كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ ستِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحُ الثَّلَاثُونَ

(أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ وَالْعِصِيُّ الْمُقَشَّرَةُ)


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يُولَدُ لِيَعْقُوبَ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ آخَرُونَ: وَمِنْ ثَمَّ يُفَكِّرُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى وَطَنِهِ عِنْدَ الْآيَةِ ٢٥؛ لَكِنَّ حَمَاهُ يَسْتَبْقِيهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَأُجْرَةٍ، يَتَغَلَّبُ فِيهِ عَلَى حَمِيهِ الْمُخَادِعِ عِنْدَ الْآيَةِ ٣٧ بِحِيلَةٍ عَادِلَةٍ عَنْ طَرِيقِ تَقْشِيرِ الْعِصِيِّ: وَهَكَذَا يُثْرِي نَفْسَهُ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣٠: ١-٤٣

١. فَلَمَّا رَأَتْ رَاحِيلُ أَنَّهَا عَاقِرٌ، حَسَدَتْ أُخْتَهَا، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلَّا فَأَنَا أَمُوتُ. ٢. فَأَجَابَهَا يَعْقُوبُ بِغَضَبٍ: هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ الَّذِي حَرَمَكِ ثَمَرَةَ بَطْنِكِ؟ ٣. فَقَالَتْ: هَا جَارِيَتِي بِلْهَةُ، ادْخُلْ عَلَيْهَا لِتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَيَكُونَ لِي مِنْهَا بَنُونَ. ٤. فَأَعْطَتْهُ بِلْهَةَ زَوْجَةً: ٥. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا حَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا. ٦. فَقَالَتْ رَاحِيلُ: قَضَى لِيَ الرَّبُّ وَسَمِعَ صَوْتِي، فَأَعْطَانِي ابْنًا، وَلِذَلِكَ دَعَتِ اسْمَهُ دَانَ. ٧. ثُمَّ حَبِلَتْ بِلْهَةُ أَيْضًا وَوَلَدَتِ ابْنًا آخَرَ، ٨. فَقَالَتْ رَاحِيلُ: قَارَنَنِيَ اللهُ بِأُخْتِي، وَقَدْ غَلَبْتُ، وَدَعَتْهُ نَفْتَالِي. ٩. فَلَمَّا أَحَسَّتْ لَيْئَةُ أَنَّهَا كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ، أَعْطَتْ جَارِيَتَهَا زِلْفَةَ لِزَوْجِهَا. ١٠. وَلَمَّا حَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا، ١١. قَالَتْ: بِسَعَادَةٍ! وَلِذَلِكَ دَعَتِ اسْمَهُ جَادَ. ١٢. وَوَلَدَتْ زِلْفَةُ أَيْضًا ابْنًا آخَرَ. ١٣. فَقَالَتْ لَيْئَةُ: هَذَا لِغِبْطَتِي، فَإِنَّ النِّسَاءَ يُطَوِّبْنَنِي، وَلِذَلِكَ دَعَتْهُ أَشِيرَ. ١٤. وَخَرَجَ رَأُوبِينُ فِي أَيَّامِ حَصَادِ الْحِنْطَةِ إِلَى الْحَقْلِ فَوَجَدَ لُفَّاحًا وَأَتَى بِهِ إِلَى أُمِّهِ لَيْئَةَ. فَقَالَتْ رَاحِيلُ: أَعْطِينِي مِنْ لُفَّاحِ ابْنِكِ. ١٥. فَأَجَابَتْ: أَقَلِيلٌ عِنْدَكِ أَنَّكِ أَخَذْتِ زَوْجِي حَتَّى تَأْخُذِي لُفَّاحَ ابْنِي أَيْضًا؟ فَقَالَتْ رَاحِيلُ: لِيَنَمْ مَعَكِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ مُقَابِلَ لُفَّاحِ ابْنِكِ. ١٦. وَلَمَّا رَجَعَ يَعْقُوبُ مِنَ الْحَقْلِ عِنْدَ الْمَسَاءِ، خَرَجَتْ لَيْئَةُ لِاسْتِقْبَالِهِ وَقَالَتْ: إِلَيَّ تَدْخُلُ، لِأَنِّي اسْتَأْجَرْتُكَ بِلُفَّاحِ ابْنِي. فَنَامَ مَعَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ. ١٧. فَسَمِعَ اللهُ صَلَاتَهَا، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا خَامِسًا، ١٨. وَقَالَتْ: أَعْطَانِيَ اللهُ أُجْرَتِي، لِأَنِّي أَعْطَيْتُ جَارِيَتِي لِزَوْجِي، وَدَعَتِ اسْمَهُ يَسَّاكَرَ. ١٩. وَحَبِلَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا وَوَلَدَتِ ابْنًا سَادِسًا، ٢٠. وَقَالَتْ: جَهَّزَنِيَ اللهُ بِجِهَازٍ حَسَنٍ، وَهَذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا يَكُونُ زَوْجِي مَعِي، لِأَنِّي وَلَدْتُ لَهُ سِتَّةَ بَنِينَ، وَلِذَلِكَ دَعَتِ اسْمَهُ زَبُولُونَ. ٢١. وَبَعْدَهُ وَلَدَتِ ابْنَةً وَسَمَّتْهَا دِينَةَ. ٢٢. وَذَكَرَ الرَّبُّ رَاحِيلَ أَيْضًا وَسَمِعَ لَهَا وَفَتَحَ رَحِمَهَا. ٢٣. فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا وَقَالَتْ: نَزَعَ اللهُ عَارِي. ٢٤. وَدَعَتِ اسْمَهُ يُوسُفَ قَائِلَةً: يَزِيدُنِيَ الرَّبُّ ابْنًا آخَرَ. ٢٥. وَلَمَّا وُلِدَ يُوسُفُ، قَالَ يَعْقُوبُ لِحَمِيهِ: اصْرِفْنِي لِأَرْجِعَ إِلَى وَطَنِي وَأَرْضِي. ٢٦. أَعْطِنِي نِسَائِي وَأَوْلَادِي الَّذِينَ خَدَمْتُكَ مِنْ أَجْلِهِمْ لِأَنْصَرِفَ، فَأَنْتَ تَعْلَمُ الْخِدْمَةَ الَّتِي خَدَمْتُكَ بِهَا. ٢٧. فَقَالَ لَهُ لَابَانُ: لَيْتَنِي أَجِدُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ، فَقَدْ عَلِمْتُ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ اللهَ بَارَكَنِي بِسَبَبِكَ. ٢٨. عَيِّنْ أُجْرَتَكَ وَأَنَا أُعْطِيكَهَا. ٢٩. فَقَالَ: أَنْتَ تَعْلَمُ كَيْفَ خَدَمْتُكَ، وَكَمْ صَارَتْ أَمْلَاكُكَ عَظِيمَةً فِي يَدَيَّ. ٣٠. كَانَ لَكَ الْقَلِيلُ قَبْلَ مَجِيئِي إِلَيْكَ، وَالْآنَ قَدْ صِرْتَ غَنِيًّا، وَبَارَكَكَ الرَّبُّ عِنْدَ مَقْدَمِي. فَمِنَ الْعَدْلِ إِذًا أَنْ أَعْتَنِيَ أَنَا أَيْضًا بِبَيْتِي فِي وَقْتٍ مَا. ٣١. فَقَالَ لَابَانُ: مَاذَا أُعْطِيكَ؟ فَقَالَ: لَا أُرِيدُ شَيْئًا، لَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ مَا أَطْلُبُ، أَعُودُ فَأَرْعَى غَنَمَكَ وَأَحْفَظُهَا. ٣٢. طُفْ فِي جَمِيعِ قُطْعَانِكَ وَاعْزِلْ كُلَّ الْغَنَمِ الرَّقْطَاءِ وَالْمُنَقَّطَةِ، وَكُلَّ مَا كَانَ أَسْوَدَ وَمُبَقَّعًا وَمُلَوَّنًا، سَوَاءٌ فِي الْغَنَمِ أَوِ الْمَعْزِ، فَيَكُونُ أُجْرَتِي. ٣٣. وَيَشْهَدُ لِي بِرِّي غَدًا حِينَ يَحِينُ وَقْتُ اتِّفَاقِنَا أَمَامَكَ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ رَقْطَاءَ وَمُبَقَّعًا وَأَسْوَدَ، سَوَاءٌ فِي الْغَنَمِ أَوِ الْمَعْزِ، يَدِينُنِي بِالسَّرِقَةِ. ٣٤. فَقَالَ لَابَانُ: يَسُرُّنِي مَا تَطْلُبُ. ٣٥. وَعَزَلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَنْزَاتِ وَالنِّعَاجَ، وَالتُّيُوسَ وَالْكِبَاشَ الرَّقْطَاءَ وَالْمُبَقَّعَةَ، وَلَكِنَّ الْقَطِيعَ كُلَّهُ ذَا اللَّوْنِ الْوَاحِدِ، أَيِ الصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، سَلَّمَهُ إِلَى أَيْدِي بَنِيهِ. ٣٦. وَجَعَلَ مَسَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِهْرِهِ الَّذِي كَانَ يَرْعَى بَقِيَّةَ قُطْعَانِهِ. ٣٧. فَأَخَذَ يَعْقُوبُ قُضْبَانًا خُضْرًا مِنَ الْحَوْرِ وَاللَّوْزِ وَالدُّلْبِ، وَقَشَّرَهَا جُزْئِيًّا: وَحَيْثُ نُزِعَ اللِّحَاءُ ظَهَرَ الْبَيَاضُ فِي الْأَجْزَاءِ الْمُقَشَّرَةِ، أَمَّا الْأَجْزَاءُ السَّلِيمَةُ فَبَقِيَتْ خَضْرَاءَ، وَهَكَذَا صَارَ اللَّوْنُ مُتَنَوِّعًا. ٣٨. وَوَضَعَهَا فِي الْأَحْوَاضِ حَيْثُ يُصَبُّ الْمَاءُ، لِكَيْ حِينَ تَأْتِي الْقُطْعَانُ لِتَشْرَبَ تَكُونُ الْقُضْبَانُ أَمَامَ أَعْيُنِهَا فَتَحْبَلُ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا. ٣٩. وَكَانَ فِي حَرَارَةِ السِّفَادِ ذَاتِهَا أَنَّ الْغَنَمَ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْقُضْبَانِ فَتَلِدُ رَقْطَاءَ وَمُنَقَّطَةً مَرْشُوشَةً بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. ٤٠. وَفَصَلَ يَعْقُوبُ الْقَطِيعَ وَوَضَعَ الْقُضْبَانَ فِي الْأَحْوَاضِ أَمَامَ أَعْيُنِ الْكِبَاشِ، وَكَانَ كُلُّ مَا هُوَ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ لِلَابَانَ، وَالْبَاقِي لِيَعْقُوبَ، مَعَ فَصْلِ الْقُطْعَانِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ. ٤١. فَكَانَ حِينَ تُسْفِدُ الْغَنَمُ الْمُبَكِّرَةُ، يَضَعُ يَعْقُوبُ الْقُضْبَانَ فِي أَحْوَاضِ الْمَاءِ أَمَامَ أَعْيُنِ الْكِبَاشِ وَالنِّعَاجِ لِتَحْبَلَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهَا. ٤٢. وَأَمَّا حِينَ كَانَتِ الْإِسْفَادُ مُتَأَخِّرَةً وَالْحَبَلُ الْأَخِيرَ، فَلَمْ يَكُنْ يَضَعُهَا. فَصَارَتِ الْمُتَأَخِّرَاتُ لِلَابَانَ وَالْمُبَكِّرَاتُ لِيَعْقُوبَ. ٤٣. فَاغْتَنَى الرَّجُلُ جِدًّا بِلَا حَدٍّ، وَكَانَ لَهُ قُطْعَانٌ كَثِيرَةٌ وَجَوَارٍ وَعَبِيدٌ وَجِمَالٌ وَحَمِيرٌ.


الْآيَةُ ١: حَسَدَتْ أُخْتَهَا

١. حَسَدَتْ أُخْتَهَا. — بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، إِذَا فُضِّلَ أَحَدُهُمْ أَوْ تَفَوَّقَ عَلَى الْآخَرِ، يَنْشَأُ الْحَسَدُ بِسُهُولَةٍ. فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ، لَمْ تَكُنْ رَاحِيلُ قَدِيسَةً بَعْدُ، بَلْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً بَعْدُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَزَالُ تَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، كَمَا سَأُبَيِّنُ عِنْدَ الْإِصْحَاحِ ٣١، الْآيَةِ ١٩.

هَبْ لِي بَنِينَ. — يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ رَاحِيلَ تُلَمِّحُ إِلَى رِفْقَةَ وَإِسْحَاقَ، فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ، الْإِصْحَاحِ ٢٥، الْآيَةِ ٢١، كَأَنَّهَا تَقُولُ: افْعَلْ ذَلِكَ يَا يَعْقُوبُ، وَانْتَزِعْ بِصَلَوَاتِكَ أَنْ أَصِيرَ مُثْمِرَةً، كَمَا انْتَزَعَ أَبُوكَ بِالصَّلَاةِ الذُّرِّيَّةَ لِأُمِّكَ رِفْقَةَ، أَيْ أَنْتَ وَعِيسُو.


الْآيَةُ ٢: هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟

٢. هَلْ أَنَا مَكَانَ اللهِ؟ — هَلْ أَنَا اللهُ، أَوْ أَقُومُ مَقَامَ اللهِ وَدَوْرَهُ؟ كَأَنَّهُ يَقُولُ: اطْلُبِي الْبَنِينَ مِنَ اللهِ لَا مِنِّي. هَكَذَا التَّرْجَمَةُ الْكَلْدَانِيَّةُ. وَقَدْ فَسَّرَ رِيكَارْدُوسُ مِنْ سَانْ فِيكْتُورَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِنْيَامِينُ الْأَصْغَرُ هَاتَيْنِ الْجَارِيَتَيْنِ تَفْسِيرًا رَمْزِيًّا جَمِيلًا، إِذْ قَالَ: «أَخَذَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ جَارِيَتَهَا — أَخَذَتْ لَيْئَةُ زِلْفَةَ، وَأَخَذَتْ رَاحِيلُ بِلْهَةَ — أَيْ أَخَذَتِ الْعَاطِفَةُ الْحِسِّيَّةَ، وَأَخَذَ الْعَقْلُ الْخَيَالَ. تَخْدِمُ الْحِسِّيَّةُ الْعَاطِفَةَ، وَيَكُونُ الْخَيَالُ خَادِمًا لِلْعَقْلِ. وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُعْتَرَفُ بِأَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ لِسَيِّدَتِهَا إِلَى حَدٍّ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ بِدُونِهِمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَدِّمَ لَهُمَا شَيْئًا. فَبِدُونِ الْخَيَالِ لَا يَعْرِفُ الْعَقْلُ شَيْئًا، وَبِدُونِ الْحِسِّيَّةِ لَا تَتَذَوَّقُ الْعَاطِفَةُ شَيْئًا. فَالْخَيَالُ إِذًا (بِوَصْفِهِ جَارِيَةً) يَجْرِي ذَهَابًا وَإِيَابًا بَيْنَ السَّيِّدَةِ وَالْخَادِمِ، بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ: وَكُلُّ مَا اسْتَقَاهُ مِنَ الْخَارِجِ عَنْ طَرِيقِ حَوَاسِّ الْجَسَدِ يُمَثِّلُهُ فِي الدَّاخِلِ لِخِدْمَةِ الْعَقْلِ. وَلَكِنَّ الْحِسِّيَّةَ أَيْضًا تَشْتَغِلُ وَتَهْتَمُّ بِالْخِدْمَةِ الدَّائِمَةِ، وَهِيَ نَفْسُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَكَانٍ مُسْتَعِدَّةٌ لِخِدْمَةِ سَيِّدَتِهَا لَيْئَةَ. وَهِيَ الَّتِي اعْتَادَتْ أَنْ تُتَبِّلَ أَطْعِمَةَ اللَّذَّاتِ الْجَسَدِيَّةِ وَتُقَدِّمَهَا، وَتَدْعُوَ إِلَى التَّمَتُّعِ بِهَا قَبْلَ أَوَانِهَا، وَتُثِيرَ الرَّغْبَةَ فِيهَا فَوْقَ الْحَدِّ»، إِلَى آخِرِهِ.

