كُورْنِيلِيُوسْ آ لَابِيدِي (كُورْنِيلِيُوسْ كُورْنِيلِيسِنْ فَانْ دِنْ سْتِينْ، ١٥٦٧–١٦٣٧)
(عَوْدَةُ يَعْقُوبَ إِلَى بَيْتَ إِيلَ)
فِهْرِسُ الْمُحْتَوَيَاتِ
مُلَخَّصُ الْإِصْحَاحِ
يُطَهِّرُ يَعْقُوبُ عَائِلَتَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، وَيَبْنِي مَذْبَحًا للهِ، وَيَدْعُوهُ اللهُ مَرَّةً أُخْرَى إِسْرَائِيلَ. ثَانِيًا، فِي الْآيَةِ ١٦، تَمُوتُ رَاحِيلُ وَهِيَ تَلِدُ بَنْأُونِي، الَّذِي سَمَّاهُ أَبُوهُ بِنْيَامِينَ. ثَالِثًا، فِي الْآيَةِ ٢٧، يَمُوتُ إِسْحَاقُ.
نَصُّ الْفُولْغَاتَا: التَّكْوِينُ ٣٥: ١-٢٩
١. فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ كَلَّمَ اللهُ يَعْقُوبَ: قُمِ اصْعَدْ إِلَى بَيْتَ إِيلَ وَأَقِمْ هُنَاكَ، وَاصْنَعْ مَذْبَحًا للهِ الَّذِي تَرَاءَى لَكَ حِينَ كُنْتَ هَارِبًا مِنْ عِيسُو أَخِيكَ. ٢. فَدَعَا يَعْقُوبُ جَمِيعَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقَالَ: اطْرَحُوا الْآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ الَّتِي فِي وَسْطِكُمْ وَتَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ. ٣. قُومُوا لِنَصْعَدْ إِلَى بَيْتَ إِيلَ لِنَصْنَعَ هُنَاكَ مَذْبَحًا للهِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِي فِي يَوْمِ ضِيقِي وَكَانَ رَفِيقَ رِحْلَتِي. ٤. فَأَعْطَوْهُ جَمِيعَ الْآلِهَةِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ وَالْأَقْرَاطَ الَّتِي كَانَتْ فِي آذَانِهِمْ، فَدَفَنَهَا تَحْتَ الْبُطْمَةِ الَّتِي خَلْفَ مَدِينَةِ شَكِيمَ. ٥. وَلَمَّا رَحَلُوا وَقَعَ رُعْبُ اللهِ عَلَى جَمِيعِ الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَهُمْ فَلَمْ يَجْسُرُوا أَنْ يُلَاحِقُوا الْمُنْصَرِفِينَ. ٦. فَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى لُوزَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَالْمُلَقَّبَةِ بَيْتَ إِيلَ، هُوَ وَكُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي مَعَهُ. ٧. وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَسَمَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ بَيْتَ اللهِ، لِأَنَّ اللهَ تَرَاءَى لَهُ هُنَاكَ حِينَ هَرَبَ مِنْ أَخِيهِ. ٨. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَاتَتْ دَبُورَةُ مُرْضِعَةُ رِفْقَةَ وَدُفِنَتْ عِنْدَ أَسْفَلِ بَيْتَ إِيلَ تَحْتَ بَلُّوطَةٍ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بَلُّوطَةَ الْبُكَاءِ. ٩. وَتَرَاءَى اللهُ لِيَعْقُوبَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ مَا بَيْنَ نَهْرَيْ سُورِيَّةَ وَبَارَكَهُ، ١٠. قَائِلًا: لَا يُدْعَى اسْمُكَ فِيمَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِسْرَائِيلَ. وَدَعَاهُ إِسْرَائِيلَ، ١١. وَقَالَ لَهُ: أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ، اثْمِرْ وَاكْثُرْ، أُمَمٌ وَشُعُوبُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ، وَمُلُوكٌ يَخْرُجُونَ مِنْ صُلْبِكَ. ١٢. وَالْأَرْضُ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ أُعْطِيكَ إِيَّاهَا وَلِنَسْلِكَ مِنْ بَعْدِكَ. ١٣. وَصَعِدَ عَنْهُ. ١٤. فَنَصَبَ عَمُودًا مِنْ حَجَرٍ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ اللهُ، وَسَكَبَ عَلَيْهِ سَكَائِبَ وَصَبَّ عَلَيْهِ زَيْتًا، ١٥. وَسَمَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ بَيْتَ إِيلَ. ١٦. ثُمَّ رَحَلَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ إِلَى الْأَرْضِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى أَفْرَاتَةَ، وَفِيهَا تَمَخَّضَتْ رَاحِيلُ، ١٧. وَبِسَبَبِ عُسْرِ وِلَادَتِهَا بَدَأَتْ تُشْرِفُ عَلَى الْخَطَرِ. فَقَالَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ: لَا تَخَافِي فَإِنَّ لَكِ هَذَا الِابْنَ أَيْضًا. ١٨. وَإِذْ كَانَتْ نَفْسُهَا تَخْرُجُ مِنَ الْأَلَمِ وَالْمَوْتُ قَدْ دَنَا، سَمَّتِ ابْنَهَا بَنْأُونِي، أَيِ ابْنَ حُزْنِي، أَمَّا أَبُوهُ فَسَمَّاهُ بِنْيَامِينَ، أَيِ ابْنَ الْيَمِينِ. ١٩. فَمَاتَتْ رَاحِيلُ وَدُفِنَتْ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى أَفْرَاتَةَ، وَهِيَ بَيْتُ لَحْمٍ. ٢٠. وَنَصَبَ يَعْقُوبُ عَمُودًا عَلَى قَبْرِهَا، وَهُوَ عَمُودُ قَبْرِ رَاحِيلَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. ٢١. وَرَحَلَ مِنْ هُنَاكَ وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ وَرَاءَ بُرْجِ الْقَطِيعِ. ٢٢. وَلَمَّا أَقَامَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ ذَهَبَ رَأُوبَيْنُ وَاضْطَجَعَ مَعَ بِلْهَةَ سُرِّيَّةِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ. ٢٣. بَنُو لَيْئَةَ: الْبِكْرُ رَأُوبَيْنُ وَشِمْعُونُ وَلَاوِي وَيَهُوذَا وَيَسَّاكَرُ وَزَبُولُونُ. ٢٤. بَنُو رَاحِيلَ: يُوسُفُ وَبِنْيَامِينُ. ٢٥. بَنُو بِلْهَةَ جَارِيَةِ رَاحِيلَ: دَانُ وَنَفْتَالِي. ٢٦. بَنُو زِلْفَةَ جَارِيَةِ لَيْئَةَ: جَادُ وَأَشِيرُ. هَؤُلَاءِ بَنُو يَعْقُوبَ الَّذِينَ وُلِدُوا لَهُ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ مِنْ سُورِيَّةَ. ٢٧. وَجَاءَ أَيْضًا إِلَى إِسْحَاقَ أَبِيهِ فِي مَمْرَا، مَدِينَةِ أَرْبَعَ، وَهِيَ حَبْرُونُ الَّتِي تَغَرَّبَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ. ٢٨. وَكَانَتْ أَيَّامُ إِسْحَاقَ مِائَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً. ٢٩. فَفَنِيَ مِنَ الْعُمْرِ وَمَاتَ وَانْضَمَّ إِلَى شَعْبِهِ شَيْخًا مُتَقَدِّمًا فِي الْأَيَّامِ، وَدَفَنَهُ عِيسُو وَيَعْقُوبُ ابْنَاهُ.
الْآيَةُ ١: فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ
١. فِي تِلْكَ الْأَثْنَاءِ. — بَيْنَمَا كَانَ يَعْقُوبُ الْحَزِينُ الْقَلِقُ يَخَافُ وَيَنْتَظِرُ هُجُومَ الْكَنْعَانِيِّينَ بِسَبَبِ مَذْبَحَةِ الشَّكِيمِيِّينَ، سُرْعَانَ مَا أَزَالَ اللهُ عَنْهُ هَذَا الْخَوْفَ، وَعَزَّاهُ وَقَوَّاهُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الْآيَةُ ١: وَاصْنَعْ مَذْبَحًا
وَاصْنَعْ مَذْبَحًا — مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي مَسَحْتَهُ وَنَصَبْتَهُ عَمُودًا، الْإِصْحَاحُ ٢٨، الْآيَةُ ١٨.
