كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

التَّكْوِينُ الحَادِيَ عَشَرَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

أَوَّلًا، يُبْنَى بُرْجُ بَابِلَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ٧، تَنْقَسِمُ الْأَلْسِنَةُ وَتَتَبَدَّدُ الْأُمَمُ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ١٠، يُسْرَدُ نَسَبُ سَامٍ نُزُولًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي يَرْتَحِلُ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ إِلَى حَارَانَ وَكَنْعَانَ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١١: ١-٣٢

١. وَكَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَكَلَامًا وَاحِدًا. ٢. وَحَدَثَ إِذِ ارْتَحَلُوا مِنَ الْمَشْرِقِ أَنَّهُمْ وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ، فَسَكَنُوا هُنَاكَ. ٣. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هَلُمَّ نَصْنَعُ لَبِنًا وَنَشْوِيهِ شَيًّا.» فَكَانَ لَهُمُ اللَّبِنُ مَكَانَ الْحَجَرِ، وَالْحُمَرُ مَكَانَ الطِّينِ. ٤. وَقَالُوا: «هَلُمَّ نَبْنِ لِأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ، وَنَصْنَعْ لِأَنْفُسِنَا اسْمًا قَبْلَ أَنْ نَتَبَدَّدَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ.» ٥. فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا، ٦. وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهَذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ، وَالْآنَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. ٧. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ.» ٨. فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ. ٩. لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا بَابِلَ، لِأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الْأَرْضِ، وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الْأَرْضِ. ١٠. هَذِهِ مَوَالِيدُ سَامٍ: لَمَّا كَانَ سَامٌ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَلَدَ أَرْفَكْشَادَ، بَعْدَ الطُّوفَانِ بِسَنَتَيْنِ. ١١. وَعَاشَ سَامٌ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَرْفَكْشَادَ خَمْسَمِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٢. وَعَاشَ أَرْفَكْشَادُ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ شَالَحَ. ١٣. وَعَاشَ أَرْفَكْشَادُ بَعْدَ مَا وَلَدَ شَالَحَ ثَلَاثَمِئَةٍ وَثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٤. وَعَاشَ شَالَحُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ عَابِرَ. ١٥. وَعَاشَ شَالَحُ بَعْدَ مَا وَلَدَ عَابِرَ أَرْبَعَمِئَةٍ وَثَلَاثَ سَنَوَاتٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٦. وَعَاشَ عَابِرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ فَالَجَ. ١٧. وَعَاشَ عَابِرُ بَعْدَ مَا وَلَدَ فَالَجَ أَرْبَعَمِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ١٨. وَعَاشَ فَالَجُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ رَعُو. ١٩. وَعَاشَ فَالَجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ رَعُو مِئَتَيْنِ وَتِسْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٠. وَعَاشَ رَعُو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ سَرُوجَ. ٢١. وَعَاشَ رَعُو بَعْدَ مَا وَلَدَ سَرُوجَ مِئَتَيْنِ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٢. وَعَاشَ سَرُوجُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَلَدَ نَاحُورَ. ٢٣. وَعَاشَ سَرُوجُ بَعْدَ مَا وَلَدَ نَاحُورَ مِئَتَيْ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٤. وَعَاشَ نَاحُورُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَوَلَدَ تَارَحَ. ٢٥. وَعَاشَ نَاحُورُ بَعْدَ مَا وَلَدَ تَارَحَ مِئَةً وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. ٢٦. وَعَاشَ تَارَحُ سَبْعِينَ سَنَةً وَوَلَدَ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. ٢٧. وَهَذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَهَارَانُ وَلَدَ لُوطًا. ٢٨. وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلَادِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. ٢٩. وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لِنَفْسَيْهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. ٣٠. وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. ٣١. وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ؛ فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. ٣٢. وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ.


الْآيَةُ ١: كَانَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا

أَيْ لُغَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الْعِبْرِيَّةُ؛ وَهَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ. فَإِنَّ الْعِبْرِيَّةَ كَانَتِ اللُّغَةَ الْأُولَى وَالْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ جَمِيعِ الْبَشَرِ، سَوَاءٌ قَبْلَ الطُّوفَانِ أَوْ بَعْدَهُ حَتَّى بِنَاءِ بُرْجِ بَابِلَ، وَهَذَا وَاضِحٌ مِنِ اشْتِقَاقَاتِ أَسْمَاءِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَقَايِنَ وَشِيثَ وَبَابِلَ وَفَالَجَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَغَيْرِهِمْ، وَهِيَ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يَذْكُرُهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نَفْسُهُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: إِذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ أَصْلِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَمَعَانِيهَا مِنْ أَيِّ لُغَةٍ غَيْرِ الْعِبْرِيَّةِ. وَهَذَا رَأْيُ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ الحَادِيَ عَشَرَ، وَأُورِيجَانُوسَ وَذَهَبِيِّ الْفَمِ وَدِيُودُورُوسَ وَإِيرُونِيمُوسَ وَسَائِرِهِمْ، مَا عَدَا ثِيُودُورِيطُوسَ وَحْدَهُ الَّذِي يَظُنُّ خَطَأً أَنَّ اللُّغَةَ الْأُولَى كَانَتْ لُغَتَهُ السُّرْيَانِيَّةَ (لِأَنَّ ثِيُودُورِيطُوسَ كَانَ سُرْيَانِيًّا، إِذْ وُلِدَ فِي أَنْطَاكِيَةَ بِسُورِيَّا، ثُمَّ صَارَ أُسْقُفًا عَلَى قُورُشَ فِي سُورِيَّا)؛ وَأَمَّا الْعِبْرِيَّةُ فَبَدَأَتْ لَاحِقًا وَسُلِّمَتْ أَوَّلًا مِنَ اللهِ إِلَى مُوسَى. وَمِنَ الثَّابِتِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّرْيَانِيَّةَ لَهْجَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ نَشَأَتْ مِنِ انْحِرَافِهَا: كَمَا أَنَّ الْفَرَنْسِيَّةَ وَالْإِيطَالِيَّةَ وَالْإِسْبَانِيَّةَ تَنْحَدِرُ مِنَ اللَّاتِينِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ.

يَزْعُمُ غُورُوبْيُوسْ بِيكَانُوسْ أَنَّ لُغَةَ الْعَالَمِ الْأُولَى كَانَتِ الْكِيمْبْرِيَّةَ، أَوِ الْفَلَمَنْكِيَّةَ، وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهَا جَمِيعَ أَسْمَاءِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَآدَمَ وَحَوَّاءَ وَقَايِنَ وَمَتُوشَالَحَ وَغَيْرِهِمْ. يَقُولُ: آدَمُ يُدْعَى كَأَنَّهُ هَادْ دَامْ، أَيْ بُغْضُ السَّدِّ. فَآدَمُ إِذَنْ هُوَ سَدٌّ مُقَامٌ فِي وَجْهِ أَمْوَاجِ الْحَسَدِ. وَحَوَّاءُ تُدْعَى كَأَنَّهَا أُو فَاتْ، أَيْ وِعَاءُ الدَّهْرِ، لِأَنَّ فِي حَوَّاءَ حُبِلَ بِبِدَايَةِ كُلِّ الدُّهُورِ. وَهَابِيلُ يُدْعَى كَأَنَّهُ هَاتْ بَيْلْخْ، أَيْ بُغْضُ الْحَرْبِ، يَعْنِي الْحَرْبَ الَّتِي شَنَّهَا عَلَيْهِ أَخُوهُ قَايِنُ. وَقَايِنُ يُدْعَى كَأَنَّهُ كَاتْ إِنْدِي، أَيْ نِهَايَةٌ سَيِّئَةٌ. وَمَتُوشَالَحُ يُدْعَى مَاتْ أُو سَالِيخْ، أَيْ أَنْقِذْ نَفْسَكَ، مِنَ الطُّوفَانِ الْوَشِيكِ. وَأَخْنُوخُ يُدْعَى كَأَنَّهُ إِيتْ نُوخْ، أَيِ الْقَسَمُ (قَسَمُ اللهِ مَعَ الْبَشَرِ) لَا يَزَالُ، أَيْ بَاقِيًا، إِلَخْ. لَكِنَّ هَذِهِ الِاشْتِقَاقَاتِ لَا تَتَوَافَقُ مَعَ الِاشْتِقَاقَاتِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ؛ إِذْ تِلْكَ تُشِيرُ إِلَى مَعْنًى وَأَصْلٍ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامًا. لِذَلِكَ فَإِنَّ غُورُوبْيُوسَ فِي هَذِهِ الِاشْتِقَاقَاتِ الَّتِي يَسْتَخْرِجُهَا بِجُهْدٍ كَبِيرٍ مِنَ اللُّغَةِ الْفَلَمَنْكِيَّةِ لَا يُظْهِرُ شَيْئًا سِوَى حِدَّةِ ذَكَائِهِ، الَّذِي لَيْتَهُ وَظَّفَهُ فِي أُمُورٍ أَكْثَرَ رَصَانَةً وَنَفْعًا. وَلِذَلِكَ حَكَمَ رَجُلٌ عَالِمٌ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ لُعْبَةٍ فِكْرِيَّةٍ وَتَسْلِيَةٍ لِلذِّهْنِ.


الْآيَةُ ٢: وَإِذِ ارْتَحَلُوا مِنَ الْمَشْرِقِ

مِنْ أَرْمِينِيَا الَّتِي تَقَعُ شَرْقَ بَابِلَ، حَيْثُ اسْتَقَرَّتِ الْفُلْكُ عِنْدَمَا تَوَقَّفَ الطُّوفَانُ: هُنَاكَ إِذَنْ يَبْدُو أَنَّ نُوحًا أَقَامَ مَعَ أَهْلِهِ فَوْرَ الطُّوفَانِ. هَكَذَا يَقُولُ أَبِيفَانِيُوسُ فِي مُسْتَهَلِّ كِتَابِهِ فِي الْبِدَعِ، وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا.

تَبِعَ نُوحًا أَحْفَادُهُ وَذُرِّيَّتُهُ: وَيُشِيرُ يُوسِيفُوسُ وَأَفْلَاطُونُ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنَ الْقَوَانِينِ إِلَى أَنَّهُمْ مِنْ خَوْفِ الطُّوفَانِ سَكَنُوا أَوَّلًا فِي الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْخَوْفُ شَيْئًا فَشَيْئًا نَزَلُوا إِلَى الْأَوْدِيَةِ وَالسُّهُولِ.

وَجَدُوا بُقْعَةً فِي أَرْضِ شِنْعَارَ. لَاحِظْ: إِنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا مَوْجُودِينَ مِنَ النَّاسِ آنَذَاكَ (وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَايِيتَانُوسُ)، بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا مِنْ أَرْمِينِيَا يَبْدُو أَنَّهُمْ جَاءُوا إِلَى شِنْعَارَ، أَيْ إِلَى بَابِلَ، أَمَلًا فِي أَرْضٍ أَكْبَرَ وَأَجْوَدَ، وَبِسَبَبِ مَوْقِعِهَا الْأَيْسَرِ، إِذْ مِنْهَا يَسْتَطِيعُونَ الِانْتِشَارَ بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، لِيَظَلُّوا مُتَجَاوِرِينَ وَمُتَقَارِبِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَلِهَذَا يَرَى الْأَبُولِنْسِيُّ بِحَقٍّ أَنَّ نُوحًا، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا حِينَئِذٍ، حَضَرَ بِنَاءَ بُرْجِ بَابِلَ، بَلْ رُبَّمَا سَاعَدَ فِيهِ؛ إِذْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَبْنُونَهُ بِغَرَضٍ حَسَنٍ، وَآخَرُونَ — وَهُمُ الْأَكْثَرِيَّةُ بِكَثِيرٍ — بِغَرَضٍ سَيِّئٍ: فَجَمِيعُ النَّاسِ كَانُوا حِينَئِذٍ فِي بَابِلَ؛ وَمِنْ ثَمَّ بُلْبِلَتْ أَلْسِنَةُ الْجَمِيعِ هُنَاكَ وَقُسِّمَتْ: وَهَكَذَا يَرَى أَيْضًا بِيرِيرِيُوسُ وَدِلْرِيُو وَغَيْرُهُمَا.

لَاحِظْ: لَمْ يُسَمَّ هَذَا الْمَوْضِعُ شِنْعَارَ حِينَئِذٍ، بَلْ سَمَّاهُ سُكَّانُهُ كَذَلِكَ لَاحِقًا، كَمَا سُمِّيَ أَيْضًا بَابِلَ، مِنَ الْحَدَثِ. فَإِنَّ شِنْعَارَ بِالْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي خَلْعَ الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّ ذَوِي الْأَسْنَانِ، أَيِ الْمُتَكَبِّرِينَ، الَّذِينَ كَانُوا يَبْنُونَ بَابِلَ، جُرِّدُوا هُنَاكَ مِنْ أَسْنَانِهِمْ، أَيْ مِنْ لِسَانِهِمْ، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ. وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي تَفْسِيرِهِ لِلْمَزْمُورِ التَّوْبَوِيِّ الرَّابِعِ، عِنْدَ الْآيَةِ مَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ: «أَحْسِنْ يَا رَبُّ بِرِضَاكَ إِلَى صِهْيَوْنَ»؛ وَيُضِيفُ مَعْنًى مَجَازِيًّا: «فِي شِنْعَارَ، يَقُولُ، يَسْكُنُ ذَوُو الْأَسْنَانِ الَّذِينَ يُمَزِّقُونَ جِيرَانَهُمْ بِعَضَّاتِ الِاغْتِيَابِ: يَخْلَعُ اللهُ أَسْنَانَهُمْ عِنْدَمَا يُبَلْبِلُ أَعْمَالَهُمْ وَأَقْوَالَهُمْ مَعًا. فَعَنْهُ كُتِبَ: كَسَرْتَ أَسْنَانَ الْخَاطِئِينَ؛ وَأَيْضًا: الرَّبُّ يُحَطِّمُ أَسْنَانَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ.»


