كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(انْتِهَاكُ دِينَةَ)
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
اخْتُطِفَتْ دِينَةُ وَانْتُهِكَتْ مِنْ قِبَلِ شَكِيمَ. وَمِنْ ثَمَّ، فِي الْآيَةِ ١٣، عَقَدَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ عَهْدًا غَادِرًا مَعَهُ، مُشْتَرِطِينَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَتِنَ هُوَ وَقَوْمُهُ، وَبِذَلِكَ يَتَزَوَّجَ دِينَةَ. وَمِنْ ثَمَّ، فِي الْآيَةِ ٢٥، هَاجَمَ شَمْعُونُ وَلَاوِي أَهْلَ شَكِيمَ وَهُمْ يَتَأَلَّمُونَ مِنَ الْخِتَانِ فَذَبَحُوهُمْ. وَهَذِهِ هِيَ التَّجْرِبَةُ وَالْمِحْنَةُ الرَّابِعَةُ لِيَعْقُوبَ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣٤: ١-٣١
١. وَخَرَجَتْ دِينَةُ بِنْتُ لَيْئَةَ لِتَرَى نِسَاءَ تِلْكَ الْمَنْطِقَةِ. ٢. فَلَمَّا رَآهَا شَكِيمُ بْنُ حَمُورَ الْحِوِّيِّ، رَئِيسُ تِلْكَ الْأَرْضِ، أَحَبَّهَا وَخَطِفَهَا وَضَاجَعَهَا قَاهِرًا الْعَذْرَاءَ. ٣. وَالْتَصَقَتْ نَفْسُهُ بِهَا، وَسَكَّنَ حُزْنَهَا بِالْمُلَاطَفَاتِ. ٤. وَذَهَبَ إِلَى حَمُورَ أَبِيهِ وَقَالَ: خُذْ لِي هَذِهِ الْفَتَاةَ زَوْجَةً. ٥. فَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ بِذَلِكَ، وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ غَائِبِينَ وَمَشْغُولِينَ بِرَعْيِ الْمَوَاشِي، سَكَتَ حَتَّى رَجَعُوا. ٦. وَلَمَّا خَرَجَ حَمُورُ أَبُو شَكِيمَ لِيُكَلِّمَ يَعْقُوبَ، ٧. إِذَا بِأَبْنَائِهِ قَدْ جَاؤُوا مِنَ الْحَقْلِ: وَلَمَّا سَمِعُوا بِمَا حَدَثَ، غَضِبُوا جِدًّا لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ فِعْلَةً شَنِيعَةً فِي إِسْرَائِيلَ، إِذِ انْتَهَكَ ابْنَةَ يَعْقُوبَ فَاقْتَرَفَ أَمْرًا مُحَرَّمًا. ٨. فَكَلَّمَهُمْ حَمُورُ قَائِلًا: إِنَّ نَفْسَ ابْنِي شَكِيمَ قَدِ الْتَصَقَتْ بِابْنَتِكُمْ: أَعْطُوهَا لَهُ زَوْجَةً، ٩. وَتَصَاهَرُوا مَعَنَا: أَعْطُونَا بَنَاتِكُمْ وَخُذُوا بَنَاتِنَا. ١٠. وَاسْكُنُوا مَعَنَا؛ الْأَرْضُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ: ازْرَعُوهَا وَتَاجِرُوا فِيهَا وَتَمَلَّكُوهَا. ١١. وَقَالَ شَكِيمُ أَيْضًا لِأَبِيهَا وَلِإِخْوَتِهَا: لِأَجِدْ نِعْمَةً فِي عُيُونِكُمْ، وَمَهْمَا قَرَّرْتُمْ أُعْطِي: ١٢. زِيدُوا الْمَهْرَ وَاطْلُبُوا هَدَايَا، وَأَنَا أُعْطِي بِطِيبِ نَفْسٍ مَا تَطْلُبُونَ: فَقَطْ أَعْطُونِي هَذِهِ الْفَتَاةَ زَوْجَةً. ١٣. فَأَجَابَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ شَكِيمَ وَأَبَاهُ بِمَكْرٍ، هَائِجِينَ بِسَبَبِ انْتِهَاكِ أُخْتِهِمْ: ١٤. لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ مَا تَطْلُبُونَ، وَلَا أَنْ نُعْطِيَ أُخْتَنَا لِرَجُلٍ أَغْلَفَ: ١٥. وَلَكِنْ بِهَذَا نَقْدِرُ أَنْ نَعْقِدَ عَهْدًا: إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَصِيرُوا مِثْلَنَا وَيَخْتَتِنَ كُلُّ ذَكَرٍ فِيكُمْ؛ ١٦. حِينَئِذٍ نُعْطِيكُمْ بَنَاتِنَا وَنَأْخُذُ بَنَاتِكُمْ، وَنَسْكُنُ مَعَكُمْ وَنَصِيرُ شَعْبًا وَاحِدًا؛ ١٧. وَإِنْ لَمْ تُرِيدُوا أَنْ تَخْتَتِنُوا، نَأْخُذُ ابْنَتَنَا وَنَمْضِي. ١٨. فَحَسُنَ عَرْضُهُمْ فِي عَيْنَيْ حَمُورَ وَشَكِيمَ ابْنِهِ: ١٩. وَلَمْ يَتَأَخَّرِ الْفَتَى فِي تَنْفِيذِ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَوْرًا: لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَتَاةَ جِدًّا، وَكَانَ هُوَ نَفْسُهُ مَشْهُورًا فِي كُلِّ بَيْتِ أَبِيهِ. ٢٠. فَدَخَلَا بَابَ الْمَدِينَةِ وَكَلَّمَا الشَّعْبَ: ٢١. هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ مُسَالِمُونَ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَسْكُنُوا مَعَنَا: لِيَتَّجِرُوا فِي الْأَرْضِ وَيَزْرَعُوهَا، وَهِيَ وَاسِعَةٌ عَرِيضَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى سُكَّانٍ؛ نَأْخُذُ بَنَاتِهِمْ لَنَا زَوْجَاتٍ وَنُعْطِيهِمْ بَنَاتِنَا. ٢٢. وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ يَتَأَخَّرُ هَذَا الْخَيْرُ الْعَظِيمُ: إِذَا خَتَنَّا ذُكُورَنَا مُقْتَدِينَ بِعَادَةِ تِلْكَ الْأُمَّةِ. ٢٣. فَأَمْوَالُهُمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَكُلُّ مَا يَمْلِكُونَ تَكُونُ لَنَا: فَقَطْ لِنُوَافِقْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، وَنَسْكُنُ مَعًا فَنَصِيرُ شَعْبًا وَاحِدًا. ٢٤. فَوَافَقَ الْجَمِيعُ، وَاخْتَتَنَ كُلُّ ذَكَرٍ. ٢٥. وَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حِينَ يَكُونُ أَلَمُ الْجُرُوحِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ، أَخَذَ ابْنَا يَعْقُوبَ شَمْعُونُ وَلَاوِي أَخَوَا