كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْفَصْلِ
هُنَا يَبْدَأُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ. فَالْأَوَّلُ يَمْتَدُّ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إِلَى السَّادِسِ، وَيَتَضَمَّنُ أَعْمَالَ آدَمَ حَتَّى نُوحَ وَالطُّوفَانِ. وَالثَّانِي مِنَ الْفَصْلِ السَّادِسِ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيَتَضَمَّنُ أَعْمَالَ نُوحَ حَتَّى أَبْرَامَ. وَهَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مِنْ هَذَا الْفَصْلِ إِلَى الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، يَتَضَمَّنُ أَعْمَالَ أَبْرَامَ. فِي هَذَا الْقِسْمِ الثَّالِثِ إِذًا، يُقَدَّمُ لَنَا أَبْرَامُ بِوَصْفِهِ أَبَا الْمُؤْمِنِينَ، وَنَمُوذَجَ الْقَدَاسَةِ وَالْكَمَالِ. وَأَوَّلًا، بِوَصْفِهِ مُبْتَدِئًا فِي طَرِيقِ الْفَضِيلَةِ، حَتَّى الْفَصْلِ الثَّامِنَ عَشَرَ؛ ثُمَّ بِوَصْفِهِ مُتَقَدِّمًا فِيهَا، حَتَّى الْفَصْلِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ؛ وَمِنْ هُنَاكَ بِوَصْفِهِ كَامِلًا، حَتَّى الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ. اُنْظُرْ فِي مَدَائِحِ إِبْرَاهِيمَ: فِيلُونُ، وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، وَالْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ الَّذِي يَقُولُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلِ الثَّانِي: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ حَقًّا رَجُلًا عَظِيمًا، تَمَيَّزَ بِسِمَاتِ فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ، لَمْ تَسْتَطِعِ الْفَلْسَفَةُ أَنْ تُضَاهِيَهُ بِأَمَانِيهَا.» وَفِيمَا بَعْدُ: «يُخْتَبَرُ كَرَجُلٍ شُجَاعٍ، وَيُحَثُّ كَمُؤْمِنٍ، وَيُتَحَدَّى كَعَادِلٍ: بِأَعْمَالِهِ سَبَقَ قَوْلَ الْحُكَمَاءِ: اتَّبِعِ اللهَ»، إِلَى آخِرِهِ.
فِي هَذَا الْفَصْلِ إِذًا، إِبْرَاهِيمُ، الَّذِي دَعَاهُ اللهُ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَطَنِهِ، مَعَ وَعْدٍ سَخِيٍّ، يَتَغَرَّبُ فِي كَنْعَانَ، أَيْ فِي شَكِيمَ وَبَيْتَ إِيلَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ الْعَاشِرَةِ، بِسَبَبِ الْمَجَاعَةِ يَنْزِلُ إِلَى مِصْرَ، حَيْثُ يَأْخُذُ فِرْعَوْنُ سَارَةَ؛ لَكِنْ بِسَبَبِ الضَّرَبَاتِ الَّتِي أَرْسَلَهَا اللهُ تُرَدُّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ١٢: ١-٢٠
١. وَقَالَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ: اُخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ، وَتَعَالَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ إِيَّاهَا. ٢. فَأَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكُكَ وَأُعَظِّمُ اسْمَكَ وَتَكُونُ مُبَارَكًا. ٣. وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ، وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ. ٤. فَخَرَجَ أَبْرَامُ كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ، وَمَضَى مَعَهُ لُوطٌ: وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً حِينَ خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. ٥. فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمْ الَّتِي جَمَعُوهَا، وَالنُّفُوسَ الَّتِي اقْتَنَوْهَا فِي حَارَانَ: وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا، ٦. اجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الْأَرْضِ إِلَى مَوْضِعِ شَكِيمَ، إِلَى بَلُّوطَةِ مُورِيهْ: وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الْأَرْضِ. ٧. وَظَهَرَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الْأَرْضَ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. ٨. ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي كَانَ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيلَ، وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ هُنَاكَ، وَبَيْتُ إِيلَ غَرْبًا وَعَايُ شَرْقًا: وَبَنَى هُنَاكَ أَيْضًا مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِهِ. ٩. وَارْتَحَلَ أَبْرَامُ ارْتِحَالًا مُتَوَاصِلًا نَحْوَ الْجَنُوبِ. ١٠. وَكَانَ جُوعٌ فِي الْأَرْضِ: فَنَزَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لِأَنَّ الْجُوعَ كَانَ شَدِيدًا فِي الْأَرْضِ. ١١. وَلَمَّا قَارَبَ الدُّخُولَ إِلَى مِصْرَ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ، ١٢. فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. ١٣. قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، أَسْأَلُكِ ذَلِكَ، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ، وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ. ١٤. فَلَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ مِصْرَ، رَأَى الْمِصْرِيُّونَ الْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَأَخْبَرَ الرُّؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا أَمَامَهُ: فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ. ١٥. فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ حَسَنًا بِسَبَبِهَا: وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ. ١٧. فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ بِضَرَبَاتٍ عَظِيمَةٍ، وَبَيْتَهُ، بِسَبَبِ سَارَايَ امْرَأَةِ أَبْرَامَ. ١٨. فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَعَلْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ ١٩. لِمَاذَا قُلْتَ هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي امْرَأَةً؟ فَالْآنَ هُوَذَا امْرَأَتُكَ: خُذْهَا وَاذْهَبْ. ٢٠. فَأَوْصَى فِرْعَوْنُ رِجَالَهُ بِشَأْنِ أَبْرَامَ: فَشَيَّعُوهُ وَامْرَأَتَهُ وَكُلَّ مَا كَانَ لَهُ.
الْآيَةُ ١: وَقَالَ الرَّبُّ لِأَبْرَامَ: اُخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ
أَوَّلًا. دُعِيَ أَبْرَامُ أَوَّلًا وَأَسَاسًا مِنْ أُورَ الْكَلْدَانِيِّينَ، وَهَذِهِ كَانَتْ دَعْوَتُهُ الْأُولَى، ثُمَّ مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ، وَهَذِهِ كَانَتْ دَعْوَتُهُ الثَّانِيَةُ الَّتِي يُعَالِجُهَا النَّصُّ هُنَا. وَقَدْ أَشَارَ اسْتِفَانُوسُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧: ٢ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْأُولَى قَائِلًا: «إِلَهُ الْمَجْدِ ظَهَرَ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ فِي حَارَانَ، وَقَالَ لَهُ: اُخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَتَعَالَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ إِيَّاهَا.»
مُلَاحَظَةٌ: الْقِدِّيسُ اسْتِفَانُوسُ هُنَا يَضُمُّ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ. فَإِنَّهُ يُلْبِسُ الثَّانِيَةَ أَلْفَاظَ الْأُولَى وَعِبَارَاتِهَا، قَائِلًا: «اُخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَتَعَالَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ إِيَّاهَا.» فَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ تَخُصُّ الدَّعْوَةَ الثَّانِيَةَ لَا الْأُولَى بِالْحَقِيقَةِ. فَفِي الدَّعْوَةِ الْأُولَى لَمْ يُؤْمَرْ أَبْرَامُ بِأَنْ يَتْرُكَ عَشِيرَتَهُ (إِذْ خَرَجَ مَعَهُ لُوطٌ وَنَاحُورُ)، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَجِيءِ إِلَى أَرْضِ الْمَوْعِدِ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ فَوْرًا بَلْ بَعْدَ زَمَنٍ. فَالْقِدِّيسُ اسْتِفَانُوسُ إِذًا، لِأَنَّهُ يَرْوِي الْأَمْرَ بِاخْتِصَارٍ، جَمَعَ الدَّعْوَتَيْنِ فِي وَاحِدَةٍ.