الْآيَةُ ٣: وَكَانَ لَهُمُ اللَّبِنُ بَدَلَ الْحِجَارَةِ

لِأَنَّهُ كَمَا يَرْوِي ثِيُودُورِيطُوسُ، كَانَ فِي بَابِلَ نُقْصَانٌ كَبِيرٌ فِي الْحِجَارَةِ. وَيُضِيفُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ طُوفَانِ نَارٍ، إِذْ عَلِمُوا أَنَّ الْعَالَمَ سَيَحْتَرِقُ مِنْ جَدِيدٍ ذَاتَ يَوْمٍ: فَاللَّبِنُ إِذَا شُوِيَ جَيِّدًا يُقَاوِمُ النَّارَ مُقَاوَمَةً شَدِيدَةً؛ أَمَّا الْحِجَارَةُ فَتَتَحَلَّلُ بِالنَّارِ إِلَى كِلْسٍ. وَلَوْ فَكَّرُوا هَكَذَا لَكَانَ تَفْكِيرُهُمْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَسْتَطِعْ شَيْءٌ مُقَاوَمَةَ طُوفَانِ الْمَاءِ، كَذَلِكَ لَنْ يَسْتَطِيعَ شَيْءٌ مُقَاوَمَةَ طُوفَانِ النَّارِ فِي نِهَايَةِ الْعَالَمِ، الَّذِي سَيَكُونُ أَشَدَّ قُوَّةً بِكَثِيرٍ.


الْآيَةُ ٤: بُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ

أَيْ بُرْجًا شَاهِقًا لِلْغَايَةِ: وَهَذَا مُبَالَغَةٌ. وَفِي شَأْنِ ارْتِفَاعِ هَذَا الْبُرْجِ يَذْكُرُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أُمُورًا عَجِيبَةً فِي تَفْسِيرِهِ لِإِشَعْيَاءَ الْإِصْحَاحِ الرَّابِعِ عَشَرَ، وَهِيَ أَنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافِ خُطْوَةٍ، مَا يُعَادِلُ مِيلًا كَبِيرًا أَوْ جَرْمَانِيًّا. وَيُضِيفُ يُوسِيفُوسُ أَنَّ أَتْبَاعَ نَمْرُودَ فَكَّرُوا فِي بِنَاءِ هَذَا الْبُرْجِ بِارْتِفَاعٍ لَا يَسْتَطِيعُ الطُّوفَانُ بُلُوغَهُ لَوْ عَادَ. فَانْظُرْ إِلَى حَمَاقَةِ الْبَشَرِ! وَقَدْ بَقِيَتْ بَقَايَا هَذَا الْبُرْجِ حَتَّى زَمَنِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ وَثِيُودُورِيطُوسَ، كَمَا يَشْهَدَانِ هُمَا أَنْفُسُهُمَا.

لَاحِظْ أَنَّ هَذَا الْبُرْجَ كَانَ فِي مَدِينَةِ بَابِلَ نَفْسِهَا، كَمَا يُشِيرُ النَّصُّ الْعِبْرِيُّ فِي الْآيَةِ ٩: وَإِنْ كَانَ آخَرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بَابِلَ بَلْ فِي مَدِينَةِ كَلْنَةَ الْمُجَاوِرَةِ.

ثَانِيًا، لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ هَذَا الْبِنَاءِ نُوحًا الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا، بَلْ نَمْرُودَ. هَكَذَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَغَيْرُهُمَا.

نَصْنَعْ لِأَنْفُسِنَا اسْمًا. يُعْذِرُ الْأَبُولِنْسِيُّ هَؤُلَاءِ الْبُنَاةَ مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ، لَا مُمِيتَةٍ فَحَسْبُ بَلْ وَعَرَضِيَّةٍ أَيْضًا، أَوَّلًا لِأَنَّهُمْ بَنَوْا هَذَا الْبُرْجَ لِيَكُونَ بُرْجَ مُرَاقَبَةٍ فَاعِلًا وَمُنْفَعِلًا، أَيْ لِيُرَى مِنْ بَعِيدٍ مِنْ جَمِيعِ السَّاكِنِينَ حَوْلَهُ، فَيَتَمَكَّنَ الْجَمِيعُ فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْعَوْدَةِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي بَابِلَ لِلتَّدَاوُلِ فِي الشُّؤُونِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ: وَلِهَذَا الْغَرَضِ لَا تَزَالُ الْأَبْرَاجُ تُبْنَى إِلَى الْيَوْمِ؛ وَثَانِيًا، حَتَّى لَوْ أَرَادُوا تَخْلِيدَ اسْمِهِمْ بِهَذَا الْبُرْجِ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ شَرًّا؛ إِذْ يَجُوزُ طَلَبُ الشُّهْرَةِ وَالْمَجْدِ مَا دَامَ الشَّيْءُ الَّذِي تُطْلَبُ مِنْهُ الشُّهْرَةُ لَيْسَ شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وَلَا يَنْتَقِصُ مِنْ كَرَامَةِ اللهِ. وَأَضِفْ أَنَّ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْبُنَاةِ كَانَ نُوحٌ الرَّجُلُ الْقِدِّيسُ، رَئِيسُ الْجَمِيعِ وَأَبُوهُمْ، الَّذِي مَا كَانَ لِيَسْمَحَ بِبِنَاءِ هَذَا الْبُرْجِ لِغَرَضٍ شَرِيرٍ: هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ.

لَكِنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ وَذَهَبِيَّ الْفَمِ وَيُوسِيفُوسَ وَغَيْرَهُمْ يَحْكُمُونَ بِحَقٍّ أَكْبَرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْبُنَاةَ أَخْطَأُوا بِالْبَاطِلِ وَالْكِبْرِيَاءِ؛ إِذْ مَاذَا يَعْنِي بُرْجٌ بَالِغُ الْعُلُوِّ مَجْنُونٌ يَصِلُ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَذَا الْبِنَاءُ الَّذِي خَشُوا أَنْ يَمْنَعَهُمُ الْمَوْتُ أَوِ التَّشَتُّتُ مِنْ إِتْمَامِهِ؟

ثَانِيًا، حِينَ يَقُولُونَ: «نَصْنَعْ لِأَنْفُسِنَا اسْمًا»، مَاذَا يَدُلُّونَ عَلَيْهِ سِوَى أَنَّ غَايَةَ سَعْيِهِمْ وَكَدِّهِمِ الشِّرِّيرِ كَانَتْ رَغْبَةً طَمُوحَةً فِي تَخْلِيدِ اسْمِهِمْ؟ ثَالِثًا، أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ كَانَ مَكْرُوهًا وَبَغِيضًا عِنْدَ اللهِ يَتَّضِحُ مِنْ أَنَّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ مَنَعَهُ وَعَاقَبَ الْبُنَاةَ بِتَنَافُرِ الْأَلْسِنَةِ وَاخْتِلَافِهَا حَتَّى لَمْ يَعُدْ بَعْضُهُمْ يَفْهَمُ بَعْضًا. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ رَابِعًا، فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ الرَّابِعُ، أَنَّ نَمْرُودَ بَنَى بَابِلَ لِتَكُونَ حِصْنًا لِطُغْيَانِهِ وَفُجُورِهِ. وَمِنْ هَذَا الْبِنَاءِ وُلِدَتْ أُسْطُورَةُ الْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ شَنُّوا حَرْبًا عَلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ مَا تَحَدَّثْتُ عَنْهُ فِي الْإِصْحَاحِ السَّادِسِ، الْآيَةِ الرَّابِعَةِ، كَمَا يُعَلِّمُ أَلْكِيمُوسْ أَفِيتُوسْ، وَتُشِيرُ السِّبِيلَّا فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ.

حَضَرَ نُوحٌ هَذَا الْبِنَاءَ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَرَأَّسْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَهُ: إِذْ تَغَلَّبَ نَمْرُودُ بِأَتْبَاعِهِ؛ وَلَوْ سَاعَدَ نُوحٌ فِيهِ فَقَدْ سَاعَدَ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ وَتَجَنُّبًا لِشَرٍّ أَعْظَمَ.

لَكِنْ لَاحِظْ أَنَّ اللهَ سَمَحَ بِهَذِهِ الْخَطِيئَةِ وَبِبِنَاءِ هَذَا الْبُرْجِ لِفَتْرَةٍ وَإِلَى ارْتِفَاعٍ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ أَنْ يُحَقِّقَ خَيْرًا عَظِيمًا، وَهُوَ تَشْتِيتُ الْبَشَرِ فِي جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ حَتَّى يَمْتَلِئَ الْعَالَمُ كُلُّهُ وَيُعْمَرَ بِالْبَشَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ زِينَةً عَظِيمَةً لِلْعَالَمِ كُلِّهِ وَنَفْعًا لَهُ.

أَخْلَاقِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ ذَهَبِيُّ الْفَمِ هُنَا فِي الْعِظَةِ الثَّلَاثِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَبْنُونَ بُيُوتًا فَاخِرَةً وَحَمَّامَاتٍ وَأَرْوِقَةً لِغَرَضِ تَخْلِيدِ اسْمِهِمْ فِيهَا يُشْبِهُونَ هَؤُلَاءِ بُنَاةَ بَابِلَ. وَيُضِيفُ: «وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ حَقًّا تُحِبُّ الذِّكْرَى الْأَبَدِيَّةَ، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنْ تُوَزِّعَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ فِي أَيْدِي الْفُقَرَاءِ، تَارِكًا وَرَاءَكَ الْحِجَارَةَ وَالْمَبَانِيَ الْفَاخِرَةَ وَالضِّيَاعَ وَالْحَمَّامَاتِ. هَذَا الذِّكْرُ خَالِدٌ، وَهَذَا الذِّكْرُ يُنْتِجُ لَكَ كُنُوزًا لَا تُحْصَى، وَهَذَا الذِّكْرُ يُخَفِّفُ عَنْكَ حِمْلَ الْخَطَايَا، وَهَذَا الذِّكْرُ يَكْسِبُكَ ثِقَةً عَظِيمَةً عِنْدَ اللهِ.» وَيُثْبِتُ ذَلِكَ مِنَ الْمَزْمُورِ ١١١: «فَرَّقَ وَأَعْطَى الْمَسَاكِينَ، بِرُّهُ (أَيْ صَدَقَتُهُ) يَدُومُ إِلَى الْأَبَدِ. أَرَأَيْتَ ذِكْرًا يَمْتَدُّ عَبْرَ كُلِّ الدُّهُورِ؟»

قَبْلَ أَنْ نَتَبَدَّدَ. وَكَذَلِكَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الْعِبْرِيَّ فِنْ نَافُوتْسْ يَعْنِي «لِئَلَّا نَتَبَدَّدَ»، أَيْ: قَبْلَ أَنْ نَتْرُكَ أَثَرًا يَحْفَظُ ذِكْرَى اسْمِنَا وَمَجْدِنَا. لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيَتَبَدَّدُونَ قَرِيبًا، فَسَبَقُوا وَأَسْرَعُوا فِي إِقَامَةِ هَذَا النَّصْبِ التَّذْكَارِيِّ وَهَذَا الْبِنَاءِ، لِئَلَّا يُعِيقَهُمُ الْمَوْتُ أَوِ التَّشَتُّتُ عَنْ إِتْمَامِهِ.


الْآيَةُ ٥: فَنَزَلَ الرَّبُّ

لَا بِتَغْيِيرِ الْمَكَانِ (لِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ)، بَلْ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ قُرْبٍ وَالْمَنْعِ وَالْمُعَاقَبَةِ، كَمَا يَقُولُ كَايِيتَانُوسُ. فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَتَكَلَّمُ عَنِ اللهِ بِأُسْلُوبِ التَّشْبِيهِ الْبَشَرِيِّ، كَأَنَّمَا يَقُولُ: تَفَحَّصَ اللهُ بِدِقَّةٍ وَجِدٍّ وَتَأَنٍّ وَتَرَوٍّ هَذَا الْبُرْجَ، وَكِبْرِيَاءَ هَؤُلَاءِ الْبُنَاةِ الْمَجْنُونَةَ الَّتِي لَا تُطَاقُ، لِيَمْنَعَهُ وَيُعَاقِبَهُ، كَمَا لَوْ أَنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى أَرْضِ شِنْعَارَ، كَمَا يَفْعَلُ إِنْسَانٌ أَوْ مَلَاكٌ قَاضٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.