دِينَةَ سُيُوفَهُمَا، وَدَخَلَا الْمَدِينَةَ بِجُرْأَةٍ: فَقَتَلَا جَمِيعَ الذُّكُورِ، ٢٦. وَكَذَلِكَ قَتَلَا حَمُورَ وَشَكِيمَ، وَأَخَذَا دِينَةَ أُخْتَهُمَا مِنْ بَيْتِ شَكِيمَ. ٢٧. وَلَمَّا خَرَجَا، هَجَمَ سَائِرُ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ عَلَى الْقَتْلَى وَنَهَبُوا الْمَدِينَةَ انْتِقَامًا لِلزِّنَا. ٢٨. فَأَخَذُوا غَنَمَهُمْ وَبَقَرَهُمْ وَحَمِيرَهُمْ، وَخَرَّبُوا كُلَّ مَا فِي الْبُيُوتِ وَالْحُقُولِ؛ ٢٩. وَسَبَوْا أَطْفَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ. ٣٠. فَلَمَّا تَمَّتْ هَذِهِ الْأُمُورُ بِجُرْأَةٍ، قَالَ يَعْقُوبُ لِشَمْعُونَ وَلَاوِي: أَكْدَرْتُمَانِي وَجَعَلْتُمَانِي مَمْقُوتًا عِنْدَ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ سُكَّانِ هَذِهِ الْأَرْضِ. نَحْنُ قَلِيلُونَ: فَيَجْتَمِعُونَ وَيَضْرِبُونَنِي فَأَهْلِكُ أَنَا وَبَيْتِي. ٣١. فَأَجَابَا: أَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ أُخْتُنَا كَزَانِيَةٍ؟
الْآيَةُ ١: سَبَبُ سُقُوطِ دِينَةَ
١. وَخَرَجَتْ دِينَةُ — كَانَ سَبَبُ سُقُوطِ دِينَةَ هَذَا الْخُرُوجَ. فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَبْقَى فِي بَيْتِهَا وَتَشْغَلَ نَفْسَهَا هُنَاكَ بِالْغَزْلِ وَالنَّسْجِ وَالتَّطْرِيزِ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْقُدَمَاءُ، وَلِهَذَا السَّبَبِ كَانَتِ الْمِغْزَلُ الْمُزَيَّنَةُ مَعَ الْمِغْرَدِ وَالْخَيْطِ تُرَافِقُ الْعَرُوسَ فِي الْأَعْرَاسِ عِنْدَ الرُّومَانِ حِينَ كَانَتْ تُسَاقُ فِي مَوْكِبٍ حَافِلٍ مِنْ بَيْتِ أَبِيهَا إِلَى بَيْتِ الْعَرِيسِ، كَمَا يُعَلِّمُ بْرِيسُونِيُوسُ نَقْلًا عَنْ بْلُوتَرْخُسَ وَبْلِينِيُوسَ فِي كِتَابِهِ عَنْ طُقُوسِ الزَّوَاجِ. وَبْلِينِيُوسُ أَيْضًا، الْكِتَابُ ٨، الْإِصْحَاحُ ٤٨، يُعَيِّنُ سَبَبَ هَذَا الطَّقْسِ وَأَصْلَهُ حِينَ يَقُولُ: «يَشْهَدُ مَارْكُوسْ فَارُّو أَنَّ صُوفَ تَانَاكْوِيلِسَ — الَّتِي تُدْعَى أَيْضًا كَايْكِيلِيَا — بِمِغْزَلِهَا وَخَيْطِهَا بَقِيَ فِي مَعْبَدِ سَانْغُوسَ، وَأَنَّ الثَّوْبَ الْمَلَكِيَّ الْمُمَوَّجَ الَّذِي صَنَعَتْهُ بَقِيَ فِي مَعْبَدِ فُورْتُونَا، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ سِرْفِيُوسُ تُولِّيُوسُ؛ وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الْمِغْزَلَ الْمُزَيَّنَةَ مَعَ الْمِغْرَدِ وَالْخَيْطِ تُرَافِقُ الْعَرَائِسَ.» أَمَّا دِينَةُ فَلِأَنَّهَا أَهْمَلَتِ الْمِغْزَلَ بِكَسَلٍ، خَرَجَتْ فَأَهْلَكَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَ شَكِيمَ. وَعَنِ احْتِجَابِ النِّسَاءِ تَكَلَّمْتُ عِنْدَ تِيطُسَ ٢: ٥.
وَبِحَقٍّ أَنْشَدَ مَارْتِيَالِيسُ عَنْ لَايْفِينَا الْعَفِيفَةِ الصَّارِمَةِ وَلَكِنَّهَا مُتَجَوِّلَةٌ: «حِينَ تُسَلِّمُ نَفْسَهَا مَرَّةً لِلُوكْرِينُو وَمَرَّةً لِأَفِرْنُوسَ، إِلَخْ. وَقَعَتْ فِي اللَّهِيبِ، وَاتَّبَعَتْ شَابًّا تَارِكَةً زَوْجَهَا، فَجَاءَتْ بِينِيلُوبِي وَمَضَتْ هِيلَانَةَ.»
الْآيَةُ ١: الدَّرْسُ الْأَخْلَاقِيُّ فِي الْفِرَارِ مِنَ الرِّجَالِ
أَخْلَاقِيًّا، لِتَتَعَلَّمِ الْعَذَارَى هُنَا كَمْ يَجِبُ أَنْ يَفْرِرْنَ مِنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ، فَلَا يَرْغَبْنَ فِي أَنْ يُرَيْنَ وَلَا فِي أَنْ يَرَيْنَ. يَرْوِي صُفْرُونِيُوسُ فِي الْمَرْجِ الرُّوحَانِيِّ، الْفَصْلُ ١٧٩، عَنْ عَذْرَاءَ فَرَّتْ مِنْ عَاشِقٍ لِئَلَّا تُعْثِرَهُ، فَانْسَحَبَتْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَعَاشَتْ هُنَاكَ ١٧ سَنَةً؛ وَنَالَتْ مِنَ اللهِ لِهَذَا الْفِرَارِ امْتِيَازَيْنِ: الْأَوَّلُ، أَنَّهَا بَيْنَمَا كَانَتْ تَرَى الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَرَاهَا؛ وَالثَّانِي، أَنَّهَا مَعَ أَنَّهَا حَمَلَتْ مَعَهَا زَادًا قَلِيلًا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَكَانَتْ تَأْكُلُ مِنْهُ بِاسْتِمْرَارٍ، لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا.
وَيَرْوِي الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي الْفَصْلِ ٦٠ مِثَالًا عَجِيبًا عَنْ رَاهِبَةٍ فَرَّتْ مِنْ عَاشِقٍ، فَلَمَّا سَأَلَتْهُ بِوَاسِطَةِ رُسُلٍ لِمَاذَا يُلَاحِقُهَا هَكَذَا وَمَا أَكْثَرُ مَا يُعْجِبُهُ فِيهَا، فَأَجَابَ أَنَّ عَيْنَيْهَا أَسَرَتَاهُ: فَفَقَأَتْ عَيْنَيْهَا فَوْرًا وَأَرْسَلَتْهُمَا إِلَيْهِ لِيُشْبِعَ نَفْسَهُ بِهِمَا. فَاذْهَلَهُ هَذَا الْفِعْلُ، فَحَوَّلَ الشَّابُّ شَهْوَتَهُ إِلَى تَوْبَةٍ وَانْسِحَاقٍ، وَنَبَذَ الْمَلَذَّاتِ وَاعْتَنَقَ الْحَيَاةَ الرُّهْبَانِيَّةَ. أَتُرِيدُ أَمْثِلَةً أَحْدَثَ؟ اسْمَعْ.
