كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ

(يَعْقُوبُ وَرَاحِيلُ وَلَابَانُ)


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَصِلُ يَعْقُوبُ إِلَى حَارَانَ عِنْدَ لَابَانَ. ثَانِيًا، عِنْدَ الْآيَةِ ١٨، يَخْدِمُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ أَجْلِ رَاحِيلَ وَلَيَّا. ثَالِثًا، عِنْدَ الْآيَةِ ٣٢، تَلِدُ لَيَّا رَأُوبِينَ وَشِمْعُونَ وَلَاوِي وَيَهُوذَا.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٢٩: ١-٣٥

١. فَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ. ٢. وَنَظَرَ فَإِذَا بِئْرٌ فِي الْحَقْلِ، وَثَلَاثَةُ قُطْعَانٍ مِنَ الْغَنَمِ رَابِضَةٌ عِنْدَهَا، لِأَنَّهُ مِنْهَا كَانَتْ تُسْقَى الْمَوَاشِي، وَكَانَ فَمُهَا مُغَطًّى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ. ٣. وَكَانَتِ الْعَادَةُ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْغَنَمِ كَانُوا يُدَحْرِجُونَ الْحَجَرَ، وَبَعْدَ سَقْيِ الْقُطْعَانِ كَانُوا يَضَعُونَهُ ثَانِيَةً عَلَى فَمِ الْبِئْرِ. ٤. فَقَالَ لِلرُّعَاةِ: يَا إِخْوَةُ، مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ فَأَجَابُوا: مِنْ حَارَانَ. ٥. فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: هَلْ تَعْرِفُونَ لَابَانَ بْنَ نَاحُورَ؟ قَالُوا: نَعْرِفُهُ. ٦. فَقَالَ: هَلْ هُوَ بِخَيْرٍ؟ قَالُوا: بِخَيْرٍ، وَهُوَذَا رَاحِيلُ ابْنَتُهُ آتِيَةٌ مَعَ غَنَمِهَا. ٧. فَقَالَ يَعْقُوبُ: لَا يَزَالُ كَثِيرٌ مِنَ النَّهَارِ بَاقِيًا، وَلَمْ يَحِنْ وَقْتُ إِرْجَاعِ الْغَنَمِ إِلَى الْحَظَائِرِ؛ اسْقُوا الْغَنَمَ أَوَّلًا ثُمَّ أَعِيدُوهَا إِلَى الْمَرْعَى. ٨. فَأَجَابُوا: لَا نَسْتَطِيعُ حَتَّى تَجْتَمِعَ كُلُّ الْمَوَاشِي وَنُزِيحَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ لِنَسْقِيَ الْقُطْعَانَ. ٩. وَبَيْنَمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ، إِذَا بِرَاحِيلَ قَدْ جَاءَتْ مَعَ غَنَمِ أَبِيهَا، لِأَنَّهَا هِيَ كَانَتْ تَرْعَى الْقَطِيعَ. ١٠. فَلَمَّا رَآهَا يَعْقُوبُ وَعَلِمَ أَنَّهَا ابْنَةُ خَالِهِ، وَأَنَّ الْغَنَمَ لِلَابَانَ خَالِهِ، أَزَاحَ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَتِ الْبِئْرُ مُغْلَقَةً بِهِ. ١١. وَبَعْدَ أَنْ سَقَى الْقَطِيعَ قَبَّلَهَا، وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَبَكَى، ١٢. وَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا وَابْنُ رِفْقَةَ؛ فَأَسْرَعَتْ وَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا. ١٣. فَلَمَّا سَمِعَ لَابَانُ أَنَّ يَعْقُوبَ ابْنَ أُخْتِهِ قَدْ جَاءَ، رَكَضَ لِلِقَائِهِ، وَاحْتَضَنَهُ وَقَبَّلَهُ وَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ. وَلَمَّا سَمِعَ أَسْبَابَ رِحْلَتِهِ، ١٤. أَجَابَ: أَنْتَ عَظْمِي وَلَحْمِي. وَبَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ أَيَّامُ شَهْرٍ وَاحِدٍ، ١٥. قَالَ لَهُ: أَلِأَنَّكَ أَخِي تَخْدِمُنِي مَجَّانًا؟ قُلْ لِي مَا أُجْرَتُكَ. ١٦. وَكَانَ لَهُ ابْنَتَانِ، اسْمُ الْكُبْرَى لَيَّا، وَالصُّغْرَى تُدْعَى رَاحِيلَ. ١٧. وَكَانَتْ عَيْنَا لَيَّا ضَعِيفَتَيْنِ، أَمَّا رَاحِيلُ فَكَانَتْ حَسَنَةَ الْوَجْهِ وَجَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ. ١٨. فَأَحَبَّهَا يَعْقُوبُ وَقَالَ: أَخْدِمُكَ سَبْعَ سِنِينَ بِرَاحِيلَ ابْنَتِكَ الصُّغْرَى. ١٩. فَأَجَابَ لَابَانُ: أَنْ أُعْطِيَهَا لَكَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أُعْطِيَهَا لِرَجُلٍ آخَرَ؛ أَقِمْ عِنْدِي. ٢٠. فَخَدَمَ يَعْقُوبُ بِرَاحِيلَ سَبْعَ سِنِينَ، وَبَدَتْ لَهُ كَأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِعِظَمِ مَحَبَّتِهِ. ٢١. وَقَالَ لِلَابَانَ: أَعْطِنِي امْرَأَتِي، لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ تَمَّ لِأَدْخُلَ عَلَيْهَا. ٢٢. فَدَعَا جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْأَصْدِقَاءِ إِلَى الْوَلِيمَةِ وَأَقَامَ عُرْسًا. ٢٣. وَفِي الْمَسَاءِ أَدْخَلَ لَيَّا ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، ٢٤. وَأَعْطَى ابْنَتَهُ جَارِيَةً اسْمُهَا زِلْفَةُ. وَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ حَسَبَ الْعَادَةِ، رَأَى فِي الصَّبَاحِ أَنَّهَا لَيَّا. ٢٥. فَقَالَ لِحَمِيهِ: مَاذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْعَلَ؟ أَلَمْ أَخْدِمْكَ بِرَاحِيلَ؟ فَلِمَاذَا خَدَعْتَنِي؟ ٢٦. فَأَجَابَ لَابَانُ: لَيْسَتِ الْعَادَةُ فِي مَكَانِنَا أَنْ نُعْطِيَ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى. ٢٧. أَكْمِلْ أُسْبُوعَ أَيَّامِ هَذَا الزِّوَاجِ، وَأُعْطِيكَ هَذِهِ أَيْضًا بِالْخِدْمَةِ الَّتِي تَخْدِمُنِيهَا سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى. ٢٨. فَرَضِيَ بِالشَّرْطِ، وَلَمَّا انْقَضَى الْأُسْبُوعُ، اتَّخَذَ رَاحِيلَ زَوْجَةً، ٢٩. وَقَدْ أَعْطَاهَا أَبُوهَا بِلْهَةَ جَارِيَةً. ٣٠. وَإِذْ حَصَلَ أَخِيرًا عَلَى الزِّوَاجِ الْمَرْغُوبِ، فَضَّلَ مَحَبَّةَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى، وَخَدَمَ عِنْدَهُ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى. ٣١. وَلَمَّا رَأَى الرَّبُّ أَنَّهُ يَحْتَقِرُ لَيَّا، فَتَحَ رَحِمَهَا، بَيْنَمَا بَقِيَتْ أُخْتُهَا عَاقِرًا. ٣٢. فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَسَمَّتْهُ رَأُوبِينَ قَائِلَةً: قَدْ رَأَى الرَّبُّ ذُلِّي، الْآنَ يُحِبُّنِي رَجُلِي. ٣٣. وَحَبِلَتْ أَيْضًا وَوَلَدَتِ ابْنًا وَقَالَتْ: لِأَنَّ الرَّبَّ سَمِعَ أَنِّي مُحْتَقَرَةٌ، أَعْطَانِي هَذَا أَيْضًا، وَسَمَّتْهُ شِمْعُونَ. ٣٤. وَحَبِلَتْ ثَالِثَةً وَوَلَدَتِ ابْنًا آخَرَ وَقَالَتْ: الْآنَ أَيْضًا يَقْتَرِنُ بِي رَجُلِي لِأَنِّي وَلَدْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَلِذَلِكَ سَمَّتْهُ لَاوِي. ٣٥. وَحَبِلَتْ رَابِعَةً وَوَلَدَتِ ابْنًا وَقَالَتْ: الْآنَ أَحْمَدُ الرَّبَّ، وَلِهَذَا سَمَّتْهُ يَهُوذَا، وَكَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ.