وَمِنْ ثَمَّ يُلَاحِظُ دِلْرِيُو بِحَقٍّ، اسْتِنَادًا إِلَى فِيلُونَ وَالْقِدِّيسِ ذَهَبِيِّ الْفَمِ، أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ عِنْدَمَا يُرِيدُ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَنَّ اللهَ يَتَقَدَّمُ بِخُطُوَاتٍ بَطِيئَةٍ نَحْوَ الْحُكْمِ وَالْعِقَابِ، يَقُولُ إِنَّهُ يَنْزِلُ، أَيْ يَقْتَرِبُ مِنَّا، لِيُعْلَمَ الْأَمْرُ كُلُّهُ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، ثُمَّ يُعَاقِبَ الْمُذْنِبِينَ بِتَرَوٍّ. هَكَذَا نَزَلَ عَلَى سَدُومَ، التَّكْوِينُ ١٨: ٢١، وَعَلَى يَهُوذَا، مِيخَا ١: ٣.

الَّذِينَ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا — الَّذِينَ نَشَأُوا مِنْ أَدَامَا، أَيِ التُّرَابِ، فَإِذْ هُمْ مِنْ أَبْنَاءِ التُّرَابِ يَسْعَوْنَ الْآنَ بِكِبْرِيَاءٍ إِلَى الصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ بِبِنَائِهِمْ.


الْآيَةُ ٦: لِسَانٌ

أَيْ لُغَةٌ وَكَلَامٌ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ١.


الْآيَةُ ٧: هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ

هَذِهِ كَلِمَاتُ اللهِ وَكَأَنَّهُ يَتَشَاوَرُ وَيَسْتَنْكِرُ تَدْبِيرَ الْبَشَرِ الْمَجْنُونَ وَكِبْرِيَاءَهُمْ. يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ اللهَ يُخَاطِبُ هُنَا الْمَلَائِكَةَ؛ إِذِ الْمَلَائِكَةُ سَاعَدُوا فِي بَلْبَلَةِ الْأَلْسِنَةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ التَّاسِعُ، وَفِيلُونُ وَكَايِيتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ اللهَ الْآبَ يَتَكَلَّمُ هُنَا لَا مَعَ إِلَهٍ آخَرَ، كَمَا اعْتَرَضَ يُولْيَانُوسُ الْمُرْتَدُّ، بَلْ مَعَ ابْنِهِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. كَمَا فَعَلَ أَيْضًا فِي الْإِصْحَاحِ الْأَوَّلِ، الْآيَةِ ٢٦، وَالْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ، الْآيَةِ ١٨. فَكَمَا أَنَّ الْخَلْقَ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ عَمَلَ الْمَلَائِكَةِ بَلْ عَمَلَ اللهِ وَحْدَهُ: كَذَلِكَ هُنَا بَلْبَلَةُ الْأَلْسِنَةِ كَانَتْ عَمَلَهُ أَيْضًا؛ إِذْ لَمْ يَكُنِ الْمَلَاكُ الْحَارِسُ لِكُلِّ شَعْبٍ هُوَ الَّذِي غَرَسَ فِيهِ لُغَتَهُ (كَمَا يَرَى أُورِيجَانُوسُ فِي تَفْسِيرِ الْعَدَدِ الْإِصْحَاحِ ١١)، بَلِ اللهُ. فَكَمَا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ بِقُدْرَتِهِ الْكُلِّيَّةِ يَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ إِلَى الْعَقْلِ، كَذَلِكَ هُوَ وَحْدَهُ يَسْتَطِيعُ غَرْسَ مَلَكَاتِ الْمَعْرِفَةِ وَاللُّغَاتِ فِي الْعَقْلِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ ذَهَبِيُّ الْفَمِ وَبْرُوقُوبِيُوسُ وَرَابَانُوسُ وَرُوبِرْتُوسُ وَغَيْرُهُمْ عَامَّةً.

لِذَلِكَ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، أَوْ حَتَّى اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ أَوِ الْيُونَانِيَّةِ، الَّتِي يُوحِي بِهَا الشَّيْطَانُ لِبَعْضِ الْأَنَابَابْتِسْتْ — الَّذِينَ كَانُوا قَبْلُ جُهَّالًا وَأُمِّيِّينَ — بَعْدَ شُرْبِهِمُ الْكَأْسَ وَتَلَقِّيهِمْ رَمْزَ الْمَعْمُودِيَّةِ الْمُعَادَةِ، لَيْسَتْ مَلَكَةً ثَابِتَةً أَوْ دَائِمَةً، بَلْ مُجَرَّدُ إِلْهَامٍ آنِيٍّ وَإِيحَاءٍ مُؤَقَّتٍ: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُسَاعِدُهُمْ وَيُوحِي إِلَيْهِمْ بِكُلِّ هَذَا، كَمَا نُلَقِّنُ نَحْنُ سِرًّا مَنْ يَخْطُبُ عَلَنًا الْأَبْيَاتَ أَوِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي عَلَيْهِ إِلْقَاؤُهَا؛ بَلْ أَحْيَانًا لَيْسَ هُمُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ، بَلِ الشَّيْطَانُ يَتَكَلَّمُ مِنْ خِلَالِهِمْ، حَتَّى يَبْدُوا — بَلْ يَكُونُوا فِي الْحَقِيقَةِ — مَمْسُوسِينَ مِنَ الشَّيْطَانِ لَا مُجَرَّدَ مُتَظَاهِرِينَ بِذَلِكَ. وَأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ يَتَّضِحُ مِنْ أَنَّهُمْ بِمُجَرَّدِ عَوْدَتِهِمْ مِنَ الْهَرْطَقَةِ إِلَى الْإِيمَانِ السَّلِيمِ وَالْعَقْلِ الرَّشِيدِ، إِذْ يَتْرُكُهُمُ الشَّيْطَانُ، يَفْقِدُونَ فَوْرًا كُلَّ تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ.

نُبَلْبِلْ. «الْبَلْبَلَةُ» لَا تَعْنِي هُنَا الْإِخْجَالَ، بَلِ الْخَلْطَ: كَمَا يُبَلْبَلُ الْخَمْرُ حِينَ يُخْلَطُ بِالْمَاءِ؛ وَكَمَا يُبَلْبَلُ صَوْتُ الْعَنْدَلِيبِ حِينَ تُخْلَطُ بِهِ أَصْوَاتُ الْعَقَاعِقِ وَالْغِرْبَانِ الْحَادَّةُ؛ وَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ بَلَلَ، الَّتِي مِنْهَا بِالِاخْتِصَارِ تَصِيرُ بَلْ؛ ثُمَّ بِتَضْعِيفِ حَرْفِ الْبَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُحَاكَاةِ الصَّوْتِيَّةِ تَصِيرُ بَابِلَ. وَمِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّ الْأَلْمَانَ اشْتَقُّوا كَلِمَتَهُمْ بَابِلِنْ؛ وَالْفَرَنْسِيِّينَ بَابِيِّيهْ.

فَهَكَذَا إِذَنْ خَلَطَ اللهُ هُنَا الْأَلْسِنَةَ، بِأَنْ غَرَسَ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ لُغَتَهَا الْخَاصَّةَ الْمُمَيَّزَةَ بَدَلًا مِنَ اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي كَانَ الْجَمِيعُ يَعْرِفُونَهَا: حَتَّى إِذَا تَكَلَّمَ النَّاسُ، تَكَلَّمَ أَحَدُهُمْ بِالْيُونَانِيَّةِ، وَآخَرُ بِاللَّاتِينِيَّةِ، وَثَالِثٌ بِالْأَلْمَانِيَّةِ، وَرَابِعٌ بِالسُّلَافِيَّةِ، إِلَخْ: وَهَذَا كَانَ حَقًّا خَلْطًا عَظِيمًا وَبَلْبَلَةً فِي الْأَلْسِنَةِ وَالْأَصْوَاتِ، وَسَأَتَكَلَّمُ عَنْ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ الْآيَةِ ٩.

لَاحِظْ أَوَّلًا: فِي هَذِهِ الْبَلْبَلَةِ، لَمْ يَخْلُقِ اللهُ سِوَى اللُّغَاتِ الْأُمِّ وَحْدَهَا وَغَرَسَهَا فِي الْبَشَرِ: إِذْ مِنْهَا انْبَثَقَتْ سَائِرُ اللُّغَاتِ لَاحِقًا. فَالْعِبْرِيَّةُ هِيَ أُمُّ السُّرْيَانِيَّةِ وَالْكَلْدَانِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ؛ وَاللَّاتِينِيَّةُ هِيَ أُمُّ الْإِيطَالِيَّةِ وَالْوَلَاخِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ وَالْإِسْبَانِيَّةِ؛ وَالْيُونَانِيَّةُ هِيَ أُمُّ الدُّورِيَّةِ وَالْأَيُونِيَّةِ وَالْأَيُولِيَّةِ وَالْأَتِّيكِيَّةِ؛ وَالسُّلَافِيَّةُ هِيَ أُمُّ الْبُولَنْدِيَّةِ وَالْبُوهِيمِيَّةِ وَالْمُوسْكُوفِيَّةِ؛ وَالْجَرْمَانِيَّةُ هِيَ أُمُّ السُّوِيسْرِيَّةِ وَالسَّكْسُونِيَّةِ وَالْإِنْكِلِيزِيَّةِ وَالْأُسْكُتْلَنْدِيَّةِ؛ وَالتَّتَارِيَّةُ هِيَ أُمُّ التُّرْكِيَّةِ وَالسَّرْمَاتِيَّةِ؛ وَالْحَبَشِيَّةُ هِيَ أُمُّ الْأَثْيُوبِيَّةِ وَالسَّبَئِيَّةِ، إِلَخْ، كَمَا يَقُولُ جِينِبْرَارْدُوسُ.

لَاحِظْ ثَانِيًا، كَمْ هِيَ بَاطِلَةٌ أَفْكَارُ الْبَشَرِ أَمَامَ اللهِ؛ ظَنَّ هَؤُلَاءِ الْبُنَاةُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مَنْعَهُمْ: يَضْحَكُ اللهُ مِنْ هَذَا الِاعْتِدَادِ الْأَحْمَقِ، وَيَقُولُ فِعْلِيًّا: بِنَفَسٍ خَفِيفٍ سَأُبَدِّدُ هَذَا الْعَمَلَ، وَلَنْ أَسْتَعْمِلَ آلَاتِ حِصَارٍ؛ سَأُبَلْبِلُ فَقَطْ أَلْسِنَةَ الْبُنَاةِ، حَتَّى إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ لَبِنًا، قَدَّمَ لَهُ الْآخَرُ طِينًا؛ وَإِذَا طَلَبَ هَذَا مِسْحَاةً، نَاوَلَهُ ذَاكَ سَلَّةً؛ وَهَكَذَا أَمْلَأُ كُلَّ شَيْءٍ بَلْبَلَةً، حَتَّى يَسْخَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَغْضَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيَنْفَصِلُوا، وَكَمَا اخْتَلَطَتْ أَلْسِنَتُهُمْ كَذَلِكَ يَنْصَرِفُوا خَجِلِينَ مُرْتَبِكِينَ فِي نُفُوسِهِمْ، وَيَتَبَدَّدُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِقْلِيمِهِ. وَقَدْ وَصَفَ مَارِيُوسُ فِيكْتُورُ ذَلِكَ بِأَسْلُوبٍ جَمِيلٍ فِي الْكِتَابِ الثَّلَاثِينَ عَنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ.

حَتَّى لَا يَسْمَعَ — أَيْ حَتَّى لَا يَفْهَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا الْأَفْرَادُ مِنْهُمْ (لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمَا كَانَ هُنَاكَ مُجْتَمَعٌ بَشَرِيٌّ أَصْلًا)، بَلِ الْعَشَائِرُ. فَقَدْ كَانَتِ اللُّغَاتُ بِعَدَدِ الْعَائِلَاتِ أَوِ الْعَشَائِرِ، أَيْ ٥٥، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ، الْآيَةِ ٣٢؛ لِأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ هَكَذَا وَيُبَدِّدَهُمْ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ.

لَاحِظْ كَيْفَ اسْتَحَقَّ كِبْرِيَاءُ الْبُنَاةِ انْقِسَامَ الْأَلْسِنَةِ، بَيْنَمَا اسْتَحَقَّ تَوَاضُعُ الرُّسُلِ اتِّحَادَهَا فِي يَوْمِ الْعَنْصَرَةِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ فِي الْعِظَةِ الثَّلَاثِينَ عَلَى الْأَنَاجِيلِ.