الْقِدِّيسُ جِيلُوسُ، أَحَدُ أَوَّلِ رُفَقَاءِ الْقِدِّيسِ فِرَنْسِيسَ، سَأَلَ فِي مَجْلِسٍ مِنَ الْإِخْوَةِ: مَاذَا تَفْعَلُونَ ضِدَّ تَجَارِبِ الْجَسَدِ؟ فَأَجَابَ رُوفِينُوسُ: أَسْتَوْدِعُ نَفْسِي للهِ وَلِلْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ، وَأَطْرَحُ نَفْسِي عَلَى الْأَرْضِ مُتَضَرِّعًا. وَلَكِنَّ يُونِيبِرُوسَ قَالَ: حِينَ أَشْعُرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَفْكَارِ أَقُولُ فَوْرًا: اذْهَبْ بَعِيدًا، اذْهَبْ بَعِيدًا، فَإِنَّ الْحَانَ مَشْغُولٌ. فَقَالَ لَهُ جِيلُوسُ: أُوَافِقُكَ الرَّأْيَ؛ فَإِنَّ خَيْرَ وَسِيلَةٍ هِيَ الْفِرَارُ: لِأَنَّ الْعَفَافَ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ، تَتَغَبَّشُ بِمُجَرَّدِ نَظْرَةٍ وَنَفَسٍ.
وَمِنْ نَفْسِ الرَّهْبَنَةِ، الْأَخُ رُوجِرُوسُ، رَجُلٌ قِدِّيسٌ، لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ أَيِّ امْرَأَةٍ، حَتَّى أُمِّهِ، وَهِيَ عَجُوزٌ. فَلَمَّا سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ، أَجَابَ: «لِأَنَّهُ حِينَ يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ مَا فِي وُسْعِهِ، يَفْعَلُ اللهُ بِدَوْرِهِ مَا هُوَ لَهُ، وَيَحْفَظُ الْإِنْسَانَ مِنَ السُّقُوطِ؛ أَمَّا إِذَا عَرَّضَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَمْرٍ زَلِقٍ كَهَذَا، فَاللهُ يَتْرُكُهُ لِقُوَاهُ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ بِهَا أَنْ يُقَاوِمَ طَوِيلًا.» فَكَمَا أَنَّ الْمِغْنَاطِيسَ يَجْذِبُ الْحَدِيدَ، كَذَلِكَ تَجْذِبُ حَبِيبَتُهُ الرَّجُلَ.
وَكَانَ الْقِدِّيسُ فْرَنْسِيسُ كْسَفَارِيُوسُ يَقُولُ إِنَّ النِّسَاءَ يُقْتَرَبُ إِلَيْهِنَّ بِخَطَرٍ عَلَى الْعَفَافِ أَوِ السُّمْعَةِ أَكْبَرَ مِنَ الْفَائِدَةِ. وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ تِلْكَ الْقَاعِدَةُ الْحَكِيمَةُ وَالصَّارِمَةُ فِي رَهْبَانِيَّتِنَا أَنَّهُ لَا يُسْمَحُ لَنَا بِزِيَارَةِ النِّسَاءِ حَتَّى لِأَسْبَابٍ تَقَوِيَّةٍ، إِلَّا الْمَرِيضَاتِ وَالْمُحْتَضِرَاتِ، وَذَلِكَ فَقَطْ بِمُرَافَقَةِ شَخْصٍ آخَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى كُلِّ مَا يَجْرِي.
وَأَخِيرًا اسْمَعْ مَا عَلَّمَتْ زَانِيَةٌ الْقِدِّيسَ أَفْرَامَ: كَانَ ذَاهِبًا مِنَ الْبَرِّيَّةِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَسْتَخْلِصَ بَعْضَ الْعِبَرِ التَّقَوِيَّةِ مِنَ اللِّقَاءَاتِ: فَقَابَلَتْهُ زَانِيَةٌ حَدَّقَتْ فِيهِ بِثَبَاتٍ؛ فَلَمَّا سَأَلَهَا أَفْرَامُ عَنِ السَّبَبِ، أَجَابَتِ الزَّانِيَةُ: مَا الْعَجَبُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْكَ، وَالْمَرْأَةُ خُلِقَتْ مِنَ الرَّجُلِ؟ أَمَّا أَنْتَ فَثَبِّتْ عَيْنَيْكَ عَلَى أُمِّكَ، أَيِ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْهَا جُبِلْتَ. اُنْظُرِ الْمَزِيدَ عِنْدَ سِفْرِ الْعَدَدِ ٢٥، فِي النِّهَايَةِ.
وَبِحِكْمَةٍ إِذَنْ قَالَ الْقِدِّيسُ مَارْتِينُوسُ: «لِتَبْقَ الْمَرْأَةُ دَاخِلَ حِمَايَةِ الْجُدْرَانِ، فَإِنَّ فَضِيلَتَهَا الْأُولَى وَتَتْوِيجَ انْتِصَارِهَا أَلَّا تُرَى،» كَمَا يَرْوِي سُولْبِيسِيُوسُ فِي الْحِوَارِ الثَّانِي.
عُمُرُ دِينَةَ وَقْتَ اخْتِطَافِهَا
دِينَةُ. — كَانَتْ دِينَةُ فِي نَحْوِ الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهَا حِينَ اخْتُطِفَتْ. وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ أَنَّ دِينَةَ وُلِدَتْ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ تَقْرِيبًا الَّذِي وُلِدَ فِيهِ يُوسُفُ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ تَكْوِينِ ٣٠: ٢١ وَ٢٤. وَيُوسُفُ الَّذِي بِيعَ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ كَانَ فِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْإِصْحَاحِ ٣٧، الْآيَةِ ٢.
وَأَيْضًا يَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ شَمْعُونَ وَلَاوِي كَانَا حِينَئِذٍ فِي نَحْوِ الْعِشْرِينَ مِنَ الْعُمُرِ، كَمَا سَأَقُولُ قَرِيبًا: وَكَانَا أَكْبَرَ مِنْ دِينَةَ وَيُوسُفَ بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ. إِذَنْ هَذَا الِاخْتِطَافُ لِدِينَةَ وَتَدْمِيرُ شَكِيمَ وَقَعَ بَعْدَ نَحْوِ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ مُغَادَرَةِ يَعْقُوبَ حَارَانَ وَوُصُولِهِ إِلَى كَنْعَانَ، حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ الْمِائَةِ وَالسَّادِسَةِ مِنْ عُمُرِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ رَاحِيلَ وَمِيلَادِ بِنْيَامِينَ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ تَقْرِيبًا، وَعَنْ ذَلِكَ اُنْظُرِ الْإِصْحَاحَ التَّالِيَ، الْآيَةَ ١٨.