الْآيَةُ ١: فَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ

١. «فَارْتَحَلَ يَعْقُوبُ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: رَفَعَ رِجْلَيْهِ، أَيْ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ يَعْقُوبَ، إِذْ تَقَوَّى بِرُؤْيَا اللهِ الْمُتَّكِئِ عَلَى السُّلَّمِ وَبِنَذْرِهِ، نَهَضَ مُتَحَمِّسًا وَمُتَشَوِّقًا وَسَارَ إِلَى حَارَانَ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ اللهَ، وَفْقًا لِوُعُودِهِ، سَيَكُونُ دَلِيلَهُ فِي الطَّرِيقِ وَكَذَلِكَ سَيُعِيدُهُ.

يَرْوِي يُوسِيفُوسُ هُنَا وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى التَّارِيخَ الْمُقَدَّسَ بِقَدْرٍ غَيْرِ كَافٍ مِنَ الْأَمَانَةِ أَحْيَانًا؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ يَعْقُوبَ كَانَ مَعَهُ رِفَاقٌ كَثِيرُونَ فِي الرِّحْلَةِ، فِي حِينِ أَنَّ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ قَطَعَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ مُعْتَمِدًا لَا عَلَى رِفَاقٍ بَلْ عَلَى عَصَاهُ وَحْدَهَا، التَّكْوِينُ ٣٢: ١٠.

«إِلَى أَرْضِ الْمَشْرِقِ» — أَيْ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الَّتِي تَقَعُ شَرْقِيَّ فِلَسْطِينَ.


الْآيَةُ ٣: وَكَانَتِ الْعَادَةُ

٣. «وَكَانَتِ الْعَادَةُ.» — كَانَ سَبَبُ إِغْلَاقِ هَذِهِ الْبِئْرِ نُدْرَةَ الْمَاءِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، كَمَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ، وَلِكَيْ لَا يُلَوِّثَ أَحَدٌ الْمَاءَ أَوْ يُوَسِّخَهُ؛ فَكَانَ الرُّعَاةُ يَأْتُونَ إِلَيْهَا مَعًا بِقُطْعَانِهِمْ، وَيُزِيحُونَ الْحَجَرَ الْكَبِيرَ الَّذِي كَانَتْ مُغْلَقَةً بِهِ، وَهَكَذَا كَانُوا يَسْقُونَ قُطْعَانَهُمْ مَعًا، ثُمَّ يُدَحْرِجُونَ الْحَجَرَ مَرَّةً أُخْرَى وَيَسُدُّونَ بِهِ فَمَ الْبِئْرِ.


الْآيَةُ ٤: يَا إِخْوَةُ

٤. «يَا إِخْوَةُ» — أَيْ يَا رِفَاقُ، يَا أَصْدِقَاءُ: كَمَا يُخَاطِبُ رَاعٍ رُعَاةً آخَرِينَ.


الْآيَةُ ٥: ابْنُ نَاحُورَ

٥. «ابْنُ نَاحُورَ» — أَيْ حَفِيدُ نَاحُورَ؛ فَإِنَّ لَابَانَ كَانَ ابْنَ بَتُوئِيلَ بْنِ نَاحُورَ. وَإِنَّمَا ذُكِرَ نَاحُورُ هُنَا لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسَ الْعَائِلَةِ وَأَبَاهَا الْأَكْبَرَ. وَلِهَذَا أَيْضًا تُدْعَى حَارَانُ مَدِينَةَ نَاحُورَ، الْإِصْحَاحُ ٢٤، الْآيَةُ ١٠.


الْآيَةُ ٩: هُوَذَا رَاحِيلُ

٩. «هُوَذَا رَاحِيلُ.» — لَاحِظْ حَيَاءَ ذَلِكَ الْعَصْرِ الْقَدِيمِ وَبَسَاطَتَهُ: فَهُوَذَا رَاحِيلُ، فَتَاةٌ جَمِيلَةٌ غَنِيَّةٌ فِي سِنِّ الزَّوَاجِ، تَتَحَرَّكُ بَيْنَ الرُّعَاةِ دُونَ خَطَرٍ عَلَى عِفَّتِهَا وَدُونَ ظَنٍّ سَيِّئٍ، وَتَرْعَى الْغَنَمَ (فَإِنَّ رَاحِيلَ فِي الْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي نَعْجَةً).


الْآيَةُ ١٠: فَأَزَاحَ الْحَجَرَ

١٠. «وَعَلِمَ» — مِنْ كَلَامِ الرُّعَاةِ، الْآيَةُ ٦. «فَأَزَاحَ الْحَجَرَ.» — مَا لَمْ يَسْتَطِعْ رُعَاةٌ كَثِيرُونَ فِعْلَهُ مَعًا، أَنْجَزَهُ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ؛ وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ كَانَ ذَا قُوَّةٍ بَدَنِيَّةٍ هَائِلَةٍ، قَدْ زَادَهَا بِالِاعْتِدَالِ وَالْعِفَّةِ الدَّائِمَيْنِ. وَقَدْ فَعَلَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ حُبًّا بِرَاحِيلَ ابْنَةِ خَالِهِ وَزَوْجَتِهِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.


الْآيَةُ ١١: فَقَبَّلَهَا

١١. «فَقَبَّلَهَا.» — كَانَتْ هَذِهِ قُبْلَةَ صَدَاقَةٍ، يَعْتَادُ بِهَا الْإِخْوَةُ وَالْأَقَارِبُ أَنْ يُقَبِّلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عِنْدَ الرَّحِيلِ أَوِ الْعَوْدَةِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا أَوْ يُوَدِّعُوا بِقُبْلَةٍ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ، الْمَسْأَلَةُ ٨٧.

«بَكَى» — كَمَا يَعْتَادُ الْأَقَارِبُ أَنْ يَبْكُوا مِنَ الْفَرَحِ حِينَ يَلْتَقُونَ بِأَقَارِبَ يُحِبُّونَهُمْ حُبًّا عَمِيقًا وَلَمْ يَرَوْهُمْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.

يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ وَلِيرَانُوسُ أَنَّ يَعْقُوبَ بَكَى لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّةٌ لِيُقَدِّمَهَا لِرَاحِيلَ: فَإِنَّ أَلِيفَازَ بْنَ عِيسَوَ، الَّذِي كَانَ عَدُوًّا لِيَعْقُوبَ بِسَبَبِ الْبَكُورِيَّةِ الْمُنْتَزَعَةِ مِنْ أَبِيهِ، قَدْ سَلَبَ يَعْقُوبَ هَذِهِ الْأَمْوَالَ، إِذْ لَاحَقَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ فِي الطَّرِيقِ — كَمَا يَقُولُونَ. لَكِنَّ هَذِهِ خُرَافَاتٌ يَهُودِيَّةٌ.


الْآيَةُ ١٢: أَخُو أَبِيهَا

١٢. «أَنَّهُ أَخُو أَبِيهَا.» — «أَخٌ» أَيِ ابْنُ أُخْتٍ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ كَانَ ابْنَ رِفْقَةَ الَّتِي كَانَتْ أُخْتَ لَابَانَ الَّذِي كَانَ أَبَا رَاحِيلَ. فَلَابَانُ إِذَنْ كَانَ خَالَ يَعْقُوبَ، وَبِالتَّالِي كَانَ يَعْقُوبُ ابْنَ أُخْتِ لَابَانَ: وَكَانَتْ رَاحِيلُ وَيَعْقُوبُ أَبْنَاءَ خَالَةٍ.

«وَلَمَّا سَمِعَ أَسْبَابَ رِحْلَتِهِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: وَأَخْبَرَ يَعْقُوبُ لَابَانَ بِكُلِّ هَذَا الْكَلَامِ، أَيْ كَيْفَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ، فَارًّا مِنْ أَخِيهِ عِيسَوَ، أَرْسَلَهُ وَالِدَاهُ إِلَى لَابَانَ لِيَطْلُبَ مِنْ هُنَاكَ زَوْجَةً، وَكَيْفَ الْتَقَى بِرَاحِيلَ عِنْدَ الْبِئْرِ.