يُعَلِّمُ الْحَاخَامَاتُ أَنَّ اللهَ احْتَفَظَ لِنَفْسِهِ بِأَرْبَعَةِ مَفَاتِيحَ. أَوَّلًا: مِفْتَاحُ الْمَطَرِ، لِيُرْسِلَهُ وَيَصُبَّهُ مِنْ خَزَائِنِهِ كَمَا يَشَاءُ، تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ ٢٨: ١٢. ثَانِيًا: مِفْتَاحُ الْحَيَاةِ، أَيِ التَّوْلِيدِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. ثَالِثًا: مِفْتَاحُ الْقُوتِ لِدَفْعِ الْمَجَاعَةِ، الْمَزْمُورُ ١٤٥: ١٦. رَابِعًا: مِفْتَاحُ الْقُبُورِ، أَيِ الْقِيَامَةِ، حِزْقِيَالُ ٣٧: ١٢.


الْآيَةُ ٣: لِتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ

٣. لِتَلِدَ عَلَى رُكْبَتَيَّ — أَيْ لِأَسْتَقْبِلَ الِابْنَ الْمَوْلُودَ مِنْهَا بِوَصْفِهَا جَارِيَتِي وَأَتَّخِذَهُ ابْنِي، كَمَا اعْتَادَتِ الْأُمَّهَاتُ أَنْ يُجْلِسْنَ أَوْلَادَهُنَّ عَلَى رُكَبِهِنَّ، إِشَعْيَاءُ ٦٦: ١٢. مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُخْطِئْ بِالشَّهْوَةِ حِينَ اتَّخَذَ الْجَارِيَتَيْنِ زَوْجَتَيْنِ، وَلَا زَوْجَتَاهُ حِينَ عَرَضْنَهُمَا عَلَيْهِ وَأَعْطَيْنَهُ إِيَّاهُمَا؛ بَلْ فَعَلُوا ذَلِكَ رَغْبَةً فِي الذُّرِّيَّةِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ بَرَكَةَ ذَلِكَ الزَّمَانِ، الْمَوْعُودَةَ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ. فَقَدْ طَلَبَ يَعْقُوبُ زَوْجَةً وَاحِدَةً وَتَلَقَّاهَا، وَهِيَ رَاحِيلُ؛ لَكِنْ حِينَ أُبْدِلَتْ بِلَيْئَةَ اضْطُرَّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَيْضًا؛ وَالثَّالِثَةَ، أَيْ جَارِيَتَهَا، أَضَافَتْهَا رَاحِيلُ هُنَا لِأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا لِتَتَبَنَّى مِنْهَا أَبْنَاءً عَلَى الْأَقَلِّ؛ وَبِالْمِثْلِ أَضَافَتْ لَيْئَةُ الرَّابِعَةَ بَعْدَ أَنْ كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ، الْآيَةُ ٩. هَكَذَا الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.


الْآيَةُ ٦: قَضَى لِيَ الرَّبُّ (دَانُ)

٦. قَضَى لِيَ الرَّبُّ — كَأَنَّهَا تَقُولُ: كُنْتُ مَعَ أُخْتِي فِي نَوْعٍ مِنَ النِّزَاعِ وَالتَّنَافُسِ: فَقَدْ تَنَافَسْتُ مَعَهَا عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالْخِصْبِ، وَحَتَّى الْآنَ كُنْتُ أَدْنَى مِنْهَا لِأَنِّي كُنْتُ عَاقِرًا؛ لَكِنَّنِي الْآنَ تَفَوَّقْتُ عَلَيْهَا، وَقَضَى اللهُ لِصَالِحِي، فَلَمْ أَعُدْ أُعْتَبَرُ عَاقِرًا بَلْ مُثْمِرَةً وَوَلُودًا تَمَامًا كَأُخْتِي. وَلِذَلِكَ سَمَّتِ ابْنَهَا دَانَ، أَيْ حُكْمٌ، أَوْ دَعْوَى، أَيْ حَكَمَ اللهُ فِيهَا لِصَالِحِي.


الْآيَةُ ٨: قَارَنَنِيَ اللهُ بِأُخْتِي (نَفْتَالِي)

٨. قَارَنَنِيَ اللهُ بِأُخْتِي. — فِي الْعِبْرِيَّةِ: نَفْتُولِي إِلُوهِيمْ نِفْتَالْتِي، وَتَرْجَمَهَا الْكَلْدَانِيُّ: قَارَنَنِيَ اللهُ وَقَدْ قُورِنْتُ؛ وَالسَّبْعِينِيَّةُ: قَبِلَنِي اللهُ وَقَدْ قُورِنْتُ. لَكِنَّ التَّرْجَمَةَ الْحَرْفِيَّةَ: بِمُصَارَعَاتِ اللهِ (أَيْ عَظِيمَةٍ وَصَعْبَةٍ: فَإِنَّ الْأُمُورَ الْعَظِيمَةَ يُقَالُ إِنَّهَا «للهِ») صَارَعْتُ بِمَكْرٍ، وَغَلَبْتُ. وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُصَارِعِينَ الَّذِينَ يَتَشَابَكُونَ بِأَطْرَافِهِمْ تَارَةً فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ وَتَارَةً فِي ذَاكَ، حَيْثُ يَلْوِي أَحَدُهُمُ الْآخَرَ لِيَطْرَحَهُ أَرْضًا؛ وَهَذَا أَمْرُ دَهَاءٍ وَمَكْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ أَمْرُ قُوَّةٍ وَبَأْسٍ. فَإِنَّ الْجِذْرَ بَتَلَ يَعْنِي اللَّيَّ، وَاللَّيَّ بِمَكْرٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُصَارِعُونَ بِدَهَاءٍ وَخِدَاعٍ: وَمِنْ هُنَا يُسَمَّى بَتِيلُ خَيْطًا مَفْتُولًا، وَيُسَمَّى نِفْتَالُ مُخَادِعًا وَغَشَّاشًا. فَتَقُولُ رَاحِيلُ إِذًا: تَنَافَسْتُ وَصَارَعْتُ لَيْئَةَ عَلَى الْخِصْبِ وَمَجْدِ الذُّرِّيَّةِ، وَقَدْ غَلَبْتُهَا الْآنَ بِمَكْرٍ وَهِيَ لَمْ تَعُدْ تَلِدُ، إِذْ أَقَمْتُ بِذَكَاءٍ وَحِيلَةٍ جَارِيَتِيَ الْخِصْبَةَ مَقَامَ نَفْسِي الْعَاقِرِ عِنْدَ زَوْجِي: وَلِذَلِكَ سَمَّتِ ابْنَهَا نَفْتَالِي، كَأَنَّهَا تَقُولُ: الْمُصَارِعُ، الْمُنَافِسُ، وَبِمَكْرٍ وَدَهَاءٍ. وَمِنْ هُنَا فَسَّرَ يُوسِيفُوسُ نَفْتَالِي بِمَعْنَى «الْمَاهِرُ»، أَيِ الدَّاهِيَةُ وَالْمَاكِرُ؛ أَمَّا أُولِيَاسْتِرُ فَتَرْجَمَهُ بِـ«الْمُلْتَفُّ»، وَهُوَ يَؤُولُ إِلَى الْمَعْنَى نَفْسِهِ: فَإِنَّ الْمَاكِرِينَ اعْتَادُوا أَنْ يَلُفُّوا حِيَلَهُمْ وَيُخْفُوهَا.


الْآيَةُ ١١: بِسَعَادَةٍ (جَادُ)

١١. بِسَعَادَةٍ. — فِي الْعِبْرِيَّةِ: بَاجَادْ، وَيُمْكِنُ قِرَاءَتُهُ وَتَرْجَمَتُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَوَّلًا، مُنْفَصِلًا: بَا جَادْ، أَيْ جَاءَتْ فِرْقَةٌ أَوْ جَيْشٌ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: قَدْ وَلَدْتُ مِنَ الْبَنِينَ مَا يَكْفِي لِأُشَكِّلَ مِنْهُمْ صَفَّ قِتَالٍ. هَكَذَا الْكَلْدَانِيُّ وَأَكِيلَا. ثَانِيًا، مُتَّصِلًا، كَمَا تَقْرَأُ الْمَخْطُوطَاتُ الْعِبْرِيَّةُ عُمُومًا: بِجَادْ، أَيْ حَظٌّ، بِحُسْنِ حَظٍّ، بِسَعَادَةٍ. هَكَذَا السَّبْعِينِيَّةُ وَمُتَرْجِمُنَا. وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَهُ الْحَاخَامُ سُلَيْمَانُ أَيْضًا: جَاءَ نَجْمٌ حَسَنٌ أَوْ كَوْكَبٌ مُبَارَكٌ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: أَشْرَقَ عَلَيَّ نَجْمٌ أَلْطَفُ، وَكَمَا يَقُولُ سِينِيكَا: هِبَةُ الْحَظِّ الْمُؤَثِّرِ.

مُلَاحَظَةٌ: الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ «جَادُ» تَعْنِي فِي الْأَصْلِ الْمُتَحَزِّمَ أَوِ الْمُسْتَعِدَّ لِلْقِتَالِ، أَيِ الْجُنْدِيَّ أَوِ الْجَيْشَ: وَمِنْ هُنَا تَعْنِي الْمِرِّيخَ، إِلَهَ الْحَرْبِ وَرَاعِيَهَا؛ وَمِنْ ثَمَّ تَعْنِي الْحَظَّ. لِأَنَّ الْأُمَمَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ الْمِرِّيخَ يَمْنَحُ الْجُنُودَ الْحَظَّ الْحَسَنَ وَالنَّصْرَ وَالْغَنَائِمَ: وَهَكَذَا بَدَلَ «جَادُ» الْمَوْجُودَةِ فِي الْعِبْرِيَّةِ، تَرْجَمَهَا مُتَرْجِمُنَا وَبَانِينُوسُ وَالْعِبْرَانِيُّونَ بِـحَظٌّ، فِي إِشَعْيَاءَ ٦٥: ١١. وَمِنْ هُنَا أَيْضًا سَمَّى الْعَرَبُ، وَفْقًا لِابْنِ عِزْرَا، «جَادَ» إِلَهًا: تَمَامًا كَمَا سَمَّى الْكِيمْبْرِيُّونَ وَالْجِرْمَانُ اللهَ «غُودْ»، مِنَ الْعِبْرِيِّ «جَادُ» كَمَا يَبْدُو (وَإِنْ كَانَ غُورُوبِيُوسُ يَظُنُّ أَنَّ «غُودْ» قِيلَتْ كَأَنَّهَا «غُوتْ»، أَيْ صَالِحٌ): فَقَدْ كَانُوا مُحَارِبِينَ؛ وَلِذَلِكَ عَبَدُوا اللهَ بِوَصْفِهِ الْمِرِّيخَ وَالْحَظَّ، أَيْ «جَادُ». فَسَمَّتْ لَيْئَةُ هَذَا الِابْنَ «جَادَ»، أَيْ حَظًّا حَسَنًا، كَمَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، رُبَّمَا لِأَنَّهَا فِي بَيْتِ لَابَانَ أَبِيهَا الْوَثَنِيِّ وَعَابِدِ الْأَصْنَامِ كَانَتْ كَثِيرًا مَا تَرَى «جَادَ»، أَيِ الْحَظَّ، يُذْكَرُ وَرُبَّمَا يُعْبَدُ. فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأُمَمِ عَبَدُوا الْحَظَّ إِلَهًا.


الْآيَةُ ١٣: هَذَا لِطُوبَاوِيَّتِي (أَشِيرُ)

١٣. «هَذَا لِطُوبَاوِيَّتِي.» — فَإِنِّي الْآنَ مُطَوَّبَةٌ بِابْنٍ سَادِسٍ؛ وَالْآنَ لَا مِنْ نَفْسِي فَحَسْبُ، بَلْ مِنْ جَارِيَتِي زِلْفَةَ أَيْضًا، كَمَا تَفْعَلُ أُخْتِي رَاحِيلُ مِنْ بِلْهَةَ، أُعْطِي نَسْلًا لِزَوْجِي؛ وَلِذَلِكَ سَتَدْعُونِي جَمِيعُ النِّسَاءِ طُوبَاوِيَّةً بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَوْلَادِي: وَمِنْ ثَمَّ سَمَّتِ ابْنَهَا أَشِيرَ، أَيْ مُبَارَكٌ. وَإِلَى هَذَا أَلْمَحَتِ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ أُمُّ اللهِ حِينَ أَنْشَدَتْ: «سَتُطَوِّبُنِي جَمِيعُ الْأَجْيَالِ.» فَمَا أَنْشَدَهُ الشَّاعِرُ عَنْ لِيفِيَا زَوْجَةِ قَيْصَرَ أُغُسْطُسَ، الَّتِي كَانَتْ أُمَّ دْرُوسُوسَ وَطِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ:

«وَلَا أُمٌّ أَسْعَدُ مِنْ أُمِّكَ، الَّتِي بِوِلَادَتَيْهَا أَعْطَتْ بَرَكَاتٍ كَثِيرَةً؛»

هَذَا يَنْطَبِقُ بِصِدْقٍ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ عَلَى الْوِلَادَةِ الْوَاحِدَةِ لِلْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ.