الْآيَةُ ١: لِتَرَى نِسَاءَ تِلْكَ الْمَنْطِقَةِ
لِتَرَى النِّسَاءَ. — بِالْعِبْرِيَّةِ بَانُوتْ، أَيْ بَنَاتٍ، يَعْنِي عَذَارَى فِي عُمُرِهَا مِنْ تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ، اللَّوَاتِي اجْتَمَعْنَ حِينَئِذٍ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ وَمُتَزَيِّنَاتٍ لِعِيدٍ حَافِلٍ، إِنْ صَدَّقْنَا يُوسِيفُوسَ؛ وَكَانَ هَذَا فُضُولَ دِينَةَ الَّذِي دَفَعَتْ ثَمَنَهُ بِاخْتِطَافِهَا وَانْتِهَاكِهَا الشَّنِيعِ. فَكَمَا يَقُولُ تِرْتُولِّيَانُوسُ: «إِنَّ تَعْرِيضَ الْعَذْرَاءِ الصَّالِحَةِ لِلْعُيُونِ هُوَ مُعَانَاةُ الِانْتِهَاكِ.»
وَنَفْسَ الشَّيْءِ — وَالْأَسَفُ — نَرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ: الْعَذَارَى اللَّوَاتِي يَخْرُجْنَ لِلتَّنَزُّهِ مَعَ الشُّبَّانِ، يَخْرُجْنَ بِينِيلُوبَاتٍ وَيَرْجِعْنَ هِيلَانَاتٍ؛ يَخْرُجْنَ عَذَارَى وَيَرْجِعْنَ نِسَاءً، بَلْ زَانِيَاتٍ.
الْآيَةُ ٢: رَئِيسُ الْأَرْضِ
٢. رَئِيسُ الْأَرْضِ، — ابْنُ الرَّئِيسِ حَمُورَ.
الْآيَةُ ٥: الْتَصَقَتْ نَفْسُهُ بِهَا
٥. الْتَصَقَتْ نَفْسُهُ بِهَا، — أَحَبَّهَا حُبًّا عَنِيفًا وَمُسْتَمِيتًا: فَإِنَّ نَفْسَ الْمُحِبِّ تَكُونُ حَيْثُ يُحِبُّ أَكْثَرَ مِمَّا تَكُونُ حَيْثُ يَحْيَا.
الْآيَةُ ٧: فِي إِسْرَائِيلَ
٧. فِي إِسْرَائِيلَ، — ضِدَّ إِسْرَائِيلَ، أَيْ ضِدَّ أَبِي دِينَةَ.
الْآيَةُ ١١: لِأَبِيهَا وَلِإِخْوَتِهَا
١١. لِأَبِيهَا (أَيْ أَبِي دِينَةَ، يَعْنِي يَعْقُوبَ) وَلِإِخْوَتِهَا، — أَيْ لِرَأُوبِينَ وَشَمْعُونَ وَلَاوِي وَسَائِرِ إِخْوَةِ دِينَةَ.
الْآيَةُ ١٢: زِيدُوا الْمَهْرَ
١٢. زِيدُوا الْمَهْرَ، — كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَسْتُ أُطَالِبُ بِأَنْ تُحْضِرَ دِينَةُ كَعَرُوسٍ مَهْرًا، بَلْ أَنَا سَأُمَهِّرُهَا بِمَا تَشَاؤُونَ، وَذَلِكَ تَعْوِيضًا عَنِ الْإِسَاءَةِ الَّتِي أَلْحَقْتُهَا بِهَا وَبِكُمْ بِاخْتِطَافِي إِيَّاهَا.
الْآيَةُ ١٣: بِمَكْرٍ
١٣. بِمَكْرٍ، — لِأَنَّهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِالسَّلَامِ بَيْنَمَا يُدَبِّرُونَ مَذْبَحَةَ أَهْلِ شَكِيمَ. يَسْأَلُ الْقِدِّيسُ تُومَا (الْمَسْأَلَةُ ١٠٥، الْمَادَّةُ ٣) هَلْ يَجُوزُ اسْتِخْدَامُ الْحِيَلِ الْحَرْبِيَّةِ، أَيِ الْمَكَائِدِ فِي الْحَرْبِ؟ وَيُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَلَّا يَتَعَارَضَ مَعَ الْعَدَالَةِ وَالْعَهْدِ الْمُعْطَى.
الْآيَةُ ١٥: بِهَذَا نَقْدِرُ أَنْ نَعْقِدَ عَهْدًا
١٥. وَلَكِنْ بِهَذَا نَقْدِرُ أَنْ نَعْقِدَ عَهْدًا. — لَيْسَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى خِتَانِهِمْ هُمْ، بَلْ كَانُوا يَفْرِضُونَهُ عَلَى أَهْلِ شَكِيمَ لِيُضْعِفُوهُمْ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
الْآيَةُ ١٧: وَإِنْ لَمْ تُرِيدُوا أَنْ تَخْتَتِنُوا
١٧. وَإِنْ لَمْ تُرِيدُوا أَنْ تَخْتَتِنُوا. — لَيْسَ أَنَّ أَبْنَاءَ يَعْقُوبَ أَرَادُوا حَقًّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ شَكِيمَ مِنْ دِينِهِمْ، بَلْ طَالَبُوا بِالْخِتَانِ لِيُضْعِفُوهُمْ وَيَذْبَحُوهُمْ بِسُهُولَةٍ أَكْبَرَ.
الْآيَةُ ١٩: وَلَمْ يَتَأَخَّرْ
١٩. وَلَمْ يَتَأَخَّرْ — لَاحِظْ حَرَارَةَ حُبِّ شَكِيمَ وَعُنْفَهُ، إِذْ لَمْ يَحْتَمِلْ أَيَّ تَأْخِيرٍ.
الْآيَةُ ٢١: هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ مُسَالِمُونَ
٢١. هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ مُسَالِمُونَ. — مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ حَمُورَ وَأَهْلَ شَكِيمَ اخْتَتَنُوا لَا حُبًّا بِالتَّقْوَى وَالدِّينِ الْيَهُودِيِّ، بَلْ طَمَعًا فِي الرِّبْحِ وَالْمُصَاهَرَةِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
لِيَزْرَعُوهَا. — بِمُمَارَسَةِ الزِّرَاعَةِ وَالرَّعْيِ.
الْآيَةُ ٢٣: تَكُونُ لَنَا
٢٣. تَكُونُ لَنَا، — بِالْمُصَاهَرَاتِ الْمُتَبَادَلَةِ وَالتِّجَارَةِ.
الْآيَةُ ٢٥: فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ
٢٥. فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حِينَ يَكُونُ أَلَمُ الْجُرُوحِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ. — يَقُولُ يُوسِيفُوسُ خَطَأً إِنَّ أَهْلَ شَكِيمَ هُوجِمُوا غَدْرًا مِنْ شَمْعُونَ وَلَاوِي وَهُمْ مُنْهَمِكُونَ فِي الْوَلَائِمِ وَالْخَمْرِ.
ثَانِيًا، يُخْطِئُ كَالْفِينُوسُ حِينَ يُنْكِرُ أَنَّ أَلَمَ الْجُرُوحِ يَكُونُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ: فَالْعَكْسُ يُعَلِّمُهُ لَا شَمْعُونُ وَلَاوِي — مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِمَا وَفَهْمِهِمَا كَمَا يَظُنُّ كَالْفِينُوسُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قِيلَ — بَلْ مُوسَى نَفْسُهُ، وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ نَفْسُهُ هُنَا: فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ كَلِمَاتُهُ.
وَيُعَلِّمُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ أَبُقْرَاطُ فِي كِتَابِهِ عَنِ الْكُسُورِ، وَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَا يُحَسُّ إِلَّا بِالشَّقِّ فِي الْجُرْحِ نَفْسِهِ وَهُوَ بِالْكَادِ يَدُومُ؛ وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يَسِيلُ إِلَى مَوْضِعِ الْجُرْحِ الْبَلْغَمُ وَهُوَ خَلْطٌ لَطِيفٌ وَهَادِئٌ؛ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَسِيلُ إِلَيْهِ الصَّفْرَاءُ وَهِيَ حَارَّةٌ لَاذِعَةٌ تُثِيرُ الْأَلَمَ: ثُمَّ مَعَ انْدِفَاعِ الدَّمِ يَتَبَعُهُ الِالْتِهَابُ وَالْحُمَّى وَغَيْرُهَا، مِمَّا لَا يَهْدَأُ إِلَّا بَعْدَ ٢٤ سَاعَةً. هَكَذَا يَقُولُ فْرَنْسِيسُكُوسُ فَالِيسِيُوسُ فِي الْفَلْسَفَةِ الْمُقَدَّسَةِ، الْفَصْلُ ١٣.
الْآيَةُ ٢٥: شَمْعُونُ وَلَاوِي
شَمْعُونُ وَلَاوِي، — كَقَائِدَيْنِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْخَدَمِ؛ فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْإِخْوَةِ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي هَذِهِ الْمَذْبَحَةِ، بَلْ بَعْدَ أَنْ تَمَّتِ انْدَفَعُوا لِلنَّهْبِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ٢٧. وَكَانَ شَمْعُونُ حِينَئِذٍ فِي نَحْوِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الْعُمُرِ، وَلَاوِي فِي الْعِشْرِينَ؛ هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ وَأَبُولِنْسِيسُ وَكَايْتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ، وَيُسْتَنْتَجُ مِمَّا قِيلَ عِنْدَ الْآيَةِ ١.
هَلْ أَخْطَأَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ؟
قَدْ تَسْأَلُ: هَلْ أَخْطَأَ أَبْنَاءُ يَعْقُوبَ هَؤُلَاءِ بِارْتِكَابِهِمْ هَذِهِ الْمَذْبَحَةَ فِي أَهْلِ شَكِيمَ؟ يُعْذِرُهُمُ الْبَعْضُ بِأَنَّهُمُ انْتَقَمُوا بِحَرْبٍ عَادِلَةٍ وَحِيلَةٍ لِلْإِسَاءَةِ الْمُرْتَكَبَةِ فِي حَقِّ أُخْتِهِمْ وَحَقِّهِمْ. فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ لَهُمْ كَجَمَاعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِمْ أَنْ يَجُرُّوا حَمُورَ وَشَكِيمَ — وَهُمَا أَمِيرَانِ فِي قَوْمِهِمَا — أَمَامَ مَحْكَمَةٍ أَعْلَى، فَيَبْدُو أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حَقُّ الْحَرْبِ عَلَيْهِمَا، إِذْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْحَرْبِ وَالسِّلَاحِ لِجَبْرِ الْإِسَاءَةِ الْمُلْحَقَةِ بِهِمْ؛ وَفِي هَذِهِ الْحَرْبِ، إِذْ كَانُوا قِلَّةً، اسْتَخْدَمُوا الْمَكْرَ كَحِيلَةٍ حَرْبِيَّةٍ قَائِلِينَ: «مَكْرٌ أَمْ بَسَالَةٌ، مَنْ يَسْأَلُ مَعَ الْعَدُوِّ؟» وَلَكِنِّي أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ أَخْطَأُوا، لِأَنَّهُمْ خِلَافًا لِلْعُهُودِ الْمُبْرَمَةِ مَعَ أَهْلِ شَكِيمَ فِي الْآيَةِ ١٥ هَاجَمُوهُمْ وَذَبَحُوهُمْ.
إِذَنْ أَخْطَأُوا أَوَّلًا بِكَذِبٍ مَكَّارٍ وَمُهْلِكٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَةِ ١٣. ثَانِيًا، بِالْغَدْرِ: فَقَدْ كَانُوا قَدْ عَفَوْا عَنِ الْإِسَاءَةِ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّوْا تَعْوِيضًا عَادِلًا، وَأَعْطَوْا عَهْدَهُمْ بِمُعَاهَدَةٍ بَلْ بِمُصَاهَرَةٍ. ثَالِثًا، بِالتَّهَوُّرِ وَالْعِصْيَانِ: لِأَنَّهُمْ كَشُبَّانٍ مُتَّقِدِينَ غَضَبًا اقْتَحَمُوا أَمْرًا صَعْبًا وَخَطِيرًا دُونَ مَشُورَةِ أَبِيهِمْ وَإِذْنِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا التَّدْبِيرَ سَيُسْخِطُهُ كُلَّ الْإِسْخَاطِ. وَمِنْ هُنَا أَخْطَأُوا أَيْضًا بِعَدَمِ عَدَالَةِ الْحَرْبِ: فَقَدْ شَنُّوا هَذِهِ الْحَرْبَ عَلَى أَهْلِ شَكِيمَ بِسُلْطَةٍ خَاصَّةٍ لَا عَامَّةٍ؛ إِذْ كَانَتْ هَذِهِ السُّلْطَةُ فِي يَعْقُوبَ بِوَصْفِهِ رَأْسَ الْعَائِلَةِ وَزَعِيمَهَا، لَا فِي هَذَيْنِ الِابْنَيْنِ. رَابِعًا، بِالتَّدْنِيسِ: فَقَدْ أَسَاؤُوا اسْتِعْمَالَ الْخِتَانِ لِمَكْرِهِمْ وَمَذْبَحَتِهِمُ الظَّالِمَةِ. خَامِسًا، بِالْقَسَاوَةِ: لِأَنَّهُمْ هَاجَمُوا رِجَالًا مُتَأَلِّمِينَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَشِبْهَ مُحْتَضِرِينَ. سَادِسًا، بِالْإِفْرَاطِ فِي الِانْتِقَامِ: فَلَمْ يَقْتُلُوا شَكِيمَ وَحْدَهُ بَلْ جَمِيعَ ذُكُورِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِمْ كَثِيرُونَ أَبْرِيَاءُ؛ وَسَبَوُا الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ، وَنَهَبُوا جَمِيعَ الْحُقُولِ وَالْقُطْعَانِ، بَلْ هَدَمُوا أَسْوَارَ الْمَدِينَةِ أَيْضًا، كَمَا يُشَارُ إِلَيْهِ فِي تَكْوِينِ ٤٩: ٦. سَابِعًا، بِالتَّهَوُّرِ وَعَدَمِ الْبِرِّ: لِأَنَّهُمْ عَرَّضُوا أَبَاهُمْ يَعْقُوبَ وَعَائِلَتَهُ كُلَّهَا لِبُغْضِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَقَتْلِهِمْ وَنَهْبِهِمْ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَكَايْتَانُوسُ وَبِيرِيرِيُوسُ، بَلْ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ فِي تَكْوِينِ ٤٩: ٥ حَيْثُ يَقُولُ: «شَمْعُونُ وَلَاوِي أَدَوَاتُ ظُلْمٍ مُحَارِبَةٌ، فِي مَجْلِسِهِمَا لَا تَدْخُلْ يَا نَفْسِي، لِأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلَا رَجُلًا، وَفِي إِرَادَتِهِمَا نَقَبَا سُورًا: مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا لِأَنَّهُ عَنِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا لِأَنَّهُ قَاسٍ.»