الْآيَةُ ١٤: أَنْتَ عَظْمِي وَلَحْمِي

١٤. «أَنْتَ عَظْمِي وَلَحْمِي» — أَيْ أَنْتَ ابْنُ أُخْتِي وَقَرِيبِي بِالدَّمِ. اُنْظُرِ الْإِصْحَاحَ ٢، الْآيَةَ ٢٣. بِمَا أَنَّكَ لَجَأْتَ إِلَيَّ بِاعْتِبَارِي خَالَكَ، سَوَاءٌ لِلْحِمَايَةِ أَوْ مِنْ أَجْلِ الزَّوَاجِ، فَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ لَكَ شَيْئًا بِصِفَتِكَ ابْنَ أُخْتِي: فَاطْرَحْ عَنْكَ الْخَوْفَ يَا ابْنَ أُخْتِي! أَقِمْ عِنْدِي لِتَكُونَ آمِنًا، وَاخْتَرْ زَوْجَةً مِنْ عَائِلَتِي؛ بَيْتِي بَيْتُكَ. وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ لَابَانَ بِهَذَا التَّعْبِيرِ كَانَ يُشِيرُ إِلَى مَا عَلَّمَهُ أَكْثَرُ الْفَلَاسِفَةِ الْقُدَمَاءِ، وَهُوَ أَنَّ الْعِظَامَ تَتَوَلَّدُ مِنَ الْبَذْرَةِ الذَّكَرِيَّةِ فِي الْجَنِينِ، بَيْنَمَا تَتَكَوَّنُ اللُّحُومُ مِنَ الْمَادَّةِ الْأُمُومِيَّةِ الْمُحِيطَةِ بِالْبَذْرَةِ الذَّكَرِيَّةِ.

«وَبَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ» — أَيْ بَعْدَ مُرُورِ شَهْرٍ خَدَمَ يَعْقُوبُ فِيهِ لَابَانَ مَجَّانًا: فَإِنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعِيشَ عَاطِلًا فِي بَيْتِ خَالِهِ وَأَنْ يَأْكُلَ الْخُبْزَ دُونَ عَمَلٍ؛ فَبَادَرَ فَوْرًا إِلَى الْأَعْمَالِ الْمَنْزِلِيَّةِ وَرِعَايَةِ الْغَنَمِ. وَمِنْ هُنَا أَوْكَلَ إِلَيْهِ لَابَانُ سَرِيعًا الْإِشْرَافَ عَلَى جَمِيعِ الْغَنَمِ، كَمَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ.


الْآيَةُ ١٥: أَخٌ

١٥. «أَخٌ» — أَيْ قَرِيبٌ.


الْآيَةُ ١٧: كَانَتْ عَيْنَا لَيَّا ضَعِيفَتَيْنِ

١٧. «كَانَتْ عَيْنَاهَا ضَعِيفَتَيْنِ.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ: كَانَتْ عَيْنَا لَيَّا رَكُّوتْ، أَيْ رَقِيقَتَيْنِ وَضَعِيفَتَيْنِ وَسَقِيمَتَيْنِ، كَمَا تُتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ. وَلِذَلِكَ أَخْطَأَ التَّرْجُمُ الْكَلْدَانِيُّ حِينَ فَسَّرَ «رَقِيقَتَيْنِ» بِمَعْنَى «أَنِيقَتَيْنِ»، كَأَنَّ لَيَّا كَانَتْ جَمِيلَةً وَأَنِيقَةً فِي عَيْنَيْهَا فَحَسْبُ، بَيْنَمَا كَانَتْ رَاحِيلُ كَذَلِكَ فِي وَجْهِهَا كُلِّهِ.

ثَانِيًا، يُضِيفُ آخَرُونَ أَلِفًا، وَبَدَلَ رَكُّوتْ يَقْرَؤُونَ أَرُوخُوتْ، أَيْ طَوِيلَتَيْنِ، كَأَنَّ لَيَّا كَانَتْ ذَاتَ عَيْنَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، وَبِالتَّالِي مُشَوَّهَتَيْنِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُحَرِّفُونَ النَّصَّ وَيُفْسِدُونَهُ بِإِضَافَةِ حَرْفٍ.

ثَالِثًا، يَرَى آخَرُونَ أَنَّ لَيَّا كَانَتْ تُعَانِي مِنْ رَمَدِ الْعُيُونِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ: فَهَذَا مَا يَبْدُو أَنَّ مُتَرْجِمَنَا يَقْصِدُهُ. رَابِعًا وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَبْدُو أَنَّ ضَعْفَ عَيْنَيْ لَيَّا كَانَ مُجَرَّدَ لِينٍ وَرِقَّةٍ وَنُعُومَةٍ فِي الْعَيْنَيْنِ، بِحَيْثُ لَا تَسْتَطِيعَانِ التَّحْدِيقَ طَوِيلًا فِي أَيِّ شَيْءٍ، بَلْ تَكُونَانِ مُتَقَلِّبَتَيْنِ وَمَيَّالَتَيْنِ إِلَى الدُّمُوعِ، حَتَّى إِنَّ حَدَقَتَيْهَا تَبْدُوَانِ كَأَنَّهُمَا تَسْبَحَانِ فِي مَحْجِرَيْهِمَا؛ فَهَذَا مَا تَعْنِيهِ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ رَكُّوتْ.

تَأْوِيلِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ غِرِيغُورِيُوسُ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ «الْقَاعِدَةِ الرَّعَوِيَّةِ»، الْفَصْلِ الْحَادِي عَشَرَ: الْأَرْمَدُ، يَقُولُ، هُوَ مَنْ أَظْلَمَتْ عَيْنُهُ، أَيْ حِدَّةُ ذَكَائِهِ، بِالرُّطُوبَةِ، أَيْ بِالْعَوَاطِفِ وَالْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

لَاحِظْ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَنْبَغِي فِي طَلَبِ الزَّوْجَةِ أَنْ تُعْتَبَرَ الْفَضِيلَةُ وَالْأَخْلَاقُ أَوَّلًا، إِلَّا أَنَّ الْجَمَالَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ ثَانَوِيًّا فِي الزَّوْجَةِ، سَوَاءٌ لِكَيْ يَسْتَقِرَّ الْحُبُّ الزَّوْجِيُّ وَالرَّغْبَةُ فِيهَا وَلَا يَضِلَّا إِلَى غَيْرِهَا؛ وَلِكَيْ يُنْجَبَ مِنَ الزَّوْجَةِ الْجَمِيلَةِ نَسْلٌ أَقْوَى وَأَجْمَلُ. هَكَذَا قَالَ أَبُولِنْسِيسُ. وَهَذَا مَا يَعْنِيهِ الْقِدِّيسُ تُومَا حِينَ يُعَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزَّوَاجُ بِامْرَأَةٍ لِأَجْلِ الْجَمَالِ وَحْدَهُ، أَيْ أَنَّ الْجَمَالَ وَحْدَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَكَ مِنَ الْعُزُوبَةِ إِلَى الزَّوَاجِ؛ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنَّكَ تُرِيدُ الزَّوَاجَ، يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَخْتَارَ جَمِيلَةً عَلَى قَبِيحَةٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُعَاشَرَةٍ أَلْطَفَ وَحُبٍّ أَثْبَتَ.


الْآيَةُ ١٨: أَخْدِمُكَ

١٨. «أَخْدِمُكَ.» — لَاحِظْ: إِنَّ يَعْقُوبَ بِهَذِهِ الْخِدْمَةِ الطَّوِيلَةِ الشَّاقَّةِ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، وَفْقًا لِلْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ، كِلْتَا لَيَّا وَرَاحِيلَ زَوْجَتَيْنِ لَهُ. فَقَدْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْيُونَانِيِّينَ وَالرُّومَانِ وَالْعِبْرَانِيِّينَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ زَوْجَةً بِدَفْعِ ثَمَنٍ. وَهَكَذَا اشْتَرَى دَاوُدُ مِيكَالَ بِمِئَةِ غُلْفَةٍ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ، ١ صَمُوئِيلَ ١٨: ٢٥، وَ٢ صَمُوئِيلَ ٣: ١٤. وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ عَنْ هَذَا الشِّرَاءِ لِلزَّوْجَاتِ عِنْدَ سِفْرِ الْخُرُوجِ ٤: ٢٥.


