كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي

سِفْرُ التَّكْوِينِ — الْإِصْحَاحُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ


فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ


مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ

يَسْتَعْطِفُ يَعْقُوبُ أَخَاهُ عِيسُو بِخُضُوعِهِ وَهَدَايَاهُ وَيَكْسِبُهُ إِلَى جَانِبِهِ. ثَانِيًا، الْآيَةُ ١٧، يَسْكُنُ فِي سُكُّوتَ وَفِي شَالِيمَ، وَيُقِيمُ مَذْبَحًا لِلَّهِ مُخَلِّصِهِ.


نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣٣: ١-٢٠

١. وَرَفَعَ يَعْقُوبُ عَيْنَيْهِ فَرَأَى عِيسُو مُقْبِلًا وَمَعَهُ أَرْبَعُ مِئَةِ رَجُلٍ، فَقَسَمَ الْأَوْلَادَ بَيْنَ لَيْئَةَ وَرَاحِيلَ وَالْجَارِيَتَيْنِ؛ ٢. وَجَعَلَ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَوْلَادَهُمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَلَيْئَةَ وَأَوْلَادَهَا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي، وَرَاحِيلَ وَيُوسُفَ فِي الْآخِرِ. ٣. وَتَقَدَّمَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَسَجَدَ إِلَى الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ أَخُوهُ. ٤. فَرَكَضَ عِيسُو لِلِقَاءِ أَخِيهِ وَاحْتَضَنَهُ وَضَمَّ عُنُقَهُ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى. ٥. وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فَرَأَى النِّسَاءَ وَأَطْفَالَهُنَّ فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَؤُلَاءِ؟ وَهَلْ هُمْ لَكَ؟ فَأَجَابَ: هُمُ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ وَهَبَهُمُ اللهُ لِعَبْدِكَ. ٦. فَدَنَتِ الْجَارِيَتَانِ وَأَوْلَادُهُمَا وَانْحَنَوْا. ٧. وَدَنَتْ لَيْئَةُ أَيْضًا مَعَ أَوْلَادِهَا، وَلَمَّا سَجَدُوا بِالْمِثْلِ، سَجَدَ أَخِيرًا يُوسُفُ وَرَاحِيلُ. ٨. فَقَالَ عِيسُو: مَا هَذِهِ الْقُطْعَانُ الَّتِي صَادَفْتُهَا؟ فَأَجَابَ: لِأَجِدَ نِعْمَةً أَمَامَ سَيِّدِي. ٩. فَقَالَ: عِنْدِي الْكَثِيرُ يَا أَخِي، لِيَكُنْ مَا لَكَ لَكَ. ١٠. فَقَالَ يَعْقُوبُ: لَا تَفْعَلْ هَكَذَا أَرْجُوكَ، بَلْ إِنْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَاقْبَلْ هَدِيَّةً صَغِيرَةً مِنْ يَدَيَّ، فَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَكَ كَأَنَّنِي أَرَى وَجْهَ اللهِ، كُنْ لِي رَحِيمًا، ١١. وَاقْبَلِ الْبَرَكَةَ الَّتِي أَحْضَرْتُهَا لَكَ، وَالَّتِي وَهَبَنِيهَا اللهُ الْمُعْطِي كُلَّ شَيْءٍ. فَقَبِلَهَا بِالْكَادِ بِإِلْحَاحِ أَخِيهِ. ١٢. وَقَالَ: لِنَسِرْ مَعًا وَأَكُونَ رَفِيقَ رِحْلَتِكَ. ١٣. فَقَالَ يَعْقُوبُ: تَعْلَمُ يَا سَيِّدِي أَنَّ لِي أَطْفَالًا صِغَارًا، وَغَنَمًا وَبَقَرًا مُرْضِعَاتٍ مَعِي؛ وَإِنْ أَرْهَقْتُهَا فِي السَّيْرِ يَوْمًا وَاحِدًا مَاتَتِ الْقُطْعَانُ كُلُّهَا. ١٤. لِيَتَقَدَّمْ سَيِّدِي أَمَامَ عَبْدِهِ، وَأَنَا أَسِيرُ رُوَيْدًا فِي أَثَرِهِ كَمَا أَرَى أَنَّ صِغَارِي يَسْتَطِيعُونَ، حَتَّى آتِيَ إِلَى سَيِّدِي فِي سِعِيرَ. ١٥. فَأَجَابَ عِيسُو: أَرْجُوكَ أَنْ يَبْقَى مَعَكَ عَلَى الْأَقَلِّ بَعْضُ الْقَوْمِ الَّذِينَ مَعِي لِيُرَافِقُوكَ فِي الطَّرِيقِ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ، إِنَّمَا أُرِيدُ هَذَا الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فَقَطْ: أَنْ أَجِدَ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ يَا سَيِّدِي. ١٦. فَرَجَعَ عِيسُو فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ إِلَى سِعِيرَ. ١٧. وَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى سُكُّوتَ حَيْثُ بَنَى بَيْتًا وَنَصَبَ خِيَامًا، فَدَعَا اسْمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُكُّوتَ أَيْ خِيَامًا. ١٨. وَعَبَرَ إِلَى شَالِيمَ مَدِينَةِ الشَّكِيمِيِّينَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ بِسُورِيَا، وَسَكَنَ بِجِوَارِ الْمَدِينَةِ. ١٩. وَاشْتَرَى قِطْعَةَ الْحَقْلِ الَّتِي نَصَبَ فِيهَا خِيَامَهُ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ بِمِئَةِ حَمَلٍ. ٢٠. وَأَقَامَ هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَا عَلَيْهِ بِاسْمِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرِ.


