَبَا، ٢٩. وَأُوفِيرَ وَحَوِيلَةَ وَيُوبَابَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ بَنُو يَقْطَانَ. ٣٠. وَكَانَ مَسْكَنُهُمْ مِنْ مِيشَا حِينَ تَذْهَبُ نَحْوَ سَفَارَ جَبَلِ الْمَشْرِقِ. ٣١. هَؤُلَاءِ بَنُو سَامٍ بِحَسَبِ عَشَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَأَقَالِيمِهِمْ فِي أُمَمِهِمْ. ٣٢. هَذِهِ عَشَائِرُ نُوحٍ بِحَسَبِ شُعُوبِهِمْ وَأُمَمِهِمْ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتِ الْأُمَمُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ.
الْآيَةُ ٢: أَبْنَاءُ يَافِثَ
يُقَدِّمُ يَافِثَ عَلَى سَامٍ، مَعَ أَنَّ يَافِثَ كَانَ الْأَصْغَرَ، لِأَنَّهُ يُنْجِزُ سِلْسِلَةَ نَسَبِهِ بِإِيجَازٍ، كَيْ يُعَالِجَ بِاسْتِفَاضَةٍ أَكْبَرَ نَسْلَ حَامٍ وَسَامٍ، الَّذِينَ مِنْهُمْ نَشَأَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْعِبْرَانِيُّونَ، وَمِنْ أَجْلِهِمْ بِالْأَخَصِّ كَتَبَ مُوسَى سِفْرَ التَّكْوِينِ وَالْأَسْفَارَ الْخَمْسَةَ؛ وَلِذَلِكَ سَيُعَدِّدُ فِيمَا بَعْدُ نَسْلَ سَامٍ فَحَسْبُ. تَنْبِيهٌ: كَانَ مِنْ نَصِيبِ يَافِثَ أُورُوبَّا، وَمِنْ نَصِيبِ حَامٍ أَفْرِيقِيَا، وَمِنْ نَصِيبِ سَامٍ آسِيَا. اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ، الْآيَةِ ٢٧.
مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، بَعْدَ التَّشَتُّتِ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ بُرْجِ بَابِلَ، نَشَأَتْ أُمَمٌ مُتَفَرِّقَةٌ؛ لَكِنْ أَيُّ أُمَّةٍ مِنْ أَيِّ ابْنٍ فَأَمْرٌ غَيْرُ يَقِينِيٍّ: سَأَعْرِضُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ أَرْجَحُ، وَأَتَّبِعُ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ وَيُوسِيفُوسَ وَإِيسِيدُورُسَ وَأَرِيَاسَ مُونْتَانُوسَ، الَّذِي يُعَالِجُ هَذِهِ الْأُمُورَ بِدِقَّةٍ فِي كِتَابِ فَالَجَ.
جُومَرُ. مِنْ جُومَرَ نَشَأَ وَتَسَمَّى الْجُومَارِيُّونَ، أَوِ الْكِيمْبَرِيُّونَ وَالْكِيمِّيرِيُّونَ، وَكَمَا يَرْوِي يُوسِيفُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَإِيسِيدُورُسُ، الْغَلَاطِيُّونَ: فَقَدْ كَانَ الْغَلَاطِيُّونَ كِيمْبَرِيِّينَ؛ إِذْ إِنَّ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا آسِيَا بِقِيَادَةِ بْرِينُّوسَ كَانُوا كِيمْبَرِيِّينَ، وَفِي آسِيَا وَالْيُونَانِ سُمُّوا الْغَلَّوْ-يُونَانِيِّينَ، مِنْ بَشَرَتِهِمُ اللَّبَنِيَّةِ (إِذْ «غَالَا» فِي الْيُونَانِيَّةِ تَعْنِي الْحَلِيبَ)؛ وَلِذَلِكَ يُعَلِّمُ أَيْضًا الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي مُقَدِّمَتِهِ لِلرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَةَ أَنَّ الْغَلَاطِيِّينَ اسْتَعْمَلُوا اللُّغَةَ التَّرِيفِيرِيَّةَ (الَّتِي كَانَتْ بِالتَّأْكِيدِ جِرْمَانِيَّةً): اُنْظُرْ مَا قِيلَ هُنَاكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
مَاجُوجُ. مِنْهُ نَشَأَ الْجِيتَاءُ وَالْمَاسَاجِيتَاءُ، وَهُمْ شُعُوبٌ سِكِيثِيَّةٌ، وَالتَّتَارُ، الَّذِينَ يَتَكَلَّمُ عَنْهُمْ حِزْقِيَالُ فِي الْإِصْحَاحَيْنِ ٣٨ وَ٣٩.
مَادَايُ. بَعْدَ تَشَتُّتِ بَابِلَ ذَهَبَ إِلَى مَادِي، وَمِنْهُ نَشَأَ وَتَسَمَّى الْمَادِيُّونَ وَأَرْضُ مَادِي.
يَاوَانُ. مِنْهُ نَشَأَ الْأَيُونِيُّونَ وَجَمِيعُ الْيُونَانِيِّينَ، وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتِ الْيُونَانُ أَوَّلًا أَيُونِيَا. هَكَذَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ.
تُوبَالُ. مِنْهُ نَشَأَ وَتَسَمَّى الْإِيبِيرِيُّونَ، أَيِ الْإِيبِيلِيُّونَ أَوِ التِّيبِيلِيُّونَ. الْإِيبِيرِيُّونَ، أَقُولُ، سَوَاءٌ الْآسِيَوِيُّونَ مِنْهُمْ قُرْبَ الْبَحْرِ الْأَسْوَدِ، أَوِ الْأُورُوبِّيُّونَ، أَعْنِي الْإِسْبَانَ: سَوَاءٌ انْحَدَرَ هَؤُلَاءِ مِنْ أُولَئِكَ أَوْ أُولَئِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ. هَكَذَا يَقُولُ مَارِيَانَا وَدِيلْرِيُو وَأُولِيَاسْتَرُ وَأَرِيَاسُ. وَكَذَلِكَ يُلَمِّحُ حِزْقِيَالُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٨ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى مِنَ الْمَذْكُورِينَ هُنَا قَدِ انْتَقَلُوا مِنْ أُورُوبَّا إِلَى آسِيَا أَوِ الْعَكْسَ، سَوَاءٌ لِلْخِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ أَوِ الِاسْتِعْمَارِ، حَيْثُ يَجْمَعُ مَعَ أَسْمَاءٍ وَشُعُوبٍ آسِيَوِيَّةٍ بَعْضَ الَّذِينَ نَضَعُهُمْ هُنَا فِي أُورُوبَّا.
مَاشَكُ. مِنْهُ يَبْدُو أَنَّ الْمُوسْكُوفِيِّينَ نَشَأُوا وَأَخَذُوا اسْمَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ يَرَيَانِ أَنَّ الْكَبَّادُوكِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْ مَاشَكَ.
تِيرَاسُ. مِنْهُ نَشَأَ التَّرَاقِيُّونَ، كَمَا يُعَلِّمُ الْمُفَسِّرُونَ عُمُومًا، وَإِنْ كَانَ أُوجُوبِينُوسُ يَرَى أَنَّ الصُّورِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْ تِيرَاسَ.
أَشْكَنَازُ. مِنْهُ نَشَأَ التُّوِيسْكُونِيُّونَ، الَّذِينَ سُمُّوا فِيمَا بَعْدُ الْجِرْمَانَ أَوِ الْأَلِمَانَ، مِنْ قُوَّتِهِمْ وَفَضِيلَتِهِمْ، أَيْ «رِجَالٌ تَمَامًا.» وَلِذَلِكَ حَتَّى الْآنَ يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ أَلْمَانِيَا بِالْعِبْرِيَّةِ «أَشْكَنَاز.» هَكَذَا يَقُولُ أُولِيَاسْتَرُ وَدِيلْرِيُو وَغَيْرُهُمْ. وَمِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّ أَشْكَنَازَ سَكَنَ فِي آسِيَا قُرْبَ الْمَادِيِّينَ (إِذْ يُدْعَى مَعَ الْمَادِيِّينَ لِتَدْمِيرِ بَابِلَ، إِرْمِيَا ٥١: ٢٧)، لَكِنَّ كَثِيرِينَ مِنْ نَسْلِهِ عَبَرُوا إِلَى أُورُوبَّا، وَمِنْهُمْ نَشَأَ الْأَسْكَانِيُّونَ، أَيِ التُّوِيسْكُونِيُّونَ، وَهُمُ الْجِرْمَانُ. هَكَذَا يَقُولُ تُورْنِيِلُّوسُ عِنْدَ سَنَةِ الْعَالَمِ ١٩٣١، الرَّقْمِ ٢١.