تَفْسِيرُ مَدِيحِ يَهُوذِيتَ لِشَمْعُونَ
قَدْ تَقُولُ: يَبْدُو أَنَّ يَهُوذِيتَ فِي الْإِصْحَاحِ ٩، الْآيَةِ ٢ تَمْدَحُ هَذَا الْفِعْلَ وَغَيْرَةَ شَمْعُونَ وَلَاوِي؛ فَهِيَ تَقُولُ: «يَا إِلَهَ أَبِي شَمْعُونَ، الَّذِي أَعْطَيْتَهُ سَيْفًا لِلدِّفَاعِ عَنْ — بِالْيُونَانِيَّةِ إِكْدِيكِيسِنْ أَيِ الِانْتِقَامِ مِنَ — الْغُرَبَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مُنْتَهِكِينَ فِي دَنَسِهِمْ، وَكَشَفُوا فَخْذَ الْعَذْرَاءِ لِخِزْيِهَا، وَأَعْطَيْتَ نِسَاءَهُمْ غَنِيمَةً وَبَنَاتِهِمْ سَبْيًا وَالسَّلَبَ قِسْمَةً لِعَبِيدِكَ الَّذِينَ غَارُوا غَيْرَتَكَ.»
أُجِيبُ: إِنَّ يَهُوذِيتَ هُنَا لَا تَمْدَحُ عَدَالَةَ شَمْعُونَ بَلْ عَدَالَةَ اللهِ، الَّذِي سَمَحَ بِأَنْ يُذْبَحَ أَهْلُ شَكِيمَ الْأَنْجَاسُ، مُسْتَخْدِمًا لِهَذَا الْغَرَضِ جُرْأَةَ شَمْعُونَ وَلَاوِي وَقُوَّتَهُمَا وَكَذَلِكَ جُرْمَهُمَا وَغَدْرَهُمَا. فَهَكَذَا يُقَالُ إِنَّ اللهَ أَعْطَى السَّيْفَ لِلْكَنْعَانِيِّينَ وَالْأَتْرَاكِ وَالْوَثَنِيِّينَ حِينَ يَسْتَخْدِمُ قُوَّتَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ لِمُعَاقَبَةِ خَطَايَا الْمُؤْمِنِينَ. وَهَكَذَا فِي إِشَعْيَاءَ الْإِصْحَاحِ ١٠ يُقَالُ: «أَشُّورُ قَضِيبُ غَضَبِي.» وَهَكَذَا كَانَ أَتِّيلَا يَقُولُ إِنَّهُ سَوْطُ اللهِ. وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا إِذَنْ أَعْطَى اللهُ السَّيْفَ، أَيِ الْقُوَّةَ، لِشَمْعُونَ وَلَاوِي لِلِانْتِقَامِ مِنِ اخْتِطَافِ دِينَةَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِيُنَفَّذَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَبِهَذَا الْغَدْرِ: فَقَدْ أَسَاءَا اسْتِعْمَالَهُ: لِأَنَّهُمَا وَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرَةٍ كَمَا تَقُولُ يَهُوذِيتُ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْغَيْرَةَ كَانَتْ ضِدَّ الْعَدَالَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ضِدَّ الْعُهُودِ الْمُبْرَمَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ سَمَحَ اللهُ بِكُلِّ هَذَا وَوَجَّهَهُ نَحْوَ مُعَاقَبَةِ انْتِهَاكِ أَمِيرِهِمْ.
فَيُقَالُ إِذَنْ إِنَّهُ أَعْطَى شَمْعُونَ سَيْفَ الِانْتِقَامِ لِسَبَبَيْنِ: أَوَّلًا، لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الشَّجَاعَةَ وَالْقُوَّةَ وَالسِّلَاحَ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ اسْتِعْمَالَهَا بِغَدْرٍ؛ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ سَمَحَ بِهَذَا الْغَدْرِ، وَوَجَّهَهُ بِقَصْدِهِ نَحْوَ الِانْتِقَامِ لِلزِّنَا.
وَأَيْضًا تُشِيرُ يَهُوذِيتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ إِلَى أَنَّ الشَّعْبَ نَاصَرَ أَمِيرَهُ فِي هَذَا الْجُرْمِ، وَأَعَانَهُ وَسَانَدَهُ وَمَدَحَهُ فِي اخْتِطَافِ دِينَةَ وَاحْتِجَازِهَا؛ وَلِذَلِكَ بِحُكْمِ اللهِ الْعَادِلِ شَمِلَتْهُمْ جَمِيعًا هَذِهِ النَّكْبَةُ.
ثَالِثًا، لَاحِظْ هُنَا الِانْتِقَامَ الْإِلَهِيَّ مِنَ الشَّهْوَةِ وَالزِّنَا، وَهُوَ مَا تُطَبِّقُهُ يَهُوذِيتُ بِحَقٍّ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى فِعْلِهَا الَّذِي قَطَعَتْ بِهِ رَأْسَ أُلُوفِرْنِسَ.
رَابِعًا، تَقُولُ يَهُوذِيتُ إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ غَنِيمَةِ أَهْلِ شَكِيمَ لِعَبِيدِهِ، أَيْ شَمْعُونَ وَلَاوِي، لِأَنَّهُمَا كَانَتْ لَهُمَا غَيْرَةٌ عَلَى الْعَفَافِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ الْغَيْرَةَ كَانَتْ غَيْرَةً عَلَى الْعَفَافِ، لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا كَانَتْ عَشْوَائِيَّةً ظَالِمَةً مَمْزُوجَةً بِالْغَدْرِ وَجَرَائِمَ أُخْرَى. وَهَكَذَا بَنَى اللهُ بُيُوتًا لِقَابِلَاتِ الْمِصْرِيِّينَ اللَّوَاتِي حَفِظْنَ أَطْفَالَ الْعِبْرَانِيِّينَ بِكَذِبَةٍ، لَا بِسَبَبِ الْكَذِبِ بَلْ بِسَبَبِ الْعَاطِفَةِ التَّقَوِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَطْفَالِ: فَفِي الْعَمَلِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ يُوجَدُ دَائِمًا شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ يُكَافِئُ اللهُ عَلَيْهِ، وَشَيْءٌ مِنَ الشَّرِّ يَكْرَهُهُ وَيَمْقُتُهُ.
الْآيَةُ ٢٥: جَمِيعُ الذُّكُورِ
جَمِيعُ الذُّكُورِ. — لِأَنَّ مُعْظَمَهُمْ أَيَّدُوا أَمِيرَهُمُ الْخَاطِفَ وَأَعَانُوهُ فِي الِاخْتِطَافِ.
