كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ ستِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)

تَفْسِيرُ سِفْرِ التَّكْوِينِ، الفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ

(مُصَارَعَةُ يَعْقُوبَ لِلْمَلَاكِ)


فِهْرِسُ المُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الفَصْلِ

رَأَى يَعْقُوبُ فِرْقَتَيْنِ مِنَ المَلَائِكَةِ أَرْسَلَهُمَا اللهُ لِحِمَايَتِهِ. ثَانِيًا، فِي الآيَةِ ٣، خَوْفًا مِنْ أَخِيهِ، يُرْسِلُ إِلَيْهِ هَدَايَا. ثَالِثًا، فِي الآيَةِ ٢٤، إِذْ غَلَبَ المَلَاكَ فِي المُصَارَعَةِ، سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ.


نَصُّ الفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣٢: ١-٣٢

١. وَمَضَى يَعْقُوبُ أَيْضًا فِي طَرِيقِهِ الَّتِي بَدَأَهَا، فَاسْتَقْبَلَتْهُ مَلَائِكَةُ اللهِ. ٢. فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: «هَذِهِ مُعَسْكَرَاتُ اللهِ»، وَسَمَّى ذَلِكَ المَوْضِعَ مَحَنَايِمَ، أَيْ «مُعَسْكَرَاتٌ». ٣. وَأَرْسَلَ رُسُلًا أَمَامَهُ إِلَى عِيسُو أَخِيهِ فِي أَرْضِ سَعِيرَ، فِي نَاحِيَةِ أَدُومَ، ٤. وَأَوْصَاهُمْ قَائِلًا: «هَكَذَا تَقُولُونَ لِسَيِّدِي عِيسُو: هَكَذَا يَقُولُ أَخُوكَ يَعْقُوبُ: تَغَرَّبْتُ عِنْدَ لَابَانَ، وَأَقَمْتُ حَتَّى اليَوْمِ الحَاضِرِ. ٥. عِنْدِي بَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَغَنَمٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ، وَأُرْسِلُ الآنَ وَفْدًا إِلَى سَيِّدِي، لِأَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ.» ٦. وَرَجَعَ الرُّسُلُ إِلَى يَعْقُوبَ قَائِلِينَ: «جِئْنَا إِلَى عِيسُو أَخِيكَ، وَهَا هُوَ مُسْرِعٌ لِلِقَائِكَ مَعَ أَرْبَعِمِئَةِ رَجُلٍ.» ٧. فَخَافَ يَعْقُوبُ جِدًّا وَارْتَعَبَ، وَقَسَّمَ القَوْمَ الَّذِينَ مَعَهُ، وَالقُطْعَانَ وَالغَنَمَ وَالبَقَرَ وَالجِمَالَ إِلَى فِرْقَتَيْنِ، ٨. قَائِلًا: «إِنْ جَاءَ عِيسُو إِلَى إِحْدَى الفِرْقَتَيْنِ وَضَرَبَهَا، تَنْجُو الفِرْقَةُ البَاقِيَةُ.» ٩. وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَإِلَهَ أَبِي إِسْحَاقَ، يَا رَبُّ الَّذِي قُلْتَ لِي: ارْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَوْضِعِ مَوْلِدِكَ، وَأُحْسِنُ إِلَيْكَ. ١٠. أَنَا أَصْغَرُ مِنْ جَمِيعِ مَرَاحِمِكَ وَأَمَانَتِكَ الَّتِي صَنَعْتَهَا مَعَ عَبْدِكَ. بِعَصَايَ عَبَرْتُ هَذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ صِرْتُ فِرْقَتَيْنِ. ١١. نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي عِيسُو، فَإِنِّي أَخَافُهُ جِدًّا، لِئَلَّا يَأْتِيَ وَيَضْرِبَ الأُمَّ مَعَ الأَبْنَاءِ. ١٢. أَنْتَ قُلْتَ إِنَّكَ تُحْسِنُ إِلَيَّ وَتُكَثِّرُ نَسْلِي كَرَمْلِ البَحْرِ الَّذِي لَا يُحْصَى مِنَ الكَثْرَةِ.» ١٣. وَلَمَّا نَامَ هُنَاكَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَفْرَزَ مِمَّا عِنْدَهُ هَدَايَا لِعِيسُو أَخِيهِ: ١٤. مِئَتَيْ عَنْزَةٍ وَعِشْرِينَ تَيْسًا، وَمِئَتَيْ نَعْجَةٍ وَعِشْرِينَ كَبْشًا، ١٥. وَثَلَاثِينَ نَاقَةً مُرْضِعَةً مَعَ أَوْلَادِهَا، وَأَرْبَعِينَ بَقَرَةً وَعِشْرِينَ ثَوْرًا، وَعِشْرِينَ أَتَانًا وَعَشَرَةً مِنْ أَمْهَارِهَا. ١٦. وَأَرْسَلَهَا عَلَى أَيْدِي عَبِيدِهِ، كُلَّ قَطِيعٍ عَلَى حِدَةٍ، وَقَالَ لِعَبِيدِهِ: «اسْبِقُونِي، وَلْيَكُنْ فَاصِلٌ بَيْنَ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ.» ١٧. وَأَوْصَى الأَوَّلَ قَائِلًا: «إِذَا لَاقَاكَ أَخِي عِيسُو وَسَأَلَكَ: لِمَنْ أَنْتَ؟ أَوْ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ أَوْ لِمَنْ هَذِهِ الَّتِي تَسُوقُهَا؟ ١٨. تُجِيبُ: هِيَ لِعَبْدِكَ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَهَا هَدِيَّةً لِسَيِّدِي عِيسُو، وَهَا هُوَ أَيْضًا يَأْتِي وَرَاءَنَا.» ١٩. وَكَذَلِكَ أَوْصَى الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَجَمِيعَ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ القُطْعَانَ، قَائِلًا: «بِمِثْلِ هَذَا الكَلَامِ تُكَلِّمُونَ عِيسُو حِينَ تَجِدُونَهُ. ٢٠. وَتُضِيفُونَ: عَبْدُكَ يَعْقُوبُ أَيْضًا يَتْبَعُ طَرِيقَنَا.» لِأَنَّهُ قَالَ: «أَسْتَرْضِيهِ بِالهَدَايَا الَّتِي تَسْبِقُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَرَاهُ، لَعَلَّهُ يَرْضَى عَنِّي.» ٢١. فَسَبَقَتِ الهَدَايَا أَمَامَهُ، وَأَمَّا هُوَ فَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي المُعَسْكَرِ. ٢٢. وَلَمَّا قَامَ بَاكِرًا أَخَذَ زَوْجَتَيْهِ وَجَارِيَتَيْهِ مَعَ أَبْنَائِهِ الأَحَدَ عَشَرَ، وَعَبَرَ مَخَاضَةَ يَعْقُوبَ. ٢٣. وَلَمَّا أَعْبَرَ جَمِيعَ مَا لَهُ، ٢٤. بَقِيَ وَحْدَهُ؛ وَإِذَا رَجُلٌ يُصَارِعُهُ حَتَّى الصَّبَاحِ. ٢٥. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لَمَسَ وَتَرَ فَخِذِهِ، فَانْكَمَشَ لِلْوَقْتِ. ٢٦. فَقَالَ لَهُ: «أَطْلِقْنِي، فَقَدْ طَلَعَ الفَجْرُ.» فَأَجَابَ: «لَا أُطْلِقُكَ مَا لَمْ تُبَارِكْنِي.» ٢٧. فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَأَجَابَ: «يَعْقُوبُ.» ٢٨. فَقَالَ: «لَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ يَعْقُوبَ، بَلْ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّكَ إِنْ كُنْتَ قَدْ تَقَوَّيْتَ عَلَى اللهِ، فَكَمْ بِالأَحْرَى تَغْلِبُ النَّاسَ؟» ٢٩. فَسَأَلَهُ يَعْقُوبُ: «أَخْبِرْنِي بِأَيِّ اسْمٍ تُدْعَى؟» فَأَجَابَ: «لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟» وَبَارَكَهُ فِي ذَلِكَ المَوْضِعِ. ٣٠. وَسَمَّى يَعْقُوبُ ذَلِكَ المَوْضِعَ فَنُوئِيلَ، قَائِلًا: «رَأَيْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنَجَتْ نَفْسِي.» ٣١. وَأَشْرَقَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِلْحَالِ بَعْدَ أَنْ عَبَرَ فَنُوئِيلَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْرُجُ بِرِجْلِهِ. ٣٢. لِذَلِكَ لَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ الوَتَرَ الَّذِي انْكَمَشَ فِي فَخِذِ يَعْقُوبَ إِلَى اليَوْمِ الحَاضِرِ، لِأَنَّهُ لَمَسَ وَتَرَ فَخِذِهِ فَخَدِرَ.


الآيَةُ ١: مَلَائِكَةُ اللهِ

رَأَى يَعْقُوبُ هُنَا فِرْقَتَيْنِ مِنَ المَلَائِكَةِ؛ لِذَلِكَ سُمِّيَ هَذَا المَوْضِعُ بِالعِبْرِيَّةِ مَحَنَايِمَ، وَهُوَ اسْمٌ مُثَنًّى يَعْنِي مُعَسْكَرَيْنِ أَوْ صَفَّيْنِ. وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتِ المَدِينَةُ الَّتِي بُنِيَتْ هُنَاكَ فِيمَا بَعْدُ مَحَنَايِمَ أَيْضًا. وَالحَالُ أَنَّ إِحْدَى الفِرْقَتَيْنِ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْمَلَاكِ الَّذِي كَانَ حَارِسًا وَرَئِيسًا عَلَى بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ: وَهَذَا المَلَاكُ، مَعَ المَلَائِكَةِ الخَاضِعِينَ لَهُ وَالتَّابِعِينَ، كَأَنَّهُمْ فِي صَفٍّ مُنَظَّمٍ، قَدْ رَافَقَ يَعْقُوبَ وَحَرَسَهُ بِأَمَانٍ مِنْ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ إِلَى هَذَا المَوْضِعِ، أَيْ إِلَى تُخُومِ كَنْعَانَ. وَهُنَاكَ اسْتَقْبَلَهُ مَلَاكُ كَنْعَانَ الرَّئِيسُ بِفِرْقَتِهِ مِنَ المَلَائِكَةِ التَّابِعِينَ لَهُ، لِيَقُودَهُ بِأَمَانٍ عَبْرَ كَنْعَانَ إِلَى أَبِيهِ، وَلِيَحْرُسَهُ وَيَحْمِيَهُ مِنْ عِيسُو وَمِنْ كُلِّ مَنْ يُعَادِيهِ. فَكَمَا أَنَّ الأُمَرَاءَ يَحْرُسُونَ أَمِيرًا أَجْنَبِيًّا عَبْرَ أَرَاضِيهِمْ بِحُرَّاسٍ عَسْكَرِيِّينَ، ثُمَّ يُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأَمِيرِ المُجَاوِرِ وَحُرَّاسِهِ لِمُتَابَعَةِ الحِرَاسَةِ، كَذَلِكَ فَعَلَتِ المَلَائِكَةُ هُنَا مَعَ يَعْقُوبَ. فَانْظُرْ إِلَى عِنَايَةِ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ بِأَوْلِيَائِهِ. وَانْظُرْ أَيْضًا كَمْ كَانَ يَعْقُوبُ عَظِيمًا وَقَرِيبًا وَعَزِيزًا عِنْدَ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ. وَانْظُرْ ثَالِثًا كَيْفَ أَنَّهُ بَعْدَ المِحْنَةِ وَالرُّعْبِ الَّذِي أَلْقَاهُ لَابَانُ عَلَى يَعْقُوبَ، تَأْتِي تَعْزِيَةُ المَلَائِكَةِ؛ هَكَذَا قِيلَ عَنِ المَسِيحِ فِي مَتَّى ٤: «حِينَئِذٍ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ وَصَارَتْ تَخْدُمُهُ.» وَانْظُرْ رَابِعًا كَيْفَ أَنَّ مِحْنَةً أَعْظَمَ تَعْقُبُ مِحْنَةَ لَابَانَ الأَصْغَرَ، وَهِيَ الخَوْفُ مِنْ عِيسُو المُعَادِي، وَكَيْفَ أَنَّ المَلَائِكَةَ هُنَا تُحَصِّنُ يَعْقُوبَ ضِدَّهُ.