الْآيَةُ ٢٠: بَدَتْ لَهُ الْأَيَّامُ قَلِيلَةً

٢٠. «فَبَدَتْ لَهُ الْأَيَّامُ قَلِيلَةً لِعِظَمِ حُبِّهِ.» — قَدْ تَقُولُ: إِنَّ الْحُبَّ لَا يَصْبِرُ عَلَى التَّأْخِيرِ، وَيَعُدُّ الْأَيَّامَ الْقَلِيلَةَ كَثِيرَةً جِدًّا.

أُجِيبُ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، لَا مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ: فَمِنْ جِهَةِ الْعَاطِفَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي نَيْلِ رَاحِيلَ، بَدَتْ أَيَّامُ الْخِدْمَةِ لِيَعْقُوبَ كَثِيرَةً جِدًّا؛ وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِجَائِزَةٍ بِهَذَا الْجَمَالِ، بَدَا لَهُ ثَمَنُ هَذِهِ الْخِدْمَةِ زَهِيدًا، وَبَدَتْ أَيَّامُ ذَلِكَ الْعَمَلِ الطَّوِيلِ قَلِيلَةً وَيَسِيرَةً، أَيْ بَدَا لَهُ عَمَلُهُ صَغِيرًا بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ مُكَافَأَةٍ بِهَذَا الْعِظَمِ. فَالْأَيَّامُ إِذَنْ هُنَا مَوْضُوعَةٌ بَدَلَ عَمَلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسُ أَغُسْطِينُوسُ.


الْآيَةُ ٢٢: أَقَامَ عُرْسًا

٢٢. «أَقَامَ عُرْسًا» — أَيْ وَلِيمَةَ عُرْسٍ. فَهَذَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ مِشْتِي. فَمُنْذُ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَنْ كَانَتِ الْوَلَائِمُ تُقَامُ فِي الْأَعْرَاسِ، وَلَكِنَّ الْأَتْقِيَاءَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا بِخَشْيَةِ اللهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ طُوبِيَّا، الْإِصْحَاحِ التَّاسِعِ. وَيُعْطِي أَثِينَايُوسُ السَّبَبَ فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ قَائِلًا: إِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْعَادَاتِ وَالشَّرَائِعِ أَنْ تُقَامَ وَلِيمَةٌ فِي الْأَعْرَاسِ، لِكَيْ نُكْرِمَ آلِهَةَ الزَّوَاجِ، وَلِكَيْ تَكُونَ شَهَادَةً لِلْمَدْعُوِّينَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ رَاضِيَانِ بِزَوَاجِهِمَا؛ لَكِنَّ هَذِهِ الْوَلَائِمَ تَحَوَّلَتْ تَدْرِيجِيًّا إِلَى تَرَفٍ كَبِيرٍ وَإِسْرَافٍ، كَمَا يُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمُ هُنَا بِإِسْهَابٍ.


الْآيَةُ ٢٣: وَفِي الْمَسَاءِ

٢٣. «وَفِي الْمَسَاءِ.» — فَإِنَّ الْعَذَارَى حِينَ كُنَّ يَتَزَوَّجْنَ، كُنَّ يَدْخُلْنَ حُجْرَةَ الزَّوْجِ فِي الظَّلَامِ حَيَاءً، وَعِنْدَ الْإِسْبِرْطِيِّينَ سَنَّ لِيقُورْغُوسُ ذَلِكَ بِشَرِيعَةٍ مُقَرَّرَةٍ، كَمَا يَشْهَدُ بْلُوتَارْخُسُ.


الْآيَةُ ٢٤: فِي الصَّبَاحِ رَأَى لَيَّا

٢٤. «فِي الصَّبَاحِ رَأَى لَيَّا.» — أَخْطَأَتْ لَيَّا بِطَاعَتِهَا لِأَبِيهَا؛ إِذْ رَضِيَتْ بِالزِّنَا، بَلْ بِالْفِعْلِ بِالزِّنَا الْمَحْرَمِيِّ: لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ لَيْسَ زَوْجَهَا، بَلْ زَوْجَ أُخْتِهَا رَاحِيلَ. لَكِنَّ لَابَانَ أَخْطَأَ خَطِيئَةً أَفْدَحَ، إِذْ حَمَلَهَا عَلَى هَذَا الْفِعْلِ بِسُلْطَتِهِ وَمَشُورَتِهِ. وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَيُعْذَرُ بِجَهْلِهِ، إِذْ كَانَ يَظُنُّ بِحُسْنِ نِيَّةٍ أَنَّهَا رَاحِيلُ لَا لَيَّا.


رَمْزِيًّا: رَاحِيلُ وَلَيَّا كَرَمْزٍ لِلتَّأَمُّلِ وَالْعَمَلِ

رَمْزِيًّا، يَشْرَحُ رِيتْشَارْدُ مِنَ الْقِدِّيسِ فِيكْتُورَ فِي كِتَابِهِ «فِي الْبَطَارِكَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ» هَذِهِ الْأُمُورَ هَكَذَا: لَكِنْ كَيْفَ تُسْتَبْدَلُ لَيَّا بِرَاحِيلَ الْمَرْجُوَّةِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ مَنْ تَعَلَّمُوا كَمْ يَحْدُثُ هَذَا كَثِيرًا، لَا بِالسَّمَاعِ بِقَدْرِ مَا بِالتَّجْرِبَةِ. فَمَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِلَّا حُجْرَةُ رَاحِيلَ: الَّتِي لَا نَشُكُّ أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ مُخْتَبِئَةٌ فِيهَا تَحْتَ حِجَابٍ لَائِقٍ مِنَ الِاسْتِعَارَاتِ. فِي هَذِهِ الْحُجْرَةِ يُطْلَبُ رَاحِيلُ كُلَّمَا يُسْعَى إِلَى الْفَهْمِ الرُّوحِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ الْمُقَدَّسَةِ. لَكِنْ مَا دُمْنَا لَمْ نَصِلْ بَعْدُ إِلَى اخْتِرَاقِ الْأُمُورِ السَّامِيَةِ، فَإِنَّنَا لَمْ نَجِدْ بَعْدُ رَاحِيلَ الْمُشْتَهَاةَ طَوِيلًا وَالْمَطْلُوبَةَ بِاجْتِهَادٍ: فَنَبْدَأُ إِذَنْ بِالتَّأَوُّهِ وَالتَّنَهُّدِ، لَا بِالنَّوْحِ فَحَسْبُ بَلْ بِالْخَجَلِ أَيْضًا مِنْ عَمَانَا؛ وَحِينَئِذٍ لَا نَشُكَّنَّ أَنَّنَا فِي حُجْرَةِ رَاحِيلَ لَمْ نَجِدْهَا هِيَ، بَلْ لَيَّا. فَكَمَا أَنَّ شَأْنَ رَاحِيلَ أَنْ تَفْهَمَ وَتَتَأَمَّلَ وَتَتَدَبَّرَ: فَإِنَّ شَأْنَ لَيَّا أَنْ تَبْكِيَ وَتَئِنَّ وَتَتَنَهَّدَ.


الْآيَةُ ٢٧: أَكْمِلِ الْأُسْبُوعَ

٢٧. «أَكْمِلْ أُسْبُوعَ أَيَّامِ هَذَا الِاقْتِرَانِ» — الَّذِي فِيهِ أَنْتَ مُقْتَرِنٌ بِلَيَّا فِي الزَّوَاجِ وَالْمَوَدَّةِ الزَّوْجِيَّةِ: فَإِنَّ الِاقْتِرَانَ الْأَوَّلَ كَانَ زِنًا لَا زَوَاجًا. فَأَرَادَ لَابَانُ أَنْ يَتَّخِذَ يَعْقُوبُ لَيَّا الَّتِي عَرَفَهَا زَوْجَةً لَهُ بَعْدَ اكْتِشَافِ الْخَطَأِ؛ وَفَعَلَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ صِيَانَةً لِحَيَاءِ لَيَّا وَشَرَفِهَا.