هَلُمَّ نَنْزِلْ. سَتَقُولُ: لَقَدْ نَزَلَ اللهُ فِي الْآيَةِ ٥؛ فَلِمَاذَا يَنْزِلُ مَرَّةً أُخْرَى هُنَا عَبَثًا؟ يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ اسْتِعَادَةٌ لِلْخِطَابِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَنْبَغِي أَنْ تُوضَعَ قَبْلَ الْآيَةِ ٦. لَكِنَّ كَلِمَةَ «إِذَنْ» لَا تَدْعَمُ هَذَا التَّفْسِيرَ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلِاسْتِعَادَةِ بَلْ لِلِاسْتِنْتَاجِ وَالْمُتَابَعَةِ. لِذَا أُجِيبُ أَنَّ اللهَ فِي الْآيَةِ ٥ نَزَلَ نُزُولًا ابْتِدَائِيًّا جُزْئِيًّا فَحَسْبُ، لِيَنْظُرَ إِلَى هَذَا الْبُرْجِ مِنْ بَعِيدٍ مِنَ السَّمَاءِ. وَلِهَذَا يَقُولُ مُوسَى: «فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ»؛ لَكِنَّهُ هُنَا نَزَلَ أَكْثَرَ إِلَى أَرْضِ شِنْعَارَ، لِيُبَلْبِلَ هُنَاكَ الْأَلْسِنَةَ بِفِعْلٍ جَدِيدٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: «هَلُمَّ نَنْزِلْ»، لَا لِنَنْظُرَ (لِأَنَّنَا قَدْ رَأَيْنَا الْبُرْجَ بِالْفِعْلِ)، بَلْ «لِنُبَلْبِلَ لِسَانَهُمْ.»


الْآيَةُ ٨: فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ

لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَفْهَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، انْسَحَبُوا وَتَبَدَّدَتْ كُلُّ جَمَاعَةٍ إِلَى أَقَالِيمِهَا، كَمَا شَرَحْتُ. وَقَدْ كَانَ هَذَا الْعِقَابُ عَلَى الْخَطِيئَةِ نَافِعًا لِلْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، «لِكَيْ يَمْنَحَ تَشَتُّتٌ حَسَنُ التَّوْقِيتِ لِتَجَمُّعٍ شِرِّيرٍ سُكَّانًا لِلْمَعْمُورَةِ»، كَمَا يَقُولُ بْرُوسْبِرُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ دَعْوَةِ الْأُمَمِ، الْبَابُ الرَّابِعُ؛ «وَلِكَيْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ أُدِينَ بِحَقٍّ»، كَمَا يَقُولُ كَاسِيَانُوسُ فِي الْمُحَادَثَةِ الرَّابِعَةِ، الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ، «الَّذِي بِهِ حَدَثَ أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَأْمُرُ إِنْسَانًا لَمْ يُفْهَمْ، هُوَ الَّذِي لَمْ يَشَأْ أَنْ يَفْهَمَ لِيُطِيعَ اللهَ الَّذِي يَأْمُرُ»، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ الرَّابِعُ.


الْآيَةُ ٩: لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا بَابِلَ، لِأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الْأَرْضِ

أَيْ لِسَانَ جَمِيعِ الْبَشَرِ. مَجَازِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْحِكَمِ، الْحِكْمَةُ ٢٢١: «مَحَبَّتَانِ»، يَقُولُ، «تَصْنَعَانِ مَدِينَتَيْنِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ: مَحَبَّةُ اللهِ تَصْنَعُ أُورُشَلِيمَ، وَمَحَبَّةُ الْعَالَمِ تَصْنَعُ بَابِلَ؛ فَلْيَسْأَلْ كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْسَهُ وَسَيَجِدُ مِنْ أَيِّ مَدِينَةٍ هُوَ مُوَاطِنٌ.»

اسْمُهَا — أَيِ اسْمُ الْمَدِينَةِ لَا الْبُرْجِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْعِبْرِيِّ وَالسَّبْعِينِيَّةِ. فَمِنَ الْبُرْجِ الَّذِي بُلْبِلَتْ فِيهِ أَلْسِنَةُ الْبُنَاةِ بِانْقِسَامِ اللُّغَاتِ، سُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا بَابِلَ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ سُمِّيَ الْإِقْلِيمُ كُلُّهُ بَابِلُونْيَا، أَيِ الْبَلْبَلَةَ. فَبَابِلُ إِذَنْ لَمْ تَأْخُذِ اسْمَهَا مِنْ بَعْلٍ الَّذِي كَانَ أَوَّلَ مَلِكٍ وَإِلَهٍ فِي بَابِلَ، بَلْ مِنَ الْجَذْرِ بَلَلَ، أَيْ بَلْبَلَ. وَلِهَذَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ: وَسُمِّيَ اسْمُهَا سِينْخِيسِيسْ، أَيِ الْبَلْبَلَةَ. وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ (كَمَا قُلْتُ آنِفًا) بَعْدَ ٤٠٠ سَنَةٍ أَعَادَتْ سَمِيرَامِيسُ بِنَاءَهَا بِعَظَمَةٍ وَفَخَامَةٍ لَا تُصَدَّقُ؛ أَمَّا الْبُرْجُ فَلَمْ تَرْفَعْهُ أَعْلَى، بَلْ أَحَاطَتْهُ مُزَيَّنًا بِبَهَاءٍ عَجِيبٍ دَاخِلَ هَيْكَلِ بَعْلٍ.

لِأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ — أَيْ لِأَنَّ بُنَاةَ بَابِلَ خُذِلُوا بِالْخَجَلِ هُنَاكَ حِينَ لَمْ يَعُدْ بَعْضُهُمْ يَفْهَمُ بَعْضًا، كَمَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ. لَكِنَّ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ بَلَلَ، أَيِ الْبَلْبَلَةُ، لَا تَعْنِي الْإِخْجَالَ بَلِ الْخَلْطَ.

ثَانِيًا، يُفَسِّرُ فِيلُونُ فِي كِتَابِ بَلْبَلَةِ الْأَلْسِنَةِ ذَلِكَ هَكَذَا: كَأَنَّ مُجْتَمَعَ الرَّذَائِلِ وَالْأَشْرَارِ بُلْبِلَ مِنَ اللهِ فِي بَابِلَ حِينَ مُزِّقَ بِالِانْشِقَاقِ، لِئَلَّا يَقْلِبَ فِي تَكَتُّلِهِ الْفَضِيلَةَ وَالْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ؛ لِأَنَّ الْأَلْسِنَةَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا بُلْبِلَتْ، بَلِ انْقَسَمَتْ تَمَامًا. فَهَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ: «يُعَلِّمُنَا مُوسَى رَمْزِيًّا أَنَّهُ كَمَا أَنَّ اللهَ يَرْعَى انْسِجَامَ الْفَضَائِلِ، كَذَلِكَ بَلْبَلَةُ الْأَلْسِنَةِ تَعْنِي أَنَّ كُتْلَةَ الرَّذَائِلِ وَالْأَشْرَارِ الْمُتَكَتِّلَةَ تُقَسَّمُ، وَتَصِيرُ جَمِيعُ الرَّذَائِلِ خَرْسَاءَ صَمَّاءَ، حَتَّى لَا تُلْحِقَ ضَرَرًا لَا بِالْكَلَامِ وَلَا بِالتَّوَافُقِ الْمُتَبَادَلِ.» لَكِنَّ هَذَا مَعْنًى رَمْزِيٌّ يَبْدُو أَنَّ فِيلُونَ يَقْلِبُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَرْفِيَّ.

ثَالِثًا، يَرَى فِيلَاسْتْرِيُوسُ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ، الْبَابُ ١٠٦، أَنَّ مَا بُلْبِلَ وَانْقَسَمَ فِي بَابِلَ لَمْ يَكُنِ الْأَلْسِنَةَ نَفْسَهَا بَلْ فَهْمَ الْأَلْسِنَةِ؛ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ أَلْسِنَةَ الْبَشَرِ كَانَتْ قَدِ انْقَسَمَتْ قَبْلَ بِنَاءِ بَابِلَ، كَمَا ذَكَرْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ، الْآيَةِ ٣١.

لَكِنِّي أُجِيبُ: «بَلْبَلَ اللهُ»، بِالْعِبْرِيَّةِ بَلَلَ، أَيْ خَلَطَ لِسَانَ الْبَشَرِ — أَيْ قَسَّمَ اللِّسَانَ الْوَاحِدَ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ إِلَى أَلْسِنَةٍ شَتَّى، وَخَلَطَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَشَرِ، حَتَّى إِذَا تَكَلَّمَ عِدَّةُ أَشْخَاصٍ مَعًا لَمْ يُسْمَعْ صَوْتٌ وَاحِدٌ وَلُغَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ أَصْوَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مُبَلْبَلَةٌ وَلُغَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَصَفْتُهُ عِنْدَ الْآيَةِ ٧.

وَأَضِفْ إِلَى ذَلِكَ: أَنَّ عَنَاصِرَ اللُّغَةِ الْأُولَى، أَيِ الْحُرُوفَ، بَقِيَتْ هِيَ نَفْسُهَا عِنْدَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ وَاللُّغَاتِ، لَكِنَّهَا رُتِّبَتْ وَتُرَكِّبَتْ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ: وَهَذَا هُوَ الْبَلْبَلَةُ وَالْخَلْطُ. وَكَذَلِكَ بَقِيَتْ مَقَاطِعُ كَثِيرَةٌ، بَلْ وَكَلِمَاتٌ أَيْضًا هِيَ نَفْسُهَا، لَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ وَعَلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي تِلْكَ، فَكَلِمَةُ سُوسْ تَعْنِي عِنْدَ اللَّاتِينِ خِنْزِيرًا، وَعِنْدَ الْعِبْرِيِّينَ حِصَانًا، وَعِنْدَ الْفَلَمَنْكِ صَمْتًا. وَلِهَذَا يُوَضِّحُ مُوسَى فِي الْآيَةِ ٧: «حَتَّى لَا يَسْمَعَ»، أَيْ لَا يَفْهَمَ، «بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ.» وَعِلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، اخْتَلَطَتْ فِي لُغَاتٍ أُخْرَى كَلِمَاتٌ وَعِبَارَاتٌ عِبْرِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، مَثَلًا سَاكْ، أَيْ كِيسٌ، وَقِرِنْ، أَيْ قَرْنٌ، وَهِيَ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الْعِبْرِيِّينَ، وَلَا تَزَالُ مُعْظَمُ الشُّعُوبِ وَاللُّغَاتِ تَحْتَفِظُ بِهَا وَتَسْتَعْمِلُهَا. وَقَدْ جَمَعَ بُوسْتِلُّوسُ وَأَفِنَارِيُوسُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً مِنْ ذَلِكَ؛ وَهَذَا الْأَخِيرُ فِي مُعْجَمِهِ الْعِبْرِيِّ يَسْتَخْرِجُ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ تَقْرِيبًا كُلَّ الْكَلِمَاتِ الْيُونَانِيَّةِ، عَبْرَ نَوْعٍ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالْخَلْطِ فِي الْحُرُوفِ. وَكَذَلِكَ أَدْرِيَانُوسُ سْكْرِيكِيُوسُ فِي كِتَابِهِ الْأُصُولُ وَفِي أُورُوبَّا الْمُنْبَعِثَةُ، يَسْعَى بِحِذْقٍ وَبَرَاعَةٍ لِإِثْبَاتِ أَنَّ كَلِمَاتٍ كَثِيرَةً مِنَ اللُّغَةِ الْكِلْتِيَّةِ أَوِ الْبَلْجِيكِيَّةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ وَتَتَّفِقُ فِي جُذُورِهَا الْأَسَاسِيَّةِ؛ وَمِنِ اشْتِقَاقَاتٍ بَلْجِيكِيَّةٍ لِأَسْمَاءِ شُعُوبِ أُورُوبَّا تَقْرِيبًا كُلِّهَا، يُحَاوِلُ إِثْبَاتَ أَنَّ الْكِلْتِيَّةَ أَوِ الْبَلْجِيكِيَّةَ لَيْسَتْ سِوَى لَهْجَةٍ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ، وَأَنَّهَا أُعْطِيَتْ أَوَّلًا لِنَسْلِ يَافِثَ فِي بَابِلَ، فَاسْتَعْمَلَهَا بِالتَّالِي الْيُونَانِيُّونَ وَالْإِيطَالِيُّونَ وَالْإِسْبَانُ الْقُدَمَاءُ (الَّذِينَ لِذَلِكَ سُمُّوا كِلْتِيبِيرِيِّينَ، كَمَا يَقُولُ) وَالْغَالِّيُّونَ وَالْبَرِيطَانِيُّونَ وَجَمِيعُ الْأُورُوبِّيِّينَ. لَكِنَّ هَذَا صَعْبُ التَّصْدِيقِ وَأَصْعَبُ إِثْبَاتًا، لَا سِيَّمَا أَنَّ الْيُونَانِيَّةَ وَاللَّاتِينِيَّةَ لُغَتَانِ مُمْتَازَتَانِ وَرَاقِيَتَانِ وَمُحْكَمَتَانِ وَعَرِيقَتَانِ لِلْغَايَةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْكِتَابَاتِ الْيُونَانِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ اللهَ غَرَسَهَا فِي بَلْبَلَةِ الْأَلْسِنَةِ فِي بَعْضِ نَسْلِ يَافِثَ عَلَى قَدَمِ الْمُسَاوَاةِ مَعَ الْكِلْتِيَّةِ. لَكِنْ لِمَنْ إِلَّا لِلَّذِينَ سَكَنُوا بِلَادَ الْيُونَانِ وَلَاتْيُومَ؟ فَأُولَئِكَ إِذَنْ تَكَلَّمُوا لَا بِالْكِلْتِيَّةِ بَلْ بِالْيُونَانِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ. أَعْتَقِدُ أَنَّ الْبَلْجِيكِيَّةَ لُغَةٌ عَرِيقَةٌ جِدًّا، وَإِحْدَى أَوَّلِ اللُّغَاتِ الَّتِي غَرَسَهَا اللهُ فِي بَابِلَ. وَأَنَّ فِيهَا كَلِمَاتٍ لَيْسَتْ قَلِيلَةً مُشْتَقَّةً مِنَ الْعِبْرِيَّةِ أَوْ مُشَابِهَةً لَهَا. لَكِنْ مَنْ ذَا يُقْنِعُ نَفْسَهُ بِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ عَنِ الْعِبْرِيَّةِ إِلَّا اخْتِلَافَ اللَّهْجَةِ، مَنْ تَأَمَّلَ فِي تَبَايُنِ اللُّغَتَيْنِ وَاخْتِلَافِهِمَا؟ فَإِنَّ الْبَلْجِيكِيَّةَ تَبْدُو مُخْتَلِفَةً عَنِ الْعِبْرِيَّةِ بِقَدْرِ اخْتِلَافِ اللَّاتِينِيَّةِ عَنِ الْيُونَانِيَّةِ أَوِ الْعِبْرِيَّةِ أَوْ أَكْثَرَ.

يُلَاحِظُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ (فِي الْكِتَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابُ ٣٩)، مَعَ أُورِيجَانُوسَ وَإِيرُونِيمُوسَ وَالطُّوسْتَاتُوسِ وَكَايِيتَانُوسَ وَأُولِيَاسْتِرَ وَجِينِبْرَارْدُوسَ وَغَيْرِهِمْ عُمُومًا، أَنَّهُ فِي عَابِرَ وَحْدَهُ وَذُرِّيَّتِهِ بَقِيَتِ اللُّغَةُ الْعِبْرِيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ مَعَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالدِّيَانَةِ وَالتَّقْوَى. وَفِي سَائِرِ النَّاسِ إِذَنْ مَحَا اللهُ مَلَكَةَ اللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ (حَتَّى بَدَا لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْسَوْهَا فَحَسْبُ، بَلْ فَقَدُوا كُلَّ ذَاكِرَتِهِمْ عَنْهَا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا أَوْ يَسْمَعُوا عَنْهَا شَيْئًا قَطُّ)، وَغَرَسَ فِيهِمْ مَلَكَةً جَدِيدَةً جَاهِزَةً لِلُغَةٍ جَدِيدَةٍ، مُخْتَلِفَةً وَخَاصَّةً بِكُلِّ أُمَّةٍ، أَيْ لُغَةً أُخْرَى خَاصَّةً بِهَا. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمَا.

وَمِنْ ثَمَّ ثَانِيًا، يَظُنُّ أَبِيفَانِيُوسُ فِي مُسْتَهَلِّ كِتَابِهِ ضِدَّ الْبِدَعِ، وَالسُّوِيدَاسُ تَحْتَ كَلِمَةِ سَرُوجَ، أَنَّ بُنَاةَ بَابِلَ هَؤُلَاءِ سُمُّوا بِالْيُونَانِيَّةِ مِيرُوبِيسْ، كَأَنَّهُمْ مُنْقَسِمُو الصَّوْتِ: فَـمِيرِيزُو تَعْنِي «أُقَسِّمُ»، وَأُوبْسْ تَعْنِي «صَوْتٌ»: وَمِنْ هُنَا سُمِّيَ أَحَدُ الْجَبَابِرَةِ الَّذِينَ حَاوَلُوا إِسْقَاطَ زِيُوسَ مِنَ السَّمَاءِ عِنْدَ الشُّعَرَاءِ مِيرُوبْسَ، وَمِنْهُ يُظَنُّ أَنَّ جَزِيرَةَ كُوسَ سُمِّيَتْ مِيرُوبِيسَ: وَإِنْ كَانَ شَارِحُ هُومِيرُوسَ يَرَى أَنَّ الْبَشَرَ سُمُّوا مِيرُوبِيسَ لِأَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ كَلَامًا مُمَيَّزًا وَمُفَصَّلًا؛ أَوْ، كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ، لِأَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ صَوْتًا يَخْتَلِفُ عَنْ صَوْتِ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ، كَمَا أَنَّ لَهُ وَجْهًا مُخْتَلِفًا — وَهُمَا أَمْرَانِ فِي الْإِنْسَانِ يَعْجَبُ مِنْهُمَا بْلِينِيُوسُ.

وَأَخِيرًا، وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَحْدَاثُ قُرْبَ السَّنَةِ ١٧٠ بَعْدَ الطُّوفَانِ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ، الْآيَةِ ٢٥. وَيُضِيفُ أَبِيفَانِيُوسُ وَالسِّبِيلَّا وَأَبِيدِينُوسُ عِنْدَ يُوسِيفُوسَ وَأُوسَابِيُوسَ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنْ الْإِعْدَادِ لِلْإِنْجِيلِ، الْبَابُ الْأَخِيرُ، أَنَّ اللهَ أَسْقَطَ هَذَا الْبُرْجَ بِالْعَوَاصِفِ وَالرِّيَاحِ، وَأَنْقَضَهُ عَلَى الْبُنَاةِ أَنْفُسِهِمْ.


الْآيَةُ ١٠: هَذِهِ مَوَالِيدُ سَامٍ

لَمْ يَسْرُدْ مُوسَى سِوَى نَسَبِ سَامٍ وَحْدَهُ، وَفِي خَطِّ إِبْرَاهِيمَ الْمُبَاشِرِ فَقَطْ، لِأَنَّ سَائِرَ نَسْلِ نُوحٍ انْحَرَفُوا — رَغْمَ مُقَاوَمَتِهِ — مِنَ اللهِ إِلَى الْأَصْنَامِ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ نَشَأَ الْيَهُودُ (الَّذِينَ لَهُمْ يَكْتُبُ مُوسَى هَذَا) وَالْمَسِيحُ.

كَانَ سَامٌ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ. إِذَنْ وُلِدَ سَامٌ لَا فِي السَّنَةِ ٥٠٠ بَلْ فِي السَّنَةِ ٥٠٢ مِنْ عُمْرِ نُوحٍ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ، الْآيَةِ ٢١؛ فَلِأَنَّ هَذَا الرَّقْمَ الدَّقِيقَ يُذْكَرُ هُنَا — أَيْ أَنَّ سَامًا كَانَ ابْنَ مِئَةِ سَنَةٍ بَعْدَ الطُّوفَانِ بِسَنَتَيْنِ — وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ، الْآيَةِ ٣٢: لِذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ مُوسَى يُسَجِّلُ بِدِقَّةٍ سِنِيَّ سَامٍ هُنَا لَا فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ.


الْآيَةُ ١٢: وَلَدَ أَرْفَكْشَادُ شَالَحَ (مَسْأَلَةُ قِينَانَ)

هَكَذَا تَقْرَأُ النُّصُوصُ الْعِبْرِيَّةُ وَالْكَلْدَانِيَّةُ هُنَا وَفِي ١ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ١: ١٨ وَ٢٤. لَكِنَّ السَّبْعِينِيَّةَ هُنَا وَهُنَاكَ تُدْرِجُ قِينَانَ؛ إِذْ تَقْرَأُ: «وَلَدَ أَرْفَكْشَادُ قِينَانَ، وَقِينَانُ وَلَدَ شَالَحَ.» وَيَتْبَعُ الْقِدِّيسُ لُوقَا السَّبْعِينِيَّةَ فِي إِنْجِيلِهِ الْإِصْحَاحِ الثَّالِثِ، الْآيَةِ ٣٦، وَمِنْ ثَمَّ يَرَى لِيبُومَانُوسُ وَمِلْكِيُورُ كَانُو وَدِلْرِيُو وَغَيْرُهُمْ أَنَّ قِينَانَ هَذَا يَجِبُ إِدْرَاجُهُ حَتْمًا، وَأَنْ يُعْطَى ثَلَاثِينَ سَنَةً كَسَائِرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَلِدَ شَالَحَ، وَبِالتَّالِي تُدْرَجُ هَذِهِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً فِي الْكُرُونُولُوجِيَا.

تَسْأَلُ: أَيَّهُمَا نَتَّبِعُ هُنَا — مُوسَى الَّذِي يَحْذِفُ قِينَانَ، أَمِ التَّرْجَمَةَ السَّبْعِينِيَّةَ الَّتِي تُدْرِجُ قِينَانَ؟ أُجِيبُ: يَنْبَغِي اتِّبَاعُ مُوسَى بِاعْتِبَارِهِ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ. فَإِنَّ مُوسَى هُنَا يَرْسُمُ الْكُرُونُولُوجِيَا وَالتَّارِيخَ مَعًا: فَلَمْ يَحْذِفْ إِذَنِ الثَّلَاثِينَ سَنَةً الَّتِي تُعْطِيهَا السَّبْعِينِيَّةُ لِقِينَانَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَيَكُونُ خَلَلًا فَادِحًا وَخَطَأً فِي الْكُرُونُولُوجِيَا، بَلْ فِي التَّارِيخِ. وَعَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَقَلَّ خَطَرًا تَقْرِيبًا أَنْ نَقُولَ إِنَّ مُوسَى هُنَا نَاقِصٌ، مِنْ أَنْ نَقُولَ إِنَّ لُوقَا فِيهِ زِيَادَةٌ؛ أَوْ نَقُولَ إِنَّ نَصَّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بُتِرَ هُنَا، مِنْ أَنْ نَقُولَ إِنَّهُ فِي لُوقَا فِيهِ حَشْوٌ بِشَأْنِ قِينَانَ: لِأَنَّ التَّارِيخَ وَالْكُرُونُولُوجِيَا يَفْسُدَانِ وَيَصِيرَانِ بَاطِلَيْنِ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ.

ثَانِيًا، لِأَنَّ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ الْعِبْرِيَّةَ وَالْكَلْدَانِيَّةَ وَاللَّاتِينِيَّةَ تَحْذِفُ قِينَانَ بِاتِّسَاقٍ، هُنَا وَفِي ١ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ١؛ ثَالِثًا، لِأَنَّ الْعِبْرِيِّينَ وَفِيلُونَ وَيُوسِيفُوسَ وَسَائِرَ الْقُدَمَاءِ يَحْذِفُونَ قِينَانَ؛ رَابِعًا، لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابِ الثَّالِثِ، تَقُولُ: «إِذَا خَالَفَتِ التَّرْجَمَةُ الْأَصْلَ، فَلْتُوثَقْ بِاللُّغَةِ الَّتِي تُرْجِمَ مِنْهَا إِلَى أُخْرَى بِالتَّفْسِيرِ»؛ إِذَنْ يَنْبَغِي الْوُثُوقُ بِمُوسَى بِالْعِبْرِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ.

خَامِسًا، أَنَّ خَطَأً تَسَلَّلَ إِلَى التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ هُنَا وَاضِحٌ، أَوَّلًا لِأَنَّ خَطَأً ظَاهِرًا فِي الْأَرْقَامِ تَسَلَّلَ إِلَيْهَا هُنَا، بَلْ فِي قِينَانَ نَفْسِهِ: إِذْ يَقُولُونَ إِنَّ قِينَانَ كَانَ ابْنَ ١٣٠ سَنَةً حِينَ وَلَدَ شَالَحَ، مَعَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ حَتَّى مِنَ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ قِينَانَ يُعْطِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ٣٠ سَنَةً؛ ثَانِيًا، لِأَنَّ طَبْعَةَ السَّبْعِينِيَّةِ الَّتِي صَحَّحَهَا الرُّومَانُ وَنُشِرَتْ بِسُلْطَةِ الْبَابَا سِكْسْتُوسَ الْخَامِسِ تَحْذِفُ قِينَانَ فِي ١ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ١. فَإِنَّهَا فِي سَرْدِ سِلْسِلَةِ الْأَنْسَابِ مِنْ أَرْفَكْشَادَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ تَنْسُجُهَا هَكَذَا: «أَرْفَكْشَادُ، شَالَحُ، عَابِرُ، فَالَجُ، رَعُو، سَرُوجُ، نَاحُورُ، تَارَحُ، إِبْرَاهِيمُ»؛ حَيْثُ تَتَّفِقُ تَمَامًا مَعَ الطَّبْعَةِ اللَّاتِينِيَّةِ الْفُولْغَاتَا فِي الْآيَةِ ٢٤. فَإِذَا كَانَ فِي سِفْرِ الْأَخْبَارِ، فِي سِلْسِلَةِ الْأَنْسَابِ، يَجِبُ حَذْفُ قِينَانَ عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ بِحَسَبِ التَّصْحِيحِ الرُّومَانِيِّ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ حَذْفُهُ عِنْدَهُمْ فِي التَّكْوِينِ ١١. لِأَنَّ سِلْسِلَةَ الْأَنْسَابِ نَفْسَهَا مَكْتُوبَةٌ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ. وَهَذِهِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ حَقًّا، تُثِيرُ شُبْهَةً كَبِيرَةً فِي أَنَّ قِينَانَ أُقْحِمَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ.