مِمَّا قِيلَ يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ حِرَاسَةً اسْتِثْنَائِيَّةً مِنَ المَلَائِكَةِ: فَلَمْ يَظْهَرْ لِيَعْقُوبَ مَلَاكُهُ الحَارِسُ وَحْدَهُ، بَلْ فِرْقَتَانِ مِنَ المَلَائِكَةِ بِقَائِدَيْنِ.

يَرَى دِيُودُورُوسُ الطَّرْسُوسِيُّ أَنَّ المَلَاكَ الَّذِي كَانَ قَائِدَ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ وَرَئِيسَ كَنْعَانَ كَانَ القِدِّيسَ مِيخَائِيلَ: لِأَنَّ اللهَ عَيَّنَهُ رَئِيسًا عَلَى نَسْلِ يَعْقُوبَ، أَيْ عَلَى شَعْبِ اللهِ، أَيْ عَلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ دَانِيَالَ ١٠، الآيَةِ الأَخِيرَةِ، وَدَانِيَالَ ١٢، الآيَةِ ١.

فَكَمَا أَنَّ أَلِيشَعَ، فِي المُلُوكِ الثَّانِي ٦، الآيَةِ ١٧، وَهُوَ مُحَاصَرٌ مِنَ الأَعْدَاءِ، رَأَى فِرَقَ المَلَائِكَةِ تَأْتِي لِنَجْدَتِهِ وَحِمَايَتِهِ: كَذَلِكَ يَعْقُوبُ هُنَا مُحَاطٌ بِحِمَايَةِ المَلَائِكَةِ ضِدَّ عِيسُو وَسَائِرِ الأَعْدَاءِ، لِيَتَعَلَّمَ أَلَّا يَخَافَ عِيسُو وَلَا أَيَّ إِنْسَانٍ. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ. وَهُنَا تَحَقَّقَ قَوْلُ المَزْمُورِ ٣٣: ٨: «مَلَاكُ الرَّبِّ يُحِيطُ بِالَّذِينَ يَتَّقُونَهُ.»

هَكَذَا نَقْرَأُ فِي سِيَرِ الآبَاءِ عَنِ الأَبِّ مُوسَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُحَارَبُ بِشِدَّةٍ مِنْ رُوحِ الزِّنَى، ذَهَبَ إِلَى الأَبِّ إِيسِيدُورُوسَ، الَّذِي قَادَهُ إِلَى أَعْلَى البَيْتِ، حَيْثُ رَأَى إِلَى الغَرْبِ جَمْعًا هَائِلًا مِنَ الشَّيَاطِينِ يَتَصَارَعُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِلَى الشَّرْقِ رَأَى جَيْشًا بَاهِرًا مِنَ المَلَائِكَةِ. فَقَالَ إِيسِيدُورُوسُ: «الَّذِينَ رَأَيْتَهُمْ فِي الغَرْبِ — هُمُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الأَبْرَارَ أَيْضًا؛ أَمَّا الَّذِينَ فِي الشَّرْقِ — فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُرْسِلُهُمْ رَبُّ الجُنُودِ لِمَعُونَةِ عَبِيدِهِ. فَاعْلَمْ إِذَنْ أَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ—»

يُلَاحِظُ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ تَرُوبُولُوجِيًّا أَنَّهُ بِمِثَالِ يَعْقُوبَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَثِقَ بِاللهِ بِحَيْثُ لَا نُهْمِلَ مَعَ ذَلِكَ الوَسَائِلَ البَشَرِيَّةَ وَالمَشُورَةَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَكُونُ تَجْرِبَةً لِلهِ. لِذَلِكَ عَلَّمَنَا القِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ أَبُونَا أَنْ نَضَعَ كُلَّ رَجَائِنَا فِي إِنْجَازِ الأُمُورِ فِي اللهِ، بِحَيْثُ لَا نَثِقُ بِأَنْفُسِنَا وَقُوَانَا مُطْلَقًا، بَلْ نُلْقِي ذَوَاتِنَا بِأَكْمَلِهَا عَلَى اللهِ وَعِنَايَتِهِ بِثِقَةٍ عَظِيمَةٍ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فِي التَّنْفِيذِ الفِعْلِيِّ، أَنْ نَسْتَخْدِمَ بِجِدٍّ كُلَّ الوَسَائِلِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالمَوَارِدِ البَشَرِيَّةِ، كَمَا لَوْ كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَيْهَا وَحْدَهَا وَكَأَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ يَجِبُ إِنْجَازُهُ بِهَا وَحْدَهَا: فَكِلَا الأَمْرَيْنِ تُعَلِّمُهُ وَتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وَالتَّقْوَى المَسِيحِيَّتَانِ.


الآيَةُ ٣: إِلَى عِيسُو فِي أَرْضِ سَعِيرَ

إِلَى عِيسُو أَخِيهِ فِي أَرْضِ سَعِيرَ، الَّتِي تُسَمَّى أَيْضًا أَدُومَ أَوْ إِدُومِيَّةَ. لَاحِظْ: بَيْنَمَا كَانَ يَعْقُوبُ يُقِيمُ فِي حَارَانَ، أَلْقَى اللهُ فِي قَلْبِ أَخِيهِ عِيسُو — الَّذِي كَانَ سَاخِطًا لِأَنَّ إِرَادَةَ أَبَوَيْهِمَا كَانَتْ أَمْيَلَ إِلَى يَعْقُوبَ وَأَبْرَدَ تِجَاهَهُ هُوَ وَتِجَاهَ زَوْجَتَيْهِ — الفِكْرَةَ وَالمَيْلَ لِأَنْ يَتْرُكَ كَنْعَانَ وَيَتَّخِذَ جِبَالَ أَدُومَ مَسْكَنًا لَهُ، لِكَيْ تَخْلُوَ كَنْعَانُ لِيَعْقُوبَ وَنَسْلِهِ. وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ عَلِمَ بِرِسَالَةٍ مِنْ أُمِّهِ — كَمَا يَبْدُو (لِأَنَّهَا وَعَدَتْ بِذَلِكَ فِي الفَصْلِ ٢٧، الآيَةِ ٤٥) — أَنَّ عِيسُو قَدْ هَاجَرَ إِلَى أَدُومَ؛ لِذَلِكَ رَجَعَ آمِنًا مِنْ حَارَانَ إِلَى أَبَوَيْهِ فِي كَنْعَانَ.

لَاحِظْ ثَانِيًا الاسْتِبَاقَ الزَّمَنِيَّ؛ فَهَذِهِ الأَرْضُ لَمْ تُسَمَّ سَعِيرَ وَأَدُومَ أَوْ إِدُومِيَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ عِيسُو — سَمَّاهَا عِيسُو نَفْسُهُ، كَمَا قُلْتُ عِنْدَ الفَصْلِ ٢٥، الآيَتَيْنِ ٢٥ وَ٣٠.


الآيَةُ ٥: عِنْدِي بَقَرٌ

عِنْدِي بَقَرٌ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَنْ أَكُونَ عِبْئًا عَلَيْكَ بِسَبَبِ الفَقْرِ، وَلَنْ أُنْقِصَ ثَرْوَةَ أَبَوَيْنَا، لِأَنَّ اللهَ أَنْعَمَ عَلَيَّ بِوَفْرَةٍ مِنَ الغِنَى.


الآيَةُ ٦: مَعَ أَرْبَعِمِئَةِ رَجُلٍ

مَعَ أَرْبَعِمِئَةِ رَجُلٍ. لِيُظْهِرَ لِأَخِيهِ قُوَّتَهُ، وَلِيُكْرِمَهُ أَكْثَرَ بِهَذَا المَوْكِبِ، وَلِيُوَفِّرَ لَهُ مُرَافَقَةً آمِنَةً فِي الطَّرِيقِ. يَبْدُو إِذَنْ أَنَّ عِيسُو، بِوَاسِطَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ يَعْقُوبُ وَحَيَّوْهُ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَلُطْفٍ، قَدِ اسْتُرْضِيَ وَحَوَّلَ كَرَاهِيَتَهُ السَّابِقَةَ إِلَى مَحَبَّةٍ، إِذْ غَيَّرَ اللهُ قَلْبَهُ وَأَمَالَهُ لِصَالِحِ يَعْقُوبَ.


الآيَةُ ٧: فِرْقَتَيْنِ

فِرْقَتَيْنِ. الفِرْقَةُ الأُولَى كَانَتْ مِنَ القُطْعَانِ مَعَ رُعَاتِهَا، مُوَزَّعَةً فِي تَرْتِيبِهَا كَمَا يَنْبَغِي؛ وَالثَّانِيَةُ كَانَتْ مِنَ الزَّوْجَاتِ مَعَ الأَبْنَاءِ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُ مَجْمُوعَاتٍ: الأُولَى مِنْ زِلْفَةَ وَبِلْهَةَ مَعَ أَوْلَادِهِمَا، وَالثَّانِيَةُ مِنْ لَيْئَةَ مَعَ أَوْلَادِهَا، وَالثَّالِثَةُ مِنْ رَاحِيلَ وَيُوسُفَ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الفَصْلِ التَّالِي، الآيَةِ ٢. فَرَاحِيلُ وَيُوسُفُ لَمْ يُشَكِّلَا فِرْقَةً ثَالِثَةً بَلْ كَانَا فِي مُؤَخِّرَةِ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، بِاعْتِبَارِهِمَا أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى يَعْقُوبَ.


الآيَةُ ٨: تَنْجُو

تَنْجُو — أَيْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُنْقِذَ نَفْسَهَا بِالهُرُوبِ.