الْآيَةُ ٢: اطْرَحُوا الْآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ
٢. اطْرَحُوا الْآلِهَةَ الْغَرِيبَةَ. — لَيْسَ ثَمَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ آلِهَةٌ غَرِيبَةٌ، إِذْ إِنَّ إِلَهَ الْمُؤْمِنِينَ وَحْدَهُ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ؛ لَكِنَّهَا تُسَمَّى آلِهَةً غَرِيبَةً، أَيْ مُغَايِرَةً لِلْإِلَهِ الْحَقِّ؛ أَوْ بِالْأَحْرَى كَمَا فِي الْعِبْرِيَّةِ: إِيلُوهِي نِيخَارْ، أَيْ آلِهَةُ الْأَجَانِبِ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْغُرَبَاءُ، أَيِ الْأُمَمُ الْوَثَنِيَّةُ. مِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّهُ كَانَتْ فِي عَائِلَةِ يَعْقُوبَ أَصْنَامٌ وَعَبَدَةُ أَصْنَامٍ. وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ، إِذْ كَانَ قَدْ سَكَنَ فِي بَيْتِ لَابَانَ عَابِدِ الْأَصْنَامِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَأَخَذَ مِنْ هُنَاكَ زَوْجَاتٍ وَخَدَمًا، وَمِنْ هُنَاكَ سَرَقَتْ رَاحِيلُ وَهِيَ هَارِبَةٌ أَصْنَامَ أَبِيهَا، الْإِصْحَاحُ ٣١، الْآيَةُ ١٩؛ وَلَعَلَّ خَدَمَ يَعْقُوبَ أَيْضًا حَمَلُوا مِنْ غَنَائِمِ الشَّكِيمِيِّينَ الْحَدِيثَةِ أَصْنَامَهُمْ، كَمَا يَرَى بْرُوكُوبِيُوسُ. وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ أَقَامَ أَوْ بِالْأَحْرَى تَغَرَّبَ فِي كَنْعَانَ تِسْعَ سَنَوَاتٍ مُنْذُ مُغَادَرَتِهِ حَارَانَ، وَلَمْ يَجِدْ فُرْصَةً وَلَا رَاحَةً لِتَطْهِيرِ عَائِلَتِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَعِبَادَتِهَا، فَانْتَهَزَ الْآنَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ مِنْ خَوْفِ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِي أَصَابَ الْجَمِيعَ بِسَبَبِ الْمَذْبَحَةِ فِي شَكِيمَ، إِذِ الْخَوْفُ يُعَلِّمُ النَّاسَ الِاعْتِرَافَ بِاللهِ وَاللُّجُوءَ إِلَيْهِ. فَلْيَتَعَلَّمِ الْحُكَّامُ وَالْوُعَّاظُ مِنْ يَعْقُوبَ أَنْ يَنْتَهِزُوا الْفُرْصَةَ فِي الْكَوَارِثِ وَالنَّكَبَاتِ وَالْمَخَاوِفِ الْعَامَّةِ لِتَطْهِيرِ الدَّوْلَةِ وَالشَّعْبِ مِنْ رَذَائِلِهِمْ بِالْقَوَانِينِ التَّقِيَّةِ وَالْمَوَاعِظِ، حَتَّى يُنْقِذَهُمُ اللهُ بِهَذَا الْخَوْفِ وَهَذِهِ الْمُصِيبَةِ.
الْآيَةُ ٢: تَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ
تَطَهَّرُوا وَأَبْدِلُوا ثِيَابَكُمْ — أَيْ مَلَابِسَكُمْ. الْبَسُوا الْمُسُوحَ أَوِ الشَّعْرَ عَلَامَةً عَلَى التَّوْبَةِ. ثَانِيًا وَالْأَفْضَلُ: أَيْ بَدَلًا مِنَ الثِّيَابِ الْعَادِيَّةِ وَالْوَسِخَةِ الْبَسُوا ثِيَابًا نَظِيفَةً وَاحْتِفَالِيَّةً، لِتُعْلِنُوا بِهَا نَقَاءَ نُفُوسِكُمْ وَتَجَدُّدَهَا، وَتُهَيِّئُوا أَنْفُسَكُمْ وَتَتَحَفَّزُوا لِلذَّبِيحَةِ وَالْعِيدِ الْقَادِمَيْنِ، فَتَحْضُرُوهُمَا بِهَيْئَةٍ نَظِيفَةٍ لَائِقَةٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُؤْمِنُونَ الْآنَ فِي أَيَّامِ الْآحَادِ وَالْأَعْيَادِ. فَهَذَا هُوَ مَعْنَى «تَطَهَّرُوا» فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ. فَكَانَ هَذَا الثَّوْبُ النَّظِيفُ الْجَدِيدُ رَمْزًا لِلتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالتَّدَيُّنِ، بِهِ أَعْلَنُوا أَنَّهُمْ بَعْدَ طَرْحِ الْأَصْنَامِ يُرِيدُونَ عِبَادَةَ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ وَأَنْ يَبْدَؤُوا حَيَاةً جَدِيدَةً تَقِيَّةً فِي عِبَادَةِ الْإِلَهِ الْوَاحِدِ. وَهَكَذَا فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ ١٩: ١٠ يَأْمُرُ اللهُ الْعِبْرَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى وَشْكِ تَسَلُّمِ الشَّرِيعَةِ عَلَى سَيْنَاءَ فِي الْعَنْصَرَةِ بِأَنْ يُبَدِّلُوا ثَوْبَهُمُ الْعَادِيَّ بِثَوْبٍ نَظِيفٍ احْتِفَالِيٍّ.
الْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيُّ: الْوَالِدُونَ وَتَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ
لِلْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيِّ، انْظُرْ رُوبِرْتُوسَ وَالْقِدِّيسَ يُوحَنَّا الذَّهَبِيَّ الْفَمِ، الْعِظَةَ ٥٩، حَيْثُ يُعَلِّمُ بِمِثَالِ يَعْقُوبَ أَنَّ الْوَالِدِينَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِمْ تَرْبِيَةً تَقِيَّةً بَدَلًا مِنْ جَمْعِ الثَّرَوَاتِ لَهُمْ. إِذْ يَقُولُ: «لِمَاذَا تَجْمَعُ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الْأَحْمَالَ مِنَ الْأَشْوَاكِ، وَلَا تُدْرِكُ أَنَّكَ تَتْرُكُ لِأَبْنَائِكَ مَادَّةً لِلشَّرِّ؟ أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ يَعْتَنِي بِوَلَدِكَ عِنَايَةً أَعْظَمَ؟ أَوَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الشَّبَابَ بِطَبِيعَتِهِ يَمِيلُ إِلَى الْهَلَاكِ، فَإِذَا نَالَ أَيْضًا وَفْرَةً مِنَ الْغِنَى انْدَفَعَ أَكْثَرَ نَحْوَ الشَّرِّ؟ فَكَمَا أَنَّ النَّارَ إِذَا وَجَدَتْ وَقُودًا ارْتَفَعَتْ بِأَلْسِنَةِ لَهَبٍ أَقْوَى، كَذَلِكَ حِينَ تَقَعُ مَادَّةُ الْأَمْوَالِ عَلَى الشَّابِّ تُشْعِلُ أَتُّونًا عَظِيمًا حَتَّى يُحْرِقَ الْفُجُورُ وَعَدَمُ الِاعْتِدَالِ نَفْسَ الشَّابِّ بِأَكْمَلِهَا.»
الْآيَةُ ٤: دَفَنَهَا
دَفَنَهَا. — بَعْدَ أَنْ كَسَّرَهَا أَوْ صَهَرَهَا أَوَّلًا، كَمَا فَعَلَ مُوسَى فِي سِفْرِ الْخُرُوجِ ٣٢: ٢٠، وَحَزَقِيَّا فِي سِفْرِ الْمُلُوكِ الرَّابِعِ ١٨: ٤. كَانَ بِإِمْكَانِ يَعْقُوبَ أَنْ يُحَوِّلَ الْمَادَّةَ، أَيِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالنُّحَاسَ، إِلَى اسْتِعْمَالٍ آخَرَ حَتَّى مُقَدَّسٍ (وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُولِنْسِيسُ)؛ لَكِنَّهُ أَبَى، لِئَلَّا يَبْقَى أَيُّ أَثَرٍ لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَلِيَغْرِسَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ الِاشْمِئْزَازَ مِنْهَا، وَلِيَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ أَنْ يَمْقُتُوا الْأَصْنَامَ بِاعْتِبَارِهَا مَلْعُونَاتٍ.
الْآيَةُ ٤: تَحْتَ الْبُطْمَةِ
تَحْتَ الْبُطْمَةِ. — الْكَلِمَةُ الْعِبْرِيَّةُ إِيلَا تَعْنِي الْبَلُّوطَةَ وَالْبُطْمَةَ مَعًا. يَرَى أَنْدْرِيَاسُ مَاسِيُوسُ فِي تَفْسِيرِ يَشُوعَ، الْإِصْحَاحِ الْأَخِيرِ، الْآيَةِ ٢٦، أَنَّ هَذِهِ هِيَ إِيلَا، أَيْ بَلُّوطَةُ أَوْ بُطْمَةُ مُورِيهْ، أَيِ الشَّهِيرَةُ، الَّتِي تَحْتَهَا أَقَامَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَذْبَحٍ للهِ، التَّكْوِينُ ١٢: ٦، وَبِقُرْبِهَا كُرِّسَ أَبِيمَالِكُ مَلِكًا، سِفْرُ الْقُضَاةِ الْإِصْحَاحُ ٩: ٦؛ وَلِذَلِكَ تَحْتَهَا، بِاعْتِبَارِهَا مُقَدَّسَةً مُنْذُ زَمَنِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، دَفَنَ يَعْقُوبُ أَصْنَامَ أَهْلِهِ. وَقَدْ حُفِظَتْ هَذِهِ الْإِيلَا فِي شَكِيمَ سِنِينَ طَوِيلَةً بِتَقْوَى الْآبَاءِ، بَلْ قُدِّسَتْ أَيْضًا. إِذْ عِنْدَهَا أَيْضًا أَبْرَمَ يَشُوعُ عَهْدًا بَيْنَ اللهِ وَالشَّعْبِ، يَشُوعُ الْإِصْحَاحُ الْأَخِيرُ، الْآيَةُ ٢٦.