الْآيَةُ ٣: هُوَ نَفْسُهُ تَقَدَّمَ

٣. هُوَ نَفْسُهُ تَقَدَّمَ. فِي الْعِبْرِيَّةِ: وَهُو عَبَرْ لِفْنِيهِمْ، أَيْ «وَهُوَ نَفْسُهُ عَبَرَ» أَوْ «تَقَدَّمَ أَمَامَهُمْ»؛ وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَعْقُوبَ، بَعْدَ الْقَطِيعِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَاشِيَةِ وَالْخُدَّامِ، تَقَدَّمَ كَأَبٍ وَقَائِدٍ أَمَامَ الْمَجْمُوعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَالْأَطْفَالِ، مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ وَالْمَوْتِ مِنْ أَجْلِهِمْ.


الْآيَةُ ٣: سَجَدَ إِلَى الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ

سَجَدَ إِلَى الْأَرْضِ — لَا لِلَّهِ كَمَا يُرِيدُ بَعْضُهُمْ، بَلْ لِأَخِيهِ عِيسُو. فَيَعْقُوبُ إِذَنْ سَجَدَ، أَيْ أَظْهَرَ تَبْجِيلًا — لَا مُقَدَّسًا وَلَا إِلَهِيًّا، بَلْ إِنْسَانِيًّا وَمَدَنِيًّا — لِأَخِيهِ، مُنْحَنِيًا لَهُ إِلَى الْأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، عَلَى فَتَرَاتٍ قَصِيرَةٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَخِيهِ. تَعَلَّمْ هُنَا أَنَّ كِبْرِيَاءَ الْأَقْوِيَاءِ وَغَضَبَهُمْ لَا يُكْسَرُ بِشَيْءٍ أَفْعَلَ مِنَ الْخُضُوعِ الْمُتَوَاضِعِ، أَيْ:

«يَكْفِي الْأَسَدَ الشُّجَاعَ أَنْ يَطْرَحَ الْأَجْسَادَ أَرْضًا. فَلِلْقِتَالِ نِهَايَتُهُ حِينَ يَسْقُطُ الْعَدُوُّ.» — أُوفِيدِيُوسْ.

اُنْظُرِ الْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٥٨.

هَكَذَا ذَلِكَ الْأُسْقُفُ الْقِدِّيسُ، كَمَا يَقُولُ صُفْرُونِيُوسُ فِي الْمَرْجِ الرُّوحِيِّ، الْفَصْلُ ٢١٠، تَغَلَّبَ عَلَى أُسْقُفٍ آخَرَ كَانَ مُسْتَاءً مِنْهُ وَمِنْ شَعْبِهِ اسْتِيَاءً شَدِيدًا، حِينَمَا «سَقَطَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ مَعَ جَمِيعِ إِكْلِيرُوسِهِ قَائِلًا: سَامِحْنَا يَا سَيِّدُ، نَحْنُ عَبِيدُكَ؛ فَذَلِكَ الرَّجُلُ، إِذْ دُهِشَ وَتَأَثَّرَ مِنْ تَوَاضُعِ الْأُسْقُفِ الْعَظِيمِ هَكَذَا، أَمْسَكَ قَدَمَيْهِ قَائِلًا: أَنْتَ سَيِّدِي وَأَبِي. وَقَالَ ذَلِكَ الْمُتَوَاضِعُ لِإِكْلِيرُوسِهِ: أَلَمْ نَنْتَصِرْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ؟ وَأَنْتُمْ أَيْضًا إِذَا كَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ، فَافْعَلُوا هَكَذَا، وَسَتَكُونُونَ مُنْتَصِرِينَ.» مِثَالٌ مُشَابِهٌ يُوجَدُ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ وَآخَرُ فِي الْفَصْلِ مَا قَبْلَ الْأَخِيرِ. فَالْجَوَابُ اللَّيِّنُ الرَّقِيقُ الْمُتَوَاضِعُ يَكْسِرُ الْغَضَبَ، كَمَا يَقُولُ الْحَكِيمُ.

رَمْزِيًّا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ كِيرِلُّسُ فِي «الْغِلَافِيرَا»، الْكِتَابُ الْخَامِسُ: يَعْقُوبُ هُوَ الْمَسِيحُ. فَهُوَ يَتَصَالَحُ أَوَّلًا مَعَ لَابَانَ، أَيْ مَعَ الْأُمَمِ، ثُمَّ مَعَ عِيسُو، أَيْ مَعَ الْيَهُودِ؛ فَحِينَ يَدْخُلُ مِلْءُ الْأُمَمِ، حِينَئِذٍ يَهْتَدِي كُلُّ إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمَسِيحِ وَيَخْلُصُ.

سَبْعَ مَرَّاتٍ. لِمَاذَا سَبْعَ مَرَّاتٍ؟ يُجِيبُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ رَمْزِيًّا، الْكِتَابُ الثَّانِي عَنْ يَعْقُوبَ، الْفَصْلُ السَّادِسُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْمَسِيحِ «الَّذِي أَمَرَ أَنْ تُمْنَحَ الْمَغْفِرَةُ لِلْأَخِ لَا إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ، مَتَّى ١٨. فَلَمَّا لَاقَاهُ عِيسُو وَهُوَ مُتَأَمِّلٌ فِيهِ، غَفَرَ لِأَخِيهِ الْإِسَاءَةَ الَّتِي ظَنَّ أَنَّهُ تَلَقَّاهَا، وَمَعَ أَنَّهُ أُسِيءَ إِلَيْهِ عَادَ إِلَى الْمَوَدَّةِ، لِأَنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ كَانَ سَيَتَجَسَّدُ وَيَأْتِي إِلَى الْأَرْضِ لِهَذَا السَّبَبِ، لِيَمْنَحَنَا مَغْفِرَةً مُضَاعَفَةً لِلْخَطَايَا.»