الآيَةُ ١٠: أَنَا أَصْغَرُ

أَنَا أَصْغَرُ — أَيْ أَنَا أَقَلُّ وَأَحْقَرُ وَأَدْنَى مِنْ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَحْقَقْتُ أَيَّ نِعْمَةٍ أَوْ رَحْمَةٍ مِنْكَ، حَتَّى أَصْغَرَهَا مِمَّا أُنْعِمَ بِهِ عَلَيَّ، أَوْ أَنْ أَسْتَحِقَّهَا الآنَ. فَإِنَّ أَسَاسَ الفَضِيلَةِ الحَقِيقِيَّةِ هُوَ التَّوَاضُعُ؛ وَلَا مَجْدَ عَظِيمًا إِلَّا وَالكِبْرِيَاءُ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُعَتِّمَهُ.

لَاحِظْ: يَعْقُوبُ هُنَا يَشْكُرُ اللهَ عَلَى النِّعَمِ المَاضِيَةِ بِحَيْثُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُسْتَحِقًّا لِلنِّعَمِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ، وَبِتَوَاضُعِهِ وَشُكْرِهِ يَسْتَعْطِفُ اللهَ لِمَنْحِهَا. يُعَلِّمُنَا هُنَا طَرِيقَةَ الصَّلَاةِ الفَعَّالَةِ: فَهُوَ يَبْدَأُ بِتَوْقِيرِ اللهِ وَتَسْبِيحِهِ، وَيَحْتَجُّ بِاسْتِحْقَاقَاتِ الآبَاءِ، قَائِلًا: «إِلَهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» إِلَى آخِرِهِ. ثَانِيًا، يُذَكِّرُ اللهَ بِوُعُودِهِ: «يَا رَبُّ الَّذِي قُلْتَ لِي: ارْجِعْ.» ثَالِثًا، يَتَوَاضَعُ وَيَعْتَرِفُ بِضَعْفِهِ: «أَنَا أَصْغَرُ مِنْ جَمِيعِ مَرَاحِمِكَ.» رَابِعًا، يَسْتَذْكِرُ النِّعَمَ المُتَلَقَّاةَ وَيَشْكُرُ: «بِعَصَايَ عَبَرْتُ هَذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ صِرْتُ فِرْقَتَيْنِ.» خَامِسًا، يُصَلِّي: «نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي عِيسُو.» سَادِسًا، لَا يَتَشَفَّعُ لِنَفْسِهِ فَحَسْبُ بَلْ لِلآخَرِينَ أَيْضًا: «لِئَلَّا يَضْرِبَ الأُمَّ مَعَ الأَبْنَاءِ» — وَكَانَ يَخَافُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَنَّهُ إِذَا أُهْلِكَ النَّسْلُ المُبَارَكُ، لَا يَأْتِي المَسِيحُ.

أَمَانَتِكَ — أَيْ وَفَائِكَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا، مَعَ أَنِّي غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، قَدْ وَجَدْتُكَ دَائِمًا حَتَّى الآنَ وَفِيًّا فِي الوُعُودِ الَّتِي قَطَعْتَهَا لِي؛ لِذَلِكَ أَثِقُ وَأُصَلِّي أَنْ أَجِدَكَ كَذَلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَأَنْ تَحْمِيَنِي الآنَ مِنْ عِيسُو.

بِعَصَايَ — أَيْ بِعَصَايَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَحِيدًا مُتَّكِئًا عَلَى عَصَايَ أَوْ عُكَّازِ الرَّاعِي، مُعْدَمًا، كَرَاعٍ بِلَا قَطِيعٍ بَلْ يَبْحَثُ عَنْ قَطِيعٍ يَرْعَاهُ، خَرَجْتُ مِنْ وَطَنِي إِلَى حَارَانَ؛ وَالآنَ بِنِعْمَةِ اللهِ أَعُودُ بِفِرْقَتَيْنِ مِنَ الأَبْنَاءِ وَالخَدَمِ وَالمَاشِيَةِ. هَكَذَا يَقُولُ يُوسِيفُوسُ.


الآيَةُ ١٥: نُوقٌ مُرْضِعَاتٌ

نُوقٌ مُرْضِعَاتٌ — أَيِ الَّتِي وَلَدَتْ حَدِيثًا وَكَانَتْ تُرْضِعُ صِغَارَهَا.


الآيَةُ ١٦: لِيَكُنْ فَاصِلٌ بَيْنَ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ

لِيَكُنْ فَاصِلٌ بَيْنَ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ. لِكَيْ يَتَمَتَّعَ عِيسُو بِعَدَدِ الهَدَايَا المُرْسَلَةِ إِلَيْهِ وَتَنَوُّعِهَا وَأُبَّهَتِهَا لِوَقْتٍ أَطْوَلَ وَيَلِينَ قَلْبُهُ؛ لِأَنَّهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ تَبْدُو لَهُ أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَعْظَمَ فَخَامَةً.


الآيَةُ ٢٠: لَعَلَّ

لَعَلَّ — أَيْ بِالتَّأْكِيدِ؛ فَكَلِمَةُ «لَعَلَّ» هُنَا لَيْسَتْ كَلِمَةَ شَاكٍّ بَلْ كَلِمَةَ مُؤَكِّدٍ وَمُتَابِعٍ، كَمَا هِيَ كَلِمَةُ تَاخَا عِنْدَ هُومِيرُوسَ. وَهَكَذَا يَقُولُ المَسِيحُ فِي يُوحَنَّا ٨: ١٩: «لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ لَعَلَّ (بِالتَّأْكِيدِ) أَبِي أَيْضًا.»


الآيَةُ ٢١: وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي المُعَسْكَرِ

وَأَمَّا هُوَ فَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي المُعَسْكَرِ — لِيَتَفَقَّدَ مَا إِذَا كَانَ قَدْ تُرِكَ شَيْءٌ سَهْوًا؛ وَلِيَتَشَاوَرَ وَيُفَكِّرَ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ يَسْتَرْضِي أَخَاهُ؛ وَلَكِنْ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ، لِكَيْ يَبْقَى وَحِيدًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَيَتَضَرَّعَ إِلَى اللهِ بِهُدُوءٍ وَحَرَارَةٍ لِيُوَجِّهَ كُلَّ هَذَا الأَمْرِ مَعَ أَخِيهِ وَرِحْلَتَهُ؛ وَلِذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَاقَاهُ المَلَاكُ المُصَارِعُ. وَأَخِيرًا، لِكَيْ يُعْطِيَ شَيْئًا لِلنَّوْمِ وَالرَّاحَةِ الضَّرُورِيَّةِ بَعْدَ الهُمُومِ وَالأَتْعَابِ. لِذَلِكَ تَرْجَمَتِ السَّبْعِينِيَّةُ: «وَأَمَّا هُوَ فَنَامَ فِي المُعَسْكَرِ.» وَالعِبْرِيُّ هُوَ לין لَانْ، أَيْ «بَاتَ»، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَضَى اللَّيْلَةَ إِمَّا نَائِمًا أَوْ سَاهِرًا وَعَامِلًا.

يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَخْلَاقِيًّا، فِي الكِتَابِ الثَّانِي مِنْ عَنْ يَعْقُوبَ، الفَصْلِ ٦: «الفَضِيلَةُ الكَامِلَةُ تَمْلِكُ طُمَأْنِينَةَ السُّكُونِ وَثَبَاتَهُ. لِذَلِكَ ادَّخَرَ الرَّبُّ هَذِهِ المَوْهِبَةَ لِلأَكْثَرِ كَمَالًا، قَائِلًا: سَلَامِي أَتْرُكُهُ لَكُمْ، سَلَامِي أُعْطِيكُمْ. فَمِنْ شَأْنِ الكَامِلِينَ أَلَّا يَتَأَثَّرُوا بِسُهُولَةٍ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، وَلَا يَضْطَرِبُوا مِنَ الخَوْفِ، وَلَا يَهْتَزُّوا مِنَ الرُّعْبِ، وَلَا يُعَذَّبُوا مِنَ الأَلَمِ؛ بَلْ كَأَنَّهُمْ عَلَى أَوْسَعِ شَاطِئٍ، أَمَامَ أَمْوَاجِ عَوَاصِفِ الدُّنْيَا الصَّاعِدَةِ، يُسَكِّنُونَ العَقْلَ الرَّاسِخَ فِي مَوْقِعٍ أَمِينٍ. وَعَلَى النَّقِيضِ، فَإِنَّ الشِّرِّيرَ يَتَعَذَّبُ بِشُكُوكِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَذَّبُ أَكْثَرُ النَّاسِ بِضَرَبَاتِ الآخَرِينَ، وَآثَارُ الجُرُوحِ فِي نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ تِلْكَ الَّتِي فِي أَجْسَادِ الَّذِينَ يَضْرِبُهُمُ الآخَرُونَ.»


الآيَةُ ٢٢: وَلَمَّا قَامَ بَاكِرًا

وَلَمَّا قَامَ بَاكِرًا — قَبْلَ الفَجْرِ، فِي جُنْحِ اللَّيْلِ، كَمَا فِي النَّصِّ العِبْرِيِّ وَاليُونَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ أَعْبَرَ مُمْتَلَكَاتِهِ وَأَهْلَهُ عَبْرَ مَخَاضَةِ يَعْقُوبَ، صَارَعَ يَعْقُوبُ المَلَاكَ حَتَّى الصَّبَاحِ.


الآيَةُ ٢٤: صَارَعَهُ رَجُلٌ

صَارَعَهُ رَجُلٌ. تَسْأَلُ: مَنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ؟ يَبْدُو أَنَّ ثِيُودُورِيطُسَ وَيُوسْتِينُوسَ وَتِرْتُولِيَانُوسَ وَهِيلَارِيُوسَ وَأَمْبْرُوسِيُوسَ وَكِيرِلُّسَ وَآخَرِينَ ذَكَرَهُمْ بِيرِيرِيُوسُ يَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ ابْنَ اللهِ، أَيِ الكَلِمَةَ الَّذِي سَيَصِيرُ جَسَدًا، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ، فِي الآيَةِ ٣٠، يَدْعُوهُ اللهَ.

لَكِنِّي أَقُولُ أَوَّلًا: هَذَا الرَّجُلُ كَانَ مَلَاكًا. وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ هُوشَعَ ١٢: ٣، حَيْثُ يُسَمَّى هَذَا الرَّجُلُ صَرِيحًا مَلَاكًا. ثَانِيًا، لِأَنَّ القِدِّيسَ دِيُونِيسِيُوسَ، فِي التَّرَاتُبِيَّةِ السَّمَاوِيَّةِ، الفَصْلِ ٤؛ وَالقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ، وَيُوسِيفُوسَ، وَأُوسَابِيُوسَ، وَرُوبِرْتُوسَ، وَالقِدِّيسَ أُغُسْطِينُوسَ فِي الكِتَابِ ١٦ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الفَصْلِ ٣٩، يُعَلِّمُونَ أَنَّهُ كَانَ مَلَاكًا، وَيُضِيفُونَ أَنَّ اللهَ فِي العَهْدِ القَدِيمِ لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ بِذَاتِهِ بَلْ دَائِمًا بِوَاسِطَةِ المَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ الشَّهِيرَ لِلهِ وَهُوَ يُعْطِي الشَّرِيعَةَ عَلَى سِينَاءَ كَانَ بِوَاسِطَةِ المَلَائِكَةِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ غَلَاطِيَةَ ٣: ١٩.