الْآيَةُ ٥: وَقَعَ رُعْبُ اللهِ عَلَى الْجَمِيعِ
٥. وَقَعَ رُعْبُ اللهِ عَلَى الْجَمِيعِ. — أَلْقَى اللهُ هَذَا الرُّعْبَ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ كَالْفَزَعِ الَّذِي لَا سَبَبَ ظَاهِرًا لَهُ، عَلَى الْكَنْعَانِيِّينَ، لِئَلَّا يَجْرُؤُوا عَلَى مُهَاجَمَةِ يَعْقُوبَ الرَّاحِلِ مِنْ شَكِيمَ وَكَأَنَّهُ هَارِبٌ، وَعَلَى الِانْتِقَامِ لِمَذْبَحَةِ الشَّكِيمِيِّينَ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: «انْظُرْ مَاذَا يَسْتَحِقُّ خَوْفُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ الَّذِي خَافَا بِهِ اللهَ نَفْسَهُ، أَيْ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُهُ فِي الْمُقَابِلِ مَرْهُوبًا عِنْدَ الْجَمِيعِ.» «فَإِنَّهُ حِينَ يَكُونُ اللهُ رَاضِيًا عَنَّا تَزُولُ مِنْ وَسْطِنَا كُلُّ الْمَخَاوِفِ. فَكَمَا أَنَّهُ أَعْطَى الْبَارَّ ثِقَةً، كَذَلِكَ أَعْطَاهُمُ الْخَوْفَ،» حَتَّى إِنَّهُمْ وَهُمْ كَثِيرُونَ وَمُتَجَمِّعُونَ لَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى مُهَاجَمَةِ الْقِلَّةِ الضُّعَفَاءِ. وَكَثِيرًا مَا يَخْتَبِرُ الرِّجَالُ الْأَتْقِيَاءُ الْحِمَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ نَفْسَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ حِينَ يُصَادِفُونَ لُصُوصًا أَوْ قُطَّاعَ طُرُقٍ.
الْآيَةُ ٣: كَانَ رَفِيقَ رِحْلَتِي
٣. كَانَ رَفِيقَ رِحْلَتِي — وَقَائِدًا وَرَفِيقًا فِي الطَّرِيقِ: قَائِدًا فِي الذَّهَابِ إِلَى حَارَانَ، وَقَائِدًا فِي الْعَوْدَةِ إِلَى كَنْعَانَ.
الْآيَةُ ٤: الْأَقْرَاطُ
٤. الْأَقْرَاطُ — الَّتِي كَانَتْ تُزَيَّنُ بِهَا الْأَصْنَامُ فِي آذَانِهَا عَلَى غِرَارِ الْبَشَرِ. وَلِذَلِكَ ثَانِيًا يُسَمِّيهَا أُغُسْطِينُوسُ تَمَائِمَ الْآلِهَةِ. وَيُعَلِّمُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ فِي الْعِظَةِ ٣٥ عَلَى التَّكْوِينِ، وَلِيرَانُوسُ وَكِلَا الْحَاشِيَتَيْنِ. وَبِشَيْءٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ يَرَى غَاسْبَارُ سَانْشِيزُ فِي تَفْسِيرِ إِشَعْيَاءَ الْإِصْحَاحِ ٤٤، الرَّقَمِ ٢٠، أَنَّ هَذِهِ الْأَقْرَاطَ لَمْ تَكُنْ مُعَلَّقَةً فِي آذَانِ الْأَصْنَامِ بَلْ فِي آذَانِ الْخَدَمِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَنْقُوشَةً عَلَيْهَا صُوَرًا أَوْ عَلَامَاتٍ لِلْأَصْنَامِ الَّتِي عَبَدُوهَا سَابِقًا، وَلِذَلِكَ دُفِنَتْ مَعَ الْأَصْنَامِ عَلَى يَدِ يَعْقُوبَ. فَهَكَذَا كَانَ الْوَثَنِيُّونَ يَحْمِلُونَ صُوَرَ آلِهَتِهِمْ عَلَى خَوَاتِمَ وَأَسَاوِرَ وَأَحْجَارٍ كَرِيمَةٍ أَوْ صَفَائِحَ مُعَلَّقَةٍ مِنَ الْعُنُقِ، وَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِيثَاغُورَسُ فِيمَا بَعْدُ، وَكَذَلِكَ إِكْلِيمَنْضُسُ الْإِسْكَنْدَرِيُّ فِي الْكِتَابِ الثَّالِثِ مِنَ الْمُرَبِّي، الْإِصْحَاحِ ١١. وَهَكَذَا يَقُولُ هُوشَعُ الْإِصْحَاحُ ٢: «لِتَنْزِعْ زِنَاهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا،» لِأَنَّهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهَا وَفَوْقَ قَلْبِهَا كَانَتْ تَحْمِلُ صَفِيحَةً أَوْ قِلَادَةً نُقِشَتْ عَلَيْهَا زِنَاهَا، أَيْ أَصْنَامُهَا. وَعَلَى الْعَكْسِ يَأْمُرُ الْعَرِيسُ الْعَرُوسَ فِي نَشِيدِ الْأَنَاشِيدِ ٨: «اجْعَلْنِي كَخَاتَمٍ عَلَى قَلْبِكِ، كَخَاتَمٍ عَلَى ذِرَاعِكِ،» أَيْ لِتَطْبَعَ الْعَرُوسُ قَلْبَهَا وَذِرَاعَهَا بِصُورَةِ عَرِيسِهَا، الْمَنْقُوشَةِ عَلَى لَوْحِ الْقَلْبِ أَوْ عَلَى أَسَاوِرِ الذِّرَاعَيْنِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ الْيَهُودُ الْأَتْقِيَاءُ يَحْمِلُونَ شَرِيعَةَ اللهِ وَشِعَارَ دِيَانَتِهِمْ عَلَى خَوَاتِمَ وَقَلَائِدَ وَأَطْوَاقٍ، بِحَسَبِ سِفْرِ الْأَمْثَالِ ٧: «ارْبِطْهَا عَلَى أَصَابِعِكَ، اكْتُبْهَا عَلَى لَوْحِ قَلْبِكَ.»
الْآيَةُ ٦: كُلُّ الشَّعْبِ
٦. كُلُّ الشَّعْبِ — أَيْ عَائِلَتُهُ الْكَبِيرَةُ الْكَثِيرَةُ الْعَدَدِ.
الْآيَةُ ٧: سَمَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ بَيْتَ اللهِ
٧. سَمَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ بَيْتَ اللهِ. — كَانَ هَذَا الْمَكَانُ قَدْ سُمِّيَ سَابِقًا بَيْتَ إِيلَ مِنْ قِبَلِ يَعْقُوبَ، الْإِصْحَاحُ ٢٨، الْآيَةُ ٢٩؛ فَهُوَ هُنَا إِذَنْ يُكَرِّرُ وَيُؤَكِّدُ الِاسْمَ الَّذِي أَعْطَاهُ لِلْمَكَانِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يُطْلِقُهُ عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي بَنَاهُ هُنَاكَ حَدِيثًا. فَسَمَّى الْمَذْبَحَ وَنَقَشَ عَلَيْهِ اسْمًا عِبْرِيًّا كَعُنْوَانٍ: إِيلُ بَيْتِ إِيلَ، أَيِ اللهُ الْقَدِيرُ رَبُّ بَيْتَ إِيلَ؛ وَمَعْنَاهُ مَذْبَحٌ مُكَرَّسٌ لِإِلَهِ بَيْتَ إِيلَ، أَوْ للهِ الَّذِي يَسْكُنُ فِي بَيْتَ إِيلَ كَمَا فِي بَيْتِهِ، وَالَّذِي تَرَاءَى لَهُ هُنَاكَ بِوَصْفِهِ الْأَقْوَى، وَبِقُوَّتِهِ حَصَّنَهُ ضِدَّ عِيسُو وَالشَّكِيمِيِّينَ وَجَمِيعِ الْأَعْدَاءِ وَالْمَخَاوِفِ. انْظُرْ مَا قِيلَ عَنِ الْإِصْحَاحِ ٢٨، الْآيَةِ ١٩.
الْآيَةُ ٨: دَبُورَةُ
٨. دَبُورَةُ. — كَانَتْ هَذِهِ مُرْضِعَةَ رِفْقَةَ أُمِّ يَعْقُوبَ، الَّتِي جَاءَتْ مَعَهَا مِنْ حَارَانَ إِلَى كَنْعَانَ إِلَى إِسْحَاقَ. يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ رِفْقَةَ أَرْسَلَتْ دَبُورَةَ هَذِهِ إِلَى حَارَانَ لِتَسْتَدْعِيَ يَعْقُوبَ مِنْ هُنَاكَ، وَأَنَّهَا مَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ عَائِدَةٌ مَعَ يَعْقُوبَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ هُنَا.
الْآيَةُ ٨: عِنْدَ أَسْفَلِ بَيْتَ إِيلَ
عِنْدَ أَسْفَلِ بَيْتَ إِيلَ. — إِذَنْ كَانَتْ بَيْتُ إِيلَ وَاقِعَةً عَلَى جَبَلٍ.
الْآيَةُ ٨: بَلُّوطَةُ الْبُكَاءِ
بَلُّوطَةُ الْبُكَاءِ — لِأَنَّ يَعْقُوبَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ نَدَبُوا هُنَاكَ مَوْتَ دَبُورَةَ.