الْآيَةُ ١٤: وَجَدَ رَأُوبِينُ لُفَّاحًا

١٤. «وَذَهَبَ رَأُوبِينُ.» — كَانَ رَأُوبِينُ حِينَئِذٍ ابْنَ خَمْسِ سَنَوَاتٍ: فَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، مَا عَدَا بِنْيَامِينَ، وُلِدُوا لِيَعْقُوبَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ خِلَالَ السَّبْعِ سَنَوَاتِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، أَيْ سَبْعِ سَنَوَاتٍ مِنْ زَوَاجِ رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ. فَآخِرُهُمْ، يُوسُفُ، وُلِدَ فِي نِهَايَةِ هَذِهِ السَّنَوَاتِ السَّبْعِ، الْآيَةُ ٢٥. وَلِذَلِكَ، بِمَا أَنَّ لَيْئَةَ وَلَدَتْ أَرْبَعَةَ أَبْنَاءٍ لِيَعْقُوبَ فِي السَّنَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ سَنَوَاتٍ — وَهُمْ رَأُوبِينُ أَوَّلًا، ثُمَّ شِمْعُونُ ثَانِيًا، ثُمَّ لَاوِي ثَالِثًا، ثُمَّ يَهُوذَا رَابِعًا، وَبَعْدَهُ كَفَّتْ عَنِ الْوِلَادَةِ — فَلَا بُدَّ أَنَّ رَأُوبِينَ كَانَ قَدْ بَلَغَ الْخَامِسَةَ مِنْ عُمُرِهِ. فَبَعْدَ ذَلِكَ وَلَدَتْ لَيْئَةُ مِنْ جَدِيدٍ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ يَسَّاكَرَ، وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَخِيرَةِ مِنَ الْوِلَادَةِ وَلَدَتْ زَبُولُونَ.

«لُفَّاحًا.» — فِي الْعِبْرِيَّةِ دُودِيم، أَيْ ثُدِيٌّ، وَبِهَا يَفْهَمُ الْمُفَسِّرُونَ الْمُتَأَخِّرُونَ الزَّنَابِقَ. لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا أَصَابَ وَأَحْسَنَ بِكَثِيرٍ حِينَ تَرْجَمَهَا بِاللُّفَّاحِ؛ فَلِلُّفَّاحِ هَيْئَةُ الثُّدِيِّ. ثَانِيًا، هُوَ عَطِرٌ وَجَمِيلٌ. ثَالِثًا، يُسَبِّبُ النَّوْمَ؛ وَلِذَلِكَ يُعْطَى لِمَنْ يُرَادُ أَنْ يَقْطَعَهُمُ الْجَرَّاحُونَ حَتَّى لَا يَشْعُرُوا بِأَلَمِ الْقَطْعِ. رَابِعًا، يُقَالُ عِنْدَ كَثِيرِينَ إِنَّ لَهُ قُوَّةَ إِكْسِيرِ الْحُبِّ، كَمَا يَقُولُ دِيُوسْقُورِيدِسُ وَثِيُوفْرَاسْطُسُ. خَامِسًا، يُعِينُ عَلَى الْخُصُوبَةِ: فَهُوَ يُحَرِّكُ الْحَيْضَ، وَبِذَلِكَ يُنَقِّي الرَّحِمَ وَيُهَيِّئُهُ لِلْحَمْلِ، كَمَا يَقُولُ أَرِسْطُو فِي الْكِتَابِ الثَّانِي مِنْ تَكَوُّنِ الْحَيَوَانِ، وَأَبِيفَانِيُوسُ فِي الْفِيلُولُوغُسِ، الْفَصْلُ ٤.

تَقُولُ: اللُّفَّاحُ بَارِدٌ جِدًّا؛ وَلِذَلِكَ يَضُرُّ بِالْحَمْلِ. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ، الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُسَ، الْفَصْلُ ٥٦، حَيْثُ يَرَى أَنَّ اللُّفَّاحَ طَلَبَتْهُ رَاحِيلُ لَا لِلْحَمْلِ بَلْ بِسَبَبِ نُدْرَةِ الثَّمَرَةِ وَلَذَّةِ الرَّائِحَةِ. وَيُجِيبُ لِيفِينُوسُ لِيمْنِيُوسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَعْشَابِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الْفَصْلُ ١١، بِأَنَّ اللُّفَّاحَ، لِأَنَّهُ بَارِدٌ جِدًّا، يُسَبِّبُ الْعُقْمَ فِي الْمَنَاطِقِ الْبَارِدَةِ وَالْأَرْحَامِ الْبَارِدَةِ؛ لَكِنَّهُ فِي الْمَنَاطِقِ الْحَارَّةِ وَالْحَارِقَةِ، مِثْلِ الْيَهُودِيَّةِ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ حَيْثُ كَانَ يَعْقُوبُ وَرَاحِيلُ يَسْكُنَانِ، يُنْتِجُ الْخُصُوبَةَ، لِأَنَّهُ يُعَدِّلُ حَرَارَةَ الرَّحِمِ وَجَفَافَهُ وَيُرَطِّبُهُ. انْظُرْ مَزِيدًا عِنْدَ دِيُوسْقُورِيدِسَ، الْكِتَابُ ٦، الْفَصْلُ ٦، وَمَاتِّيُولِي فِي الْمَوْضِعِ نَفْسِهِ.

لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ إِذَنْ طَلَبَتْ رَاحِيلُ هَذَا اللُّفَّاحَ وَاشْتَرَتْهُ مِنْ لَيْئَةَ، لَكِنْ عَبَثًا وَدُونَ نَتِيجَةٍ: إِذْ، كَمَا يَتَّضِحُ مِمَّا يَلِي، بَقِيَتْ عَاقِرًا ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ أُخْرَى، وَبَعْدَهَا صَارَتْ خَصْبَةً لَا بِاللُّفَّاحِ بَلْ بِقُدْرَةِ اللهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ طَبِيعِيَّةً أَمْ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ، فَوَلَدَتْ يُوسُفَ.

رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ فِي الْكِتَابِ ١١: اللُّفَّاحُ، يَقُولُ — أَيْ بِالنَّوْمِ وَمَوْتِ الصَّلِيبِ — أَعَادَ الْمَسِيحُ الْحَيَاةَ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَشَفَاهَا وَجَعَلَهَا مُثْمِرَةً. وَأَيْضًا، اللُّفَّاحُ الْعَطِرُ رَمْزٌ لِلسُّمْعَةِ الطَّيِّبَةِ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ أَعْلَاهُ؛ إِذْ يَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَطْلُبَهَا وَيَسْعَى إِلَيْهَا.

يَقُولُ فِيلُونُ إِنَّ اللُّفَّاحَ يَمُدُّ جُذُورَهُ تَحْتَ الْأَرْضِ مُشَابِهًا لِجُثَّةِ إِنْسَانٍ: وَمِنْ ثَمَّ سَمَّى فِيثَاغُورَسُ هَذَا الْجَذْرَ أَنْثْرُوبُومُورْفُونْ، وَسَمَّاهُ كُولُومِيلَّا نِصْفَ إِنْسَانٍ. وَرُبَّمَا كَانَ فِي زَمَنِ رَاحِيلَ أَيْضًا مُحْتَالُونَ شَبِيهُونَ بِمُحْتَالِي زَمَانِنَا، الَّذِينَ مِنْ جَذْرِ اللُّفَّاحِ (وَإِنْ كَانَ مَاتِّيُولِي يَرَى أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لَا مِنَ اللُّفَّاحِ بَلْ مِنَ الْبَرْيُونِيَا)، الَّذِي لَهُ هَيْئَةُ فَخِذَيِ الْإِنْسَانِ وَقَدَمَيْهِ، يَنْحِتُونَ تَمَاثِيلَ صَغِيرَةً، يَزْرَعُونَ فِيهَا بُذُورَ الدُّخْنِ فِي شُقُوقٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا فَتَنْمُو مِنْهَا جُذَيْرَاتٌ صَغِيرَةٌ كَشَعْرِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَبِيعُونَهَا بِثَمَنٍ بَاهِظٍ، زَاعِمِينَ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَانَتْ كَائِنَاتٍ حَيَّةً تَحْتَ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوهَا بِخَطَرِ حَيَاتِهِمْ مِنْ تَحْتِ الْمَشَانِقِ، وَأَنَّ لَهَا قُوًى نَادِرَةً وَخَفِيَّةً — كَإِخْصَابِ الْعَاقِرِ مَثَلًا؛ فَبِهَذَا الِاعْتِقَادِ طَلَبَتْهَا رَاحِيلُ بِكُلِّ هَذَا الشَّوْقِ.


الْآيَةُ ١٦: إِلَيَّ تَدْخُلُ (يَسَّاكَرُ)

١٦. «إِلَيَّ تَدْخُلُ.» — كَانَ يَعْقُوبُ مُعْتَادًا، مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ وَالْإِنْصَافِ، أَنْ يُوَزِّعَ اللَّيَالِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ؛ وَبِمَا أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ كَانَتْ لِرَاحِيلَ، فَقَدْ تَنَازَلَتْ عَنْ حَقِّهَا لِلَيْئَةَ مُقَابِلَ ثَمَنِ اللُّفَّاحِ: إِذْ بِهَذَا الثَّمَنِ بَدَتْ لَيْئَةُ قَدِ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا مِنْ أُخْتِهَا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَفْقَ الْعَادَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي بَحَثْتُهَا فِي الْإِصْحَاحِ ٢٩، الْآيَةِ ١٨. هَكَذَا قَالَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ. وَمِنْ ثَمَّ سَمَّتْ نَسْلَهَا يَسَّاكَرَ، كَأَنَّمَا يِيشْ سَاخَارْ، أَيْ هُنَاكَ أَجْرٌ، وَهُوَ أَجْرُ لُفَّاحِي الَّتِي بِعْتُهَا لِرَاحِيلَ، أَوْ بِالْأَحْرَى أَجْرُ إِحْسَانِي وَسَخَائِي اللَّذَيْنِ بِهِمَا أَعْطَيْتُ جَارِيَتِي لِزَوْجِي، كَمَا تَقُولُ لَيْئَةُ نَفْسُهَا. وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ يَسَّاكَرَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْبَسِيطِ هُوَ نَفْسُ سَاخَارْ، أَيْ أَجْرٌ. فَحَرْفُ الْيَاءِ الْمُضَافُ وَالْمُقَدَّمُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْعَلَمِ هُوَ عَادَةً عُنْصُرٌ تَشْكِيلِيٌّ أَوْ تَكْوِينِيٌّ لِلِاسْمِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيَهْوَه، وَغَيْرِهَا. هَكَذَا قَالَتِ السَّبْعِينِيَّةُ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَيُوسِيفُوسُ.


الْآيَةُ ٢٠: زَبُولُونُ

٢٠. «زَبُولُونُ.» — زَبُولُونُ يَعْنِي مَسْكَنٌ، أَوْ مُسَاكِنٌ، كَأَنَّهَا تَقُولُ: بِسَبَبِ كَثْرَةِ أَوْلَادِي سَيُحِبُّنِي زَوْجِي، وَسَيَسْكُنُ مَعِي بِفَرَحٍ وَثَبَاتٍ.


الْآيَةُ ٢٣: أَزَالَ اللهُ عَارِي

٢٣. «عَارِي» — عُقْمِي، الَّذِي كَانَ حِينَئِذٍ عَيْبًا وَخِزْيًا.


الْآيَةُ ٢٤: لِيَزِدْنِي الرَّبُّ (يُوسُفُ)

٢٤. «لِيَزِدْنِي الرَّبُّ.» — تَتَمَنَّى رَاحِيلُ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهَا ابْنٌ ثَانٍ؛ وَمِنْ هَذِهِ الْأُمْنِيَةِ وَالرَّغْبَةِ سَمَّتِ ابْنَهَا يُوسُفَ؛ فَيُوسُفُ إِذَنْ يَعْنِي الزِّيَادَةَ، أَوِ النُّمُوَّ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٤٩، الْآيَةِ ٢٢.

وَيُقَدِّمُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ، فِي الْكِتَابِ ١١، التَّفْسِيرَ الرَّمْزِيَّ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَحَدَ عَشَرَ لِلْآبَاءِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ الرَّمْزِيُّ لِكَامِلِ هَذَا الْإِصْحَاحِ فَانْظُرْهُ عِنْدَ الْقِدِّيسِ أُغُسْطِينُسَ، الْكِتَابُ ٢٢ ضِدَّ فَاوُسْتُسَ، الْفُصُولُ ٤٦ وَمَا يَلِيهَا.


الرَّمْزُ وَالْمَعْنَى الْبَاطِنِيُّ لِلْأَسْمَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ

رَمْزِيًّا، يَتَّخِذُ رِيشَارْدُ الْفِيكْتُورِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْآبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ نَزْعَةً تَقَوِيَّةً وَفَضِيلَةً لِلنَّفْسِ. اسْمَعْهُ:

«الْخَوْفُ، الَّذِي هُوَ بِدَايَةُ الْحِكْمَةِ، هُوَ النَّسْلُ الْأَوَّلُ لِلْفَضَائِلِ. مَنْ يَرْغَبُ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ هَذَا الِابْنِ فَلْيَتَأَمَّلِ الشُّرُورَ الَّتِي ارْتَكَبَهَا، لَا بِاجْتِهَادٍ فَحَسْبُ بَلْ بِتَوَاتُرٍ أَيْضًا. مِنْ هَذَا التَّأَمُّلِ يُولَدُ الْخَوْفُ، أَيْ ذَلِكَ الِابْنُ الَّذِي يُسَمَّى بِحَقٍّ رَأُوبِينَ، أَيْ ابْنُ الرُّؤْيَةِ. وَلِذَلِكَ حِينَ يُولَدُ تَصِيحُ أُمُّهُ بِحَقٍّ: رَأَى اللهُ ذُلِّي؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ عِنْدَئِذٍ يَبْدَأُ حَقًّا فِي الرُّؤْيَةِ وَأَنْ يُرَى: يَرَى اللهَ مِنْ خِلَالِ نَظْرَةِ الْخَوْفِ، وَيَرَاهُ اللهُ مِنْ خِلَالِ عَيْنِ الرَّحْمَةِ.

«عِنْدَمَا يُولَدُ الِابْنُ الْأَوَّلُ يَتْبَعُهُ الثَّانِي، لِأَنَّ الْحُزْنَ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ خَوْفٍ عَظِيمٍ. لَكِنَّ اللهَ لَا يَحْتَقِرُ الْقَلْبَ الْمُنْكَسِرَ الْمُتَوَاضِعَ، بَلْ يَسْمَعُهُ لِأَجْلِ صَلَاحِهِ؛ وَلِذَلِكَ يُسَمَّى هَذَا الِابْنُ شِمْعُونَ، أَيْ سَمَاعٌ.

«لَكِنْ أَيُّ عَزَاءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّائِبِينَ الْحَزَانَى حَقًّا، سِوَى الرَّجَاءِ الْوَحِيدِ بِالْمَغْفِرَةِ؟ هَذَا هُوَ ثَالِثُ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ، الَّذِي يُسَمَّى لِذَلِكَ لَاوِي، أَيْ مُضَافٌ. لَمْ تُسَمِّهِ الْكَلِمَةُ الْإِلَهِيَّةُ ‹مُعْطًى› بَلْ ‹مُضَافًا›، لِئَلَّا يَتَجَرَّأَ أَحَدٌ عَلَى رَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ قَبْلَ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ اللَّائِقِ بِالتَّوْبَةِ.

«وَكَمَا أَنَّ الْحُزْنَ نَشَأَ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ الْخَوْفِ الْمُتَزَايِدِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، كَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُولَدَ الرَّجَاءُ يَنْشَأُ الْحُبُّ. هَذَا إِذَنْ هُوَ الِابْنُ الَّذِي يُولَدُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ، وَيُسَمَّى يَهُوذَا، أَيْ الْمُعْتَرِفُ، فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لِأَنَّ مَا نُحِبُّهُ نَمْدَحُهُ بِأَفْوَاهِنَا وَنَعْتَرِفُ بِهِ بِقُلُوبِنَا.

«ثُمَّ يَأْتِي دَانُ وَنَفْتَالِي، ابْنَا جَارِيَةِ رَاحِيلَ؛ وَلِأَنَّنَا بِوَاسِطَةِ وَظِيفَةِ دَانَ نَتَّهِمُ الْأَفْكَارَ الْمُغْوِيَةَ وَنُدِينُهَا وَنُعَاقِبُهَا، نُسَمِّيهِ بِحَقٍّ دَانَ، أَيْ دَيْنُونَةٌ. وَلِذَلِكَ كُتِبَ: دَانُ يَدِينُ شَعْبَهُ. فَإِذَا حَرَسَ شَعْبَهُ هَذَا جَيِّدًا، وَمَارَسَ دَيْنُونَتَهُ بِاجْتِهَادٍ، فَسَيَحْدُثُ أَنَّهُ فِي سَائِرِ الْأَسْبَاطِ نَادِرًا مَا يُوجَدُ مَا يَسْتَحِقُّ الْإِدَانَةَ.

«أَمَّا نَفْتَالِي فَيَجْلِبُ صُورَةَ الْخَيْرَاتِ الْأَبَدِيَّةِ أَمَامَ عَيْنَيِ الْعَقْلِ؛ وَلِأَنَّهُ اعْتَادَ أَنْ يُحَوِّلَ أَيَّ طَبِيعَةٍ مَعْرُوفَةٍ مِنْ طَبَائِعِ الْأَشْيَاءِ الْمَرْئِيَّةِ إِلَى فَهْمٍ رُوحَانِيٍّ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى بِحَقٍّ نَفْتَالِي، أَيْ تَحَوُّلٌ.

«فَلَمَّا رَأَتْ لَيْئَةُ أَنَّ أُخْتَهَا رَاحِيلَ تَفْرَحُ بِالنَّسْلِ الْمُتَبَنَّى، تَحَرَّكَتْ هِيَ أَيْضًا لِتُعْطِيَ جَارِيَتَهَا لِزَوْجِهَا؛ فَوُلِدَ مِنْهَا جَادُ وَأَشِيرُ، أَيْ صَرَامَةُ الزُّهْدِ وَقُوَّةُ الِانْضِبَاطِ. فَيُولَدُ جَادُ أَوَّلًا، لِأَنَّ الْأَهَمَّ أَنْ نَكُونَ أَوَّلًا مُعْتَدِلِينَ فِي خَيْرَاتِنَا الذَّاتِيَّةِ، ثُمَّ أَقْوِيَاءَ فِي احْتِمَالِ شُرُورِ الْآخَرِينَ. فَبِجَادَ تُقْمَعُ الشُّرُورُ الثَّائِرَةُ مِنَ الدَّاخِلِ؛ وَبِأَشِيرَ تُرَدُّ الشُّرُورُ الْهَاجِمَةُ مِنَ الْخَارِجِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ: جَادُ يُحَارِبُ مُتَسَلِّحًا أَمَامَهُ.

«هَذَانِ هُمَا جَادُ وَأَشِيرُ، اللَّذَانِ يُزِيلَانِ الْفَرَحَ الْبَاطِلَ وَيُدْخِلَانِ الْفَرَحَ الْحَقِيقِيَّ، وَلِذَلِكَ بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا يَأْتِي يَسَّاكَرُ الَّذِي يُفَسَّرُ بِـأَجْرٌ. فَأَيَّ أَجْرٍ آخَرَ نَطْلُبُ لِكُلِّ هَذِهِ الْمَشَقَّاتِ الْعَظِيمَةِ سِوَى الْفَرَحِ الْحَقِيقِيِّ؟

«بَعْدَ يَسَّاكَرَ يُولَدُ زَبُولُونُ الَّذِي يُفَسَّرُ بِـمَسْكَنِ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِتَذَوُّقِ الْفَرَحِ الدَّاخِلِيِّ يَتَوَلَّدُ بُغْضُ الرَّذَائِلِ وَتُكْتَسَبُ قُوَّةُ الشَّجَاعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ. هَذَا هُوَ زَبُولُونُ الَّذِي بِغَضَبِهِ اعْتَادَ أَنْ يُسَكِّنَ غَضَبَ اللهِ، وَالَّذِي بِثَوْرَتِهِ التَّقِيَّةِ ضِدَّ رَذَائِلِ الْبَشَرِ، بِعَدَمِ إِشْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِيًّا، يُشْفِقُ عَلَيْهِمْ بِصُورَةٍ أَفْضَلَ.» ثُمَّ يُبَرْهِنُ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْثِلَةِ مُوسَى وَفِينَحَاسَ وَإِيلِيَّا.

لَكِنْ مَا أَصْعَبَ الْحِفَاظَ عَلَى جَمِيعِ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ هَؤُلَاءِ — أَعْنِي فَضَائِلَ النَّفْسِ — بِدُونِ التَّمْيِيزِ! يُمْكِنُ اسْتِنْتَاجُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ «بِدُونِهِ لَا نَسْتَطِيعُ اكْتِسَابَ خَيْرَاتِ النَّفْسِ وَلَا الْحِفَاظَ عَلَى مَا اكْتَسَبْنَاهُ مِنْهَا. هَذَا إِذَنْ هُوَ يُوسُفُ، الَّذِي يُولَدُ مُتَأَخِّرًا حَقًّا لَكِنَّهُ يُحِبُّهُ أَبُوهُ أَكْثَرَ مِنَ الْبَاقِينَ: الَّذِي يَعْرِفُ لَا أَنْ يَنْمُوَ مَعَ الْفَضَائِلِ النَّامِيَةِ فَحَسْبُ، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ مَعَ الْمُتَقَدِّمِينَ؛ بَلْ أَيْضًا أَنْ يَتَّجِهَ نَحْوَ التَّقَدُّمِ مِنْ عُثُرَاتِ إِخْوَتِهِ، وَأَنْ يَكْتَسِبَ أَرْبَاحَ الْحِكْمَةِ مِنْ خَسَائِرِ الْآخَرِينَ. وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ أَبُوهُ بِحَقٍّ يُوسُفَ، أَيْ الزِّيَادَةُ، وَالِابْنُ النَّامِي؛ تَسْجُدُ لَهُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، أَيِ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْإِخْوَةُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْفَضَائِلِ تُكْرِمُ التَّمْيِيزَ بِوَصْفِهِ سَيِّدَهَا وَمُرْشِدَهَا.»

يَأْتِي بِنْيَامِينُ فِي الْمُؤَخِّرَةِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، وَهُوَ لِأُمِّهِ حَقًّا بِنْ أُونِي، أَيْ ابْنُ الْحُزْنِ: لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهِ تَمُوتُ، مِنْ قَلَقِ الْوِلَادَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَعِظَمِ الْأَلَمِ فِي الْمَخَاضِ. فَمَا مَوْتُ رَاحِيلَ إِلَّا قُصُورُ الْعَقْلِ فِي التَّأَمُّلِ؟ أَلَمْ تَكُنْ رَاحِيلُ قَدْ مَاتَتْ حِينَئِذٍ، وَكُلُّ حِسِّ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ قَدْ تَلَاشَى فِي الرَّسُولِ حِينَ قَالَ: أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ، لَسْتُ أَعْلَمُ؛ اللهُ يَعْلَمُ. فَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بِالْمُحَاجَّةِ أَنْ يَخْتَرِقَ سَنَاءَ ذَلِكَ النُّورِ الْإِلَهِيِّ؛ وَلَا يَعْتَقِدَنَّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بِالتَّعَقُّلِ الْبَشَرِيِّ أَنْ يُدْرِكَهُ. يَجِبُ أَنْ تَمُوتَ رَاحِيلُ لِيُولَدَ بِنْيَامِينُ الْمُنْخَطِفُ.»


الْآيَةُ ٢٥: اصْرِفْنِي

٢٥. وَلَمَّا وُلِدَ يُوسُفُ، قَالَ يَعْقُوبُ لِحَمِيهِ: اصْرِفْنِي — فَإِنِّي قَدْ أَتْمَمْتُ الْآنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الْخِدْمَةِ الَّتِي أَلْزَمْتُ بِهَا نَفْسِي لَكَ مِنْ أَجْلِ رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ، الْإِصْحَاحُ ٢٩، الْآيَتَانِ ١٨ وَ٢٧.

مِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ يُوسُفَ وُلِدَ فِي نِهَايَةِ السَّبْعِ سَنَوَاتٍ الثَّانِيَةِ، أَيْ عِنْدَ اكْتِمَالِ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ مِنْ وُصُولِ يَعْقُوبَ وَخِدْمَتِهِ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، أَيْ فِي بَيْتِ لَابَانَ. فَإِذْ كَانَ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ لِلَابَانَ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الْخِدْمَةِ، لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَطْلُبَ حُرِّيَّتَهُ وَإِطْلَاقَ سَرَاحِهِ إِلَّا بَعْدَ اكْتِمَالِهَا؛ فَإِذْ يَطْلُبُ هُنَا إِطْلَاقَ سَرَاحِهِ فَوْرَ وِلَادَةِ يُوسُفَ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ السَّنَوَاتِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ كَانَتْ قَدِ اكْتَمَلَتْ عِنْدَ وِلَادَةِ يُوسُفَ؛ وَمَعَ ذَلِكَ بَقِيَ يَعْقُوبُ سِتَّ سَنَوَاتٍ أُخْرَى عِنْدَ لَابَانَ. إِذْ إِنَّهُ، كَمَا سَيَأْتِي، دَخَلَ سَرِيعًا فِي عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ لَابَانَ، بِحَيْثُ أَنَّهُ كَمَا خَدَمَهُ قَبْلًا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ أَجْلِ رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ، فَكَذَلِكَ مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا يَخْدِمُهُ لِقَاءَ حِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْقَطِيعِ: وَهَكَذَا بَعْدَ وِلَادَةِ يُوسُفَ خَدَمَ يَعْقُوبُ لَابَانَ سِتَّ سَنَوَاتٍ أُخْرَى، أَيْ عِشْرِينَ سَنَةً فِي الْمَجْمُوعِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣١، الْآيَةِ ٤١.

وَأَيْضًا، وُلِدَ يُوسُفُ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ مِنْ عُمُرِ أَبِيهِ يَعْقُوبَ. وَيَتَّضِحُ هَذَا مِنْ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَوَقَفَ أَمَامَ فِرْعَوْنَ وَعُمُرُهُ مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، التَّكْوِينُ ٤٧: ٩، كَانَ يُوسُفُ آنَذَاكَ ابْنَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً؛ فَإِنَّ يُوسُفَ لَمَّا جَعَلَهُ فِرْعَوْنُ حَاكِمًا عَلَى مِصْرَ كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، التَّكْوِينُ الْإِصْحَاحُ ٤١، الْآيَةُ ٤٦؛ وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ تَلَتْهُ مُبَاشَرَةً سَبْعُ سَنَوَاتِ الْخِصْبِ الَّتِي تَنَبَّأَ بِهَا يُوسُفُ؛ ثُمَّ سَبْعُ سَنَوَاتِ الْمَجَاعَةِ، وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا نَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ، الْإِصْحَاحُ ٤٥، الْآيَاتُ ٦ وَمَا بَعْدَهَا. إِذَنْ نَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ بَعْدَ تَوَلِّي يُوسُفَ الْحُكْمَ، حِينَ كَانَ يُوسُفُ فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ يَعْقُوبُ آنَذَاكَ فِي الْمِئَةِ وَالثَّلَاثِينَ. فَاطْرَحِ الْآنَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ يُوسُفَ مِنْ مِئَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، تَحْصُلْ عَلَى ٩١ بِوَصْفِهَا السَّنَةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا يُوسُفُ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ. وَمِنْ هَاتَيْنِ النُّقْطَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذُكِرَتَا وَأُثْبِتَتَا، يَنْتُجُ بِوُضُوحٍ أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ قَدْ نَالَ الْبَرَكَةَ مِنْ عِيسُو وَفَرَّ لِذَلِكَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ فِي السَّابِعَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ (كَمَا قُلْتُ فِي بِدَايَةِ الْإِصْحَاحِ ٢٧)، إِذْ بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنَ الْوُصُولِ وَالْخِدْمَةِ فِي بَيْتِ لَابَانَ، أَيْ فِي سَنَتِهِ الْحَادِيَةِ وَالتِّسْعِينَ، وُلِدَ لَهُ يُوسُفُ.


الْآيَةُ ٢٧: عَلِمْتُ بِالِاخْتِبَارِ

٢٧. عَلِمْتُ بِالِاخْتِبَارِ أَنَّ اللهَ بَارَكَنِي بِسَبَبِكَ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنْتَ مَحْظُوظٌ، وَأَنَا مَحْظُوظٌ بِسَبَبِكَ؛ لَقَدْ جَلَبْتَ حَظَّكَ الطَّيِّبَ مَعَكَ إِلَى بَيْتِي.

مُلَاحَظَةٌ: تُعَلِّمُ التَّجْرِبَةُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مَحْظُوظُونَ، بِحَيْثُ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُونَهُ يَنْجَحُ، بَلْ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ بُيُوتَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِيهَا وَأَهْلَهَا مَحْظُوظِينَ أَيْضًا: وَمِنْ هُنَا يُسَمَّوْنَ «ذَوِي الْقَدَمِ الطَّيِّبَةِ»، وَعِنْدَ الْقَرْطَاجِيِّينَ يُسَمَّوْنَ «نَامْفَانِيُونَ»، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي الرِّسَالَةِ ٤٤؛ وَآخَرُونَ مَنْحُوسُونَ، بِحَيْثُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَسُوءُ لَهُمْ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعِدَّ وَرُتِّبَ بِأَعْظَمِ حِكْمَةٍ. وَمِنْ هُنَا فِي الْحَرْبِ وَفِي اخْتِيَارِ الْقَائِدِ، يُفْحَصُ بِعِنَايَةٍ بَالِغَةٍ مَا إِذَا كَانَ الْمُرَشَّحُ مَحْظُوظًا أَمْ مَنْحُوسًا.

هَكَذَا كَانَ الْإِسْكَنْدَرُ مَحْظُوظًا فِي الْحَرْبِ، إِذْ فَتَحَ الْعَالَمَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَهَكَذَا كَانَ بُولِيكْرَاتِيسُ، طَاغِيَةُ سَامُوسَ، مَحْظُوظًا. وَهَكَذَا كَانَ يُولِيُوسُ قَيْصَرُ مَحْظُوظًا، حَتَّى حِينَ كَانَ يُقْدِمُ عَلَى أَعْظَمِ الْمُغَامَرَاتِ بِمُنْتَهَى التَّهَوُّرِ، وَلِذَلِكَ، إِذْ كَانَ يَثِقُ بِحَظِّهِ هَذَا، تَغَلَّبَ عَلَى جَمِيعِ الْأَخْطَارِ؛ وَمِنْ ثَمَّ حِينَ أَبْحَرَ مِنْ مَقْدُونِيَةَ إِلَى بْرِنْدِيسِي فِي أَخْطَرِ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، قَالَ لِلرُّبَّانِ الْخَائِفِ: «لَا تَخَفْ؛ فَإِنَّكَ تَحْمِلُ قَيْصَرَ الْمَحْظُوظَ.»

كَذَلِكَ فِي هَذَا الْقَرْنِ كَانَ الْإِمْبِرَاطُورُ كَارْلُوسُ الْخَامِسُ مَحْظُوظًا، وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَ مَرْهُوبَ الْجَانِبِ عِنْدَ الْأَتْرَاكِ، حَتَّى إِنَّ جُنُودَهُ كَانُوا لَا يُقْهَرُونَ تَحْتَ قِيَادَتِهِ؛ لَكِنَّهُمْ فِيمَا بَعْدُ، إِذِ اسْتَأْجَرَهُمْ فْرَنْسِيسُ مَلِكُ فَرَنْسَا، بَدَّلُوا حَظَّهُمْ مَعَ قَائِدِهِمْ، كَمَا يَقُولُ بَاوْلُوسُ يُوفِيُوسُ. كَذَلِكَ كَانَ هِنْرِيكُوسُ الرَّابِعُ، مَلِكُ فَرَنْسَا، مَحْظُوظًا فِي نَيْلِ الْمُلْكِ وَتَدْبِيرِهِ حَتَّى مَوْتِهِ. وَأَخِيرًا، يُعَلِّمُ بْلُوتَارْخُسُ فِي كِتَابِهِ عَنْ حَظِّ الرُّومَانِ أَنَّ الْحَظَّ لَا يَقِلُّ عَنِ الْفَضِيلَةِ فِي رَفْعِ الرُّومَانِ إِلَى تِلْكَ الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ.

فَإِنْ سَأَلْتَ: مَا سَبَبُ هَذَا التَّفَاوُتِ؟ فَالْوَثَنِيُّونَ الْعُمْيَانُ حَكَمُوا بِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ «الْحَظُّ»، إِلَهَةٌ عَمْيَاءُ تَنْفُخُ السَّعَادَةَ حَتَّى فِي الْأَشْرَارِ وَغَيْرِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَا وَفْقَ الِاسْتِحْقَاقِ بَلْ عَشْوَائِيًّا، وَكَثِيرًا مَا تَنْفُخُ الشَّقَاءَ فِي الصَّالِحِينَ وَالْمُسْتَحِقِّينَ؛ وَعُلَمَاءُ الْأَبْرَاجِ نَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى قَدَرِ كُلِّ شَخْصٍ. وَالْمُنَجِّمُونَ أَرْجَعُوهُ إِلَى النُّجُومِ وَالطَّالِعِ. وَالْعَامَّةُ يَظُنُّونَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَحْدُثُ مُصَادَفَةً. فَنَحْنُ هُنَا نَسْتَبْعِدُ الْجِدَّ وَالْحِكْمَةَ الْبَشَرِيَّةَ، الَّتِي كَثِيرًا مَا تَكُونُ سَبَبَ النَّتِيجَةِ السَّعِيدَةِ.

لَكِنَّنِي أَقُولُ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّبَبُ فِي أَنَّ بَعْضَهُمْ مَحْظُوظُونَ وَبَعْضَهُمْ مَنْحُوسُونَ. فَإِنَّ اللهَ هُوَ رَبُّ الْجَمِيعِ، الَّذِي يُوَزِّعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَمَا يَشَاءُ. فَكَمَا يَمْنَحُ هَذَا ذَكَاءً وَثَرْوَةً وَصِحَّةً وَجَمَالًا وَقُوَّةً وَسَائِرَ مَوَاهِبِ الطَّبِيعَةِ، وَيَجْعَلُ ذَاكَ غَبِيًّا وَفَقِيرًا وَمَرِيضًا وَقَبِيحًا وَضَعِيفًا: كَذَلِكَ بِعِنَايَتِهِ الْخَاصَّةِ يَجْعَلُ هَذَا مَحْظُوظًا وَذَاكَ مَنْحُوسًا، وَيُوَجِّهُ الْأَسْبَابَ الثَّانَوِيَّةَ وَيُنَسِّقُهَا لِهَذِهِ الْغَايَةِ. وَهَذَا مَا يَقُولُهُ الْمُرَنِّمُ فِي الْمَزْمُورِ ٣٠: ٢٦: «فِي يَدَيْكَ أَقْدَارِي.» وَالْحَكِيمُ فِي الْأَمْثَالِ ١٦: ٣٣: «الْقُرْعَةُ تُلْقَى فِي الْحِضْنِ، وَمِنَ الرَّبِّ كُلُّ حُكْمِهَا.» وَابْنُ سِيرَاخَ ٣٣: ١١: الرَّبُّ «فَرَّقَهُمْ (أَيِ النَّاسَ) وَغَيَّرَ طُرُقَهُمْ؛ فَبَعْضَهُمْ بَارَكَهُمْ وَرَفَعَهُمْ، وَبَعْضَهُمْ قَدَّسَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ إِلَيْهِ، وَبَعْضَهُمْ لَعَنَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ، كَطِينِ الْخَزَّافِ فِي يَدِهِ، يُشَكِّلُهُ وَيُرَتِّبُهُ: كُلُّ طُرُقِهِ بِحَسَبِ تَدْبِيرِهِ.» فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ عَرَضِيَّةً وَاتِّفَاقِيَّةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَسْبَابِ الثَّانَوِيَّةِ، الَّتِي لَمْ تَتَوَقَّعْهَا، بَلْ تَحْدُثُ خِلَافًا لِقَصْدِهَا وَسَبَبِيَّتِهَا، كَأَنَّهَا بِالْعَرَضِ وَالْمُصَادَفَةِ: إِلَّا أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللهِ لَيْسَتِ اتِّفَاقِيَّةً، بَلْ مَعْلُومَةٌ وَمُدَبَّرَةٌ وَمُرَتَّبَةٌ فِي ذَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا حَكَمَ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرَاجُعَاتِ، الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، بِأَنَّ اسْمَ الْحَظِّ يَنْبَغِي أَنْ يُنْبَذَ مِنْ فَمِ الْمَسِيحِيِّ — أَيْ بِحَسَبِ مَفْهُومِ الْوَثَنِيِّينَ: فَإِنَّ اللهَ، كَمَا أَنَّهُ الطَّبِيعَةُ الَّتِي تُعْطِي الطَّبِيعَةَ (إِنْ جَازَ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ هَكَذَا مَعَ بَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ)، فَهُوَ كَذَلِكَ الْحَظُّ الَّذِي يُعْطِي الْحَظَّ، أَيْ هُوَ نَفْسُهُ صَانِعُ كُلِّ حَظٍّ كَمَا هُوَ صَانِعُ كُلِّ طَبِيعَةٍ؛ وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ نَسْتَنْتِجُ وَنُدْرِكُ أَنَّ هُنَاكَ عَقْلًا يَرْأَسُ كُلَّ شَيْءٍ وَيَحْكُمُ كُلَّ هَذِهِ الْأُمُورِ — أَنَّ هُنَاكَ عِنَايَةً، أَنَّ هُنَاكَ إِلَهًا. فَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهُمْ مَحْظُوظِينَ بِاسْتِمْرَارٍ فِي جَمِيعِ شُؤُونِهِمْ وَآخَرُونَ مَنْحُوسِينَ، لَوْلَا أَنَّ اللهَ يَنْفُخُ بِاسْتِمْرَارٍ السَّعَادَةَ فِي أُولَئِكَ وَالشَّقَاءَ فِي هَؤُلَاءِ؟ كَمَا يُبَرْهِنُ بِحَقٍّ أَلْبِرْتُوسُ هِيرُو فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ عَنِ الْعِنَايَةِ، الْفَصْلِ السَّابِعِ.

وَالسَّبَبُ فِي أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ النَّاسَ مُتَفَاوِتِينَ هَكَذَا فِي هَذَا الْأَمْرِ هُوَ: أَوَّلًا، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ الرَّبُّ الْمُطْلَقُ لِلْجَمِيعِ. ثَانِيًا، لِيَكُونَ فِي الْكَوْنِ دَرَجَاتٌ وَنَتَائِجُ مُتَفَاوِتَةٌ بَيْنَ النَّاسِ: فَإِنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِتَنَوُّعِ الْكَوْنِ وَجَمَالِهِ. ثَالِثًا، لِيَعْتَرِفَ النَّاسُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِاللهِ، وَلَا يَطْلُبُوا مِنْ غَيْرِهِ. وَمِنْ هُنَا وَعَدَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنْ حَفِظُوا الشَّرِيعَةَ، بِهَذِهِ السَّعَادَةِ فِي الْخَيْرَاتِ الْأَرْضِيَّةِ، لِيُقَادَ الشَّعْبُ الْبَسِيطُ بِهَذَا الرَّجَاءِ إِلَى شَرِيعَةِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ؛ وَجَعَلَ أَيْضًا الْآبَاءَ سُعَدَاءَ، لِكَيْ يَجْتَذِبَ الْأُمَمُ بِرَجَاءِ هَذِهِ السَّعَادَةِ فَيَعْتَرِفُوا بِالْإِلَهِ عَيْنِهِ وَيَعْبُدُوهُ. رَابِعًا، لِيَسْتَعْمِلَ الْمَحْظُوظُونَ حَظَّهُمْ لِمَجْدِ اللهِ وَمُسَاعَدَةِ الْآخَرِينَ؛ وَلِيَجِدَ الْمَنْحُوسُونَ فِي نُحُوسِهِمْ مَادَّةَ الْفَضِيلَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ يَجْعَلُ اللهُ الْجُزْءَ الْأَكْبَرَ مِنَ الْبَشَرِ لَا مَحْظُوظِينَ تَمَامًا وَلَا مَنْحُوسِينَ تَمَامًا، بَلْ مَحْظُوظِينَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَمَنْحُوسِينَ فِي أُخْرَى؛ وَيَنْسُجُ حَيَاتَهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ بِتَنَوُّعٍ عَجِيبٍ. خَامِسًا، لِكَيْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ، حِينَ يَرَوْنَ الصَّالِحِينَ أَحْيَانًا فِي شَقَاءٍ وَالْأَشْرَارَ فِي سَعَادَةٍ، أَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْأَرْضِيَّةِ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي ذَاتِهَا، وَيَتَعَلَّمُوا احْتِقَارَ هَذِهِ السَّعَادَةِ الْأَرْضِيَّةِ وَالتَّطَلُّعَ إِلَى السَّعَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ، الَّتِي يَقُودُنَا إِلَيْهَا الْمَسِيحُ بِكَلِمَتِهِ وَمِثَالِهِ. فَإِنَّهُ، كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي الدِّينِ الْحَقِيقِيِّ، الْفَصْلِ الْعَاشِرِ: «كُلُّ حَيَاةِ الْمَسِيحِ كَانَتْ تَعْلِيمًا لِلْأَخْلَاقِ.» فَإِنَّ الْمَسِيحَ عَلَّمَ أَنَّ جَمِيعَ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا الَّتِي احْتَقَرَهَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْتَقَرَ؛ وَبَرْهَنَ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُورِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا يَنْبَغِي أَنْ تُتَحَمَّلَ — فَلَا تُطْلَبُ السَّعَادَةُ فِي الْأُولَى وَلَا يُخْشَى الشَّقَاءُ فِي الثَّانِيَةِ.

لَاحِظْ هُنَا أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ كَثِيرٌ مِنَ الرِّجَالِ الصَّالِحِينَ الْأَتْقِيَاءِ مَنْحُوسِينَ طَبِيعِيًّا، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا سُعَدَاءُ وَسَيَكُونُونَ سُعَدَاءَ بِالنِّعْمَةِ فَوْقَ الطَّبِيعَةِ، لِأَنَّ اللهَ مِنْ خِلَالِ هَذَا الشَّقَاءِ يُوَجِّهُهُمْ إِلَى احْتِقَارِ الدُّنْيَا، وَإِلَى الْحِكْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَإِلَى مَجْدِ الصَّبْرِ وَالشَّجَاعَةِ، وَأَخِيرًا إِلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ. فَهَكَذَا «لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ كُلُّ الْأَشْيَاءِ» حَتَّى الْمَصَائِبُ «تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ؛» وَ: «طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الْأَشْرَارِ، إِلَخْ. كُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ.» وَلِذَلِكَ فِي الْأُمُورِ التَّقَوِيَّةِ وَالْفَائِقَةِ الطَّبِيعَةِ نَجِدُ أَنَّ الرِّجَالَ الْقِدِّيسِينَ، لَا سِيَّمَا الَّذِينَ يُسَلِّمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْكَامِلِ للهِ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ بِاسْتِمْرَارٍ أَنْ يُوَجِّهَهُمْ، يَحْصُلُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ — فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْفَضِيلَةِ وَالْجَهْدِ — عَلَى نَتَائِجَ مُوَفَّقَةٍ فِي الْعُمُومِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ نَتَّحِدَ نَحْنُ الَّذِينَ سَنُعَلِّمُ وَنَعِظُ وَنَسْمَعُ الِاعْتِرَافَاتِ وَنُحَوِّلُ النُّفُوسَ، إِلَخْ، بِاللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَنُصَلِّيَ أَنْ يُوَجِّهَ هُوَ نَفْسُهُ عَقْلَنَا وَيَدَنَا وَأَقْدَامَنَا وَجَمِيعَ طُرُقِنَا وَأَعْمَالِنَا، وَأَنْ نَقُولَ: «اُنْظُرْ إِلَى عَبِيدِكَ، يَا رَبُّ، وَلْيَكُنْ بَهَاءُ الرَّبِّ إِلَهِنَا عَلَيْنَا، وَوَجِّهْ أَعْمَالَ أَيْدِينَا عَلَيْنَا.» هَكَذَا وَجَّهَ اللهُ وَأَنْجَحَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ هُنَا.