فَالْمَعْنَى إِذَنْ هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَابَانُ: دَعِ الْأَيَّامَ السَّبْعَةَ الِاحْتِفَالِيَّةَ لِلَيَّا تَمُرُّ، يَا يَعْقُوبُ، الَّتِي يُحْتَفَلُ فِيهَا بِعُرْسِهَا حَسَبَ الْعَادَةِ: فَإِذَا انْقَضَتْ، سَأُعْطِيكَ أَيْضًا رَاحِيلَ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدِمَنِي سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى مِنْ أَجْلِهَا: فَإِنَّهُ لَمِنَ الْعَيْبِ وَالْعَارِ عَلَى لَيَّا أَنْ تُدْخِلَ أُخْتَهَا زَوْجَةً فِي أَيَّامِ عُرْسِهَا. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ وَلِيمَةَ الْعُرْسِ وَالْمَأْدُبَةَ كَانَتْ تُقَامُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَادَةً سَبْعَةَ أَيَّامٍ، كَمَا تُقَامُ الْآنَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَهَذَا مَا يُشَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ١٤: ١٢.


الْآيَةُ ٢٨: اتَّخَذَ رَاحِيلَ زَوْجَةً

٢٨. وَلَمَّا انْقَضَى الْأُسْبُوعُ، اتَّخَذَ رَاحِيلَ زَوْجَةً لَهُ. — لِذَلِكَ يُخْطِئُ يُوسِيفُوسُ حِينَ يَزْعُمُ أَنَّ يَعْقُوبَ تَزَوَّجَ رَاحِيلَ بَعْدَ سَبْعِ السِّنِينَ الثَّانِيَةِ مِنَ الْخِدْمَةِ، أَيْ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ هُرُوبِ يَعْقُوبَ وَوُصُولِهِ إِلَى حَارَانَ، الَّتِي خَدَمَ فِيهَا لَابَانَ؛ إِذْ يَتَّضِحُ مِنْ هَذَا النَّصِّ وَمِمَّا يَلِيهِ أَنَّ يَعْقُوبَ تَزَوَّجَ رَاحِيلَ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ زَوَاجِهِ بِلَيَّا، ثُمَّ خَدَمَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى مِنْ أَجْلِهَا. وَالْأَمْرُ نَفْسُهُ وَاضِحٌ مِنَ التَّنَافُسِ بَيْنَ رَاحِيلَ الْعَاقِرِ وَلَيَّا الْخَصِبَةِ الْوَلُودِ، الْآيَةُ ٣١. وَهَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأُغُسْطِينُوسُ وَأَلْكُوِينُوسُ وَغَيْرُهُمْ.


تَأْوِيلٌ أَخْلَاقِيٌّ: رَاحِيلُ وَلَيَّا كَالْحَيَاةِ التَّأَمُّلِيَّةِ وَالْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ

بِالْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ، تَرْمُزُ رَاحِيلُ وَلَيَّا بِوَصْفِهِمَا أُخْتَيْنِ إِلَى الْحَيَاتَيْنِ الْمُزْدَوِجَتَيْنِ، أَيِ الْحَيَاةِ التَّأَمُّلِيَّةِ وَالْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ. يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْءُ لَيَّا، أَيِ الْمُجْتَهِدَةَ (فَهَذَا مَا تَعْنِيهِ لَيَّا بِالْعِبْرِيَّةِ) وَالْعَشْوَاءَ: لِأَنَّهَا مُنْشَغِلَةٌ بِالْأُمُورِ الْأَرْضِيَّةِ وَقَلِقَةٌ وَمُتَشَتِّتَةٌ فِي اتِّجَاهَاتٍ شَتَّى، وَهِيَ الْحَيَاةُ الْعَمَلِيَّةُ؛ ثُمَّ رَاحِيلَ، أَيِ النَّعْجَةَ، وَهِيَ هُدُوءُ التَّأَمُّلِ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ نَسْعَى إِلَيْهَا — بِوَصْفِهَا جَمِيلَةً — بِمِثْلِ مَا أَحَبَّ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ مِنْ حُبٍّ عَظِيمٍ. اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ غْرِيغُورِيُوسَ، الْكِتَابَ السَّادِسَ مِنَ الْأَخْلَاقِيَّاتِ، الْفَصْلَ ٢٨، وَالْقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ، الْكِتَابَ الثَّانِيَ وَالْعِشْرِينَ ضِدَّ فَاوُسْتُسَ، الْفَصْلَ ٥٢.

وَقَالَ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ فِي كِتَابِ طَرِيقَةِ الْحَيَاةِ الصَّالِحَةِ مُخَاطِبًا أُخْتَهُ، الْفَصْلَ ٥٣: الْحَيَاةُ الْعَمَلِيَّةُ، قَالَ، تَخْدُمُ اللهَ فِي أَتْعَابِ هَذَا الْعَالَمِ، بِإِطْعَامِ الْفُقَرَاءِ وَاسْتِقْبَالِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ وَدَفْنِهِمْ وَبَذْلِ سَائِرِ أَعْمَالِ الرَّحْمَةِ لَهُمْ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيَّا خَصِبَةٌ فِي الْأَوْلَادِ، لِأَنَّ كَثِيرِينَ هُمُ الْعَامِلُونَ وَقَلِيلُونَ هُمُ الْمُتَأَمِّلُونَ. وَرَاحِيلُ تُفَسَّرُ بِالنَّعْجَةِ، أَوِ الرَّائِيَةِ لِلْبَدْءِ (بِحَيْثُ يُقَالُ إِنَّ رَاحِيلَ هِيَ كَأَنَّهَا رَأَتِ الْبَدْءَ)، لِأَنَّ الْمُتَأَمِّلِينَ بُسَطَاءُ وَأَبْرِيَاءُ كَالْغَنَمِ، وَغُرَبَاءُ عَنْ كُلِّ ضَجِيجِ الْعَالَمِ، حَتَّى يَلْتَصِقُوا بِالتَّأَمُّلِ الْإِلَهِيِّ وَحْدَهُ، فَيَرَوْا ذَاكَ الَّذِي يَقُولُ: أَنَا هُوَ الْبَدْءُ، الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ أَيْضًا.

وَقَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ قَالَ: حَتَّى لَا يَعُودَ يَطِيبُ لِلنَّفْسِ فِعْلُ شَيْءٍ، بَلْ بَعْدَ احْتِقَارِ جَمِيعِ هُمُومِ الْعَالَمِ تَتَّقِدُ النَّفْسُ شَوْقًا لِرُؤْيَةِ وَجْهِ خَالِقِهَا، حَتَّى تَعْرِفَ كَيْفَ تَحْمِلُ بِحُزْنٍ ثِقَلَ الْجَسَدِ الْفَاسِدِ، وَبِكُلِّ رَغَبَاتِهَا تَوَدُّ أَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً بَيْنَ جَوْقَاتِ الْمَلَائِكَةِ الْمُسَبِّحِينَ، وَتَشْتَاقُ إِلَى الِاخْتِلَاطِ بِالْمُوَاطِنِينَ السَّمَاوِيِّينَ، وَالِابْتِهَاجِ بِعَدَمِ الْفَسَادِ الْأَبَدِيِّ فِي حَضْرَةِ اللهِ.

وَفِيمَا بَعْدُ قَالَ: كَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ الْعَمَلِيَّةَ هِيَ قَبْرُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَذَلِكَ الْحَيَاةُ التَّأَمُّلِيَّةُ هِيَ نُصُبُ الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ. فَالصَّاعِدُونَ إِلَيْهَا يُدْفَنُونَ فِي هُدُوءِ التَّأَمُّلِ. هَذَا مَا اخْتَارَتْهُ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، الَّتِي قَالَ لَهَا الْمَسِيحُ تَبَعًا لِذَلِكَ: مَرْيَمُ اخْتَارَتِ النَّصِيبَ الْأَفْضَلَ، الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا. فَكَمَيِّتَةٍ إِذًا، افْصِلْ نَفْسَكَ عَنْ حُبِّ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَكَمَدْفُونٍ فِي قَبْرٍ، لَا تُبَالِ بِالْعَالَمِ.