الْآيَةُ ٩: وَظَهَرَ اللهُ لِيَعْقُوبَ مَرَّةً أُخْرَى
٩. وَظَهَرَ اللهُ لِيَعْقُوبَ مَرَّةً أُخْرَى. — قَبْلَ وَقْتٍ قَصِيرٍ كَانَ قَدْ ظَهَرَ لَهُ، آمِرًا إِيَّاهُ بِالذَّهَابِ إِلَى بَيْتَ إِيلَ؛ وَالْآنَ حِينَ وَصَلَ إِلَى بَيْتَ إِيلَ، ظَهَرَ لَهُ هُنَاكَ مَرَّةً أُخْرَى. هَكَذَا تَقُولُ التَّرْجَمَةُ السَّبْعِينِيَّةُ. «هَذَا هُوَ الظُّهُورُ الثَّالِثُ،» يَقُولُ هُوغُو الْكَرْدِينَالُ، «الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ الرَّبُّ لِيَعْقُوبَ. فَأَوَّلًا ظَهَرَ لَهُ وَهُوَ فَارٌّ مِنْ عِيسُو، مُتَّكِئًا عَلَى السُّلَّمِ. وَثَانِيًا، لَهُ وَهُوَ عَائِدٌ مِنْ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ فِي الْمُصَارَعَةِ. وَثَالِثًا، هُنَا فِي بَيْتَ إِيلَ. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الظُّهُورِ الثُّلَاثِيِّ لِلْمَسِيحِ. فَهُوَ يَظْهَرُ لِلنَّائِمِينَ فِي التَّأَمُّلِ؛ وَيَظْهَرُ أَيْضًا لِلْمُكَافِحِينَ فِي الضِّيقِ؛ وَيَظْهَرُ أَخِيرًا لِلْعَائِشِينَ فِي الْبَرَكَةِ الْأَبَدِيَّةِ. عَنِ الْأَوَّلِ يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَرْدُسُ: يُرِيدُ الْمَسِيحُ أَنْ يُرَى لَا أَنْ يَرَى؛ وَكَقَائِدٍ بَاسِلٍ، يُرِيدُ أَنْ يُرْفَعَ وَجْهُ جُنْدِيِّهِ الْمُخْلِصِ إِلَى جِرَاحِهِ: فَلَنْ يَشْعُرَ الْجُنْدِيُّ بِجِرَاحِهِ هُوَ حِينَ يُحَدِّقُ فِي جِرَاحِ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ أَنْ تَرَى الْمَسِيحَ مُتَّكِئًا عَلَى السُّلَّمِ، وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الرَّسُولُ فِي الرِّسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ الْإِصْحَاحُ ١٢: نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الْإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ. وَعَنِ الثَّانِي يَقُولُ الْقِدِّيسُ بِرْنَرْدُسُ نَفْسُهُ: احْتَمَلَكَ الْحَبِيبُ؛ فَاحْتَمِلْ أَنْتَ أَيْضًا الْحَبِيبَ. لَمْ تَغْلِبْهُ خَطَايَاكَ؛ فَلَا تَغْلِبْكَ سِيَاطُهُ أَنْتَ أَيْضًا، وَسَتَنَالُ الْبَرَكَةَ. وَعَنِ الثَّالِثِ قِيلَ فِي الرِّسَالَةِ الْأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ ١٣: نَرَى الْآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ، وَلَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ؛ وَفِي الْمَزْمُورِ ١٦: أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ، أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِمُشَاهَدَةِ مَجْدِكَ.»
الْآيَةُ ٩: وَبَارَكَهُ
وَبَارَكَهُ — بِأَنْ دَعَاهُ إِسْرَائِيلَ، وَمَنَحَهُ وُعُودًا جَدِيدَةً، وَعَزِيمَةً جَدِيدَةً، وَقُوَّةً جَدِيدَةً، وَمَوَاهِبَ نِعْمَةٍ جَدِيدَةً.
الْآيَةُ ١٠: لَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ
١٠. لَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ. — قَدْ تَسْأَلُ: لِمَاذَا يُعْطَى اسْمُ إِسْرَائِيلَ لِيَعْقُوبَ مَرَّةً أُخْرَى هُنَا؟ يُجِيبُ كَايِتَانُوسُ بِأَنَّ اسْمَ إِسْرَائِيلَ يُكَرَّرُ هُنَا بِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ، بِسَبَبِ إِحْسَانٍ جَدِيدٍ وُعِدَ بِهِ يَعْقُوبُ هُنَا، وَهُوَ أَنَّ نَسْلَهُ سَيَكُونُونَ إِسْرَائِيلَ، أَيْ أُمَرَاءَ مَعَ اللهِ، كَمَا يُتَرْجِمُ أَكِيلَا وَسِيمَاخُوسُ وَثِيُودُوتِيُونُ، أَيْ أَنَّهُمْ سَيَمْتَلِكُونَ وَيَحْتَفِظُونَ بِمَمْلَكَتِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ مَا دَامُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ إِسْرَائِيلَ، أَيْ مَا دَامَ اللهُ يَسُودُ عَلَيْهِمْ؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ: سَتُدْعَى «إِسْرَائِيلَ»، أَيْ سَيَسُودُ اللهُ: فَإِنِّي أَعِدُكَ وَنَسْلَكَ بِأَنَّهُمْ، مَا دَامُوا يُتِيحُونَ لِي أَنْ أَسُودَ فِي قُلُوبِهِمْ بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ وَالدِّيَانَةِ وَالتَّقْوَى، فَسَيَكُونُونَ إِسْرَائِيلَ، أَيْ أُمَرَاءَ مَعَ اللهِ، لِأَنَّهُمْ مِنَ اللهِ سَيَنَالُونَ سِيَادَتَهُمْ وَرِيَاسَتَهُمْ وَمُلْكَهُمْ؛ وَلَكِنْ حِينَ يَنْبِذُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ سِيَادَةَ اللهِ، وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَخْضَعُوا لِلَّهِ، فَعِنْدَئِذٍ سَيَفْقِدُونَ أَيْضًا رِيَاسَتَهُمْ وَمُلْكَهُمُ الْأَرْضِيَّ.
وَلَكِنْ مِنَ الْكَلِمَاتِ ذَاتِهَا يَتَّضِحُ أَنَّ اسْمَ إِسْرَائِيلَ يُعْطَى لِيَعْقُوبَ هُنَا لَا بِمَعْنًى مُخْتَلِفٍ، بَلْ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٢، الْآيَةِ ٢٨، وَهَكَذَا يُعَلِّمُ الْمُفَسِّرُونَ عُمُومًا؛ وَمَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَظُنُّ أَنَّ الِاسْمَ هُنَاكَ وُعِدَ بِهِ فَقَطْ، وَلَكِنَّهُ هُنَا أُعْطِيَ فِعْلًا لِيَعْقُوبَ: إِلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ هُنَاكَ، وَلَكِنَّهُ هُنَا يُكَرَّرُ وَيُؤَكَّدُ بِسَبَبِ عِلَّةٍ وَسَبَبٍ جَدِيدَيْنِ.
أَقُولُ إِذَنْ، كَمَا كَانَ يَعْقُوبُ فِي الْإِصْحَاحِ ٣٢ قَلِقًا بِسَبَبِ عِيسُو، فَهُوَ هُنَا قَلِقٌ بِسَبَبِ الشَّكِيمِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ، لِئَلَّا يَنْتَقِمُوا لِذَبْحِ قَوْمِهِمْ وَيُهَاجِمُوهُ، فَيُقَوِّيهِ اللهُ حَتَّى لَا يَخَافَ، وَيَصِيرُ وَيُدْعَى إِسْرَائِيلَ، أَيِ الْمُتَسَلِّطَ عَلَى عِيسُو وَالشَّكِيمِيِّينَ وَجَمِيعِ أَعْدَائِهِ بِاللهِ وَمِنَ اللهِ. وَمَرَّةً أُخْرَى يُدْعَى إِسْرَائِيلَ، بِوَصْفِهِ السَّيِّدَ الْمُسْتَقْبَلِيَّ لِجَمِيعِ الْأَرْضِ، أَيْ كَنْعَانَ، وَأَبَا أُمَمٍ وَمُلُوكٍ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنَ الْآيَتَيْنِ ١١ وَ١٢؛ وَوِفْقًا لِهَذَا، يُمْكِنُ قَبُولُ تَفْسِيرِ كَايِتَانُوسَ السَّابِقِ. «وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ: لَا يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ يَعْقُوبَ، مَعْنَاهُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا لَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ يَعْقُوبَ، أَيِ الْمُعَقِّبَ لِعِيسُو، بَلْ إِسْرَائِيلَ، أَيِ الْمُتَسَلِّطَ عَلَى الْجَمِيعِ بِاللهِ وَمِنَ اللهِ، حَتَّى إِنَّكَ يَنْبَغِي أَنْ تُدْعَى إِسْرَائِيلَ أَوْلَى مِنْ يَعْقُوبَ.»
وَبِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، بِسَبَبِ هَذِهِ الرُّؤْيَا الثَّانِيَةِ الْجَدِيدَةِ وَظُهُورِ اللهِ، يُعْطِي يَعْقُوبُ الِاسْمَ نَفْسَهُ لِلْمَكَانِ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَيُسَمِّيهِ بَيْتَ إِيلَ، أَيْ بَيْتَ اللهِ. وَمِنْ هُنَا «يَعْتَقِدُ أَبُولِنْسِيسُ أَنَّهُ نَالَ ذَيْنِكَ الِاسْمَيْنِ، يَعْقُوبَ وَإِسْرَائِيلَ، الْمُصَارِعُ وَرَائِي اللهِ، مِنْ قُوَّتِهِ وَانْتِصَارَاتِهِ: فَكَأَنَّهُ هِرْقِلٌ آخَرُ صَارَعَ أَعْمَالًا كَثِيرَةً جِدًّا — مَعَ تَهْدِيدَاتِ أَخِيهِ، وَمَعَ جُحُودِ لَابَانَ؛ ثُمَّ مَعَ الْخَوْفِ مِنْ أَخِيهِ، وَمَعَ الْمَلَاكِ طُولَ اللَّيْلِ، وَمَعَ فِتَنِ أَبْنَائِهِ عِنْدَ شَكِيمَ، وَمَعَ مَقْتَلِ يُوسُفَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّ وَحْشًا شَرِيرًا فَعَلَهُ، وَمَعَ مَرَارَةِ الْمَجَاعَةِ، وَمَعَ الْحُزْنِ عَلَى أَخْذِ بِنْيَامِينَ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ، نَاهِيكَ عَنْ أُمُورٍ أُخْرَى. حَقًّا يَعْقُوبُ، حَقًّا مُصَارِعٌ؛ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ حَقًّا إِسْرَائِيلُ، حَقًّا رَائِي اللهِ: فَقَدْ رَأَى اللهَ أَوْ مَلَاكًا سَبْعَ مَرَّاتٍ. أَوَّلًا، حِينَ ظَهَرَ لَهُ عَلَى السُّلَّمِ، تَكْوِينُ ٢٨. ثَانِيًا، فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، حِينَ أَرَاهُ تَنَاسُلَ الْقُطْعَانِ، تَكْوِينُ ٣٠. ثَالِثًا، حِينَ أَمَرَهُ اللهُ بِالرَّحِيلِ مِنْ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، تَكْوِينُ الْإِصْحَاحُ ٣١. رَابِعًا، حِينَ رَأَى مُعَسْكَرَاتِ الْمَلَائِكَةِ الْمُعَدَّةَ لِلدِّفَاعِ عَنْهُ، تَكْوِينُ ٣٢. خَامِسًا، حِينَ وَاجَهَ الْمُصَارِعَ تَحْتَ هَيْئَةِ رَجُلٍ. سَادِسًا، حِينَ أَمَرَهُ اللهُ بَعْدَ ذَبْحِ الشَّكِيمِيِّينَ بِالذَّهَابِ إِلَى بَيْتَ إِيلَ وَالتَّقْدِمَةِ هُنَاكَ، تَكْوِينُ ٣٥. سَابِعًا، حِينَ أَعْطَاهُ اسْمَ إِسْرَائِيلَ مَرَّةً أُخْرَى، تَكْوِينُ ٣٥. وَقَدِ اقْتَرَنَتْ هَذِهِ الرُّؤَى بِأَفْضَالِ نِعْمَةٍ خَاصَّةٍ، خَفَّفَ بِهَا اللهُ بِإِبْدَاعٍ مِنَ الْمَرَارَاتِ الْمَمْزُوجَةِ بِأَعْمَالِهِ: وَهَكَذَا حَدَثَ أَنَّ الرَّجُلَ نَفْسَهُ كَانَ يَعْقُوبَ وَإِسْرَائِيلَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَأَنَّهُ مِيزَانٌ بَيْنَ الصِّرَاعَاتِ وَرُؤَى اللهِ،» يَقُولُ فِرْنَانْدُوسُ، الرُّؤْيَا ٢.