الْآيَةُ ٨: لِأَجِدَ نِعْمَةً

٨. لِأَجِدَ نِعْمَةً — أَيْ أَرْسَلْتُ هَذِهِ أَمَامَكَ هَدِيَّةً، كَأَخٍ أَحَبِّ وَأَجَلِّ أَخٍ، لِأَسْتَحِقَّ رِضَاكَ، فَتَكُونَ حَسَنَ النِّيَّةِ تِجَاهِي وَتَنْسَى كُلَّ مَا مَضَى.

لَا تَفْعَلْ هَكَذَا — أَيْ لَا تَرْفُضْ مَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ.


الْآيَةُ ١٠: هَدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ

١٠. هَدِيَّةٌ صَغِيرَةٌ. فِي الْعِبْرِيَّةِ مِنْحَة، أَيْ هِبَةٌ تُقَدَّمُ لِلَّهِ أَوْ لِلْأَمِيرِ، شَهَادَةً عَلَى الْخُضُوعِ وَاعْتِرَافًا بِسُمُوِّهِ.


الْآيَةُ ١٠: رَأَيْتُ وَجْهَكَ كَأَنَّنِي أَرَى وَجْهَ اللهِ

فَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَكَ كَأَنَّنِي أَرَى وَجْهَ اللهِ — أَيْ أَنَا الْخَائِفُ الْقَلِقُ، كَانَتْ رَأْفَةُ مُحَيَّاكَ غَيْرُ الْمُتَوَقَّعَةِ وَحَلَاوَتُهُ، الْمَقْرُونَةُ بِتِلْكَ الْهَيْبَةِ وَالسُّمُوِّ، لَطِيفَةً وَمَهِيبَةً عِنْدِي كَوَجْهِ اللهِ، أَوْ كَوَجْهِ مَلَاكٍ يُظْهِرُ عَوْنَهُ وَحُضُورَهُ بِعَلَامَةٍ مَا؛ وَهَذَا مَا يُعْرَفُ عِنْدَ النَّاسِ بِـ«الْإِلَهُ الظَّاهِرُ مِنَ الْآلَةِ». هَكَذَا يَقُولُ الْأَبُولِنْسِيُّ؛ وَالْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، الْعِظَةُ ٥٨: «بِمِثْلِ تِلْكَ الْبَهْجَةِ، يَقُولُ، رَأَيْتُ وَجْهَكَ، كَمَا يَرَى الْمَرْءُ وَجْهَ اللهِ.» فَهَكَذَا تَرْجَمَهَا السَّبْعُونَ. لِأَنَّ الْكَلِمَةَ الْعِبْرِيَّةَ إِلُوهِيم تَعْنِي اللهَ وَالْمَلَاكَ مَعًا.

بِهَذَا الْفَنِّ سَحَرَ تَاكْسِيلِيسُ، مَلِكُ الْهِنْدِ الْحَكِيمُ، الْإِسْكَنْدَرَ الْأَكْبَرَ وَحَوَّلَهُ مِنْ عَدُوٍّ إِلَى صَدِيقٍ؛ فَإِنَّهُ إِذْ حَيَّا الْإِسْكَنْدَرَ قَالَ: «أَيَّةُ حَاجَةٍ بَيْنَنَا لِلْحُرُوبِ، وَأَنْتَ لَمْ تَأْتِ لِتَأْخُذَ مِنَّا مَاءَنَا وَلَا قُوتَنَا الضَّرُورِيَّ؟ فَمِنْ أَجْلِ هَذَيْنِ وَحْدَهُمَا يَحْتَاجُ الْعُقَلَاءُ أَنْ يُقَاتِلُوا. فَإِنْ كُنْتُ أَغْنَى بِالْمَوَارِدِ الْأُخْرَى، فَسَأُشَارِكُكَ بِطِيبِ خَاطِرٍ؛ وَإِنْ كُنْتُ أَفْقَرَ، فَلَا أَرْفُضُ أَنْ أَقْبَلَ مَعْرُوفَكَ بِقَلْبٍ شَاكِرٍ. فَسُرَّ الْإِسْكَنْدَرُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَاحْتَضَنَهُ وَقَالَ: أَتَظُنُّ أَنَّكَ تُفْلِتُ مِنَ الْمُنَافَسَةِ بِهَذِهِ اللَّطَافَةِ؟ أَنْتَ مُخْطِئٌ؛ فَسَأُنَافِسُكَ بِالْمَعْرُوفِ لِئَلَّا تَفُوقَنِي فِي الْكَرَمِ. وَبَعْدَ أَنْ قَبِلَ هَدَايَا كَثِيرَةً وَأَعْطَى أَكْثَرَ مِنْهَا، رَفَعَ لَهُ أَخِيرًا أَلْفَ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ الْمَسْكُوكَةِ»، يَقُولُ بْلُوتَارْخُسُ فِي سِيرَةِ الْإِسْكَنْدَرِ.

وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ نَفْسُهُ رَحِيمًا وَكَرِيمًا مَعَ زَوْجَةِ دَارَا وَبَنَاتِهِ اللَّوَاتِي أَسَرَهُنَّ فِي الْحَرْبِ؛ فَطَلَبَ دَارَا الْمَهْزُومُ مِنَ الْآلِهَةِ أَنْ تُعِيدَ إِلَيْهِ مُلْكَهُ لِيُكَافِئَ الْإِسْكَنْدَرَ عَلَى هَذَا الْإِحْسَانِ؛ أَوْ إِنْ بَدَا لَهُمْ أَنْ يُنْهُوا الْمَمْلَكَةَ الْفَارِسِيَّةَ، أَلَّا يَنْقُلُوهَا إِلَى أَحَدٍ سِوَى الْإِسْكَنْدَرِ: هَكَذَا يَشْهَدُ بْلُوتَارْخُسُ نَفْسُهُ.