وَيُعَلِّمُ الْقِدِّيسُ تُومَا، فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الثَّانِي، الْمَسْأَلَةِ ١٨٢، الْمَقَالَةِ ١، أَنَّ رَاحِيلَ تَفُوقُ لَيَّا، أَيْ أَنَّ التَّأَمُّلَ يَفُوقُ الْعَمَلَ، وَيُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ بِثَمَانِيَةِ أَدِلَّةٍ. الْأَوَّلُ: لِأَنَّ الْحَيَاةَ التَّأَمُّلِيَّةَ تُنَاسِبُ الْإِنْسَانَ بِحَسَبِ مَا هُوَ أَفْضَلُ فِيهِ، أَيْ بِحَسَبِ الْعَقْلِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْقُولَاتِهِ الْخَاصَّةِ. الثَّانِي: لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ اسْتِمْرَارًا مِنَ الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ. الثَّالِثُ: لِأَنَّهَا تَجْلِبُ لَذَّةً أَقْدَسَ. فَكَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْمَوْعِظَةُ ٢٦ فِي كَلِمَاتِ الرَّبِّ: كَانَتْ مَرْثَا مُضْطَرِبَةً، وَكَانَتْ مَرْيَمُ مُتَنَعِّمَةً. الرَّابِعُ: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْحَيَاةِ التَّأَمُّلِيَّةِ أَكْثَرُ اكْتِفَاءً بِذَاتِهِ، إِذْ يَحْتَاجُ إِلَى أَشْيَاءَ أَقَلَّ. الْخَامِسُ: لِأَنَّ الْحَيَاةَ التَّأَمُّلِيَّةَ تُحَبُّ لِذَاتِهَا، بَيْنَمَا الْعَمَلِيَّةُ مُوَجَّهَةٌ إِلَى غَيْرِهَا. السَّادِسُ: لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى السُّكُونِ. السَّابِعُ: لِأَنَّ الْحَيَاةَ التَّأَمُّلِيَّةَ تَنْشَغِلُ بِالْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعَمَلِيَّةَ بِالْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ. الثَّامِنُ: لِأَنَّهَا تَتَوَافَقُ مَعَ مَا هُوَ أَخَصُّ بِالْإِنْسَانِ، أَيِ الْعَقْلِ.

فَالْأَفْضَلُ إِذًا اعْتِنَاقُ الْحَيَاةِ التَّأَمُّلِيَّةِ، مَا دَامَتِ الطَّاعَةُ وَالْمَحَبَّةُ تَسْمَحَانِ بِذَلِكَ، عِوَضًا عَنِ اتِّبَاعِ الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ. وَهَذَا مَا عَلَّمَهُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ فِي الْكِتَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ ١٩: الْفَرَاغُ الْمُقَدَّسُ، قَالَ، تَطْلُبُهُ مَحَبَّةُ الْحَقِيقَةِ: وَالِانْشِغَالُ الْعَادِلُ تَتَوَلَّاهُ ضَرُورَةُ الْمَحَبَّةِ؛ وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ هَذَا الْعِبْءَ، فَيَنْبَغِي التَّفَرُّغُ لِإِدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ وَتَأَمُّلِهَا. طُوبَى لِلدَّارِ، يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَارْدُوسُ فِي الْمَوْعِظَةِ ٣ عَنِ الِانْتِقَالِ، وَمُبَارَكَةٌ أَبَدًا الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَشْتَكِي فِيهَا مَرْثَا مِنْ مَرْيَمَ، أَيْ حَيْثُ يَسُودُ تَأَمُّلُ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَيَهَيْمِنُ حَتَّى إِنَّ النَّشَاطَ الْخَارِجِيَّ يَشْتَكِي مِنْهُ كَأَنَّمَا. تَعِيسَةٌ هِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَشْتَكِي فِيهَا مَرْيَمُ مِنْ مَرْثَا: لِأَنَّهُ لَا يُعْطَى وَقْتٌ لِمَرْيَمَ، أَيْ لِلتَّأَمُّلِ، بَلْ يُنْفَقُ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى الشُّؤُونِ الْخَارِجِيَّةِ.

رَمْزِيًّا، يَقُولُ رِيتْشَارْدُ مِنْ سَانْ فِيكْتُورَ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، الْمُعَنْوَنِ بِنْيَامِينَ الصَّغِيرِ: رَاحِيلُ، قَالَ، هِيَ طَلَبُ الْحِكْمَةِ، وَلَيَّا هِيَ الرَّغْبَةُ فِي الْعَدَالَةِ؛ وَلَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ خَدَمَ سَبْعَ سِنِينَ مِنْ أَجْلِ رَاحِيلَ، فَبَدَتْ لَهُ أَيَّامًا قَلِيلَةً بِسَبَبِ عِظَمِ حُبِّهِ. فَلِمَ تَعْجَبُ؟ بِقَدْرِ عِظَمِ جَمَالِهَا كَانَ عِظَمُ حُبِّهِ. فَمَا الَّذِي يُمْتَلَكُ بِحَلَاوَةٍ أَكْبَرَ، وَيُحَبُّ بِحَرَارَةٍ أَشَدَّ، مِنَ الْحِكْمَةِ؟ فَجَمَالُهَا يَفُوقُ كُلَّ بَهَاءٍ، وَحَلَاوَتُهَا تَتَجَاوَزُ كُلَّ لَذَّةٍ. فَهِيَ أَبْهَى مِنَ الشَّمْسِ، وَإِذَا قُورِنَتْ بِنُورِ كُلِّ تَرْتِيبٍ لِلْنُجُومِ، وُجِدَتْ سَابِقَةً لَهُ. وَمِنْ هُنَا يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَ لِمَاذَا يَمْقُتُ الْجَمِيعُ زَوَاجَ لَيَّا بِشِدَّةٍ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَتَنَهَّدُونَ إِلَّا لِعِنَاقِ رَاحِيلَ. فَالْعَدَالَةُ الْكَامِلَةُ تَأْمُرُنَا بِمَحَبَّةِ أَعْدَائِنَا، وَتَرْكِ الْوَالِدَيْنِ وَجَمِيعِ مُمْتَلَكَاتِنَا، وَتَحَمُّلِ الْمَظَالِمِ بِصَبْرٍ، وَرَفْضِ الْمَجْدِ الْمَعْرُوضِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. وَلَكِنْ مَاذَا يُعْتَبَرُ أَكْثَرَ حَمَاقَةً وَأَكْثَرَ مَشَقَّةً عِنْدَ مُحِبِّي هَذَا الْعَالَمِ؟ فَمِنْ هُنَا تُعْتَبَرُ لَيَّا عِنْدَهُمْ عَشْوَاءَ وَتُحْسَبُ مُجْهِدَةً.

ثَانِيًا، يُفَسِّرُ الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِيمَا بَعْدُ هَاتَيْنِ الزَّوْجَتَيْنِ لِيَعْقُوبَ رَمْزِيًّا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى: لِكُلِّ رُوحٍ عَاقِلَةٍ، قَالَ، أَيْ لِيَعْقُوبَ، قُوَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْعَقْلُ، وَالْأُخْرَى الْعَاطِفَةُ: الْعَقْلُ الَّذِي بِهِ نُمَيِّزُ، وَالْعَاطِفَةُ الَّتِي بِهَا نُحِبُّ. هَاتَانِ هُمَا زَوْجَتَا الرُّوحِ الْعَاقِلَةِ التَّوْأَمَتَانِ، اللَّتَانِ مِنْهُمَا تُولَدُ ذُرِّيَّةٌ نَبِيلَةٌ. فَمِنَ الْعَقْلِ تَأْتِي الْمُدْرَكَاتُ الرُّوحِيَّةُ؛ وَمِنَ الْأُخْرَى الْعَوَاطِفُ الْمُنَظَّمَةُ. فَيَنْبَغِي إِذًا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَاطِفَةَ تَبْدَأُ حَقًّا فِي أَنْ تَكُونَ لَيَّا حِينَ تَسْعَى لِتَهْذِيبِ نَفْسِهَا وَفْقَ مِعْيَارِ الْعَدَالَةِ؛ وَالْعَقْلُ يُعْلَنُ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ رَاحِيلُ حِينَ يَسْتَنِيرُ بِنُورِ الْحِكْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَلَكِنْ مَنْ يَجْهَلُ كَمْ أَنَّ الْأُولَى شَاقَّةٌ وَالثَّانِيَةَ مُمْتِعَةٌ؟ بِالتَّأْكِيدِ لَيْسَ مِنْ دُونِ جُهْدٍ عَظِيمٍ تُكَبَّحُ عَاطِفَةُ النَّفْسِ مِنَ الْأُمُورِ غَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ إِلَى الْمَشْرُوعَةِ، وَبِحَقٍّ تُسَمَّى مِثْلُ هَذِهِ الزَّوْجَةِ لَيَّا، أَيِ الْمُجْهِدَةَ. وَلَكِنْ مَا أَلَذَّ مِنْ رَفْعِ عَيْنِ الْعَقْلِ إِلَى تَأَمُّلِ الْحِكْمَةِ الْعُلْيَا؟ فَحِينَ يَتَّسِعُ الْعَقْلُ لِتَأَمُّلِهَا، يُكَرَّمُ بِجَدَارَةٍ بِاسْمِ رَاحِيلَ؛ فَرَاحِيلُ تُفَسَّرُ بِالرَّائِيَةِ لِلْبَدْءِ.