وَتَزْدَادُ الشُّبْهَةُ بِأَنَّهُ فِي السَّبْعِينِيَّةِ فِي التَّكْوِينِ تُعْطَى لِقِينَانَ الْأَرْقَامُ نَفْسُهَا تَمَامًا فِي الْإِنْجَابِ وَالْعُمْرِ الَّتِي تُعْطَى لِشَالَحَ، بَيْنَمَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ تَخْتَلِفُ دَائِمًا. وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الْأَرْقَامَ أَعْطَتْهَا السَّبْعِينِيَّةُ لِشَالَحَ وَحْدَهُ، وَأُعِيدَتْ لِقِينَانَ مِنْ قِبَلِ مَنْ أَقْحَمَهُ.

ثَالِثًا، لِأَنَّ أَبِيفَانِيُوسَ فِي الْبِدْعَةِ ٥٣، حِينَ يَسْرُدُ سِلْسِلَةَ الْأَنْسَابِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى سَامٍ وَفْقَ السَّبْعِينِيَّةِ، يَحْذِفُ قِينَانَ؛ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ قِينَانُ آنَذَاكَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ بَلْ تَسَلَّلَ لَاحِقًا. وَكَذَلِكَ يَتَّضِحُ مِنَ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ فِي أَسْئِلَةٍ عَلَى التَّكْوِينِ حَيْثُ يَحْذِفُ قِينَانَ كُلِّيًّا؛ إِذْ يَقْرَأُ هَكَذَا: «وَلَدَ أَرْفَكْشَادُ شَالَحَ، وَشَالَحُ وَلَدَ عَابِرَ.» فَلَوْ كَانَتِ السَّبْعِينِيَّةُ آنَذَاكَ تَحْتَوِي عَلَى قِينَانَ، لَمَا أَخْفَاهُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى يُشِيرُ بِعِنَايَةٍ إِلَى كُلِّ مَوْضِعٍ تَخْتَلِفُ فِيهِ السَّبْعِينِيَّةُ عَنِ الْعِبْرِيِّ. إِذَنْ فِي زَمَنِ الْقِدِّيسِ إِيرُونِيمُوسَ وَأَبِيفَانِيُوسَ لَمْ يَكُنْ قِينَانُ قَدْ تَسَلَّلَ بَعْدُ إِلَى النُّسَخِ الْأَصَحِّ مِنَ السَّبْعِينِيَّةِ.

تَسْأَلُ: مَنْ إِذَنْ أَدْرَجَ قِينَانَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ وَفِي لُوقَا؟ أُجِيبُ: مِنَ الْمُرَجَّحِ أَنَّ قَارِئًا يُونَانِيًّا لِلسَّبْعِينِيَّةِ، لَمَّا قَرَأَ قِينَانَ فِي الْقِدِّيسِ لُوقَا (الَّذِي يَبْدُو أَنَّ لُوقَا أَخَذَهُ مِنْ سِجِلَّاتِ الْأُمَّةِ الْعِبْرِيَّةِ)، وَلَمْ يَجِدْهُ فِي التَّكْوِينِ، أَضَافَ قِينَانَ إِلَى التَّكْوِينِ؛ ثُمَّ فَعَلَ نُسَّاخٌ آخَرُونَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ؛ هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُ. وَهَذِهِ آرَاءٌ مُحْتَمَلَةٌ وَشَائِعَةٌ.

يُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، وَإِيرُونِيمُوسُ وَالطُّوسْتَاتُوسُ وَكَايِيتَانُوسُ وَأُولِيَاسْتِرُ وَجِينِبْرَارْدُوسُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الشَّكَّ يَبْقَى فِيمَا إِذَا كَانَ قِينَانُ فِي لُوقَا أَصِيلًا، وَأَنَّهُ رُبَّمَا أَضَافَهُ أَحَدُهُمْ هُنَاكَ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فِي التَّكْوِينِ.

بِاخْتِصَارٍ، أَرَى أَنَّ الْكُرُونُولُوجِيَا يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ هُنَا وَفْقًا لِلنَّصِّ الْعِبْرِيِّ. لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمُرَجَّحِ جِدًّا أَنَّ بَعْضَ الْأَخْطَاءِ تَسَلَّلَتْ هُنَا وَهُنَاكَ إِلَى التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُمَارَسَةَ الثَّابِتَةَ وَالْقَدِيمَةَ لِلْكَنِيسَةِ هِيَ أَلَّا يُسْتَخَفَّ بِسُلْطَةِ الْمُتَرْجِمِينَ السَّبْعِينَ فِي الْأُمُورِ التَّارِيخِيَّةِ وَالْكُرُونُولُوجِيَّةِ.

لَا سِيَّمَا وَأَنَّ حُجَّةً أَقْوَى تَدْفَعُ وَتَكَادُ تُلْزِمُ بِذَلِكَ. فَأَوَّلًا، يُؤَكِّدُ مُوسَى صَرَاحَةً وَبِدِقَّةٍ هُنَا أَنَّ أَرْفَكْشَادَ فِي السَّنَةِ ٣٥ مِنْ عُمْرِهِ وَلَدَ شَالَحَ. لَكِنَّ هَذَا بَاطِلٌ تَمَامًا إِذَا أَدْرَجْنَا قِينَانَ مِنَ السَّبْعِينِيَّةِ: لِأَنَّهُ بِحَسَبِهِمْ وُلِدَ قِينَانُ مِنْ أَرْفَكْشَادَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ٣٥ نَفْسِهَا. أَمَّا شَالَحُ فَوُلِدَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ قِينَانَ، لَا مِنْ أَرْفَكْشَادَ. فَيَبْدُو قَاسِيًا وَمُتَكَلَّفًا، وَكَذِبًا فِي الْكُرُونُولُوجِيَا، مَا يُجِيبُ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ شَالَحَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٣٥ مِنْ عُمْرِ أَرْفَكْشَادَ لَا بِنَفْسِهِ بَلْ فِي أَبِيهِ قِينَانَ.

ثَانِيًا، مُوسَى يَكْتُبُ هُنَا بِعِنَايَةٍ وَقَصْدٍ — وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ — تَارِيخَ الْعَالَمِ وَأَنْسَابَهُ وَكُرُونُولُوجِيَّتَهُ: فَمِنْ غَيْرِ الْمَعْقُولِ أَنَّهُ حَذَفَ ٣٠ سَنَةً مِنْ حَيَاةِ قِينَانَ. فَهَذِهِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً تُرْبِكُ الْكُرُونُولُوجِيَا كُلَّهَا وَتُفْسِدُهَا. مَنْ يَجْرُؤُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ مُوسَى بَتَرَ الْكُرُونُولُوجِيَا، وَبِالتَّالِي أَفْسَدَهَا بِثَلَاثِينَ سَنَةً؟

ثَالِثًا، لَا يُمْكِنُ إِعْطَاءُ سَبَبٍ مُحْتَمَلٍ لِحَذْفِ مُوسَى قِينَانَ؛ فَالسَّبَبُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ بَعْضُهُمْ — وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ اخْتِزَالَ الْأَجْيَالِ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَبَعْدَهُ إِلَى عَشَرَتَيْنِ — هَذَا السَّبَبُ، كَمَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ بِحَقٍّ، لَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ وَهُوَ خَفِيفٌ وَوَاهٍ، وَلَيْسَ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِحَيْثُ كَانَ عَلَى مُوسَى مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يُرْبِكَ الْكُرُونُولُوجِيَا وَيُبَلْبِلَهَا.

لِذَلِكَ إِنْ أَرَدْنَا الدِّفَاعَ عَنْ مَوْثُوقِيَّةِ مُوسَى وَسِفْرِ الْأَخْبَارِ وَالطَّبْعَةِ الْفُولْغَاتِيَّةِ وَسَلَامَةِ كُرُونُولُوجِيَّتِهَا، فَإِنَّنَا نُضْطَرُّ — حَتَّى رَغْمَ إِرَادَتِنَا كَمَا يَقُولُونَ — إِلَى التَّأْكِيدِ بِأَنَّ قِينَانَ تَسَلَّلَ إِلَى السَّبْعِينِيَّةِ. لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْضَلِ وَالْأَقَلِّ خَطَرًا أَنْ نَنْسُبَ هَذَا الْخَطَأَ إِلَى النُّسَّاخِ وَالْكَتَبَةِ مِنْ أَنْ نَنْسُبَهُ إِلَى الْمُتَرْجِمِينَ السَّبْعِينَ أَنْفُسِهِمْ بِوَصْفِهِمْ رِجَالًا بَالِغِي الْحِكْمَةِ؛ كَمَا أَنَّ الْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ، يَنْسُبُ الْخَطَأَ الْمَوْجُودَ هُنَا فِي الْأَرْقَامِ عِنْدَ السَّبْعِينِيَّةِ إِلَى أُولَئِكَ النُّسَّاخِ أَنْفُسِهِمْ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الْخَطَأَ قَدِيمٌ ارْتَكَبَهُ أَقْدَمُ النُّسَّاخِ وَأَوَّلُهُمْ، فَتَسَرَّبَ بِالتَّالِي إِلَى جَمِيعِ نُسَخِ السَّبْعِينِيَّةِ اللَّاحِقَةِ، وَمِنْهَا فَوْرًا إِلَى جَمِيعِ نُسَخِ الْقِدِّيسِ لُوقَا.

وَبِيرِيرِيُوسُ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ يَمِيلُ إِلَى هَذَا الرَّأْيِ. وَكَذَلِكَ بِيدَا (وَإِنْ كَانَ بِتَرَدُّدٍ) وَأَدُو أَيْضًا وَإِيسِيدُورُوسُ وَالْأَبُولِنْسِيُّ وَلُوسِيدُوسُ وَأُوغُوبِينُوسُ وَجِينِبْرَارْدُوسُ وَيَانْسِينِيُوسُ وَكَايِيتَانُوسُ يَحْذِفُونَ قِينَانَ. بَلْ إِنَّ مُعْظَمَ مُفَسِّرِي لُوقَا ٣: ٣٦ يُوَافِقُونَ عَمَلِيًّا. فَفِي تَفْسِيرِ مَا يُقَالُ عَنْ شَالَحَ: «الَّذِي هُوَ ابْنُ قِينَانَ»، يُفَسِّرُونَ هَكَذَا: «الَّذِي كَانَ»، أَيْ لَيْسَ ابْنًا طَبِيعِيًّا كَسَائِرِ الْمَذْكُورِينَ فِي لُوقَا، بَلْ إِمَّا أَخًا، أَوِ ابْنًا شَرْعِيًّا، أَوْ حَتَّى «قِينَانَ» نَفْسَهُ؛ وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ لِأَنَّهَا مُتَكَلَّفَةٌ تُقَوِّي مَوْقِفَنَا، إِذْ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُ تَفْسِيرٍ أَوْ تَوْفِيقٍ رَاسِخٍ آخَرَ يُقْنِعُ رَجُلًا حَصِيفًا غَيْرَ مَوْقِفِنَا؛ وَعَمَلِيًّا يَحْذِفُونَ قِينَانَ مِنْ سِلْسِلَةِ النَّسَبِ وَالْكُرُونُولُوجِيَا، وَهُوَ مَا نَسْعَى إِلَيْهِ وَنَطْلُبُهُ هُنَا. إِذْ يَكْفِينَا أَنْ تَبْقَى رِوَايَةُ مُوسَى — بِوَصْفِهِ مُؤَرِّخًا وَكُرُونُولُوجِيًّا مُقَدَّسًا وَإِلَهِيًّا — وَسِلْسِلَةُ سِنِيِّ الْعَالَمِ صَحِيحَةً وَسَالِمَةً، إِذْ لَيْسَ لَدَيْنَا غَيْرُهَا.

سَتَقُولُ: إِذَنْ يَجِبُ مَحْوُ قِينَانَ مِنْ نَصِّ السَّبْعِينِيَّةِ وَالْقِدِّيسِ لُوقَا، كَمَا يَمْحُوهُ الْهَرَاطِقَةُ قَائِلِينَ إِنَّهُ مُخْتَلَقٌ مِنَ السَّبْعِينَ. أُجِيبُ: أُنْكِرُ اللَّازِمَ، أَوَّلًا لِأَنَّ الْمَخْطُوطَاتِ الْيُونَانِيَّةَ وَاللَّاتِينِيَّةَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَحْتَوِي عَلَى قِينَانَ: فَحَذْفُهُ سَيُسِيءُ إِلَى كَثِيرِينَ. وَلِهَذَا يَقُولُ الرُّومَانُ الَّذِينَ صَحَّحُوا الطَّبْعَةَ الْفُولْغَاتِيَّةَ بِأَمْرِ سِكْسْتُوسَ الْخَامِسِ وَإِكْلِيمَنْدُسَ الثَّامِنِ فِي الْمُقَدِّمَةِ: «فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الْمُنْتَشِرَةِ كَمَا غُيِّرَتْ بَعْضُ الْأُمُورِ عَمْدًا، كَذَلِكَ تُرِكَتْ أُمُورٌ أُخْرَى كَانَتْ تَبْدُو بِحَاجَةٍ إِلَى تَغْيِيرٍ دُونَ تَغْيِيرٍ عَمْدًا، لِأَنَّ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ نَبَّهَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ تَجَنُّبًا لِإِسَاءَةِ الشُّعُوبِ»، إِلَخْ. لِذَلِكَ مِنَ الْأَفْضَلِ وَالْكَافِي أَنْ يُشِيرَ الْعُلَمَاءُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ. وَأَيْضًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكْمُنُ هُنَا سِرٌّ إِلَهِيٌّ خَفِيٌّ آخَرُ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَجْهَلَهُ الْبَشَرُ، كَمَا يُلَمِّحُ بِيدَا.