ثَانِيًا. يَقُولُ اسْتِفَانُوسُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ دُعِيَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، مَعَ أَنَّ أُورَ فِي أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. أُجِيبُ: إِنَّ اسْتِفَانُوسَ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِمَعْنًى وَاسِعٍ، وَيُدْرِجُ تَحْتَهَا أَرْضَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَيْضًا. وَلَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ: فَفِي التَّوَارِيخِ الْقَدِيمَةِ كَثِيرًا مَا تُؤْخَذُ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِمَعْنًى وَاسِعٍ لِتَدُلَّ عَلَى كُلِّ مَا يَقَعُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ؛ وَأَرْضُ الْكَلْدَانِيِّينَ، لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، تَنْدَرِجُ تَحْتَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِهَذَا الْمَعْنَى الْوَاسِعِ.
هُنَا إِذًا يُدْعَى أَبْرَامُ مَرَّةً ثَانِيَةً مِنَ اللهِ الَّذِي يَقُولُ لَهُ: «اُخْرُجْ»، بِالْعِبْرِيَّةِ لَخْ لَخَا، أَيِ «اذْهَبْ لَكَ»، أَيِ اذْهَبْ لِأَجْلِ نَفْسِكَ، لِمَصْلَحَتِكَ وَمَنْفَعَتِكَ. فِي هَذَا الْفَصْلِ إِذًا يَجْعَلُ اللهُ أَبْرَامَ كَأَنَّهُ مُهْتَدٍ وَمُتَغَرِّبٌ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ وَطَنِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَبَيْتِ أَبِيهِ، لِيَقُودَهُ إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ، وَيُقَدِّمَهُ نَمُوذَجًا لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. اُنْظُرْ عِبْرَانِيِّينَ ١١: ٨.
أَخْلَاقِيًّا وَرَمْزِيًّا: أَبْرَامُ رَمْزٌ لِكُلِّ مَسِيحِيٍّ، يَدْعُوهُ اللهُ لِيَخْرُجَ مِنْ أَرْضِهِ، أَيْ مِنَ الْعَالَمِ، وَمِنْ عَشِيرَتِهِ، أَيْ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالشَّهَوَاتِ، وَمِنْ بَيْتِ أَبِيهِ، أَيْ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَيَأْتِيَ إِلَى أَرْضِ الْمَوْعِدِ، أَيْ إِلَى السَّمَاءِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ الثَّانِي.
مُلَاحَظَةٌ: أَبْرَامُ، الَّذِي دَعَاهُ اللهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ ثُمَّ مِنْ حَارَانَ، سَارَ مَعَ ذَلِكَ نَحْوَ كَنْعَانَ بِلَا دَلِيلٍ وَبِلَا جَيْشٍ وَبِلَا زَادٍ، فِي أَرْضٍ مَجْهُولَةٍ، بَيْنَ أُمَمٍ بَرْبَرِيَّةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، مُتَّبِعًا وَعْدَ اللهِ وَحِمَايَتَهُ فَقَطْ. هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْعَظِيمُ وَالطَّاعَةُ الْعَظِيمَةُ لِإِبْرَاهِيمَ، الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَحْدَهُ تَقْرِيبًا حُفِظَ الْإِيمَانُ وَكَنِيسَةُ اللهِ حَتَّى الْمَسِيحِ.
تُرُوبُولُوجِيًّا، فِي شَأْنِ الدَّعْوَةِ الثُّلَاثِيَّةِ وَالتَّخَلِّي الثُّلَاثِيِّ، اُنْظُرْ كَاسِيَانُوسَ فِي بِدَايَةِ الْمُحَادَثَةِ الثَّالِثَةِ. فَإِنَّ الْأَبَّ بَافْنُوتِيُوسَ، فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ، يُطَبِّقُ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ عَلَى التَّخَلِّي الثُّلَاثِيِّ. «الْأَوَّلُ،» يَقُولُ، «هُوَ الَّذِي بِهِ نَحْتَقِرُ جَسَدِيًّا كُلَّ ثَرَوَاتِ الْعَالَمِ وَمُمْتَلَكَاتِهِ؛ وَالثَّانِي، هُوَ الَّذِي بِهِ نَرْفُضُ الْعَادَاتِ السَّابِقَةَ وَالرَّذَائِلَ وَمَيْلَاتِ النَّفْسِ وَالْجَسَدِ الْقَدِيمَةَ؛ وَالثَّالِثُ، هُوَ الَّذِي بِهِ نَسْحَبُ عُقُولَنَا مِنْ كُلِّ الْأَشْيَاءِ الْحَاضِرَةِ وَالْمَنْظُورَةِ، وَنَتَأَمَّلُ فَقَطْ مَا هُوَ آتٍ وَنَشْتَهِي تِلْكَ الْأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ.»
مِنْ أَرْضِكَ -- مِنْ أُورَ الْكَلْدَانِيِّينَ الَّتِي هِيَ وَطَنُكَ. مِنْ عَشِيرَتِكَ -- اتْرُكْ أَقَارِبَكَ الْكَلْدَانِيِّينَ الْوَثَنِيِّينَ. مِنْ بَيْتِكَ -- بَلِ اتْرُكْ حَتَّى بَيْتَكَ، بَيْتًا أَقُولُ بِهَذَا الْبَهَاءِ وَهَذَا الْعِزِّ فِي أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ؛ وَلَيْسَ الْبَيْتُ فَحَسْبُ، بَلْ أَيْضًا سُكَّانَ الْبَيْتِ، أَيْ أَخَاكَ وَأَبَاكَ وَزَوْجَتَكَ؛ إِنْ أَرَادُوا الْبَقَاءَ، اتْرُكْهُمْ وَاخْرُجْ وَحْدَكَ، حَتَّى تَتْبَعَ اللهَ الَّذِي يَدْعُوكَ. اُنْظُرْ كَيْفَ بِكَلِمَاتٍ كَثِيرَةٍ، يَنْخُسُ اللهُ وَيُمَحِّصُ وَيُذَكِّي إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ بِمَحَافِزَ بِقَدْرِهَا.