هَا هُوَذَا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ، بِأَيِّ كَلِمَاتٍ لَطِيفَةٍ وَنَبِيلَةٍ يُلَطِّفُ يَعْقُوبُ رُوحَ أَخِيهِ الْعَنِيفَ: «فَلَا شَيْءَ، يَقُولُ، أَقْوَى مِنَ الْوَدَاعَةِ. فَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُلْقَى عَلَى الْمُحْرِقَةِ حِينَ تَلْتَهِبُ بِشِدَّةٍ يُطْفِئُهَا: كَذَلِكَ الْكَلِمَةُ الْمَنْطُوقَةُ بِوَدَاعَةٍ تُطْفِئُ رُوحًا مُتَّقِدَةً أَشَدَّ مِنْ أَتُّونٍ. وَرِبْحٌ مُزْدَوَجٌ يَعُودُ عَلَيْنَا مِنْ هَذَا: أَنَّنَا نُظْهِرُ الْوَدَاعَةَ، وَأَنَّنَا نُوقِفُ سَخَطَ أَخِينَا وَنُحَرِّرُ عَقْلَهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ. لَا يُمْكِنُ إِطْفَاءُ النَّارِ بِالنَّارِ، وَلَا تَلْطِيفُ الْغَضَبِ بِالْغَضَبِ؛ بَلْ مَا الْمَاءُ لِلنَّارِ، فَالْوَدَاعَةُ وَالرِّفْقُ لِلْغَضَبِ.» هَكَذَا قَالَتْ أَسْتِيرُ لِأَحَشْوِيرُوشَ، الْإِصْحَاحُ ١٥، الْآيَةُ ١٦: «رَأَيْتُكَ يَا سَيِّدُ كَمَلَاكِ اللهِ»؛ وَمَفِيبُوشِثُ لِدَاوُدَ: «وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي الْمَلِكُ كَمَلَاكِ اللهِ.»


الْآيَةُ ١٠: كُنْ لِي رَحِيمًا

كُنْ لِي رَحِيمًا. مِنْ هَذَا سَأَسْتَنْتِجُ أَنَّكَ حَسَنُ النِّيَّةِ وَرَحِيمٌ تِجَاهِي، إِنْ لَمْ تَسْتَنْكِفْ مِنْ بَرَكَتِي وَالتَّقْدِمَةِ الَّتِي أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ.


عَنِ الْكَلِمَةِ الْعِبْرِيَّةِ «بَرَكَة» بِمَعْنَى هَدِيَّة

مُلَاحَظَةٌ: يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ الْهَدِيَّةَ أَوِ التَّقْدِمَةَ «بَرَكَةً»، وَهِيَ الَّتِي تَلَقَّوْهَا مِنَ اللهِ وَبِهَا يُبَارِكُونَ غَيْرَهُمْ، أَيْ يُحْسِنُونَ إِلَيْهِمْ بِعَطَائِهِمْ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي ٢ كُورِنْثُوسَ ٩: ٥-٦.


الْآيَةُ ١٢: لِنَسِرْ مَعًا

١٢. لِنَسِرْ مَعًا — عَلَى الْأَقَلِّ حَتَّى مِنْطَقَتِي فِي أَدُومَ.


الْآيَةُ ١٣: مُرْضِعَات

١٣. مُرْضِعَات — أَيْ ذَوَاتُ رَضَاعٍ.

كُلُّهَا — أَيِ الْكَثِيرُ مِنْهَا، مُعْظَمُهَا. وَهَذَا مُبَالَغَةٌ.


الْآيَةُ ١٤: إِلَى سَيِّدِي فِي سِعِيرَ

١٤. إِلَى سَيِّدِي فِي سِعِيرَ. هَكَذَا كَانَ يَعْقُوبُ يَنْوِي أَنْ يَفْعَلَ آنَذَاكَ، لَكِنَّهُ غَيَّرَ رَأْيَهُ فِيمَا بَعْدُ خَوْفًا مِنْ أَنَّ عِيسُو، إِذْ يَسْتَثِيرُهُ حُضُورُهُ وَيَسْتَعِيدُ الْأُمُورَ الْقَدِيمَةَ، قَدْ يُجَدِّدُ شَكَاوَاهُ السَّابِقَةَ وَيَسْتَأْنِفُ غَضَبَهُ؛ وَلَا سِيَّمَا إِنْ هُوَ، إِذْ يَسْتَقْبِلُ أَخَاهُ الْقَادِمَ بِالضِّيَافَةِ وَالطَّعَامِ، قَدْ سَخُنَ بِالْخَمْرِ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ، الْمَسْأَلَةُ ١٠٦.


الْآيَةُ ١٧: سُكُّوتَ

١٧. سُكُّوتَ. لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَوْضِعُ يُسَمَّى بَعْدُ، بَلْ سُمِّيَ فِيمَا بَعْدُ سُكُّوتَ، مِنَ الْخِيَامِ الَّتِي نَصَبَهَا يَعْقُوبُ هُنَاكَ، وَهُنَاكَ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مَدِينَةٌ سُمِّيَتْ أَيْضًا سُكُّوتَ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي سِبْطِ جَادَ، بِالْقُرْبِ مِنَ الْيَبُّوقِ وَبَيْسَانَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي أَمَاكِنِ الْأَسْمَاءِ الْعِبْرِيَّةِ.

بَيْتًا — أَيْ خَيْمَةً أَوْ كُوخًا.