لَاحِظْ: كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ فِي نَسَبِ آدَمَ حَتَّى نُوحٍ، أَنَّ الْأَرْقَامَ فِي السَّبْعِينِيَّةِ مُحَرَّفَةٌ، كَذَلِكَ هُنَا مُحَرَّفَةٌ: إِذِ السَّبْعِينِيَّةُ هُنَا تُضِيفُ مِئَةَ سَنَةٍ لِأَرْفَكْشَادَ وَلِغَيْرِهِ، وَهِيَ سِنُونَ لَيْسَتْ فِي الْعِبْرِيِّ وَلَا فِي تَرْجَمَتِنَا؛ وَمِنْ ثَمَّ بِحَسَبِ السَّبْعِينِيَّةِ الْمُحَرَّفَةِ هَكَذَا يَتَرَتَّبُ أَنَّهُ مِنَ الطُّوفَانِ إِلَى أَبْرَامَ مَضَتْ ١١٧٢ سَنَةً، بَيْنَمَا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ الْعِبْرِيَّةِ لَمْ تَمْضِ سِوَى ٢٩٢.


الْآيَةُ ١٣: وَعَاشَ أَرْفَكْشَادُ ثَلَاثَمِئَةٍ وَثَلَاثَ سَنَوَاتٍ

هَكَذَا تَقْرَأُ الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ اللَّاتِينِيَّةُ وَالرُّومَانِيَّةُ وَالْمَلَكِيَّةُ، وَالسَّبْعِينِيَّةُ الْيُونَانِيَّةُ مِنْ طَبْعَةِ كَارَافَّا. لَكِنَّ الْعِبْرِيَّ وَالْكَلْدَانِيَّ وَالسَّبْعِينِيَّةَ مِنَ الطَّبْعَةِ الْكُومْبْلُوتِنْسِيَّةِ وَالْمَلَكِيَّةِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْكُتُبِ اللَّاتِينِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، تَقْرَأُ ٤٠٣، وَهَذَا أَكْثَرُ تَوَافُقًا مَعَ أَعْمَارِ ذَلِكَ الْعَصْرِ: إِذْ إِنَّ شَالَحَ وَعَابِرَ اللَّذَيْنِ كَانَا مِنْ ذُرِّيَّةِ أَرْفَكْشَادَ عَاشَا ٤٠٠ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ.

لَاحِظْ: قَبْلَ الطُّوفَانِ عَاشَ النَّاسُ ٩٠٠ سَنَةٍ، وَبَعْدَ الطُّوفَانِ مُبَاشَرَةً ٤٠٠ فَقَطْ، ثُمَّ ٣٠٠؛ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الْحَيَاةَ الطَّوِيلَةَ لِلْأَوَائِلِ، أَيْ حَتَّى ٩٠٠ سَنَةٍ، لَمْ تَكُنْ مِنْ قُوَّةِ الطَّبِيعَةِ وَالْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ، بَلْ مِنْ هِبَةِ اللهِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ طَبِيعِيًّا أَنْ تَنْقُصَ أَعْمَارُ الْبَشَرِ فَوْرًا فِي الْجِيلِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي إِلَى ٥٠٠ أَوْ ٦٠٠ سَنَةٍ.


الْآيَةُ ٢٠: سَرُوجُ

يَجْعَلُهُ أَبِيفَانِيُوسُ وَالسُّوِيدَاسُ مُخْتَرِعَ الْأَصْنَامِ، أَيْ صُنْعِ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ الَّتِي يُمَثَّلُ فِيهَا الْأُمَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ الْبَارِزِينَ وَيُكْرَمُونَ وَيُعْبَدُونَ، كَأَنَّمَا بَدَأَتِ الْوَثَنِيَّةُ حِينَئِذٍ. لَكِنِّي قُلْتُ آنِفًا إِنَّ مُؤَسِّسَ الْوَثَنِيَّةِ كَانَ نَمْرُودَ أَوْ بَعْلًا. فَسَرُوجُ إِذَنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَسِّسَهَا بَلْ نَاشِرَهَا بِفَنِّهِ فِي النَّحْتِ وَالتَّصْوِيرِ. وَيُخْطِئُ السُّوِيدَاسُ مَرَّةً أُخْرَى هُنَا حِينَ يَضَعُ سَرُوجَ بَيْنَ نَسْلِ يَافِثَ.


الْآيَةُ ٢٦: وَعَاشَ تَارَحُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ

لَاحِظْ: أَوَّلُ ابْنِ تَارَحَ كَانَ هَارَانَ، وَالثَّانِي نَاحُورُ، وَالثَّالِثُ أَبْرَامُ؛ فَأَبْرَامُ إِذَنْ كَانَ الْأَصْغَرَ. وَهَذَا وَاضِحٌ: لِأَنَّ أَبْرَامَ تَزَوَّجَ سَارَةَ الَّتِي كَانَتِ ابْنَةَ هَارَانَ، وَلَمْ تَكُنْ تَكْبُرُهُ سِوَى عَشْرِ سَنَوَاتٍ. لَكِنَّ هَارَانَ حِينَ وَلَدَ سَارَةَ كَانَ عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْعِشْرِينَ: إِذَنْ كَانَ هَارَانُ يَكْبُرُ أَبْرَامَ عَلَى الْأَقَلِّ بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ. لَكِنَّ أَبْرَامَ وُضِعَ هُنَا قَبْلَ إِخْوَتِهِ رَغْمَ أَنَّهُ الْأَصْغَرُ، لِأَنَّ مُوسَى يَنْوِي مِنَ الْآنَ تَتَبُّعَ نَسَبِهِ وَحْدَهُ وَإِيمَانِهِ وَأَعْمَالِهِ.

فَالْمَعْنَى إِذَنْ هُوَ: عَاشَ تَارَحُ ٧٠ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ وَلَدَ هَارَانَ وَنَاحُورَ بِالْفِعْلِ؛ أَمَّا أَبْرَامُ نَفْسُهُ فَوَلَدَهُ تَحْدِيدًا فِي السَّنَةِ ٧٠. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُ. وَبِالتَّالِي يُخْطِئُ مَنْ يَظُنُّونَ أَنَّ أَبْرَامَ وُلِدَ لَا فِي السَّنَةِ ٧٠ بَلْ فِي السَّنَةِ ١٣٠ مِنْ عُمْرِ تَارَحَ؛ وَسَأُفَنِّدُ حُجَّتَهُمْ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّانِيَ عَشَرَ، الْآيَةِ ٤. فَقَدْ قِيلَ هُنَا بِأَلْفَاظٍ صَرِيحَةٍ إِنَّ تَارَحَ وَلَدَ أَبْرَامَ حِينَ كَانَ ابْنَ ٧٠ سَنَةً: وَهَكَذَا بِهَذِهِ السَّنَةِ ٧٠ مِنْ عُمْرِ تَارَحَ يُوَاصِلُ مُوسَى كُرُونُولُوجِيَّتَهُ الَّتِي لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ وَمَشْكُوكًا فِيهَا، بَلْ خَاطِئَةً، لَوْ لَمْ يُولَدْ أَبْرَامُ فِي السَّنَةِ ٧٠ بَلْ فِي السَّنَةِ ١٣٠ مِنْ عُمْرِ تَارَحَ.

لَاحِظْ ثَانِيًا: وُلِدَ أَبْرَامُ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ؛ وَلَمَّا عَاشَ نُوحٌ ٣٥٠ سَنَةً بَعْدَ الطُّوفَانِ، يَتَرَتَّبُ أَنَّ نُوحًا مَاتَ فِي السَّنَةِ ٥٨ مِنْ عُمْرِ أَبْرَامَ. فَأَبْرَامُ إِذَنْ رَأَى جَمِيعَ أَجْدَادِهِ التِّسْعَةِ صُعُودًا إِلَى نُوحٍ: أَيْ رَأَى تَارَحَ وَنَاحُورَ وَسَرُوجَ وَرَعُو وَفَالَجَ وَعَابِرَ وَشَالَحَ وَأَرْفَكْشَادَ وَسَامًا وَنُوحًا.


الْآيَةُ ٢٨: أُورُ الْكَلْدَانِيِّينَ

وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. «أُورُ» كَانَتْ مَدِينَةً فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِيِّينَ سُمِّيَتْ أَيْضًا كَامِيرِينَ، بِحَسَبِ شَهَادَةِ أُوبُولِيمُوسَ عِنْدَ أُوسَابِيُوسَ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعِ مِنَ الْإِعْدَادِ لِلْإِنْجِيلِ ٤. أَمَّا الْكَلْدَانِيُّونَ فَسُمُّوا مِنَ الْعِبْرِيِّ وَالْكَلْدَانِيِّ كَسْدِيمَ، بِتَغْيِيرِ حَرْفِ «سْ» إِلَى «لْ»، كَمَا صَارَ مِنْ أُودِيسِّيُوسَ أُولِيسِّيسُ. وَكَسْدِيمَ بِالْجَمْعِ مُفْرَدُهَا كَسَّدْ، الَّذِي يَظُنُّ بَعْضُ الْعِبْرِيِّينَ أَنَّهُ اخْتِصَارٌ لِأَرْفَكْشَادَ: لِأَنَّ الْحُرُوفَ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ فِي كِلَا الِاسْمَيْنِ هِيَ نَفْسُهَا؛ إِذِ الْعِبْرِيُّونَ لَا يَعْتَدُّونَ بِالْحَرَكَاتِ. لِذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّ الْكَلْدَانِيِّينَ نَشَأُوا وَسُمُّوا مِنْ أَرْفَكْشَادَ بْنِ سَامٍ. وَيَرَى آخَرُونَ أَنَّ الْكَلْدَانِيِّينَ نَشَأُوا وَسُمُّوا مِنْ كِسِدَ بْنِ نَاحُورَ أَخِي أَبْرَامَ، بِحَسَبِ الْإِصْحَاحِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ، الْآيَةِ ٢١. لَكِنَّ هَذَا كَانَ لَاحِقًا.

لَاحِظْ: أُورُ هُنَا تَعْنِي «نَارًا»؛ وَمِنْ ثَمَّ يَبْدُو أَنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ سُمِّيَتْ أُورَ لِأَنَّهُ كَانَ يُحْفَظُ فِيهَا وَيُعْبَدُ نَارٌ مُقَدَّسَةٌ. فَهَكَذَا كَانَ الْفُرْسُ يَعْبُدُونَ النَّارَ الْمُقَدَّسَةَ كَإِلَهٍ فِي أَمَاكِنَ يُسَمِّيهَا الْمُؤَرِّخُ بْرُوقُوبِيُوسُ بِيرِيَا (مَعَابِدَ النَّارِ) فِي كِتَابِهِ الْحُرُوبُ الْفَارِسِيَّةُ. وَبِالْمِثْلِ يَرْوِي الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أَنَّ الْكَلْدَانِيِّينَ عَبَدُوا النَّارَ. فَأُورُ إِذَنْ يَبْدُو أَنَّهَا سُمِّيَتْ مِنْ عِبَادَةِ النَّارِ، كَمَا سُمِّيَتْ هِيلِيُوبُولِيسُ مِنْ عِبَادَةِ الشَّمْسِ. وَرُبَّمَا أُورُ هِيَ نَفْسُهَا أُورَامَ الَّتِي يَضَعُهَا بْلِينِيُوسُ فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ، الْبَابِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، بِجِوَارِ الْفُرَاتِ.

وَمِنْ هُنَا أَيْضًا مُتَرْجِمُنَا فِي ٢ عَزْرَا (نَحَمْيَا)، الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ، الْآيَةِ ٧، يُتَرْجِمُ أُورَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْعِبْرِيِّ بِـ«نَارٍ»؛ فَيُتَرْجِمُ: «اللهُ الَّذِي اخْتَارَ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ نَارِ (عبرانيًّا: مِنْ أُورِ) الْكَلْدَانِيِّينَ.» وَلَاحِظْ هُنَا أَنَّ عَزْرَا يَبْدُو أَنَّهُ يُشِيرُ بِوُضُوحٍ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، كَأَنَّمَا يَقُولُ: اللهُ الَّذِي أَخْرَجَ أَبْرَامَ مِنْ مَدِينَةِ الْكَلْدَانِيِّينَ الَّتِي تُسَمَّى بِالْعِبْرِيَّةِ أُورَ، أَيْ «نَارًا».