لَاحِظْ هُنَا فِي إِبْرَاهِيمَ شُرُوطَ الطَّاعَةِ الْكَامِلَةِ وَصِفَاتِهَا. الْأُولَى أَنْ يُطِيعَ فَوْرًا وَبِرِضًا. الثَّانِيَةُ أَنْ يُطِيعَ بِبَسَاطَةٍ، وَذَلِكَ يَكُونُ حِينَ نُخْضِعُ حُكْمَنَا لِحُكْمِ الرَّئِيسِ. فَإِنَّ أَبْرَامَ «خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ.» الثَّالِثَةُ أَنْ يُطِيعَ بِفَرَحٍ. الرَّابِعَةُ أَنْ يُطِيعَ بِتَوَاضُعٍ. الْخَامِسَةُ أَنْ يُطِيعَ بِشَجَاعَةٍ وَثَبَاتٍ. السَّادِسَةُ أَنْ يُطِيعَ بِلَا تَمْيِيزٍ: فَقَدْ كَانَ أَبْرَامُ مُسْتَعِدًّا لِلذَّهَابِ أَيْنَمَا دَعَاهُ اللهُ؛ فَإِنَّهُ سَلَّمَ نَفْسَهُ بِالْكَامِلِ لِلَّهِ. السَّابِعَةُ أَنْ يُطِيعَ بِمُثَابَرَةٍ: فَإِنَّ أَبْرَامَ قَضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا مُتَغَرِّبًا فِي كَنْعَانَ لِيُطِيعَ اللهَ. هَكَذَا الْمَسِيحُ أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَمَوْتِ الصَّلِيبِ. وَأَخِيرًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الدَّرَجِيُّ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ: «الطَّاعَةُ هِيَ الْإِنْكَارُ الْكَامِلُ لِلنَّفْسِ وَالْجَسَدِ، وَمَوْتٌ طَوْعِيٌّ، وَحَيَاةٌ بِلَا قَلَقٍ، وَإِبْحَارٌ بِلَا ضَرَرٍ، وَدَفْنٌ لِلْإِرَادَةِ؛ هِيَ أَنْ تَسِيرَ وَأَنْتَ نَائِمٌ، وَحِمْلُكَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْآخَرِينَ.»
الَّتِي أُرِيكَ إِيَّاهَا. فَاللهُ إِذًا حِينَ دَعَا أَبْرَامَ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ: بَلْ كَشَفَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَئِذٍ. وَلِذَلِكَ يَمْدَحُ الرَّسُولُ إِيمَانَ إِبْرَاهِيمَ وَطَاعَتَهُ قَائِلًا فِي عِبْرَانِيِّينَ ١١: «بِالْإِيمَانِ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا دُعِيَ أَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يَأْخُذَهُ مِيرَاثًا، فَخَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَأْتِي.»
مُلَاحَظَةٌ: اللهُ حِينَ دَعَا إِبْرَاهِيمَ كَشَفَ لَهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى كَنْعَانَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٥ وَالْفَصْلِ ١١: ٣١؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَكْشِفْ لَهُ إِلَى أَيِّ جُزْءٍ مِنْ كَنْعَانَ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَنْتَقِلَ؛ فَإِنَّ مِنْطَقَةَ كَنْعَانَ كَانَتْ وَاسِعَةً وَمُقَسَّمَةً بَيْنَ مُلُوكٍ كَثِيرِينَ. مَا يُقَالُ هُنَا يُفْهَمُ هَكَذَا: «تَعَالَ إِلَى الْأَرْضِ (أَيْ إِلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ) الَّتِي أُرِيكَ إِيَّاهَا،» بِالْعِبْرِيَّةِ أَرْئِيكَا، أَيِ الَّتِي أَجْعَلُكَ تَرَاهَا، الَّتِي أُظْهِرُهَا لِعَيْنَيْكَ.
أَخْلَاقِيًّا، لِيَتَعَلَّمِ الْمُؤْمِنُونَ هُنَا مَعَ إِبْرَاهِيمَ ذَلِكَ الْقَوْلَ لِلْقِدِّيسِ غْرِيغُورِيُوسَ النَّزْيَنْزِيِّ، الْخُطْبَةُ ٢٨: «كُلُّ أَرْضٍ لَنَا وَطَنٌ، وَلَا أَرْضَ لَنَا وَطَنٌ»؛ لَنْ تَكُونَ لَنَا أَرْضٌ وَطَنًا حِينَ نَعْتَبِرُ السَّمَاءَ وَطَنَنَا وَالْعَالَمَ مَنْفَانَا. فَكَمَا يَقُولُ هُوغُو مِنْ سانْتُ فِيكْتُورَ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنَ الدِّيدَاسْكَالِيكُونْ، الْفَصْلِ الْعِشْرِينَ: «إِنَّهُ مَبْدَأٌ عَظِيمٌ لِلْفَضِيلَةِ أَنْ تَتَعَلَّمَ النَّفْسُ الْمُدَرَّبَةُ أَوَّلًا أَنْ تُغَيِّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْمَنْظُورَةَ وَالزَّائِلَةَ، حَتَّى تَسْتَطِيعَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْهَا. لَا يَزَالُ نَاعِمًا مَنْ يَحِنُّ إِلَى وَطَنِهِ؛ لَكِنَّهُ قَوِيٌّ مَنْ كُلُّ أَرْضٍ لَهُ وَطَنٌ؛ أَمَّا الْكَامِلُ فَهُوَ مَنِ الْعَالَمُ كُلُّهُ لَهُ مَنْفًى. الْأَوَّلُ ثَبَّتَ حُبَّهُ فِي الْعَالَمِ، وَالثَّانِي بَعْثَرَهُ، وَالثَّالِثُ أَطْفَأَهُ.»
نَحْنُ مُوَاطِنُونَ عَالَمِيُّونَ، أَيْ وُلِدْنَا لَا لِمَدِينَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ. يَقُولُ بُونْتِيُوسُ فِي حَيَاةِ الْقِدِّيسِ كِبْرِيَانُوسَ: «لِلْمَسِيحِيِّ، هَذَا الْعَالَمُ كُلُّهُ بَيْتٌ وَاحِدٌ.» وَلَمَّا هَدَّدَ الْوَالِي الْقِدِّيسَ كِبْرِيَانُوسَ بِالنَّفْيِ بِسَبَبِ إِيمَانِ الْمَسِيحِ، قَالَ: «لَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا مَنْ كَانَ اللهُ فِي ذِهْنِهِ، لِأَنَّ لِلرَّبِّ الْأَرْضَ وَمِلْأَهَا.»
الْآيَةُ ٢: وَأَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً (الْبَرَكَاتُ السَّبْعُ)
يُلَاحِظُ كَايِتَانُوسُ أَنَّ سَبْعَ بَرَكَاتٍ، أَوْ خَيْرَاتٍ عَظِيمَةٍ، وَعَدَ اللهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ إِنْ أَطَاعَ دَعْوَةَ اللهِ. الْأُولَى هِيَ السِّيَادَةُ أَوْ أُبُوَّةُ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، حِينَ يَقُولُ: «وَأَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً»؛ أَيْ لِتُولَدَ مِنْكَ أُمَّةُ الْيَهُودِ الْعَظِيمَةُ جِدًّا، الَّتِي يُسَاوِي عَدَدُهَا نُجُومَ السَّمَاءِ وَرَمْلَ الْبَحْرِ.
الثَّانِيَةُ هِيَ وَفْرَةُ الْمَحَاصِيلِ وَالْغِنَى، حِينَ يَقُولُ: «وَأُبَارِكُكَ.»
الثَّالِثَةُ هِيَ شُهْرَةُ اسْمِهِ وَمَجْدُهُ، حِينَ يَقُولُ: «وَأُعَظِّمُ اسْمَكَ»؛ لِيَكُونَ اسْمُكَ مَشْهُورًا عَبْرَ جَمِيعِ الْعُصُورِ وَفِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، لِيَفْتَخِرَ الْيَهُودُ وَالْمُسْلِمُونَ وَالْمَسِيحِيُّونَ بِاسْمِ إِبْرَاهِيمَ وَإِيمَانِهِ وَنَسَبِهِ.