وَبِالْمِثْلِ قَالَ بِينِيدَا مِنْ جَمَاعَتِنَا، الْكِتَابَ الْأَوَّلَ عَنْ سُلَيْمَانَ، الْفَصْلَ ٤: يَعْقُوبُ وَرَاحِيلُ، قَالَ، رَمْزَانِ لِلْحَكِيمِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَكَمَا أَحَبَّ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ، كَذَلِكَ أَحَبَّ سُلَيْمَانُ الْحِكْمَةَ: وَهُوَ يُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَعْرِضُهُ بِجَمَالٍ مِنْ خِلَالِ تِسْعَ عَشْرَةَ مُقَارَنَةً مُتَوَازِيَةً.


الْآيَةُ ٣١: احْتَقَرَ لَيَّا

٣١. أَنَّهُ احْتَقَرَ لَيَّا. — النَّصُّ الْعِبْرِيُّ وَالْكَلْدَانِيُّ وَالْيُونَانِيُّ يَقُولُ: أَنَّهُ أَبْغَضَ لَيَّا، أَيْ أَنَّهُ أَحَبَّ لَيَّا أَقَلَّ مِنْ رَاحِيلَ، حَتَّى بَدَا يَعْقُوبُ كَأَنَّهُ يُبْغِضُ لَيَّا بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ رَاحِيلَ. فَهَذَا الْبُغْضُ إِذًا لَمْ يَكُنْ إِيجَابِيًّا بَلْ سَلْبِيًّا، أَيْ نَقْصًا فِي الْمَحَبَّةِ، نَاشِئًا عَنْ كَوْنِ لَيَّا كَانَتْ عَشْوَاءَ وَغَيْرَ جَمِيلَةٍ، وَأَنَّهَا اسْتَبْدَلَتْ نَفْسَهَا بِرَاحِيلَ بِالْحِيلَةِ. وَتُوجَدُ عِبْرَانِيَّاتٌ وَمُبَالَغَاتٌ مُمَاثِلَةٌ فِي مَتَّى ١٠: ٣٧؛ وَيُوحَنَّا ١٢: ٢٥، وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

فَتَحَ رَحِمَهَا — أَيْ جَعَلَهَا خَصِبَةً بِأَنْ أَعْطَاهَا نَسْلًا: وَعَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ إِغْلَاقَ الرَّحِمِ أَوْ سَدَّهُ يَعْنِي جَعْلَهَا عَاقِرًا.

لَاحِظْ هُنَا كَيْفَ يُوَزِّعُ اللهُ مَوَاهِبَهُ، فَيُعْطِي لِلْجَمِيعِ بَعْضَهَا وَلَا يُعْطِي لِأَحَدٍ جَمِيعَهَا. فَهَكَذَا أَعْطَى لِرَاحِيلَ الْجَمَالَ وَلَكِنْ لَيْسَ الْخُصُوبَةَ: وَحَرَمَ لَيَّا مِنَ الْجَمَالِ وَلَكِنْ أَعْطَاهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ، أَيِ الْخُصُوبَةَ، وَأَنَّ مِنْ نَسْلِهَا، أَيْ مِنْ يَهُوذَا، وُلِدَ الْمَسِيحُ. وَلَاحِظْ أَيْضًا هُنَا أَنَّ الْخُصُوبَةَ هِيَ مَوْهِبَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ اللهِ.


الْآيَةُ ٣٢: رَأُوبَيْنُ

٣٢. رَأُوبَيْنُ. — بِالْعِبْرِيَّةِ رَأُوبِينُ، أَيِ «انْظُرُوا ابْنًا»، الَّذِي أَعْطَانِيهِ اللهُ، نَاظِرًا إِلَيَّ بِعَيْنَيْ رَحْمَتِهِ حِينَ كُنْتُ مُحْتَقَرَةً مِنْ زَوْجِي. فَهَذَا هُوَ مَا أَضَافَتْهُ لَيَّا: رَأَى الرَّبُّ ذُلِّي، بِالْعِبْرِيَّةِ عُنْيِي، أَيْ هَوَانِي وَبَلَائِي. وَإِلَى هَذَا أَشَارَتِ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ حِينَ أَنْشَدَتْ: نَظَرَ إِلَى تَوَاضُعِ (تَابِينُوسِينَ، أَيْ ضَآلَةِ وَحَقَارَةِ وَهَوَانِ) أَمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَانِي ابْنًا، لَيْسَ رَأُوبَيْنَ بَلْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ. فَهِيَ إِذًا لَا تُعْلِنُ فَضِيلَةَ تَوَاضُعِهَا: فَذَلِكَ كَانَ سَيَكُونُ كِبْرِيَاءَ؛ بَلْ تَعْتَرِفُ وَتُقِرُّ بِحَقَارَتِهَا: وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ فِعْلَ تَوَاضُعٍ، يُحِبُّهُ اللهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيُعَلِّيهِ.

وَمِنْ هُنَا: «لَا يَكْرَهُ الشَّيْطَانُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنَ الْمُتَوَاضِعِ الْمُحِبِّ لِلَّهِ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَنْطُونِيُوسُ كَمَا رَوَاهُ أَثَنَاسِيُوسُ. وَرَأَى الْقِدِّيسُ نَفْسُهُ فِي رُؤْيَا الْعَالَمَ مَلِيئًا بِفِخَاخِ الشَّيَاطِينِ، فَسَأَلَ: «مَنْ يَنْجُو مِنْهَا يَا رَبُّ؟» فَأَجَابَ الرَّبُّ: «التَّوَاضُعُ».

فَلْتُلَاحِظِ الْأُمَّهَاتُ وَيُقَلِّدْنَ تَقْوَى لَيَّا وَامْتِنَانَهَا، الَّتِي أَقَامَتْ تَذْكَارًا دَائِمًا لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ إِيَّاهَا، أَيِ النَّسْلِ، فِي اسْمِ النَّسْلِ ذَاتِهِ، حَتَّى كُلَّمَا رَأَتْ وَلَدَهَا وَسَمَّتْهُ، تَذَكَّرَتْ وَشَكَرَتِ الْجُودَ الْإِلَهِيَّ نَحْوَهَا؛ وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ نَفْسُهُ حِينَ يَبْلُغُ سِنَّ الرُّشْدِ يَفْعَلُ الْأَمْرَ ذَاتَهُ. هَكَذَا قَدَّمَتْ حَنَّةُ صَمُوئِيلَهَا لِلَّهِ وَكَرَّسَتْهُ، وَسَمَّتْهُ صَمُوئِيلَ، أَيِ الْمَطْلُوبَ وَالْمُحْتَصَلَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ، ١ صَمُوئِيلَ ١: ٢٦. وَهَكَذَا قَدَّمَتِ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ ابْنَهَا وَسَمَّتْهُ يَسُوعَ. وَهَكَذَا قَدَّمَتْ أُمُّ الْقِدِّيسِ بِرْنَارْدُوسَ ابْنَهَا حَدِيثَ الْوِلَادَةِ، وَوَضَعَتْهُ عَلَى مَذْبَحِ الْكَنِيسَةِ. وَكَذَلِكَ كَانَتْ تَفْعَلُ الْقِدِّيسَةُ إِلِيزَابِيثُ اِبْنَةُ مَلِكِ الْمَجَرِ مَعَ كُلِّ أَطْفَالِهَا حَدِيثِي الْوِلَادَةِ: فَجَاؤُوا جَمِيعُهُمْ أَتْقِيَاءَ وَقِدِّيسِينَ، كَمَا تَرْوِي سِيرَتُهَا. وَهَكَذَا كَانَتِ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ، وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَالْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ، وَالْقِدِّيسُ دُومِينِيكُوسُ، وَالْقِدِّيسُ بُونَافِنْتُورَا، وَالْقِدِّيسُ بِرْنَارْدِينُوسُ، وَالْقِدِّيسُ نِيقُولَاوُسُ التُّولِنْتِينِيُّ، وَالْقِدِّيسُ إِلْزِيَارُ الْكُونْتُ، وَالْقِدِّيسُ فْرَنْسِيسُ دِي بَاوُلَا، وَغَيْرُهُمْ — إِذْ قُدِّمُوا لِلَّهِ عِنْدَ مِيلَادِهِمْ مِنْ قِبَلِ آبَائِهِمْ — مَشْهُورِينَ بِالْقَدَاسَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ.