رِيفَاثُ. يَرَى يُوسِيفُوسُ أَنَّ الْبَفْلَاغُونِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْهُ.
تُوغَرْمَةُ. مِنْهُ نَشَأَ الْأَتْرَاكُ، الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ التُّرْكُمَانَ أَوِ التُّرْجُمَانَ: وَلِذَلِكَ حَتَّى الْآنَ يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ مَلِكَ الْأَتْرَاكِ «تُوغَرَ»؛ وَإِنْ كَانَ يُوسِيفُوسُ يَرَى أَنَّ الْفِرِيجِيِّينَ وُلِدُوا مِنْ تُوغَرْمَةَ.
الْآيَةُ ٤: أَلِيشَا وَتَرْشِيشُ وَكِتِّيمُ وَدُودَانِيمُ
أَلِيشَا. يَرَى التَّرْجُومُ الْكَلْدَانِيُّ أَنَّ الْإِيطَالِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْهُ؛ لَكِنَّ بِيرِيرِيُوسَ يَرَى أَنَّ مِنْ أَلِيشَا انْحَدَرَ سُكَّانُ الْجُزُرِ السَّعِيدَةِ، الَّتِي سُمِّيَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْأَلِيسِيَّاتِ.
تَرْشِيشُ. مِنْهُ انْحَدَرَ التَّرْسِيسِيُّونَ وَالْكِيلِيكِيُّونَ الْمُجَاوِرُونَ.
كِتِّيمُ. مِنْهُ انْحَدَرَ الْكِيتِيُّونَ وَالْقُبْرُصِيُّونَ وَالْكِرِيتِيُّونَ. وَلِذَلِكَ تُسَمَّى قُبْرُصُ وَكِرِيتُ وَسَائِرُ جُزُرِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ كِتِّيمَ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ.
دُودَانِيمُ. يَسْتَنْبِطُ كَثِيرُونَ الرُّودِيِّينَ مِنْهُ، كَأَنَّ دُودَانِيمَ هُوَ رُودَانِيمُ، وَالدَّالَثُ بُدِّلَتْ بِالْحَرْفِ الْمُمَاثِلِ رِيشْ. لَكِنَّ آخَرِينَ يَسْتَنْبِطُونَ مِنْهُ الدُّودُونِيِّينَ فِي إِيبِيرُوسَ.
الْآيَةُ ٥: جَزَائِرُ الْأُمَمِ
مِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتْ جَزَائِرُ الْأُمَمِ — «بِحَسَبِ لِسَانِهِمْ،» كَمَا يَلِي؛ إِذَنْ وَقَعَ هَذَا بَعْدَ التَّشَتُّتِ الَّذِي حَدَثَ فِي بَابِلَ: إِنَّهُ اسْتِبَاقٌ. تَنْبِيهٌ: يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ جَمِيعَ الْمَنَاطِقِ الَّتِي يُسَافَرُ إِلَيْهَا بِالسُّفُنِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ «جَزَائِرَ،» سَوَاءٌ أَكَانَتْ جَزَائِرَ حَقِيقِيَّةً أَمْ لَا، بَلْ أَرْضًا مُتَّصِلَةً، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ إِرْمِيَا ٢٥: ٢٢.
الْآيَةُ ٦: أَبْنَاءُ حَامٍ
كُوشُ. مِنْهُ انْحَدَرَ الْأَحْبَاشُ، الَّذِينَ يُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِلُغَتِهِمُ الْكُوشِيِّينَ. هَكَذَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَإِيسِيدُورُسُ وَغَيْرُهُمْ.
مِصْرَايِمُ. مِنْهُ سُكِنَتْ مِصْرُ وَنَمَتْ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى بِالْعِبْرِيَّةِ مِصْرَايِمَ، وَلَا يَزَالُ الْعَرَبُ وَالْأَتْرَاكُ يُسَمُّونَهَا مِصْرَ. تَنْبِيهٌ: فِي الْمَزْمُورِ ١٠٥: ٢٢ وَالْمَزْمُورِ ١٠٤: ٢٧ وَالْمَزْمُورِ ٧٧: ٥١، تُسَمَّى مِصْرُ أَرْضَ حَامٍ؛ وَمِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّ حَامًا، الَّذِي كَانَ ابْنَ نُوحٍ وَأَبَا مِصْرَايِمَ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ مِصْرَ وَأَدَارَ مَمْلَكَتَهَا، وَلِهَذَا السَّبَبِ سُمِّيَ زُحَلَ الْمِصْرِيَّ، كَمَا يُعَلِّمُ بِيرُوسُوسُ فِي الْكِتَابَيْنِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ، وَدِيُودُورُسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ. وَلِذَلِكَ يَرَى بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّ حَامًا هُوَ حَمُّونُ، أَوِ الْمُشْتَرِي الْحَمُّونِيُّ. فَالْحُرُوفُ هِيَ نَفْسُهَا، وَلَفْظَةُ حَامٍ وَحَمُّونَ وَاحِدَةٌ. خَلَفَ الْأَبَ حَامًا ابْنُهُ مِصْرَايِمُ، الَّذِي يَرَى بِيرُوسُوسُ وَمِنْ بَعْدِهِ أَنِّيُوسُ الْفِيتِيرْبِيُّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ أُوزِيرِيسُ، الَّذِي كَانَ أَشْهَرَ مُلُوكِ الْمِصْرِيِّينَ وَآلِهَتِهِمْ، وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ إِيزِيسَ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ قَرَابَةُ لَفْظَتَيْ مِصْرَايِمَ وَأُوزِيرِيسَ، إِذَا رُدَّتَا إِلَى أَصْلِهِمَا الْعِبْرِيِّ مَعَ حَذْفِ الْحُرُوفِ الزَّائِدَةِ — الْمِيمِ فِي الْأُولَى وَالْأَلِفِ مَعَ الْخُولِيمِ فِي الثَّانِيَةِ؛ فَعِنْدَئِذٍ مِصْرَايِمُ هُوَ أُوزِيرِيسُ. لَكِنَّ آخَرِينَ يُعْطُونَ اشْتِقَاقًا آخَرَ لِأُوزِيرِيسَ، كَمَا سَأَقُولُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٤١.
فُوطُ. يُرَى أَنَّ اللِّيبِيِّينَ وَالْمُورِيتَانِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْهُ، وَعِنْدَهُمْ نَهْرٌ يُسَمَّى فُوثَ، ذَكَرَهُ بْلِينِيُوسُ فِي التَّارِيخِ الطَّبِيعِيِّ، الْكِتَابِ الْخَامِسِ، الْبَابِ الْأَوَّلِ.
كَنْعَانُ. أَنَّ الْكَنْعَانِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْهُ أَمْرٌ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ.
الْآيَةُ ٧: سَبَأُ وَحَوِيلَةُ
سَبَأُ. هُنَاكَ سَبَأَانِ اثْنَانِ: الْأَوَّلُ هُوَ هَذَا، الَّذِي كَانَ ابْنَ كُوشٍ؛ وَيُكْتَبُ بِالْعِبْرِيَّةِ بِالسَّامِخِ. وَمِنْهُ يَبْدُو أَنَّ الْأَحْبَاشَ انْحَدَرُوا، وَكَانَتْ عَاصِمَتُهُمُ الْمَلَكِيَّةُ تُسَمَّى سَبَأَ، الَّتِي سُمِّيَتْ فِيمَا بَعْدُ مِيرُوِي مِنْ قِبَلِ قَمْبِيزَ، عَلَى اسْمِ أُخْتِهِ، وَمِنْهَا جَاءَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ تِلْكَ الْمَلِكَةُ الَّتِي تُسَمَّى مَلِكَةَ سَبَأَ. وَالثَّانِي سَبَأُ كَانَ ابْنَ رَعْمَةَ؛ وَيُكْتَبُ بِالْعِبْرِيَّةِ بِالشِّينِ. وَمِنْهُ انْحَدَرَ السَّبَئِيُّونَ الْعَرَبُ، الَّذِينَ يُقَالُ عَنْهُمْ: «يُرْسِلُ السَّبَئِيُّونَ بَخُورَهُمْ.» هَكَذَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ، الْمَزْمُورُ ٧٢: ٢٠، وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ هُنَا.
حَوِيلَةُ. مِنْهُ انْحَدَرَ الْجِيتُولِيُّونَ فِي أَفْرِيقِيَا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ. وَكَذَلِكَ الْحَوِيلِيُّونَ الَّذِينَ سَكَنُوا فِي حَوِيلَةَ، قُرْبَ الْخَلِيجِ الْفَارِسِيِّ وَقُرْبَ الْعَمَالِقَةِ، ١ صَمُوئِيلَ ١٥: ٧. وَفِي هَذِهِ الْحَوِيلَةِ أَيْضًا سَكَنَ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ ٢٥، الْآيَةُ ١٨.