الْمَعْنَى الْأَخْلَاقِيُّ: يَعْقُوبُ وَإِسْرَائِيلُ
ثَالِثًا، يَقُولُ الْقِدِّيسُ تُومَا وَلِيرَانُوسُ وَأَبُولِنْسِيسُ: يُدْعَى يَعْقُوبُ هُنَا إِسْرَائِيلَ لِأَنَّ اللهَ هُنَا رَفَعَ يَعْقُوبَ، حَتَّى إِنَّ مَنْ كَانَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَعْقُوبَ، أَيِ الْمُعَقِّبَ، وَعَاشَ حَيَاةً عَمَلِيَّةً مُكَافِحَةً، مُحَارِبًا ضِدَّ الْأَعْدَاءِ وَالرَّذَائِلِ، يَعِيشُ الْآنَ حَيَاةً تَأَمُّلِيَّةً، وَيَكُونُ إِسْرَائِيلَ، أَيْ رَائِيَ اللهِ، أَوِ الْمَالِكَ مَعَ اللهِ، أَوِ الْقَوِيَّ مَعَ اللهِ، بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ شَيْءٌ أَنْ يَجْذِبَهُ بَعِيدًا عَنِ اللهِ وَتَأَمُّلِ اللهِ، وَمِنْ هَذَا يَصِيرُ لَا يُقْهَرُ، وَقَاهِرَ جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ الْمَرْئِيِّينَ وَغَيْرِ الْمَرْئِيِّينَ. هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَتَقِيٌّ، لَكِنَّهُ اسْتِعَارِيٌّ.
الْمَعْنَى الْأَنَاغُوجِيُّ: الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ
رَابِعًا، الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْمَسْأَلَةُ ١١٤: يَقُولُ إِنَّ يَعْقُوبَ، أَيِ الْمُعَقِّبَ، يَرْمُزُ إِلَى صِرَاعَاتِ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ وَأَتْعَابِهَا؛ أَمَّا إِسْرَائِيلُ، أَيْ رَائِي اللهِ، فَيَرْمُزُ إِلَى ثَوَابِ الطُّوبَى الْآتِيَةِ وَرُؤْيَةِ اللهِ. وَلَكِنَّ هَذَا أَيْضًا رَمْزِيٌّ وَأَنَاغُوجِيٌّ بِالْمِثْلِ.
الْآيَةُ ١١: أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ
١١. أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ — الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَقِّقَ مَا يَعِدُ بِهِ، وَيُحَقِّقُهُ فِعْلًا: فِي الْعِبْرِيَّةِ شَدَّايْ، الَّذِي تَكَلَّمْتُ عَنْهُ فِي الْإِصْحَاحِ ١٧، الْآيَةِ ١؛ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَكَ يَا يَعْقُوبُ أُقَدِّمُ نَفْسِي بِاعْتِبَارِي شَدَّايْ، أَيْ حَامِلَ ثَدْيٍ، لِتَرْضَعَ مِنْهُ الزِّيَادَةَ وَالتَّكَاثُرَ: فَانْمُ وَاكْثُرْ. يُكَرِّرُ اللهُ هُنَا الْمَوَاعِيدَ الَّتِي سَمِعْنَاهَا فِي الْإِصْحَاحَاتِ ٢٨ وَ٣١ وَ٣٢، لِئَلَّا يَظُنَّ يَعْقُوبُ بِسَبَبِ مَذْبَحَةِ الشَّكِيمِيِّينَ الَّتِي ارْتَكَبَهَا أَبْنَاؤُهُ أَنَّ اللهَ قَدْ نَقَضَهَا، وَلَا سِيَّمَا ثَلَاثَ مَوَاعِيدَ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُشَكَّ فِيهَا. فَأَوَّلًا، كَانَ يُثْقِلُ عَلَى يَعْقُوبَ أَنَّهُ هُوَ وَأَهْلَهُ قَلِيلُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَهُ أَعْدَاءٌ كَثِيرُونَ؛ وَضِدَّ هَذَا يَسْمَعُ: «انْمُ وَاكْثُرْ: أُمَمٌ وَشُعُوبُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ.» ثَانِيًا، كَانَ يُثْقِلُ عَلَيْهِ أَنَّ أَبْنَاءَهُ جَعَلُوهُ مَكْرُوهًا عِنْدَ الشُّعُوبِ الْمُجَاوِرَةِ؛ وَضِدَّ هَذَا يُقَالُ لَهُ: «مُلُوكٌ مِنْ صُلْبِكَ يَخْرُجُونَ» — فَلَنْ تَكُونَ مَكْرُوهًا وَلَا مُحْتَقَرًا. ثَالِثًا، كَانَ يَخَافُ أَنَّ الشُّعُوبَ الْمُجَاوِرَةَ قَدْ تَجْتَمِعُ وَتَطْرُدُهُ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَضِدَّ هَذَا يَسْمَعُ: «هَذِهِ الْأَرْضَ أُعْطِيكَ إِيَّاهَا.» حَقًّا إِذَنْ اسْتَطَاعَ يَعْقُوبُ أَنْ يَقُولَ: «بِحَسَبِ كَثْرَةِ أَحْزَانِي، تَعْزِيَاتُكَ فَرَّحَتْ نَفْسِي.» فَانْظُرْ إِذَنْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخْضَعُ لِلْأَبْرَارِ، لِكَيْ يَخْضَعُوا هُمْ بِدَوْرِهِمْ لِلَّهِ.
الْآيَةُ ١١: أُمَمٌ وَشُعُوبُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ
أُمَمٌ وَشُعُوبُ أُمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ. — فَإِنَّ الْأَسْبَاطَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّتِي سَتَتَكَاثَرُ مِنْكَ سَتَنْمُو حَتَّى تُسَاوِيَ أُمَمًا وَشُعُوبًا كَثِيرَةً.
الْآيَةُ ١٢: لَكَ وَلِنَسْلِكَ
١٢. لَكَ وَلِنَسْلِكَ. — «وَ» هُنَا تَفْسِيرِيَّةٌ، بِمَعْنَى «أَيْ»؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِ كَنْعَانَ لِيَعْقُوبَ نَفْسِهِ، بَلْ لِنَسْلِهِ، أَيْ لِذُرِّيَّتِهِ، فِي عَهْدِ يَشُوعَ.
الْآيَةُ ١٤: أَقَامَ نُصُبًا
١٤. أَقَامَ نُصُبًا — يَكُونُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ نُصُبًا، أَيْ تِذْكَارًا لِهَذَا الظُّهُورِ وَالْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مَذْبَحًا؛ وَمِنْ ثَمَّ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ ذَبَائِحَ وَيَسْكُبُ سَكَائِبَ، أَيْ يَصُبُّ تَقْدِمَاتِ شَرَابٍ إِكْرَامًا لِلَّهِ، وَهِيَ عِدَّةُ مَكَايِيلَ مِنَ الْخَمْرِ.
الْآيَةُ ١٤: صَبَّ زَيْتًا
صَبَّ زَيْتًا — لِتَكْرِيسِ الْمَذْبَحِ. اُنْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٨، الْآيَةِ ١٨.