الْآيَةُ ١٨: شَالِيمُ مَدِينَةُ الشَّكِيمِيِّينَ

١٨. وَعَبَرَ إِلَى شَالِيمَ مَدِينَةِ الشَّكِيمِيِّينَ. الْكَلْدَانِيُّ وَكَايِيتَانُوسُ وَأُولِيَاسْتِرُ يَأْخُذُونَ «شَالِيمَ» لَا كَاسْمِ عَلَمٍ بَلْ كَصِفَةٍ، وَيُتَرْجِمُونَ: وَصَلَ سَالِمًا مُعَافًى (فَهَذَا مَعْنَى شَالِيمَ) إِلَى شَكِيمَ. لَكِنَّ كُلًّا مِنَ السَّبْعِينِيَّةِ وَالْفُولْغَاتَا يَأْخُذُ «شَالِيمَ» كَاسْمِ مَوْضِعٍ خَاصٍّ. فَشَالِيمُ هِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى سَابِقًا شَكِيمَ، وَتَحْرِيفًا سُوخَارُ، يُوحَنَّا ٤: ٥. وَيَقُولُ الْعِبْرَانِيُّونَ إِنَّهَا سُمِّيَتْ شَالِيمَ لِأَنَّ يَعْقُوبَ شُفِيَ هُنَاكَ مِنْ عَرَجِهِ، كَمَا ذَكَرْتُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٢، الْآيَةِ ٢٥.


الْآيَةُ ١٨: سَكَنَ بِجِوَارِ الْمَدِينَةِ

سَكَنَ بِجِوَارِ الْمَدِينَةِ. يَبْدُو أَنَّ يَعْقُوبَ سَكَنَ هُنَا نَحْوَ تِسْعِ سَنَوَاتٍ، فَإِنَّ شِمْعُونَ وَلَاوِي حِينَ أَتَيَا إِلَى هُنَا مِنْ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ كَانَا فِي نَحْوِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِمَا، وَقَدْ دَمَّرَا شَكِيمَ فِيمَا بَعْدُ بِسَبَبِ انْتِهَاكِ عِرْضِ دِينَةَ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي. فَكَانَا إِذَنْ آنَذَاكَ فِي نَحْوِ الْعِشْرِينَ مِنَ الْعُمُرِ.


الْآيَةُ ١٩: مِنْ بَنِي حَمُورَ

١٩. مِنْ بَنِي حَمُورَ. كَانَ حَمُورُ أَمِيرَ الشَّكِيمِيِّينَ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الشَّكِيمِيُّونَ أَبْنَاءَهُ، أَيْ رَعَايَاهُ؛ فَالْأَمِيرُ الْحَقِيقِيُّ أَبٌ لِشَعْبِهِ. هَكَذَا يَدْعُو عَبِيدُ نَعْمَانَ سَيِّدَهُمْ «أَبًا»، ٤ مُلُوكٍ ٥: ٤٣. لَكِنْ بِمَا أَنَّ حَمُورَ يُسَمَّى هُنَا أَبَا شَكِيمَ، وَكَانَ حَقًّا أَبَاهُ كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٢، فَمِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ تُفْهَمَ «أَبْنَاءُ حَمُورَ» هُنَا بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، أَيْ إِخْوَةُ شَكِيمَ.

أَبِي شَكِيمَ. سَتَقُولُ: أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٧: ١٦ تَقُولُ «ابْنِ شَكِيمَ». أُجِيبُ: لَعَلَّ «ابْنَ» هُنَاكَ يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَبْدَلَ بِـ«أَبِي شَكِيمَ» كَمَا هُوَ هُنَا؛ وَهَكَذَا يَبْدُو أَنَّ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ قَرَأَهَا فِي رِسَالَتِهِ إِلَى بَامَّاخِيُوسَ. أَوْ بِالتَّأْكِيدِ، كَمَا يَرَى بِيدَا، كَانَ هُنَاكَ شَكِيمَانِ: أَحَدُهُمَا أَبُو حَمُورَ وَالْآخَرُ ابْنُ حَمُورَ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ الْيُونَانِيَّةَ تَقُولُ بِلَا تَمْيِيزٍ تُو سِيخِمْ: وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ عَادَةً وَيُفَسَّرُ عَلَى أَنَّهُ شَكِيمُ الِابْنُ. أَضِفْ أَنَّ الْقِدِّيسَ اسْتِفَانُوسَ فِي أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧ يَذْكُرُ إِبْرَاهِيمَ، وَلِذَلِكَ يَبْدُو أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ لَا عَنْ شِرَاءِ يَعْقُوبَ هُنَا بَلْ عَنْ شِرَاءِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ فِي التَّكْوِينِ ٢٣: ٣٦. وَسَأَقُولُ الْمَزِيدَ فِي هَذَا عِنْدَ أَعْمَالِ الرُّسُلِ ٧.


الْآيَةُ ١٩: مِئَةُ حَمَلٍ

مِئَةُ حَمَلٍ. بَدَلَ «حُمْلَانٍ» الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ قَسِيطَة، وَيُتَرْجِمُهَا الْعُلَمَاءُ الْمُتَأَخِّرُونَ بِـ«نُقُودٍ». لَكِنَّ الْقِدِّيسَ إِيرُونِيمُوسَ وَالْكَلْدَانِيَّ وَلِيرَانُوسَ وَبَانِينُوسَ وَفَاتَابْلُوسَ وَأُولِيَاسْتِرَ وَابْنَ عِزْرَا يُتَرْجِمُونَهَا بِـ«حُمْلَانٍ». وَمِنْ هُنَا تَرْجَمَ السَّبْعُونَ أَيْضًا أَمْنُونَ؛ وَبَدَلَهُ يَقْرَأُ أُوغُوبِينُوسُ خَطَأً مْنَانَ، أَيْ مِنَاتٍ أَوْ نُقُودًا.