الْآيَةُ ٣٣: شِمْعُونُ

٣٣. مُحْتَقَرَةً. — النَّصُّ الْعِبْرِيُّ وَالْكَلْدَانِيُّ وَالسَّبْعُونِيُّ يَقُولُ: أَنَّنِي مُبْغَضَةٌ، أَيْ أَقَلُّ مَحَبَّةً، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الْآيَةِ ٣١.

شِمْعُونُ. — «شِمْعُونُ» يَعْنِي السَّمَاعَ أَوِ الْإِصْغَاءَ، مِنَ الْجِذْرِ شَمَعَ، أَيْ سَمِعَ وَأَصْغَى، أَيْ أَنَّ اللهَ سَمِعَ بَلَائِي وَدُعَائِي.


الْآيَةُ ٣٤: لَاوِي

٣٤. لَاوِي. — هُوَ أَبُو جَمِيعِ اللَّاوِيِّينَ. لَاحِظْ أَنَّ «لَاوِي» يَعْنِي الِالْتِصَاقَ وَالتَّمَاسُكَ وَالْإِضَافَةَ وَالِارْتِبَاطَ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: لَقَدْ أَضَفْتُ الْآنَ بِإِنْجَابِ ثَلَاثَةِ أَبْنَاءٍ لِزَوْجِي؛ فَمِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا سَيَرْتَبِطُ بِي وَيَلْتَصِقُ بِي بِمَحَبَّةٍ أَعْظَمَ.


الْآيَةُ ٣٥: يَهُوذَا

٣٥. يَهُوذَا. — «يَهُوذَا» بِالْعِبْرِيَّةِ يَعْنِي الِاعْتِرَافَ أَوِ التَّسْبِيحَ.


تَسَلْسُلُ سِنِي يَعْقُوبَ الزَّمَنِيُّ

لَاحِظْ هُنَا تَسَلْسُلَ سِنِي يَعْقُوبَ: يَعْقُوبُ هَارِبًا مِنْ عِيسُو جَاءَ إِلَى لَابَانَ فِي حَارَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ، كَمَا ذَكَرْتُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٢٧؛ وَفِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ، بَعْدَ السَّبْعِ السِّنِينَ الَّتِي خَدَمَ فِيهَا لَابَانَ، تَزَوَّجَ لَيَّا وَرَاحِيلَ، أَيْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ؛ ثُمَّ سَرِيعًا مِنْ لَيَّا الْخَصِبَةِ، فِي السَّنَةِ الْأُولَى بَعْدَ الزَّوَاجِ، كَمَا يَبْدُو، أَيْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ حَيَاةِ يَعْقُوبَ، وُلِدَ لَهُ رَأُوبَيْنُ، ثُمَّ شِمْعُونُ فِي السَّنَةِ ٨٦، وَسَرِيعًا لَاوِي فِي السَّنَةِ ٨٧، وَأَخِيرًا يَهُوذَا فِي السَّنَةِ ٨٨. وَلَاحِظْ هُنَا الْمِثَالَ الْبَارِزَ لِلْعِفَّةِ فِي يَعْقُوبَ، الَّذِي عَاشَ عَزَبًا حَتَّى السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَعِنْدَهَا فَقَطْ أَخَذَ زَوْجَةً لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.


تَأْوِيلٌ رَمْزِيٌّ: الْآبَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ كَالرُّسُلِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

رَمْزِيًّا، كَانَ الْآبَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ أَنْمُوذَجًا لِلرُّسُلِ الِاثْنَيْ عَشَرَ. ثَانِيًا: كَانَ لِيَعْقُوبَ أَبْنَاءٌ كَثِيرُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ؛ وَكَذَلِكَ كَانَ لِلْمَسِيحِ أَبْنَاءٌ كَثِيرُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَعْبٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْطَقَةٍ وَاحِدَةٍ. ثَالِثًا: لِيَعْقُوبَ زَوْجَاتٌ حَرَائِرُ وَإِمَاءٌ يَأْخُذُ مِنْهُنَّ أَبْنَاءً؛ وَكَذَلِكَ لِلْمَسِيحِ رُعَاةٌ حَقِيقِيُّونَ وَمَأْجُورُونَ: وَهُوَ يَحْتَمِلُهُمْ لِيُنْجِبُوا لَهُ أَبْنَاءً. رَابِعًا: كَانَتْ زَوْجَاتُ يَعْقُوبَ يَتَنَافَسْنَ بَيْنَهُنَّ فِي أَيَّتِهِنَّ تَلِدُ أَبْنَاءً أَكْثَرَ لِيَعْقُوبَ: وَكَذَلِكَ يَجْتَهِدُ الرُّعَاةُ فِي التَّنَافُسِ لِإِنْجَابِ أَبْنَاءٍ لِلْمَسِيحِ. خَامِسًا: تَلِدُ بِلْهَةُ وَزِلْفَةُ أَبْنَاءً لِيَعْقُوبَ، وَلَكِنَّهُنَّ يَبْقَيْنَ إِمَاءً: وَكَذَلِكَ الْمَأْجُورُونَ يَعِظُونَ الْآخَرِينَ بِمَا هُوَ صَالِحٌ، وَلَكِنَّهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَبْقَوْنَ مَأْجُورِينَ، وَكَثِيرًا مَا يَكُونُونَ أَشْرَارًا. سَادِسًا: قَبِلَ يَعْقُوبُ فِي مِيرَاثِهِ حَتَّى الْمَوْلُودِينَ مِنَ الْإِمَاءِ: وَالْمَسِيحُ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مَهْمَا كَانَتِ الْحَيَاةُ الَّتِي سَبَقَتْ، يُوحَنَّا ٦: كُلُّ مَا يُعْطِينِي الْآبُ يَأْتِي إِلَيَّ: وَمَنْ يَأْتِي إِلَيَّ لَا أُخْرِجُهُ خَارِجًا. وَمَتَّى ٨: كَثِيرُونَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشْرِقِ، إِلَى آخِرِهِ، وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، إِلَى آخِرِهِ. سَابِعًا: كَانَ لِيَعْقُوبَ زَوْجَتَانِ، إِحْدَاهُمَا جَمِيلَةٌ وَالْأُخْرَى غَيْرُ جَمِيلَةٍ: وَعَرُوسُ الْمَسِيحِ هِيَ فِي بَاطِنِهَا جَمِيلَةٌ كَرَاحِيلَ، بِسَبَبِ نِعْمَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَمَوَاهِبِهِ، وَلَكِنَّهَا فِي ظَاهِرِهَا غَيْرُ جَمِيلَةٍ، بِسَبَبِ الصَّلِيبِ وَالْمِحَنِ. ثَامِنًا: لَمْ يَضُرَّ لَيَّا عَدَمُ جَمَالِهَا، بَلْ كَانَتْ بِسَبَبِهِ أَكْثَرَ خُصُوبَةً: وَكَذَلِكَ تَنْفَعُ الشَّدَائِدُ الْكَنِيسَةَ، وَهِيَ تُثْمِرُ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ حِينَ تُضْغَطُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ.