كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي
(هُرُوبُ يَعْقُوبَ مِنْ لَابَانَ)
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يَهْرُبُ يَعْقُوبُ سِرًّا مَعَ عَائِلَتِهِ كُلِّهَا مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ؛ فَيُطَارِدُهُ لَابَانُ. ثُمَّ فِي الْآيَةِ ٢٦ يَتَخَاصَمَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ وَأَخِيرًا فِي الْآيَةِ ٤٤ يُبْرِمُ لَابَانُ عَهْدًا مَعَ يَعْقُوبَ فِي جِلْعَادَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣١: ١-٥٥
١. وَبَعْدَ أَنْ سَمِعَ كَلَامَ بَنِي لَابَانَ الْقَائِلِينَ: أَخَذَ يَعْقُوبُ كُلَّ مَا كَانَ لِأَبِينَا، وَمِنْ ثَرْوَتِهِ اسْتَغْنَى وَصَارَ مَشْهُورًا، ٢. لَاحَظَ أَيْضًا وَجْهَ لَابَانَ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَحْوَهُ كَأَمْسِ وَأَوَّلِ أَمْسِ، ٣. وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الرَّبَّ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى أَرْضِ آبَائِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَكَ. ٤. فَأَرْسَلَ وَدَعَا رَاحِيلَ وَلَيَّا إِلَى الْحَقْلِ حَيْثُ كَانَ يَرْعَى الْقُطْعَانَ، ٥. وَقَالَ لَهُمَا: أَرَى وَجْهَ أَبِيكُمَا أَنَّهُ لَيْسَ نَحْوِي كَأَمْسِ وَأَوَّلِ أَمْسِ؛ لَكِنَّ إِلَهَ أَبِي كَانَ مَعِي. ٦. وَأَنْتُمَا تَعْلَمَانِ أَنِّي خَدَمْتُ أَبَاكُمَا بِكُلِّ قُوَّتِي. ٧. وَلَكِنَّ أَبَاكُمَا أَيْضًا خَدَعَنِي وَغَيَّرَ أُجْرَتِي عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَدَعْهُ اللهُ يَضُرَّنِي. ٨. إِنْ قَالَ فِي أَيِّ وَقْتٍ: الْمُرَقَّطَةُ تَكُونُ أُجْرَتَكَ، وَلَدَتْ جَمِيعُ الْغَنَمِ نَسْلًا مُرَقَّطًا. وَإِنْ قَالَ بِالْعَكْسِ: الْبِيضَ تَأْخُذُهَا أُجْرَةً، وَلَدَتْ جَمِيعُ الْقُطْعَانِ بِيضًا. ٩. فَأَخَذَ اللهُ ثَرْوَةَ أَبِيكُمَا وَأَعْطَانِي إِيَّاهَا. ١٠. فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ جَاءَ وَقْتُ حَمْلِ الْغَنَمِ، رَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَرَأَيْتُ فِي الْحُلْمِ الذُّكُورَ تَعْلُو الْإِنَاثَ، مُرَقَّطَةً وَمُبَقَّعَةً وَمُتَنَوِّعَةَ الْأَلْوَانِ. ١١. وَقَالَ لِي مَلَاكُ اللهِ فِي الْحُلْمِ: يَا يَعْقُوبُ! فَأَجَبْتُ: هَا أَنَا ذَا. ١٢. فَقَالَ: ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ جَمِيعَ الذُّكُورِ الصَّاعِدَةِ عَلَى الْإِنَاثِ، مُرَقَّطَةً وَمُبَقَّعَةً وَمُنْقَطَّةً. فَإِنِّي رَأَيْتُ كُلَّ مَا فَعَلَهُ بِكَ لَابَانُ. ١٣. أَنَا إِلَهُ بَيْتِ إِيلَ حَيْثُ مَسَحْتَ الْحَجَرَ وَنَذَرْتَ لِي نَذْرًا. فَالْآنَ قُمْ وَاخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ رَاجِعًا إِلَى أَرْضِ مَوْلِدِكَ. ١٤. فَأَجَابَتْ رَاحِيلُ وَلَيَّا: أَلَنَا شَيْءٌ بَاقٍ فِي ثَرْوَةِ بَيْتِ أَبِينَا وَمِيرَاثِهِ؟ ١٥. أَلَمْ يَحْسِبْنَا غَرِيبَتَيْنِ وَبَاعَنَا وَأَكَلَ ثَمَنَنَا؟ ١٦. لَكِنَّ اللهَ أَخَذَ ثَرْوَةَ أَبِينَا وَأَعْطَاهَا لَنَا وَلِأَوْلَادِنَا؛ فَاصْنَعْ كُلَّ مَا أَمَرَكَ بِهِ اللهُ. ١٧. فَقَامَ يَعْقُوبُ وَأَرْكَبَ أَوْلَادَهُ وَزَوْجَاتِهِ عَلَى الْجِمَالِ وَانْطَلَقَ. ١٨. وَأَخَذَ كُلَّ مَالِهِ وَقُطْعَانِهِ وَكُلَّ مَا اقْتَنَاهُ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، ذَاهِبًا إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. ١٩. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ لَابَانُ قَدْ ذَهَبَ لِيَجُزَّ غَنَمَهُ، فَسَرَقَتْ رَاحِيلُ أَصْنَامَ أَبِيهَا. ٢٠. وَلَمْ يُرِدْ يَعْقُوبُ أَنْ يَعْتَرِفَ لِحَمِيهِ بِأَنَّهُ هَارِبٌ. ٢١. وَلَمَّا انْطَلَقَ هُوَ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ مُتَّجِهًا نَحْوَ جَبَلِ جِلْعَادَ، ٢٢. أُخْبِرَ لَابَانُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ هَرَبَ. ٢٣. فَأَخَذَ أَقَارِبَهُ مَعَهُ وَتَبِعَهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَأَدْرَكَهُ فِي جَبَلِ جِلْعَادَ. ٢٤. فَرَأَى فِي الْحُلْمِ اللهَ يَقُولُ لَهُ: اِحْذَرْ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَاسٍ عَلَى يَعْقُوبَ. ٢٥. وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ نَصَبَ خَيْمَتَهُ عَلَى الْجَبَلِ؛ وَلَمَّا أَدْرَكَهُ لَابَانُ مَعَ أَقَارِبِهِ نَصَبَ خَيْمَتَهُ فِي جَبَلِ جِلْعَادَ نَفْسِهِ، ٢٦. وَقَالَ لِيَعْقُوبَ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هَكَذَا، فَطَرَدْتَ بَنَاتِي سِرًّا كَأَنَّهُنَّ سَبَايَا أُخِذْنَ بِالسَّيْفِ؟ ٢٧. لِمَاذَا أَرَدْتَ الْهُرُوبَ بِغَيْرِ عِلْمِي وَلَمْ تُخْبِرْنِي، حَتَّى أُشَيِّعَكَ بِالْفَرَحِ وَالْأَغَانِي وَالدُّفُوفِ وَالْقِيثَارَاتِ؟ ٢٨. لَمْ تَدَعْنِي أُقَبِّلُ أَبْنَائِي وَبَنَاتِي: لَقَدْ تَصَرَّفْتَ بِحَمَاقَةٍ؛ وَالْآنَ حَقًّا ٢٩. يَدِي تَقْدِرُ أَنْ تُجَازِيَكَ شَرًّا؛ لَكِنَّ إِلَهَ أَبِيكَ قَالَ لِي أَمْسِ: اِحْذَرْ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَاسٍ عَلَى يَعْقُوبَ. ٣٠. فَلْيَكُنْ أَنَّكَ اشْتَقْتَ إِلَى أَهْلِكَ وَتَحِنُّ إِلَى بَيْتِ أَبِيكَ: لَكِنْ لِمَاذَا سَرَقْتَ آلِهَتِي؟ ٣١. أَجَابَ يَعْقُوبُ: لِأَنِّي انْطَلَقْتُ بِغَيْرِ عِلْمِكَ خِفْتُ أَنْ تَنْتَزِعَ بَنَاتِكَ بِالْعُنْفِ. ٣٢. أَمَّا اتِّهَامُكَ إِيَّايَ بِالسَّرِقَةِ فَعِنْدَ مَنْ تَجِدُ آلِهَتَكَ فَلْيُقْتَلْ أَمَامَ أَقَارِبِنَا. فَتِّشْ عَمَّا تَجِدُهُ لَكَ عِنْدِي وَخُذْهُ. قَالَ هَذَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ رَاحِيلَ قَدْ سَرَقَتِ الْأَصْنَامَ. ٣٣. فَدَخَلَ لَابَانُ خَيْمَةَ يَعْقُوبَ وَخَيْمَةَ لَيَّا وَخَيْمَتَيِ الْجَارِيَتَيْنِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. وَلَمَّا دَخَلَ خَيْمَةَ رَاحِيلَ، ٣٤. أَسْرَعَتْ وَأَخْفَتِ الْأَصْنَامَ تَحْتَ أَغْطِيَةِ رَحْلِ الْجَمَلِ وَجَلَسَتْ فَوْقَهَا؛ وَلَهُ وَهُوَ يُفَتِّشُ الْخَيْمَةَ كُلَّهَا وَلَا يَجِدُ شَيْئًا، ٣٥. قَالَتْ: لَا يَغْضَبْ سَيِّدِي لِأَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ أَمَامَكَ، لِأَنَّ عَادَةَ النِّسَاءِ عَلَيَّ الْآنَ. فَخَابَتْ حَمِيَّةُ الْمُفَتِّشِ. ٣٦. فَانْتَفَخَ يَعْقُوبُ غَضَبًا وَقَالَ بِعِتَابٍ: لِأَيِّ ذَنْبٍ مِنِّي وَلِأَيِّ خَطِيئَةٍ مِنِّي طَارَدْتَنِي بِهَذِهِ الْحِدَّةِ، ٣٧. وَفَتَّشْتَ جَمِيعَ أَمْتِعَتِي؟ مَاذَا وَجَدْتَ مِنْ جَمِيعِ مُمْتَلَكَاتِ بَيْتِكَ؟ ضَعْهُ هُنَا أَمَامَ أَقَارِبِي وَأَقَارِبِكَ وَلْيَحْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. ٣٨. أَلِهَذَا كُنْتُ مَعَكَ عِشْرِينَ سَنَةً؟ نِعَاجُكَ وَمَعِزُكَ لَمْ تُسْقِطْ؛ وَكِبَاشَ قَطِيعِكَ لَمْ آكُلْ. ٣٩. وَمَا افْتَرَسَتْهُ الْوُحُوشُ لَمْ أُرِكَ إِيَّاهُ — أَنَا عَوَّضْتُ كُلَّ خَسَارَةٍ؛ وَمَهْمَا سُرِقَ كُنْتَ تُطَالِبُنِي بِهِ. ٤٠. نَهَارًا وَلَيْلًا كُنْتُ أَحْتَرِقُ بِالْحَرِّ وَالصَّقِيعِ، وَفَرَّ النَّوْمُ مِنْ عَيْنَيَّ. ٤١. فَهَكَذَا عِشْرِينَ سَنَةً خَدَمْتُكَ فِي بَيْتِكَ، أَرْبَعَ عَشْرَةَ لِابْنَتَيْكَ وَسِتًّا لِقُطْعَانِكَ؛ وَغَيَّرْتَ أُجْرَتِي عَشْرَ مَرَّاتٍ أَيْضًا. ٤٢. لَوْلَا أَنَّ إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَرَهْبَةَ إِسْحَاقَ كَانَا مَعِي، لَرُبَّمَا أَرْسَلْتَنِي الْآنَ فَارِغَ الْيَدَيْنِ؛ لَكِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى مَشَقَّتِي وَتَعَبِ يَدَيَّ وَوَبَّخَكَ أَمْسِ. ٤٣. فَأَجَابَهُ لَابَانُ: الْبَنَاتُ بَنَاتِي وَالْبَنُونَ أَبْنَائِي وَقُطْعَانُكَ لِي وَكُلُّ مَا تَرَاهُ لِي: فَمَاذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ بِبَنَاتِي وَأَحْفَادِي؟ ٤٤. فَتَعَالَ نَدْخُلْ فِي عَهْدٍ لِيَكُونَ شَهَادَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. ٤٥. فَأَخَذَ يَعْقُوبُ حَجَرًا وَنَصَبَهُ نُصُبًا. ٤٦. وَقَالَ لِأَقَارِبِهِ: اجْمَعُوا حِجَارَةً. فَجَمَعُوهَا وَصَنَعُوا رُجْمَةً وَأَكَلُوا عَلَيْهَا. ٤٧. وَسَمَّاهَا لَابَانُ رُجْمَةَ الشَّاهِدِ، وَسَمَّاهَا يَعْقُوبُ كَوْمَةَ الشَّهَادَةِ، كُلٌّ بِحَسَبِ خَاصِّيَّةِ لُغَتِهِ. ٤٨. فَقَالَ لَابَانُ: هَذِهِ الرُّجْمَةُ شَاهِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْيَوْمَ؛ وَلِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا جِلْعَادَ، أَيْ رُجْمَةُ الشَّاهِدِ. ٤٩. لِيَنْظُرِ الرَّبُّ وَيَحْكُمْ بَيْنَنَا حِينَ نَفْتَرِقُ. ٥٠. إِنْ أَذْلَلْتَ بَنَاتِي أَوْ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِنَّ زَوْجَاتٍ أُخْرَيَاتٍ، فَلَا شَاهِدَ لِعَهْدِنَا سِوَى اللهِ الَّذِي هُوَ حَاضِرٌ وَيَرْقُبُ. ٥١. وَقَالَ أَيْضًا لِيَعْقُوبَ: هَا هِيَ هَذِهِ الرُّجْمَةُ وَهَذَا الْحَجَرُ الَّذِي نَصَبْتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؛ ٥٢. يَكُونُ شَاهِدًا: هَذِهِ الرُّجْمَةُ أَقُولُ وَهَذَا الْحَجَرُ لِيَكُونَا لِلشَّهَادَةِ، سَوَاءٌ أَنَا عَبَرْتُهَا آتِيًا إِلَيْكَ أَوْ أَنْتَ تَجَاوَزْتَهَا مُدَبِّرًا لِيَ الشَّرَّ. ٥٣. إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ نَاحُورَ يَحْكُمُ بَيْنَنَا — إِلَهُ أَبِيهِمَا. فَحَلَفَ يَعْقُوبُ بِرَهْبَةِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ. ٥٤. وَذَبَحَ ذَبَائِحَ فِي الْجَبَلِ وَدَعَا أَقَارِبَهُ لِيَأْكُلُوا خُبْزًا. وَلَمَّا أَكَلُوا أَقَامُوا هُنَاكَ. ٥٥. أَمَّا لَابَانُ فَقَامَ فِي اللَّيْلِ وَقَبَّلَ أَبْنَاءَهُ وَبَنَاتِهِ وَبَارَكَهُمْ، وَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ.
الْآيَةُ ١: أَخَذَ
١. أَخَذَ — فِي الْعِبْرِيَّةِ לקח «لَاقَحَ»، أَيْ «تَلَقَّى» أَوْ «سَرَقَ». وَهَذَا افْتِرَاءٌ: إِذْ بِالْحَسَدِ يَتَّهِمُونَ يَعْقُوبَ بِالسَّرِقَةِ، وَيُسَمُّونَ سَرِقَةً مَا هُوَ أُجْرَتُهُ الْعَادِلَةُ وَثَرْوَتُهُ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا اللهُ.
الْآيَةُ ٣: وَأَكُونُ مَعَكَ
٣. وَأَكُونُ مَعَكَ — يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ: «مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقُصَ مَنْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِلْءُ كُلِّ الْأَشْيَاءِ» — بَلِ الْمُحِيطُ بِعَيْنِهِ، أَلَا وَهُوَ اللهُ؟
الْآيَةُ ٧: غَيَّرَ أُجْرَتِي عَشْرَ مَرَّاتٍ
٧. غَيَّرَ أُجْرَتِي عَشْرَ مَرَّاتٍ — «عَشْرَ»، أَيْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، بِحَيْثُ يُوضَعُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مَوْضِعَ عَدَدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ عَشَرَةً يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ وَالْكَمَالِ. هَكَذَا يَقُولُ أُورِيجِنُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَدِيُودُورُوسُ وَبْرُوكُوبِيُوسُ. وَهَكَذَا يَتَعَامَلُ الْأَغْنِيَاءُ غَالِبًا مَعَ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يَحْفَظُونَ عُهُودَهُمْ وَلَا وُعُودَهُمْ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَخْدِمُ مَصَالِحَهُمْ؛ وَمِنْ هُنَا يَقُولُ تِيرِنْسِيُوسُ: «أَعْرِفُ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ مِنْكُمْ: أُرِيدُ، لَا أُرِيدُ؛ لَا أُرِيدُ، أُرِيدُ — مَا كَانَ مُبْرَمًا قَبْلَ قَلِيلٍ فَلْيَكُنْ لَاغِيًا.»
ثَانِيًا، بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ وَالدَّقِيقِ، غَيَّرَ لَابَانُ الِاتِّفَاقَ وَأُجْرَةَ يَعْقُوبَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِأَنَّ يَعْقُوبَ يُعَيِّرُ لَابَانَ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ فِي الْآيَةِ ٤١. فَكَمَا تُبَيِّنُ الْآيَةُ ٤١، خَدَمَ يَعْقُوبُ لَابَانَ عِشْرِينَ سَنَةً — أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً لِكُلِّ زَوْجَةٍ، وَسِتَّ سَنَوَاتٍ لِلْقُطْعَانِ وَالْغَنَمِ. وَكَانَتِ الْغَنَمُ تَلِدُ مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَعْقُوبُ يَزْدَادُ غِنًى بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ بِعِنَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ خَاصَّةٍ. فَلَمَّا رَأَى لَابَانُ ذَلِكَ كَانَ يَنْقُضُ الِاتِّفَاقَ وَيُغَيِّرُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ فَفِي خَمْسِ سَنَوَاتٍ غَيَّرَ الْعَهْدَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ وَمِنْ ثَمَّ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ هَرَبَ يَعْقُوبُ مُتَضَجِّرًا مِنْ هَذَا التَّغْيِيرِ. أَمَّا التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ فَبَدَلًا مِنْ «عَشْرَ مَرَّاتٍ» تَتَرْجِمُ «دِيكَا أَمْنُونَ»، أَيْ «عَشْرَ حِمْلَانٍ»، يَعْنِي عَشْرَ مَرَّاتٍ وُلِدَتْ فِيهَا الْحِمْلَانُ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ فِيرْجِيلِيُوسَ يَقُولُ هَكَذَا: «بَعْدَ حِينٍ أَنْظُرُ مَمَالِكِي فَأَتَعَجَّبُ مِنَ السَّنَابِلِ»، مُشِيرًا بِالسَّنَابِلِ إِلَى الْحَصَادِ وَبِالْحَصَادِ إِلَى السَّنَوَاتِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ فِي الْمَسْأَلَةِ ٩٥.
وَلَكِنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ السَّبْعِينِيَّةَ مُحَرَّفَةٌ هُنَا، وَأَنَّهُ بَدَلًا مِنْ «دِيكَا أَمْنُونَ» يَجِبُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى «دِيكَا مْنُونَ»، أَيْ «عَشْرَ مِنًا»؛ إِذْ يَبْدُو أَنَّ السَّبْعِينِيَّةَ أَرَادَتْ أَنْ تُبْقِيَ الْعِبْرِيَّ «مُونِيمْ» وَتُفَسِّرَهُ بِالْمِنَا. هَكَذَا يَقُولُ أُوغُوبِينُوسُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: «بِعَشْرِ، أَيْ بِمِنًا كَثِيرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ — بِمَبْلَغٍ كَبِيرٍ — خَدَعَنِي أَبُوكُمَا بِتَغْيِيرِ أُجْرَتِي وَقَلْبِهَا.»
تَرُوبُولُوجِيًّا، لَابَانُ يُمَثِّلُ الْعَالَمَ؛ فَالْعَالَمُ يُضَايِقُ يَعْقُوبَ أَيِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَحَبَّهُمْ مِنْ قَبْلُ وَرَقَّاهُمْ طَمَعًا فِي مَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ، لِأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ مَخْدُوعًا بَعْدَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الطَّمَعِ.
الْآيَةُ ٨: الْغَنَمُ الْمُرَقَّطَةُ
٨. فِي الْعِبْرِيَّةِ עקדים، الْغَنَمُ الَّتِي كَانَ جَسَدُهَا كُلُّهُ مُبَقَّعًا، يَبْدُو أَنَّهَا تُقَابَلُ بِـ נקדים، أَيِ الْغَنَمِ الَّتِي كَانَتْ أَرْجُلُهَا فَقَطْ، بَلْ كَوَاحِلُ أَقْدَامِهَا فَحَسْبُ، مُبَقَّعَةً.
الْآيَةُ ١٢: اُنْظُرْ جَمِيعَ الذُّكُورِ الْمُرَقَّطَةِ
١٢. اُنْظُرْ جَمِيعَ الذُّكُورِ الْمُرَقَّطَةِ — بِهَذِهِ الرُّؤْيَا وَالرَّمْزِ كَانَ الْمَلَاكُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ نَسْلًا مُتَعَدِّدَ الْأَلْوَانِ سَيُولَدُ لِيَعْقُوبَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَمَا يَبْدُو، عَلَّمَهُ طَرِيقَةَ فِعْلِ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ الْعِصِيِّ الْمَقْشُورَةِ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ هُنَا، مُكْتَفِيًا بِسَرْدِ الْأَمْرِ كُلِّهِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِقِ.
لِأَنِّي رَأَيْتُ كُلَّ مَا فَعَلَهُ بِكَ لَابَانُ — يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٥٧: «هُنَا نَتَعَلَّمُ أَنَّنَا حِينَ يُظْلَمُ عَلَيْنَا وَنَكُونُ وُدَعَاءَ وَمُتَحَمِّلِينَ صَابِرِينَ، نَنَالُ عَوْنًا إِلَهِيًّا أَعْظَمَ وَأَوْفَرَ. فَلَا نُقَاوِمْ إِذًا مَنْ يَظْلِمُنَا وَيُرِيدُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْنَا؛ بَلْ لِنَتَحَمَّلْ ذَلِكَ بِنُبْلٍ، عَالِمِينَ أَنَّ رَبَّ الْجَمِيعِ لَنْ يُهْمِلَنَا، مَا دُمْنَا نَعْتَرِفُ بِإِحْسَانِهِ. لِأَنَّهُ يَقُولُ: «لِيَ الِانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي.»»
الْآيَةُ ١٣: إِلَهُ بَيْتِ إِيلَ
١٣. إِلَهُ بَيْتِ إِيلَ — الَّذِي ظَهَرَ لَكَ مُتَّكِئًا عَلَى السُّلَّمِ فِي بَيْتِ إِيلَ، الْإِصْحَاحُ ٢٨.
وَنَذَرْتَ نَذْرًا — يُذَكِّرُ اللهُ يَعْقُوبَ بِنَذْرِهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ كَانَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ بِسَبَبِهِ بَارَكَ يَعْقُوبَ وَأَغْنَاهُ؛ وَلِيُذَكِّرَهُ بِمُتَابَعَةِ نَذْرِهِ وَإِتْمَامِهِ.
الْآيَةُ ١٤: أَلَنَا شَيْءٌ بَعْدُ؟
١٤. أَلَنَا شَيْءٌ بَعْدُ؟ — أَلَمْ يَجْعَلْنَا أَبُونَا عَمَلِيًّا مَحْرُومَتَيْنِ مِنَ الْمِيرَاثِ؟ أَوَّلًا، بِأَنْ سَلَّمَنَا لَكَ زَوْجَتَيْنِ بِلَا مَهْرٍ. ثَانِيًا، بِأَنِ اسْتَوْلَى لِنَفْسِهِ عَلَى كَامِلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَيْتَنَا بِهِ زَوْجَتَيْنِ، أَيْ عَمَلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ خِدْمَتِكَ، حَتَّى يَبْدُوَ أَنَّهُ لَمْ يُزَوِّجْنَا كَمَا يَفْعَلُ الْأَبُ بِتَخْصِيصِ مَهْرٍ، بَلْ بَاعَنَا كَتَاجِرِ عَبِيدٍ.
الْآيَةُ ١٧: وَأَرْكَبَ أَوْلَادَهُ
١٧. وَأَرْكَبَ أَوْلَادَهُ — لِأَنَّهُمْ كَانُوا صِغَارًا: فَأَكْبَرُهُمْ رَأُوبَيْنُ كَانَ فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَأَصْغَرُهُمْ يُوسُفُ كَانَ فِي السَّادِسَةِ.
تَرُوبُولُوجِيًّا، تَعَلَّمْ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عِنْدَمَا يَنْشَأُ الْحَسَدُ يَنْبَغِي لِلْبَارِّ أَنْ يَتَجَنَّبَهُ: لِأَنَّ الذَّهَابَ بِلَا خِصَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي شِجَارٍ، كَمَا يَقُولُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي الْكِتَابِ الثَّانِي عَنْ يَعْقُوبَ، الْفَصْلُ ٥. وَكَذَلِكَ يَسْمَحُ اللهُ لِأَوْلِيَائِهِ أَنْ يُعَذَّبُوا هُنَا بِالْمِحَنِ وَالِافْتِرَاءَاتِ وَالْمَنَافِي، لِكَيْ يَشْتَاقُوا إِلَى الْوَطَنِ السَّمَاوِيِّ، كَمَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ: لِأَنَّ الشُّرُورَ الَّتِي تَضْغَطُ عَلَيْنَا هُنَا تُجْبِرُنَا عَلَى الذَّهَابِ إِلَى اللهِ.
الْآيَةُ ١٨: ذَاهِبًا إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ
١٨. ذَاهِبًا إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ — كَانَ يَعْقُوبُ مُتَّجِهًا إِلَى هُنَاكَ، لَكِنَّهُ أَمْضَى فِي الطَّرِيقِ نَحْوَ عِقْدٍ مِنَ الزَّمَنِ، مُقِيمًا فِي شَكِيمَ وَفِي بَيْتِ إِيلَ. هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ.
الْآيَةُ ١٩: سَرَقَتِ الْأَصْنَامَ
١٩. سَرَقَتِ الْأَصْنَامَ — قَدْ تَسْأَلُ: لِمَاذَا فَعَلَتْ رَاحِيلُ ذَلِكَ؟ يُجِيبُ أَوَّلًا ابْنُ عَزْرَا أَنَّهَا سَرَقَتْ أَصْنَامَ أَبِيهَا لِئَلَّا يَسْتَطِيعَ أَبُوهَا بِاسْتِشَارَتِهَا أَوِ التَّكَهُّنِ بِتَفَحُّصِهَا أَنْ يَعْرِفَ أَيَّ طَرِيقٍ سَلَكَهُ يَعْقُوبُ وَأَهْلُهُ فِي رَحِيلِهِمْ وَهُرُوبِهِمْ، فَلَا يَتَمَكَّنَ مِنْ مُطَارَدَتِهِمْ.
ثَانِيًا، يَرَى الْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ (فِي بِدَايَةِ تَفْسِيرِهِ لِسِفْرِ الْأَمْثَالِ) وَالنَّزْيَانْزِيُّ (الْخُطْبَةُ ٢ عَنِ الْفِصْحِ) وَثِيُودُورِيطُسُ وَبِيرِيرِيُوسُ أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِتَنْزِعَ مِنْ أَبِيهَا مُنَاسَبَةَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ.
ثَالِثًا، وَالْأَرْجَحُ أَنَّ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ (الْعِظَةُ ٥٧) وَجِنَّادِيُوسَ وَرُوبِرْتُوسَ وَكَايِتَانُوسَ وَأُولِيَاسْتِرَ يَرَوْنَ أَنَّهَا أَخَذَتِ الْأَصْنَامَ لَا بِوَصْفِهَا أَصْنَامَ أَبِيهَا بَلْ بِوَصْفِهَا آلِهَتَهَا الْمَنْزِلِيَّةَ الْخَاصَّةَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا وَتَرْجُو مِنْهَا رِحْلَةً مُوَفَّقَةً وَكُلَّ خَيْرٍ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا لَابَانَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَبِالتَّالِي رَاحِيلَ أَيْضًا، كَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ الْحَقِيقِيِّ الْأَصْنَامَ أَيْضًا عَلَى عَادَةِ قَوْمِهِمْ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣٥، الْآيَةِ ٢، حَيْثُ أَزَالَ يَعْقُوبُ أَخِيرًا هَذِهِ الْأَصْنَامَ.
رَابِعًا، سَرَقَتْ رَاحِيلُ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَمِينَةً، أَيْ مَصْنُوعَةً مِنَ الذَّهَبِ؛ فَسَرَقَتِ الذَّهَبَ — أَيْ أَخَذَتْهُ سِرًّا — لَكِنْ بِحَقٍّ، بِوَصْفِهِ مَهْرَهَا وَأُجْرَةً مُسْتَحَقَّةً لِزَوْجِهَا. هَكَذَا يَقُولُ بِيرِيرِيُوسُ.
الْأَصْنَامَ — فِي الْعِبْرِيَّةِ תרפים «تِرَافِيمْ»، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَمَاثِيلَ بَشَرِيَّةٍ، أَوْ تَمَاثِيلَ ذَاتِ هَيْئَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ صَمُوئِيلَ الْأَوَّلِ ١٩: ١٣؛ وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَهُ أَكِيلَا «مُورْفُومَاتَا»، أَيْ «تَشْكِيلَاتٌ»؛ وَالْكَلْدَانِيُّ تَرْجَمَهُ «صُوَرًا».
ثَانِيًا، اسْمُ «تِرَافِيمْ» خُصِّصَ بِالِاسْتِعْمَالِ لِتِلْكَ التَّمَاثِيلِ الَّتِي كَانَتْ تُعْطِي إِجَابَاتٍ بِوَسَاطَةِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ سِفْرِ الْقُضَاةِ ١٨: ١٨؛ وَمِنْ هُنَا يُتَرْجِمُهُ الْمُتَرْجِمُونَ عُمُومًا «أَصْنَامًا». هَكَذَا السَّبْعِينِيَّةُ وَمُتَرْجِمُنَا وَآخَرُونَ، بَلْ حَتَّى كَالْفِينُوسُ نَفْسُهُ. فَقَالَ كَالْفِينُوسُ نَفْسُهُ بِحَمَاقَةٍ: «التِّرَافِيمُ صُوَرٌ مِثْلُ الَّتِي عِنْدَ الْبَابَوِيِّينَ» — لَكِنَّ الْكَاثُولِيكَ لَا يَمْلِكُونَ وَلَا يَعْبُدُونَ الصُّوَرَ كَأَصْنَامٍ أَوْ كَآلِهَةٍ، كَمَا امْتَلَكَ لَابَانُ هَذِهِ التِّرَافِيمَ وَعَبَدَهَا، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٣٠. وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ عَنِ التِّرَافِيمِ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ ١٨.
الْآيَةُ ٢٠: لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْتَرِفَ
٢٠. لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْتَرِفَ. — فِي الْعِبْرِيَّةِ يُقْرَأُ: «سَرَقَ يَعْقُوبُ قَلْبَ لَابَانَ»: الْقَلْبَ، أَيِ الثَّرَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ كَقَلْبِ لَابَانَ، وَالَّتِي أَحَبَّهَا كَقَلْبِهِ ذَاتِهِ، يَقُولُ لِيبُومَانُوسُ.
وَلَكِنَّنِي أَقُولُ إِنَّهُ تَعْبِيرٌ عِبْرَانِيٌّ: «سَرَقَ قَلْبَ لَابَانَ»، أَيْ بِدُونِ عِلْمِ لَابَانَ أَوْ إِدْرَاكِهِ، هَرَبَ خُفْيَةً وَسِرًّا، كَأَنَّمَا أَخَذَ مَعَهُ الْقَلْبَ، أَيْ مَعْرِفَةَ لَابَانَ وَإِدْرَاكَهُ. وَلِذَلِكَ يُتَرْجِمُهُ الْكَلْدَانِيُّ «أَخْفَى»؛ وَالسَّبْعِينِيَّةُ «سَتَرَ». وَهَكَذَا يَقُولُ سِينِيكَا فِي مَسْرَحِيَّةِ أَغَامِمْنُونَ: «يَا أَخِي، سَأَسْرِقُ وَجْهَكَ بِثَوْبٍ» — «سَأَسْرِقُ»، أَيْ «سَأُخْفِي».
وَيُضِيفُ كَايِيتَانُوسُ أَنَّ لَابَانَ كَانَ قَدْ عَزَمَ فِي قَلْبِهِ أَلَّا يَسْمَحَ لِيَعْقُوبَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَارَانَ الثَّرَوَاتِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا هُنَاكَ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ لَهُ يَعْقُوبُ فِي الْآيَةِ ٤٢: «لَعَلَّكَ كُنْتَ تُرْسِلُنِي فَارِغَ الْيَدَيْنِ»؛ وَلِأَنَّ يَعْقُوبَ بِرَحِيلِهِ سِرًّا أَبْطَلَ هَذِهِ الْخُطَّةَ مِنْ لَابَانَ، لِذَلِكَ يُقَالُ إِنَّهُ سَرَقَ قَلْبَهُ الَّذِي كَانَتْ تِلْكَ الْخُطَّةُ مَخْبُوءَةً فِيهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ سِرًّا: وَهَذَا مَجَازٌ مُرْسَلٌ.
الْآيَةُ ٢١: وَعَبَرَ النَّهْرَ
٢١. بَعْدَ أَنْ عَبَرَ النَّهْرَ — أَيِ الْفُرَاتَ الَّذِي يُحِيطُ بِحَارَانَ وَبِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ. وَقَدْ فَعَلَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ لَا بِمُعْجِزَةٍ كَمَا يَدَّعِي الْيَهُودُ، بَلْ بِقَارِبٍ عَادِيٍّ.
الْآيَةُ ٢٣: فِي جَبَلِ جِلْعَادَ
٢٣. فِي جَبَلِ جِلْعَادَ — الَّذِي سُمِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ ٤٨ جِلْعَادَ. وَهَذَا اسْتِبَاقٌ. عَنْ جِلْعَادَ، اُنْظُرْ أَدْرِيكُومِيُوسَ فِي كِتَابِهِ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ.
الْآيَةُ ٢٥: أَقَارِبَهُ
٢٥. الْأَقَارِبُ — بِجَمَاعَةٍ قَوِيَّةٍ مِنَ الْأَنْسِبَاءِ وَالْخَدَمِ وَأَبْنَاءِ الْبَلَدِ.
الْآيَةُ ٢٦: لِمَاذَا فَعَلْتَ هَكَذَا؟
٢٦. قَالَ (لَابَانُ) لِيَعْقُوبَ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هَذَا؟ — تَأَمَّلْ هُنَا مَرَّةً أُخْرَى فِي كَلَامِ لَابَانَ طَبِيعَةَ الْعَالَمِ. فَأَوَّلًا، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بِغَدْرِهِ هُوَ أَعْطَى الْبَارَّ سَبَبًا لِلْهُرُوبِ، إِلَّا أَنَّهُ يُخْفِي ذَلِكَ وَيُلْقِي كُلَّ اللَّوْمِ عَلَى الْبَارِّ؛ وَحِينَ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ عَنْ ذَنْبِهِ وَيَتَصَالَحَ مَعَ الْبَارِّ، يَتَّهِمُهُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ. هَكَذَا الْعَالَمُ يُخْفِي خَطَايَاهُ وَيُلْقِي كُلَّ اللَّوْمِ عَلَى الْأَتْقِيَاءِ. هَكَذَا اتَّهَمَ أَخْآبُ إِيلِيَّا بِأَنَّهُ يُقْلِقُ إِسْرَائِيلَ، بَيْنَمَا الْمَلِكُ الْفَاجِرُ نَفْسُهُ كَانَ سَبَبَ الشُّرُورِ بِخَطَايَاهُ. ثَانِيًا، يَتَظَاهَرُ لَابَانُ بِأَنَّهُ صَدِيقٌ بَيْنَمَا هُوَ خَصْمٌ: «لِأُشَيِّعَكَ»، يَقُولُ، «بِفَرَحٍ وَأَغَانٍ»، إِلَخْ. هَكَذَا الْعَالَمُ يَتَكَلَّمُ بِوَجْهٍ وَيَعْتَقِدُ بِوَجْهٍ آخَرَ: وَيْلٌ لِذَوِي الْقَلْبِ الْمُزْدَوَجِ! ثَالِثًا، يَكْشِفُ عَنْ كُفْرِهِ وَحَمَاقَتِهِ حِينَ يَقُولُ: «لِمَاذَا سَرَقْتَ آلِهَتِي؟» فَالْكُفْرُ أَنَّهُ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ؛ وَالْحَمَاقَةُ أَنَّهُ يَدْعُوهَا آلِهَةً وَهِيَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَحْمِيَ نَفْسَهَا مِنَ اللُّصُوصِ. رَابِعًا، يَقُولُ: «فَعَلْتَ حَمَاقَةً»؛ هَكَذَا يَبْدُو لِلْعَالَمِ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ الْأَتْقِيَاءُ حَمَاقَةٌ. لَمْ يَفْعَلِ الْبَارُّ حَمَاقَةً حِينَ طَلَبَ وَطَنَهُ وَهُوَ مُضْطَهَدٌ، بَلِ الْعَالَمُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ الْحَمَاقَةَ بِازْدِرَائِهِ الْوَطَنَ السَّمَاوِيَّ. خَامِسًا، مِنَ التَّكَبُّرِ أَنَّهُ يَقُولُ: «يَدِي لَهَا الْقُدْرَةُ عَلَى أَنْ تُجَازِيَكَ بِالشَّرِّ»؛ هَكَذَا الْعَالَمُ دَائِمًا يَتَبَاهَى بِقُوَّتِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ضِدَّ اللهِ. يَقُولُ إِشَعْيَاءُ (الْإِصْحَاحُ ١٦): «تَكَبُّرُهُ أَعْظَمُ مِنْ قُوَّتِهِ.» وَلَكِنْ فِي النِّهَايَةِ، شَاءَ أَمْ أَبَى، يُضْطَرُّ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِيقَةِ، وَهِيَ أَنَّ الرَّبَّ يَمْنَعُهُ وَيَكْبَحُهُ. وَمِنْ هُنَا يُبَيِّنُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ (الْعِظَةُ ٥٧) بِأَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ كَيْفَ يَعْتَنِي اللهُ بِيَعْقُوبَ وَبِسَائِرِ الْأَبْرَارِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يُرَوِّضُ الرِّجَالَ الشَّرِسِينَ فَحَسْبُ، بَلْ يُدَجِّنُ الْوُحُوشَ ذَاتَهَا لِئَلَّا تُؤْذِيَهُمْ: «فَإِنَّ يَدَ اللهِ»، يَقُولُ، «أَقْوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ تُحَصِّنُنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَتَجْعَلُنَا لَا نُقْهَرُ. وَقَدْ تَجَلَّى هَذَا أَيْضًا فِي هَذَا الْبَارِّ. فَالَّذِي بِكُلِّ ذَلِكَ الْغَضَبِ أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى يَعْقُوبَ وَيُنْزِلَ بِهِ عِقَابَ الْهُرُوبِ، لَا يَنْطِقُ فَحَسْبُ بِشَيْءٍ قَاسٍ ضِدَّهُ، بَلْ يُخَاطِبُهُ بِرِفْقٍ كَمَا يُخَاطِبُ الْأَبُ ابْنَهُ، قَائِلًا: مَاذَا فَعَلْتَ؟ لِمَاذَا رَحَلْتَ سِرًّا؟ اُنْظُرْ أَيَّ تَحَوُّلٍ عَظِيمٍ! اُنْظُرْ كَيْفَ أَنَّ مَنْ كَانَ يَهِيجُ كَالْوَحْشِ يُحَاكِي الْآنَ وَدَاعَةَ الْخِرَافِ.»
بِدُونِ عِلْمِي. — فِي الْعِبْرِيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى يُقْرَأُ: «سَرَقْتَ قَلْبِي»، وَقَدْ تَكَلَّمْتُ عَنْهُ عِنْدَ الْآيَةِ ٢٠.
كَسَبَايَا بِالسَّيْفِ — كَأَنَّهُنَّ أُسِرْنَ فِي الْحَرْبِ، وَبِالتَّالِي عَبْدَاتٌ أَوْ إِمَاءٌ.
الْآيَةُ ٢٨: أَبْنَائِي
٢٨. بَنِيَّ — أَيْ أَحْفَادِي مِنْ بَنَاتِي.
الْآيَةُ ٣٢: فَتِّشْ عَمَّا تَجِدُهُ لَكَ عِنْدِي
٣٢. فَتِّشْ عَمَّا تَجِدُهُ مِنْ أَغْرَاضِكَ عِنْدِي، وَخُذْهُ. — بِالْمَعْنَى الرُّوحِيِّ يَقُولُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ (الْكِتَابُ الثَّانِي عَنْ يَعْقُوبَ، الْفَصْلُ ٥): «جَاءَ إِلَيْهِ لَابَانُ — أَيِ "الْمُبَيَّضُ"، وَهُوَ الشَّيْطَانُ (لِأَنَّ الشَّيْطَانَ أَيْضًا يَتَحَوَّلُ إِلَى مَلَاكِ نُورٍ) — وَبَدَأَ يُطَالِبُ بِاسْتِرْدَادِ مَا لَهُ. فَأَجَابَ يَعْقُوبُ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنْ أَشْيَائِكَ. فَتِّشْ إِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ رَذَائِلِكَ وَجَرَائِمِكَ؛ لَمْ آخُذْ مَعِي شَيْئًا مِنْ مَكَائِدِكَ، وَلَا أُشَارِكُ فِي شَيْءٍ مِنْ خُبْثِكَ: فَرَرْتُ مِنْ كُلِّ مَا لَكَ كَمَا يُفَرُّ مِنَ الْوَبَاءِ. فَبَحَثَ لَابَانُ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ. مَا أَطُوبَ الرَّجُلَ الَّذِي لَا يَجِدُ فِيهِ الْعَدُوُّ شَيْئًا يَقْدِرُ أَنْ يَدَّعِيَهُ مِلْكًا لَهُ، وَالَّذِي لَا يَكْتَشِفُ فِيهِ إِبْلِيسُ شَيْئًا يَعْتَرِفُ بِهِ! كَانَ هَذَا يَبْدُو مُسْتَحِيلًا فِي إِنْسَانٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ رَمْزَ ذَاكَ الَّذِي قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ: «رَئِيسُ هَذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ يَجِدُ فِيَّ شَيْئًا.» لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ لِلشَّيْطَانِ هُوَ لَا شَيْءَ، إِذْ لَا يَمْلِكُ دَوَامًا وَلَا جَوْهَرًا.»
الْآيَةُ ٣٤: تَحْتَ أَغْطِيَةِ الرَّحْلِ
٣٤. تَحْتَ الْبِرْذَعَةِ — تَحْتَ سَرْجِ الْحِمْلِ. جَلَسَتْ رَاحِيلُ فَوْقَ سَرْجِ الْجَمَلِ الَّذِي كَانَتْ تَرْكَبُهُ عَادَةً، وَالَّذِي وُضِعَ فِي خَيْمَتِهَا لِلْمَبِيتِ، كَأَنَّهُ مَقْعَدٌ أَوْ فِرَاشٌ أَكْثَرُ رَاحَةً. فَهَذِهِ السُّرُوجُ تَكُونُ عَادَةً مُجَهَّزَةً بِالْوَسَائِدِ وَغَيْرِهَا مِنَ اللَّوَازِمِ. وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَتْ تَمَاثِيلُ الْآلِهَةِ الْمَنْزِلِيَّةِ صَغِيرَةً (قَارِنْ فِيرْجِيلِيُوسَ، الْإِنِيَادَةُ ٢: ٧١٦)، فَأَمْكَنَ إِخْفَاؤُهَا بِسُهُولَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا السَّرْجِ الْجَمَلِيِّ.
الْآيَةُ ٣٥: بِحَسَبِ عَادَةِ النِّسَاءِ
٣٥. عَلَى عَادَةِ النِّسَاءِ — كَأَنَّهَا تَقُولُ: إِنِّي أُعَانِي مِنْ دَوْرَةِ الطَّمْثِ، وَلِذَلِكَ لَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِسَبَبِ ضَعْفِي.
الْآيَةُ ٣٦: وَقَدِ انْتَفَخَ غَضَبًا
٣٦. وَاحْتَدَّ — بِغَضَبٍ عَادِلٍ وَسَخَطٍ، يَعْقُوبُ الْأَوْدَعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَحْوَالِ الْعَادِيَّةِ: فَإِنَّ الصَّبْرَ إِذَا أُهِينَ يَصِيرُ غَضَبًا.
الْآيَةُ ٣٩: وَلَمْ أُرِكَ مَا افْتَرَسَتْهُ الْوُحُوشُ
٣٩. وَلَمْ أُرِكَ مَا افْتَرَسَتْهُ الْوُحُوشُ. — الْقَانُونُ الرَّعَوِيُّ هُوَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَتِ الْوُحُوشُ مَاشِيَةً بِدُونِ خَطَأٍ مِنَ الرَّاعِي، فَإِنَّهُ بِإِظْهَارِ جُزْءٍ بَاقٍ مِنْهَا لِصَاحِبِهَا يُعْفَى الرَّاعِي مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْلِكُ عَلَى حِسَابِ صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَدَخَّلْ خَطَأُ الْحَارِسِ. لَكِنَّ لَابَانَ الْقَاسِيَ الظَّالِمَ لَمْ يَلْتَزِمْ بِهَذَا الْقَانُونِ، إِذْ أَرَادَ مِنْ يَعْقُوبَ أَنْ يَتَحَمَّلَ لَا الْخَطَأَ فَحَسْبُ بَلِ الْخَسَارَةَ الْعَارِضَةَ أَيْضًا. فَهَذَا مَا يُعَيِّرُهُ بِهِ يَعْقُوبُ قَائِلًا: «كُلُّ مَا ضَاعَ بِالسَّرِقَةِ كُنْتَ تُطَالِبُنِي بِهِ.» وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ، فَبِحَسَبِ الْقَانُونِ الرَّعَوِيِّ يَلْزَمُ الرَّاعِيَ أَنْ يَنْتَزِعَ الشَّاةَ الْمَخْطُوفَةَ مِنَ الذِّئْبِ أَوِ الدُّبِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَحْمِيَ الشَّاةَ إِنِ اسْتَطَاعَ؛ فَإِنْ تَهَاوَنَ فَهُوَ مُلْزَمٌ بِتَعْوِيضِ الشَّاةِ الْمَسْرُوقَةِ. وَهَكَذَا دَاوُدُ، حِينَ كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ، قَتَلَ أَسَدًا وَدُبًّا هَاجَمَاهَا (١ صَمُوئِيلَ ١٧: ٣٤). وَبِالْأَحْرَى سَيُطَالِبُ اللهُ الرُّعَاةَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ رِعَايَةَ النُّفُوسِ بِتِلْكَ النُّفُوسِ، إِنْ سَمَحُوا بِإِهْمَالِهِمْ أَنْ يَخْطَفَهَا الشَّيْطَانُ وَيَقُودَهَا إِلَى الْهَلَاكِ، كَمَا يُعَلِّمُ حِزْقِيَالُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣، الْآيَةِ ١٧، وَفِي الْإِصْحَاحِ ٣٤ كُلِّهِ. وَالْحُكْمُ ذَاتُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ حِمَايَةُ سَلَامَةِ رَعَايَاهُمْ وَأَشْخَاصِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَمِنْ وَاجِبِهِمْ إِذَنْ أَنْ يَسْهَرُوا دَائِمًا لِحِمَايَةِ شَعْبِهِمْ وَحِرَاسَتِهِ. يَقُولُ سِينِيكَا: «سَهَرُ الْأَمِيرِ يَحْرُسُ سَلَامَةَ كُلِّ فَرْدٍ.» وَهَكَذَا كَانَ قَيْصَرُ، الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ سِينِيكَا نَفْسُهُ (فِي كِتَابِ قِصَرِ الْحَيَاةِ): «اجْتِهَادُهُ حَمَى بُيُوتَ الْجَمِيعِ، وَتَعَبُهُ أَمَّنَ رَاحَةَ الْجَمِيعِ، وَنَشَاطُهُ وَفَّرَ مُتَعَ الْجَمِيعِ، وَانْشِغَالُهُ ضَمِنَ عُطْلَةَ الْجَمِيعِ.» وَيُرِيدُ أَفْلَاطُونُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْأُمَرَاءُ كَذَلِكَ، فِي الْكِتَابِ السَّابِعِ مِنْ الْقَوَانِينِ.
الْآيَةُ ٤٠: كُنْتُ أَحْتَرِقُ بِالْحَرِّ وَالصَّقِيعِ
٤٠. كُنْتُ أُحْرَقُ بِالْحَرِّ وَالصَّقِيعِ — يَقْرَأُ بَعْضُهُمْ خَطَأً «كُنْتُ أَحْتَرِقُ»: فَكَمَا أَنَّ الْحَرَّ يَحْرِقُ، كَذَلِكَ الْبَرْدُ يَحْرِقُ، أَيْ يَلْسَعُ وَيُعَذِّبُ وَيُجَفِّفُ، وَكَمَا فِي الْعِبْرِيَّةِ: אכלני أَخَلَنِي، أَيْ «أَكَلَنِي وَالْتَهَمَنِي وَأَضَرَّنِي.» وَيُبَيِّنُ هِيرُونِيمُوسْ مَاجِيُوسْ السَّبَبَ الطَّبِيعِيَّ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمُتَنَوِّعَاتِ، الْفَصْلِ ١٧. هَكَذَا يَقُولُ الشَّاعِرُ: «كَانَتْ ثُلُوجُ الْجِبَالِ تَحْرِقُ.» وَتَاكِيتُوسُ فِي الْحَوْلِيَّاتِ الْكِتَابِ ١٥: «احْتَرَقَتْ أَطْرَافُ كَثِيرِينَ بِقُوَّةِ الْبَرْدِ.» وَالْقِدِّيسُ بَاسِيلِيُوسُ (الْعِظَةُ عَنِ الشُّهَدَاءِ الْأَرْبَعِينَ): «بِالْبَرْدِ»، يَقُولُ، «أُحْرِقُوا بِأَكْمَلِهِمْ.» وَيَسُوعُ بْنُ سِيرَاخَ مُتَحَدِّثًا عَنْ رِيحِ الشَّمَالِ (الْإِصْحَاحُ ٤٣: ٢٣): «يُحْرِقُ الصَّحْرَاءَ وَيُطْفِئُ مَا هُوَ أَخْضَرُ»، أَيْ «كَالنَّارِ.» وَمِنْ هُنَا أَيْضًا يُقَالُ إِنَّ بْرُوِينَا [الصَّقِيعَ الْأَبْيَضَ] مُشْتَقٌّ مِنْ بِيرُورِنْدُو [الْإِحْرَاقِ]، لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الْأَعْشَابَ وَالْمَحَاصِيلَ، كَمَا يَقُولُ فِسْتُوسُ. وَبِقَدْرِ مَا تَكُونُ حَرَارَةُ النَّهَارِ لَاهِبَةً فِي الشَّرْقِ، يَكُونُ بَرْدُ اللَّيْلِ شَدِيدًا وَخَطِيرًا، وَهُوَ يَنْشَأُ عَادَةً قَبْلَ الْفَجْرِ عِنْدَ سُقُوطِ النَّدَى: وَهَذَا مَا يَشْهَدُ بِهِ جَمِيعُ مَنْ سَافَرُوا إِلَى تِلْكَ الْمَنَاطِقِ.
وَالنَّوْمُ فَرَّ مِنْ عَيْنَيَّ — مِنْ وَاجِبِ الرَّاعِي الصَّالِحِ أَنْ يَسْهَرَ وَيَحْرُسَ الْقَطِيعَ لَيْلًا. فَكَمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأُسْقُفُ وَالرَّاعِي سَاهِرًا، وَهُوَ يَرْعَى غَنَمَ اللهِ! كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ دَامَاسُوسُ فِي الرِّسَالَةِ ٤. فَيَعْقُوبُ إِذَنْ هُوَ النَّمُوذَجُ الْأَصْلِيُّ لِلْمُدَبِّرِ الصَّالِحِ، الَّذِي يَصِفُهُ أَرِسْطُو هَكَذَا فِي التَّدْبِيرِ الْمَنْزِلِيِّ: «يَنْبَغِي لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَيْقِظَ قَبْلَ الْخَادِمِ وَيَنَامَ بَعْدَهُ؛ وَأَلَّا يَتْرُكَ الْبَيْتَ بِلَا حِرَاسَةٍ — كَمَا لَا يُتْرَكُ حِصْنٌ بِلَا حِرَاسَةٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ — لَا نَهَارًا وَلَا لَيْلًا؛ وَأَنْ يَنْهَضَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهَذَا أَنْفَعُ لِلصِّحَّةِ وَلِتَدْبِيرِ شُؤُونِ الْبَيْتِ وَلِطَلَبِ الْحِكْمَةِ.» وَكَذَلِكَ كَاتُو (فِي الزِّرَاعَةِ، الْفَصْلِ ٥) وَشِيشَرُونُ (فِي الْعِرَافَةِ، الْكِتَابِ ٢) يُعْطِيَانِ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِمُدِيرِ الْمَزْرَعَةِ: «لِيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَنْهَضُ مِنَ الْفِرَاشِ وَآخِرَ مَنْ يَأْوِي إِلَيْهِ.» وَيَرْوِي كْسِينُوفُونُ فِي التَّدْبِيرِ الْمَنْزِلِيِّ أَنَّ أَجْنَبِيًّا حِينَ سُئِلَ مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْفَرَسَ قَوِيًّا وَنَشِيطًا، أَجَابَ: «عَيْنُ السَّيِّدِ.» وَأَجِسِيلَاوُسُ مَلِكُ اللَّاكِدِيمُونِيِّينَ كَانَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَحَكَّمُ فِي نَوْمِهِ، وَكَمَا يَقُولُ كْسِينُوفُونُ، كَانَ يَسْتَخْدِمُ النَّوْمَ لَا سَيِّدًا بَلْ تَابِعًا فِي شُؤُونِهِ. هَكَذَا سَهِرَ الرُّعَاةُ الَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلًا بِمِيلَادِ الْمَسِيحِ عَلَى يَدِ مَلَاكٍ. هَكَذَا يَقُولُ بُولُسُ لِتِيمُوثَاوُسَ: «وَأَمَّا أَنْتَ فَاسْهَرْ، وَاتْعَبْ فِي كُلِّ شَيْءٍ.» هَكَذَا يُشَبِّهُ الْوَثَنِيُّونَ الرَّاعِيَ الصَّالِحَ بِأَرْجُوسَ، الَّذِي كَانَ رَاعِيًا كُلُّهُ عُيُونٌ، بَلْ مَمْلُوءٌ عُيُونًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَيُنْشِدُ هُومِيرُوسُ فِي الْإِلْيَاذَةِ الْكِتَابِ ٢ أَنَّ يُوبِيتِرَ إِلَهَ الْآلِهَةِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الْآلِهَةُ وَالْبَشَرُ نِيَامًا، كَانَ سَاهِرًا يُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ تَمْجِيدِ أَخِيلِيُوسَ. هَكَذَا يُرَنِّمُ دَاوُدُ عَنِ الْإِلَهِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْمَزْمُورِ ١٢١: «هُوَذَا لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامُ حَارِسُ إِسْرَائِيلَ.» وَكَانَ لِمَلِكِ الْفُرْسِ حَاجِبٌ يُوقِظُهُ صَبَاحًا فَيَقُولُ: «قُمْ أَيُّهَا الْمَلِكُ، وَاعْتَنِ بِتِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي أَرَادَكَ مِيسُورُومَسْدِيسُ» — إِلَهُكَ — «أَنْ تَعْتَنِيَ بِهَا»؛ وَالشَّاهِدُ بْلُوتَرْخُسُ فِي كِتَابِهِ فِي تَرْبِيَةِ الْأُمَرَاءِ. فَبِحَقٍّ إِذَنْ يَقُولُ هُومِيرُوسُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ: «لَا يَنْبَغِي لِمُسْتَشَارٍ أَنْ يَنَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَقَدْ أُوكِلَتْ إِلَيْهِ شُعُوبٌ وَشُؤُونٌ كَثِيرَةٌ يَجِبُ تَدْبِيرُهَا.»
فَإِذَا كَانَتْ «حَيَاةُ الْبَشَرِ سَهَرًا»، فَكَمْ بِالْأَحْرَى يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَيَاةُ الْأُمَرَاءِ وَالْأَحْبَارِ سَهَرًا. هَكَذَا كَانَ الْقِدِّيسُ دُومِينِيكُوسُ يُصَلِّي لَيْلًا سَاهِرًا، وَيَطُوفُ عَلَى جَمِيعِ خَلَايَا إِخْوَتِهِ وَأَمَاكِنِهِمْ. فَالنَّظَافَةُ تَلِيقُ بِالنِّسَاءِ، وَالْكَدُّ يَلِيقُ بِالرِّجَالِ. وَلِهَذَا السَّبَبِ يُقِيمُ الْقِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ (الْعِظَةُ ١٥ عَلَى حِزْقِيَالَ) يَعْقُوبَ قُدْوَةً فِي الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، وَيَقُولُ إِنَّهُ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الِانْتِصَارَ فِي الْمُصَارَعَةِ مَعَ الْمَلَاكِ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٢. يَقُولُ: «كَيْفَ تُكْتَسَبُ الْقُوَّةُ الدَّؤُوبَةُ؟ فَلْنَتَذَكَّرْ يَعْقُوبَ الَّذِي بَعْدَ أَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يَخْدِمَ إِنْسَانًا بِجِدٍّ، بَلَغَ أَيْضًا مِنَ الْفَضِيلَةِ مَا جَعَلَهُ لَا يُقْهَرُ مِنَ الْمَلَاكِ الْمُصَارِعِ.»
الْآيَةُ ٤١: عَشْرَ مَرَّاتٍ
٤١. عَشْرَ مَرَّاتٍ — يَزْعُمُ يُوسِيفُوسُ أَنَّ لَابَانَ نَقَضَ الِاتِّفَاقَاتِ وَانْتَزَعَ الْأَنْسَالَ الْأَفْضَلَ الْمَوْلُودَةَ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لِيَعْقُوبَ بِمُوجَبِ الْعَهْدِ؛ لَكِنَّهُ مُخْطِئٌ، إِذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا اسْتَطَاعَ يَعْقُوبُ أَنْ يَغْتَنِيَ هَذَا الْغِنَى. فَالْأَصَحُّ مَا يَرَاهُ أُورِيجِنُسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَالْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ مِنْ أَنَّ لَابَانَ غَيَّرَ الْعَهْدَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ، مُطَالِبًا لِنَفْسِهِ بِأَنْسَالٍ مِمَّا رَأَى أَنَّهَا قَدْ وُلِدَتْ وَآلَتْ إِلَى يَعْقُوبَ.
الْآيَةُ ٤٢: رَهْبَةُ إِسْحَاقَ
٤٢. لَوْلَا أَنَّ إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَرَهْبَةَ إِسْحَاقَ كَانَا مَعِي — قَدْ تَسْأَلُ: مَا هِيَ «رَهْبَةُ إِسْحَاقَ»؟ أَوَّلًا: يُجِيبُ ابْنُ عَزْرَا وَكَايِتَانُوسُ بِأَنَّهَا الْخَوْفُ وَالتَّوْقِيرُ اللَّذَانِ خَافَ بِهِمَا إِسْحَاقُ اللهَ وَعَبَدَهُ وَوَقَّرَهُ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: بِفَضْلِ خَوْفِ إِسْحَاقَ، أَيْ تَقْوَاهُ وَتَوْقِيرِهِ وَإِخْلَاصِهِ، الَّذِي تَضَرَّعَ بِهِ إِلَى اللهِ مِنْ أَجْلِ ابْنِهِ يَعْقُوبَ، تَحَرَّرَ يَعْقُوبُ مِنْ لَابَانَ وَأَفْلَحَ. فَهَذَا الْخَوْفُ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ هُوَ فِعْلُ دِيَانَةٍ وَتَوْقِيرٍ، وَيَنْشَأُ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ؛ بَلْ هُوَ فِعْلُ مَحَبَّةٍ، مَأْمُورٌ بِهِ تَارَةً وَمُنْبَثِقٌ تَارَةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْقِدِّيسِينَ يُحِبُّونَ اللهَ حُبًّا أَعْظَمَ، فَيَخَافُونَ أَنْ يُسِيئُوا إِلَيْهِ خَوْفًا أَعْظَمَ، وَيَعْبُدُونَهُ وَيُوَقِّرُونَهُ تَوْقِيرًا أَعْظَمَ.
ثَانِيًا: يَرَى آخَرُونَ أَنَّ هَذَا الْخَوْفَ هُوَ التَّوْقِيرُ الَّذِي أَكْرَمَ بِهِ يَعْقُوبُ أَبَاهُ إِسْحَاقَ وَخَافَهُ وَوَقَّرَهُ: فَبِهَذَا التَّوْقِيرِ وَالْبِرِّ الْبَنَوِيِّ تُجَاهَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، اسْتَحَقَّ يَعْقُوبُ عِنْدَ اللهِ أَنْ يُحَرِّرَهُ وَيَحْمِيَهُ.
ثَالِثًا، وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ: إِنَّ اللهَ الَّذِي كَانَ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ يُسَمَّى «رَهْبَةَ إِسْحَاقَ» — كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللهُ الَّذِي عَبَدَهُ إِبْرَاهِيمُ، وَالَّذِي خَافَهُ إِسْحَاقُ وَوَقَّرَهُ بِاعْتِبَارِهِ الْأُلُوهَةَ الْعُظْمَى وَالْجَلَالَ الْأَسْمَى. هَكَذَا يُسَمِّي إِشَعْيَاءُ (الْإِصْحَاحُ ٨، الْآيَةُ ١٣) اللهَ رُعْبَ إِسْرَائِيلَ وَهَوْلَهُ، الَّذِي عَبَدَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ وَوَقَّرُوهُ بِخَوْفٍ وَرَهْبَةٍ.
فَـ«الْخَوْفُ» هُنَا مَأْخُوذٌ مَجَازِيًّا بِالْكِنَايَةِ عَنْ مَوْضُوعِ الْخَوْفِ، أَيْ عَنِ اللهِ. هَكَذَا سَمَّى الْوَثَنِيُّونَ يُوبِيتِرَ خَوْفَ الْبَشَرِ، الَّذِي يَرْهَبُهُ النَّاسُ شَاهِدًا وَدَيَّانًا وَمُنْتَقِمًا، «وَالَّذِي يَخْشَوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا بِأُلُوهِيَّتِهِ فَيُخْلِفُوا.» فَهَكَذَا حَلَفَ يَعْقُوبُ فِي الْآيَةِ ٥٣ بِرَهْبَةِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، كَمَا حَلَفَ لَابَانُ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهِ نَاحُورَ. هَكَذَا يُسَمَّى اللهُ فِي الْمَزَامِيرِ «رَجَائِي» وَ«صَبْرِي»، أَيْ مَنْ أَرْجُوهُ وَمِنْ أَجْلِهِ أَصْبِرُ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ وَالتَّرْجُمُ الْكِلْدَانِيُّ وَالْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ.
وَبَّخَكَ أَمْسِ — حِينَ ظَهَرَ لَكَ مُحَذِّرًا إِيَّاكَ أَلَّا تَقُولَ أَوْ تَفْعَلَ شَيْئًا قَاسِيًا بِي، الْآيَةُ ٢٩.
الْآيَةُ ٤٣: مَاذَا أَسْتَطِيعُ؟
٤٣. مَاذَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَ؟ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: الْمَحَبَّةُ الْأَبَوِيَّةُ وَالْعَاطِفَةُ لَا تَسْمَحَانِ لِي بِأَنْ أُؤْذِيَ بَنَاتِي وَأَحْفَادِي. فَهَكَذَا تَقْرَأُ الْعِبْرِيَّةُ؛ لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا يُتَرْجِمُهَا «أَبْنَاءً وَأَحْفَادًا»، حَيْثُ «وَ» تَعْنِي «أَيْ»: فَلَابَانُ يُسَمِّي أَحْفَادَهُ أَبْنَاءً، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَالَ لِيَعْقُوبَ لِلتَّوِّ: «الْأَبْنَاءُ وَالْقُطْعَانُ وَكُلُّ مَا تَرَى لِي هُوَ»، أَيْ لِأَنَّهُمْ يَنْحَدِرُونَ مِنِّي بِوَصْفِي جَدَّهُمْ وَمَالِكَهُمُ الْأَوَّلَ.
الْآيَةُ ٤٤: لِيَكُونَ شَهَادَةً
٤٤. لِيَكُونَ شَهَادَةً — تِذْكَارًا لِلْعَهْدِ الْمُبْرَمِ بَيْنَنَا.
الْآيَةُ ٤٥: نُصُبًا
٤٥. نُصُبًا — عَلَامَةً وَأَثَرًا تَذْكَارِيًّا. عَنْ كَلِمَةِ «نُصُبٍ» انْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٨: ١٨.
الْآيَةُ ٤٦: رُجْمَةً
٤٦. كَوْمَةٌ — رَكَامٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ وَمُسَطَّحٌ: فَقَدْ أَكَلُوا عَلَيْهِ كَأَنَّهُ مَائِدَةٌ.
الْآيَةُ ٤٧: رُجْمَةُ الشَّاهِدِ
٤٧. الَّذِي سَمَّاهُ لَابَانُ كَوْمَةَ الشَّاهِدِ، وَيَعْقُوبُ رَكَامَ الشَّهَادَةِ، كُلٌّ حَسَبَ خَاصِّيَّةِ لُغَتِهِ — فَرَضَ يَعْقُوبُ وَلَابَانُ الِاسْمَ ذَاتَهُ عَلَى هَذَا الرَّكَامِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْجَوْهَرُ، لَكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَاللُّغَةُ. فَلَابَانُ الْأَرَامِيُّ سَمَّاهُ بِالْأَرَامِيَّةِ יגר שהדותא يِجَرْ سَهَدُوثَا، أَيْ «رَكَامَ الشَّهَادَةِ أَوْ كَوْمَتَهَا»؛ أَمَّا يَعْقُوبُ الْعِبْرَانِيُّ فَسَمَّاهُ بِالْعِبْرِيَّةِ גלעד جَلْعِيدُ، أَيْ «كَوْمَةَ الشَّاهِدِ»؛ فَإِنَّ جَلْ تَعْنِي «كَوْمَةً» وَعِيدْ تَعْنِي «شَاهِدًا.» وَفِي الْجَوْهَرِ «رَكَامُ الشَّهَادَةِ» هُوَ ذَاتُهُ «كَوْمَةُ الشَّاهِدِ»: فَالْحَجَرُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا إِلَّا إِذَا أُقِيمَ وَوُضِعَ شَهَادَةً عَلَى أَمْرٍ مَا. وَرُبَّمَا أَيْضًا بِسَبَبِ إِهْمَالِ النُّسَّاخِ تَمَّ تَبْدِيلُ الِاسْمَيْنِ هُنَا، فَوُضِعَ «شَاهِدٌ» مَكَانَ «شَهَادَةٌ» وَالْعَكْسُ؛ فَبِالدِّقَّةِ وَالتَّحْدِيدِ سَمَّى لَابَانُ هَذَا الرَّكَامَ يِجَرْ سَهَدُوثَا، أَيْ «رَكَامَ الشَّهَادَةِ»؛ وَيَعْقُوبُ سَمَّاهُ جَلْعِيدُ، أَيْ «الْكَوْمَةَ أَوِ الرَّكَامَ الشَّاهِدَ.» وَلِأَنَّ هَذَا الرَّكَامَ أُقِيمَ شَهَادَةً عَلَى الْعَهْدِ الْمُبْرَمِ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَلَابَانَ، فَقَدْ سُمِّيَ جِلْعَادَ، أَيْ «كَوْمَةَ الشَّاهِدِ»، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجَبَلُ نَفْسُهُ وَالْمَدِينَةُ وَالْمِنْطَقَةُ بِأَسْرِهَا جِلْعَادَ أَوْ جِلْعَادِيتِسَ.
الْآيَةُ ٤٨: دُعِيَ اسْمُهُ جِلْعَادَ
٤٨. سُمِّيَ اسْمُهُ جِلْعَادَ، أَيْ كَوْمَةُ الشَّاهِدِ — فِي الْعِبْرِيَّةِ لَا يُوجَدُ سِوَى «جِلْعَادُ»، لَكِنَّ مُتَرْجِمَنَا يَشْرَحُ الِاسْمَ الْعِبْرِيَّ جِلْعَادَ مُضِيفًا «أَيْ كَوْمَةُ الشَّاهِدِ.» وَالْعِبْرِيَّةُ تُضِيفُ «وَمِصْفَاةَ»، أَيْ «وَبُرْجَ الْمُرَاقَبَةِ»، لِأَنَّ لَابَانَ قَالَ: «لِيُرَاقِبْ الرَّبُّ وَيَنْظُرْ وَيَحْكُمْ بَيْنَنَا.» فَأُطْلِقَ عَلَى هَذَا الرَّكَامِ اسْمَانِ: الْأَوَّلُ جَلْعِيدُ، أَيْ «كَوْمَةُ الشَّاهِدِ»؛ وَالثَّانِي مِصْفَاةُ، أَيْ «بُرْجُ الْمُرَاقَبَةِ»، أَوْ كَمَا تَتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ هِي هُورَاسِيسُ، أَيِ «الرُّؤْيَةُ» — كَأَنَّ لَابَانَ يَقُولُ: لَنْ أَسْتَطِيعَ بَعْدَ الْآنَ أَنْ أُرَاقِبَكَ وَشُؤُونَكَ يَا يَعْقُوبُ؛ فَسَأَرْحَلُ وَأَنْفَصِلُ عَنْكَ. فَاتَّقِ اللهَ الَّذِي هُوَ حَارِسُ عَهْدِنَا هَذَا وَقَسَمِنَا، لِيَحْكُمَ وَيَنْتَقِمَ إِنْ نَقَضَ أَحَدُنَا الْعَهْدَ، أَيْ: «يَقِفُ الْحَارِسُ فَوْقُ، وَيَرْقُبُ أَعْمَالَنَا طَوَالَ أَيَّامِنَا، مِنْ أَوَّلِ الضَّوْءِ إِلَى الْمَسَاءِ.» هَذِهِ هِيَ مِصْفَاتُنَا.
الْآيَةُ ٥١: الْحَجَرُ الَّذِي نَصَبْتُهُ
٥١. الْحَجَرُ الَّذِي أَقَمْتُهُ — فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الرَّكَامِ الْمَذْكُورِ، الْمُتَّجِهِ نَحْوَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، أَقَامَ لَابَانُ حَجَرَهُ؛ وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ، الْمُتَّجِهِ نَحْوَ أَرْضِ كَنْعَانَ، أَقَامَ يَعْقُوبُ حَجَرًا آخَرَ خَاصًّا بِهِ: بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَانِ الْحَجَرَانِ كَعَمُودَيْنِ وَعَلَامَتَيْ حُدُودٍ، لَا يُبَاحُ لِأَيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ تَجَاوُزُهُمَا لِإِيذَاءِ الْآخَرِ.
الْآيَةُ ٥٣: إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ نَاحُورَ
٥٣. إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ نَاحُورَ يَحْكُمُ بَيْنَنَا، وَإِلَهُ أَبِيهِمَا — أَيْ إِلَهُ تَارَحَ الَّذِي كَانَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ وَنَاحُورَ.
مُلَاحَظَةٌ: كَانَ لَابَانُ يَعْبُدُ مَعَ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ الْحَقِيقِيِّ أَصْنَامَ أَبِيهِ نَاحُورَ. وَمِنْ هُنَا أَضَافَ أَيْضًا آلِهَةَ جَدِّهِمُ الْأَكْبَرِ الْمُشْتَرَكِ، أَيْ تَارَحَ، بِاعْتِبَارِهَا آلِهَةً أَبَوِيَّةً وَمَوْرُوثَةً لِلطَّرَفَيْنِ. فَتَارَحُ فِي أَرْضِ الْكِلْدَانِيِّينَ عَبَدَ اللهَ الْحَقِيقِيَّ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّهُ فِي حَارَانَ عَبَدَ الْأَصْنَامَ مَعَ نَاحُورَ، كَمَا قُلْتُ فِي نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ ١١. أَمَّا يَعْقُوبُ فَيَرْفُضُ هَذِهِ وَيَحْلِفُ فَقَطْ بِرَهْبَةِ إِسْحَاقَ، أَيْ بِاللهِ الَّذِي خَافَهُ وَعَبَدَهُ إِسْحَاقُ وَإِبْرَاهِيمُ. انْظُرْ مَا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ٤٢.
مُلَاحَظَةٌ: كَمَا جَازَ لِيَعْقُوبَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ لَابَانَ، كَذَلِكَ يَجُوزُ لِأَيِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَقْبَلَ، بَلْ أَنْ يَطْلُبَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، قَسَمًا مِنْ غَيْرِ مُؤْمِنٍ، حَتَّى وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ سَيَحْلِفُ بِآلِهَةٍ بَاطِلَةٍ: كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَنْ يَطْلُبَ قَرْضًا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُعْطِيَهُ إِلَّا بِشَرْطِ الرِّبَا. فَكَمَا أَنَّ الْمُقْتَرِضَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَطْلُبُ الْقَرْضَ فَقَطْ وَيَتَسَامَحُ مَعَ الرِّبَا، كَذَلِكَ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى يَطْلُبُ الْقَسَمَ فَقَطْ وَيَتَسَامَحُ مَعَ أَنْ يُقْسَمَ بِآلِهَةٍ بَاطِلَةٍ، وَذَلِكَ لِسَبَبٍ عَادِلٍ، أَيِ الضَّرُورَةِ.
الْآيَةُ ٥٤: وَذَبَحَ ذَبَائِحَ
٥٤. وَقَدْ ذَبَحَ ذَبَائِحَ — قَرَابِينَ سَلَامِيَّةً مُقَدَّمَةً مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ وَالْمُصَالَحَةِ وَالْعَهْدِ الْمُبْرَمِ مَعَ لَابَانَ حَمِيهِ، وَمِنْهَا لِكَيْ يَحْفَظَ اللهُ هَذَا الْعَهْدَ وَيُثَبِّتَهُ وَيُدِيمَهُ لَهُ.
٥٥. لَيْلًا — أَيْ بَاكِرًا فِي الصَّبَاحِ. وَأَعَدَّ وَلِيمَةً. فَبِهَذِهِ الذَّبَائِحِ شَكَرَ يَعْقُوبُ اللهَ عَلَى السَّلَامِ الَّذِي تَحَقَّقَ، وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ سَأَلَ أَنْ يَحْفَظَهُ اللهُ وَيُثَبِّتَهُ وَيُدِيمَهُ.
إِلَى مَكَانِهِ — أَيْ إِلَى حَارَانَ.