الِانْتِقَامُ لِلزِّنَا فِي التَّارِيخِ
لَاحِظْ أَنَّ الزِّنَا وَالِاخْتِطَافَ لَمْ يَتِمَّا قَطُّ تَقْرِيبًا دُونَ مَذْبَحَةٍ عَظِيمَةٍ أَوْ حَرْبٍ. يَشْهَدُ بِذَلِكَ تَدْمِيرُ طُرْوَادَةَ بِسَبَبِ هِيلَانَةَ الْمَخْطُوفَةِ. وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ مَقْتَلُ أَمْنُونَ عَلَى يَدِ أَخِيهِ أَبْشَالُومَ بِسَبَبِ انْتِهَاكِ ثَامَارَ. وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ مَذْبَحَةُ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بِأَكْمَلِهِ بِسَبَبِ إِفْسَادِ زَوْجَةِ اللَّاوِيِّ، قُضَاةُ الْإِصْحَاحُ ٢٠. وَأَخِيرًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ أَهْلُ شَكِيمَ هَؤُلَاءِ أَنْفُسُهُمْ. وَلِذَلِكَ يُحَذِّرُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ بِحِكْمَةٍ الْآبَاءَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَيُعْطِيهِمْ نَصِيحَةً حَكِيمَةً فِي الْعِظَةِ ٥٩: «لِنَكْبَحْ،» يَقُولُ، «انْدِفَاعَاتِ أَوْلَادِنَا، وَلْنَعْتَنِ بِعَفَافِهِمْ، إِلَخْ؛ عَالِمِينَ بِنَارِ الْأَتُونِ، قَبْلَ أَنْ يَتَوَرَّطُوا فِي التَّرَفِ، لِنَجْتَهِدْ أَنْ نُزَوِّجَهُمْ وَفْقَ شَرِيعَةِ اللهِ.» وَقُرْبَ النِّهَايَةِ: «لِذَلِكَ أَتَضَرَّعُ أَنْ تُمَدَّ يَدٌ لِأَوْلَادِنَا، لِئَلَّا نَدْفَعَ نَحْنُ أَيْضًا ثَمَنَ مَا أَخْطَأُوا فِيهِ كَعَالِي،» ١ صَمُوئِيلَ ٤.
الْآيَةُ ٢٦: أَخَذُوا دِينَةَ
٢٦. أَخَذُوا دِينَةَ: — يَذْكُرُ رُوبِرْتُوسُ نَقْلًا عَنْ فِيلُونَ أَنَّ دِينَةَ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَتْ زَوْجَةَ أَيُّوبَ، الَّذِي يُذْكَرُ فِي أَيُّوبَ ١. فَأَيُّوبُ وُلِدَ بَعْدَ دِينَةَ بِقَلِيلٍ، كَمَا سَيَتَّضِحُ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي، الْآيَةِ ٣٦. وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدُ الِاحْتِمَالِ؛ وَلَا يُوجَدُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي فِيلُونَ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتَّابِ الْقُدَمَاءِ.
التَّفْسِيرُ الْمَجَازِيُّ: دِينَةُ رَمْزٌ لِلنَّفْسِ الْفُضُولِيَّةِ
مَجَازِيًّا، يَقُولُ فِيلُونُ فِي كِتَابِهِ عَنْ هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ: دِينَةُ هِيَ النَّفْسُ الْفُضُولِيَّةُ الَّتِي تَخْتَطِفُهَا الطَّبِيعَةُ الْغَاشِمَةُ نَحْوَ الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ الْخَطِيرَةِ؛ وَمِنْ ثَمَّ تُنْتَهَكُ وَتَفْقِدُ طَهَارَةَ الْعَقْلِ وَتَصِيرُ جَسَدِيَّةً حِمَارِيَّةً: فَإِنَّ شَكِيمَ الْمُنْتَهِكَ هُوَ ابْنُ حَمُورَ، أَيِ ابْنُ الْحِمَارِ؛ وَلَكِنَّ لَاوِي وَشَمْعُونَ يَقْتُلَانِهِ، أَيِ الْحِكْمَةُ وَشَجَاعَةُ الرُّوحِ، فَيُعِيدَانِ لِلنَّفْسِ سَلَامَتَهَا.
الْآيَةُ ٢٩: سَبَوُا النِّسَاءَ
٢٩. سَبَوُا النِّسَاءَ. — بِمَا أَنَّ يَعْقُوبَ يَسْتَنْكِرُ هَذِهِ الْمَذْبَحَةَ بِاعْتِبَارِهَا غَادِرَةً وَمُتَهَوِّرَةً فِي الْآيَةِ ٣٠، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَمَرَ فَوْرًا بِإِطْلَاقِ جَمِيعِ الْأَسْرَى وَإِعَادَةِ الْأَمْوَالِ الْمَنْهُوبَةِ الْمُتَبَقِّيَةِ.
الْآيَةُ ٣٠: أَكْدَرْتُمَانِي
٣٠. أَكْدَرْتُمَانِي. — أَكْدَرْتُمْ نَفْسِي بِالْخَوْفِ وَالضِّيقِ لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمُونِي قَلِقًا مَذْعُورًا: فَإِنَّنِي أَخْشَى كَثِيرًا أَنْ يَنْهَضَ الْكَنْعَانِيُّونَ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمُ انْتِقَامًا لِأَهْلِ شَكِيمَ. ثَانِيًا، أَكْدَرْتُمْ سُمْعَتِي لِأَنَّكُمْ لَوَّثْتُمُوهَا بِهَذِهِ الْمَذْبَحَةِ الشَّنِيعَةِ، وَلِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمُونِي مَمْقُوتًا (بِالْعِبْرِيَّةِ «مُنْتِنًا») عِنْدَ الْكَنْعَانِيِّينَ. ثَالِثًا، أَكْدَرْتُمْ سَلَامَ عَائِلَتِي لِأَنَّكُمْ عَرَّضْتُمُوهَا لِخَطَرِ الْمَوْتِ وَالنَّهْبِ الْمُتَبَادَلِ مِنَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْمُجَاوِرِينَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
فِي عُقُوبَةِ الْغَدْرِ: أَمْثِلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ
لَاحِظْ: إِنَّ الْغَدْرَ، وَكَذَلِكَ الْحِنْثَ بِالْيَمِينِ، يُقَلْقِلُ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ الشَّرِكَةَ مَعَ اللهِ وَالْمُجْتَمَعَ الْبَشَرِيَّ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ وَالنَّاسَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ يَتَعَقَّبَانِهِ وَيَنْتَقِمَانِ مِنْهُ. فَصِدْقِيَّا، إِذْ نَقَضَ الْعَهْدَ الْمُبْرَمَ مَعَ نَبُوخَذْنَصَّرَ، أُسِرَ مِنْهُ وَسُلِبَ مُلْكَهُ وَفُقِئَتْ عَيْنَاهُ. وَشَاوُلُ، إِذْ أَذَلَّ الْجِبْعُونِيِّينَ خِلَافًا لِلْعَهْدِ الْمُعْطَى لَهُمْ، صَارَ سَبَبًا لِمَجَاعَةٍ عَامَّةٍ وَهَلَاكِ أَهْلِهِ، ٢ صَمُوئِيلَ ٢١.
أَغَاثُوكْلِيسُ، طَاغِيَةُ سِيرَاقُوسَةَ، نَقَضَ الْيَمِينَ الْمُعْطَى لِأَعْدَائِهِ، وَبَعْدَ أَنْ قَتَلَ الْأَسْرَى قَالَ ضَاحِكًا لِأَصْدِقَائِهِ: «الْآنَ وَقَدْ تَعَشَّيْنَا فَلْنُقْسِمْ؛ لِنَتَقَيَّأْ وَرَعَ الْيَمِينِ؛» وَلَكِنَّهُ دَفَعَ ثَمَنَ هَذَا الْغَدْرِ ثَمَنًا غَالِيًا.
تِيسَافِرْنِيسُ، قَائِدُ الْفُرْسِ، نَقَضَ الْمُعَاهَدَةَ الْمُبْرَمَةَ مَعَ أَجِيسِيلَاوُسَ خَوْفًا، وَأَعْلَنَ عَلَيْهِ الْحَرْبَ؛ فَسُرَّ بِذَلِكَ أَجِيسِيلَاوُسُ وَقَالَ لِلرُّسُلِ إِنَّهُ مُمْتَنٌّ جِدًّا لِتِيسَافِرْنِيسَ لِأَنَّهُ بِحِنْثِهِ جَعَلَ الْآلِهَةَ وَالنَّاسَ أَعْدَاءً لَهُ وَمُنَاصِرِينَ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ، كَمَا يَشْهَدُ بْلُوتَرْخُسُ فِي لَاكُونِيكَا.
الْإِسْكَنْدَرُ الْأَكْبَرُ هَاجَمَ بَعْضَ الْهُنُودِ الْمُعَادِينَ لَهُ خِلَافًا لِلْعَهْدِ الْمُعْطَى أَثْنَاءَ الْمَسِيرِ: فَلَحِقَتْ بِهِ وَصْمَةُ عَارٍ وَنِهَايَةٌ سَرِيعَةٌ حَزِينَةٌ، كَمَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ: وَالشَّاهِدُ بْلُوتَرْخُسُ فِي سِيرَةِ الْإِسْكَنْدَرِ.
مَجْلِسُ شُيُوخِ قَرْطَاجَنَّةَ لَمْ يُوَافِقْ فَحَسْبُ عَلَى تَدْمِيرِ حَنْبَعَلَ لِسَاغُونْتُومَ خِلَافًا لِلْمُعَاهَدَةِ الَّتِي أَبْرَمَهَا حَسْدَرُبَعَلُ مَعَ الرُّومَانِ، بَلْ دَافَعَ عَنْهُ أَيْضًا فِي مَجْلِسِ الشُّيُوخِ الرُّومَانِيِّ. وَلَكِنَّ هَذَا التَّحَايُلَ وَالْغَدْرَ انْتُقِمَ مِنْهُ بِتَدْمِيرِ قَرْطَاجَنَّةَ.
ثِيُودَاتُوسُ مَلِكُ الْقُوطِ، إِذْ ضَغَطَتْ عَلَيْهِ الْحَرْبُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، أَرْسَلَ سُفَرَاءَ إِلَى الْإِمْبِرَاطُورِ يُوسْتِنِيَانُوسَ طَالِبًا السَّلَامَ وَعَارِضًا عَلَيْهِ كَامِلَ إِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْغَالِّيِّينَ وَالْإِيطَالِيِّينَ: وَلَكِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إِذْ تَشَجَّعَ بِمَوْتِ مُونْدُوسَ قَائِدِ يُوسْتِنِيَانُوسَ، نَقَضَ عَهْدَهُ وَحَمَلَ السِّلَاحَ؛ وَلَكِنَّهُ سَقَطَ فِيهَا وَقَتَلَهُ أَهْلُهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ حُكْمِهِ. هَكَذَا يَقُولُ بْرُوكُوبِيُوسُ وَبْلُونْدُوسُ.
آيْسْتُولْفُ مَلِكُ اللُّومْبَارْدِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ السِّلَاحَ عَلَى الْبَابَا غِرِيغُورِيُوسَ الثَّالِثِ خِلَافًا لِلْعَهْدِ الْمُعْطَى، أَمَرَ الْبَابَا بِتَعْلِيقِ صِيغَةِ السَّلَامِ عَلَى رَايَةِ الصَّلِيبِ الْمَحْمُولَةِ أَمَامَ الْجَيْشِ، وَالْجَمِيعُ يَسْتَغِيثُونَ بِاللهِ ضِدَّ الْغَادِرِ: وَهَكَذَا أَخْضَعَهُ بِيبِينُ، وَهَلَكَ آيْسْتُولْفُ هَلَاكًا بَائِسًا فِي النِّهَايَةِ.
كَارْلُوسُ الْبُورْغُنْدِيُّ، الْجَرِيءُ الَّذِي لَا يُقْهَرُ، عَلَّقَ فِي لُوثَارِينْجِيَا ٢٥٠ سُوِيسْرِيًّا خَدَعَهُمْ بِالْغَدْرِ، ثُمَّ قَتَلَ ٣٠٠ آخَرِينَ فِي غْرَانْسُونَ سَنَةَ ١٤٧٦ لِلْمِيلَادِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَاجَمَ السُّوِيسْرِيُّونَ كَارْلُوسَ وَهَزَمُوهُ، وَأَخِيرًا فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ سَحَقُوهُ وَقَتَلُوهُ قَتْلًا تَامًّا.
وَلِذَلِكَ يَقُولُ فَالِيرِيُوسُ مَاكْسِيمُوسُ بِحَقٍّ، الْكِتَابُ ٩، الْفَصْلُ ٦: «الْغَدْرُ يَجْلِبُ عَلَى الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ مِنَ الضَّرَرِ بِقَدْرِ مَا يَجْلِبُ الْوَفَاءُ مِنَ الْخَيْرِ. فَلْيَنَلِ الْغَدْرُ إِذَنْ مِنَ الذَّمِّ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ الْوَفَاءُ مِنَ الْمَدْحِ.» وَيَقُولُ تَاكِيتُوسُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ مِنَ الْحَوْلِيَّاتِ: «الْخَوَنَةُ مَمْقُوتُونَ حَتَّى عِنْدَ الَّذِينَ يُؤَثِّرُونَهُمْ:» فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ الْفِعْلَ لَا الْفَاعِلَ. وَيَقُولُ أُغُسْطُسُ بِبَرَاعَةٍ، كَمَا يَرْوِي بْلُوتَرْخُسُ فِي الْأَقْوَالِ الْمَأْثُورَةِ: «أَنَا أُحِبُّ الْخِيَانَةَ وَلَكِنِّي لَا أُوَافِقُ عَلَى الْخَوَنَةِ.» وَأَكْثَرُ حِدَّةً قَالَ فِيلِبُّوسُ الْمَقْدُونِيُّ، كَمَا يَرْوِي سْتُوبَايُوسُ فِي الْعِظَةِ ٥٢: إِنَّهُ يُحِبُّ الْخِيَانَاتِ لَا الْخَائِنِينَ.