الْآيَةُ ٨: كُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ
٨. وَلَدَ كُوشٌ نِمْرُودَ، — الَّذِي بَرَزَ بَيْنَ جَمِيعِ أَبْنَاءِ كُوشٍ كَأَمِيرٍ. وَيُسَمَّى بِحَقٍّ بِالْعِبْرِيَّةِ نِمْرُودَ، أَيْ «مُتَمَرِّدٌ،» لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ طَاغِيَةٍ قَمَعَ الْآخَرِينَ وَأَجْبَرَهُمْ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، وَكَانَ مُحْتَقِرًا لِلَّهِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ وَأَلْكُوِينُوسُ وَغَيْرُهُمْ.
ابْتَدَأَ هُوَ نَفْسُهُ يَكُونُ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ. — تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: «كَانَ عِمْلَاقًا،» أَيْ جَبَّارًا فِي ضَخَامَةِ الْجِسْمِ وَفِي الْقُوَّةِ وَفِي الْجَسَارَةِ وَفِي الْكِبْرِيَاءِ وَالْقَسْوَةِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ. فَيَبْدُو إِذَنْ أَنَّ نِمْرُودَ كَانَ أَوَّلَ عِمْلَاقٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ. وَكَذَلِكَ كَانَ قَوِيًّا فِي الثَّرْوَةِ وَفِي اغْتِصَابِ السُّلْطَةِ؛ إِذْ بَدَأَ يُخْضِعُ النَّاسَ لِنَفْسِهِ بِالطُّغْيَانِ. فَأَوَّلُ أَمِيرٍ وَمَلِكٍ فِي الْعَالَمِ كَانَ نِمْرُودَ، وَكَانَ طَاغِيَةً، يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ.
الْآيَةُ ٩: جَبَّارُ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ
٩. وَكَانَ جَبَّارَ صَيْدٍ أَمَامَ الرَّبِّ. — «صَيَّادٌ،» لَيْسَ لِلْوُحُوشِ بِقَدْرِ مَا هُوَ لِلنَّاسِ، كَمَا يَرَى فَاتَابْلُوسُ وَكَاجِيتَانُوسُ وَابْنُ عَزْرَا، بَلْ لِلْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتَنِصُ النَّاسَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِدَاعِ وَيَقْمَعُهُمْ، إِمَّا بِالنَّهْبِ أَوْ بِالْقَتْلِ أَوْ بِإِخْضَاعِهِمْ لِلْعُبُودِيَّةِ، كَمَا يَصْطَادُ الْبَرَازِيلِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْهُنُودِ النَّاسَ حَتَّى الْآنَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي مَدِينَةِ اللَّهِ، الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ، الْبَابِ الرَّابِعِ، وَلِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ وَغَيْرُهُمْ. فَ«الصَّيَّادُ» إِذَنْ هُوَ نَفْسُهُ اللِّصُّ وَالسَّالِبُ. هَكَذَا وَضَعَ أَرِسْطُو قَطْعَ الطَّرِيقِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الصَّيْدِ، وَمِنْ صَيْدِ الْوُحُوشِ يَنْتَقِلُ الْمَرْءُ بِسُهُولَةٍ إِلَى صَيْدِ الْبَشَرِ. وَلِذَلِكَ يَرْوِي كْسِينُوفُونُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنْ تَرْبِيَةِ كُورُشَ أَنَّ كُورُشَ دَرَّبَ فُرْسَهُ لِلْحَرْبِ بِتَمْرِينِهِمْ عَلَى صَيْدِ الْحَيَوَانَاتِ وَذَبْحِهَا؛ كَمَا فَعَلَ أَيْضًا فِي الْقَرْنِ السَّابِقِ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَوِيُّ، الَّذِي انْتَزَعَ مَمْلَكَةَ فَارِسَ مِنَ الْأَتْرَاكِ وَوَسَّعَهَا كَثِيرًا. فَمُمَارَسَةُ الصَّيْدِ هِيَ كَالتَّدْرِيبِ التَّمْهِيدِيِّ لِلْحُرُوبِ وَالْمَعَارِكِ.
أَمَامَ الرَّبِّ. — السَّبْعِينِيَّةُ تَقُولُ «إِنَانْتِيُونْ كِيرِيُو،» وَالَّذِي يُتَرْجِمُهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ «ضِدَّ الرَّبِّ»؛ وَمِنْ هُنَا يُفِيدُ إِيسِيدُورُسُ فِي أَصْلِ الْكَلِمَاتِ، الْكِتَابِ السَّادِسِ، أَنَّ نِمْرُودَ أَجْبَرَ النَّاسَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنِ اللَّهِ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، أَعْنِي عِبَادَةَ النَّارِ فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِ، بَعْدَ التَّشَتُّتِ عِنْدَ بُرْجِ بَابِلَ. لَكِنْ يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ «لِفْنِي» أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُتَرْجَمَ لَا «ضِدَّ» بَلْ «أَمَامَ الرَّبِّ.» وَ«أَمَامَ الرَّبِّ» تَعْنِي «حَقًّا» وَ«بِامْتِيَازٍ تَامٍّ»؛ أَيْ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخْدَعَ. وَلِذَلِكَ صَارَ نِمْرُودُ مَثَلًا، فَيُقَالُ عَنِ الطَّاغِيَةِ الْبَارِزِ إِنَّهُ كَنِمْرُودَ آخَرَ، صَيَّادٍ وَسَالِبٍ. وَيُضِيفُ كَاجِيتَانُوسُ أَنَّ «أَمَامَ الرَّبِّ» أُضِيفَتْ لِتَعْظِيمِ خُطُورَةِ الْجَرِيمَةِ؛ إِذِ الْجَرِيمَةُ تُعَدُّ أَشَدَّ إِذَا ارْتُكِبَتْ عَلَى مَرْأَى مِنَ الْحَاكِمِ.
فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، يُقَدِّمُ آخَرُونَ ثَلَاثَةَ تَفَاسِيرَ جَدِيدَةٍ. الْأَوَّلُ: «أَمَامَ الرَّبِّ،» لِأَنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ ضَحَايَا فَاخِرَةً اصْطَادَهَا لِلرَّبِّ عَلَى الْمَذَابِحِ، يَقُولُ ابْنُ عَزْرَا وَكِمْحِي وَالْعِبْرَانِيُّونَ. الثَّانِي: «أَمَامَ الرَّبِّ،» أَيْ لِكَيْ يُرْغِمَ النَّاسَ عَلَى الْحَيَاةِ الْمَدَنِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ الَّتِي أَدْخَلَهَا اللَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ. الثَّالِثُ: مَلْكِيُورُ كَانُوسُ فِي كِتَابِ الْمَوَاضِعِ، الْكِتَابِ الثَّانِي، الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ، «أَمَامَ الرَّبِّ،» أَيْ تَحْتَ السَّمَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَانَ نِمْرُودُ يَصْطَادُ النَّاسَ الْهَائِمِينَ كَالْوُحُوشِ فِي الْحُقُولِ تَحْتَ السَّمَاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَيَجْمَعُهُمْ تَحْتَ سُقُوفٍ وَفِي مُجْتَمَعٍ مَدَنِيٍّ.
لَكِنْ بِحَسَبِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ، لَكَانَ نِمْرُودُ أَمِيرًا حَكِيمًا يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ؛ غَيْرَ أَنَّهُ ثَابِتٌ أَنَّهُ كَانَ فَاجِرًا وَطَاغِيَةً، وَمُحْتَقِرًا لِلَّهِ وَلِلدِّينِ الْمُقَدَّسِ.