سَتَقُولُ: قَسِيطَة فِي الْعَرَبِيَّةِ تَعْنِي قِطْعَةً نَقْدِيَّةً، إِذَنْ فَهِيَ تَعْنِي الشَّيْءَ نَفْسَهُ فِي الْعِبْرِيَّةِ.

أُجِيبُ: أُنْكِرُ الِاسْتِدْلَالَ؛ فَالْحَاخَامَاتُ يُخْطِئُونَ حِينَ يَلْتَمِسُونَ مَعَانِيَ الْكَلِمَاتِ الْعِبْرِيَّةِ وَيَقْتَبِسُونَهَا مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، كَمَا لَاحَظَ أُولِيَاسْتِرُ بِحَقٍّ.

سَتَقُولُ ثَانِيًا: الْقِدِّيسُ اسْتِفَانُوسُ، أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٧: ١٦، يَقُولُ إِنَّ هَذَا الْحَقْلَ اشْتُرِيَ لَا بِمِئَةِ حَمَلٍ، بَلْ بِثَمَنِ فِضَّةٍ.

أُجِيبُ: «بِثَمَنِ فِضَّةٍ» أَيْ بِثَمَنٍ عَادِلٍ؛ فَبِاسْمِ الْفِضَّةِ أَوِ الْمَالِ نَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ الثَّرَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَدِيمًا تَتَمَثَّلُ فِي الْغَنَمِ وَالْمَاشِيَةِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ كَلِمَةَ pecunia (مَالٌ) مُشْتَقَّةٌ مِنْ pecus (مَاشِيَةٌ) أَوْ pecu؛ وَلِهَذَا أَيْضًا سُكَّ أَوَّلُ نَقْدٍ بُرُونْزِيٍّ بِصُورَةِ مَوَاشٍ — غَنَمٍ وَخَنَازِيرَ وَثِيرَانٍ — كَمَا يَشْهَدُ بْلُوتَارْخُسُ فِي سِيرَةِ بُوبْلِيكُولَا، وَبْلِينِيُوسُ، الْكِتَابُ ٣٣، الْفَصْلُ ٣. فَبِاسْمِ الْمَالِ إِذَنْ (يَقُولُ هِرْمُوجِينِيَانُوسُ، قَانُونُ pecunia، فِي الْبَنْدِقْتِ، عَنْ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ) لَا تُحْتَوَى النُّقُودُ الْمَعْدُودَةُ فَحَسْبُ، بَلْ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ وَالْمَنْقُولَةِ، وَالْأَعْيَانُ وَالْحُقُوقُ مَعًا.

أُجِيبُ ثَانِيًا: يُمْكِنُ مَعَ بِينِيدَا أَنْ يُفْهَمَ مِنْ مِئَةِ حَمَلٍ أَوْ غَنَمٍ مِئَةُ قِطْعَةٍ نَقْدِيَّةٍ تُسَمَّى حُمْلَانًا أَوْ غَنَمًا لِأَنَّ عَلَيْهَا صُورَةَ غَنَمٍ مَنْقُوشَةً، كَمَا ذَكَرْتُ — إِنْ كَانَ سَكُّ النُّقُودِ قَدِيمًا إِلَى هَذَا الْحَدِّ: فَالثَّابِتُ أَنَّ الْأَقْدَمِينَ اسْتَعْمَلُوا نُقُودًا غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ. أَضِفْ أَنَّ الْقِدِّيسَ اسْتِفَانُوسَ لَا يَتَكَلَّمُ عَنْ شِرَاءِ يَعْقُوبَ هَذَا بَلْ عَنْ شِرَاءٍ آخَرَ لِإِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرْتُ.

سَتَقُولُ ثَالِثًا: التَّكْوِينُ ٤٨ فِي آخِرِهِ يَقُولُ إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَذَ هَذَا الْحَقْلَ بِسَيْفِهِ وَقَوْسِهِ.

يُجِيبُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أَنَّ سِلَاحَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُسَالِمِ كَانَ هَذَا الثَّمَنَ، أَيْ ثَمَنَ مِئَةِ حَمَلٍ؛ وَفِي الْعِبْرِيَّةِ تُلَمِّحُ كَلِمَةُ قِشِتْ أَيْ «قَوْسٌ» بِشَكْلٍ جَمِيلٍ إِلَى قَسِيطَة أَيْ «حَمَلٌ». لَكِنَّنِي سَأُنَاقِشُ هَذَا الْمَوْضِعَ عِنْدَ التَّكْوِينِ ٤٨.


الْآيَةُ ٢٠: دَعَا بِاسْمِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرِ

٢٠. وَدَعَا عَلَيْهِ بِاسْمِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرِ. فِي الْعِبْرِيَّةِ وَيِّقْرَا لُو إِيلْ إِلُوهِي يِسْرَائِيلْ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجَمَ بِوَجْهَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ، وَقَدْ فَعَلَ يَعْقُوبُ كِلَيْهِمَا. أَوَّلًا: «وَدَعَا (يُتَرْجِمُ الْكَلْدَانِيُّ: ذَبَحَ) عَلَيْهِ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرَ»، فَهَكَذَا يُتَرْجِمُ السَّبْعُونَ وَالْكَلْدَانِيُّ وَالْفُولْغَاتَا: فَالْمَذَابِحُ تُقَامُ أَصْلًا لِلذَّبِيحَةِ وَالدُّعَاءِ. ثَانِيًا: «وَسَمَّاهُ (الْمَذْبَحَ) إِلَهَ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرَ»، فَهَذَا مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ لُو بِالتَّحْدِيدِ. وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكْتَفِ بِالسُّجُودِ وَالذَّبِيحَةِ عِنْدَ هَذَا الْمَذْبَحِ، بَلْ كَرَّسَهُ وَقَدَّسَهُ وَنَقَشَ عَلَيْهِ اسْمَ اللهِ. فَنَقَشَ يَعْقُوبُ عَلَى الْمَذْبَحِ هَذَا اللَّقَبَ: إِيلْ إِلُوهِي يِسْرَائِيلْ، أَيْ «إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرُ» أَوْ «لِإِلَهِ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرِ» — لَا أَنَّ الْمَذْبَحَ نَفْسَهُ كَانَ اللهَ، كَمَا يَقُولُ كَايِيتَانُوسُ، بَلْ أَنَّهُ كَانَ مُكَرَّسًا وَمَنْقُوشًا لِإِلَهِ إِسْرَائِيلَ الْقَدِيرِ: فَيَعْقُوبُ يَدْعُو اللهَ إِيلْ بِسَبَبِ قُوَّتِهِ، وَإِلُوهِيم بِسَبَبِ عِنَايَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَحِمَايَتِهِ الْعَادِلَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُ ضِدَّ عِيسُو وَلَابَانَ وَسَائِرِ الْأَعْدَاءِ.