الْآيَةُ ١٦: فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ
١٦. فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ. — فِي الْعِبْرِيَّةِ كِبْرَتْ، الَّتِي يَأْخُذُهَا الْحَاخَامُ مَنَاحِمُ بِالْقَلْبِ الْمَكَانِيِّ عَلَى أَنَّهَا هِيَ نَفْسُهَا كِ رَاحْ، أَيْ «كَأَنَّهَا مَسَافَةٌ عَظِيمَةٌ»، بِمَعْنَى: حِينَ كَانَتْ تَبْقَى مَسَافَةٌ طَوِيلَةٌ وَعَظِيمَةٌ إِلَى أَفْرَاتَةَ. ثَانِيًا، يَرَى الْحَاخَامُ سُلَيْمَانُ أَنَّ كِبْرَتْ اسْمُ مِقْيَاسٍ يَعْنِي مِيلًا أَوْ فَرْسَخًا، بِمَعْنَى: حِينَ كَانَ يَبْقَى فَرْسَخٌ إِلَى أَفْرَاتَةَ. ثَالِثًا، مُتَرْجِمُنَا يَشْتَقُّ كِبْرَتْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ مِنْ بَارَا، أَيْ يُغَذِّي أَوْ يُنْتِجُ حَبًّا (فَمِنْ هَذَا بَارْ يَعْنِي الْحِنْطَةَ أَوِ الْحَبَّ)، مَعَ كَافِ الْخَادِمَةِ الَّتِي تَعْنِي «قَرِيبًا مِنْ» أَوْ «عِنْدَ»، بِمَعْنَى: قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ إِخْرَاجِ الْأَرْضِ لِلطَّعَامِ وَالْمَحَاصِيلِ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ تَارَةً زَمَنَ الِاخْضِرَارِ، وَتَارَةً فَصْلَ الرَّبِيعِ، وَتَارَةً الزَّمَنَ الْمُخْتَارَ، مُشْتَقًّا كِبْرَتْ لَا مِنْ بَارَا بَلْ مِنْ بُورْ الَّذِي يَعْنِي «يَخْتَارُ».
الْآيَةُ ١٦: مَوْسِمُ وَفَاةِ رَاحِيلَ
يُلَاحِظُ مُوسَى أَنَّ مَوْتَ رَاحِيلَ كَانَ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ بِسَبَبِ دِفْءِ هَوَاءِ الرَّبِيعِ، لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لِيَعْقُوبَ أَنْ يَحْمِلَ جُثْمَانَ رَاحِيلَ إِلَى حَبْرُونَ لِئَلَّا يَتَحَلَّلَ، لِيُدْفَنَ هُنَاكَ فِي مَقْبَرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ.
الْآيَةُ ١٦: عُمْرُ رَاحِيلَ عِنْدَ وَفَاتِهَا
يَرْوِي الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ رَاحِيلَ مَاتَتْ وَعُمْرُهَا ٣٦ سَنَةً؛ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ رَاحِيلَ كَانَتْ فِي سِنِّ الزَّوَاجِ حِينَ جَاءَ يَعْقُوبُ إِلَيْهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ الْبِئْرِ فِي حَارَانَ، وَأَقَامَ يَعْقُوبُ فِي حَارَانَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ حَارَانَ عَاشَ مَعَهَا فِي كَنْعَانَ نَحْوَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ: فَمِنْ هَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ رَاحِيلَ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الْخَمْسِينَ مِنَ الْعُمْرِ عِنْدَ وَفَاتِهَا.
الْآيَةُ ١٨: بِنْيَامِينُ
١٨. بِنْيَامِينُ. — رَاحِيلُ وَهِيَ تُحْتَضَرُ سَمَّتِ ابْنَهَا بِنْ أُونِي، أَيِ ابْنَ حُزْنِي؛ لَكِنَّ الْأَبَ يَعْقُوبَ سَمَّاهُ بِنْيَامِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ، لِيُظْهِرَ أَنَّهُ تَحَمَّلَ مَوْتَهَا بِرَبَاطَةِ جَأْشٍ، وَلِيُشَجِّعَ هَذَا الِابْنَ وَإِخْوَتَهُ عَلَى الْمِثْلِ، بِهَذَا الرَّجَاءِ وَالِاسْمِ، أَنَّهُ سَيَكُونُ بِنْيَامِينَ، أَيِ ابْنَ الْيَمِينِ، بِمَعْنَى مَحْظُوظًا وَقَوِيًّا، رَغْمَ أَنَّهُ وُلِدَ فِي شَيْخُوخَةِ أَبِيهِ: فَالْيَمِينُ رَمْزُ الْقُوَّةِ وَالْحَظِّ. وَهَكَذَا يُسَمِّي الْعِبْرَانِيُّونَ الْمَرْأَةَ أَوِ الرَّجُلَ «ذَا الْيَمِينِ» أَوْ «ذَا الْفَضِيلَةِ» مَنْ هُوَ نَشِيطٌ وَحَادٌّ وَقَوِيٌّ.
الْآيَةُ ١٨: الْأَوْلَادُ الْمَوْلُودُونَ عِنْدَ مَوْتِ أُمَّهَاتِهِمْ
كَانَ اعْتِقَادُ الْقُدَمَاءِ أَنَّ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إِلَى النُّورِ بَعْدَ مَقْتَلِ أُمَّهَاتِهِمْ سَيَكُونُونَ مَحْظُوظِينَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ سِكِيبِيُو الْأَفْرِيقِيُّ، وَيُولِيُوسُ قَيْصَرُ، أَوَّلُ الْقَيَاصِرَةِ، الَّذِي يَقُولُونَ إِنَّهُ سُمِّيَ قَيْصَرَ مِنْ شَقِّ رَحِمِ أُمِّهِ (مَعَ أَنَّ آخَرِينَ يُرْجِعُونَ الِاسْمَ إِلَى كَثَافَةِ شَعْرِهِ، وَآخَرِينَ إِلَى أَصْلٍ آخَرَ): وَكَذَلِكَ كَانَ بِنْيَامِينُ.
الْآيَةُ ١٨: قُوَّةُ نَسْلِ بِنْيَامِينَ
مَدَى قُوَّةِ نَسْلِ بِنْيَامِينَ وَاضِحٌ مِنَ الْحَرْبِ الَّتِي خَاضُوهَا وَحْدَهُمْ ضِدَّ جَمِيعِ الْأَسْبَاطِ الْأُخْرَى، سِفْرُ الْقُضَاةِ ٢٠: ٤٦.
الْآيَةُ ١٨: بِنْيَامِينُ أَحَبُّ أَبْنَاءِ أَبِيهِ
ثَانِيًا، سُمِّيَ بِنْيَامِينَ، أَيِ ابْنَ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ وَلَدٍ إِلَى أَبِيهِ: فَالْوَالِدُونَ يُحِبُّونَ بِخَاصَّةٍ أَصْغَرَ أَبْنَائِهِمِ الَّذِينَ أَنْجَبُوهُمْ آخِرًا وَفِي شَيْخُوخَتِهِمْ، وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى رُكَبِهِمْ أَوْ عَنْ يَمِينِهِمْ.
الْآيَةُ ١٨: عُمْرُ بِنْيَامِينَ
وُلِدَ بِنْيَامِينُ فِي السَّنَةِ ١٠٧ مِنْ عُمْرِ يَعْقُوبَ؛ فَكَانَ إِذَنْ أَصْغَرَ مِنْ يُوسُفَ بِسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً: فَيُوسُفُ وُلِدَ فِي السَّنَةِ ٩١ مِنْ عُمْرِ يَعْقُوبَ، وَبِالتَّالِي فِي السَّنَةِ نَفْسِهَا الَّتِي وُلِدَ فِيهَا بِنْيَامِينُ بِيعَ يُوسُفُ، أَيْ فِي السَّنَةِ ١٦ مِنْ عُمْرِهِ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ عِنْدَ الْآيَةِ ٢٨.
الْآيَةُ ١٨: الْمَعْنَى الرَّمْزِيُّ: بِنْيَامِينُ وَالْمَسِيحُ
رَمْزِيًّا، رَاحِيلُ هِيَ الْمَجْمَعُ الْيَهُودِيُّ، وَبِنْيَامِينُ هُوَ الْمَسِيحُ وَالرُّسُلُ، وَلَا سِيَّمَا الْقِدِّيسُ بُولُسُ الَّذِي كَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، كَمَا يَقُولُ كِيرِلُّسُ: فَحِينَ صَارَ مَسِيحِيًّا وَرَسُولًا، حَسَدَتْهُ أُمُّهُ الْمَجْمَعُ وَحَزِنَتْ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ الْآبَ السَّمَاوِيَّ جَعَلَهُ بِنْيَامِينَ، لِيُخْضِعَ جَمِيعَ الْأَعْدَاءِ لِنَفْسِهِ بِأَعْظَمِ قُوَّةٍ، وَلِيَجْلِسَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاءِ. هَكَذَا يَقُولُ رُوبِرْتُوسُ.
الْآيَةُ ١٩: الطَّرِيقُ إِلَى أَفْرَاتَةَ، أَيْ بَيْتَ لَحْمَ
١٩. الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي (مِنْ أُورُشَلِيمَ الْعَاصِمَةِ) إِلَى أَفْرَاتَةَ، هَذِهِ هِيَ بَيْتُ لَحْمَ. — سُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ أَوَّلًا أَفْرَاتَةَ، نِسْبَةً إِلَى أَفْرَاتَ زَوْجَةِ كَالِبَ، ١ أَخْبَارِ الْأَيَّامِ ٢: ٢٤، الَّتِي يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّهَا كَانَتْ مَرْيَمَ أُخْتَ مُوسَى، وَلَكِنْ خَطَأً. ثُمَّ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ فِيمَا بَعْدُ بَيْتَ لَحْمَ، أَيْ بَيْتَ الْخُبْزِ، مِنْ خِصْبِهَا الَّذِي كَانَ فِيهَا بَعْدَ الْمَجَاعَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي زَمَنِ أَلِيمَالِكَ، كَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ رَاعُوثَ، يَقُولُ لِيرَانُوسُ. وَكَذَلِكَ أَفْرَاتَةُ فِي الْعِبْرِيَّةِ تَعْنِي الْخَصِيبَةَ، الْمُثْمِرَةَ، مِنْ جَذْرِ بَارَا، أَيْ أَثْمَرَتْ؛ فَإِنَّ هَذَا مَوْضِعٌ خِصْبٌ.