تَعْتَرِضُ: هَذَا الرَّجُلُ، فِي الآيَةِ ٣٠، يُسَمَّى اللهَ. أُجِيبُ: كَانَ شَخْصِيًّا مَلَاكًا، لَكِنَّهُ يُسَمَّى اللهَ تَمْثِيلِيًّا وَتَفْوِيضِيًّا، كَمَا يُسَمَّى نَائِبُ المَلِكِ مَلِكًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمَثِّلُ اللهَ، أَيِ ابْنَ اللهِ الَّذِي سَيَتَجَسَّدُ، وَكَانَ يَعْمَلُ بِالنِّيَابَةِ عَنْهُ وَبِسُلْطَانِهِ. وَهَذَا كُلُّ مَا يَقْصِدُهُ ثِيُودُورِيطُسَ وَيُوسْتِينُوسَ وَسَائِرُ الآبَاءِ المَذْكُورِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ هَذَا الرَّجُلَ ابْنَ اللهِ.

تَعْتَرِضُ ثَانِيًا: مَجْمَعُ سِيرْمِيُومَ، القَانُونُ ١٤، يُحَدِّدُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ ابْنَ اللهِ؛ إِذْ يَقُولُ هَكَذَا: «إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ الَّذِي صَارَعَ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنِ الابْنَ بَلْ صَارَعَهُ إِنْسَانٌ، أَوْ قَالَ إِنَّهُ الإِلَهُ غَيْرُ المَوْلُودِ أَوْ أَبُوهُ، فَلْيَكُنْ مَحْرُومًا.» أُجِيبُ: هَذَا المَجْمَعُ يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَقُولَ إِنَّ هَذَا المَلَاكَ يُمَثِّلُ اللهَ — لَا الآبَ بَلِ الابْنَ. وَأَضِفْ أَنَّ هَذَا المَجْمَعَ كَانَ مَجْمَعَ الآرِيُوسِيِّينَ، وَبِالتَّالِي ذُو سُلْطَةٍ ضَئِيلَةٍ بَلْ مَشْكُوكٍ فِيهَا.

أَقُولُ ثَانِيًا: هَذَا المَلَاكُ لَمْ يَكُنْ شِرِّيرًا يَظْهَرُ فِي هَيْئَةِ عِيسُو وَيُرِيدُ أَنْ يَهْزِمَ يَعْقُوبَ، كَمَا يَزْعُمُ اليَهُودُ عِنْدَ لِيرَا، بَلْ كَانَ صَالِحًا. وَهَذَا وَاضِحٌ لِأَنَّ يَعْقُوبَ طَلَبَ مِنْهُ بَرَكَةً. وَأَيْضًا، مِنْهُ سُمِّيَ المَكَانُ فَنُوئِيلَ، أَيْ «ظُهُورُ اللهِ أَوْ وَجْهُ اللهِ»، وَيَعْقُوبُ نَفْسُهُ سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ، أَيْ «الغَالِبَ عَلَى اللهِ». فَكَانَ هَذَا إِذَنْ مَلَاكًا صَالِحًا، رَمْزًا لِلمَسِيحِ الَّذِي سَيُولَدُ مِنْ يَعْقُوبَ. هَكَذَا يَقُولُ الآبَاءُ وَالمُفَسِّرُونَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي تَفْسِيرِ الرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ، الفَصْلِ ٦، الآيَةِ ١٢ — مِنْ أَنَّ هَذَا المَلَاكَ كَانَ شَيْطَانًا نَتَصَارَعُ مَعَهُ بِاسْتِمْرَارٍ كَمَا يَقُولُ الرَّسُولُ — فَهُوَ يُورِدُهُ عَلَى عَادَتِهِ لَا مِنْ رَأْيِهِ بَلْ مِنْ رَأْيِ أُورِيجِنِيسَ. فَإِنَّ أُورِيجِنِيسَ، فِي الكِتَابِ الثَّالِثِ مِنْ المَبَادِئِ، رَأَى أَنَّ هَذَا المَلَاكَ كَانَ إِبْلِيسَ.

أَقُولُ ثَالِثًا: هَذَا المَلَاكُ لَمْ يَكُنْ حَارِسَ عِيسُو، الَّذِي أَرَادَ بِاسْمِ عِيسُو أَنْ يَمْنَعَ يَعْقُوبَ مِنْ دُخُولِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ لِيُجْبِرَهُ عَلَى إِعَادَةِ البُكُورِيَّةِ إِلَى عِيسُو، كَمَا اخْتَلَقَ فرَنْسِيسُ جُورْجِيُوسُ، المُجَلَّدُ الأَوَّلُ، القِسْمُ ٣، المَسْأَلَةُ ٢٣٤. بَلْ كَانَ هَذَا المَلَاكُ حَارِسَ يَعْقُوبَ نَفْسِهِ. وَهَذَا وَاضِحٌ لِأَنَّهُ عَمِلَ لِصَالِحِ يَعْقُوبَ لَا لِصَالِحِ عِيسُو، وَبَارَكَ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ عَلَى حِسَابِ عِيسُو. وَأَيْضًا، مَنْ يُصَدِّقُ أَنَّ مَلَاكًا صَالِحًا يُرِيدُ أَنْ يَتَبَنَّى قَضِيَّةَ عِيسُو الظَّالِمَةَ ضِدَّ إِرَادَةِ اللهِ؟ وَأَخِيرًا، يَتَّضِحُ ذَلِكَ مِمَّا يَقُولُهُ يَعْقُوبُ فِي الآيَةِ ٢٩: «رَأَيْتُ الرَّبَّ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنَجَتْ نَفْسِي.» فَهَذَا المَلَاكُ لَمْ يَكُنْ مَلَاكَ عِيسُو بَلْ حَارِسَ يَعْقُوبَ وَمُنْقِذَهُ.

صَارَعَهُ. هُنَا يُسْأَلُ ثَانِيًا: لِمَاذَا صَارَعَ المَلَاكُ يَعْقُوبَ؟ أُجِيبُ: لِكَيْ يُعْطِيَهُ بِهَذِهِ المُصَارَعَةِ، إِذْ سَمَحَ لِنَفْسِهِ أَنْ يُغْلَبَ مِنْ يَعْقُوبَ، الأَمَلَ بِأَنَّهُ بِالمِثْلِ، بَلْ بِالأَوْلَى، سَيُلَيِّنُ أَخَاهُ عِيسُو الَّذِي كَانَ يَخَافُهُ وَيَقْهَرُهُ وَيَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ. لِأَنَّ هَذَا هُوَ مَا يَقُولُهُ المَلَاكُ فِي الآيَةِ ٢٨: «لِأَنَّكَ إِنْ كُنْتَ قَدْ تَقَوَّيْتَ عَلَى اللهِ، فَكَمْ بِالأَحْرَى تَغْلِبُ النَّاسَ؟» هَكَذَا يَقُولُ الآبَاءُ اليُونَانِيُّونَ وَاللَّاتِينِيُّونَ. لِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ القِدِّيسَ تُومَا وَرُوبِرْتُوسَ يَقُولَانِ إِنَّ هَذِهِ المُصَارَعَةَ كَانَتْ خَيَالِيَّةً، فَالأَصَحُّ أَنَّهَا كَانَتْ حَقِيقِيَّةً وَجَسَدِيَّةً فِي جَسَدٍ اتَّخَذَهُ المَلَاكُ، كَمَا يُعَلِّمُ الآبَاءُ عُمُومًا. فَلَمَّا أَرَادَ المَلَاكُ، بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ وَعَزَّاهُ، أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ، طَلَبَ يَعْقُوبُ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَبْقَى وَحِيدًا مَعَ اقْتِرَابِ عِيسُو، بِجَسَارَةٍ مُقَدَّسَةٍ أَنْ يُبْقِيَ المَلَاكَ وَأَمْسَكَهُ، وَسَمَحَ المَلَاكُ بِأَنْ يُمْسَكَ خِلَالَ المُهْلَةِ الطَّوِيلَةِ وَالمُصَارَعَةِ اللَّيْلَ كُلَّهُ، لِكَيْ يُشَجِّعَهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَيُزِيلَ خَوْفَهُ مِنْ عِيسُو.

رَمْزِيًّا، هَذِهِ المُصَارَعَةُ سَبَقَتْ وَصَوَّرَتْ حَالَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى مَجِيءِ المَسِيحِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الحَالُ أَنَّ اللهَ، بِسَبَبِ خَطَايَاهُمْ، أَرَادَ مِرَارًا أَنْ يَنْسَحِبَ مِنْهُمْ، وَكَانَ سَيَنْسَحِبُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، لَوْلَا أَنَّ يَعْقُوبَ وَأَمْثَالَهُ — كَمُوسَى وَدَاوُدَ وَإِيلِيَّا وَإِشَعْيَاءَ وَغَيْرِهِمْ — أَمْسَكُوهُ. ثَانِيًا، هَذِهِ المُصَارَعَةُ رَمَزَتْ إِلَى الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ، الَّتِي لَيْسَتْ سِوَى صِرَاعٍ، وَكَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ أَيُّوبُ، جِهَادٌ عَلَى الأَرْضِ، نُغْلَبُ فِيهِ أَحْيَانًا، لَكِنَّنَا مُسَلَّحِينَ وَمُصَارِعِينَ بِنُبْلٍ كَيَعْقُوبَ، نَغْلِبُ فِي النِّهَايَةِ. فَإِنَّ رُوحَ الفَيْلَسُوفِ (وَالجُنْدِيِّ المَسِيحِيِّ) يَزْدَادُ نُبْلًا بِمَا تَحَمَّلَهُ، وَكَمَا يُقَسَّى الحَدِيدُ المُتَوَهِّجُ بِرَشِّ المَاءِ البَارِدِ، كَذَلِكَ يُقَسَّى هُوَ بِالمَخَاطِرِ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ النَّزْيَنْزِيُّ، فِي الخُطْبَةِ ٢٣ فِي مَدْحِ هِيرُونَ.

لَاحِظْ: فِي مُقَابِلِ «صَارَعَهُ»، العِبْرِيُّ هُوَ יאבק يِئَابِقْ، الَّذِي تَرْجَمَتْهُ السَّبْعِينِيَّةُ بِـ إِبَايَيِهْ، أَيْ «صَارَعَهُ كَمُصَارِعٍ فِي حَلَبَةِ المُصَارَعَةِ».