الرَّابِعَةُ هِيَ مَجْمُوعُ كُلِّ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، حِينَ يَقُولُ: «وَتَكُونُ مُبَارَكًا»؛ بِالْعِبْرِيَّةِ ثِيهْيِهْ بِّرَاخَا، «كُنْ بَرَكَةً»، أَيْ لِتَكُنْ مُبَارَكًا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ تَبْدُو الْبَرَكَةَ ذَاتَهَا، وَحِينَ يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يُبَارِكُوا أَحَدًا يَضَعُونَكَ مَثَلًا قَائِلِينَ: لِيَكُنْ لَكَ، لِيُبَارِكْكَ اللهُ، كَمَا فَعَلَ وَبَارَكَ إِبْرَاهِيمَ -- كَمَا كَانُوا قَدِيمًا يَهْتِفُونَ عِنْدَ تَنْصِيبِ قَيْصَرَ: كُنْ أَسْعَدَ مِنْ أُغُسْطُسَ، كُنْ أَفْضَلَ مِنْ تَرَايَانُوسَ.
الْخَامِسَةُ أَنِّي لَا أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَحْدَكَ يَا أَبْرَامُ، بَلْ أَيْضًا إِلَى أَصْدِقَائِكَ: «وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ»، الْآيَةُ ٣.
السَّادِسَةُ أَنِّي كَذَلِكَ أُسِيءُ إِلَى مَنْ يُسِيءُ إِلَيْكَ: «وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ.» إِلَى هَذَا يُشِيرُ بَلْعَامُ، سِفْرُ الْعَدَدِ ٢٤: ٩: «مَنْ يُبَارِكُكَ يَكُونُ هُوَ نَفْسُهُ مُبَارَكًا؛ وَمَنْ يَلْعَنُكَ يُحْسَبُ مَلْعُونًا.»
أَخْلَاقِيًّا، لَاحِظْ هُنَا كَمْ هُوَ نَافِعٌ أَنْ يَكُونَ لَكَ الْقِدِّيسُونَ أَصْدِقَاءَ، وَأَنْ تَكُونَ مُحْسِنًا وَكَرِيمًا مَعَهُمْ؛ وَبِالْعَكْسِ، كَمْ هُوَ شَرٌّ أَنْ تَذُمَّهُمْ وَتَكْرَهَهُمْ وَتُضَايِقَهُمْ وَتَضْطَهِدَهُمْ: فَمَنِ اتَّخَذَهُمْ أَعْدَاءً يَجِدُ اللهَ عَدُوًّا لَهُ وَمُنْتَقِمًا.
هَذِهِ الْبَرَكَاتُ السِّتُّ هِيَ فِي الْغَالِبِ جَسَدِيَّةٌ وَزَمَنِيَّةٌ؛ أَمَّا السَّابِعَةُ وَالرَّئِيسِيَّةُ فَهِيَ رُوحِيَّةٌ وَأَبَدِيَّةٌ؛ وَعَنْهَا يُضِيفُ قَائِلًا:
الْآيَةُ ٣: وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ
«فِيكَ»، أَيْ فِي نَسْلِكَ، كَمَا يُفَسَّرُ فِي التَّكْوِينِ ٢٢: ١٧، أَيْ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي وُلِدَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا يُفَسِّرُ الْقِدِّيسُ بُولُسُ فِي غَلَاطِيَّةَ ٣: ١٦، وَالْقِدِّيسُ بُطْرُسُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٣: ٢٦. فَمَا مُنِحَ لِلْمَسِيحِ الِابْنِ مُنِحَ أَيْضًا لِإِبْرَاهِيمَ وَالِدِ الْمَسِيحِ؛ فَبِهَذَا النَّسْلِ الرُّوحِيِّ الْمُقَدَّسِ، أَيْ بِالْمَسِيحِ، صَارَ إِبْرَاهِيمُ أَبًا لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: بِالْمَسِيحِ ابْنِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِالْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ، تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الْأُمَمِ، أَيْ تَتَبَرَّرُ، وَتَصِيرُ أَصْدِقَاءَ اللهِ وَأَبْنَاءَهُ، وَبِالتَّالِي وَرَثَةَ مَلَكُوتِ اللهِ، وَسَيَسْمَعُونَ يَوْمًا: «تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.» فَهُنَاكَ إِذًا مَا يَدْعُوكَ لِلْفَرَحِ يَا إِبْرَاهِيمُ، لِأَنَّكَ بِالْمَسِيحِ ابْنِكَ سَتَكُونُ أَبَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ وَالْمُخْتَارِينَ. هَكَذَا يَقُولُ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا، وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ، وَأَنْسِلْمُوسُ، وَآخَرُونَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ إِلَى غَلَاطِيَّةَ ٣: ١٦.
وَيُمْكِنُ ثَانِيًا أَنْ يُفْهَمَ هَكَذَا: «فِيكَ»، أَيْ عَلَى مِثَالِكَ، بِاقْتِدَائِكَ وَنَمُوذَجِكَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنْتَ بِالْإِيمَانِ، كَذَلِكَ جَمِيعُ الْأُمَمِ بِالْإِيمَانِ، لَا بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، يَتَبَارَكُونَ، أَيْ يَتَبَرَّرُونَ.
لَاحِظْ هُنَا أَنَّهُ كَمَا أَنَّ كَلَامَ اللهِ، لِكَوْنِهِ فَعَّالًا، هُوَ عَيْنُ الْفِعْلِ («لِأَنَّهُ هُوَ قَالَ فَكَانَ»): كَذَلِكَ بَرَكَةُ اللهِ هِيَ عَيْنُ الْإِحْسَانِ وَإِعْطَاءِ الْخَيْرَاتِ. وَلَمَّا كَانَ أَعْظَمُ خَيْرٍ هُوَ النِّعْمَةُ وَالْبِرُّ اللَّذَانِ بِهِمَا نَصِيرُ شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَصْدِقَاءَ اللهِ وَأَبْنَاءَهُ وَوَرَثَتَهُ وَوَرَثَةَ الْمَجْدِ السَّمَاوِيِّ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مُطْلَقًا تُشِيرُ بِالذَّاتِ إِلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ وَالْبِرِّ عَيْنِهِمَا. فَبَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ تَدُلُّ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا التَّبْرِيرِ، تَبْرِيرِ إِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُلِدُوا ثَانِيَةً بِالْمَسِيحِ وَاقْتَدَوْا بِإِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ.