وَمِنْ ثَمَّ ثَانِيًا، يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ «النَّارُ» عِنْدَ عَزْرَا مَجَازِيًّا لِتَعْنِيَ الضِّيقَةَ؛ فَالنَّارُ رَمْزُ الضِّيقَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْمَزْمُورِ ١٦: ٣ وَالْمَزْمُورِ ٦٥: ١٢. فَإِنَّ يُوسِيفُوسَ وَالْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي الْكِتَابِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَغَيْرَهُمْ يُعَلِّمُونَ أَنَّ أَبْرَامَ عَانَى كَثِيرًا مِنَ الضِّيقَاتِ مِنَ الْكَلْدَانِيِّينَ لِأَنَّهُ رَفَضَ عِبَادَةَ النَّارِ.

ثَانِيًا، يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ «النَّارُ» عِنْدَ عَزْرَا حَرْفِيًّا؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْعِبْرِيِّينَ يَقُولُ إِنَّ أَبْرَامَ لِهَذَا السَّبَبِ نَفْسِهِ أُلْقِيَ حَرْفِيًّا فِي النَّارِ، كَمَا يَقُولُ عَزْرَا، مِنْ قِبَلِ الْكَلْدَانِيِّينَ، لَكِنَّهُ نَجَا مِنْهَا بِأُعْجُوبَةٍ مِنَ اللهِ: وَهَذَا التَّقْلِيدُ وَإِنْ كَانَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ يَنْتَقِدُهُ أَوَّلًا إِلَّا أَنَّهُ يُقِرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَبْدُو أَنَّ الْكَنِيسَةَ تُقِرُّهُ، إِذْ تُصَلِّي لِلْمُحْتَضَرِينَ أَنْ يُحَرِّرَهُمُ اللهُ مِنْ ضِيقَاتِ الْمَوْتِ وَمِنْ نَارِ جَهَنَّمَ كَمَا حَرَّرَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أُورَ، أَيْ مِنْ نَارِ الْكَلْدَانِيِّينَ.

وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَيْضًا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ حِينَ يَحْتَفِلُ بِهَذَا الْإِخْرَاجِ وَالتَّحْرِيرِ لِأَبْرَامَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ بِاعْتِبَارِهِ أَمْرًا عَظِيمًا وَعَجِيبًا. وَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَغْرَبِ أَنَّ يُوسِيفُوسَ وَفِيلُونَ وَبُولُسَ (عِبْرَانِيِّينَ ١١) لَمْ يَذْكُرُوهُ، كَمَا يَعْتَرِضُ بِيرِيرِيُوسُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرْوُونَ تَقْرِيبًا إِلَّا مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَمَا يُصَرِّحُ يُوسِيفُوسُ مِرَارًا عَنْ نَفْسِهِ. وَمُوسَى أَيْضًا سَكَتَ عَنْ هَذَا لِأَنَّهُ يُلَخِّصُ بِإِيجَازٍ كُلَّ الْأُمُورِ، أَعْمَالَ آدَمَ وَغَيْرِهِ حَتَّى دَعْوَةِ أَبْرَامَ. فَمَاذَا تَجِدُ فِي التَّكْوِينِ عَنْ أَعْمَالِ آدَمَ وَشِيثَ وَأَنُوشَ وَمَتُوشَالَحَ وَغَيْرِهِمْ خِلَالَ ١٦٥٦ سَنَةً قَبْلَ الطُّوفَانِ؟ لَكِنْ لَاحِظْ أَنَّ فِي هَذَا التَّقْلِيدِ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ الْخُرَافِيَّةِ الَّتِي خَلَطَهَا الْعِبْرِيُّونَ، كَأَنَّ هَارَانَ أَخَا إِبْرَاهِيمَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ نَفْسِهَا وَأَحْرَقَتْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدْرِ إِيمَانِ أَبْرَامَ؛ لَكِنَّ مُوسَى يُشِيرُ بِوُضُوحٍ كَافٍ فِي الْآيَةِ ٢٨ إِلَى أَنَّ هَارَانَ مَاتَ مَوْتًا طَبِيعِيًّا. وَكَذَلِكَ أَنَّ نَمْرُودَ، بِإِلْحَاحٍ مِنْ تَارَحَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ بِوَصْفِهِ عَابِدًا لِلْأَصْنَامِ، أَلْقَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ. لَكِنَّ نَمْرُودَ أَوْ بَعْلًا مَاتَ قَبْلَ أَبْرَامَ: لِأَنَّ أَبْرَامَ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٤٣ مِنْ حُكْمِ نِينُوسَ الَّذِي خَلَفَ أَبَاهُ بَعْلًا بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا قُلْتُ فِي الْإِصْحَاحِ الْعَاشِرِ.

ثَالِثًا، يُمْكِنُ تَرْجَمَتُهَا «مِنْ أُورَ»، أَيْ مِنْ «تَعْلِيمِ» (الضَّلَالِ وَالْوَثَنِيَّةِ) الْكَلْدَانِيِّينَ؛ فَهَكَذَا يُتَرْجِمُ مُتَرْجِمُنَا أُورِيمَ بِـ«تَعْلِيمٍ» فِي الْخُرُوجِ ٢٨: ٣١ وَمَوَاضِعَ أُخْرَى.


الْآيَةُ ٢٩: مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ

يَرَى الْأَبُولِنْسِيُّ وَمُعْظَمُ غَيْرِهِ أَنَّ يِسْكَةَ هَذِهِ هِيَ سَارَةُ. فَكَمَا أَنَّ ابْنَةَ هَارَانَ الْأُولَى، أَيْ مِلْكَةَ، تَزَوَّجَتْ عَمَّهَا نَاحُورَ، كَذَلِكَ الثَّانِيَةُ، أَيْ يِسْكَةُ أَوْ سَارَةُ، تَزَوَّجَتْ عَمَّهَا أَبْرَامَ، كَمَا يُلَمِّحُ مُوسَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَبِوُضُوحٍ أَكْبَرَ فِي الْإِصْحَاحِ الْعِشْرِينَ، الْآيَةِ ١٢، حَيْثُ يُسَمِّي أَبْرَامُ سَارَةَ أُخْتَهُ، أَيِ ابْنَةَ أَخِيهِ هَارَانَ. وَأَنَّ سَارَةَ لَمْ تَكُنِ ابْنَةَ أَخِ إِبْرَاهِيمَ نَاحُورَ يُشِيرُ إِلَيْهِ مُوسَى هُنَا بِوُضُوحٍ كَافٍ حِينَ يَذْكُرُ أَنَّ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ تَزَوَّجَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.

مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ تُسْتَنْبَطُ كُرُونُولُوجِيَا الْعَالَمِ، وَهِيَ أَنَّهُ مِنْ نِهَايَةِ الطُّوفَانِ إِلَى أَبْرَامَ مَضَتْ ٢٩٢ سَنَةً: وَذَلِكَ وَاضِحٌ، لِأَنَّهُ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنَ الطُّوفَانِ وَلَدَ سَامٌ أَرْفَكْشَادَ، وَأَرْفَكْشَادُ حِينَ كَانَ ابْنَ ٣٥ سَنَةً وَلَدَ شَالَحَ، وَشَالَحُ فِي ٣٠ وَلَدَ عَابِرَ، وَعَابِرُ فِي ٣٤ وَلَدَ فَالَجَ، وَفَالَجُ فِي ٣٠ وَلَدَ رَعُو، وَرَعُو فِي ٣٢ وَلَدَ سَرُوجَ، وَسَرُوجُ فِي ٣٠ وَلَدَ نَاحُورَ، وَنَاحُورُ فِي ٢٩ وَلَدَ تَارَحَ، وَتَارَحُ فِي ٧٠ وَلَدَ أَبْرَامَ. الْمَجْمُوعُ: ٢٩٢ سَنَةً. فَأَبْرَامُ إِذَنْ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٢٩٢ بَعْدَ الطُّوفَانِ، الَّتِي كَانَتْ سَنَةَ الْعَالَمِ ١٩٤٩.


الْآيَةُ ٣١: وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ

أَيْ بَعْدَ أَنْ دَعَا اللهُ أَبْرَامَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ، فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١. فَهَذَا إِذَنْ اسْتِبَاقٌ وَتَقْدِيمٌ: لِأَنَّ مُوسَى أَرَادَ أَنْ يَنْسُجَ هُنَا حَيَاةَ تَارَحَ وَمَوْتَهُ مَعًا قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ فِي سَرْدِ أَعْمَالِ أَبْرَامَ، حَتَّى تِلْكَ الَّتِي فَعَلَهَا وَأَبُوهُ تَارَحُ لَا يَزَالُ حَيًّا.

لَاحِظْ: يَرَى بَعْضُهُمْ مَعَ الْقِدِّيسِ ذَهَبِيِّ الْفَمِ أَنَّ تَارَحَ فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِيِّينَ عَبَدَ الْأَصْنَامَ أَوَّلًا، لَكِنَّ ابْنَهُ أَبْرَامَ حَوَّلَهُ فَتَرَكَهَا وَعَبَدَ الْإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ. يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ مِنْ يَهُودِيتَ الْإِصْحَاحِ الْخَامِسِ، الْآيَةِ ٨؛ لَكِنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يُؤَكِّدُ الْعَكْسَ بِالْأَحْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ رَفَضَ عِبَادَةَ أَصْنَامِ آبَائِهِ. وَيَسْتَدِلُّونَ أَيْضًا مِنْ يَشُوعَ ٢٤: ٢.

وَمِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ يَسْتَنْتِجُونَ أَيْضًا أَنَّ أَبْرَامَ فِي الْبِدَايَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَهُ اللهُ عَبَدَ الْأَصْنَامَ — هَكَذَا يَقُولُ فِيلُونُ فِي كِتَابِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْعِبْرِيُّونَ وَجِينِبْرَارْدُوسُ وَأَنْدْرَيَاسُ مَاسِيُوسُ فِي تَفْسِيرِ يَشُوعَ ٢٤. لَكِنَّ الرَّأْيَ الْأَصَحَّ هُوَ أَوَّلًا أَنَّ أَبْرَامَ لَمْ يَعْبُدْ أَصْنَامًا قَطُّ. أَوَّلًا، لِأَنَّهُ فِي يَشُوعَ ٢٤: ٢ لَمْ يُقَلْ عَنْ أَبْرَامَ بَلْ عَنْ تَارَحَ وَنَاحُورَ فَقَطْ إِنَّهُمَا عَبَدَا آلِهَةً غَرِيبَةً. ثَانِيًا، لِأَنَّ أَبْرَامَ يُقَدَّمُ لَنَا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ بِاعْتِبَارِهِ أَبَا الْمُؤْمِنِينَ وَقُدْوَةَ الْإِيمَانِ؛ فَلَمْ يَكُنْ إِذَنْ كَافِرًا قَطُّ. ثَالِثًا، لِأَنَّ هَذَا رَأْيُ يُوسِيفُوسَ وَالسُّوِيدَاسِ وَبِيرِيرِيُوسَ وَدِلْرِيُو وَكَثِيرِينَ غَيْرِهِمْ.

ثَانِيًا، الرَّأْيُ الْأَصَحُّ أَنَّ تَارَحَ فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِيِّينَ لَمْ يَعْبُدِ الْأَصْنَامَ، بَلْ عَبَدَ مَعَ أَبْرَامَ الْإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ، وَلِذَلِكَ لَمَّا ضَايَقَهُ الْكَلْدَانِيُّونَ، بِتَوْجِيهٍ وَتَحْرِيضٍ مِنْ أَبْرَامَ، خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ وَهَاجَرَ إِلَى كَنْعَانَ: لَكِنَّ تَارَحَ إِذْ كَانَ قَدْ أَنْهَكَهُ التَّعَبُ وَالشَّيْخُوخَةُ، تَوَقَّفَ مُرْهَقًا فِي الطَّرِيقِ، أَيْ فِي مَدِينَةِ حَارَانَ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، الَّتِي تُعْرَفُ عَادَةً بِكَرَّا، حَيْثُ هُزِمَ الْقَائِدُ الرُّومَانِيُّ مَارْكُوسُ كْرَاسُّوسُ عَلَى يَدِ الْبَارْثِيِّينَ.

ثَالِثًا، الرَّأْيُ الْأَصَحُّ أَنَّ تَارَحَ فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، أَيْ فِي حَارَانَ، سَقَطَ فِي الْوَثَنِيَّةِ، إِمَّا بِسَبَبِ عَادَاتِ ذَلِكَ الشَّعْبِ، أَوْ بِسَبَبِ قُدُومِ ابْنِهِ نَاحُورَ الْوَثَنِيِّ مِنْ بِلَادِ الْكَلْدَانِيِّينَ، أَوْ بِسَبَبِ رَحِيلِ أَبْرَامَ نَفْسِهِ وَغِيَابِهِ حِينَ ذَهَبَ مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ. وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ يَشُوعَ ٢٤: ٢ حَيْثُ يُقَالُ: «آبَاؤُكُمْ سَكَنُوا فِي عَبْرِ النَّهْرِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، تَارَحُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَنَاحُورُ، وَعَبَدُوا آلِهَةً أُخْرَى.» فِي عَبْرِ النَّهْرِ، أَيِ الْفُرَاتِ، فِي بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، لَا فِي بِلَادِ الْكَلْدَانِيِّينَ. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ اسْتِنَادًا إِلَى الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُوسَ وَالطُّوسْتَاتُوسِ.