ثَانِيًا، يَتَرْجِمُهُ أَكِيلَا وَسِيمَاخُوسُ بِـ إِكُونِيسِهْ، أَيْ «كَانَ يَتَقَلَّبُ وَيَتَرَامَى مَعَهُ»، كَمَا اعْتَادَ المُتَصَارِعُونَ أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَيُلَوِّيَهُ، حِينَ يُمْسِكُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَالآخَرُ يَسْعَى لِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ وَالهُرُوبِ؛ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ هَذِهِ المُصَارَعَةَ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً وَبِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ. وَبِالمِثْلِ، يُعْتَقَدُ أَنَّ الكَلِمَةَ اليُونَانِيَّةَ بَالِيه، أَيْ «المُصَارَعَةُ»، مُشْتَقَّةٌ مِنْ بِيلُو، أَيْ «مِنَ الطِّينِ» الَّذِي يَتَلَطَّخُ بِهِ المُصَارِعُونَ بِالتَّلَوِّي؛ وَإِنْ كَانَ بْلُوتَارْخُوسُ يَشْتَقُّهَا مِنْ بَالِينْ، أَيْ «مَرَّةً أُخْرَى»؛ وَآخَرُونَ مِنْ بَالِيوِينْ، أَيْ «الإِسْقَاطُ بِالحِيلَةِ وَالكَمِينِ»؛ وَآخَرُونَ مِنْ بْلِيسِيَازِينْ، أَيْ «الاقْتِرَابُ»؛ وَآخَرُونَ مِنْ بَالَايِسْتُوسْ، أَيْ «مِنَ الأَصَابِعِ الأَرْبَعِ المَضْمُومَةِ مَعًا».

ثَالِثًا، العِبْرِيُّ يِئَابِقْ يَعْنِي بِالتَّحْدِيدِ «تَغَطَّى بِالتُّرَابِ»، أَيْ نَزَلَ إِلَى التُّرَابِ وَالرَّمْلِ، كَمَا يَتَرْجِمُهُ فَاتَابْلُوسُ. فَإِنَّ الجَذْرَ אבק أَبَقْ يَعْنِي «تُرَابًا»، لِأَنَّ المُتَصَارِعِينَ بِكَثْرَةِ وَطْءِ الأَقْدَامِ وَبِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ العَنِيفَةِ يُثِيرُونَ التُّرَابَ، كَمَا يَصِفُ فِيرْجِيلُ ذَلِكَ الثَّوْرَ الَّذِي «يَنْثُرُ الرَّمْلَ بِحَوَافِرِهِ».

يُضِيفُ مَارْتِينُوسُ رُوَا، الكِتَابُ ٦، النَّوَادِرُ، الفَصْلُ الأَخِيرُ، أَنَّ فِي كَلِمَةِ «التَّغَطِّي بِالتُّرَابِ» إِشَارَةً إِلَى عَادَةِ حَلَبَةِ المُصَارَعَةِ عِنْدَ اليُونَانِيِّينَ وَالرُّومَانِيِّينَ، حَيْثُ كَانَ المُتَصَارِعُونَ يَرُشُّونَ بَعْضَهُمْ بِالتُّرَابِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنَ الإِمْسَاكِ بِبَعْضِهِمْ بِسُهُولَةٍ وَثَبَاتٍ أَكْبَرَ.

رَابِعًا، يَتَرْجِمُ آخَرُونَ يِئَابِقْ بِأَنَّهُ «صَارَعَ بِأَنْ لَوَى نَفْسَهُ وَسَعَى لِطَرْحِ خَصْمِهِ وَقَلْبِهِ بِالقُوَّةِ»، مُسْتَعِيرِينَ مِنَ الرِّيحِ؛ فَكَمَا أَنَّ الرِّيحَ القَوِيَّةَ تَلْوِي التُّرَابَ وَتَقْلِبُهُ، بَلْ وَتَقْلِبُ البَشَرَ أَيْضًا، كَذَلِكَ يَسْعَى المُتَصَارِعُونَ أَنْ يَفْعَلُوا. فَإِنَّ الجَذْرَ אבק أَبَقْ يَعْنِي «تُرَابًا» الَّذِي حِينَ تُثِيرُهُ الرِّيحُ يُلْوَى بِعُنْفٍ وَيُقَلَّبُ وَيُبَعْثَرُ. لَكِنَّ هَذَا المَجَازَ أَبْعَدُ وَأَكْثَرُ تَكَلُّفًا؛ لِأَنَّ أَبَقْ يَعْنِي أَيَّ تُرَابٍ مُطْلَقًا وَبِبَسَاطَةٍ. يُلَمِّحُ الحَكِيمُ إِلَى هَذَا فِي الفَصْلِ ١٠، الآيَةِ ١٠، حَيْثُ يَتَكَلَّمُ عَنْ يَعْقُوبَ فَيَقُولُ: «أَعْطَاهُ مُصَارَعَةً شَدِيدَةً لِيَغْلِبَ»؛ وَفِي اليُونَانِيَّةِ إِثْلَاتِسِنْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَضَعَ اللهُ أَمَامَ يَعْقُوبَ مُبَارَاةً صَعْبَةً وَمَعَهَا جَوَائِزُ المُبَارَاةِ وَمُكَافَآتُهَا، حِينَ عَرَّضَهُ لِجَشَعِ لَابَانَ وَغَضَبِ عِيسُو وَأَعْدَاءٍ آخَرِينَ؛ وَبِخَاصَّةٍ حِينَ وَضَعَ ضِدَّهُ مَلَاكًا، وَإِذْ صَارَعَهُ وَغَلَبَهُ، سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ، أَيِ «المُتَسَلِّطُ عَلَى اللهِ».

لَاحِظْ عِبَارَةَ «حَتَّى الصَّبَاحِ». فَإِنَّ يَعْقُوبَ يُعَلِّمُ هُنَا بِمِثَالِهِ أَلَّا نُعْطِيَ اللَّيْلَ كُلَّهُ لِلنَّوْمِ، بَلْ جُزْءًا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ؛ فَقَدِ اشْتَكَى إِكْلِيمَنْضُسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ، الكِتَابُ ٢، المُؤَدِّبُ، الفَصْلُ ٩، مُحِقًّا مِنْ أَنَّ النَّوْمَ كَجَابِي الضَّرَائِبِ يُقَاسِمُنَا نِصْفَ الحَيَاةِ. لِذَلِكَ يَقُولُ إِرْمِيَا فِي المَرَاثِي ٢: ١٩: «قُومِي فِي اللَّيْلِ، وَاسْكُبِي قَلْبَكِ كَالمَاءِ أَمَامَ الرَّبِّ.» فَفِي اللَّيْلِ، يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: «تَرَى النَّفْسُ الأَنْقَى وَالأَخَفُّ الأُمُورَ السَّامِيَةَ، وَرَقَصَاتِ النُّجُومِ، وَالسُّكُونَ العَمِيقَ» إِلَى آخِرِهِ. وَالسُّكُونُ «وَالعُزْلَةُ»، يَقُولُ النَّزْيَنْزِيُّ، الخُطْبَةُ ٢، «أُمُّ الصُّعُودِ الإِلَهِيِّ»، أَيِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَهًا؛ وَالَّتِي سَمَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ حِصْنَهُ الَّذِي كَانَ يَلْجَأُ إِلَيْهِ حِينَ تُزْعِجُهُ الاضْطِهَادَاتُ أَوِ التَّجَارِبُ.

يَقُولُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ سِرِّيًّا، الكِتَابُ ٢، عَنْ يَعْقُوبَ، الفَصْلُ ٦: «مَا مَعْنَى المُصَارَعَةِ مَعَ اللهِ إِلَّا أَنْ تَتَحَمَّلَ مُبَارَاةَ الفَضِيلَةِ وَتُنَازِلَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْكَ، وَتَصِيرَ أَفْضَلَ مُقَلِّدٍ لِلهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ؟ وَلِأَنَّ إِيمَانَهُ وَتَقْوَاهُ كَانَا لَا يُقْهَرَانِ، كَشَفَ لَهُ الرَّبُّ الأَسْرَارَ الخَفِيَّةَ.»


الآيَةُ ٢٥: لَمَسَ وَتَرَ فَخِذِهِ

الَّذِي (الرَّجُلُ، أَيِ المَلَاكُ) لَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَغْلِبَهُ (يَعْقُوبَ). وَمِنْ هُنَا يَبْدُو أَنَّهُ لَمَّا أَصَرَّ يَعْقُوبُ عَلَى المُصَارَعَةِ، سَحَبَ اللهُ مَعُونَتَهُ، وَبِالتَّالِي قُوَّةَ المُقَاوَمَةِ، عَنِ المَلَاكِ، لِكَيْ يُمْسِكَهُ يَعْقُوبُ وَيَغْلِبَهُ.

لَمَسَ. بِالعِبْرِيَّةِ נגע يِجَّعْ، أَيْ ضَرَبَ، أَصَابَ، خَلَعَ.

وَتَرَ الفَخِذِ. بِالعِبْرِيَّةِ כף كَافْ، وَهُوَ يَعْنِي الفِقْرَةَ، أَوِ الحُقَّ، أَيْ تَجْوِيفَ العَظْمِ الَّذِي يَخْتَبِئُ فِيهِ أَعْلَى الفَخِذِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِاليُونَانِيَّةِ إِسْخِيُوسْ. وَأَيْضًا كَافْ يَعْنِي ذَلِكَ الرَّأْسَ المُسْتَدِيرَ المُنْحَنِيَ مِنْ عَظْمِ الفَخِذِ الَّذِي يُدْخَلُ فِي الحُقِّ؛ وَهَكَذَا يُؤْخَذُ هُنَا. فَإِنَّ عَظْمَ الفَخِذِ نَفْسَهُ، الَّذِي يُدْخَلُ فِي الحُقِّ أَوِ الوِرْكِ، قَدْ تَحَرَّكَ هُنَا مِنْ مَوْضِعِهِ، لَا الحُقُّ أَوِ الوِرْكُ نَفْسُهُ — أَيْ أَنَّ فَخِذَ يَعْقُوبَ نَفْسَهُ، مَفْصِلَ وِرْكِهِ، قَدِ انْخَلَعَ، لِأَنَّ المَلَاكَ حَلَّ وَخَلَعَ الوَتَرَ، أَيِ الرِّبَاطَ الَّذِي يَصِلُ الفَخِذَ أَوْ مَفْصِلَ الوِرْكِ بِحُقِّهِ، أَيِ العَظْمِ العُلْوِيِّ، كَمَا يَتَرْجِمُهُ مُتَرْجِمُنَا تَرْجَمَةً مُمْتَازَةً مِنْ حَيْثُ المَعْنَى.

لَاحِظْ: هَذَا الرِّبَاطَ، بِاعْتِبَارِهِ أَوَّلَ مَا يَقَعُ تَحْتَ اليَدِ، أَصَابَهُ المَلَاكُ وَخَلَعَهُ مِنَ الدَّاخِلِ بِضَرْبَةٍ عَنِيفَةٍ وَتَصَادُمٍ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَعْتَادُ فِيهِ المُتَصَارِعُونَ، طَلَبًا لِلإِفْلَاتِ، أَنْ يَلْمُسُوا خَصْمَهُمْ وَيَصْدِمُوهُ وَيُنْزِلُوا بِهِ ضَرْبَةً أَيْنَمَا وَكَيْفَمَا اسْتَطَاعُوا. وَكَانَ ذَلِكَ لِكَيْ يَعْرِفَ يَعْقُوبُ أَنَّ مُصَارَعَتَهُ لِلْمَلَاكِ كَانَتْ حَقِيقِيَّةً، وَأَنَّهُ غَلَبَ المَلَاكَ لَا بِقُوَّتِهِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ؛ فَإِنَّ المَلَاكَ الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يَخْلَعَ فَخِذَ يَعْقُوبَ كَانَ يَسْتَطِيعُ بِالتَّأْكِيدِ أَنْ يَخْلَعَ سَائِرَ أَعْضَائِهِ وَيَسْحَقَ يَعْقُوبَ بِأَكْمَلِهِ، لَوْلَا أَنَّ اللهَ مَنَعَهُ. هَكَذَا يَقُولُ ثِيُودُورِيطُسُ.

فَانْكَمَشَ. بِالعِبْرِيَّةِ תקע تِقَعْ، أَيِ انْحَلَّ وَانْخَلَعَ وَامْتَدَّ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، حَتَّى صَارَ يَعْقُوبُ يَعْرُجُ. وَالسَّبْعِينِيَّةُ وَمُتَرْجِمُنَا يَتَرْجِمَانِ «انْكَمَشَ»، لِأَنَّ الوَتَرَ بَعْدَ أَنْ تَحَرَّكَ وَانْخَلَعَ مِنْ مَوْضِعِهِ صَارَ كَأَنَّهُ رَخْوٌ وَخَدِرٌ وَعَدِيمُ الفَائِدَةِ؛ لِذَلِكَ يُقَالُ فِي الآيَةِ الأَخِيرَةِ إِنَّهُ خَدِرَ.


الآيَةُ ٢٦: أَطْلِقْنِي فَقَدْ طَلَعَ الفَجْرُ

أَطْلِقْنِي فَقَدْ طَلَعَ الآنَ الفَجْرُ. طَلَبَ المَلَاكُ أَنْ يُطْلَقَ لِأَنَّهُ، مَعَ بُزُوغِ النَّهَارِ، لَمْ يُرِدْ أَنْ يَظْهَرَ بِوُضُوحٍ لِيَعْقُوبَ فِي الجَسَدِ المُتَّخَذِ، كَمَا يَقُولُ أُولِيَاسْتِرُ، وَبِالأَوْلَى لِخُدَّامِ يَعْقُوبَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى وَشْكِ المَجِيءِ إِلَيْهِ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ تُومَا. فَإِنَّ الأُمُورَ الإِلَهِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ، كَالمَلَاكِ، خَفِيَّةٌ وَفَوْقَ إِدْرَاكِ البَشَرِ، وَلِذَلِكَ تَهْرُبُ مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ.

لَا أُطْلِقُكَ مَا لَمْ تُبَارِكْنِي. قَالَ يَعْقُوبُ هَذَا بِعَاطِفَةٍ شَدِيدَةٍ وَشَوْقٍ حَارٍّ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ هُوشَعُ، الفَصْلُ ١٢، الآيَةُ ٣، إِنَّ يَعْقُوبَ طَلَبَ هَذِهِ البَرَكَةَ بِالدُّمُوعِ، وَلِذَلِكَ نَالَهَا مَعَ الاسْمِ الجَدِيدِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي مَنَحَهُ إِيَّاهُ المَلَاكُ.

لَا أُطْلِقُكَ مَا لَمْ تُبَارِكْنِي. يَقُولُ يُوسِيفُوسُ إِنَّ يَعْقُوبَ صَلَّى لِلْمَلَاكِ أَنْ يُسْمَحَ لَهُ بِمَعْرِفَةِ مَصِيرِهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ نَالَ مَا تَمَنَّاهُ وَصَلَّى لِأَجْلِهِ. لَكِنِ افْهَمْ هَذَا لَا كَأَنَّ يَعْقُوبَ أَرَادَ بِبَسَاطَةٍ أَنْ يَعْرِفَ مَا سَيَحْدُثُ لَهُ فِي المُسْتَقْبَلِ، بَلْ أَنَّ المَلَاكَ يَدْعُو لَهُ بِالخَيْرِ وَيُبَدِّدَ الشُّرُورَ الحَاضِرَةَ الَّتِي كَانَ يَخَافُهَا مِنْ عِيسُو المُقْتَرِبِ.


الآيَةُ ٢٨: يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ

لَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا يُدْعَى اسْمُكَ يَعْقُوبَ فَحَسْبُ بَلْ إِسْرَائِيلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَلَّ يُدْعَى يَعْقُوبَ أَيْضًا. اُنْظُرْ القَانُونَ ١٧.

إِسْرَائِيلُ. تَسْأَلُ: مَا مَعْنَى إِسْرَائِيلَ؟ أَوَّلًا، يُفَسِّرُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ إِسْرَائِيلَ كَأَنَّكَ تَقُولُ ישר אל يِشَرْ إِيلْ، أَيْ «مُسْتَقِيمُ اللهِ»؛ لَكِنَّ الاعْتِرَاضَ هُوَ أَنَّ يِشَرْ يُكْتَبُ بِـالشِّينِ الخَشِنَةِ، بَيْنَمَا إِسْرَائِيلُ يُكْتَبُ بِـالسِّينِ اللَّيِّنَةِ.

ثَانِيًا، يَرَى القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الكِتَابُ ١٦ مِنْ مَدِينَةِ اللهِ، الفَصْلُ ٣٩، وَفِيلُونُ وَالنَّزْيَنْزِيُّ وَهِيلَارِيُوسُ وَأُوسَابِيُوسُ وَبْرُوسْبِرُوسُ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يُقَالُ كَأَنَّهُ איש ראה אל رُوئِي إِيلْ، أَيْ «رَجُلٌ يَرَى اللهَ»؛ لَكِنْ بِالمِثْلِ هَذَا يُكْتَبُ بِـالشِّينِ، بَيْنَمَا إِسْرَائِيلُ يُكْتَبُ بِـالسِّينِ.

ثَالِثًا إِذَنْ وَبِحَقٍّ، إِسْرَائِيلُ مُشْتَقٌّ مِنْ שרה سَارَا إِيلْ، أَيْ «تَسَلَّطَ عَلَى اللهِ»: فَمِنْ هُنَا يُسَمَّى سَارْ «سَيِّدًا» وَ«أَمِيرًا»، وَسَارَا تَعْنِي «سَيِّدَةً». فَإِسْرَائِيلُ إِذَنْ مَعْنَاهُ «المُتَسَلِّطُ» أَوْ «الَّذِي سَيَتَسَلَّطُ عَلَى اللهِ». فَإِنَّ ישרה يِسْرَا فِي إِسْرَائِيلَ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ كَصِيغَةِ مُسْتَقْبَلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الأَسْمَاءِ الخَاصَّةِ عَادَةً يُضَافُ اليُودُ لَا كَعَلَامَةٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ بَلْ كَسَابِقَةٍ هِيمَنْطِيقِيَّةٍ. أَنَّ هَذَا هُوَ اشْتِقَاقُ إِسْرَائِيلَ يَتَّضِحُ مِنْ كَلَامِ المَلَاكِ؛ إِذْ يَقُولُ: «سَتُدْعَى إِسْرَائِيلَ» لِأَنَّ שרית سَارِيتَا، أَيْ «تَقَوَّيْتَ وَتَسَلَّطْتَ عَلَى اللهِ». هَكَذَا تَتَرْجِمُ السَّبْعِينِيَّةُ وَثِيُودُوتِيُونُ وَسِيمَاخُوسُ وَالقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَأَكِيلَا الَّذِي يَتَرْجِمُ: «مَلَكْتَ مَعَ اللهِ»، أَيْ ضِدَّ اللهِ، لِأَنَّكَ تَسَلَّطْتَ عَلَى اللهِ نَفْسِهِ. وَيَدْعُو المَلَاكَ اللهَ لِأَنَّهُ يُمَثِّلُ اللهَ وَهُوَ مَبْعُوثُ اللهِ. «إِسْرَائِيلُ يَعْنِي أَمِيرًا مَعَ اللهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا أَنِّي أَنَا أَمِيرٌ، كَذَلِكَ أَنْتَ أَيْضًا، الَّذِي اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَارِعَنِي، سَتُدْعَى أَمِيرًا. وَإِذَا كُنْتَ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُحَارِبَنِي أَنَا الَّذِي هُوَ اللهُ، فَكَمْ بِالأَحْرَى مَعَ البَشَرِ، أَيْ مَعَ عِيسُو؟ فَلَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَخَافَهُ»، يَقُولُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي التَّقَالِيدِ العِبْرِيَّةِ.

هَذِهِ إِذَنْ هِيَ البَرَكَةُ الَّتِي يُعْطِيهَا المَلَاكُ لِيَعْقُوبَ حِينَ يَسْأَلُهَا: وَهِيَ أَنَّهُ مِنَ الآنَ فَصَاعِدًا سَيُدْعَى وَسَيَكُونُ فِي الحَقِيقَةِ إِسْرَائِيلَ، لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَلَبَ اللهَ — أَيِ المَلَاكَ، نَائِبَ اللهِ وَرَسُولَهُ — بِنُبْلٍ فِي المُصَارَعَةِ، سَيَغْلِبُ بِالأَوْلَى عِيسُو وَجَمِيعَ أَعْدَائِهِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَخَفْ أَخَاكَ عِيسُو يَا يَعْقُوبُ؛ فَإِنَّكَ بِصَلَوَاتِكَ القَوِيَّةِ أَمَامَ اللهِ — مَعَ أَنَّهُ كَانَ كَمَنْ يُقَاوِمُ وَيُصَارِعُ — قَدْ نِلْتَ أَنْ تَكُونَ ضِدَّ عِيسُو وَجَمِيعِ أَعْدَائِكَ ذَا عَزِيمَةٍ لَا تُكْسَرُ، لَا يُقْهَرُ وَمُنْتَصِرًا. فَهَذِهِ هِيَ البَرَكَةُ المُعْطَاةُ هُنَا لِيَعْقُوبَ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ تُومَا وَكَايِتَانُوسُ.

لَاحِظْ: يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ اسْمَ إِسْرَائِيلَ هُنَا وُعِدَ بِهِ يَعْقُوبُ فَقَطْ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ لَهُ فِعْلِيًّا فِي الفَصْلِ ٣٥، الآيَةِ ١٠. لَكِنَّ الأَصَحَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ لَهُ فِعْلِيًّا هُنَا، بِسَبَبِ هَذِهِ المُصَارَعَةِ وَالغَلَبَةِ التَّذْكَارِيَّةِ، وَأَنَّهُ جُدِّدَ وَأُكِّدَ فِي الفَصْلِ ٣٥، الآيَةِ ١٠.

لَاحِظْ ثَانِيًا: هَذِهِ المُصَارَعَةُ وَهَذَا الاسْمُ إِسْرَائِيلُ حَدَثَا لِيَعْقُوبَ فِي السَّنَةِ ٩٧ مِنْ عُمُرِهِ؛ فَفِي سَنَتِهِ ٩١ وُلِدَ يُوسُفُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَ يَعْقُوبُ فِي حَارَانَ يَخْدُمُ مِنْ أَجْلِ القُطْعَانِ سِتَّ سَنَوَاتٍ، كَمَا بَيَّنْتُ عِنْدَ الفَصْلِ ٣٠، الآيَةِ ٢٥. وَفِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، أَيْ فِي السَّنَةِ ٩٧ مِنْ عُمُرِهِ، إِذْ فَرَّ وَجَاءَ إِلَى كَنْعَانَ، أَجْرَى هَذِهِ المُصَارَعَةَ وَنَالَ فِيهَا اسْمَ إِسْرَائِيلَ.

مَجَازِيًّا، يَرَى الكَازَارُ فِي الرُّؤْيَا ١١، المُلَاحَظَةُ ١، أَنَّ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا هُوَ صِرَاعُ عِيسُو مَعَ يَعْقُوبَ، أَيِ المَجْمَعِ اليَهُودِيِّ مَعَ الكَنِيسَةِ، أَيِ اضْطِهَادُ اليَهُودِ لِلمَسِيحِيِّينَ الأَوَائِلِ؛ فَإِنَّهُمْ مَعَ أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ ثَبَتُوا فِي هَذِهِ التَّجْرِبَةِ، وَلِذَلِكَ نَالُوا النَّصْرَ وَبَارَكَهُمُ اللهُ. وَيُلَاحِظُ الكَازَارُ بِحَقٍّ أَنَّ اللهَ يُظْهِرُ نَفْسَهُ مُحِبًّا وَقَرِيبًا لِلمُمْتَحَنِينَ وَالمُتَضَايِقِينَ: أَوَّلًا، بِتَعْدِيلِ القُوَى الَّتِي يُمَارِسُ بِهَا وَيُهَاجِمُ يَعْقُوبَ وَالمُؤْمِنِينَ عَبْرَ اليَهُودِ وَالأَعْدَاءِ الآخَرِينَ. ثَانِيًا، بِمَنْحِ يَعْقُوبَ نَفْسِهِ وَالمُؤْمِنِينَ الصَّلَابَةَ الَّتِي يَثْبُتُونَ بِهَا فِي هَذَا الصِّرَاعِ.

تَرُوبُولُوجِيًّا، هَذِهِ المُصَارَعَةُ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي نَرَى فِيهَا مَعَ يَعْقُوبَ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ وَتَنْجُو نَفْسُنَا. وَأَيْضًا، بِالصَّلَاةِ، كَإِسْرَائِيلَ، نَتَسَلَّطُ عَلَى اللهِ وَبِالتَّالِي عَلَى جَمِيعِ المَخَاوِفِ وَالأَهْوَاءِ وَالاضْطِرَابَاتِ وَالأَعْدَاءِ. وَحِينَئِذٍ الفَخِذُ — أَيْ مَحَبَّةُ الذَّاتِ وَالثِّقَةُ بِالقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالشَّهْوَةُ الَّتِي تَنْشَطُ فِي الفَخِذِ — بِلَمْسَةِ قُوَّةِ اللهِ تَتَنَاقَصُ وَتَنْخَلِعُ وَتَضْعُفُ. وَعِنْدَئِذٍ نَعْرُجُ بِرِجْلٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَمَا الأُخْرَى تَبْقَى سَلِيمَةً: لِأَنَّهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنَّهُ حِينَ تَضْعُفُ مَحَبَّةُ الدُّنْيَا يَقْوَى الإِنْسَانُ فِي مَحَبَّةِ اللهِ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ غْرِيغُورِيُوسُ، العِظَةُ ١٤ عَلَى حِزْقِيَالَ، وَفِي بِدَايَةِ المَزْمُورِ السَّادِسِ التَّوْبَوِيِّ.

تَعَلَّمْ إِذَنْ يَا جُنْدِيَّ المَسِيحِ، مِنْ هَذَا المَقْطَعِ وَمِنْ يَعْقُوبَ، أَنْ تَلْجَأَ فِي كُلِّ تَجْرِبَةٍ وَضِيقٍ وَاضْطِهَادٍ إِلَى اللهِ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّكَ إِنِ اسْتَعْطَفْتَ اللهَ وَغَلَبْتَهُ بِالصَّلَاةِ، سَتَغْلِبُ أَعْدَاءَكَ أَيْضًا، وَاللهُ سَيَجْعَلُهُمْ لَكَ إِمَّا أَصْدِقَاءَ أَوْ خَاضِعِينَ. فَهَكَذَا فَعَلَ مَعَ إِسْرَائِيلَ، أَيْ يَعْقُوبَ. هَذَا السِّرُّ فِي الغَلَبَةِ وَالنَّصِيحَةُ فِي نَيْلِ أَيِّ شَيْءٍ عَرَفَهُ وَمَارَسَهُ — وَيَمَارِسُهُ حَتَّى الآنَ — الرِّجَالُ القِدِّيسُونَ المُتَّحِدُونَ بِاللهِ، الَّذِينَ يَصْنَعُونَ قُوَّةً فِي اللهِ. «كُلُّ شَيْءٍ»، يَقُولُ بُولُسُ، «أَسْتَطِيعُهُ فِي ذَلِكَ الَّذِي يُقَوِّينِي.» فَإِنَّ اللهَ يُمْسِكُ قُلُوبَ جَمِيعِ البَشَرِ وَالمُلُوكِ، حَتَّى أَشْرَسِهِمْ، فِي يَدِهِ، وَبِإِشَارَتِهِ يُمِيلُهَا وَيُغَيِّرُهَا حَيْثُمَا يَشَاءُ.


الآيَةُ ٢٩: أَخْبِرْنِي بِأَيِّ اسْمٍ تُدْعَى

أَخْبِرْنِي بِأَيِّ اسْمٍ تُدْعَى. يَسْأَلُ يَعْقُوبُ اسْمَ المَلَاكِ لِكَيْ يُعْلِنَهُ بِهِ كَمُبَارِكِهِ وَمُحْسِنِهِ، وَيَحْتَفِيَ بِهِ، وَيَدْعُوَهُ فِي أَيِّ شِدَّةٍ.

لِمَاذَا تَسْأَلُ عَنِ اسْمِي؟ يُضِيفُ بَعْضُهُمْ: «الَّذِي هُوَ عَجِيبٌ». مِنْ هُنَا يَرَى الكَازَارُ فِي الرُّؤْيَا ١١: ١ أَنَّ اسْمَ هَذَا المَلَاكِ كَانَ «عَجِيبًا»، لِأَنَّهُ بِهَذَا الاسْمِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ فِي هَذِهِ المُصَارَعَةِ تَدْبِيرَ اللهِ العَجِيبَ بِشَأْنِ اضْطِهَادَاتِ الكَنِيسَةِ وَانْتِصَارَاتِهَا قَدْ صُوِّرَ، وَلِأَنَّهُ كَانَ رَمْزًا لِلمَسِيحِ الَّذِي يُسَمَّى «عَجِيبًا» فِي إِشَعْيَاءَ ٩: ٦. وَيُعَلِّمُ بَعْضُ الرَّابِّيِّينَ الأَمْرَ ذَاتَهُ. اسْمَعْ فِرْنِيلِيُوسَ الطَّبِيبَ، الكِتَابُ ١، عَنِ الأَسْبَابِ الخَفِيَّةِ لِلأَشْيَاءِ، الفَصْلُ ١١: «تَلَقَّيْنَا مِنَ السِّجِلَّاتِ المَكْتُوبَةِ أَنَّ مَلَاكَ أَبِينَا الأَوَّلِ الحَارِسَ كَانَ يُسَمَّى رَازِيِيلَ، وَمَلَاكَ إِبْرَاهِيمَ زَخِيِيلَ، وَمَلَاكَ إِسْحَاقَ رَفَائِيلَ، وَمَلَاكَ يَعْقُوبَ فِيلِيِيلَ (أَيْ عَجِيبُ اللهِ)، وَمَلَاكَ مُوسَى مِطْرَاطُونَ؛ وَبِوَاسِطَةِ هَؤُلَاءِ الوُسَطَاءِ نَالُوا أُمُورًا كَثِيرَةً جِدًّا مِنَ اللهِ.» لَكِنَّ هَذِهِ إِمَّا تَخْمِينَاتٌ أَوِ اخْتِلَاقَاتٌ مِنَ القَبَّالِيِّينَ؛ فَإِنَّ عِبَارَةَ «الَّذِي هُوَ عَجِيبٌ» يَجِبُ حَذْفُهَا مِنْ هَذَا المَوْضِعِ، كَمَا تَحْذِفُهَا النُّصُوصُ العِبْرِيَّةُ وَاليُونَانِيَّةُ وَاللَّاتِينِيَّةُ الرُّومَانِيَّةُ؛ لَكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي القُضَاةِ ١٣: ١٨، وَمِنْ هُنَاكَ يَبْدُو أَنَّ أَحَدَ المُدَّعِينَ لِلمَعْرِفَةِ نَقَلَهَا إِلَى هَذَا المَوْضِعِ.

لَمْ يَشَأِ المَلَاكُ أَنْ يَكْشِفَ اسْمَهُ لِيَعْقُوبَ، لِئَلَّا يَعْبُدَهُ نَسْلُهُ أَوْ يُكْرِمُوهُ تَكْرِيمًا خُرَافِيًّا — فَقَدْ كَانَ اليَهُودُ مَيَّالِينَ جِدًّا لِلْوَثَنِيَّةِ وَالخُرَافَاتِ؛ وَلِأَنَّ المَلَائِكَةَ أَرْوَاحٌ خَالِصَةٌ وَعُقُولٌ لَيْسَ لَهَا أَسْمَاءٌ مَنْطُوقَةٌ؛ وَلِأَنَّ هَذَا المَلَاكَ كَانَ يُمَثِّلُ الكَلِمَةَ الَّذِي سَيَتَجَسَّدُ، وَاسْمُهُ قَبْلَ التَّجَسُّدِ كَانَ صَامِتًا وَمَخْفِيًّا.


الآيَةُ ٣٠: بَارَكَهُ — فَنُوئِيلُ

وَبَارَكَهُ. ضِمْنِيًّا وَفِي الوَاقِعِ، بِتَسْمِيَتِهِ إِسْرَائِيلَ، بَارَكَ المَلَاكُ يَعْقُوبَ فِي الآيَةِ ٢٨، كَمَا قُلْتُ؛ أَمَّا هُنَا فَبَارَكَهُ صَرَاحَةً بِأَنْ رَسَمَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الصَّلِيبِ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا، وَقَالَ: لِيُبَارِكْكَ اللهُ، وَلْيُعْطِكَ البَرَكَةَ المَوْعُودَةَ لِإِبْرَاهِيمَ وَلِنَسْلِهِ.

وَسَمَّى ذَلِكَ المَوْضِعَ فَنُوئِيلَ. «فَنُوئِيلُ»، أَوْ كَمَا هُوَ بِالعِبْرِيَّةِ فَنِيئِيلُ، مَعْنَاهُ «وَجْهُ اللهِ»؛ فَإِنَّ فَانِي تَعْنِي «وَجْهًا» وَإِيلْ تَعْنِي «اللهَ». وَهُنَا بُنِيَتْ مَدِينَةٌ فِيمَا بَعْدُ سُمِّيَتْ أَيْضًا فَنِيئِيلَ، الَّتِي يَدْعُوهَا سْتْرَابُونُ الوَثَنِيُّ، فِي الكِتَابِ ١٦، «وَجْهَ اللهِ». القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، العِظَةُ ٥٨، قِرَاءَةً مِنَ السَّبْعِينِيَّةِ، يَقُولُ: «سَمَّى يَعْقُوبُ اسْمَ هَذَا المَوْضِعِ مَنْظَرَ اللهِ.» فَفِي ذَلِكَ الحِينِ اتَّخَذَ اللهُ هَيْئَةَ إِنْسَانٍ، ثُمَّ فِيمَا بَعْدُ اتَّخَذَ حَقِيقَةَ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ وَجَوْهَرَهَا: «مُسْبِقًا الإِشَارَةَ لَنَا»، يَقُولُ، «إِلَى أَنَّهُ سَيَتَّخِذُ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ. لَكِنْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، لِأَنَّهَا كَانَتِ البِدَايَاتُ وَالمَرَاحِلُ الأُولَى، ظَهَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي صُورَةٍ، كَمَا يَقُولُ عَبْرَ هُوشَعَ، الفَصْلِ ١٢: كَثَّرْتُ الرُّؤَى، وَعَلَى أَيْدِي الأَنْبِيَاءِ تَشَبَّهْتُ. لَكِنْ حِينَ تَنَازَلَ الرَّبُّ وَاتَّخَذَ الهَيْئَةَ البَشَرِيَّةَ، لَمْ يَلْبَسْ جَسَدًا ظَاهِرِيًّا فَحَسْبُ بَلْ جَسَدًا حَقِيقِيًّا.»

قَائِلًا: رَأَيْتُ الرَّبَّ وَجْهًا لِوَجْهٍ — أَيْ رَأَيْتُ اللهَ فِي هَيْئَةٍ جَسَدِيَّةٍ مُمَثَّلَةً لِي بِوَاسِطَةِ المَلَاكِ؛ فَالمُؤَكَّدُ أَنَّ يَعْقُوبَ، فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا اللَّيْلِيَّةِ المُعْتِمَةِ، لَمْ يَرَ الجَوْهَرَ الإِلَهِيَّ، وَلَا رَأَى اللهَ بِالمَعْنَى الحَقِيقِيِّ، بَلْ مَلَاكًا يُمَثِّلُ اللهَ فِي جَسَدٍ مُتَّخَذٍ.

وَالأَفْضَلُ ثَانِيًا: «رَأَيْتُ الرَّبَّ وَجْهًا لِوَجْهٍ»، أَيْ تَصَارَعْتُ وَقَاتَلْتُ يَدًا بِيَدٍ مَعَ المَلَاكِ المُمَثِّلِ لِلهِ، يَدًا بِيَدٍ، قَدَمًا بِقَدَمٍ، جَنْبًا بِجَنْبٍ، الْتَقَيْتُ وَتَقَاتَلْتُ. فَهَكَذَا قَالَ المَلِكُ أَمَصْيَا لِيُوآشَ: «لِنَتَرَاءَ»، أَيْ لِنَتَقَاتَلْ وَجْهًا لِوَجْهٍ، المُلُوكُ الثَّانِي ١٤: ٨. وَهَكَذَا رَأَى يُوشِيَّا فِرْعَوْنَ حِينَ قُتِلَ عَلَى يَدِ فِرْعَوْنَ فِي المَعْرَكَةِ، المُلُوكُ الثَّانِي ٢٢: ٣٠.

وَنَجَتْ نَفْسِي. فَإِنَّهُ كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ وَكَايِتَانُوسُ، كَانَ هُنَاكَ اعْتِقَادٌ قَدِيمٌ بِأَنَّ مَنْ رَأَى مَلَاكًا سَيَمُوتُ. لِذَلِكَ قَالَ مَانُوحُ لَمَّا رَأَى المَلَاكَ: «نَمُوتُ مَوْتًا، لِأَنَّنَا رَأَيْنَا الرَّبَّ»، القُضَاةُ ١٣: ٢٢. لِذَلِكَ يُهَنِّئُ يَعْقُوبُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ رَأَى اللهَ وَلَا يَزَالُ سَالِمًا.

وَالأَوْضَحُ ثَانِيًا، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ وَلِيبُومَانُوسُ: أَيْ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا الحَمِيمَةِ لِلهِ، وَبِالمَوَدَّةِ وَالصَّدَاقَةِ عَبْرَ مَلَاكِهِ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَصَارَعْتُهُ، تَحَرَّرْتُ مِنَ الخَوْفِ مِنْ أَخِي وَمِنْ كُلِّ قَلَقٍ وَوَسْوَاسٍ آخَرَ. يَتَرْجِمُ لَادِي عِنْدَ هُوشَعَ الفَصْلِ ١٢ «تَقَوَّيْتُ»؛ فَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ لَمْ يَعُدْ يَعْقُوبُ يَخَافُ أَخَاهُ، بَلْ ذَهَبَ لِلِقَائِهِ بِشَجَاعَةٍ وَثِقَةٍ.

مِنْ هُنَا يُعَلِّمُ كَاسِيَانُوسُ وَسَائِرُ أَهْلِ الخِبْرَةِ فِي الأُمُورِ الرُّوحِيَّةِ أَنَّ عَلَامَةَ المَلَاكِ الصَّالِحِ هِيَ أَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ يَضْرِبُ الشَّخْصَ أَوَّلًا بِالخَوْفِ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا يُعَزِّيهِ وَيَمْسَحُ الحُزْنَ وَكُلَّ غُيُومِ العَقْلِ وَيُقَوِّيهِ وَيَتْرُكُهُ صَافِيًا مَسْرُورًا: أَمَّا إِبْلِيسُ فَيَفْعَلُ العَكْسَ تَمَامًا. هَكَذَا ظَهَرَ المَلَاكُ لِيَشُوعَ فِي هَيْئَةٍ مُرْعِبَةٍ، أَيْ مُمْسِكًا سَيْفًا مَسْلُولًا، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا عَزَّاهُ وَشَجَّعَهُ، قَائِلًا: «أَنَا رَئِيسُ جَيْشِ الرَّبِّ، وَالآنَ قَدْ جِئْتُ»، يَشُوعُ ٥: ١٣. وَهَكَذَا جِدْعُونُ، لَمَّا رَأَى المَلَاكَ، ارْتَعَبَ وَظَنَّ أَنَّهُ سَيَمُوتُ، لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا سَمِعَ: «سَلَامٌ لَكَ، لَا تَخَفْ، لَا تَمُوتُ»، القُضَاةُ ٦: ٢٢. وَهَكَذَا دَانِيَالُ، لَمَّا رَأَى مَلَاكًا ذَا هَيْئَةٍ جَلِيلَةٍ، سَقَطَ مَصْعُوقًا وَغَشِيَ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّهُ سُرْعَانَ مَا أُقِيمَ وَقُوِّيَ مِنَ المَلَاكِ نَفْسِهِ، دَانِيَالُ ١٠: ٨ وَمَا يَلِيهَا. وَهَكَذَا النِّسَاءُ اللَّوَاتِي جِئْنَ إِلَى قَبْرِ المَسِيحِ، لَمَّا رَأَيْنَ المَلَاكَ بِمَنْظَرِ البَرْقِ، ذُهِلْنَ؛ لَكِنَّهُنَّ سُرْعَانَ مَا سَمِعْنَ مِنْهُ: «لَا تَخَفْنَ، أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ المَصْلُوبَ؛ قَدْ قَامَ، لَيْسَ هُوَ هَهُنَا»، مَرْقُسُ الفَصْلُ الأَخِيرُ، الآيَةُ ٥.


الآيَةُ ٣١: كَانَ يَعْرُجُ

كَانَ يَعْرُجُ — مِنْ ضَرْبَةِ الوَتَرِ وَالأَلَمِ وَالخَلْعِ. يَرَى جِنَادِيُوسُ فِي السِّلْسِلَةِ أَنَّ يَعْقُوبَ بَقِيَ أَعْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَرْوِي العِبْرَانِيُّونَ أَنَّهُ شُفِيَ أَخِيرًا مِنْ عَرَجِهِ حِينَ وَصَلَ إِلَى شَكِيمَ أَوْ سِيخَارَ، الَّتِي سُمِّيَتْ مِنْ ثَمَّ شَالِيمَ، أَيْ «كَامِلَةً»، التَّكْوِينُ ٣٣: ١٨، لِأَنَّ يَعْقُوبَ هُنَاكَ بَدَأَ يَمْشِي كَامِلًا.

لَكِنَّ أَبُولِنْسِيسَ يَرَى بِصَوَابٍ أَكْبَرَ أَنَّ يَعْقُوبَ شُفِيَ فَوْرًا عَلَى يَدِ المَلَاكِ الَّذِي لَمَسَهُ وَضَرَبَهُ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى عِيسُو فِي اليَوْمِ التَّالِي: فَلِمَاذَا يَبْقَى أَعْرَجَ وَعَاجِزًا، خَاصَّةً أَمَامَ أَخِيهِ الَّذِي كَانَ سَيَتَغَلَّبُ عَلَيْهِ، وَفْقًا لِوَعْدِ المَلَاكِ؟


الآيَةُ ٣٢: لَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ الوَتَرَ

لَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ الوَتَرَ. بِالوَتَرِ افْهَمِ العَضَلَةَ الَّتِي بِهَا يَتَحَرَّكُ الفَخِذُ وَيَنْقَبِضُ؛ فَإِنَّ الوَتَرَ عَادَةً لَا يَأْكُلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّعُوبِ، حَتَّى الوَثَنِيِّينَ مِنْهُمْ. هَكَذَا يَقُولُ فَاتَابْلُوسُ.

مَجَازِيًّا، الوَتَرُ وَلَحْمُ يَعْقُوبَ يَرْمُزَانِ إِلَى المَعْنَى الجَسَدِيِّ لِلشَّرِيعَةِ القَدِيمَةِ، الَّذِي كَانَ مِنْ خِلَالِ مُصَارَعَةِ المَلَاكِ — أَيِ المَسِيحِ — مَعَ يَعْقُوبَ — أَيِ اليَهُودِ — سَيُحَلُّ وَيُخْلَعُ. وَمِنْ هُنَا بَدَأَتِ اليَهُودِيَّةُ تَعْرُجُ؛ لِأَنَّ جُزْءًا مِنْهَا، وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الحَقِيقِيُّ، صَعِدَ إِلَى المَسِيحِ بِالعَصَا (المَذْكُورَةِ فِي الآيَةِ ١٠)، أَيِ الصَّلِيبِ، كَمَا يَقُولُ القِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ: وَهَذَا الجُزْءُ بَارَكَهُ المَسِيحُ؛ وَالجُزْءُ الآخَرُ، الَّذِي رَفَضَ الإِيمَانَ بِالمَسِيحِ، نَزَلَ إِلَى أَسْفَلَ مَحْرُومًا مِنَ النِّعْمَةِ وَالمَجْدِ؛ لِذَلِكَ فَإِنَّ أَبْنَاءَ إِسْرَائِيلَ الحَقِيقِيِّينَ لَا يَأْكُلُونَ وَتَرَ الحَرْفِ وَالفَهْمِ الجَسَدِيِّ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِي يَقْتُلُ. هَكَذَا يَقُولُ القِدِّيسُ تُومَا وَالقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، العِظَةُ ٨٠ عَنِ الأَزْمِنَةِ.