الْآيَةُ ٣٠: عِنْدَ دُخُولِي

٣٠. عِنْدَ دُخُولِي — عِنْدَ حُضُورِي، أَيْ بِسَبَبِي، كَمَا يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ. اُنْظُرْ كَمْ مِنَ الْخَيْرِ يَجْلِبُهُ الرِّجَالُ الصَّالِحُونَ الْقِدِّيسُونَ لِبُيُوتِ أَسْيَادِهِمْ، حَتَّى الْأَشْرَارِ مِنْهُمْ.


الْآيَةُ ٣٢: طُفْ — افْصِلْ جَمِيعَ الْغَنَمِ

٣٢. طُفْ — سُقِ غَنَمَكَ وَمَعِزَكَ فِي دَائِرَةٍ، لِنَتَفَقَّدَهَا جَمِيعًا مَعًا وَنَفْصِلَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ عَنْ مُتَعَدِّدَةِ الْأَلْوَانِ. وَمِنْ هُنَا فِي الْعِبْرِيَّةِ إعْبُورْ، أَيْ «سَأَعْبُرُ»، وَ«سَأَتَفَقَّدُ مَعَكَ جَمِيعَ الْقُطْعَانِ.»

افْصِلْ جَمِيعَ الْغَنَمِ. — لَاحِظْ أَنَّ النَّصَّ الْعِبْرِيَّ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى آخِرِ الْإِصْحَاحِ مُعَقَّدٌ وَمُطَوَّلٌ، وَلِذَلِكَ تَرْجَمَهُ مُتَرْجِمُنَا [الْفُولْغَاتَا] بِوُضُوحٍ وَإِيجَازٍ، كَأَنَّهُ مُلَخَّصٌ، مُعْطِيًا الْمَعْنَى لَا مُتَرْجِمًا كَلِمَةً بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ هُنَا لَاحِظْ ثَانِيًا أَنَّهُ لَيْسَ عَهْدَانِ، كَمَا يُرِيدُ بَعْضُهُمْ، بَلْ عَهْدٌ وَاحِدٌ فَقَطْ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَلَابَانَ يُرْوَى هُنَا إِلَى نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ؛ إِذْ يَقْتَضِي ذَلِكَ تَرَابُطُ الْعَهْدِ وَنَتِيجَتُهُ وَالتَّسَلْسُلُ التَّارِيخِيُّ لِلْإِصْحَاحِ كُلِّهِ. فَكَانَ الْعَهْدُ إِذَنْ هَكَذَا: أَنَّ جَمِيعَ نِتَاجِ غَنَمِ لَابَانَ وَمَعِزِهِ، الَّتِي تَعَاقَدَ يَعْقُوبُ عَلَى رَعْيِهَا، وَالَّتِي سَتُولَدُ مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا، إِنْ كَانَتْ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ — أَيْ بَيْضَاءَ كُلُّهَا أَوْ سَوْدَاءَ كُلُّهَا — تَؤُولُ إِلَى لَابَانَ؛ أَمَّا إِنْ وُلِدَتْ رَقْطَاءَ وَمُتَعَدِّدَةَ الْأَلْوَانِ، أَوْ دَاكِنَةً، أَيْ سَمْرَاءَ مَائِلَةً لِلسَّوَادِ، بَيْضَاءَ جُزْئِيًّا وَسَوْدَاءَ جُزْئِيًّا، فَتَؤُولُ إِلَى يَعْقُوبَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ. وَلِهَذَا السَّبَبِ سَلَّمَ لَابَانُ الْغَنَمَ وَالْمَعِزَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ فَقَطْ لِيَعْقُوبَ لِيَرْعَاهَا، ظَانًّا أَنَّهُ سَيُولَدُ مِنْهَا نِتَاجٌ مُمَاثِلٌ أُحَادِيُّ اللَّوْنِ، وَهَكَذَا يَؤُولُ كُلُّهُ إِلَيْهِ، وَلَا يَحْصُلُ يَعْقُوبُ عَلَى شَيْءٍ أَوْ عَلَى الْقَلِيلِ جِدًّا، وَذَلِكَ فَقَطْ بِالصُّدْفَةِ وَالْعَرَضِ. أَمَّا بَاقِي الْغَنَمِ وَالْمَعِزِ مُتَعَدِّدَةِ الْأَلْوَانِ فَأَبْعَدَهَا عَنْ يَعْقُوبَ وَفَصَلَهَا، وَاحْتَفَظَ لِنَفْسِهِ بِتِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ وَبِجَمِيعِ نِتَاجِهَا، سَوَاءٌ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ كَانَتْ أَمْ مُتَعَدِّدَةَ الْأَلْوَانِ.

دَاكِنٌ وَرَقْطَاءُ وَمُتَنَوِّعٌ — «الدَّاكِنُ» يَعْنِي الْقَاتِمَ أَوِ الْمَائِلَ إِلَى السَّوَادِ، الَّذِي يَمْتَزِجُ فِيهِ الْبَيَاضُ بِالسَّوَادِ، بِحَيْثُ يَبْدُو أَبْيَضَ جُزْئِيًّا وَأَسْوَدَ جُزْئِيًّا. وَ«الرَّقْطَاءُ»، بِالْعِبْرِيَّةِ طَالُو، هِيَ الَّتِي فِيهَا بُقَعٌ كَبِيرَةٌ بَيْضَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ. وَ«الْمُتَنَوِّعُ»، أَيْ ذُو الصُّوفِ الْمُنَقَّطِ، بِالْعِبْرِيَّةِ نَاقُودْ، أَيْ «الْمُنَقَّطُ»، هُوَ الَّذِي تَتَخَلَّلُهُ بُقَعٌ صَغِيرَةٌ بَيْضَاءُ أَوْ سَوْدَاءُ كَأَنَّهَا نُقَطٌ.

فِي الْغَنَمِ وَفِي الْمَعِزِ عَلَى السَّوَاءِ — يَظُنُّ بَعْضُهُمْ مِنَ الْعِبْرِيَّةِ أَنَّ لَابَانَ مَيَّزَ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْمَعِزِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ: فَفِي الْغَنَمِ تَؤُولُ الْبَيْضَاءُ الْخَالِصَةُ فَقَطْ إِلَى لَابَانَ، بَيْنَمَا تَؤُولُ الدَّاكِنَةُ وَالْمُتَنَوِّعَةُ إِلَى يَعْقُوبَ؛ وَفِي الْمَعِزِ تَكُونُ الْمُتَنَوِّعَةُ وَالرَّقْطَاءُ لِيَعْقُوبَ، وَالدَّاكِنَةُ وَالْبَيْضَاءُ لِلَابَانَ. لَكِنَّ الْعَكْسَ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ مُتَرْجِمُنَا [الْفُولْغَاتَا]، أَيْ أَنَّ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ — فِي الْغَنَمِ وَالْمَعِزِ عَلَى السَّوَاءِ — تَؤُولُ إِلَى لَابَانَ، وَمُتَعَدِّدَةَ الْأَلْوَانِ إِلَى يَعْقُوبَ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ نَفْسَهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْمَعِزِ وَالْغَنَمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.


الْآيَةُ ٣٣: عَدَالَتِي تَشْهَدُ لِي

٣٣. وَعَدَالَتِي تَشْهَدُ لِي غَدًا — كَأَنَّهُ يَقُولُ: الطَّبِيعَةُ تَمِيلُ إِلَى صَالِحِكَ فِي أَمْرِ الْمَاشِيَةِ، فَالْبِيضُ تُولَدُ مِنَ الْبِيضِ وَالسُّودُ مِنَ السُّودِ؛ لَكِنَّ الْعَدَالَةَ سَتَكُونُ فِي صَفِّي، تَشْهَدُ لِي، أَيْ تُكَافِئُنِي. فَإِنَّ اللهَ، كَمَا أَثِقُ وَثُوقًا رَاسِخًا، سَيَنْظُرُ إِلَى تَوَاضُعِي وَيُجَازِي عَمَلِي بِأَجْرٍ عَادِلٍ، ذَلِكَ الْأَجْرَ الَّذِي تُحَاوِلُ أَنْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ عَنِّي بِعَقْدٍ جَائِرٍ — أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ مِنْ حَيَوَانَاتِكَ أُحَادِيَّةِ اللَّوْنِ نِتَاجًا مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ لِي. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ.

هَكَذَا يُقَالُ فِي إِشَعْيَا ٥٩: ١٢: «خَطَايَانَا شَهِدَتْ عَلَيْنَا» — كَأَنَّ خَطَايَانَا، إِذِ اسْتُجْوِبَتْ كَأَنَّهَا أَمَامَ اللهِ الدَّيَّانِ، اعْتَرَفَتْ بِالْحَقِيقَةِ — أَيْ أَنَّنَا ارْتَكَبْنَاهَا؛ وَلِذَلِكَ شَهِدَتْ بِأَنَّنَا مُسْتَحِقُّونَ لِلْعِقَابِ وَحَكَمَتْ عَلَيْنَا بِهِ. فَأُنْزِلَ بِنَا ذَلِكَ الْعِقَابُ وَهُوَ يُنَادِي بِأَنَّنَا خُطَاةٌ. وَفِي هُوشَعَ ٥: ٥: «كِبْرِيَاءُ إِسْرَائِيلَ تَشْهَدُ (تُعْلِنُ، تَصْرُخُ، تَتَّهِمُ) فِي وَجْهِهِ» — أَيْ عَلَانِيَةً، جَهَارًا، بِلَا أَيِّ احْتِرَامٍ لِصَاحِبِهَا. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ الصَّالِحَةَ وَالشِّرِّيرَةَ هِيَ شُهُودُ قَدَاسَتِهِمْ أَوْ شَرِّهِمْ، وَتُدْلِي بِشَهَادَتِهَا عَلَانِيَةً أَمَامَ اللهِ الدَّيَّانِ — بَلْ إِنْ كَانَتْ فَظِيعَةً فَإِنَّهَا تَصْرُخُ إِلَى السَّمَاءِ. هَذَا إِذَنْ هُوَ عَزَاءُ الْبَارِّ، هَذَا هُوَ عَزَاءُ الشَّهِيدِ، لِيَقُولَ مَعَ الْقِدِّيسِ لَوْرِنْتِيُوسَ: «امْتَحَنْتَنِي بِالنَّارِ فَلَمْ تُوجَدْ فِيَّ إِثْمٌ.» وَمِنْ هُنَا يُولَدُ فَرَحٌ لَا يُوصَفُ وَعَظَمَةُ نَفْسٍ تَحْتَقِرُ كُلَّ عَذَابٍ وَتَضْحَكُ مِنْهُ.

اسْمَعْ رُوحَ شَهِيدِنَا أُوغِيلْفِي، الَّذِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ ١٦١٥ فِي إِسْكُتْلَنْدَا كَانَ أَوَّلَ مَنِ احْتَمَلَ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِ الْإِيمَانِ الْقَوِيمِ. فَلَمَّا أَجْبَرَهُ الْجَلَّادُونَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ عَلَى السَّهَرِ الْمُتَوَاصِلِ بِأَنْ يَطْعَنُوهُ بِالْأَقْلَامِ الْمُدَبَّبَةِ وَالْإِبَرِ وَالدَّبَابِيسِ بِاسْتِمْرَارٍ، وَهَدَّدُوهُ بِأَحْذِيَةِ سَحْقِ السَّاقَيْنِ وَبِأَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ مَرَارَةً، أَجَابَ بَطَلُ الْمَسِيحِ: «أَيُّهَا الْجَلَّادُونَ الْأَفَاضِلُ، أَنَا أَعُدُّكُمْ جَمِيعًا لَا شَيْءَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؛ اُمْضُوا وَفْقَ خُبْثِكُمُ الْهَرْطُوقِيِّ — لَا أُبَالِي بِكُمْ؛ لَمْ أَسْأَلْ أَحَدًا، وَلَنْ أَسْأَلَ أَبَدًا، وَلَطَالَمَا احْتَقَرْتُكُمْ. أَسْتَطِيعُ وَأُرِيدُ أَنْ أَحْتَمِلَ بِفَرَحٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَطِيعُونَ أَنْتُمْ مَعَ جَمِيعِ الْآخَرِينَ أَنْ تُنْزِلُوا بِي. كُفُّوا عَنْ تَهْدِيدِي بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ فَرِّضُوهَا عَلَى النِّسَاءِ الْمَجْنُونَاتِ. هَذِهِ الْأُمُورُ تُلْهِبُنِي وَلَا تُرْهِبُنِي: أَنَا أَضْحَكُ مِنْهَا كَمَا أَضْحَكُ مِنْ نَقْنَقَةِ أَسْرَابِ الْإِوَزِّ.» قَالَهَا وَفَعَلَهَا؛ بَلْ إِنَّهُ أَلَحَّ عَلَيْهِمْ وَطَالَبَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِتَهْدِيدِهِمْ — أَيْ أَنْ يُنْزِلُوا بِهِ الْعَذَابَاتِ الَّتِي هَدَّدُوهُ بِهَا. وَلِلْمُتَعَجِّبِينَ قَالَ: «أَنَا أَفْتَخِرُ بِالْقَضِيَّةِ، وَأَنْتَصِرُ بِمِثْلِ هَذَا الْعَذَابِ؛ نَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الَّذِي يُقَوِّينَا.»

غَدًا — فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ. حِينَ يَأْتِي الْوَقْتُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ — حِينَ يَحِينُ، وَفْقَ عَهْدِكَ وَتَرْتِيبِكَ، فِي نِهَايَةِ السَّنَةِ، مَوْعِدُ تَقْسِيمِ النِّتَاجِ، بِحَيْثُ يَؤُولُ مُتَعَدِّدُ الْأَلْوَانِ إِلَيَّ وَأُحَادِيُّ اللَّوْنِ إِلَيْكَ.

يَتَّهِمُونَنِي بِالسَّرِقَةِ — إِنْ وَجَدْتَ، أَيْ، نِتَاجًا أُحَادِيَّ اللَّوْنِ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ غَيْرَ مُتَعَدِّدِ الْأَلْوَانِ فِي قَطِيعِي الْخَاصِّ، خِلَافًا لِلْعَهْدِ الْمُبْرَمِ مَعَكَ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَأُسَلِّمُكَ بِأَمَانَةٍ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ؛ وَأَحْتَفِظُ لِنَفْسِي بِمُتَعَدِّدَةِ الْأَلْوَانِ؛ لَنْ أَسْرِقَ أَوْ أُخْفِيَ شَيْئًا مِنْ أُحَادِيَّةِ اللَّوْنِ سِرًّا.