وَقَدْ أَعْطَى يَعْقُوبُ لَقَبًا مُشَابِهًا وَنَقَشَهُ عَلَى مَذْبَحِ بَيْتِ إِيلَ، التَّكْوِينُ ٣٥: ٧. هَكَذَا سَمَّى الرَّأُوبِينِيُّونَ مَذْبَحَهُمْ «شَهَادَةً بَيْنَنَا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ»، يَشُوعُ ٢٢، الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ. هَكَذَا سَمَّى جِدْعُونُ مَذْبَحَهُ «الرَّبُّ سَلَامٌ»، الْقُضَاةُ ٦: ٢٤. هَكَذَا أَيْضًا كَرَّسَ الْوَثَنِيُّونَ وَنَقَشُوا مَذَابِحَ لِيُوبِيتِرَ الْمُنْتَصِرِ، وَمِينِرْفَا الْمُنْقِذَةِ، وَأَسْكْلِيبِيُوسَ الْمُخَلِّصِ، إِلَخْ. وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا يُقِيمُ يَعْقُوبُ هُنَا مَذْبَحًا وَيَنْقُشُ عَلَيْهِ شُكْرًا لِلَّهِ مُحَرِّرِهِ وَهَادِيهِ وَقَائِدِهِ.

إِلَهُ إِسْرَائِيلَ — إِلَهُ يَعْقُوبَ الَّذِي سُمِّيَ إِسْرَائِيلَ. ثَانِيًا، إِلَهُ نَسْلِ يَعْقُوبَ أَيِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، الَّذِينَ سَيَسُودُ فِيهِمْ هُوَ نَفْسُهُ بِصِفَتِهِ إِيلْ أَيِ الْقَدِيرَ، وَبِصِفَتِهِ إِلُوهِيم أَيِ الدَّيَّانَ وَالْمُنْتَقِمَ، حَامِيًا وَمُنْتَقِمًا لَهُمْ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِلِسْطِينِيِّينَ وَسَائِرِ الْأَعْدَاءِ، كَمَا حَمَى يَعْقُوبَ وَانْتَقَمَ لَهُ. هَذَا الْإِلَهُ هُوَ اللهُ الْآبُ وَالِابْنُ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ؛ لَكِنَّهُ بِالْأَخَصِّ اللهُ الِابْنُ الَّذِي كَانَ سَيُولَدُ مِنْ يَعْقُوبَ وَيَصِيرُ إِنْسَانًا، وَبِذَلِكَ يَمْلِكُ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الْأَبَدِ، لُوقَا ١: ٣٣؛ فَإِنَّ اسْمَهُ مِنْ بَيْنِ أَسْمَاءٍ أُخْرَى هُوَ إِيلْ أَيِ الْقَدِيرُ، إِشَعْيَاءَ ٩: ٦.


دَرْسٌ أَخْلَاقِيٌّ: لِمَاذَا يَمْتَحِنُ اللهُ قِدِّيسِيهِ بِالضِّيقِ

أَخْلَاقِيًّا، مِنْ هَذَا الْإِصْحَاحِ، بَلْ مِنْ حَيَاةِ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ كُلِّهَا، يَتَّضِحُ أَنَّ اللهَ يَمْتَحِنُ عَبِيدَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ بِضِيقَاتٍ وَاضْطِهَادَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، لِيَرْفَعَهُمْ إِلَى مَجْدِ الْفَضِيلَةِ وَالْكَرَامَةِ، فَمَا النَّارُ لِلذَّهَبِ، وَالْمِبْرَدُ لِلْحَدِيدِ، وَالْمِذْرَاةُ لِلْقَمْحِ، وَالْقِلْيُ لِلثَّوْبِ، وَالْمِلْحُ لِلَّحْمِ: هَذَا هُوَ الضِّيقُ لِلرِّجَالِ الصَّالِحِينَ. يَبْدُو الْكَيُّ جُرْحًا لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَاجُ الْجُرْحِ: هَكَذَا يَبْدُو الِابْتِلَاءُ شَرًّا لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَاجُ الشُّرُورِ وَنِعْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ. وَلِهَذَا أَجَابَ الرَّبُّ بُولُسَ: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي؛ فَإِنَّ الْقُوَّةَ فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ.