يَتَبَارَكُونَ. أَسَاءَ بَانْيِنُوسُ التَّرْجَمَةَ: «فِيكَ تُبَارِكُ نَفْسَهَا جَمِيعُ الْأُمَمِ»، أَيْ قَائِلِينَ: لَيْتَنِي كُنْتُ سَعِيدًا وَمُبَارَكًا مِثْلَ أَبْرَامَ! فَالْعِبْرِيُّ نِبْرِخُو هُوَ صِيغَةٌ مَبْنِيَّةٌ لِلْمَجْهُولِ مَحْضَةٌ، مِنْ صِيغَةِ نِفْعَالْ الْمَبْنِيَّةِ لِلْمَجْهُولِ، وَمَعْنَاهُ بِالْحَقِيقَةِ «يَتَبَارَكُونَ»؛ وَلَا يَدُلُّ إِذًا عَلَى فِعْلٍ انْعِكَاسِيٍّ لِلْفَاعِلِ عَلَى نَفْسِهِ. أَيْ «يُبَارِكُونَ أَنْفُسَهُمْ»: فَهَذَا مَا كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ الْأَخِيرَةُ هِتْفَعِيلْ، وَعِنْدَئِذٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هِتْبَارِخُو. وَأَيْضًا، تَرْجَمَةُ بَانْيِنُوسَ وَمَعْنَاهَا مُسْتَبْعَدَةٌ بِوُضُوحٍ بِتَرْجَمَةِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ وَمَعْنَاهَا، غَلَاطِيَّةَ ٣: ٨. فَبُولُسُ حِينَ يَسْتَشْهِدُ بِهَذَا النَّصِّ يَقُولُ: «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الْأُمَمِ»، أَيْ «جَمِيعُ قَبَائِلِ (عَشَائِرِ، أَسْبَاطِ، أُمَمِ) الْأَرْضِ»؛ فَكَمَا أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ لُعِنَتْ وَمَاتَتْ فِي آدَمَ، كَذَلِكَ جَمِيعُهَا تَبَارَكَتْ وَتَبَرَّرَتْ فِي الْمَسِيحِ.
وَأَيْضًا، لَاحِظْ هُنَا أَنَّ الْمُبَارَكَةَ فِي نِفْعَالْ عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ شَيْءٌ، وَفِي هِتْفَعِيلْ شَيْءٌ آخَرُ. فَالْبَرَكَةُ الْمَوْعُودَةُ لِإِبْرَاهِيمَ لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ الِازْدِهَارِ أَوْ التَّهْنِئَةِ بِالرَّخَاءِ. فَهَذِهِ الْبَرَكَةُ الْمَوْعُودَةُ لِإِبْرَاهِيمَ هِيَ الْبِرُّ وَالْخَلَاصُ اللَّذَانِ أَتَى بِهِمَا الْمَسِيحُ إِلَى الْعَالَمِ.
وَإِنْ أَعْجَبَكَ تَوْزِيعُ الْحَاخَامَاتِ الَّذِينَ يُوَزِّعُونَ الْبَرَكَاتِ الَّتِي مَنَحَهَا اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ هَكَذَا: أَيْ ضِدَّ كُلِّ مَصَاعِبِ الْغُرْبَةِ. «وَأَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً»: ضِدَّ نَقْصِ الْأَوْلَادِ. «وَأُبَارِكُكَ»: ضِدَّ الْفَقْرِ. «وَأُعَظِّمُ اسْمَكَ»: ضِدَّ الْخُمُولِ. «وَتَكُونُ مُبَارَكًا»: ضِدَّ لَعْنَةِ الْمُتَغَرِّبِينَ وَاحْتِقَارِهِمْ. «وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ»: ضِدَّ سُوءِ السُّمْعَةِ. «وَلَاعِنَكَ أَلْعَنُهُ»: ضِدَّ الْحِقْدِ. «وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الْأَرْضِ»: ضِدَّ الْعُقْمِ.
الْآيَةُ ٤: وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً حِينَ خَرَجَ مِنْ حَارَانَ
فَخَرَجَ أَبْرَامُ كَمَا أَمَرَهُ الرَّبُّ وَمَضَى مَعَهُ لُوطٌ. لَاحِظْ طَاعَةَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي تَبِعَ اللهَ الدَّاعِيَ فَوْرًا، تَارِكًا كُلَّ شَيْءٍ. «خَرَجَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ.»
وُلِدَ أَبْرَامُ فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا تَارَحُ ابْنَ سَبْعِينَ؛ وَأَيْضًا خَرَجَ أَبْرَامُ مِنْ حَارَانَ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ: فَإِذًا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ حِينَ كَانَ أَبُوهُ تَارَحُ فِي سَنَتِهِ الْمِئَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ. وَبَعْدَ خُرُوجِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا مِنْ حَارَانَ، عَاشَ تَارَحُ سِتِّينَ سَنَةً أُخْرَى؛ فَإِنَّهُ مَاتَ وَعُمْرُهُ مِئَتَانِ وَخَمْسُ سِنِينَ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُؤَكِّدُ الْقِدِّيسُ اسْتِفَانُوسُ إِذًا فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧ أَنَّ أَبْرَامَ خَرَجَ مِنْ حَارَانَ بَعْدَ مَوْتِ تَارَحَ؟ بَعْضُهُمْ، اسْتِنَادًا إِلَى هَذَا النَّصِّ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧، يَظُنُّونَ أَنَّ تَارَحَ أَنْجَبَ إِبْرَاهِيمَ لَا فِي سِنِّ السَّبْعِينَ بَلْ فِي سِنِّ الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ. لَكِنَّ هَذَا يُنَاقِضُ الْفَصْلَ السَّابِقَ، الْآيَةَ ٢٦، حَيْثُ يُذْكَرُ صَرَاحَةً أَنَّ تَارَحَ أَنْجَبَ إِبْرَاهِيمَ فِي سِنِّ السَّبْعِينَ لَا الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ. وَإِنْ قُلْتَ إِنَّهُ يَجِبُ إِضَافَةُ سِتِّينَ سَنَةً أُخْرَى إِلَى هَذِهِ السَّبْعِينَ لِتُصْبِحَ مِئَةً وَثَلَاثِينَ، فَسَتَجْعَلُ كَامِلَ تَسَلْسُلِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الزَّمَنِيِّ الَّذِي نَسَجَهُ مُوسَى بِعِنَايَةٍ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مُضْطَرِبًا وَغَيْرَ مُؤَكَّدٍ.
أُجِيبُ إِذًا أَنَّ أَبْرَامَ، إِذْ هَاجَرَ مَعَ تَارَحَ مِنْ أُورَ الْكَلْدَانِيِّينَ إِلَى حَارَانَ، مَكَثَ هُنَاكَ مَعَ أَبِيهِ زَمَنًا قَصِيرًا، رُبَّمَا بِضْعَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ، ثُمَّ سُرْعَانَ مَا وَدَّعَ أَبَاهُ وَانْطَلَقَ مِنْ حَارَانَ مَعَ لُوطٍ إِلَى كَنْعَانَ، إِذْ كَانَ قَدْ دُعِيَ إِلَيْهَا مِنَ اللهِ فِي الْأَصْلِ. عَاشَ إِبْرَاهِيمُ إِذًا مُتَغَرِّبًا فِي كَنْعَانَ، وَأَبُوهُ لَا يَزَالُ حَيًّا، مُدَّةَ سِتِّينَ سَنَةً، وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا مَاتَ أَبُوهُ تَارَحُ فِي حَارَانَ: فَعَادَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى حَارَانَ لِيَدْفِنَ أَبَاهُ وَيَنَالَ الْمِيرَاثَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى كَنْعَانَ.
عَنْ هَذَا الْخُرُوجِ الثَّانِي لِإِبْرَاهِيمَ مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ يَتَكَلَّمُ الْقِدِّيسُ اسْتِفَانُوسُ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧، حِينَ يَقُولُ: «وَمِنْ هُنَاكَ (مِنْ حَارَانَ)، بَعْدَمَا مَاتَ أَبُوهُ (تَارَحُ)، نَقَلَهُ (إِبْرَاهِيمَ) إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ» (كَنْعَانَ)، حَيْثُ الْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ الْمُسْتَخْدَمَةُ لِـ«نَقَلَهُ» هِيَ مِيتُويْكِيسِنْ، أَيْ أَثْبَتَهُ بِإِحْكَامٍ وَحَدَّدَ لَهُ مَقَامًا. فَبَعْدَ مَوْتِ تَارَحَ، جَاءَ إِبْرَاهِيمُ مَرَّةً ثَانِيَةً إِلَى كَنْعَانَ وَأَقَامَ فِيهَا بِثَبَاتٍ وَبِاسْتِمْرَارٍ.
هَذَا إِذًا مُلَخَّصُ سِنِي تَارَحَ: أَنْجَبَ تَارَحُ أَبْرَامَ فِي سِنِّ السَّبْعِينَ؛ وَفِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِ تَارَحَ أَبِيهِ، انْطَلَقَ أَبْرَامُ مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ بِسِتِّينَ سَنَةً مَاتَ تَارَحُ، أَيْ فِي سِنِّ الْمِئَتَيْنِ وَالْخَمْسِ، وَهِيَ السَّنَةُ الْمِئَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ.
مُلَاحَظَةٌ: مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ، حِينَ دَعَاهُ اللهُ مِنْ أُورَ إِلَى كَنْعَانَ، حَتَّى خُرُوجِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لِامْتِلَاكِ كَنْعَانَ عَيْنِهَا، مَرَّتْ أَرْبَعُمِئَةٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ غَلَاطِيَّةَ ٣: ١٧ وَالْخُرُوجِ ١٢: ٤٠.
الْآيَةُ ٥: وَالنُّفُوسُ الَّتِي صَنَعُوهَا فِي حَارَانَ
لُوطًا ابْنَ أَخِيهِ -- ابْنَ هَارَانَ: فَلُوطٌ كَانَ إِذًا أَخَا سَارَةَ زَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَالنُّفُوسُ الَّتِي صَنَعُوهَا فِي حَارَانَ. «صَنَعَ» عِنْدَ الْعِبْرَانِيِّينَ يَعْنِي أَعَدَّ أَوِ اقْتَنَى، سَوَاءٌ بِالشِّرَاءِ أَوِ الْإِنْجَابِ أَوْ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ أُخْرَى. وَأَيْضًا بِـ«النُّفُوسِ» يَعْنِي النَّاسَ بِالْمَجَازِ الْمُرْسَلِ؛ فَإِنَّهُ عَنَى بِـ«الْمُقْتَنَيَاتِ» الَّتِي سَبَقَتِ الْمَوَاشِيَ. فَثَرْوَةُ الْقُدَمَاءِ وَغِنَاهُمْ كَانَتْ فِي الْغَالِبِ مَوَاشِيَ. أَيْ أَنَّ أَبْرَامَ وَلُوطًا أَخَذَا مَعَهُمَا مَوَاشِيَ وَبَشَرًا عَلَى السَّوَاءِ، سَوَاءٌ مَنِ اشْتَرَوْهُمْ عَبِيدًا أَوْ مَنْ أَنْجَبَهُمْ عَبِيدُهُمْ وَإِمَاؤُهُمْ.
ثَانِيًا، يُفَسِّرُ الْعِبْرَانِيُّونَ «صُنْعَ النُّفُوسِ» تَفْسِيرًا رُوحِيًّا: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا يَقُولُونَ، حَوَّلَ رِجَالًا كَثِيرِينَ، وَسَارَةُ نِسَاءً كَثِيرَاتٍ، مِنَ الْكُفْرِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ: فَصَنَعُوهُمْ بِذَلِكَ وَوَلَدُوهُمْ كَأَنَّمَا لِلَّهِ؛ وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: «وَالنُّفُوسُ الَّتِي أَخْضَعُوهَا لِلشَّرِيعَةِ فِي حَارَانَ.»
مِمَّا ذُكِرَ يَتَّضِحُ بِسُهُولَةٍ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَرْوِيهَا نِيقُولَاوُسُ الدِّمَشْقِيُّ عِنْدَ يُوسِيفُوسَ وَأُوسَابِيُوسَ هِيَ خُرَافَةٌ -- أَيْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، قَبْلَ مَجِيئِهِ إِلَى كَنْعَانَ، كَانَ قَدْ عَاشَ فِي دِمَشْقَ وَمَلَكَ فِيهَا كَأَنَّهُ مَلِكٌ؛ وَكَذَلِكَ مَا يَرْوِيهِ يُوسْتِينُوسُ فِي الْكِتَابِ ٣٦، حِينَ يَقُولُ: «أَصْلُ الْيَهُودِ مِنْ دِمَشْقَ، وَالْمَدِينَةُ أَخَذَتِ اسْمَهَا مِنَ الْمَلِكِ دِمَشْقَ: بَعْدَ دِمَشْقَ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَإِسْرَائِيلُ مُلُوكًا»؛ وَفِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَخْطَاءٌ تَكَادُ تُسَاوِي عَدَدَ كَلِمَاتِهَا.
الْآيَةُ ٦: بَلُّوطَةُ مُورِيهْ
بِالْعِبْرِيَّةِ: عَدْ إِيلُونْ مُورِيهْ. إِيلُونْ تَعْنِي بَلُّوطَةً وَغَابَةَ بَلُّوطٍ، وَمِنْهَا وَادٍ أَوْ سَهْلٌ مَزْرُوعٌ بِالْبَلُّوطِ؛ وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ «إِلَى غَابَةِ بَلُّوطِ مُورِيهْ»؛ وَالسَّبْعُونِيَّةُ «إِلَى الْبَلُّوطَةِ الْعَالِيَةِ.» يُمْكِنُكَ أَنْ تُتَرْجِمَ بِوُضُوحٍ: «إِلَى بَلُّوطَةِ، أَوْ غَابَةِ بَلُّوطِ مُورِيهْ»، أَيِ «الْمَشْهُورَةِ»: فَهَذَا اسْمٌ عَلَمٌ لِلْمَكَانِ سُمِّيَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بِبَلُّوطِهِ وَبِجَمَالِ حُقُولِهِ.
هَذَا اسْتِبَاقٌ: فَإِنَّهَا تُسَمَّى بَيْتَ إِيلَ، وَكَانَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تُسَمَّى لُوزَ، إِذْ بَعْدَ ذَلِكَ سَمَّاهَا يَعْقُوبُ بَيْتَ إِيلَ، الْفَصْلُ ٢٨: ١٩. وَبِحَقٍّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: «حَيْثُ بَيْتُ إِيلَ، أَيْ بَيْتُ اللهِ، هُنَاكَ أَيْضًا مَذْبَحٌ؛ وَحَيْثُ مَذْبَحٌ، هُنَاكَ أَيْضًا دُعَاءُ إِلَهِنَا.»
الْآيَةُ ١٠: فَنَزَلَ إِلَى مِصْرَ
فَإِنَّ كَنْعَانَ أَعْلَى مِنْ مِصْرَ، بِحَيْثُ إِنَّ الذَّاهِبَ إِلَيْهَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ؛ وَلِذَلِكَ أَيْضًا مِصْرُ، إِذْ كَانَتْ أَخْصَبَ مِنْ كَنْعَانَ بِسَبَبِ فَيَضَانِ النِّيلِ وَتَرْسِيبِهِ، لَمْ تُحِسَّ بِمَجَاعَةِ كَنْعَانَ هَذِهِ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِحِكْمَةٍ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ الثَّانِي: «يُخْتَبَرُ رِيَاضِيُّ اللهِ وَيَتَصَلَّبُ بِالشَّدَائِدِ: ذَهَبَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَوَقَعَ فِي مَجَاعَةٍ، وَنَزَلَ إِلَى مِصْرَ. كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِي مِصْرَ فَسَادَ الشُّبَّانِ وَلَهْوَهُمْ، إِلَخْ، فَنَصَحَ زَوْجَتَهُ أَنْ تَقُولَ إِنَّهَا أُخْتُهُ. وَسَارَةُ، لِتَحْمِيَ زَوْجَهَا، أَخْفَتْ زَوَاجَهَا.»
الْآيَةُ ١٣: قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي
لَمْ يَكْذِبْ أَبْرَامُ؛ فَإِنَّ سَارَةَ كَانَتْ أُخْتَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي سَأُبَيِّنُهُ فِي الْفَصْلِ ٢٠، الْآيَةِ ١٢.
فَإِنْ قُلْتَ: عَلَى الْأَقَلِّ أَبْرَامُ هُنَا عَرَّضَ زَوْجَتَهُ لِخَطَرِ الزِّنَا. هَكَذَا يَقُولُ كَالْفِينُوسُ الَّذِي يَتَّهِمُ أَبْرَامَ هُنَا بِالْقِيَادَةِ.
أُجِيبُ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ عَيْنِهِ: فَإِنَّ أَبْرَامَ أَمَرَ سَارَةَ فَقَطْ أَنْ تَسْكُتَ عَنْ كَوْنِهَا زَوْجَتَهُ، وَأَنْ تَقُولَ بِالْحَقِيقَةِ إِنَّهَا أُخْتُهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْخَطَرِ الْحَاضِرِ عَلَى حَيَاتِهِ. «فَالْخَطَرُ لَا يُدْفَعُ أَبَدًا بِلَا خَطَرٍ.» فَحَرَصَ أَبْرَامُ هُنَا عَلَى حَيَاتِهِ كَيْلَا يُقْتَلَ لِكَوْنِهِ زَوْجَهَا -- وَهَذَا مَا كَانَ يَسْتَطِيعُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْذَرَهُ؛ أَمَّا الْبَاقِي الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْذَرَهُ بِسَبَبِ شَهْوَانِيَّةِ الْمِصْرِيِّينَ، فَأَوْدَعَهُ لِلَّهِ، أَيْ أَلَّا تُنْتَزَعَ زَوْجَتُهُ وَتُنْتَهَكَ. فَإِنَّهُ عَلِمَ أَنَّ اللهَ يَعْتَنِي بِهِ خَاصَّةً فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَرِجَةِ مِنَ الضَّرُورَةِ، وَهُنَا بَدَأَ أَبُو الْإِيمَانِ يُؤْمِنُ رَاجِيًا عَلَى خِلَافِ الرَّجَاءِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُوسَ، الْفَصْلُ ٣٣. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، وَثِقَ أَبْرَامُ بِثَبَاتِ سَارَةَ وَعِفَّتِهَا (فَقَدِ اخْتَبَرَهَا عَفِيفَةً جِدًّا طَوَالَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ) أَنَّهَا لَنْ تَرْضَى بِالْخَطِيئَةِ أَبَدًا.
الْآيَةُ ١٥: فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ
فَأَخْبَرُوا. فِي الْعِبْرِيَّةِ وَيِّئْرُو، «وَرَأَوْا.» وَكَذَلِكَ فِي السَّبْعُونِيَّةِ. لَكِنَّ مُتَرْجِمَ الْفُولْغَاتَا يَبْدُو أَنَّهُ قَرَأَ وَيَّغِّيدُو، فَإِنَّ الرَّيْشَ يُحَوَّلُ بِسُهُولَةٍ إِلَى دَالِثْ، وَالْأَلِفَ إِلَى غِيمِلْ.
إِلَى الْبَيْتِ -- لَا لِلْفَاحِشَةِ بَلْ لِلزَّوَاجِ، كَأَنَّهَا سَتَكُونُ زَوْجَةً ثَانَوِيَّةً عَلَى الْأَقَلِّ لِلْمَلِكِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٩.
الْآيَةُ ١٦: فَصَنَعُوا إِلَى أَبْرَامَ حَسَنًا
بِالْعِبْرِيَّةِ هِيطِيبْ، أَيْ «أَحْسَنَ»، أَيْ فِرْعَوْنُ (وَبِالتَّالِي، عَلَى مِثَالِ الْمَلِكِ، أَحْسَنَ بَقِيَّةُ حَاشِيَتِهِ) إِلَى أَبْرَامَ.
الْآيَةُ ١٧: فَضَرَبَ الرَّبُّ فِرْعَوْنَ بِضَرَبَاتٍ عَظِيمَةٍ
لَا بِسَبَبِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَةُ إِبْرَاهِيمَ، بَلْ بِسَبَبِ الْعُنْفِ الْمُمَارَسِ عَلَى سَارَةَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِأَنْ تُؤْخَذَ رَغْمًا عَنْهَا. يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بِحَقٍّ، الْكِتَابُ الثَّانِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ الرَّابِعُ: «الشَّدَائِدُ تِيجَانٌ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَأَمْرَاضٌ لِلضَّعِيفِ.»
بِضَرَبَاتٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا. يَظُنُّ الْحَاخَامَاتُ الْجَسَدِيُّونَ أَنَّ هَذِهِ الضَّرْبَةَ كَانَتْ سَيَلَانَ الْمَنِيِّ وَالْعَجْزَ عَنِ الْمُعَاشَرَةِ. هَذِهِ خُرَافَاتٌ يَهُودِيَّةٌ.
ثَانِيًا، يَرَى يُوسِيفُوسُ أَنَّ هَذِهِ الضَّرْبَةَ كَانَتْ وَبَاءً؛ وَأَيْضًا فِتْنَةً وَثَوْرَاتٍ شَعْبِيَّةً.
ثَالِثًا، يَرَى فِيلُونُ وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّهَا كَانَتْ أَمْرَاضًا وَآلَامًا شَدِيدَةً جِدًّا؛ بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ فِرْعَوْنُ أَنْ يَسْتَرِيحَ أَوْ يَتَنَفَّسَ لَا نَهَارًا وَلَا لَيْلًا.
رَابِعًا، يَرَى آبَاءُ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكُ عُمُومًا أَنَّهَا كَانَتِ الْعُقْمَ، عُقْمَ الْبَشَرِ وَالْحَيَوَانَاتِ عَلَى السَّوَاءِ؛ فَبِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ عَيْنِهَا عَاقَبَ اللهُ أَبِيمَالِكَ بِسَبَبِ أَخْذِهِ سَارَةَ بِالْمِثْلِ، فِي الْفَصْلِ ٢٠: ١٧-١٨. وَلِذَلِكَ يَسْتَنْتِجُ بْرُوكُوبِيُوسُ بِحَقٍّ أَنَّ سَارَةَ بَقِيَتْ عَفِيفَةً وَسَلِيمَةً فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ. فَاللهُ الَّذِي انْتَقَمَ هُنَا بِهَذِهِ الشِّدَّةِ لِلْإِهَانَةِ الَّتِي لَحِقَتْ بِإِبْرَاهِيمَ مِنْ خَطْفِ سَارَةَ، حَفِظَهَا لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى سَلِيمَةً لَمْ تُمَسَّ؛ وَهُنَا بَدَأَ يَتَحَقَّقُ قَوْلُ الْمَزْمُورِ ١٠٤: ١٤: «لَمْ يَدَعْ إِنْسَانًا يَظْلِمُهُمْ، وَوَبَّخَ مِنْ أَجْلِهِمْ مُلُوكًا.»
نَرَى هُنَا إِذًا أَوَّلًا أَنَّ قَوْلَ الْمَزْمُورِ ١٤٥ صَحِيحٌ: «الرَّبُّ يَحْفَظُ الْغَرِيبَ، وَيَعْضُدُ الْيَتِيمَ وَالْأَرْمَلَةَ.» نَرَى ثَانِيًا كَمْ يَعْتَنِي اللهُ بِالْأَبْرَارِ وَيَحْمِيهِمْ. فَهَذَا الرَّجُلُ الْبَارُّ الْوَاحِدُ أَبْرَامُ أَغْلَى عِنْدَ اللهِ مِنْ فِرْعَوْنَ مَعَ مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا، وَمِنْ أَجْلِ رَجُلٍ بَارٍّ وَاحِدٍ يَضْرِبُ الْمَلِكَ ذَاتَهُ: فَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يَخْدُمُ بِرِضًا إِلَهًا يُسَاعِدُ أَحِبَّاءَهُ وَيَقِفُ إِلَى جَانِبِهِمْ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ؟ نَرَى ثَالِثًا أَنَّ اللهَ هُوَ الْمُنْتَقِمُ الْخَاصُّ لِلزَّوَاجِ: لَمْ يَكُنِ الْمَلِكُ يَعْلَمُ أَنَّ سَارَةَ زَوْجَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَعَ ذَلِكَ ضُرِبَ هُوَ وَبَيْتُهُ كُلُّهُ -- فَكَمْ هِيَ خَطِيئَةٌ عَظِيمَةٌ الزِّنَا.
وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، الْكِتَابُ الْأَوَّلُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، الْفَصْلُ الثَّانِي: «لِيُظْهِرْ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ عَفِيفًا، وَلَا يَشْتَهِي فِرَاشَ غَيْرِهِ، وَلَا يُدَنِّسْ زَوْجَةَ آخَرَ بِأَمَلِ الِاخْتِفَاءِ أَوْ إِفْلَاتِ الْعِقَابِ. اللهُ حَارِسُ الزَّوَاجِ حَاضِرٌ -- لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يُفْلِتُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَسْخَرُ مِنْهُ أَحَدٌ. يَحْرُسُ مَقَامَ الزَّوْجِ الْغَائِبِ، يَقِفُ حَارِسًا -- بَلْ بِلَا حُرَّاسٍ يَقْبِضُ عَلَى الْمُذْنِبِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا خَطَّطَ لَهُ. وَإِنْ خَدَعْتَ الزَّوْجَ أَيُّهَا الزَّانِي، فَلَنْ تَخْدَعَ اللهَ؛ وَإِنْ أَفْلَتَّ مِنَ الزَّوْجِ، وَإِنْ سَخِرْتَ مِنْ قَاضِي الْمَحْكَمَةِ، فَلَنْ تُفْلِتَ مِنْ دَيَّانِ الْعَالَمِ كُلِّهِ. فَإِنَّهُ يَنْتَقِمُ بِأَشَدَّ مِمَّا لِمَظْلَمَةِ الضَّعِيفِ وَإِهَانَةِ الزَّوْجِ الْغَافِلِ.»
وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ أَبْرَامَ اسْتَحَقَّ هَذِهِ الْحِمَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ بِالتَّقْوَى الَّتِي أَطَاعَ بِهَا أَمْرَ اللهِ بِالنُّزُولِ إِلَى مِصْرَ. «فَلِأَنَّهُ بِحَمَاسَةِ إِطَاعَةِ الْوَحْيِ السَّمَاوِيِّ، قَادَ أَيْضًا زَوْجَتَهُ إِلَى خَطَرِ الْعِرْضِ، دَافَعَ اللهُ أَيْضًا عَنْ عِفَّةِ الزَّوَاجِ.» وَهَكَذَا نَقْرَأُ فِي سِيَرِ الْقِدِّيسِينَ أَنَّ رُهْبَانًا أَرْسَلَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ إِلَى نِسَاءٍ لِأَسْبَابٍ تَقَوِيَّةٍ، حِينَ أُغْرُوا بِوَخْزِ الشَّهْوَةِ، تَغَلَّبُوا عَلَى التَّجْرِبَةِ بِفَضْلِ الطَّاعَةِ وَحِمَايَتِهَا وَبِالصَّلَاةِ. فَكَمْ مِنْ قُوَّةٍ وَكَمْ مِنْ حِمَايَةٍ فِي الْمَخَاطِرِ تُوَفِّرُهَا الطَّاعَةُ.
وَبَيْتَهُ -- فَإِنَّ حَاشِيَتَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ سَاعَدُوا وَشَارَكُوا فِي خَطْفِ سَارَةَ وَاحْتِجَازِهَا.
الْآيَةُ ١٨: لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟
عَلِمَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ بِإِعْلَانٍ مِنَ اللهِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ. وَيُضِيفُ يُوسِيفُوسُ أَنَّ كَهَنَةَ الْمِصْرِيِّينَ، إِذِ اسْتَشَارُوا آلِهَتَهُمْ -- أَوْ بِالْأَحْرَى شَيَاطِينَهُمْ -- أَثْنَاءَ هَذِهِ الضَّرْبَةِ، أَخْبَرُوا فِرْعَوْنَ بِالْأَمْرِ عَيْنِهِ. وَأَخِيرًا، رُبَّمَا فِرْعَوْنُ، إِذِ ارْتَابَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، اسْتَجْوَبَ سَارَةَ وَعَرَفَ مِنْهَا الْحَقِيقَةَ، كَمَا يَظُنُّ بِيرِيرِيُوسُ.
حَتَّى أَخَذْتُهَا -- حَتَّى لَمْ أَتَرَدَّدْ (ظَانًّا إِيَّاهَا حُرَّةً) فِي أَخْذِهَا لِي زَوْجَةً.
يَرْوِي يُوسِيفُوسُ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ تَعَلَّمُوا الرِّيَاضِيَّاتِ مِنْ أَبْرَامَ. لَكِنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّ ذَلِكَ تَمَّ عَلَى يَدِ يُوسُفَ وَمُوسَى وَالْعِبْرَانِيِّينَ الْمُقِيمِينَ فِي مِصْرَ، وَهَذَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ الْمَزْمُورُ ١٠٤: ٢١؛ فَلَا يَبْدُو أَنَّ أَبْرَامَ مَكَثَ طَوِيلًا فِي مِصْرَ.