الْآيَةُ ٣٥: وَفَصَلَ

٣٥. وَفَصَلَ — يَظُنُّ بَعْضُهُمْ مِنَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلِي مُبَاشَرَةً أَنَّ هَذَا كَانَ عَهْدًا مُخْتَلِفًا ثَانِيًا بَيْنَ لَابَانَ وَيَعْقُوبَ: فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْعَهْدَ الْأَوَّلَ قَدْ آلَ فِي صَالِحِ يَعْقُوبَ وَأَنَّ كُلَّ النِّتَاجِ وُلِدَ مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ، يَظُنُّونَ أَنَّهُ لِذَلِكَ غَيَّرَ الْعَهْدَ وَأَرَادَ الْعَكْسَ — أَيْ أَنَّ مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ يَؤُولُ إِلَيْهِ هُوَ، وَأُحَادِيَّ اللَّوْنِ إِلَى يَعْقُوبَ. لَكِنَّ هَذَا غَيْرُ مُقْنِعٍ، فَإِنَّ سِيَاقَ الرِّوَايَةِ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُرْوَى هُنَا هُوَ فَقَطْ تَنْفِيذُ الْعَهْدِ الْأَوَّلِ.

وَسَلَّمَ الْقَطِيعَ كُلَّهُ أُحَادِيَّ اللَّوْنِ إِلَى أَيْدِي بَنِيهِ — يَظُنُّ أَبُولِنْسِيسُ وَلِيرَانُوسُ وَلِيبُومَانُوسُ وَكَايِيتَانُوسُ أَنَّ نَصَّنَا هُنَا مُحَرَّفٌ وَيَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِإِضَافَةِ النَّفْيِ «لَا» — كَأَنَّ لَابَانَ سَلَّمَ لِبَنِيهِ لَا أُحَادِيَّ اللَّوْنِ، أَيْ مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ، لِيَرْعَوْهُ، وَأُحَادِيَّ اللَّوْنِ لِيَعْقُوبَ، لِكَيْ يُولَدَ مِنْهُ نِتَاجٌ أُحَادِيُّ اللَّوْنِ مُمَاثِلٌ يَؤُولُ لَا إِلَى يَعْقُوبَ بَلْ إِلَيْهِ هُوَ؛ فَهَذَا مَا يَبْدُو أَنَّ الْعِبْرِيَّةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْعِبْرِيَّةَ مُتَشَابِكَةٌ وَيُمْكِنُ تَرْجَمَتُهَا بِطُرُقٍ مُتَعَاكِسَةٍ، وَلِذَلِكَ يَحِقُّ لَكَ أَنْ تُتَرْجِمَهَا مَعَ مُتَرْجِمِنَا [الْفُولْغَاتَا] هَكَذَا: «كُلَّ مَا كَانَ فِيهِ بَيَاضٌ وَكُلَّ أَسْوَدَ بَيْنَ الْحُمْلَانِ (أَيْ كُلَّ الْحُمْلَانِ أُحَادِيَّةِ اللَّوْنِ) سَلَّمَهُ إِلَى أَيْدِي بَنِيهِ.»

ثَانِيًا، يُعْذِرُ بِيرِيرِيُوسُ مُتَرْجِمَنَا قَائِلًا إِنَّ هُنَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا — كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَلَّمَ لَابَانُ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ لِبَنِيهِ لَا الْآنَ، بَلْ بَعْدَ وِلَادَةِ الْغَنَمِ الَّتِي تُرْوَى فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ. لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا يَبْدُو مُتَكَلَّفًا وَمُتَعَسَّفًا.

أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ لَابَانَ سَلَّمَ الْغَنَمَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ لِيَرْعَاهَا بَنُوهُ، الَّذِينَ كَانَ يَعْقُوبُ يُسَاعِدُهُمْ وَيُشْرِفُ عَلَيْهِمْ. فَإِنَّهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ كَانَ قَدْ أَوْكَلَ قَطِيعَهُ كُلَّهُ إِلَى يَعْقُوبَ، وَأَضَافَ إِلَيْهِ بَنِيهِ رُعَاةً وَحُرَّاسًا حَسَبَ الْعَادَةِ، لِئَلَّا يَسْرِقَ يَعْقُوبُ خِدَاعًا الْغَنَمَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ خِلَافًا لِلْعَهْدِ. وَهَكَذَا فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٤٣، يُسَمِّي لَابَانُ نَفْسُهُ أَهْلَ بَيْتِ يَعْقُوبَ أَهْلَهُ. فَسَلَّمَ لَابَانُ إِذَنْ لِيَعْقُوبَ مَعَ سَائِرِ بَنِيهِ الْغَنَمَ وَالْمَعِزَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ، رَاجِيًا أَنْ يُولَدَ مِنْهَا نِتَاجٌ أُحَادِيُّ اللَّوْنِ مُمَاثِلٌ لَهُ. أَمَّا الْغَنَمُ مُتَعَدِّدَةُ الْأَلْوَانِ فَفَصَلَهَا وَاحْتَفَظَ بِهَا لِنَفْسِهِ مَعَ خُدَّامِهِ لِيَرْعَوْهَا، لِئَلَّا يَدَّعِيَ يَعْقُوبُ لِنَفْسِهِ — بِمُوجِبِ شُرُوطِ الْعَهْدِ — كُلَّ النِّتَاجِ مُتَعَدِّدِ الْأَلْوَانِ الَّذِي يَبْدُو أَنَّهُ سَيُولَدُ مِنْهَا، إِنْ رَعَاهَا.

ذُو الصُّوفِ الْأَسْوَدِ — الْعِبْرِيُّ حُوم هُنَا يَعْنِي «أَسْوَدَ»، فَإِنَّهُ يُقَابِلُ لَابَان، أَيْ «أَبْيَضَ». لَكِنْ فِي الْآيَةِ ٣٢، يَعْنِي حُوم «دَاكِنًا» أَوْ «مَائِلًا إِلَى السَّوَادِ»، لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِـ«الرَّقْطَاءِ» وَ«الْمُتَنَوِّعِ».


الْآيَةُ ٣٦: مَسَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَسِيرَةً

٣٦. مَسَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَسِيرَةً — لِئَلَّا تَخْتَلِطَ غَنَمُهُ مُتَعَدِّدَةُ الْأَلْوَانِ — سَوَاءٌ بِالنَّظَرِ أَوْ بِالتَّزَاوُجِ — بِأُحَادِيَّةِ اللَّوْنِ الَّتِي كَانَ يَرْعَاهَا يَعْقُوبُ، فَيُولَدَ نِتَاجٌ مُتَعَدِّدُ الْأَلْوَانِ لَا يَؤُولُ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى يَعْقُوبَ. هَكَذَا يَقُولُ لِيبُومَانُوسُ.


الْآيَةُ ٣٧: أَخَذَ يَعْقُوبُ قُضْبَانَ حَوْرٍ خَضْرَاءَ

٣٧. فَأَخَذَ يَعْقُوبُ قُضْبَانَ حَوْرٍ خَضْرَاءَ — لَاحِظْ صَنِيعَ يَعْقُوبَ وَحِيلَتَهُ الَّتِي عَلَّمَهُ إِيَّاهَا الْمَلَائِكَةُ فِي الْأَحْلَامِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١١، وَالَّتِي وَاجَهَ بِهَا عُنْفَ لَابَانَ وَدَهَاءَهُ الْبَشَرِيَّ.

فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ يَعْقُوبَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ، كَأَنَّهَا غِشٌّ، أَفْسَدَ الْعَقْدَ الْمُبْرَمَ مَعَ لَابَانَ؛ وَهَكَذَا اكْتَسَبَ بِالْمَكْرِ وَالظُّلْمِ مُلْكَ لَابَانَ. فَإِنَّ الْعَقْدَ — بِأَنَّ أُحَادِيَّ اللَّوْنِ يَؤُولُ إِلَى لَابَانَ وَمُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ إِلَى يَعْقُوبَ — كَانَ مَفْهُومًا، وَفْقَ الْقَصْدِ الْمُشْتَرَكِ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، عَلَى أَنَّهُ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا يُولَدُ طَبِيعِيًّا وَبِالصُّدْفَةِ، لَا بِالْحِيلَةِ وَالْغِشِّ.

أُجِيبُ: صَحِيحٌ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يُفْهَمُ عَادَةً هَكَذَا، وَبِحَقٍّ، وَأَنَّ يَعْقُوبَ وَلَابَانَ فَهِمَاهُ هَكَذَا. لَكِنَّ يَعْقُوبَ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْحِيلَةَ بِمُوجِبِ سَنَدٍ آخَرَ — أَوَّلًا، سَنَدِ التَّعْوِيضِ. فَإِنَّهُ كَانَ يُظْلَمُ ظُلْمًا شَدِيدًا مِنْ لَابَانَ الْجَشِعِ الظَّالِمِ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَخْلِصَ الْأَجْرَ الْعَادِلَ لِعَمَلِهِ بِأَيِّ طَرِيقَةٍ أُخْرَى غَيْرِ هَذِهِ الْحِيلَةِ. فَقَدْ أَلْحَقَ لَابَانُ بِيَعْقُوبَ ظُلْمًا فَادِحًا بِأَنْ أَحَلَّ لَيْئَةَ الْقَبِيحَةَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرْغَبُ فِيهَا يَعْقُوبُ مَحَلَّ رَاحِيلَ الَّتِي كَانَتْ مَوْعُودَةً لَهُ، وَأَجْبَرَ يَعْقُوبَ عَلَى أَنْ يَخْدِمَهُ سَبْعَ سَنَوَاتٍ إِضَافِيَّةٍ مِنْ أَجْلِهَا. ثُمَّ بِظُلْمٍ، بَعْدَ إِبْرَامِ الْعَهْدِ مَعَ يَعْقُوبَ بِشَأْنِ الْقُطْعَانِ، فَصَلَ (الْآيَةُ ٣٥) الْغَنَمَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ عَنْ مُتَعَدِّدَةِ الْأَلْوَانِ، وَسَلَّمَ لِيَعْقُوبَ أُحَادِيَّةَ اللَّوْنِ فَقَطْ، الَّتِي يُولَدُ مِنْهَا طَبِيعِيًّا نِتَاجٌ أُحَادِيُّ اللَّوْنِ كُلُّهُ لَهُ وَلَا شَيْءَ مُتَعَدِّدُ الْأَلْوَانِ لِيَعْقُوبَ. وَلِذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِيَعْقُوبَ قَاضٍ يَلْجَأُ إِلَيْهِ، أَعْلَنَ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ اضْطِرَارًا وَاسْتَرَدَّ مَا لَهُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ، لِيَنَالَ بِهَذَا الْفَنِّ الْأَجْرَ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ.

ثَانِيًا، فَعَلَ يَعْقُوبُ هَذَا بِإِرْشَادِ اللهِ (عَنْ طَرِيقِ مَلَاكٍ)، كَمَا قُلْتُ؛ فَإِنَّ اللهَ إِذَنْ أَعْطَاهُ هَذِهِ الْمَوَاشِيَ الَّتِي سَتُولَدُ مِنْ مَوَاشِي لَابَانَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ — تَمَامًا كَمَا أَنَّ اللهَ، بِأَمْرِهِ الْعِبْرَانِيِّينَ بِسَلْبِ مِصْرَ، أَعْطَاهُمْ بِذَلِكَ عَيْنِهِ أَمْوَالَ الْمِصْرِيِّينَ (الْخُرُوجُ ١٢).

فَإِنْ سَأَلْتَ: هَلْ كَانَتْ هَذِهِ الْحِيلَةُ وَالتَّدْبِيرُ طَبِيعِيَّيْنِ، أَمْ أَنَّهُمَا حَقَّقَا أَثَرَهُمَا بِتَعَاوُنِ اللهِ الْفَائِقِ الطَّبِيعَةِ؟ أُجِيبُ: كَانَا طَبِيعِيَّيْنِ؛ فَإِنَّ قُوَّةَ الْخَيَالِ تَكُونُ عَادَةً فِي أَقْصَى شِدَّتِهَا أَثْنَاءَ التَّزَاوُجِ، لِأَنَّ النَّفْسَ عِنْدَئِذٍ تَبْذُلُ كُلَّ طَاقَتِهَا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْأُمَّهَاتِ الْبِيضِ، مِنْ صُورَةِ حَبَشِيٍّ وَتَخَيُّلِهِ، وَلَدْنَ حَبَشِيًّا. اسْمَعْ بْلِينِيُوسَ، الْكِتَابُ السَّابِعُ، الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ: «حِسَابُ الشَّبَهِ»، يَقُولُ، «يَكْمُنُ فِي الذِّهْنِ، الَّذِي يُعْتَقَدُ أَنَّ عَوَامِلَ عَارِضَةً كَثِيرَةً تُؤَثِّرُ فِيهِ — الْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالذَّاكِرَةُ وَالصُّوَرُ الْمُتَشَرَّبَةُ فِي لَحْظَةِ الْحَبَلِ ذَاتِهَا. حَتَّى إِنَّ خَاطِرًا يَعْبُرُ فَجْأَةً فِي ذِهْنِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يُشَكِّلُ الشَّبَهَ أَوْ يُنْتِجُ اخْتِلَاطًا؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْفُرُوقَ بَيْنَ الْبَشَرِ أَكْثَرُ مِنْهَا بَيْنَ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، لِأَنَّ سُرْعَةَ الْأَفْكَارِ وَنَشَاطَ الذِّهْنِ وَتَنَوُّعَ الْقَرِيحَةِ تَطْبَعُ عَلَامَاتٍ مُتَعَدِّدَةَ الْأَشْكَالِ — بَيْنَمَا فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْأَذْهَانُ جَامِدَةٌ وَمُتَشَابِهَةٌ فِي الْجَمِيعِ، كُلٌّ فِي جِنْسِهِ.»

وَيَرْوِي جَالِينُوسُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَلَّفَهُ عَنِ التِّرْيَاقِ إِلَى بِيسُونَ أَنَّ امْرَأَةً مَا، بِنَظَرِهَا إِلَى لَوْحَةٍ جَمِيلَةٍ جِدًّا، حَمَلَتْ بِطِفْلٍ جَمِيلٍ مِنْ زَوْجٍ قَبِيحٍ — «بِالْبَصَرِ، كَمَا أَظُنُّ، نَاقِلًا الصُّورَةَ إِلَى الطَّبِيعَةِ.» وَيَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ هُنَا فِي التَّقَالِيدِ الْعِبْرِيَّةِ: «كْوِنْتِلْيَانُوسُ، فِي تِلْكَ الْمُرَافَعَةِ الَّتِي اتُّهِمَتْ فِيهَا امْرَأَةٌ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ حَبَشِيًّا، يُحَاجِجُ دِفَاعًا عَنْهَا بِأَنَّ هَذِهِ هِيَ طَبِيعَةُ الْحَبَلِ الَّتِي وَصَفْنَاهَا. وَيُوجَدُ مَكْتُوبًا فِي كُتُبِ أَبُقْرَاطَ أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ امْرَأَةٌ سَتُعَاقَبُ بِتُهْمَةِ الزِّنَا لِأَنَّهَا وَلَدَتْ طِفْلًا فَائِقَ الْجَمَالِ لَا يُشْبِهُ أَيًّا مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْعَائِلَةِ — لَوْلَا أَنَّ الطَّبِيبَ الْمَذْكُورَ حَلَّ الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ نَصَحَهُمْ بِالِاسْتِفْسَارِ عَمَّا إِذَا كَانَتْ لَوْحَةٌ كَهَذِهِ مَوْجُودَةً فِي حُجْرَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ. وَلَمَّا وُجِدَتْ، أُعْفِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالشُّبْهَةِ.»

وَيَرْوِي الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ الْأَمْرَ ذَاتَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ ٩٣ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَيَكْتُبُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الْفَصْلِ الْخَامِسِ، أَنَّ شَيْطَانًا فَعَلَ شَيْئًا مُمَاثِلًا فِي تَشْكِيلِ ثَوْرِ أَبِيسَ الَّذِي عَبَدَهُ الْمِصْرِيُّونَ؛ إِذْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَدِيدُ مُشَابِهًا لِلسَّابِقِ الَّذِي مَاتَ وَمُعَلَّمًا بِبُقَعٍ بَيْضَاءَ. وَيَقُولُ إِيسِيدُورُسُ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ أُصُولِ الْكَلِمَاتِ، الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، قُرْبَ النِّهَايَةِ: «يُقَالُ إِنَّ الشَّيْءَ نَفْسَهُ يَحْدُثُ فِي قُطْعَانِ الْأَفْرَاسِ — إِذْ يَضَعُونَ فُحُولًا أَصِيلَةً أَمَامَ أَنْظَارِ الْأَفْرَاسِ عِنْدَ الْحَبَلِ، لِتَحْبَلَ وَتَلِدَ نِتَاجًا مُشَابِهًا لَهَا. بَلْ إِنَّ مُرَبِّي الْحَمَامِ يَضَعُونَ أَجْمَلَ الْحَمَامِ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تَأْلَفُهَا الْحَمَائِمُ الْأُخْرَى، لِكَيْ يَخْطِفَ الْبَصَرُ فَيُوَلِّدَ نِتَاجًا مُمَاثِلًا. وَمِنْ هُنَا يَنْهَى بَعْضُهُمُ الْحَوَامِلَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى أَقْبَحِ وُجُوهِ الْحَيَوَانَاتِ، كَالْقُرُودِ ذَاتِ رُؤُوسِ الْكِلَابِ وَالسَّعَادِينِ، لِئَلَّا يُصَادِفْنَ مَنْظَرَهَا فَيَلِدْنَ نِتَاجًا مُشَابِهًا. فَإِنَّ النَّفْسَ فِي فِعْلِ الْجِمَاعِ تَنْقُلُ الصُّوَرَ إِلَى الدَّاخِلِ وَتَتَشَرَّبُ انْطِبَاعَاتِهَا فَتَسْحَبُ أَشْكَالَهَا إِلَى طَبِيعَتِهَا الْخَاصَّةِ.»

فَبَيْنَمَا كَانَتْ هَذِهِ الْغَنَمُ غَنَمُ يَعْقُوبَ تَشْرَبُ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَتِ الذُّكُورُ تَعْلُو الْإِنَاثَ، كَانَتِ الصُّورَةُ الْمُبَاشِرَةُ لِلْقُضْبَانِ الْمُقَشَّرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْأَلْوَانِ الرَّاقِدَةِ فِي الْمَاءِ، مُمْتَزِجَةً بِالصُّورَةِ الْمُنْعَكِسَةِ — أَوِ الظِّلِّ — لِلذُّكُورِ الصَّاعِدَةِ فِي الْمَاءِ، تُقَدِّمُ لِلْإِنَاثِ صُورَةً مُتَنَوِّعَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهُنَّ يَرَيْنَ ذُكُورَهُنَّ مُزَيَّنَةً بِبُقَعٍ خَضْرَاءَ وَبَيْضَاءَ جَمِيلَةٍ. وَمِنْ ثَمَّ، بِقُوَّةِ خَيَالِهِنَّ، طَبَعْنَ الْأَلْوَانَ ذَاتَهَا عَلَى نِتَاجِهِنَّ الَّذِي كُنَّ يَحْبَلْنَ بِهِ عِنْدَئِذٍ. وَفَعَلَتِ الذُّكُورُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ — أَيْ طَبَعَتْ قُوَّةً وَشَكْلًا مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ مُمَاثِلًا عَلَى نُطَفِهَا، مِنَ الصُّورَةِ الْمُمْتَزِجَةِ الْمُمَاثِلَةِ لِلْقُضْبَانِ مَعَ ظِلِّ الْإِنَاثِ، بِالرُّؤْيَةِ وَالتَّخَيُّلِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأُغُسْطِينُسُ (الْمَسْأَلَةُ ٩٣) وَأَبُولِنْسِيسُ، وَعَلَى أَفْضَلِ وَجْهٍ فْرَنْشِيسْكُوسُ فَالِيسِيُوسُ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمُقَدَّسَةِ، الْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُشْتَبَهَ، ثَانِيًا، بِأَنَّ قُضْبَانَ الْحَوْرِ وَاللَّوْزِ وَالدُّلْبِ، إِذَا وُضِعَتْ فِي الْمَاءِ، فِيهَا قُوَّةٌ كَامِنَةٌ لِإِنْتَاجِ الدُّكْنَةِ وَالْبُقَعِ الدَّاكِنَةِ؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقُوَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمِيَاهِ يَنْسُبُهَا أَرِسْطُو (تَارِيخُ الْحَيَوَانِ، الْكِتَابُ الثَّالِثُ، الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ) وَأُوفِيدِيُوسُ (الْكِتَابُ الْأَخِيرُ مِنَ التَّحَوُّلَاتِ) وَسُولِينُوسُ وَغَيْرُهُمْ.

وَأَخِيرًا، سَاعَدَتْ قَدَاسَةُ يَعْقُوبَ وَصَلَوَاتُهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَعْظَمَ مُسَاعَدَةٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ، إِذْ كَانُوا يُؤَيِّدُونَ يَعْقُوبَ، وَجَّهُوا خَيَالَ الْغَنَمِ بِأَشَدِّ قُوَّةٍ وَحَفَّزُوهُ نَحْوَ هَذَا التَّخَيُّلِ الْمُتَعَدِّدِ الْأَلْوَانِ لِلْقُضْبَانِ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ١٢. وَاللهُ أَيْضًا، إِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَارِكَ يَعْقُوبَ وَيُغْنِيَهُ، طَبَعَ مِنْ خِلَالِ هَذَا التَّخَيُّلِ، بِتَعَاوُنِهِ الْخَاصِّ، أَلْوَانًا مُتَنَوِّعَةً بِقُوَّةٍ وَوَفْرَةٍ عَلَى النِّتَاجِ فِي لَحْظَةِ حَبَلِهِ ذَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا يَعْتَقِدُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَثِيئُودُورِيتُسُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ حَصَلَتْ لِيَعْقُوبَ لَا بِالطَّبِيعَةِ بِقَدْرِ مَا بِعَطِيَّةِ اللهِ وَعِنَايَتِهِ، وَيَعْتَرِفُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَاتِ ٧ وَ٨ وَ٩.

فَإِنْ قُلْتَ: لِمَاذَا لَمْ يُولَدْ نِتَاجٌ أَخْضَرُ مِنَ الْقُضْبَانِ الْخَضْرَاءِ؟ أُجِيبُ: لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَيِّ ذِي أَرْبَعٍ تِلْكَ النِّسْبَةُ وَالْمِزَاجُ مِنَ الْأَخْلَاطِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْخُضْرَةِ. وَلِذَلِكَ، بَدَلًا مِنَ اللَّوْنِ الْأَخْضَرِ، انْطَبَعَ فِي النِّتَاجِ لَوْنٌ مَائِلٌ إِلَى السَّوَادِ أَوْ دَاكِنٌ، كَمَا يَقُولُ تُوسْتَاتُوسُ، وَقَدْ سَاعَدَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا ظِلُّ الْمِيَاهِ وَدُكْنَتُهَا — الَّتِي أَظْلَلَتِ الْخُضْرَةَ وَقَتَّمَتْهَا فَبَدَتْ لَا خَضْرَاءَ بَلْ قَاتِمَةً مَائِلَةً إِلَى السَّوَادِ.

وَبِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، هَذِهِ الْقُضْبَانُ الْمُتَنَوِّعَةُ هِيَ الْكُتُبُ الْمُقَدَّسَةُ وَالْأَمْثِلَةُ الْمُتَنَوِّعَةُ لِلْقِدِّيسِينَ الْمُخْتَلِفِينَ، الَّتِي حِينَ نَتَأَمَّلُهَا نُنْتِجُ وَنُخْرِجُ نِتَاجًا مُشَابِهًا لَهَا فِي الْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الْبُطُولِيَّةِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (عَنْ يَعْقُوبَ، الْكِتَابُ الثَّانِي، الْفَصْلَانِ الرَّابِعُ وَالسَّادِسُ) وَغْرِيغُورِيُوسُ (الْأَخْلَاقِيَّاتُ، الْكِتَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ).

جُزْئِيًّا — فَإِنَّ جُزْءًا مِنَ الْقَضِيبِ، الْمَكْسُوَّ بِقِشْرِهِ، بَدَا أَخْضَرَ، بَيْنَمَا الْجُزْءُ الْمُقَشَّرُ الْمَكْشُوفُ بَدَا أَبْيَضَ.


الْآيَةُ ٣٩: فِي شِدَّةِ حَرَارَةِ التَّزَاوُجِ

٣٩. فِي شِدَّةِ الْحَرَارَةِ — لِأَنَّ الْخَيَالَ يُثَارُ بِالْحَرَارَةِ أَشَدَّ الْإِثَارَةِ وَيَنْشَطُ وَيَعْمَلُ. وَمِنْ هُنَا يُعَلِّمُ عُلَمَاءُ الطَّبِيعَةِ أَنَّ الدِّمَاغَ يَحْتَاجُ: أَوَّلًا، إِلَى الْجَفَافِ مِنْ أَجْلِ الذَّكَاءِ — فَإِنَّ «النَّفْسَ الْجَافَّةَ هِيَ الْأَحْكَمُ»؛ ثَانِيًا، إِلَى الرُّطُوبَةِ مِنْ أَجْلِ الذَّاكِرَةِ — فَإِنَّ الرُّطُوبَةَ تَتَقَبَّلُ الصُّورَةَ الْمَطْبُوعَةَ بِسُهُولَةٍ، وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الشَّبَابَ، لِرُطُوبَةِ أَدْمِغَتِهِمْ، يَتَعَلَّمُونَ أَيَّ شَيْءٍ بِسُهُولَةٍ وَيَحْفَظُونَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؛ ثَالِثًا، إِلَى الْحَرَارَةِ مِنْ أَجْلِ الْخَيَالِ — وَمِنْ هُنَا نَخْتَبِرُ فِي دِرَاسَاتِنَا أَنَّ تَصَوُّرَاتِ الْخَيَالِ تَزْدَهِرُ وَتَتَدَفَّقُ حِينَ يَكُونُ الرَّأْسُ وَالْجَسَدُ دَافِئَيْنِ؛ لَكِنْ حِينَ يَكُونُ الرَّأْسُ بَارِدًا تَتَبَلَّدُ وَتَتَثَاقَلُ وَتَخْمُدُ. وَعَلَى الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ وَالْحُكْمَ السَّلِيمَ يَكْمُنَانِ فِي الْبُرُودَةِ، كَمَا يُعَلِّمُ أَرِسْطُو (الْقِسْمُ ١٤، الْمَسْأَلَةُ ٨)، وَلِهَذَا السَّبَبِ يَتَفَوَّقُ الشُّيُوخُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْحُكْمِ.


الْآيَةُ ٤١: فِي الْمَوْسِمِ الْأَوَّلِ

٤١. فِي الْمَوْسِمِ الْأَوَّلِ — كَمَا فِي لُومْبَارْدِيَا، كَذَلِكَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ وَسُورِيَا، تَلِدُ الْغَنَمُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ؛ أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ بَعْضُهَا يَحْبَلُ فِي الرَّبِيعِ وَبَعْضُهَا فِي الْخَرِيفِ. فَالْمَوْسِمُ الْأَوَّلُ إِذَنْ هُوَ الرَّبِيعُ؛ وَالْمُتَأَخِّرُ هُوَ الْخَرِيفُ. فَكَانَ يَعْقُوبُ فِي الرَّبِيعِ، حِينَ يَكُونُ الْهَوَاءُ وَالْحَيَوَانَاتُ فِي أَوْجِ نَشَاطِهِمَا، يَضَعُ الْقُضْبَانَ الْمُتَعَدِّدَةَ الْأَلْوَانِ، لِيُولَدَ لَهُ نِتَاجٌ مُتَعَدِّدُ الْأَلْوَانِ، وَكَانَ هَذَا النِّتَاجُ — لِكَوْنِهِ رَبِيعِيًّا — أَفْضَلَ وَأَوْفَرَ وَأَقْوَى. أَمَّا فِي الْخَرِيفِ فَلَمْ يَكُنْ يَضَعُهَا؛ وَهَكَذَا كَانَ يُولَدُ حِينَئِذٍ نِتَاجٌ أُحَادِيُّ اللَّوْنِ — وَأَضْعَفُ — لِلَابَانَ. فَقَدْ تَنَازَلَ لَهُ عَنْ هَذَا الْجُزْءِ — جُزْئِيًّا لِئَلَّا يَشْتَبِهَ لَابَانُ بِالْغِشِّ وَيَكْتَشِفَ الْحِيلَةَ، وَجُزْئِيًّا مِنْ إِنْصَافِهِ وَطِيبِ نَفْسِهِ. وَقَدِ افْتَرَضَ فَالِيسِيُوسُ أَنَّ كِلَا مَوْسِمَيِ التَّزَاوُجِ، الْمُبَكِّرَ وَالْمُتَأَخِّرَ، وَقَعَا فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ. لَكِنَّ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ وَسَائِرَ الْكُتَّابِ اللَّاتِينِيِّينَ، وَكَذَلِكَ الْعِبْرَانِيُّونَ، يُقَسِّمُونَهُمَا وَيُوَزِّعُونَهُمَا بَيْنَ الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ، وَهَذَا أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ وَأَصَحُّ.