فَلْيَتَعَلَّمِ الْمُؤْمِنُونَ أَوَّلًا أَنَّ الضِّيقَاتِ عَلَامَاتٌ لَا عَلَى بُغْضِ اللهِ بَلْ عَلَى مَحَبَّتِهِ. فَإِنَّهَا رُمُوزُ الِاخْتِيَارِ وَالْبُنُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ. فَهَذَا مَا يَقُولُهُ زَكَرِيَّا نَفْسُهُ، ١٣: ٩: «أُحْرِقُهُمْ كَمَا تُحْرَقُ الْفِضَّةُ وَأَمْتَحِنُهُمْ كَمَا يُمْتَحَنُ الذَّهَبُ»؛ وَسِفْرُ الرُّؤْيَا ٣: ١٩: «مَنْ أُحِبُّهُمْ أُوَبِّخُهُمْ وَأُؤَدِّبُهُمْ»؛ وَالرَّسُولُ، عِبْرَانِيِّينَ ١٢: ٦: «مَنْ يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ»؛ وَالْحِكْمَةُ ٣: ٦: «كَالذَّهَبِ فِي الْبَوْتَقَةِ امْتَحَنَهُمْ، وَكَذَبِيحَةِ مُحْرَقَةٍ كَامِلَةٍ قَبِلَهُمْ.»

وَلْيَتَعَلَّمُوا ثَانِيًا أَنَّ الضِّيقَاتِ لَا تَضُرُّ بَلْ تُطَهِّرُ وَتُكَمِّلُ الْمُمْتَحَنِينَ. وَمِنْ هُنَا أَيُّوبُ ٢٣: ١٠: «امْتَحَنَنِي، يَقُولُ، كَالذَّهَبِ الَّذِي يَمُرُّ فِي النَّارِ.» وَدَاوُدُ، الْمَزْمُورُ ١٦: ٣: «امْتَحَنْتَ قَلْبِي وَافْتَقَدْتَنِي فِي اللَّيْلِ؛ مَحَّصْتَنِي بِالنَّارِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيَّ إِثْمٌ.» وَيَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ ٢٦: ٦: «الْأَتُّونُ، يَقُولُ، يَمْتَحِنُ أَوَانِيَ الْخَزَّافِ، وَامْتِحَانُ الضِّيقِ يَمْتَحِنُ الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ.»

فَحَقًّا إِذَنْ يَقُولُ الطُّوبَاوِيُّ أَنْطِيُوخُسُ، الْعِظَةُ ٧٨: «كَمَا أَنَّ الشَّمْعَ، يَقُولُ، مَا لَمْ يُسَخَّنْ أَوْ يُلَيَّنْ مُسْبَقًا، لَا يَقْبَلُ بِسُهُولَةٍ طَبْعَةَ الْخَاتَمِ: كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ، مَا لَمْ يُمْتَحَنْ بِرِيَاضَةِ الْأَتْعَابِ وَالضَّعْفِ الْمُتَنَوِّعِ، لَنْ يَسْمَحَ الْبَتَّةَ أَنْ يُوسَمَ بِخَاتَمِ النِّعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَبِهَا نَتَعَلَّمُ أَنْ نُحِبَّ الْأَفْضَلَ، «لِئَلَّا يُحِبَّ الْمُسَافِرُ الْمُتَّجِهُ إِلَى وَطَنِهِ الْفُنْدُقَ بَدَلَ الْبَيْتِ»، يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُسُ فِي الْعِبَارَاتِ، الْعِبَارَةُ ١٨٦.

وَلْيَتَعَلَّمُوا ثَالِثًا أَنَّ الْمَصَائِبَ تُهْلِكُ مَنْ يَرْفُضُونَ الصَّبْرَ، وَتَحْمِي مَنْ يَحْتَضِنُونَهُ. فَالضِّيقُ الْمَحْمُولُ بِصَبْرٍ هُوَ بَابُ السَّمَاءِ. وَمِنْ هُنَا قِيلَ عَنِ الْمَسِيحِ، لُوقَا ٢٤: ٢٦: «كَانَ يَنْبَغِي لِلْمَسِيحِ أَنْ يَتَأَلَّمَ وَهَكَذَا يَدْخُلَ فِي مَجْدِهِ.» بُولُسُ وَبَرْنَابَا، أَعْمَالُ الرُّسُلِ ١٤: ٢١: «بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ، يَقُولَانِ، يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ.» وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ رَخَاءَ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَسَعَادَتَهَا بَابُ جَهَنَّمَ. وَلِهَذَا السَّبَبِ يُعْطِيهَا اللهُ لِلْأَشْرَارِ؛ أَمَّا الْأَتْقِيَاءُ وَالْأَقْوِيَاءُ فِي الْفَضِيلَةِ فَيَمْتَحِنُهُمْ بِصُلْبَانٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَيَقُودُهُمْ عَبْرَ مَضَايِقِ الْبَلَايَا الْمُرَّةِ إِلَى الْحَيَاةِ الْخَالِدَةِ؛ فَهَذَا مَا يَقُولُونَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ، الْمَزْمُورُ ٦٥: ١٠: «امْتَحَنْتَنَا يَا اللهُ، مَحَّصْتَنَا بِالنَّارِ كَمَا تُمَحَّصُ الْفِضَّةُ.» وَالْمَسِيحُ، مَتَّى ٥: ٥: «طُوبَى لِلْحَزَانَى فَإِنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ»؛ وَ«طُوبَى لِلْمُضْطَهَدِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ فَإِنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.» هَكَذَا الْآبَاءُ الْبَطَارِكَةُ، هَكَذَا الْمَكَابِيُّونَ، هَكَذَا الشُّهَدَاءُ وَسَائِرُ أَبْطَالِ الْإِيمَانِ، إِذْ امْتُحِنُوا بِالِاضْطِهَادَاتِ وَالسُّجُونِ وَالضَّرَبَاتِ وَآلَاتِ التَّعْذِيبِ وَالِاسْتِشْهَادَاتِ وَالنِّيرَانِ، خَرَجُوا أَنْقَى وَأَقْوَى وَأَبْهَى، وَكَرَّسُوا أَسْمَاءَهُمْ لِلسَّمَاءِ وَالْخُلُودِ.