الْآيَةُ ١٠: بِدَايَةُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلُ
١٠. وَكَانَتْ بِدَايَةُ مَمْلَكَتِهِ بَابِلَ. — وَمِنْ هُنَا يُلَاحِظُ الْمُفَسِّرُونَ عُمُومًا أَنَّ نِمْرُودَ هَذَا كَانَ إِمَّا سَلَفَ، وَكَمَا يَقُولُ بِيرُوسُوسُ الْأَنِّيَانِيُّ، أَبَا الْمُشْتَرِي بِيلُوسَ وَجَدَّ نِينُوسَ، أَيْ زُحَلَ الْأَوَّلَ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى، كَمَا يَرَى الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ، أَنَّ نِمْرُودَ هَذَا كَانَ هُوَ نَفْسَهُ بِيلُوسَ، الَّذِي كَانَ أَبَا نِينُوسَ. فَإِنَّ طُغْيَانَ نِمْرُودَ وَبِيلُوسَ وَأَخْلَاقَهُمَا وَزَمَانَهُمَا وَمَقَرَّ مُلْكِهِمَا فِي بَابِلَ تَتَّفِقُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ؛ وَكِلَاهُمَا كَانَ أَوَّلَ مَلِكٍ لِبَابِلَ، وَكِلَاهُمَا كَانَ مُبْتَدِعَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، بِشَهَادَةِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ وَكِيرِلُّسَ وَبِيرِيرِيُوسَ وَغَيْرِهِمْ؛ وَنِينُوسُ ابْنُهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَمَرَ بِأَنْ يُعْبَدَ أَبُوهُ بِيلُوسُ عَلَنًا بِتَكْرِيمٍ إِلَهِيٍّ كَإِلَهٍ؛ وَمِنْ هُنَا سُمِّيَتِ الْأَصْنَامُ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ وَالسُّرْيَانِ وَالْفِينِيقِيِّينَ بِعْلًا وَبَعَالِيمَ: فَبِعْلُ هُوَ نَفْسُهُ بِيلُوسُ. فَاسْمُ بِيلُوسَ الْأَصْلِيُّ إِذَنْ هُوَ نِمْرُودُ، الَّذِي سُمِّيَ كُنْيَةً وَتَلْقِيبًا بِعْلًا وَبِيلُوسَ، أَيِ السَّيِّدُ وَالْمُسَيْطِرُ: كَمَا أَنَّ الْأَتْرَاكَ وَالتَّتَارَ حَتَّى الْآنَ يُسَمُّونَ مَلِكَهُمُ الْخَانَ الْعَظِيمَ، أَيِ السَّيِّدَ الْأَعْظَمَ.
فَبِيلُوسُ هَذَا إِذَنْ كَانَ أَوَّلَ جُوبِيتِرَ، الْإِلَهُ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرَكُ لِلْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ. وَلِذَلِكَ بَنَتْ سَمِيرَامِيسُ زَوْجَةُ نِينُوسَ لِهَذَا الْجُوبِيتِرِ بِيلُوسَ نَفْسِهِ مَعْبَدًا فَخْمًا لِلْغَايَةِ، كَمَا يَشْهَدُ دِيُودُورُسُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ، الْبَابِ الرَّابِعِ، وَكَانَ فِيهِ قَبْرُ بِيلُوسَ الْمُدْهِشُ بِحَجْمِهِ وَبِنَائِهِ؛ إِذْ كَانَ ارْتِفَاعُهُ سْتَادِيُونًا وَاحِدًا، بِشَهَادَةِ سْتْرَابُونَ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ. وَهَذَا كَانَ أَصْلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، حَوَالَيِ السَّنَةِ الثَّلَاثِمِائَةِ بَعْدَ الطُّوفَانِ. فَمَعَ أَنَّ تِرْتُولِّيَانُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ يَرَى أَنَّ الْأَصْنَامَ وُجِدَتْ قَبْلَ الطُّوفَانِ، إِلَّا أَنَّ كِيرِلُّسَ فِي الْكِتَابَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ ضِدَّ يُولِيَانُوسَ يُؤَكِّدُ أَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ الْمَعْرُوفَةَ لَنَا أَخَذَتْ أَصْلَهَا بَعْدَ الطُّوفَانِ مِنْ أَبِي الْمَلِكِ نِينُوسَ، الَّذِي يُسَمِّيهِ كِيرِلُّسُ نَفْسُهُ أَرْبِيلُوسَ وَنَحْنُ نُسَمِّيهِ بِيلُوسَ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ مُعْظَمَ أَصْنَامِ الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا الشَّرْقِيِّينَ مِنْهُمْ، مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ بِعْلٍ أَوْ بِيلُوسَ هَذَا، مِثْلُ بَعْلِ زَبُوبَ وَبَعْلِ فَغُورَ وَبَعْلِ بَرِيثَ وَبَعْلِ شَامِيسَ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ، الْآيَةِ ٢٦.
تَنْبِيهٌ: كَانَ نِمْرُودُ مُؤَسِّسَ وَمُخْتَرِعَ وَبَانِيَ بُرْجِ بَابِلَ وَمَدِينَتِهَا؛ لَكِنَّ سَمِيرَامِيسَ زَوْجَةَ نِينُوسَ رَمَّمَتْهَا فِيمَا بَعْدُ وَوَسَّعَتْهَا تَوْسِيعًا عَجِيبًا وَزَيَّنَتْهَا، وَلِهَذَا السَّبَبِ يُؤَكِّدُ هِيرُودُوتُسُ وَدِيُودُورُسُ السِّيكِيلِيُّ وَسْتْرَابُونُ وَمِيلَا وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ وَيُوسْطِينُوسُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي أَسَّسَتْ بَابِلَ.
تَنْبِيهٌ ثَانٍ: بَدَأَ نِمْرُودُ، أَوْ بِيلُوسُ، يَمْلِكُ فِي بَابِلَ حَوَالَيِ السَّنَةِ ١٧٠ بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ حَدَثَ هُنَاكَ انْقِسَامُ الْأَلْسُنِ وَالْأُمَمِ؛ لَكِنَّهُ تَنَامَى شَيْئًا فَشَيْئًا فِي الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ، وَصَارَ مَلِكًا وَشِبْهَ مَلِكٍ مُطْلَقٍ فِي السَّنَةِ ١٨٤ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَمَلَكَ ٦٥ سَنَةً (إِذْ يُعْطِي جَمِيعُ الْمُؤَرِّخِينَ هَذَا الْعَدَدَ مِنَ السَّنَوَاتِ لِمُلْكِ بِيلُوسَ)، أَيْ حَتَّى السَّنَةِ ٢٤٩ بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ مَاتَ وَخَلَفَهُ ابْنُهُ نِينُوسُ. فَفِي السَّنَةِ ٤٣ مِنْ حُكْمِ نِينُوسَ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ، كَمَا يَرْوِي الْجَمِيعُ: وَإِبْرَاهِيمُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ فَالسَّنَةُ ٤٣ مِنْ حُكْمِ نِينُوسَ تَقَعُ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ وَبِالتَّالِي بِالرُّجُوعِ إِلَى الْوَرَاءِ وَالْحِسَابِ، تَقَعُ السَّنَةُ الْأُولَى مِنْ حُكْمِ نِينُوسَ فِي السَّنَةِ ٢٤٩ بَعْدَ الطُّوفَانِ. فَفِي تِلْكَ السَّنَةِ ٢٤٩ رَحَلَ بِيلُوسُ، أَوْ نِمْرُودُ، عَنِ الْمُلْكِ وَالْحَيَاةِ، وَخَلَفَهُ ابْنُهُ نِينُوسُ.
وَأَخِيرًا، بَابِلُ تُسَمَّى الْيَوْمَ بَلْدَاغَ أَوْ بَغْدَادَ؛ وَإِنْ كَانَتْ بَابِلُ الْقَدِيمَةُ بِالْمَعْنَى الدَّقِيقِ لَمْ تَعُدْ قَائِمَةً، بَلْ دُمِّرَتْ بِالْكَامِلِ، وَبُنِيَتْ بَلْدَاغُ الْمَوْجُودَةُ الْيَوْمَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْهَا، كَمَا يُعَلِّمُ أُورْتِيلِيُوسُ.
وَأَرَكُ — الَّتِي سُمِّيَتْ فِيمَا بَعْدُ الرُّهَا، مَدِينَةٌ فِي سُورِيَّةَ الْجَوْفَاءِ، الَّتِي مَلَكَ فِيهَا أَبْجَرُ، الَّذِي أَرْسَلَ لَهُ الْمَسِيحُ صُورَتَهُ، بِشَهَادَةِ أُوسَابِيُوسَ.
أَكَّدُ. — هَذِهِ هِيَ نَصِيبِينُ، مَدِينَةٌ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ عَلَى نَهْرِ دِجْلَةَ، الَّتِي ازْدَهَرَ فِيهَا الْقِدِّيسُ يَعْقُوبُ النَّصِيبِينِيُّ، الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ ثَاوْدُورِيطُسُ.
كَلْنَةُ. — هَذِهِ إِمَّا سَلُوقِيَةُ أَوْ بِالتَّأْكِيدِ طَيْسِفُونُ، الْعَاصِمَةُ الْمَلَكِيَّةُ لِلْفُرْسِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.
أَرْضُ شِنْعَارَ. — هَكَذَا يُسَمَّى السَّهْلُ الْمُحِيطُ بِبَابِلَ؛ وَيُضِيفُ هَذَا لِلتَّمْيِيزِ عَنْ بَابِلَ الْأُخْرَى الَّتِي فِي مِصْرَ، وَالَّتِي تُسَمَّى الْآنَ الْقَاهِرَةَ.
الْآيَةُ ١١: مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ خَرَجَ أَشُّورُ
١١. مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ (شِنْعَارَ، أَيْ مِنْ بَابِلَ) خَرَجَ أَشُّورُ. — يَرَى يُوسِيفُوسُ وَمِنْ بَعْدِهِ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ أَنَّ أَشُّورَ هَذَا هُوَ الِابْنُ الثَّانِي لِسَامٍ، الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ ٢٢؛ إِذْ أُقْحِمَ هُنَا اسْتِبَاقًا بِمُنَاسَبَةِ مَمْلَكَةِ بَابِلَ الَّتِي خَلَفَتْهَا مُبَاشَرَةً مَمْلَكَةُ الْأَشُّورِيِّينَ فِي نِينَوَى، وَمُؤَسِّسُهَا كَانَ أَشُّورَ هَذَا؛ فَمِنْ أَشُّورَ هَذَا يَبْدُو أَنَّ الْأَشُّورِيِّينَ نَشَأُوا وَتَسَمَّوْا، وَمِنْهُ أَيْضًا أُسِّسَتِ الْمَدِينَةُ الَّتِي رَمَّمَهَا وَوَسَّعَهَا نِينُوسُ كَثِيرًا فِيمَا بَعْدُ وَسُمِّيَتْ نِينَوَى. هَذَا الرَّأْيُ مُحْتَمَلٌ.
لَكِنْ بِمَا أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ تَخُصُّ أَبْنَاءَ حَامٍ لَا سَامٍ، حَتَّى الْآيَةِ ٢١ حَيْثُ يُعَالِجُ مُوسَى أَوَّلًا أَبْنَاءَ سَامٍ، فَإِنَّ بِيرِيرِيُوسَ وَدِيلْرِيُو وَغَيْرَهُمْ يَرَوْنَ بِصَوَابٍ أَكْبَرَ أَنَّ أَشُّورَ هَذَا هُوَ نِينُوسُ ابْنُ بِيلُوسَ؛ إِذْ يَتَّفِقُ جَمِيعُ الْقُدَمَاءِ عَلَى أَنَّ نِينَوَى، أَوْ مَدِينَةَ نِينُوسَ، أَسَّسَهَا وَسَمَّاهَا نِينُوسُ. فَنِينُوسُ إِذَنْ يُسَمَّى هُنَا أَشُّورَ، إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ ذَا اسْمَيْنِ، أَوْ بِالْأَحْرَى يُسَمَّى أَشُّورَ اسْتِبَاقًا لِأَنَّهُ صَارَ فِيمَا بَعْدُ أَوَّلَ مَلِكٍ وَمَلِكٍ مُطْلَقٍ لِلْأَشُّورِيِّينَ.
الْآيَةُ ١٢: هَذِهِ هِيَ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ
١٢. هَذِهِ هِيَ الْمَدِينَةُ الْعَظِيمَةُ. — «هَذِهِ،» أَيْ لَيْسَتْ كَالَحَ، بَلْ نِينَوَى، الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْمَقَامِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِهَا الْأَوْلَى وَالْأَهَمَّ؛ فَإِلَيْهَا يَعُودُ النَّصُّ وَيُشِيرُ وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الْعِبْرِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتْ نِينَوَى فِي زَمَنِ نِينُوسَ أَعْظَمَ مُدُنِ الْعَالَمِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَثِيلٌ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ؛ إِذْ كَانَ مُحِيطُ الْمَدِينَةِ ٤٨٠ سْتَادِيُونًا، أَيْ سِتِّينَ أَلْفَ خُطْوَةٍ؛ وَارْتِفَاعُ أَسْوَارِهَا مِائَةُ قَدَمٍ، وَعَرْضُهَا بِحَيْثُ تَمُرُّ ثَلَاثُ عَرَبَاتٍ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ؛ وَكَانَ لَهَا ١٥٠ بُرْجًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِارْتِفَاعِ ٢٠٠ قَدَمٍ. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ نَقْلًا عَنْ دِيُودُورُسَ وَسْتْرَابُونَ. وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ يُونَانَ فِيمَا بَعْدُ، كَانَتْ عَظِيمَةً إِلَى حَدٍّ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ اجْتِيَازُهَا وَتَفَقُّدُهَا شَارِعًا شَارِعًا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهَا يُونَانُ مَدِينَةَ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
الْآيَةُ ١٣: نَسْلُ مِصْرَايِمَ
١٣. لُودِيمُ. وَمِنْهُ اللِّيدِيُّونَ، لَيْسُوا أُولَئِكَ الَّذِينَ حَكَمَهُمْ كُرُويسُوسُ، بَلْ آخَرُونَ قُرْبَ مِصْرَ، الَّذِينَ تَكَلَّمَ عَنْهُمْ إِشَعْيَاءُ ٤٦: ٩ وَحِزْقِيَالُ ٣٠: ٥.
لَهَابِيمُ. وَمِنْهُ اللِّيبِيُّونَ فِي أَفْرِيقِيَا.
نَفْتُوحِيمُ. وَمِنْهُ النُّومِيدِيُّونَ.
١٤. فَتْرُوسِيمُ. وَمِنْهُ عَرَبُ الْبَتْرَاءِ، الَّذِينَ كَانَتْ عَاصِمَتُهُمْ مَدِينَةَ الْبَتْرَاءِ.
كَسْلُوحِيمُ. هَؤُلَاءِ هُمُ الْفِلِسْطِينِيُّونَ، الَّذِينَ خَاضَ مَعَهُمُ الْيَهُودُ حَرْبًا دَائِمَةً: فَمَعَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى لِإِبْرَاهِيمَ وَالْيَهُودِ كَنْعَانَ فَقَطْ لِيُبِيدُوا الْكَنْعَانِيِّينَ نَسْلَ كَنْعَانَ، إِلَّا أَنَّ الْفِلِسْطِينِيِّينَ احْتَلُّوا جُزْءًا مِنْ كَنْعَانَ بَعْدَ طَرْدِ الْكَنْعَانِيِّينَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ صَفَنْيَا ٢: ٥. وَكَذَلِكَ طَرَدَ الْكَبَّادُوكِيُّونَ الْحِوِّيِّينَ، وَكَانُوا كَنْعَانِيِّينَ، مِنْ أَرْضِهِمْ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ ٢: ٢٣؛ وَلِذَلِكَ بِالْحَقِّ اسْتَرَدَّ الْعِبْرَانِيُّونَ مِنْ كِلْتَا الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِالْحَرْبِ أَرْضَ كَنْعَانَ الْمُسْتَحَقَّةَ لَهُمْ وَالْمُعْطَاةَ مِنَ اللَّهِ.
كَفْتُورِيمُ. وَمِنْهُ الْكَبَّادُوكِيُّونَ. هَكَذَا تَقُولُ السَّبْعِينِيَّةُ وَتَرْجَمَتُنَا.
الْآيَةُ ١٦: الْحِثِّيُّ وَالْيَبُوسِيُّ وَسَائِرُ شُعُوبِ كَنْعَانَ
١٦. الْحِثِّيَّ وَالْيَبُوسِيَّ إِلَخْ. — تَنْبِيهٌ: هَذِهِ كُلُّهَا أَسْمَاءُ شُعُوبٍ انْحَدَرُوا مِنْ أَبْنَاءِ كَنْعَانَ؛ فَمِنَ الْأَبِ حِثَّ سُمِّيَ الْحِثِّيُّونَ، وَمِنْ يَبُوسَ الْيَبُوسِيُّونَ، وَمِنْ سِينَ السِّينِيُّونَ، إِلَخْ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ.
يَرَى فِيلَّالْبَانْدُو فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الْمَدِينَةِ وَالْهَيْكَلِ، الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الْبَابِ الْعَاشِرِ، أَنَّ يَبُوسَ أَوِ الْيَبُوسِيَّ، ابْنَ كَنْعَانَ وَسِبْطَ نُوحٍ، أَسَّسَ أُورُشَلِيمَ الَّتِي سُمِّيَتْ بِاسْمِهِ يَبُوسَ؛ كَمَا أَنَّ أَخَاهُ صِيدُونَ، بِشَهَادَةِ يُوسِيفُوسَ، أَسَّسَ مَدِينَةَ صِيدُونَ؛ وَأَمَاثُوسُ أَسَّسَ أَمَاثَةَ، وَأَرَادِيُوسُ مَدِينَةَ أَرَادَ.
١٧. السِّينِيُّ. السِّينِيُّونَ هُنَا هُمُ الصِّينِيُّونَ، السَّاكِنُونَ قُرْبَ الْيَابَانِ، الَّذِينَ تَنَبَّأَ عَنِ ارْتِدَادِهِمْ إِلَى الْمَسِيحِ إِشَعْيَاءُ فِي الْإِصْحَاحِ ٤٩، الْآيَةِ ١٢، فِي النَّصِّ الْعِبْرِيِّ، كَمَا قُلْتُ هُنَاكَ. هَكَذَا يَرَى بَعْضُهُمْ. لَكِنْ بِمَا أَنَّ بَقِيَّةَ نَسْلِ كَنْعَانَ الْمَذْكُورِينَ هُنَا سَكَنُوا لَا فِي الْهِنْدِ بَلْ فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوْ قُرْبَهَا، فَيَبْدُو أَنَّ هَؤُلَاءِ السِّينِيِّينَ كَانُوا سُكَّانَ الصَّحْرَاءِ وَجَبَلِ سِينَاءَ. وَهَذَا السِّينِيُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الْقِينِيِّ بِالْقَافِ، كَمَا سَأَقُولُ عِنْدَ سِفْرِ الْقُضَاةِ، الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ، الْآيَةِ ١٧.
١٨. الْأَرْوَادِيُّ. مِنْ هَذَا الرَّجُلِ أَوْ بِالْأَحْرَى الشَّعْبِ أُسِّسَتْ وَسُمِّيَتْ مَدِينَتَا أَرْوَادَ وَأَنْطَرَادُوسَ قُرْبَ صِيدُونَ، اُنْظُرْ حِزْقِيَالَ ٢٧: ٨.
الصَّمَارِيُّ. يَبْدُو أَنَّ الصَّمَارِيِّينَ هُمْ أَنْفُسُهُمُ الْفِرِزِّيُّونَ، وَمِنْ جَدِّهِمْ — لَا هَذَا الْقَدِيمَ بَلِ الْمُتَأَخِّرَ الَّذِي عَاشَ فِي زَمَنِ عُمْرِي مَلِكِ إِسْرَائِيلَ وَسُمِّيَ أَيْضًا شَامِرَ أَوْ شُومِرَ — سُمِّيَ الْجَبَلُ وَالْمَدِينَةُ وَالْمِنْطَقَةُ السَّامِرَةَ، ٣ مُلُوكَ ١٦: ٢٤.
الْحَمَاتِيُّ، — سُكَّانُ مَدِينَةِ حَمَاةَ، الَّتِي فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ اثْنَتَانِ: حَمَاةُ الْكُبْرَى وَهِيَ أَنْطَاكِيَةُ، وَحَمَاةُ الصُّغْرَى وَهِيَ إِبِيفَانِيَا.
الْآيَةُ ١٩: حُدُودُ كَنْعَانَ
تَصِفُ الْآيَةُ ١٩ حُدُودَ الْأَرْضِ الَّتِي احْتَلَّهَا الْكَنْعَانِيُّونَ. الْحَدُّ الشَّمَالِيُّ مُقَرَّرٌ عِنْدَ صِيدُونَ، وَالْحَدُّ الْجَنُوبِيُّ مِنَ الْغَرْبِ عِنْدَ جَرَارَ وَغَزَّةَ، وَالْحَدُّ الْجَنُوبِيُّ مِنَ الشَّرْقِ عِنْدَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَأَدْمَةَ وَصَبُويِيمَ وَلَاشَعَ.
الْآيَةُ ٢١: أَبْنَاءُ سَامٍ
٢١. أَخِي يَافِثَ الْأَكْبَرِ. — الْعِبْرِيُّ «هَغَّادُولْ» لَا يَتَصَرَّفُ، وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجَمَ إِمَّا بِصِيغَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ «الْأَكْبَرِ» كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ، أَوْ بِصِيغَةِ الْحَالِ «وَهُوَ الْأَكْبَرُ.» وَيُتَرْجِمُهُ الْعِبْرَانِيُّونَ وَلِيرَانُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ «الْأَكْبَرِ» مُرْجِعِينَ إِيَّاهُ إِلَى يَافِثَ: فَيَرَوْنَ أَنَّ يَافِثَ كَانَ بِكْرَ نُوحٍ، وَحَامًا الثَّانِيَ، وَسَامًا الثَّالِثَ وَالْأَخِيرَ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يُتَرْجَمَ «الْأَكْبَرُ»؛ فَهَكَذَا تُتَرْجِمُ تَرْجَمَتُنَا وَبَانِينُوسُ وَفَاتَابْلُوسُ وَكَاجِيتَانُوسُ وَغَيْرُهُمْ: فَإِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ تَخُصُّ مَدْحَ سَامٍ لَا يَافِثَ؛ إِذْ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى، كَالْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ، الْآيَةِ ٢٤، يُوضَعُ سَامٌ أَوَّلًا بَيْنَ أَبْنَاءِ نُوحٍ، ثُمَّ حَامٌ ثَانِيًا، ثُمَّ يَافِثُ ثَالِثًا.
قَدْ تَعْتَرِضُ: بَدَأَ نُوحٌ يَلِدُ هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاءَ الثَّلَاثَةَ فِي السَّنَةِ ٥٠٠ مِنْ عُمُرِهِ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ: فَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ٥٠٠ وَلَدَ يَافِثَ، وَفِي السَّنَةِ ٥٠١ وَلَدَ حَامًا، وَفِي السَّنَةِ ٥٠٢ وَلَدَ سَامًا؛ لِأَنَّ التَّكْوِينَ ١١: ١١ يَقُولُ إِنَّ سَامًا كَانَ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الطُّوفَانِ (الَّذِي وَقَعَ فِي السَّنَةِ ٦٠٠ مِنْ عُمُرِ نُوحٍ): فَيَكُونُ سَامٌ قَدْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٥٠٢ مِنْ عُمُرِ نُوحٍ، وَبِالتَّالِي فِي السَّنَةِ ٥٠٠ وُلِدَ يَافِثُ وَكَانَ بِكْرَ نُوحٍ.
أُجِيبُ: الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْأَعْدَادَ الْمُسْتَدِيرَةَ فَحَسْبُ، وَيَسْكُتُ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَالدَّقِيقَةِ. فَهُنَا عِنْدَمَا يُقَالُ فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ، الْآيَةِ ٣٢، إِنَّ نُوحًا بَدَأَ يَلِدُ فِي السَّنَةِ ٥٠٠، افْهَمْ لَيْسَ ٥٠٠ بِالضَّبْطِ بَلْ ٥٠٢. أَوْ بِالتَّأْكِيدِ عِنْدَمَا يُقَالُ فِي الْإِصْحَاحِ الْحَادِي عَشَرَ إِنَّ سَامًا كَانَ ابْنَ ١٠٠ سَنَةٍ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الطُّوفَانِ حِينَ وَلَدَ أَرْفَكْشَادَ، افْهَمْ لَيْسَ ١٠٠ بِالضَّبْطِ بَلْ ١٠٢؛ فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَا يَهْتَمُّ بِالرَّقْمِ اثْنَيْنِ وَيَسْكُتُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ ضَئِيلًا فِي عَدَدٍ كَبِيرٍ كَهَذَا.
٢٢. بَنُو سَامٍ: عِيلَامُ. — وَمِنْهُ الْعِيلَامِيُّونَ، أَيِ الْفُرْسُ: وَكَذَلِكَ مِنْ أَشُّورَ الْأَشُّورِيُّونَ، وَمِنْ لُودٍ اللِّيدِيُّونَ الَّذِينَ كَانَ مَلِكُهُمْ كُرُويسُوسُ؛ وَمِنْ أَرْفَكْشَادَ انْحَدَرَ الْكَلْدَانِيُّونَ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.
أَرَامُ. — وَمِنْهُ الْأَرَامِيُّونَ، أَيِ السُّرْيَانُ. تَنْبِيهٌ: فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ تَمْتَدُّ سُورِيَّا امْتِدَادًا وَاسِعًا وَتَشْمَلُ أَرْمِينِيَا، بَلْ وَمَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ أَيْضًا، الَّتِي تُسَمَّى أَرَامَ نَهَرَايِمْ، أَيْ «سُورِيَّا النَّهْرَيْنِ،» لِأَنَّهَا تَقَعُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، كَمَا سَأَقُولُ بِاسْتِفَاضَةٍ أَكْبَرَ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، الْآيَةِ ٢٠.
الْآيَةُ ٢٤: عَابِرُ وَأَصْلُ الْعِبْرَانِيِّينَ
٢٤. عَابِرُ. — مِنْهُ انْحَدَرَ وَتَسَمَّى الْعِبْرَانِيُّونَ، الَّذِينَ وَحْدَهُمُ احْتَفَظُوا بِاللُّغَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِلْفِرْدَوْسِ، أَيِ الْعِبْرِيَّةِ، مَعَ الْعِبَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلَّهِ فِي انْقِسَامِ الْأُمَمِ وَالْأَلْسُنِ فِي بَابِلَ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَصْلٌ آخَرُ لِكَلِمَةِ عِبْرَانِيٍّ أَيْضًا، كَمَا سَأَقُولُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ، الْآيَةِ ١٣.
يَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ عَابِرَ وُلِدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي فِيهِ جَدُّهُ أَرْفَكْشَادُ، مُغَادِرًا أَرْمِينِيَا، عَبَرَ نَهْرَ دِجْلَةَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقَرَّ فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِ، وَلِذَلِكَ سَمَّى الطِّفْلَ الْمَوْلُودَ آنَذَاكَ عَابِرَ، أَيْ «عَابِرًا،» يَعْنِي عَابِرَ دِجْلَةَ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ مَا يُعَلِّمُهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ فِي الْعَادِيَّاتِ، الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، الْبَابِ السَّابِعِ، أَنَّ الْكَلْدَانِيِّينَ انْحَدَرُوا مِنْ أَرْفَكْشَادَ.
الْآيَةُ ٢٥: فَالَجُ، لِأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الْأَرْضُ
٢٥. فَالَجُ، لِأَنَّ فِي أَيَّامِهِ قُسِمَتِ الْأَرْضُ. — فَفَالَجُ بِالْعِبْرِيَّةِ مَعْنَاهُ «انْقِسَامٌ»: وَهَذَا الِانْقِسَامُ وَالتَّشَتُّتُ وَقَعَ فِي بَابِلَ، اُنْظُرِ الْإِصْحَاحَ الْحَادِيَ عَشَرَ.
تَسْأَلُ: هَلْ وَقَعَ هَذَا الِانْقِسَامُ لِلْأَلْسُنِ وَالْأُمَمِ عِنْدَ وِلَادَةِ فَالَجَ، أَمْ فِي مُنْتَصَفِ حَيَاتِهِ، أَمْ فِي نِهَايَتِهَا؟ يَرَى الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي مَدِينَةِ اللَّهِ، الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ، الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ، وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ وِلَادَةِ فَالَجَ: فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ الطِّفْلُ فَالَجَ. وَالرَّأْيُ الثَّانِي الْأَفْضَلُ: يَرَى الْعِبْرَانِيُّونَ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوحَنَّا فَمُّ الذَّهَبِ وَتُوسْتَاتُوسُ وَلِيرَانُوسُ أَنَّهُ وَقَعَ لَيْسَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ بَلْ فِي أَثْنَاءِ حَيَاةِ فَالَجَ: إِذْ إِنَّ أَبَاهُ عَابِرَ، وَكَانَ رَجُلًا قِدِّيسًا، مُتَنَبِّئًا أَعْطَى لِابْنِهِ الْمَوْلُودِ اسْمَ فَالَجَ مِنْ حَدَثٍ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا بَلْ مُسْتَقْبَلًا تَنَبَّأَ بِهِ فِي الرُّوحِ.
وَلِذَلِكَ أَقُولُ إِنَّهُ يَبْدُو أَرْجَحَ أَنَّ هَذَا الِانْقِسَامَ وَقَعَ حَوَالَيِ السَّنَةِ ١٧٠ بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ كَانَ فَالَجُ قَدْ بَلَغَ ٧٠ سَنَةً (إِذْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ١٠١ بَعْدَ الطُّوفَانِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ الْحَادِي عَشَرَ، الْآيَتَيْنِ ١٥ وَ١٦). يُثْبَتُ ذَلِكَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ حَوَالَيِ هَذِهِ السَّنَةِ ١٧٠، بَعْدَ هَذَا الِانْقِسَامِ فِي بَابِلَ، بَدَأَ نِمْرُودُ يَمْلِكُ كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ١٠؛ وَثَانِيًا لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَا يَقُولُ هُنَا إِنَّ الْأَرْضَ قُسِمَتْ عِنْدَ وِلَادَةِ فَالَجَ بَلْ فِي أَيَّامِهِ؛ وَثَالِثًا لِأَنَّهُ فِي السَّنَةِ ١٠١ بَعْدَ الطُّوفَانِ، حِينَ وُلِدَ فَالَجُ، لَا يَبْدُو أَنَّ الْبَشَرَ تَكَاثَرُوا بِمَا يَكْفِي لِلِانْقِسَامِ إِلَى ٧٠ أُمَّةً وَلُغَةً؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ آنَذَاكَ إِلَّا الْجِيلُ الثَّانِي أَوْ عَلَى الْأَكْثَرِ الثَّالِثُ بَعْدَ الطُّوفَانِ. أَضِفْ مَا هُوَ أَكْثَرُ إِلْحَاحًا: وَلَدَ عَابِرُ فَالَجَ وَعُمُرُهُ ٣٤ سَنَةً، وَبَعْدَهُ كَمَا يَبْدُو وَلَدَ يَقْطَانَ. لَكِنَّ يَقْطَانَ كَانَ لَهُ أَبْنَاءٌ كَثِيرُونَ كَمَا يُقَالُ هُنَا، وَكَانُوا مُسِنِّينَ بِالْفِعْلِ عِنْدَ تَشَتُّتِ بَابِلَ، فَتَفَرَّقُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى مِنْطَقَتِهِ وَأُمَّتِهِ وَلُغَتِهِ، تَمَامًا كَالْآخَرِينَ الْمَذْكُورِينَ هُنَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣١. فَلَمْ تُقْسَمِ الْأَرْضُ إِذَنْ عِنْدَ وِلَادَةِ فَالَجَ، بَلْ حِينَ كَانَ قَدْ بَلَغَ سِنَّ الشَّيْخُوخَةِ (لِأَنَّ أَخَاهُ الْأَصْغَرَ يَقْطَانَ كَانَ لَهُ بِالْفِعْلِ أَبْنَاءٌ كَثِيرُونَ وَمُسِنُّونَ). هَكَذَا يَقُولُ دِيُودُورُسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَغَيْرُهُمْ.
يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ أَنَّ يَقْطَانَ لَمْ يَكُنْ أَصْغَرَ مِنْ فَالَجَ بَلْ أَكْبَرَ. لَكِنَّ هَذَا لَا يَبْدُو مُحْتَمَلًا: إِذْ يُذْكَرُ فَالَجُ هُنَا قَبْلَ يَقْطَانَ؛ وَلَكِنْ لِنَقْبَلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ يَقْطَانَ لَا بُدَّ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ فَالَجَ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ فَحَسْبُ: إِذْ وُلِدَ فَالَجُ فِي السَّنَةِ ٣٤ مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ عَابِرَ؛ فَلِيَكُنْ يَقْطَانُ قَدْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٣٠ أَوْ ٢٥ مِنْ عُمُرِ عَابِرَ، فَيَكُونُ قَدْ فَاقَ فَالَجَ بِتِسْعِ سَنَوَاتٍ عَلَى الْأَكْثَرِ؛ وَبِالتَّالِي لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِ يَقْطَانَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبْنَاءٌ بِهَذَا الْعَدَدِ وَالْعِظَمِ عِنْدَ وِلَادَةِ فَالَجَ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا يَرْوِيهِ الْعِبْرَانِيُّونَ فِي سِيدِرْ عُولَامْ بَاطِلٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الِانْقِسَامَ لِلْأَلْسُنِ وَالْأُمَمِ وَقَعَ فِي نِهَايَةِ حَيَاةِ فَالَجَ، أَيْ حَوَالَيِ السَّنَةِ ٣٤٠ بَعْدَ الطُّوفَانِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ نُوحٍ بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ؛ إِذْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ٣٤٠ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ وُلِدَ بِالْفِعْلِ وَكَانَ ابْنَ ٤٨ سَنَةً: وَقَبْلَ إِبْرَاهِيمَ كَانَ نِينُوسُ قَدْ حَارَبَ زَرَادُشْتَ بِأُمَمٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا مُجَمَّعَةٍ، كَمَا قُلْتُ قُرْبَ نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ: فَكَانَتِ الْأُمَمُ إِذَنْ قَدِ انْقَسَمَتْ وَتَفَرَّقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
الْآيَةُ ٢٩: أُوفِيرُ وَحَوِيلَةُ وَأَبْنَاءُ يَقْطَانَ
٢٩. أُوفِيرُ وَحَوِيلَةُ. — وَمِنْهُمَا الْهُنُودُ وَشُعُوبُ الْهِنْدِ الْمُتَنَوِّعَةُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَرِيَاسُ، الَّذِي يُرْجِعُ إِلَى يُوبَابَ أَيْضًا ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنَ الْعَالَمِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسَمَّى بَارِيَاسَ. أَمَّا نَسْلُ الْبَاقِينَ الْمَذْكُورِينَ هُنَا فَمَجْهُولٌ.
الْآيَةُ ٣١: هَؤُلَاءِ بَنُو سَامٍ
٣١. هَؤُلَاءِ بَنُو سَامٍ بِحَسَبِ عَشَائِرِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ. — مِنْ هُنَا يُعَلِّمُ فِيلَسْتَرِيُوسُ فِي كِتَابِ الْهَرْطَقَاتِ، الْبَابِ ١٠٦، أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ جَازِمًا بِأَنَّهُ قَبْلَ بُرْجِ بَابِلَ كَانَتْ هُنَاكَ لُغَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، لَكِنَّ جَمِيعَ النَّاسِ كَانُوا يَفْهَمُونَهَا آنَذَاكَ؛ أَمَّا فِي تَشَتُّتِ بَابِلَ فَبَقِيَتْ فِي كُلِّ رَبِّ أُسْرَةٍ لُغَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ، مُخْتَلِفَةٌ عَنْ لُغَةِ كُلِّ رَبِّ أُسْرَةٍ آخَرَ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا نِيقُولَاوُسُ الْكُوزَانِيُّ الَّذِي يَقُولُ فِي مُخْتَصَرِهِ، الْبَابِ الثَّالِثِ: «كَانَ فَنُّ الْكَلَامِ الْأَوَّلُ غَنِيًّا جِدًّا بِالْمُرَادِفَاتِ بِحَيْثُ كَانَتْ جَمِيعُ اللُّغَاتِ الَّتِي انْقَسَمَتْ فِيمَا بَعْدُ مُحْتَوَاةً فِيهِ، وَآدَمُ نَفْسُهُ لَوْ تَكَلَّمَ إِلَيْهِ أَحَدٌ بِتِلْكَ اللُّغَاتِ لَفَهِمَهَا كُلَّهَا، إِذْ هُوَ الَّذِي وَضَعَ جَمِيعَ الْأَلْفَاظِ، وَقَدْ مُنِحَتْ إِتْقَانُ اللُّغَاتِ فَجْأَةً لِكَثِيرِينَ.»
لَكِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، حَيْثُ يُقَالُ إِنَّ الْأَرْضَ قَبْلَ هَذَا التَّشَتُّتِ كَانَتْ ذَاتَ شَفَةٍ وَاحِدَةٍ وَلُغَةٍ وَاحِدَةٍ. فَهَذَا إِذَنْ اسْتِبَاقٌ أَوِ اسْتِشْرَافٌ؛ إِذِ اللُّغَاتُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا لَيْسَتِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بِالْفِعْلِ، بَلِ الَّتِي كَانَتْ سَتَظْهَرُ بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِلَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَرُوبِيرْتُسُ وَغَيْرُهُمْ.
الْآيَةُ ٣٢: مِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتِ الْأُمَمُ
٣٢. مِنْ هَؤُلَاءِ تَفَرَّقَتِ الْأُمَمُ. — عُمُومًا يَعُدُّ الْقِدِّيسُونَ أُغُسْطِينُوسُ وَإِيرُونِيمُوسُ وَبْرُوسْبِيرُوسُ وَأَبِيفَانِيُوسُ ٧٢ أُمَّةً وَلُغَةً انْقَسَمَ إِلَيْهَا النَّاسُ فِي تَشَتُّتِ بَابِلَ: إِذْ يُوجَدُ هَذَا الْعَدَدُ مِنَ الْأَشْخَاصِ، أَيِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ، مَذْكُورِينَ وَمُعَدَّدِينَ فِي هَذَا الْإِصْحَاحِ، وَتَحْدِيدًا ١٤ مِنْ أَبْنَاءِ يَافِثَ، وَ٣١ مِنْ أَبْنَاءِ حَامٍ، وَ٢٧ مِنْ أَبْنَاءِ سَامٍ. إِذْ يُضِيفُونَ قِينَانَ الَّذِي تُضِيفُهُ السَّبْعِينِيَّةُ. لَكِنَّنِي سَأُبَيِّنُ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي أَنَّ قِينَانَ يَجِبُ حَذْفُهُ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ حَذْفُ أَسْمَاءِ الْآبَاءِ هُنَا: إِذِ الْآبَاءُ لَمْ يُشَكِّلُوا عَشِيرَةً أَوْ أُمَّةً مُخْتَلِفَةً عَنْ أَبْنَائِهِمْ: فَبِحَذْفِ هَؤُلَاءِ يَبْقَى ٥٥ ابْنًا، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَشَأَتْ أُمَمٌ مُتَفَرِّقَةٌ، إِذْ فِي تَشَتُّتِ بَابِلَ نَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لُغَتَهُ أَوْ لَهْجَتَهُ الْخَاصَّةَ؛ وَفِي هَذَا الشَّأْنِ اُنْظُرْ بِيرِيرِيُوسَ بِاسْتِفَاضَةٍ فِي الْكِتَابَيْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ.
مِمَّا قِيلَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَمَ تَفَرَّقَتْ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَبِالتَّالِي فِي نِصْفَيِ الْكُرَةِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ مَعًا. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ بَعْضَهُمْ مُقَابِلُونَ لِبَعْضٍ فِي الْجِهَةِ الْمُعَاكِسَةِ مِنَ الْأَرْضِ، وَيَقِفُونَ وَيَمْشُونَ بِأَقْدَامِهِمْ فِي اتِّجَاهَاتٍ مُتَعَاكِسَةٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ بْلِينِيُوسُ وُجُودَ أُنَاسٍ فِي الْجَانِبِ الْمُقَابِلِ مِنَ الْأَرْضِ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي، الْبَابِ ٦٧؛ وَكَذَلِكَ كِيكِيرُو وَمِيلَا وَغْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ فِي الرِّسَالَةِ ٧١ إِلَى بُوسْتُومِيَانُوسَ، وَأُغُسْطِينُوسُ فِي مَدِينَةِ اللَّهِ، الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ، الْبَابِ التَّاسِعِ. وَالسَّبَبُ الَّذِي حَرَّكَهُمْ هُوَ اتِّسَاعُ الْمُحِيطِ الْوَاقِعِ بَيْنَ هَذَا الْعَالَمِ وَالْعَالَمِ الْجَدِيدِ، وَالَّذِي بَدَا لَهُمْ غَيْرَ قَابِلٍ لِلْعُبُورِ، بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ الِانْتِقَالَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الْجَدِيدِ.
لَكِنَّنِي أَجَبْتُ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ، الْآيَةِ ١٧. فَقَدْ ثَبَتَ الْآنَ مِنْ رِحْلَاتِ الْإِسْبَانِ أَنَّ أَمْرِيكَا مَأْهُولَةٌ بِالْبَشَرِ وَأَنَّهُمْ سُكَّانُ الْجَانِبِ الْمُقَابِلِ مِنَ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا.
وَكَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ هُنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَمَ تَفَرَّقَتْ فِي جَمِيعِ أَقَالِيمِ الْعَالَمِ، وَتَسْكُنُ لَيْسَ فَقَطْ الْمَنَاطِقَ دَاخِلَ الْمَدَارَيْنِ، بَلْ أَيْضًا خَارِجَهُمَا، وَتَقْرِيبًا تَحْتَ الْقُطْبَيْنِ، بَلْ وَتَحْتَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ أَيْضًا، حَيْثُ وَضَعَ الْقُدَمَاءُ قَدِيمًا الْمِنْطَقَةَ الْحَارَّةَ الَّتِي حَكَمُوا بِأَنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلسَّكَنِ بِسَبَبِ الْحَرَارَةِ.
لَكِنْ مِنْ تِلْكَ الرِّحْلَاتِ نَفْسِهَا لِلْإِسْبَانِ ثَبَتَ أَنَّ الْمِنْطَقَةَ الْحَارَّةَ مَأْهُولَةٌ بِالْبَشَرِ وَمُعْتَدِلَةُ الْمُنَاخِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقِصَرِ أَيَّامِ الصَّيْفِ وَقُرْبِ الْمُحِيطِ وَالرِّيَاحِ الدَّائِمَةِ الَّتِي تَهُبُّ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَسَائِلِ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَعِلَاجَاتِهَا، كَمَا يُعَلِّمُ الشَّاهِدُ الْعِيَانِيُّ يُوسُفُ دِي أَكُوسْتَا فِي كِتَابِ الْعَالَمِ الْجَدِيدِ، الْكِتَابِ الثَّانِي، الْبَابِ الثَّامِنِ وَمَا يَلِيهِ. فَهَكَذَا يُتِمُّ اللَّهُ قَرَارَهُ الَّذِي سَنَّهُ فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَةِ ٢٨: «امْلَأُوا الْأَرْضَ.»