الْآيَةُ ١٩: الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَالْقِدِّيسَةُ بَاوْلَا فِي بَيْتِ لَحْمَ
كَمَا وَلَدَتْ رَاحِيلُ بِنْيَامِينَ، كَذَلِكَ وَلَدَتِ الْعَذْرَاءُ الْمُبَارَكَةُ الْمَسِيحَ فِي بَيْتِ لَحْمَ، لِأَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ الْخُبْزُ وَبَهْجَةُ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ. الْمَسِيحُ، أَقُولُ، بِوَصْفِهِ بِنْأُونِيَّهَا، أَيْ رَجُلَ الْأَوْجَاعِ، وَلَدَتْهُ فِي مُنْتَهَى الْمَذَلَّةِ وَالْفَقْرِ؛ وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ الْآبُ السَّمَاوِيُّ بِنْيَامِينَهُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ الَّذِي انْتَقَلَ لِهَذَا السَّبَبِ مَعَ الْقِدِّيسَةِ بَاوْلَا إِلَى بَيْتِ لَحْمَ. اسْمَعْهُ فِي رِثَاءِ الْقِدِّيسَةِ بَاوْلَا: «كَانَتْ بَاوْلَا تُقْسِمُ أَنَّهَا فِي بَيْتِ لَحْمَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى بِعُيُونِ الْإِيمَانِ الطِّفْلَ مَلْفُوفًا بِالْأَقْمِطَةِ، وَالرَّبَّ بَاكِيًا فِي الْمِذْوَدِ، وَالْمَجُوسَ سَاجِدِينَ، وَالنَّجْمَ مُتَلَأْلِئًا فَوْقُ، وَالْأُمَّ الْعَذْرَاءَ، وَالْمُرَبِّيَ الْحَرِيصَ، وَالرُّعَاةَ آتِينَ لَيْلًا، وَكَانَتْ تَقُولُ بِدُمُوعٍ مَمْزُوجَةٍ بِالْفَرَحِ: السَّلَامُ لَكِ يَا بَيْتَ لَحْمَ، بَيْتَ الْخُبْزِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. السَّلَامُ لَكِ يَا أَفْرَاتَةُ، أَيَّتُهَا الْمِنْطَقَةُ الْأَكْثَرُ خِصْبًا الَّتِي خِصْبُهَا هُوَ اللهُ. هَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا بِهَا فِي أَفْرَاتَةَ، وَوَجَدْنَاهَا فِي حُقُولِ الْوَعْرِ؛ هَذَا هُوَ مَقَرُّ رَاحَتِي، لِأَنَّهُ وَطَنُ الرَّبِّ: هُنَا أَسْكُنُ، لِأَنَّ الْمُخَلِّصَ اخْتَارَهَا.»
الْآيَةُ ٢٠: وَأَقَامَ يَعْقُوبُ نُصُبًا
٢٠. وَأَقَامَ يَعْقُوبُ نُصُبًا. — يَرْوِي بْرُوكَارْدُسُ أَنَّ هَذَا النُّصُبَ، أَوْ تِذْكَارَ رَاحِيلَ، كَانَ هَرَمًا بَالِغَ الْأَنَاقَةِ، رُتِّبَتْ فِي قَاعِدَتِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صَخْرَةً ضَخْمَةً جِدًّا، بِحَسَبِ عَدَدِ أَبْنَاءِ إِسْرَائِيلَ الِاثْنَيْ عَشَرَ. انْظُرْ هُنَا الْعَادَةَ الْعَرِيقَةَ جِدًّا فِي إِقَامَةِ النُّصُبِ وَالْكِتَابَاتِ التَّذْكَارِيَّةِ تَخْلِيدًا لِلْمُتَوَفَّيْنَ بِالْقُرْبِ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَوَّلُهَا الَّذِي نَجِدُهُ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ هَذَا النُّصُبُ الْخَاصُّ بِرَاحِيلَ. وَهَكَذَا أَقَامَ سِمْعَانُ الْمَكَّابِيُّ نُصُبًا فَخْمًا فَوْقَ قَبْرِ أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ، ١ مَكَّابِيِّينَ ١٣: ٣٠. وَيَكْتُبُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ ضَرِيحِ الْمَلِكِ دَاوُدَ، فِي رِسَالَتِهِ إِلَى مَرْسِيلَّا؛ وَعَنْ ذَلِكَ يَقُولُ الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ أَيْضًا: «وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا،» أَعْمَالُ الرُّسُلِ ٢: ٢٩.
الْآيَةُ ٢١: عَبْرَ بُرْجِ الْقَطِيعِ
٢١. عَبْرَ بُرْجِ الْقَطِيعِ. — يَظُنُّ الْعِبْرَانِيُّونَ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ هُوَ أُورُشَلِيمُ وَصِهْيَوْنُ، أَوْ مَوْقِعُ الْهَيْكَلِ، مِنْ كَوْنِ مِيخَا، الْإِصْحَاحُ ٤، الْآيَةُ ٨، سَمَّى أُورُشَلِيمَ بُرْجَ الْقَطِيعِ. وَلَكِنَّ مِيخَا سَمَّاهَا كَذَلِكَ بِالْمَجَازِ، رَمْزِيًّا وَتَمْثِيلِيًّا: فَإِنَّ بُرْجَ عِيدِرَ، أَيْ بُرْجَ الْقَطِيعِ، لَا يَبْعُدُ عَنْ بَيْتِ لَحْمَ إِلَّا أَلْفَ خُطْوَةٍ؛ أَمَّا أُورُشَلِيمُ فَتَبْعُدُ عَنْ بَيْتِ لَحْمَ سِتَّةَ آلَافِ خُطْوَةٍ. فَبُرْجُ الْقَطِيعِ إِذَنْ هُوَ مَوْضِعٌ غَنِيٌّ جِدًّا بِالْمَرَاعِي، حَيْثُ كَانَتْ تَتَوَفَّرُ وَفْرَةٌ مِنَ الْقُطْعَانِ، وَيَقَعُ بَيْنَ حَبْرُونَ وَبَيْتِ لَحْمَ، حَيْثُ رَعَى يَعْقُوبُ أَيْضًا قَطِيعَهُ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ فِي رِثَاءِ الْقِدِّيسَةِ بَاوْلَا، وَأُوخِيرِيُوسُ، وَرُوبِرْتُسُ. وَمِنْ هُنَا يَعْتَقِدُ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ وَتُوسْتَاتُوسُ وَأَدْرِيكُومِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ بِالْقُرْبِ مِنْ هَذَا الْبُرْجِ ظَهَرَ الْمَلَاكُ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْهَرُونَ عَلَى قَطِيعِهِمْ، وَبَشَّرَهُمْ بِمِيلَادِ الْمَسِيحِ. وَلِذَلِكَ بَنَتِ الْقِدِّيسَةُ هِيلَانَةُ، أُمُّ قُسْطَنْطِينَ الْكَبِيرِ، كَنِيسَةً بَارِزَةً بِالْقُرْبِ مِنْ هَذَا الْبُرْجِ، بِاسْمِ الْمَلَائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ.
الْآيَةُ ٢٢: اضْطَجَعَ رَأُوبَيْنُ مَعَ بِلْهَةَ
٢٢. اضْطَجَعَ رَأُوبَيْنُ مَعَ بِلْهَةَ. — بِسَبَبِ ذَلِكَ جَرَّدَ الْأَبُ يَعْقُوبُ رَأُوبَيْنَ مِنْ بُكُورِيَّتِهِ، وَلَعَنَهُ عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهِ، التَّكْوِينُ ٤٩: ٤. وَهَجَرَ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِلْهَةَ، وَلَمْ يَعُدْ يَقْرَبُهَا، بِاعْتِبَارِهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ بِهَذَا الزِّنَا الْمُحَرَّمِ: كَمَا امْتَنَعَ دَاوُدُ عَنِ السَّرَارِيِّ اللَّوَاتِي انْتَهَكَهُنَّ أَبْشَالُومُ، ٢ صَمُوئِيلَ ١٦: ٢٢. وَكَانَ هَذَا الصَّلِيبَ السَّادِسَ وَالْبَلِيَّةَ السَّادِسَةَ لِيَعْقُوبَ: فَإِنَّ الْخَامِسَةَ كَانَتْ مَوْتَ رَاحِيلَ، الْآيَةُ ١٩.
الْآيَةُ ٢٦: الَّذِينَ وُلِدُوا لَهُ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ
٢٦. الَّذِينَ وُلِدُوا لَهُ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ. — أَيْ أَنَّ أَحَدَ عَشَرَ وُلِدُوا فِي حَارَانَ، لَكِنْ وَاحِدٌ مُسْتَثْنًى وَهُوَ بِنْيَامِينُ: فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، بِالْقُرْبِ مِنْ بَيْتِ لَحْمَ. هَكَذَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُوسُ، الْمَسْأَلَةُ ١١٧. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْقِدِّيسَ كِيرِلُّسَ وَذَهَبِيَّ الْفَمِ وَبْرُوكُوبِيُوسَ يَسْتَنْتِجُونَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِصُورَةٍ أَقَلَّ دِقَّةً أَنَّ بِنْيَامِينَ حُبِلَ بِهِ فِي حَارَانَ وَلَكِنَّهُ وُلِدَ فِي كَنْعَانَ: فَإِنَّ بِنْيَامِينَ وُلِدَ بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ مِنْ رَحِيلِ يَعْقُوبَ عَنْ حَارَانَ وَاسْتِقْرَارِهِ فِي كَنْعَانَ. يُعَدِّدُ مُوسَى هُنَا نَسْلَ إِسْرَائِيلَ بِاعْتِبَارِهِمُ الزَّرْعَ الْمُخْتَارَ، لِيُقَابِلَهُمْ بِنَسْلِ عِيسُو بِاعْتِبَارِهِمُ الْمَرْفُوضِينَ، الَّذِينَ يُعَدِّدُهُمْ فِي الْإِصْحَاحِ التَّالِي.
الْآيَةُ ٢٧: مَدِينَةُ أَرْبَعَ
٢٧. مَدِينَةُ أَرْبَعَ — فِي قِرْيَةِ أَرْبَعَ، أَيْ حَبْرُونَ. كَمَا سَكَنَ فِيهَا، كَذَلِكَ مَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا إِسْحَاقُ. أَمَّا مِنَ الْجِهَةِ التَّرُوبُولُوجِيَّةِ (الْأَخْلَاقِيَّةِ)، فَيَكْتُبُ الْقِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ إِلَى إِيرِينَاوُسَ فِي «عَنْ ذَبِيحَةِ مِصْرَ»: «لِنَتَّبِعْ طُرُقَ الْقِدِّيسِ يَعْقُوبَ، لِنَصِلَ إِلَى تِلْكَ الْآلَامِ، إِلَى تِلْكَ الْمَعَارِكِ؛ لِنَصِلْ إِلَى الصَّبْرِ» (يُشِيرُ إِلَى أُمِّ يَعْقُوبَ رِفْقَةَ، الَّتِي يُفَسِّرُ اسْمَهَا بِالصَّبْرِ) «أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلَى الْأَبِ إِسْحَاقَ، أَيِ الْقَادِرِ عَلَى الْفَرَحِ، الْفَائِضِ بَهْجَةً؛ فَحَيْثُ يَكُونُ الصَّبْرُ، هُنَاكَ تَكُونُ الْبَهْجَةُ،» كَأَنَّهُ يَقُولُ: كَمَا تَقْتَرِنُ رِفْقَةُ وَإِسْحَاقُ مَعًا، كَذَلِكَ يَقْتَرِنُ الصَّبْرُ وَالْفَرَحُ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ الْفَرَحُ، كَزَوْجٍ وَفِيٍّ، الصَّبْرَ أَبَدًا، كَمَنْ هِيَ زَوْجَتُهُ.
تَسَلْسُلُ حَيَاةِ يَعْقُوبَ الزَّمَنِيُّ
ثَالِثًا، عَاشَ يَعْقُوبُ بَعْدَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ ٢٧ سَنَةً: فَإِنَّ إِسْحَاقَ مَاتَ حِينَ كَانَ يَعْقُوبُ فِي السَّنَةِ ١٢٠ مِنْ عُمُرِهِ. أَمَّا يَعْقُوبُ فَمَاتَ فِي السَّنَةِ ١٤٧ مِنْ عُمُرِهِ. لَاحِظْ عَرَضًا هُنَا السَّنَوَاتِ الْمَفْصِلِيَّةَ فِي حَيَاةِ يَعْقُوبَ، وَهِيَ: ٧٧ لِمَنْفَاهُ فِي حَارَانَ، وَ٨٤ لِزَوَاجِهِ مِنْ رَاحِيلَ وَلَيْئَةَ، وَ٩١ لِمِيلَادِ يُوسُفَ، وَ١٤٧ لِوَفَاتِهِ. فَجَمِيعُ هَذِهِ السَّنَوَاتِ سُبَاعِيَّةٌ، أَيْ سَنَوَاتٌ سَابِعَةٌ، يُؤَكِّدُ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهَا تُحْدِثُ تَغْيِيرًا عَظِيمًا فِي الْإِنْسَانِ، كَمَا أَحْدَثَتْ فِي يَعْقُوبَ هُنَا.
يَعْقُوبُ، هَارِبًا مِنْ عِيسُو، ذَهَبَ إِلَى مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ فِي السَّنَةِ ٧٧ مِنْ عُمُرِهِ. أَقَامَ هُنَاكَ ٢٠ سَنَةً؛ ثُمَّ عَادَ إِلَى كَنْعَانَ فِي السَّنَةِ ٩٧ مِنْ عُمُرِهِ. تَغَرَّبَ هُنَاكَ عَشْرَ سِنِينَ، وَذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا كَانَ غَنِيًّا وَلَدَيْهِ وَفْرَةٌ مِنَ الْقُطْعَانِ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَرَاعِي مَكَانٍ وَاحِدٍ لِتَكْفِيَهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَعْقُوبُ يَزُورُ أَبَاهُ مِنْ حِينٍ لِآخَرَ، تَارَةً بِنَفْسِهِ وَتَارَةً عَنْ طَرِيقِ خُدَّامِهِ وَرُسُلِهِ وَرَسَائِلِهِ. بَعْدَ ١٠ سَنَوَاتٍ، أَيْ فِي السَّنَةِ ١٠٧ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا رَاحِيلُ وَوُلِدَ فِيهَا بِنْيَامِينُ، جَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى حَبْرُونَ عِنْدَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ الَّذِي كَانَ يَضْعُفُ مِنَ الشَّيْخُوخَةِ، قَاصِدًا الْبَقَاءَ مَعَهُ بِشَكْلٍ دَائِمٍ: أَقَامَ مَعَ أَبِيهِ ١٣ سَنَةً، مَاتَ بَعْدَهَا إِسْحَاقُ عَنْ عُمُرٍ يُنَاهِزُ ١٨٠ سَنَةً، وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ ١٢٠ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ وَالسَّنَةِ ٢٦ مِنْ عُمُرِ يُوسُفَ.
التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي ذِكْرِ مَوْتِ إِسْحَاقَ
أَيْضًا، فِي السَّنَةِ نَفْسِهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا رَاحِيلُ، وَفِي السَّنَةِ نَفْسِهَا الَّتِي وُلِدَ فِيهَا بِنْيَامِينُ، وَهِيَ السَّنَةُ ١٠٧ مِنْ عُمُرِ يَعْقُوبَ، بِيعَ يُوسُفُ مِنْ قِبَلِ إِخْوَتِهِ وَهُوَ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ وَاقْتِيدَ إِلَى مِصْرَ. وَلِذَلِكَ حِينَ كَانَ إِسْحَاقُ يَمُوتُ فِي السَّنَةِ ١٨٠ مِنْ عُمُرِهِ، كَانَ يُوسُفُ فِي مِصْرَ فِي سَنَتِهِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَالتَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَهِيَ السَّنَةُ ٥٢٧ مِنَ الطُّوفَانِ، وَ٢٢٢٨ مِنْ خَلْقِ الْعَالَمِ. فَهَذَا إِذَنْ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ (هِيسْتِيرُونْ بْرُوتِيرُونْ): فَإِنَّ مَوْتَ إِسْحَاقَ ذُكِرَ هُنَا قَبْلَ مَا كَانَ يَنْبَغِي بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ الزَّمَنِيِّ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ بَيْعِ يُوسُفَ، قُرْبَ نِهَايَةِ الْإِصْحَاحِ ٤٠ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ. هَكَذَا يَقُولُ أَبُولِنْسِيسُ وَبِيرِيرِيُوسُ وَغَيْرُهُمْ.
الْآيَةُ ٢٨: تَمَّتْ أَيَّامُ إِسْحَاقَ
الْآيَةُ ٢٨. وَتَمَّتْ أَيَّامُ إِسْحَاقَ مِئَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً.
الْآيَةُ ٢٩: وَقَدْ أَنْهَكَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ
الْآيَةُ ٢٩. وَقَدْ أَنْهَكَتْهُ الشَّيْخُوخَةُ، إِذْ خَمَدَتِ الْحَرَارَةُ الطَّبِيعِيَّةُ وَجَفَّتِ الرُّطُوبَةُ الْجَذْرِيَّةُ الَّتِي تُغَذِّي الْحَرَارَةَ الطَّبِيعِيَّةَ وَتَحْفَظُهَا، كَمَا يَتَغَذَّى لَهِيبُ الْمِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ. وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ، أَيْ إِلَى الْآبَاءِ فِي الْجَحِيمِ الْمَوْقُوفِينَ. انْظُرْ مَا قِيلَ فِي الْإِصْحَاحِ ٢٥، الْآيَةِ ٨. عَاشَ إِسْحَاقُ ١٨٠ سَنَةً؛ وَنَحْنُ نَعِيشُ ٦٠ أَوْ ٧٠. يَشْتَكِي النَّاسُ مِنْ قِصَرِ الْحَيَاةِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ يَعِيشُونَ لِغَيْرِهِمْ وَقَلِيلُونَ يَعِيشُونَ لِأَنْفُسِهِمْ: وَالسَّبَبُ هُوَ أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ كَأَنَّهُمْ سَيَعِيشُونَ إِلَى الْأَبَدِ. فَلْيَتَأَمَّلُوا عَلَى الْأَقَلِّ تِلْكَ الْمَقُولَةَ لِسِينِيكَا: زَمَنُ الْحَيَاةِ إِمَّا هُوَ كَائِنٌ، أَوْ كَانَ، أَوْ سَيَكُونُ؛ فَمَا نَفْعَلُهُ قَصِيرٌ، وَمَا سَنَفْعَلُهُ غَيْرُ يَقِينٍ، وَمَا فَعَلْنَاهُ مُؤَكَّدٌ. فَلِمَاذَا إِذَنْ، مِنْ هَذَا الْمُرُورِ الضَّئِيلِ الزَّائِلِ لِلزَّمَنِ، لَا نُعْطِي أَنْفُسَنَا بِكُلِّ رُوحِنَا لِتِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ لَامُتَنَاهِيَةٌ، الَّتِي هِيَ أَبَدِيَّةٌ؟ أَيُّ مَكَانٍ يَنْتَظِرُ رُوحَكَ بَعْدَ الْحَيَاةِ، أَيُّ نَصِيبٍ يَتَرَقَّبُكَ، أَيْنَ بَعْدَ الْمَوْتِ سَتَضَعُكَ الطَّبِيعَةُ، بَلِ اللهُ؟